← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

واجب المسلمين تجاه إخوانهم إنني في هذا المقام أذكر أن هناك منظمتين إسلاميتين تقومان بجهد جيد مشكور، وهما منظمة لجنة مسلمي إفريقيا وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، ولكنها لا تنافس ذلك القدر الهائل من المنظمات، وتلك الأموال الطائلة والإمكانيات الضخمة، إضافة إلى ذلك فإنني أناشد هاتين المنظمتين أن تبعثا بتقاريرها وبما يواصلها به مندوبوها إلى كل إمام وخطيب وإلى كل رئيس هيئة تحرير بل إلى كل مسلم، وإلى كل صناديق البريد؛ ليعلم الناس؛ فإن هذه الهيئات لا يصل خبرها إلى المسلمين، ولا يعرف تقاريرها أبناء الإسلام، ولا ينشر كثير مما ترى، ولا تكتب في الصحف أو في الإذاعات أو على شاشات التلفزة، فينبغي أن تعالج هذا الأمر؛ لأن وصول الأنباء ومعرفة الأخبار وإشاعة التقارير لها أثر كبير محمود. والله نسأل أن يدفع عن المسلمين السوء والضر، وأن يرزقنا أن نؤدي شكر النعم، وأن يدفع عنا أسباب الهلاك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2452

صور من مآسي المسلمين في الهند الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى نصرة المسلم، والله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال رسولنا ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، وكلهم مظلومون بهذه المؤامرات والمؤتمرات والكيد والحروب. وكذلك يخبرنا النبي ﷺ عن واجب المسلمين، ويصفهم بأنهم (تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، فلا بد أن يستشعر المسلم وحدته مع إخوانه، والقضية ليست قضية إنسانية فحسب، بل هي قضية إسلامية، ولذا أواصل استكمال الصورة ليس في الصومال، وإنما في مناطق أخرى بإيجاز شديد؛ لأبين أن القضية هنا وهناك في آسيا وفي أوروبا وفي أفريقيا وفي أماكن أخرى إنما هي قوة ومؤامرة بصورة أو بأخرى، هدفها: القضاء على الإسلام، والقضاء على المسلمين، وإخراج المسلمين من دينهم. وإليكم هذا الخبر الذي يقض مضاجع المؤمنين فيما وقع على إخواننا المسلمين في الهند: نشرت التقارير في أوائل هذا الشهر الميلادي نقلاً عن صحيفة هندية شهيرة تتبع للهندوس ذكرت فيها: أنه خلال نحو عامين تم ارتداد خمسين ألف مسلم، ودخلوا في الديانة الهندوسية. وأشارت تقارير الجماعة الإسلامية في باكستان أن هذا العدد ليس صحيحاً، وأن العدد الصحيح يتراوح ما بين مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف من الذين تركوا الإسلام ودخلوا في الهندوسية، فهل كان ذلك باختيارهم؟! كان ذلك بالعنف والإجبار والإكراه وبالقوة والسلاح، وكان ذلك بالتضييق والتجويع، وكان ذلك بإحراق المنازل ومحاصرة التعليم، وكان ذلك بكل ضروب العسف والقهر والعدوان، وكان ذلك على فئة من المسلمين، حيث قالوا: ينبغي أن يرجعوا إلى الهندوسية؛ لأن أجدادهم كانوا من الهندوس، وبعض أولئك دخلوا في الإسلام في أوائل الثمانينات، ثم أجبروا في هذه الولايات قهراً وقسراً على أن يتركوا دينهم، وأن يدخلوا في الهندوسية! وتقول مجلة الإصلاح التي نشرت الخبر مفصلاً: المهم أن الخطر ليس على المسلمين بالاسم، بل هي بداية وانطلاقة لمأساة هدفها القضاء على إسلام المسلمين الهنود الذين يشكلون أكبر عدد من المسلمين في دولة واحدة بعد أندونيسيا، ومعلوم أن عدد المسلمين في الهند يبلغ عشرين ومائة مليون مسلم، يعادلون عدد المسلمين في الدول العربية جمعاء، ومع ذلك يمارس ضدهم هذا الاضطهاد، ويلجئون إلى الارتداد، وليس هناك من ملب ولا مجيب.

стр. 2453

صور من مآسي المسلمين في البوسنة والهرسك، وبيان حقد الغرب على المسلمين وإذا انتقلنا إلى الحدث الساخن الثالث وما يجري في أوروبا المتحضرة ذات الحضارة المدنية الباهرة، وذات الإعلانات الحضارية الزائفة التي تدَّعي حماية حقوق الإنسان، والتي تدّعي رفع شعار العدالة الدولية، والتي تدّعي أنها تنصر الحق في أي مكان، وأنها تنجد الإنسانية في أي ميدان، وإذا بنا نرى على مدى شهور طويلة هذه المؤامرة البغيضة الحاقدة على إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وليس من ذنب ولا من خطأ ولا جريمة إلا أن القوم مسلمون، وإن كان بعضهم ربما لا يعرفون من الإسلام إلا أقل القليل؛ ولذلك كلما مر زمن كلما اتضحت أبعاد المؤامرة. فإذا بنا نسمع عن معسكرات الاعتقال التي تضم أكثر من (٢٦٠٠٠٠)، وإذا بنا نسمع عن قتل أكثر من (١٧٠٠٠) في داخل هذه المعتقلات، وأن (٥٠٠٠٠) من هؤلاء يضطهدون ويعذبون حتى الموت، وأن هناك ما يسمى بحملات التطهير العرقي، وهي في الحقيقة حملات التطهير الديني!! فلماذا يقتلون الأطفال؟! ولماذا يبقرون البطون ويقتلون الأجنة التي لم تر النور؟! إنهم يقتلون الإسلام الذي يثأرون منه كما يقولون، إنهم يقتلون الإسلام الذي لا يريدون له أن ينبعث في القارة الأوروبية النصرانية المسيحية التي لا تقبل وجوداً للإسلام والمسلمين، ولذا غضت الطرف وسكنت وسكتت، فلما ظهرت الصور الفظيعة تحركت بالإغاثة لا لأجل ألا يموتوا ويقتلوا، ولكن ليكن موتهم وهم شباع البطون بدلاً من أن يموتوا وهم جياع، فقد تم الاتفاق على أنهم يموتون ويقتلون ويهجرون، ولكن يمكن أن يموتوا بعد تزييف لهذه المساعدات الإنسانية. وكذلك عندما جاء الكلام على التدخل العسكري، وعلى معاقبة المعتدي، فإن الأقوال تشعبت وتعددت، وإن التبريرات تكاثرت وتعددت، وكل ذلك ينبئ أن القوم ماضون في المؤامرة، ومؤخراً اتضحت الأبعاد، وتبادل الصرب والكروات الأسرى، وبدءوا ينسقون فيما بينهم، ويوزعون أراضي البوسنة والهرسك: ثلثين للصرب وثلثاً للكروات، ويحددون مواطن كل دولة تنضم إلى التي تريد، إما إلى دولة صربيا العظمى أو الكبرى كما يسمونها، أو إلى دولة الكروات. وهذه المؤامرات تؤكد أن القضية دينية إسلامية، وأن المؤامرة صليبية مسيحية، ولعلكم تسمعون الفظائع التي تبين لنا أن القوم بنصرانيتهم وأن القوم بحضارتهم أنهم ليسوا من الإنسانية ولا من الآدمية بسبب ولا بنسب، ولذلك قتلوا الأطفال، واختطفوا النساء، والحقائق والوثائق والتقارير التي نطلع على جزء يسير منها يشيب لهولها الولدان. ومن ذلك أنهم قتلوا (٥٠٠) من المسلمين بطريقة عجيبة فظيعة لا يصدقها العقل، سحبت منهم الدماء لأجل إنقاذ جرحى الصرب، فكان الواحد منهم يموت وهو يقطر دماً قطرة قطرة، حيث يسحب دمه حتى يلفظ أنفاسه!! وفي موقع آخر حشر (٥٧) من المسلمين في بدروم لعمارة، ثم جاء واحد من الصرب وألقى عليهم قنبلة يدوية، ولما تعالت الصرخات من هؤلاء تعالت الضحكات من ذلك الوغد الحقير، وكل هذه الصور تتناقلها وسائل الإعلام!! والأمر أيضاً مرة أخرى تنصير، ومؤامرة على الإسلام في الأطفال الذين يستوعبون في البلاد الأوروبية شرقاً وغرباً، ليضعوا لبان النصرانية، ولذلك قال أحد كتابنا في مجلة اليمامة: إني أحس بألم شديد أن يتحول هؤلاء الأطفال إلى ديانة غير الإسلام؛ لأن إخوانهم المسلمين تخلوا عنهم في لحظة هم في أمس الحاجة إلى أن تمتد إليهم أيدي إخوانهم المسلمين لتنتشلهم، ثم يقول: المهم ألا نفرط بهذه البراعم التي أنقذها الله من براثن الشيوعية ثم ابتلاها ببراثن التعصب الأعمى الذي اجتثها من الأرض. ويقول كاتب آخر: لقد اتضح أن القيادات الغربية في أمريكا وأوروبا لن تتخذ أي مبادرة بهذا الخصوص لنجدة المسلمين. لماذا ينجدون المسلمين؟! لماذا يفنون أموالهم أو يبيدون رجالهم لأية مصلحة؟! إن مصلحتهم في عكس ذلك، ويقول: لم تتخذ أية مبادرة بهذا الخصوص، والأمم المتحدة قدمت كلما لديها، ووجدنا أنه حل سقيم، ولكنني أعتقد أن الغرب إذا شعر بأن الدعم الإسلامي للبوسنة يجسد تيارات قوية رسمية وشعبية في العالم الإسلامي فقد يفكر في تغيير موقفه في البوسنة، وإذا أدرك الغرب أو اعتقد أن موقفه تجاه قضية البوسنة سيضر ببعض مصالحه في العالم الإسلامي فقد يتجه نحو صد العدوان الصربي على البوسنة.

стр. 2454

قضية المسلمين واحدة في كل مكان، والدفاع عنها مسئولية الجميع إنه منطق القوة لا يجدي غيره، ولو أن أمم الإسلام حاربت بجيوشها، أو حاربت بمقاطعتها لهذه البلاد ومنعت البترول، ومنعت عن المناصرين الذين يؤيدون هؤلاء المدد وكل ألوان التعامل؛ لكان هناك شأن آخر، هذا إذا كان هذا في دول أوروبية، فكيف الحال إذا كان في الهند؟! قال الشاعر: غض المفاوض صوته فتكلم بلسان نار يا كتائب أو دم لم يسمع المحتل من خطبائنا فلتفهموا المحتل ما لم يفهم لا بد أن ندرك أن القضية حرب على الإسلام وإن اختلفت الصور وإن تعددت الأماكن، والصرخة ما تزال تدوي في الفضاء: واإسلاماه! لتبين الأمر للغافلين الذين يعيشون في وهم الشرعية الدولية، ويعيشون في وهم النظام الدولي الجديد ويعيشون في وهم تسامح الأديان، والإخاء الديني والنظرة الحضارية والنظرة الإنسانية: بني الإسلام هذي حرب كفر لها في كل ناحية لهيب يحركها اليهود مع النصارى فقولوا لي: متى يصحو اللبيب؟ أراكم تنظرون وأي جدوى بنظرتكم إذا غفت القلوب؟ ستطحنكم مؤامرة الأعادي إذا لم يفطن لها الرجل الأريب وليس هناك من ذنب إلا أن هؤلاء الذين يضطهدون في كل مكان مسلمون، كما قال الشاعر الآخر: لأنك مسلم سترى العذابا وسوف تواجه العجب العجابا لأنك مسلم ستموت غماً وهماً واضطهاداً واضطرابا ستسأل كل أهل الأرض عدلاً وتنتظر الجواب ولا جوابا يسوءك أن ترى الطاغوت يعلو ويحني المسلمون له الرقابا لأنك مسلم ستزور سجناً وتنهبك السياط به نهابا إذا قرعت به يمناك باباً سمعت الفحش يسرع والسبابا وسوف تعض من ألم بناناً وسوف تسف من جوع ترابا فإما أن تكون كما أرادوا وإما ينزلون بك العقابا هذه هي الحقيقة، وهذه هي الصورة والمؤامرة، وليس لها من دون الله كاشفة، وليس لها بعد الله إلا المؤمنون الغيورون، وليس لها بعد الله إلا المسلمون الصادقون، وليس لها بعد الله إلا أن تتحرك القلوب، وأن تلهج الألسن بالدعاء، وأن تمتد الأيدي بالعطاء، وأن يبادر كل قادر على ما يستطيع، وإن التقارير التي سأذكر بعضاً منها بعد الخطبة تبين لنا أن الأمر الذي يحتاجون إليه لا يكلفنا الكثير، بل هو يكلف أقل القليل مما نزهد فيه، بل مما نتخلى عنه في أمور تافهة، ولذلك ينبغي لنا أن نتوجه إلى الله بقلوب مخلصة وبدعوات حارة خالصة. اللهم إنك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر، اللهم قلَّ الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع الحاكم، اللهم بك نعتز عليهم، وإليك نهرب من بين يديهم، حاكمناهم إليك، وتوكلنا في إنصافنا منهم عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا وبين أعدائنا بالحق وأنت خير الحاكمين. اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، إلى من تكلنا: إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن عافيتك ورحمتك هي أوسع لنا، اللهم فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2455

ومضات إصلاحية من الآيات القرآنية الإصلاح قضية مهمة في حياة المجتمعات والأفراد، وهي قضية لا تقوم إلا على أسس راسخة، وقواعد ثابتة، وقد كان أنبياء الله هم قادة الإصلاح في جميع المجالات، وقد طرح الشيخ في هذه المادة أسس الإصلاح التي انطلق منها نبي الله شعيب ﵇ حتى تكون منهاجاً لكل من يريد الإصلاح.

стр. 2456

القرآن والسنة هما أسس الإصلاح الحمد لله كاشف الضر والبلوى، عالم السر وما هو أخفى، الآمر بالبر والتقوى، الناهي عن الإثم والنجوى، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً وفتح به قلوباً غلفاً. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى به نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! ومضات إصلاحية من الآيات القرآنية، نجعلها حديث يومنا هذا وقد كثر الحديث عن الإصلاح، وتنوعت صوره، فمن إصلاح تأتي به دبابة عسكرية إلى إصلاح تبثه قنوات فضائية إلى إصلاح آخر يتجلى في مبادرات سياسية إلى ثالث ورابع وخامس، وقلما سمعنا في الإصلاح الذي يأتي من الخارج، أو الذي يروج في الداخل، أو الذي يتناقل في وسائل الإعلام هنا أو هناك، قلما رأينا تأصيله من كتاب الله، واسترشاده التام بهدي رسول الله ﷺ . إن الثوب إذا كان من قماش حسن، وبخياطة متقنة لكنه على غير مقاسك، لا تستطيع الانتفاع به، وكذلكم كل ما يأتي على غير الأساس الذي نقوم عليه، وننطلق منه، ونحتكم إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلن يكون محققاً لمراداتنا وطموحاتنا من هذا الإصلاح. وذلك يقين لا بد أن يستقر في النفوس والقلوب، مع علم وفكر وبصيرة تدرك أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيهما من القواعد الكلية، والمقاصد الشرعية، ما يستوعب مستجدات كل زمان، وما يصلح أحوال كل مكان، وما ينفع الإنسان في تقلبات أحواله وتغيرات أزمانه. فليس هناك قصور كما يتوهم البعض، ولا تخلف كما يفتري البعض، بل كمال مطلق، وصلاح دائم، وتجدد مستمر، ومرونة عظيمة، مع أصالة وثبات يعتصم به المؤمنون والمسلمون من أن تضل بهم الأهواء، أو أن تتقاسمهم الآراء، أو أن تتشبث بهم الحيرة، أو أن يغشاهم الاضطراب، ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧].

стр. 2457

الإصلاح في دعوة نبي الله شعيب ﵇ وليس مقامنا هذا كافياً لأن نتحدث عن منهج الإصلاح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن ذلك يستوعب الحياة كلها في مجالاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدولية وغير ذلك، وحسبنا في هذا المقام الذي نفتتح به حديث الإصلاح في القرآن والسنة أن يكون اليوم في ومضات قرآنية ربما نأخذ جلها من قصة واحدة من قصص الإصلاح وحواراته من رسول الله شعيب عليه صلوات الله وسلامه.

стр. 2458

أول إصلاح قام به شعيب ﵇ هو الاعتقاد الصحيح قصة شعيب مع قومه فيها ومضات منهجية نؤسس بها لقضية الإصلاح: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود:٨٤]. نبي من أنبياء الله، والأنبياء هم صفوة المصلحين، وخلاصة الذين رسموا المنهج القويم للإصلاح على هدي من ربهم، وبنور من وحيه، وبرقي وسمو بما كانوا عليه من صلاح السرائر، وجمال الأخلاق، ورشد العقول، وحسن التدبير، وكمال السياسية. هذه دعوة شعيب يبدؤها بأول وأهم وأعظم أساس لا يكون إصلاح إلا به، أساس الإصلاح الاعتقادي الإيماني الذي يعلق القلوب بتوحيد الله وتعظيمه، فلا شرك ولا إشراك ولا توزع لهموم الإنسان وطموحاته أو خوفه ورجائه إلى آلهة متعددة وإن لم تسم آلهة. أول دعوة بدأ بها شعيب وبدأ بها كل الرسل والأنبياء: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٨٤]، هذه الدعوة الإصلاحية الأولى. كم نحن في حاجة إلى إصلاح مسائل الاعتقاد والإيمان من جهات ووجوه شتى، منها العلم والمعرفة المبنية على الدليل الثابت من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بعيداً عن انحراف الآراء وانجراف الأهواء. كم نحن في حاجة من جهة أخرى إلى دحض الشبهات، وإلى بيان فساد المبتدعات، وإلى التذكير والتحذير من خطورة الشركيات، ليس من ذلك شيء إلا ونحن في أمس الحاجة إليه، وليس من ذلك شيء إلا وهو من أعظم وأسس الانحراف والضعف والزيغ الذي حل بأمتنا، أو بكثير من أبنائها وفي كثير من أصقاعها. ثم نحن كذلك في حاجة إلى مراجعة الأثر الحقيقي للإيمان في واقع الحياة، هل قضايا الإيمان تشربتها القلوب؟ هل حقائق الإيمان رسخت في النفوس؟ هل أصبحت تجري مع الدماء في العروق؟ هل تضبط الخواطر والأفكار؟ هل تهذب الأقوال والكلمات؟ هل تقوم السلوك والأعمال؟ هل تحكم بين الناس فيما يجري بينهم من الأمور؟ هل تضبط أمور معاملاتهم المالية؟ هل هي حقيقة حية واقعة تتجلى في سجود جباههم، ودموع أعينهم، ووجل قلوبهم، وورع نفوسهم؟ هل حقيقة الإيمان موجودة؟ لو أنها كانت على النحو المطلوب، وعلى الوجه الكامل، وعلى الصورة المؤثرة لرأينا كثيراً من وجوه الفساد والقطيعة والخلاف تنتهي وتزول من واقع حياتنا، ولكنه الإيمان إذا انحرف ضل أربابه إلى صور من شرك أو انحراف وابتداع، وإذا ضعف فاستولت الدنيا بشهواتها على القلوب، وسيرت النفوس، وحكمت في العلائق والأحوال المختلفة؛ فحينئذ لا يرجى أن يرجى أثر لأي إصلاح، وذلك ما دام الفساد في القلوب مستقراً، وما دام الكدر والقذر موجوداً في النفوس لم تطهره قضايا الإيمان وحقائقه كما ينبغي. إن طهارة القلوب، وزكاة النفوس، ورشد العقول، وحسن الأقوال، وصحة الأعمال، وصلاح الأحوال، لا يمكن أن تنطلق إلا من أساس صحيح لاعتقاد صحيح راسخ مؤثر، ذلكم هو أساس الإصلاح والتغيير الذي جاء به سيد الخلق محمد ﷺ ، يوم بذر بذرة الإيمان في قلوب قوم من أهل الشرك والكفر والجاهلية والعصبية، كانوا أهل فسق وفجور، أهل انحراف وأهواء، فإذا بهذا الإيمان يغير حياتهم، ويؤسسها على قاعدة جديدة متينة من شهادة التوحيد، ومن معرفة حقائق الإيمان وتأثيره في النفوس. وتلك هي القضية التي جاء بها الرسل والأنبياء، جاء بها شعيب هنا وقدمها لتكون أساساً يبني عليه الإصلاح الاقتصادي الذي كان الإفساد فيه شائعاً في قومه، وجاء بها موسى ﵇ ليصلح الفساد والطغيان السياسي الذي كان عليه فرعون، وجاء بها لوط ليصلح الإفساد الأخلاقي الذي كان في شذوذ قومه وانحرافهم فيما يأتون من الذكران. فكل قضية إصلاحية إنما يؤسس لها بتأسيس صلاح الإيمان، وصحة الاعتقاد، وحسن التعلق بالله، وكمال الرجاء فيه، وعظمة الخوف منه، وصدق التوكل عليه, ودوام الإنابة إليه، تلك هي التي تحسن بها أحوال الناس في معاشهم، وتكون بعد مماتهم سبباً لنيل رحمة الله ورضوانه.

стр. 2459

الإصلاح الثاني الذي دعا إليه شعيب هو الامتثال لأمر الله قال الله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف:٨٥]؛ لأجل دنيا تريدون تحصيل المزيد من الأرباح فيها بتنكب الحق وارتكاب الغش، وقال لهم: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) ما معنى ذلك؟ أراكم بخير في معيشتكم ورزقكم، أي: فيما تأخذون من الحلال وإن كان قليلاً، فأخاف أن تسلبوا ما أنتم عليه بانتهاككم محارم الله، قاله ابن كثير في تفسيره. إذاً: الإصلاح يعتمد كذلك على الطاعة لله ، والموافقة لشرعه، والمجانبة لمحادته ومشاقته ومخالفة أمره، فإن دواعي الفساد والإفساد إنما مبعثها مخالفة حكم الله ، وهدي رسوله ﷺ . وما كان من التزام بأمر الله وأمر رسوله فذلك فيه الصلاح والخير، ولذلك قال: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود:٨٤] أي: ما استقمتم على أمر الله، ثم حذر فقال: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود:٨٤] بأن تفسد أحوالكم في دنياكم، وتحل بكم نقمة الله ، وينزل بكم سخطه، وتنزع منكم بركته في الدنيا، ثم تكون العاقبة السيئة والعياذ بالله في الآخرة. فالأساس الإصلاحي الثاني الذي تصلح به أحوال العباد بعد حسن الاعتقاد: حسن الامتثال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، وهذه دعوات قرآنية كثيرة، ودعوات نبوية عديدة، يقول المصطفى ﷺ : (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وينبغي أن نعلم سوء أثر مخالفة أمر الله في واقعنا، لم افترقت النفوس؟ لم اختلفت الآراء؟ لم تفرقت الصفوف؟ لم قست القلوب؟ لم جحدت العيون وقحطت؟ لم تغيرت أحوالنا؟ إنه بسبب ضعف إيماننا وكثرة معاصينا، والمعصية آثارها عظيمة، وأضرارها وخيمة ووبيلة، والمؤمن الحق يدرك تماماً أن أثر المعصية عظيم. ولقد كان أسلافنا رضوان الله عليهم يرون أثر المعصية في الأمر اليسير الهين الذي لا نلقي له بالاً، فكانوا إذا ساء خلق زوجة أحدهم أو دابته رد ذلك إلى قصور في طاعته، أو إلى غفلة في ارتكاب شيء من المعاصي، كانوا يرون أن كل عارض يعرض لهم فيه ضرب من الابتلاء أو ضرب من العناء، إنما هو بسبب شيء من غفلتهم عن أمر الله أو اجترائهم على معصية الله. واليوم قد كثرت الذنوب والمعاصي، وتعاظمت حتى صارت كأمثال الجبال، بل ملأت ما بين السماء والأرض، ثم بعد ذلك نسأل: ما السبب في تغير أحوالنا؟! ولماذا لا نستطيع أن نحقق مرادنا ولا أن نصل إلى مبتغانا، ولا أن نصلح أحوالنا، ولا أن نداوي أمراضنا؟! إن ذلك لا يكون ولن يكون إلا بالصلح مع الله ، وإصلاح ما بيننا وبينه، وبالتعظيم والوفاء لرسولنا ﷺ ، استمساكاً بهديه واتباعاً لسنته، وذباً عنه ﵊. ولذلك حذر شعيب هنا من هذه المعصية، فماذا كان جواب القوم، وإن كان لا يعنينا ذلك كثيراً في هذا المقام، لأننا إنما نريد أن ننظر إلى لسان المصلح ماذا كان يقول؛ وإلى نظريته التي يقدمها إلى توجيهاته التي يذكرها. لكنهم في سياق ردهم عليه جاءوا بالتهكم والسخرية، وأتوا بما يستوجبون به سخط الله ، وحلول الفساد في أرضهم وديارهم، وقبل ذلك في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، قالوا: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]، لم يقولوا ذلك ذكراً لصفات حسنة فيه، ولكنهم يقولون: إن مقتضى ما تقوله لنا يدلنا على أنك لست بحليم ولا رشيد. يقولون ذلك على سبيل التهكم، ويذكرون هنا قضية مهمة في شأن الإصلاح، وللأسف أن بعض بني جلدتنا الناطقين بألسنتنا يشابهونهم في قولهم: (أصلاتك تأمرنا أن نترك ما كان يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، وهؤلاء يقولون: لماذا تدخلون أمر الاعتقاد والدين في صلب الحياة؟ ما للدين وللاقتصاد؟ ما للدين وللسياسة؟ وما للدين وللحياة الاجتماعية؟ ما للدين وللحياة العلمية والتقنية؟ أرادوا أن يقولوا له: بماذا جئتنا يا شعيب؟ نحن ننكر ونستنكر ولا نقبل ولا نفهم أن تكون صلاتك التي تقوم بها، أو ديانتك التي جئت بها، تريد أن تغير أحوال حياتنا كلها، تريد أن تضبط وتحكم تفاعلات جوارحنا ومعاملاتنا في سائر جوانب حياتنا! وذلكم ما لعله اليوم يقال في ديار الإسلام، وبألسنة بعض أبناء الإسلام الذين يقولون: لماذا لا نأخذ النظريات الاقتصادية من الشرق؟ لماذا لا نأخذ النظم السياسية من االغرب؟ لماذا لا نستفيد في جوانب الحياة الاجتماعية من هنا أو هناك؟ وكأننا فقراء لا منهج عندنا! كأننا أمة مبتوتة لا تاريخ لها! كأنه ليس بين أيدينا النور التام الذي تبحث عنه البشرية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ! لقد أصبحنا اليوم نسمع عن الديمقراطية والحرية وغيرها من المصطلحات، ولم نعد نسمع ذكراً لآية من كتاب الله، أو حديثاً من سنة رسول الله ﷺ ، أو صفحة مشرقة من صفحات كثيرة ملئ بها تاريخنا الذي رسم الحياة الإنسانية على القاعدة الإيمانية، وفي ظلال الشريعة الإسلامية، فأتى بالتقدم والرخاء الاقتصادي، وأتى بالعدالة السياسية والقضائية، وأتى بأحسن القوانين والأحوال الاجتماعية، وأقام فوق ذلك حضارة مدنية وتقدماً علمياً، ما تزال أمم اليوم تعود نهضتها إليه، ويرجع مبتدؤها إليه، فأين أمة الإسلام عن حقيقة الإصلاح في جوهر المنهج القرآني والرباني؟

стр. 2460

نبي الله شعيب يؤسس قواعد الإصلاح ثم استمعوا معي إلى ما قاله شعيب ﵇ في هذه الكلمات التي تؤسس القواعد مع ما سبق أن ذكرناه من قاعدة الإيمان وحسن الاعتقاد وصحته، وقاعدة الاستقامة وكمال الالتزام بشريعة الله . قال ﵇ عندما ردوا عليه بهذا الرد: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. في هذه الآيات منهج لكل مصلح ما الذي ينبغي عليه في تكوين ذاته ونفسه، ما الذي يجب عليه في حسن عرضه ودعوته، ما الذي ينتهي ويرتكز عليه في قدرته ومواصلته. استمعوا إلى هذه الآيات! استمعوا إليها بالقلوب والعقول استماعاً فيه التدبر والتأمل وهو يقول: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود:٨٨]، فأول أمر أيها المؤمنون المسلمون لا بد أن نكون على بينة من أمرنا، على بينة من ديننا، على بينة من نهجنا، لا بد أن نعرف حقائق إيماننا وشرائع إسلامنا، أن نعرف ما يثار من الشبهات. لا بد أن نعرف المنهج الإسلامي معرفة صحيحة من أصوله الصافية، ومنابعه العذبة؛ لأن هذا هو الذي يجعل لنا النور الذي نكشف به صور الانحراف والخلل، وهذا هو الذي يثبت المصلح. أما إذا لم يكن المصلح على بينة من ربه، وعلى معرفة من نهجه، فربما اضطرب أو تشكك، وربما تراجع وتقهقر، وربما وافق وداهن أو جامل فيما لا ينبغي أن يكون؛ خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه المفاسد والأطروحات والضغوطات المختلفة، حتى صار الناس يدعون أموراً ليست من الإسلام وينسبونها إليه؛ لأنهم ليسوا على بينة من ربهم. وهذا أول أمر ينبغي للمؤمن والمصلح والداعية والعالم وكل فاعل خير في هذه الأمة أن يتزود به، وأن يتحصن به، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، حتى وإن كذبت الدنيا كلها، وإن صارت وسائل الإعلام تصك أذاننا كل يوم بمذاهب وضعية بشرية؛ فإننا نقول: إنا على بينة من ربنا. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام:٥٧] كانوا يقولون: أين أثر ذلك؟ أين النتيجة لذلك؟ واليوم يقول بعض المسلمين: أين أثر القرآن وأين أثر الإيمان؟ وأين أثر شعائر الإسلام؟ هل يمكن أن تطبق في واقع الحياة اليوم؟ إن هذا التشكك لا يزيله إلا يقين راسخ، ومعرفة تامة، وبينة واضحة في منهج الإسلام. ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]. ثم قال شعيب ﵇: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود:٨٨] قال أهل التفسير: قصد النبوة، أو الرزق الحلال، قال ابن كثير: والأمر يحتمل، ومقصوده في سياق الآية: (ورزقني منه رزقاً حسنا) أي: أخذت من الحلال ما كان موافقاً لشرع الله، وتركت ما كان من الحرام مخالفاً لأمر الله. فالاستقامة هنا بعد وضوح المنهج، إن كل مصلح لا بد أن يكون قدوة ولا بد أن يكون مسابقاً لكل خير يدعو إليه، ومجتنباً لكل سوء أو شر يحذر منه، لا بد أن يكون قدوة تتعلق بها القلوب، وتتأثر بها النفوس، وتكون أنموذجاً يقتفى، وأسوة تحتذى. هذه معالم مهمة في الإصلاح، فما بال كثير من أهل الإصلاح يقولون ما لا يفعلون، ويدعون إلى ما عنه يتخلفون! ومن هنا أتبعها فقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] إن أعظم أثر سلبي لدعوة الإصلاح أن يكون الداعي إليها أول مخالفٍ لها، كيف نقول إننا ننطلق من ثوابتنا ونحن نستورد من غيرنا؟ كيف يقول ذلك المصلح إنه يريد خيراً لوطنه وبلاده، وقلبه وفكره في خارجها؟ كيف يدعي أنه يريد الإصلاح كما ينبغي أن يكون عليه الإصلاح، وهو يتلقى توجيهاته أو إرشاداته أو نظرياته أو أفكاره ممن ليسوا على دينه ولا على ملته، وليسوا من دياره ولا من بلاده؟ ثم كذلك: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] سواء كان ذلك في السر أو كان في العلن، ذكر ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: لا أنهاكم عن شيء وأخالفكم في السر فأفعله خفية عنكم، كما قاله قتادة، وقال كذلك: لم أكن أنهاكم عن أمر وأركبه، لما كان لهذا الأمر أثره في عدم قبول دعوة الإصلاح والتأثر بها. ثم قال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨] وهذه قاعدة إصلاحية مهمة، قاعدة الإخلاص والتجرد عن المصالح الذاتية، قاعدة الارتباط بتغليب المصالح العامة للأمة. إن الداعية المصلح لا يريد شيئاً لنفسه، لا يريد حظاً لدنياه، لا يريد شيئاً يتصل به أو بجماعته أو بقبيلته أو بفئته، إن المصلح الحق إنما يريد وجه الله أولاً، وخير أمته وأبناء أمته ثانياً، لا يوجهه لذلك مصلحة ولا يرده عن ذلك مفسدة. لا يدعوه إلى ذلك مغنم، ولا يصده عن ذلك مغرم، إنما أساسه ورغبته الإصلاح، فإرادته الجازمة وغايته الواضحة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. وقضية الإصلاح والتغيير قضية ليست سهلة، ومن هنا جاء قوله ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فإنه لا يمكن أن تحقق دعوة إصلاحية أثرها إلا بتوفيق الله ، ولا يستدعى هذا التوفيق ولا يستجلب إلا بالإخلاص لله ، وكمال التجرد، والرغبة في خير هذه الأمة وإصلاحها. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] فالاعتماد عليه، والرجوع إليه، قال السعدي في تفسيره: وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، وكما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإن انطلقنا في دعوتنا للإصلاح مستعينين بالله، مستحضرين رجوعنا إليه، فذلك هو النهج القويم الذي ترجمته لنا آيات القرآن. نسأل الله أن يصلح فساد قلوبنا ونفوسنا، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأرشد عقولنا، وأصلح أعمالنا، وحسن أقوالنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2461

رتباط دعوة الإصلاح بالداعي إليها وتوفيق الله له الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله الارتباط بمنهجه وبإرشاده وتوجيهه فيما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ في إصلاح أحوال العباد والبلاد، التي نسأل الله أن يمن بها علينا وعلى بلادنا بلاد الحرمين الشريفين، ونسأله أن يبصرنا بالنهج القويم، والصراط المستقيم، وأن يدرأ عنا الفتن والمحن والأغاليط والأباطيل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومضات الإصلاح في القرآن كثيرة، ولئن وقفنا مع هذه الآيات القليلات من جزء من قصة شعيب ﵇، فإن ما وراء ذلك أكثر وأظهر، ولنا عنه أحاديث لاحقة إن شاء الله. غير أني أورد هنا ما ذكره ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات، لما له من دلالة مهمة، عندما روى حديثاً عن أبي حميد وأبي أسيد ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه قريب منكم، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه بعيد منكم، فأنا أبعدكم منه) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح كما ذكره ابن كثير. وسياق هذا الحديث في هذه الآيات له دلالة على مسألة مهمة، إن دعوة الإصلاح ترتبط بالداعي إليها، فإذا نظرنا إلى الداعي وأحواله، فغلبت أحوال الخير عليه، فلم نعرفه إلا من أهل الصلاح والتقى، ولم نعرف له من المواقف إلا مواقف الخير والإصلاح، ولم نسمع له من الكلمات إلا كلمات البر والإحسان، ولم نر له من الأفعال إلا أفعال النجدة والإغاثة والإصلاح؛ فحينئذ قد جاء الشيء من معدنه فنقبله. أما إن كانت الأخرى، فإن حديث النبي ﷺ يشير إلى ذلك، فإن كان ما نراه ونسمعه من دعوة للإصلاح بتاريخ نعرفه على غير الإصلاح، في أقوال وأفعال وأحوال وعلاقات، فينبغي ألا يغرنا حسن القول، وننسى مثل هذه القاعدة المهمة، على أن حسن الظن وهو مطلوب من المسلمين جميعاً لا ينبغي أن يكون نوعاً من الغفلة والسذاجة التي تضيع بها المصالح، فإن الأمور تنتظم أوائلها مع أواخرها، وتدل أواخرها على أوائلها، وهذه مسألة مهمة. وثمة ومضات كثيرة لا يتسع لها المقام، أذكر منها بعضاً ليكون لنا عنها حديث آخر بإذن الله . أول ذلك: أن التوفيق الرباني مقرون بالدعوة الإصلاحية بإذن الله، فالإصلاح قرين التوفيق، كما قال في شأن الخلاف بين الزوجين والإصلاح بينهما: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] أي: إن صلحت وخلصت النية للإصلاح جرى بإذن الله التوفيق. ودعوة الإصلاح كذلك لها أثر مهم في الأمن والأمان من الهلاك: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]، لم يقل: صالحون، بل (مصلحون)، فإذا كان الصلاح والإصلاح في الأمة سارياً فذلك من أسباب درء العذاب عنها بإذنه جل وعلا. والأساس الأول هو الارتباط بالله كما قال الحق جل وعلا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٢]، قال ابن كثير في نقله عن المفسرين: (أصلح بالهم) أي: شأنهم أو حالهم أو أمرهم، وقال السعدي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم. نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يصلح قلوبنا ونفوسنا، وأن يرشد عقولنا وأفكارنا. اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا بكتابك معتصمين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم زك قلوبنا، وطهر نفوسنا، وأرشد عقولنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وأخلص نياتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم اجبر كسرنا، واغفر ذنبا، واستر عيبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، واجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين، اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر وما بطن، عن بلدنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين. اللهم إذا قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين برحمتك يا رب العالمين. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم أجمعين يا رب العالمين. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم خالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم في أنفسهم، اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم اللهم لمن خلفهم آية، اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا القوة والجبروت؛ نسألك اللهم أن تنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا عن الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر منهم ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2462

وقفات مع الحج والحجاج فريضة الحج من أعظم الفرائض التي تجسد معنى الوحدة والألفة والأخوة بين المسلمين، وكذلك يتجسد فيها معنى الصبر والرفق والرحمة، لأنها فريضة عملية أكثر من كونها نظرية، ومن هنا فعلى المسلم أن يعلم حقيقة هذه الفريضة وما يجب عليه فيها، وأن يعلم الأحكام المتعلقة بها حتى يكون حجه مبروراً مقبولاً بإذنه .

стр. 2463

بين يدي الموضوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وبعد: فهذا الدرس بعنوان (وقفات مع الحج والحجاج) وهذه الوقفات مختلفة، وليس بالضرورة أن تكون ضمن موضوع واحد، غير أنها كلها لها صلة وسبب بالحج، وهي عشر وقفات: أولها: فضائل ووصايا. الثانية: موجز أعمال الحج. الثالثة: منهجية التربية العملية. الرابعة: المطوفون والخدمات. الخامسة: التوعية والدعوة. السادسة: الأولويات والمهمات. السابعة: دراسات ومشروعات. الثامنة: قصص وأخبار. التاسعة: فتاوى مهمة. العاشرة: قصائد وأشعار.

стр. 2464

فضائل الحج العامة والخاصة وأول هذه الوقفات: فضائل ووصايا. ومعلوم أن الحق رغب عباده في الفرائض والشعائر والواجبات والتكليفات بالأجر والفضل والمثوبة؛ لأن النفس بطبيعتها تحتاج إلى الترغيب لترتبط بالخير، وإلى الترهيب لتنفر من الشر. والفضائل في هذا الركن من أركان الإسلام كثيرة جداً، ونعرج فيها على سائر ما في الحج من المناسك والشعائر، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة) وهذا تهييج وتشجيع على زيارة البيت وقصده للعمرة وللحج، وأيضاً حث النبي ﵊ على فريضة الحج لما فيها من الأجر والفضل بقوله ﷺ : (عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة). وأيضاً في حديث قدسي آخر يقول فيه الرسول ﵊ عن رب العزة والجلال: (إن عبداً صححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد علي لمحروم) أي أنه يحرم نفسه الأجر والمثوبة، كما يحرم نفسه الفائدة والمنفعة الإيمانية الروحية التي تعود عليه من هذه الفريضة العظيمة، وقد ثبت أن الحج من أفضل الأعمال؛ وذلك لقول الرسول ﵊: (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة مبرورة، وتفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها) وقد وصف النبي ﵊ الحج بأنه جهاد، ومعلوم أن الجهاد عظيم في دين الله ، وأنه من أعظم الأعمال مثوبة؛ إذ فيه بذل النفس والروح مع المال لله . ولما شابه الحج الجهاد في بعض معانيه -إذ هو بذل للجهد وراحة البدن، كما أنه بذل للمال والنفقة، كما أنه سعي في الطاعة والاستجابة رغم المشقة والكراهة التي ربما تكون في نفس الإنسان- قال النبي ﵊ مخاطباً بعض أصحابه: (ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ ثم قال ﵊: حج البيت). أي: الحج هو الجهاد الذي لا شوكة فيه. وقال في حديث آخر: (الجهاد حج كل ضعيف). ووصف الحج بأنه أحسن الجهاد حينما قال ﵊: (لكن أحسن الجهاد وأجمله حج مبرور) وقال أيضاً: (نعم الجهاد الحج). ثم أعظم فضيلة في هذا الحج غفران الذنوب، كما أخبر النبي ﵊ بقوله: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد). وكذلك قوله ﵊ في الصحيحين: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). ومن فضائل الحج أن الحاج ضيف على الله ، وحق على الضيف أن يكرمه مضيفه، والله سبحانه تعالى أعظم وأكرم وأجود من يمنح ضيوفه ووفده، ولذلك قال النبي ﷺ : (الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم). وذلك أن الحاج والغازي في سبيل الله حق على الله أن يعطيه سؤاله وينجز له وعده. وأيضاً من الفضائل في الحج المسير إلى الحج، ذكر النبي ﵊ فضيلته وأجره ومثوبته بقوله: (ما ترفع إبل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة). وبعض مناسك الحج ورد التفضيل لها على وجه الخصوص، فالوقوف في يوم عرفة ورد فيه حديث النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف الملائكة، ويقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟! فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك) كما ورد بهذا الحديث عن النبي ﵊. وفي حديث عائشة: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة). والرمي وردت له فضيلة، كما جاء في حديث المصطفى ﷺ : (وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك) أي: مدخور لك أجره وثوابه عند الله . كذلك الحلق، فحينما يحلق الحاج شعره متبذلاً ومتجرداً من الزينة لله فله فضيلة وأجر أخبر بها المصطفى ﵊ بقوله: (وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة). أما التلبية فقال فيها ﵊: (ما أهل مهل قط، ولا كبر مكبر قط إلا بشر بالجنة). والطواف قال فيه ﷺ : (من طاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة). والأحاديث -أيضاً- أكثر من ذلك وأوسع، وهذه الأحاديث كلها من صحيح الجامع الصغير، أي أن الشيخ الألباني قد صححها، وهي بروايات مختلفة، فبعضها مختلف في ألفاظه عن البعض الآخر، والذي يتأمل يرى أن الحج ربما يكون من أعظم أو أكثر الفرائض ذكراً للمثوبة والأجر، وذلك لكون الحج فريضة في العمر مرة واحدة، وقد لا يدركه كثير من الناس إلا هذه المرة، بينما الصلاة كل يوم، والزكاة في كل عام، لكن الحج واجب في العمر مرة واحدة، وغالباً ما يقع للناس إلا مرة واحدة فقط، فلذا كان الأجر المذكور فيه عظيماً بصورة يظهر فيها أهميته، وفي نفس الوقت أثره وفائدته، ففيه غفران الذنوب، وفيه عود المرء كيوم ولدته أمه، وفيه مشابهته بالجهاد، وفيه من المعاني التي ذكرنا شيء كثير؛ إذ فيه كثير مما يتفرق في عبادات أخرى من الشعائر، سواء كانت فرائضاً أو سنناً.

стр. 2465

وصايا مهمة للعازم على الحج هنا جملة من الوصايا للذي يعزم على الحج نلخصها في الآتي: أولاً: أن يتوب العازم على الحج إلى الله توبة نصوحاً يقدمها بين يدي إقباله على الله وشروعه في هذه الفريضة التي مبناها الأول على الاستجابة والطاعة المطلقة لأمر الله، والسعي الدائب لنيل رضوان الله . ثم تحقيق الإخلاص وتحرير النية لله ؛ لأن الحج في مغزاه الأول ومعناه الأعظم تحرير القصد لله . ومن ذلك أيضاً أنه ينبغي له عند تحقيق هذا المعنى أن يتحرى النفقة الحلال ليكون حجه أدعى وأجدر بالقبول عند الله . إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير لا يقبل الله إلا كل صالحة ما كل حج لبيت الله مبرور ومما ينبغي للحاج أن يتهيأ به أن يتعلم المناسك، وأن يأخذ من فقهها ما يصح به حجه، وهو في حقه فرض عين؛ لأن على الإنسان أن يتعلم ما تصح به عبادته، كما لو حاز نصاب الزكاة فحينئذ يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وفرضها ومشروعيتها وما يجب في ماله لله ، وإن عزم على الحج وجب عليه أن يتعلم أحكامه، ومشكلة الناس اليوم أنهم يتهيئون ويتزودون ويستعدون بكل شيء، إلا أن كثيراً منهم لا يتهيأ لمعرفة المناسك وتعلمها، فتجده يهيئ المال ويسأل عن الطريق وعن الراحة وعن المخيمات وغير ذلك، لكن لا يعتني بجانب أحكام المناسك. ومن ذلك -أيضاً- اختيار الرفقة الصالحة التي تعين على أمرين مهمين في هذه الفريضة: الأمر الأول: أمر العلم والفقه في المناسك. الأمر الثاني: عدم الإتيان بما يجرح كمال العبادة في الحج. إذ بعض الناس قد يأتي بالحج أركاناً وواجبات، لكنه لم يأت بالكمال من استغلال الأوقات في أنواع الطاعات، ولم يكن ممن يبتعد ويتقي كل ما قد يجرح أو ينقص أجر الحاج في حجه من أمور كثيرة يقع فيها الناس من غيبة أو نميمة أو جدال أو خصام أو سوء ظن أو نحو ذلك، أو أذى للناس والحجاج وغير ذلك من الأمور، فهذا مما ينبغي أن ينتبه له الحاج أيضاً. ومن هذه الوصايا -أيضاً- أن يأخذ الإنسان بالرفق وحسن الخلق والتحلي بالصبر، فإن هذه الفريضة نوع من الجهاد، ومهما بالغ الناس في الترفيه وإيجاد الخدمات من التكييف والطعام والفرش وكذا إلا أنها يبقى فيها نوع من المشقة والخشونة، فإذا لم يتحل الإنسان بالصبر ويوطن نفسه على أنه يبذل ويتحمل لأجل مرضاة الله فإنه عند وجود أقل عارض يجزع، وتجد كثيراً من الحجاج يبطلون حجهم أو يجرحونه إذا قلت برودة الماء أو تأخر وقت الطعام، وذلك بالجزع، ولم يكن عنده رحابة الصدر ولا لين الجانب، ولا إظهار هذه الأخلاقيات التي هي من تمام وكمال هذا الفرض. وكذلك -أيضاً- يحتاج الحاج إلى أن يستصحب الزاد الذي أخبر الله عنه في فريضة الحج على وجه الخصوص، حينما قال جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] فاستحضار التقوى من التوقي لكل ما فيه معصية لله أو كراهة أو حرمة، وكذلك الحرص على كل ما فيه طاعة وفضيلة وأجر. والوصية التي بعدها حسن المعاملة وعدم الأذى، فإن حسن المعاملة مع الناس مطلوبة، لكن في كثير من الأحوال قد لا يستطيع الإنسان بحكم شغله أو بعده أن لا يتعامل إلا مع فئة محدودة أو قليلة، لكنه في الحج قطعاً يتعامل مع كثير من الناس شاء أم أبى، سواء أكانوا في طوافهم، أم في رميهم، أم في سيرهم وحلهم وترحالهم، ويتعامل مع أناس لا يعرف لغتهم، ولا يعرف تفكيرهم، ولم يسبق له معرفتهم، فلذلك لابد من أن يجمع العزم على أن يكون حسن التعامل لين الجانب. وآخر وصية هي أن يستحضر التواضع والبعد عن كل أسباب الكبرياء؛ فإن الحج مبناه الأعظم على أن الإنسان قد تجرد من هذه الدنيا وزينتها، ومن الفوارق التي تفرق بينه وبين الآخرين، فأجدر به أن يراعي التواضع واللين مع حجاج بيت الله الحرام؛ لأنه إذا ذل لله ينبغي أن يلين لإخوانه المؤمنين.

стр. 2466

موجز أعمال الحج

стр. 2467

حقيقة الأنساك الثلاثة للحج أولها: التمتع، وهو أن يأتي بالعمرة كاملة ثم يتحلل من إحرامه ويتمتع من عمرته إلى حجه بمعنى أنه يأتي بكل شيء كان يفعله قبل إحرامه حتى معاشرة النساء، ثم إذا جاء الحج أحرم من مكة للحج، لكن إذا خرج من المواقيت فإنه لا يكون متمتعاً. النسك الثاني هو الإفراد، وهو أن يأتي بالحج مفرداً ليس معه عمرة، فلا يطوف إلا طواف الحج، ولا يسعى إلا سعي الحج، طواف وسعي واحد فقط، وهذا إن لم يكن أتى بعمرة قبل ذلك فالألزم له أن يأتي بعمرة ولو بعد الحج، أو قبله، لكن إن جاء بالعمرة قبل الحج فالأولى والأتم له أن ينويها تمتعاً. النسك الثالث القران، وهو الذي يجمع فيه بين الحج والعمرة معاً، وذلك بأن يقرنهما معاً، وأن يسوق الهدي؛ لأن النبي ﵊ قال: (من لم يسق الهدي فليحل وليجعلها عمرة ثم ليتمتع إلى الحج) فإن كان قد ساق الهدي فهو الذي يقرن بين الحج والعمرة، والصحيح من أقوال أهل العلم -كما أفاض وتوسع بذلك ابن القيم في زاد المعاد- أنه ليس عليه في قرانه بين الحج والعمرة إلا سعي واحد فقط، وهذا خلاف لمن أوجب السعيين على القارن، والقول الأول -وهو قول كثير من أهل العلم- انتصر له ابن القيم -كما أشرت- في زاد المعاد انتصاراً عجيباً جداً، وأصاب فيه، حتى ذكر لذلك اثنين وعشرين دليلاً واستنباطاً، ثم كر على كل رواية تشبث بها القائلون بالرأي الآخر، وبين إما ضعفها أو عدم صحة الاستنباط إن كانت الرواية صحيحة، ولعل هذا المبحث -والله أعلم- من أوسع ما كتب أهل العلم في هذه المسألة على وجه الخصوص.

стр. 2468

صفة الأنساك الثلاثة للحج الصفة الموجزة للحج بالنسبة للمتمتع أنه يطوف ويسعى للعمرة، أن يطوف بالبيت سبعاً، وأن يجعل البيت عن يساره، يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إليه، ثم يسعى بادئاً من الصفا وينتهي إلى المروة، من الصفا إلى المروة شوط، وليس كما يقع من بعض الناس أنهم يجعلون الذهاب والإياب شوطاً واحداً فيسعون أربعة عشر شوطاً، وهذا يقع من كثير من الناس، وعندما يفعلون ذلك يختلط عليهم العد، فربما يسعون عشرة أو ثلاثة عشر أو أربعة عشر إلى آخر ذلك، خاصة مع زحام الحج لا يستطيع أن يضبط الطائف العدد، ويقع لهم بذلك مشقة كبيرة، وللأسف أنه يقع في هذا عدد غير قليل من الحجاج، بل ربما يقطع سعيه لعدم القدرة على الإكمال، وما عرف أن السعي المطلوب هو أشواط سبعة فقط. ثم إذا جاء الحج ينوي بالحج. أما المفرد فإنه إذا قدم إلى مكة فإما أن يقدم إليها في اليوم الثامن أو يتوجه إلى منى، فله الخيار، فإذا قدم مكة وأراد أن يقدم سعي الحج فإنه يطوف طواف القدوم إن كان من غير أهل جدة ومن حاذاها، أو يعتبره طواف الركن لتقدمه على السعي ثم يسعى، فيكون هذا السعي سعي الحج، وإن لم يفعل توجه إلى منى في اليوم الثامن وهو يوم التروية، والذهاب إلى منى يوم الثامن سنة، فيصلي بها خمسة فروض: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر يقصر منها ما حقه القصر، ثم ينطلق من منى إلى عرفة في اليوم التاسع، والوقوف في عرفة ركن، والأولى أن لا يدخل إلى عرفة إلا بعد زوال الشمس، أي: قبيل الظهر بقليل، أو وقت دخول صلاة الظهر. فإذا دخل عرفة فإنه يصلي بها الظهر والعصر جمع تقديم، ويستمع لخطبة الإمام، وليس في عرفة من مشاعر محددة أو أعمال معينة إلا الإلحاح بالدعاء والاشتغال بالذكر والتضرع لله ، وهذا هو الذي ينبغي أن ينشغل به الإنسان من تلاوة للقرآن وذكر لله ودعاءٍ وتضرع متصل لله . وعرفة كلها موقف لا يحتاج الإنسان فيها إلى أن يحدد مكاناً بعينه، وإن تيسر له أن يقف في الصخرات في أسفل الجبل كما وقف النبي ﵊ فعل، وإلا فإن النبي ﵊ قال: (وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة). ثم يدفع من عرفة بعد غروب الشمس، ولذلك قال أهل العلم: الأكمل أن يجمع في عرفة بين النهار والليل، لكن الصحيح أن الوقوف بعرفة وقته من بعد الزوال إلى فجر يوم العيد، فلو أنه لم يدرك النهار ثم جاء إلى عرفة بعد غروب الشمس ووقف بها صح حجه وتم ولا شيء عليه. قال أهل العلم: إنه لو وقف قبل الزوال ثم خرج في ذلك الوقت فإنه لا يعد واقفاً بعرفة، وإذا فاته الوقوف بعرفة فاته الركن، وإذا فاته الركن بطل حجه ووجب عليه قضاؤه. وهذا في عرفة، ثم يدفع إلى مزدلفة، والمبيت بها واجب، ويصلي بها المغرب والعشاء جمع تأخير، وللرعاة والسقاة وأصحاب الحاجات والنساء والضعفة أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، والسنة والتمام والكمال أن يبقى الحاج إلى صلاة الفجر، ثم يصلي الفجر ويبقى حتى يسفر النهار -أي: حتى يبدو الضوء وينبلج الفجر- ثم بعد ذلك يذهب إلى منى ويكون قد دخل في اليوم العاشر يوم العيد. وهذا اليوم تقضى فيه معظم أعمال الحج، يكون فيه رمي جمرة العقبة وهو واجب، وفيه طواف الإفاضة وهو ركن، وبذلك تكتمل الأربعة الأركان: الإحرام، وسعي الحج، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة. ففي يوم النحر رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى، ووقته ممتد من بعد منتصف الليل كما وصفه بعض أهل العلم، أو من بعد الفجر إلى آخر ذلك اليوم. وفيه طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة. وكذلك الحلق أو التقصير، وكذلك ذبح الهدي أو الفدية، فهذه أربعة أعمال له أن يقدم منها ما شاء وأن يؤخر منها ما يشاء، وإن لم يكن سعى سعي الحج فيحسن به أن يسعى سعي الحج بعد طواف الإفاضة، فهذه الأعمال السنة أداؤها في يوم النحر، هذا إن استطاع ذلك، وإن لم يستطع فإن مدتها ممتدة إلى آخر أيام التشريق، بل إلى آخر أيام الحج إن كان هناك عذر كحيض المرأة أو نفاسها، أو وجود علة من مرض أو نحو ذلك، فإن له أن يؤخر بعض هذه الأعمال إلى اليوم الثاني أو الثالث، بل إلى ما وراء ذلك، وهذه الأعمال -كما أشرت- ليس هناك من ضرورة في التقديم أو التأخير فيها، بل كيف ما اتفق له، وإن تيسر له متابعة فعل النبي ﵊ فإنه أكمل وأتم في هذا الأمر. والحلق أفضل من التقصير، والذبح الأكمل فيه والسنة فيه أن يباشره بنفسه إن استطاع، وإن شق عليه لعدم معرفته -كما هو الحال الآن- أو للزحام فإنه يوكل غيره، وهذا التوكيل صحيح ولا شيء فيه، ثم يبقى بعد ذلك في منى أيام التشريق الثلاثة، أو يبقى الحادي عشر والثاني عشر، والثالث عشر هو مخير فيه بشرط أن يخرج قبل مغيب الشمس إن تعجل في يومين، وليس هناك من أعمال في هذه الأيام سوى المبيت بمنى وهو واجب، ورمي الجمار الثلاث وهو -أيضاً- واجب. ويرمي الجمار على الترتيب الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ويقولون: رمي الأولى والثانية يأخذ ناحية اليسار ويجعل القبلة أمامه، ويتوجه بالدعاء إلى الله ، فقد ورد أن النبي ﵊ كان يدعو في هذه المواضع بقدر سورة البقرة، هذا موجز هذه الشعائر. فإن استطاع أن ينفر في اليوم الثاني عشر فلينفر قبل الغروب، فإن أدركه الغروب قبل النية والشروع في الخروج من منى فإنه يلزمه أن يبيت بمنى وأن يبقى اليوم الثالث عشر فيها إلى ما بعد الزوال حتى يرمي. وإن كان قد شرع في الخروج لكن أدركه الزحام ونحو ذلك فلا شيء عليه أن يخرج ولو غربت الشمس وهو ما يزال في حدود منى.

стр. 2469

التربية العملية في الحج إن هذا الدين علم أتباعه وأمة الإسلام بأسلوب عملي لتتحقق الفرائض والأحكام والآداب التي أمر الله بها. إن الأمور في التعليم تنقسم إلى قسمين: ناحية نظرية، وناحية عملية، والناحية النظرية على أهميتها كثيراً ما يبقى تأثيرها ضعيفاً حتى يأتي التطبيق العملي، ولذلك الدرس العظيم في هذا الحج هو أنه ينقل كل الأوامر والتشريعات في صورة عملية كاملة، فليست المسألة مسألة أقوال، وإنما يضرب الله من خلال هذه الفريضة أمثلة عملية تتربى الأمة عليها؛ لأن المقصود هو العمل، قال : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] فلم يقل الله : تكلموا أو فكروا. وإنما قال: (اعملوا) والعمل هو المقصود؛ لأنه -في الحقيقة- هو ثمرة العلم، وثمرة هذا الدين إنما هي العمل. ولذلك لما ذكر الله الاستخلاف في الأرض قال: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٤] ليس: كيف تقولون. ولا: كيف تتصورون أو تفكرون!

стр. 2470

الإخاء والمساواة إن كل دروس الحج إنما هي دروس عملية، ونأخذ بعض هذه الدروس من حيث التربية العملية، فالنبي ﵊ قال في حجة الوداع: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) فهذه مقالة تتجلى فيها العملية لتحقق هذه المقالة، بينما غيرها من أقوال الناس أو الدول تبقى نظريات حالمة، أو خيالاً وأمنيات لا يصل إليها الواقع، ونحن اليوم في هذا العصر وفي هذا الزمن وفي ظل النظام الدولي الجديد يقولون: المساواة ونبذ العنصرية. ثم تجد أن التطبيق العملي على عكس ذلك في كثير من الصور والأوضاع والوقائع، لكن في الحج تجد فيه درس المساواة ونبذ العنصرية متجدد بصورة عملية، فإذا الأسود إلى جوار الأبيض، وإذا الضعيف إلى جوار الغني، وإذا صاحب النسب إلى جوار من ليس له شرف في نسب، صورة عميلة متجسدة توقن من خلالها الأمة أن المساواة حتم لازم بإذن الله . فأي نظام يدعي المساواة يستطيع أن يأتي بعشر معشار ذلك المشهد العظيم الذي يتم في الحج وتتجسد فيه المساواة بصورة عملية لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير، ولا بين عالم وجاهل؟! بل الكل في ميزان الشرع وفي ميزان الإسلام سواء، لا يتفاضلون إلا بتقواهم لله .

стр. 2471

وحدة الأمة المسلمة ومظاهرها حينما يأتي الأمر من الله للأمة المسلمة أن تكون أمة واحدة فإن هذا الدرس يبقى نظرياً، وتأتي شعيرة وفريضة الحج وتجسد هذا الأمر تجسيداً عملياً، فإذا الأمة في تلك المشاعر وفي تلك المواقف وفي تلك الأعمال وحدة كاملة، وهذه الوحدة حديثة في صورتها العملية في الحج؛ لأنها تدل على ما ينبغي أن تبنى عليها الوحدة، ليست وحدة حكومات ولا وحدة قرارات، وإنما تبدأ من أغوار النفوس وأعماق القلوب، فإذا بالقلوب في مشاعرها واحدة، وأمنية النفس وطلب الإنسان في تلك الأماكن والمناسك كله طلب واحد ومشاعر واحدة. بل إنهم في شعارهم ولباسهم على حال واحد، ثم الهتاف والقول: (لبيك -اللهم- لبيك) هتاف واحد، ثم هم في العمل والمسير على عمل ومسير واحد من منسك إلى منسك، ثم هم -أيضاً- في الانتهاء والإفضاء والخروج من هذه الفريضة على خروج وإفضاء واحد، ليدل على أن مسألة الوحدة ليست قضية شكلية، بل هي قضية كلية ينبغي أن تشمل كل العوامل التي في المسلم الواحد، بدءاً من مشاعره ومن تصوراته ومن شعاراته ومن مظهره ومن أعماله، بحيث تصاغ صيغة واحدة. ولذلك الوحدة التي طال الحديث عنها وتشدق بها كثيرون من أهل القومية أو من أهل البعث أو غيرهم كلها نكصت على رءوسهم؛ لأنها لم تكن على أسس الإسلام أصلاً، ولم تكن حتى على أسس مرضية في المنهج من حيث الأصل، بل كانت على مصالح، بينما ما أراده الله أن يتجسد في الحج حتى يكون أمراً ظاهراً على الأمة بمجموعها في دولها وفي علمائها وفي حكامها على الوحدة العملية تراه حقيقة، فإن وحدة الشعوب ووحدة المسلمين في فريضة الحج كأنها تلغي كل سبب من أسباب الفرقة، وتلغي الحدود وتلغي شروط الجنسيات وتلغي -أيضاً- الطبقيات، تلغي كل ما خالف فيه المسلمون أمر الله ، وتعطي المسألة قابلية للتطبيق خلافاً لمن يستبعد هذا ويقول: لا يمكن أن تجتمع الأمة أو أن تكون أمة واحدة.

стр. 2472

كف الأذى من الدروس العملية في التربية الإيمانية للحج أن يكون الإنسان المسلم كما أخبر النبي ﵊: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: ينبغي للمسلم أن لا يصدر عنه إلا الخير في الحج، فيأمن أذاه وشره ليس المسلم فحسب وليس الإنسان فحسب، بل الشجر والصيد، ولذلك من محظورات الإحرام الصيد، وفي منطقة الحرم لا يقطع الشجر ولا ينفر الصيد فيها، كل هذا يهذب الإنسان المسلم بصورة عملية، لينزع النفسية العدوانية الإجرامية، فلا تبقى عنده هذه الروح إلا فيما هو انتصار لحرمات الله وغضبه على أعداء الله . ولذلك فدعاوى السلام ودعاوى الإنسانية ودعاوى مقاومة الإرهاب التي تقال اليوم كلها دعاوى في غالب الأحيان يعكس الواقع ضدها، لكن الإسلام الذي يتهم اليوم أربابه وأصحابه بالإرهاب هو الذي يربي أتباعه على المسالمة وعلى كف الأذى تربية عملية متكاملة.

стр. 2473

القدرة والاستعداد على التغيير إن القدرة والاستعداد على التغيير هي أن يغير الإنسان السوء إلى الحسن، والمعصية إلى الطاعة، فكثيراً ما يجد الإنسان أنه يدور في حلقة مفرغة، يسمع العبرة والتذكرة ويتأثر بها ثم لا يُغَيِّر أو يُغَيَّر ثم يرجع، فتأتي فريضة الحج وإذا بها دورة عملية فيها من أولها إلى آخرها استجابة موفقة لله وبعد تام وتوق دقيق لكل معصية ومخالفة لأمر الله ، فإذا بها ترفع في الإنسان المسلم فعالية وقدرة التغيير نحو الأصلح، والله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. إذاً في الحج تتغير النفوس والقلوب تغيراً جذرياً، هذا إذا أديت العبادة على وجهها المطلوب ووفق حكمتها ومشروعيتها التي أرادها الله ، فإنك تجد هذه القدرة ترتبط بهذه المعاني، فالمسلم في الحج يحظر عليه أن يقص شعره، وأن يقلم ظفره، أو أن يقطع شجرة، بهذه الأوامر يتعود على أن لا يقطع حرمة المسلم، وهو في الحج لا يستعمل الطيب بعد إحرامه ولا يمسه، والطيب في الأصل حلال، فبهذا يتعود على الاستجابة لأمر الله بحيث لا يمس شيئاً مما حرمه الله ، فلا يمس مالاً حراماً ولا يمس امرأة حراماً، ولا يمس أي أمر فيه حرمة وكراهة في شرع الله . ثم إنك -أيها المسلم- تخلع المخيط لتخلع زينة الدنيا وتتحلى بلباس التقوى، ولذلك ينبغي أن تتعود على أن تنخلع من كل معصية ومن كل أمر تتحلى وتتزين به، إلا أن يكون ذلك كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. وكذلك يستجيب الإنسان المسلم لأمر الله حيث يرفع صوته بالتلبية ويعلنها: (لبيك -اللهم- لبيك) وما من عبادة إلا والنية فيها مضمرة، إلا الحج فإنه يصرح ويقول: لبيك -اللهم- حجاً. أو: لبيك -اللهم- عمرة. لأن هذه الفريضة مقصود فيها إعلان الاستجابة والتعود عليها، ولذلك حينما ترمي الجمار فإنك تعلن العداء للشيطان والمناوأة له، وتعلن همتك الإيمانية على قدرتك على تجاوز وسواسه وهمزه ونفثه لتطيع الله وتدحر الشيطان وما يضلك به أو يوسوس به إليك. والدروس في ذلك كثيرة، لكنها في الحج تتجسد في صورة تربوية عملية وهذا من الأمور المهمة.

стр. 2474

المطوفون والخدمات في الحج الوقفة الرابعة: المطوفون والخدمات والمتأمل الآن يجد أن إعلانات المطوفين تشمل الإغراءات التي ترغب الناس فيما عندهم والحج معهم، فإذا بهم يذكرون تكييف الحافلات، وتوفير الوجبات، والقرب من الجمرات وغير ذلك من الأسباب، ربما كلها لا تعدو أن تكون أسباباً مادية، بينما لا تجد مثلاً من يقول: هناك دروس ومحاضرات، هناك تنبيهات وإرشادات. وهذه الظاهرة ليست من جانبهم، بل في الحقيقة هي صدى للجانب الآخر وهم الحجاج، تجد من يريد الحج يسأل من حج في العام الماضي: كيف كان المطوف؟! كيف كان الطعام؟! كيف كان الشراب؟! كيف كانت المواصلات؟! لا يسأل عن شيء آخر، فالمطوفون إذا احتج عليهم بمثل هذا قالوا: نحن نبذل ما يرغب فيه الحجاج أنفسهم. إذاً ينبغي أن يحرص المطوفون والحجاج على عدم التلبس بالمنكرات، والحرص الشديد -أيضاً- على استغلال الأوقات؛ لأن بعض الناس خاصة في أيام التشريق بعد أنت تنتهي المناسك يتلبسون بالمنكرات، وبعضهم الآخر بالمخالفات، وأقل ما يقال فيها: إنها مكروهات. فإذا بهم يشربون الدخان، ويلعبون الورق، وإذا بهم يتكلمون فيما لا يرضي الله ، وهذا لا شك أنه ناتج عن هذا الفراغ، وربما كان ناتجاً عن بعض مسئوليات أولئك المطوفين. أيضاً ينبغي أن يعتمد هؤلاء المطوفون على توفيق الله ، وليس فقط على جهدهم، فتجد المطوف يعد الناس بكل شيء، وإذا قالوا: هل عندك كذا يقول: نعم عندي كل ذلك، وأنا جاهز بكل وجه. ونحو ذلك، وينسى أن يقول: إن شاء الله. وينسى أن يسأل الله أن يوفقه أن يؤدي الدور كما يشاء. إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده لكن على المطوف حين يهيئ كل شيء أن يستعين بالله ، وأن لا يركن إلى أنه قد حسب لكل أمر حسابه؛ لأنه قد تختلط الحسابات في الحج، قد يحسب حساب المواصلات ويختار طرقاً قليلة الزحام فإذا بها في ذلك العام هي الطرق التي يشتد زحامها، وغير ذلك من الأمور. أيضاً على المطوف أن يكون حريصاً على معرفة الأخطاء حتى يتجنبها في أعوام قادمة، فلماذا لا يسأل الناس عن آرائهم عما عرض لهم من مشكلات، وعن مقترحاتهم التي قد ينتفعون وينتفع هو بها أيضاً في أعوام قادمة؟!

стр. 2475

التوعية والدعوة في الحج إن موسم الحج أعظم تجمع، وهو أكبر فرصة للتوعية والدعوة للمسلمين من كل مكان، فتصور كل معنى وفائدة يجنيها هذا المسلم يعود بها إلى بلده، وتجد أن كماًَ هائلاً من الحجاج في غالب الأحوال مع حجاج الداخل والخارج قد يبلغون المليونين من الحجاج. ونقف هنا وقفات: الأولى: الدعاة الرسميون التابعون للهيئة العامة للدعوة والإفتاء والإرشاد قد يبلغ عددهم في بعض الأعوام مائة وخمسة فقط، ولو قسمناهم على أعداد الحجاج ربما يكون نصيب العشرة آلاف أو الخمسة عشر ألفاً من الحجاج واحداً من هؤلاء الدعاة، فلا شك أن هذا في غالب الأمر لا يؤدي الدور كاملاً، بينما في المقابل -لا على سبيل المقارنة- تجد -مثلاً- أن عقد النظافة بمنطقة المشاعر يضم أربعة وعشرين ألف عامل لينظفوا الشوارع والطرقات، ومائة وخمسة ليعلموا الناس فريضة الحج! هل جاء الناس فقط ليتنظفوا أم ليحجوا فيقفوا في عرفة ويبيتوا بمزدلفة ويرموا الجمرات ويخلطوا خلطاً عجيباً؟! لأن بعض الناس لا يعرف شيئاً عن الحج. الثانية: اللغات. فكثيراً ما تقع التوعية باللغة العربية، وكأن الحج ليس فيه من ينطقون غير العربية، والصحيح غير ذلك، فتجد أن التوعية تكون قاصرة، وأذكر مرة أنا كنا في بطن عرنة ننتظر الزوال حتى ندخل إلى عرفة، فكانت سيارات التوعية بمكبرات الصوت ينادى فيها: أيها الحاج! أنت خارج عرفة لا يصح بقاؤك في هذا المكان، يجب أن تدخل عرفة وإلا بطل حجك، ويتكرر النداء عشرات وعشرات. فتلتفت يمنة ويسرة فتجد بعض الناس لا يعرفون ماذا يقول هذا الرجل؛ لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، فهل هو ينادي على بضاعة يبيعها، أو هو صاحب إسعاف يريد أن ينقذ الجرحى والمرضى؟! لا يعرفون شيئاً، لذلك فمسألة اللغات مهمة في التوعية، وربما تكون من المقترحات النافعة والمفيدة أن الجهات الشرعية في تلك البلاد -سواء أكانت رئاسة إفتاء أم وزارة حج أو أوقاف أم نحو ذلك- تكاتب هيئة التوعية في المملكة لتنتدب بعضاً من أولئك العلماء والدعاة في تلك البلاد ليدخلوا ضمن برنامج التوعية التي تقوم به الرئاسة في المملكة حتى تستكمل جوانب النقص. الثالثة: توزيع الكتب والأشرطة. والكتب والأشرطة توزع باللغة العربية، بينما تجد أكثر الحجاج لا يعرفون العربية، ولو وجدت بدل هذه الكتب نشرة واحدة موجزة بلغات مختلفة ربما انتفع بها الناس أكثر من هذه الكتب. ونحن نجد في فترة ما قبل الحج أن مئات الآلاف من الكتيبات الصغيرة النافعة توزع على الناس وربما كان كثير منهم لا يحجون ويجعلونها في بيوتهم، وبعضهم يحجون وهم قد عرفوها وعرفوا ما فيها، بينما الكثير من يحتاجون إلى هذه التوعية لا تصل إليهم بالصورة المطلوبة. الرابعة: أن التوعية لا ينبغي أن تكون في الحج، بل ينبغي أن تكون قبل الحج؛ لأن أكثر الحجاج بعد أن يخطئ ويخلط ويجعل عاليها سافلها يأتي فيسأل ويجد أنه قد أتى بالحج على غير وجهه من أوله إلى آخره، بينما المطلوب أن تكون التوعية قبل الحج، ويمكن أن تكون هناك أمور ميسرة، ذلك أن تقوم الجهات المسئولة بعقد دورة لمدة يوم أو نصف يوم فقط يتعلم الحجاج فيها المناسك بصورة موجزة، ويعطى بها شهادة أو ورقة، ولا يأخذ تأشيرته إلى الحج إلا بعد أن يعرف المناسك؛ لأننا لا نريد أن نستكثر من عدد الحجاج الذين لا يعرفون كيف يحجون ثم يبطل حجهم ويرجعون مرة أخرى وقد لا يتيسر لهم الرجوع. وهناك -أيضاً- اقتراح، وهو أن تقوم جهات مسئولة في المملكة -ثل وزارة الحج أو غيرها- تصوير شريط فيديو لمدة نصف ساعة عن المناسك، مجموعة من الناس يقومون بالمناسك ويذهبون إلى منى وإلى عرفة في أوقات فراغها، وهذا الشريط يرتب ويذكر التعليق عليه بلغات مختلفة، حتى يوزع على كل الحجاج قبل أن يأتوا أو عندما يأتون، لأجل أن يعرفوا هذه المناطق عبر هذه الصور؛ لأن بعض الحجاج لا يعرفون سوى الكعبة بيت الله الحرام، لكن لا يعرفون عرفة ولا المشعر الحرام، مسميات لا يعرفون حقائقها ولا صورتها، فلذلك تجد أسئلة بعض الحجاج غريبة أحياناً، تراه يأتي فيسأل عن مقام إبراهيم، ربما يظنه جبلاً أو يظنه شيئاً آخر، فليس عنده أي فكرة عن هذه الأسماء وحقيقتها، فمثل هذه التوعية يبدو أنها من أهم القضايا التي تنفع الحجاج، وللأسف الشديد أن كثيراً منها غير موجود.

стр. 2476

الأولويات والمهمات في الحج حينما نتأمل في هذا الحج العظيم نجد أنه مؤتمر إسلامي كبير ضخم، فينبغي للأمة أن تستغله بالاستغلال المناسب، ومن أعظم هذا الاستغلال أن تكون في هذا الحج مناقشة الأولويات والمهمات، ليس التركيز على العوارض اليسيرة والقضايا السهلة، فإننا لو تأملنا خطبة النبي ﵊ في حجة الوداع نجد هذا المعنى متجسداً، وذلك أنه ﵊ لما خطب الأمة في ذلك اليوم العظيم والمشهد الحافل ما تحدث عن قضايا صغيرة، وإنما عن القضايا المهمة، وتأمل حديثه ﵊ كما ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر ﵁ وابن عباس ﵄، قال أبو بكر: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ ثم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) فتحدث عن حرمة المسلم بهذا الأسلوب العظيم؛ لأن من أعظم القضايا والمهمات في حياة الأمة المسلمة أن يرعي المسلمون حرمة بعضهم، وأن يقاتلوا من ينتهك هذه الحرمة من أعداء الله ، ولذا قال الرسول ﵊ في هذا الحديث وهذه الخطبة: (وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً أو ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم! فاشهد) وفي بعض الروايات في مسند الإمام أحمد أنه ﵊ قال في هذه الخطبة: (اسمعوا مني تعوا: ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه رضي في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء؛ فإنهن عندكم عوان -يعني: أسيرات- لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً، وحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم، ولا يأذنَّ في بيوتكم لأحد تكرهونه) إلى آخر ما قال، ثم قال: (يا أيها الناس! إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) وقال في رواية عند الطبراني: (وأُحَدِّثكُم من المسلم؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأُحدِّثكم من المؤمن؟ المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، وأُحدِّثكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات، والمؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يظلمه، وزاده عليه حرام أن يدفعه دفعاً، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً). وفي روايات أخرى يقول: (كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب) ناقش النبي ﷺ في هذه الخطبة القضايا الكلية للأمة المسلمة. وهذا الحج بهذا الحشد الجامع والمؤتمر العظيم فيه هو -أيضاً- مقياس لنبض هذه الأمة، فإذا رأيناها قد التفتت فيه إلى مهمات الأمور وناقشت كبريات القضايا، وكذلك ظهر فيها العلم والوعي، وظهر في سلوكياتها الرحمة والتآلف، وظهر من سلوكياتها الوحدة والقوة فهذا مؤشر بأن الحجاج نموذج متكامل للأمة المسلمة مع اختلاف البلاد أو اللغات أو مستويات التعليم أو غير ذلك.

стр. 2477

دراسات ومشروعات في الحج أشير إلى بعض المشروعات التطبيقية العملية التي تنفع، والتي ربما هي من مقاييس القدرة العملية على اتخاذ القرار المناسب المبني على الدراسة والعلم والتنفيذ، فهناك مشروعان أشير إليهما سريعاً: المشروع الأول: مشروع مقاومة الافتراش، وهذه المشكلة يعاني منها الحجاج، وكأن الأمة كلها تعجز عن حلها، والمقصود بالافتراش هو افتراش الحجاج للمناطق تحت الكباري، خاصة عند الجمرات، فعرض منطقة كل جمرة ثمانين متراً، الذي يبقى منها وقت الحج من اليوم الثامن حين يبدأ الحج يبقى متران: متر للذهاب ومتر للإياب، ويحصل هناك من المفاسد الشرعية من التبرج والاختلاط ومن المفاسد الصحية وغيرها كثير، وكل عام يتكرر هذا المشهد، وهو دليل عجز الأمة عن حلول مشكلات يسيرة وتافهة. إلا أنه -بإذن الله تعالى- سيبنى مركز أبحاث الحج، يكون عمله دراسة مفصلة ومقترحات واضحة فيما يتعلق بالحجاج، ونرجو أن يكون هذا التطبيق جيداً وناجحاً في مقاومة الافتراش كما سمي هذا المشروع، وهو سيطبق لأول مرة منذ أن بدأ الحج في السنوات الأخيرة. المشروع الثاني: ترقيم الأراضي في منى، وهذه تفيد في إرشاد الضائعين والتائهين، فكثيراً ما تختلط المناطق مع زحام الحجاج، وقد سبق أن قامت فرق الجوالة وجمعية الكشافة بالترقيم، لكن على الأرض الإسفلتية، وهذا الترقيم لم يحل المشكلة بسبب أنه قد تقف سيارة على الرقم أو يأتي حاج فيفترش الأرض فوق الرقم، مما يجعل المرشد والحاج يتوهان عندما يبحثان عن المكان. وهذا المشروع تبنته جامعة الملك سعود، وستكون المناطق واضحة تخدم كل من يريد أن يستدل على مكان بعينه، وأيضاً تفيد في مسائل الخرائط.

стр. 2478

قصص وأخبار في الحج الحج عبر امتداده الطويل فيه كثير من القصص والمشاهد، نقف عند بعض منها بشكل موجز، من هذه القصص في سير سلف الأمة ما هو معروف ومشهور من سيرة عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه ورضي الله عنه، فقد كان مشهوراً أنه يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان يحب أن يحج الناس على نفقته، ولذلك كان يحب الناس أن يحجوا معه لينتفعوا بعلمه، فالناس فيما مضى كانوا يصحبون العلماء لينتفعوا بمعرفة المناسك ويتعظوا ويتذكروا، فكان إذا جاءه الناس ليحجوا معه يقول: ائتوني بنفقتكم. فيأتي كل بنفقته فيضع عليها اسمه، ثم يجمعها كلها في خزينة عنده، ثم لا يأخذ منها شيئاً، ويخرج بالحجاج ينفق عليهم منذ خروجهم من مرو التي كان فيها في بلاد المشرق حتى يحجوا، فإذا انتهى حجهم سألهم: من عندكم من الأولاد؟ وماذا تريدون أن تهدوا لهم؟ فبعد أن يخبروه يقوم فيشتري لهم الهدايا واللطائف، ثم إذا رجعوا بيض بيوتهم على ما هي العادة، حيث يبيضون البيوت فرحاً بالحج وإشارة إلى أنهم أدوا فريضة الحج، ثم يجمعهم بعد ثلاث ليال في وليمة فرحاً بما يسر الله من أداء الحج، ثم يعطي كل واحد منهم نفقته التي كان قد أعدها لنفسه، فقيل له: لماذا لا تتركها لهم حين جاءوك بها؟ قال: حتى لا يستكثروا منة لي عليهم، وحتى لا يشعروا أن في حجهم نقصاً أو جرحاً. فهذه قصة من قصص السلف الصالح رضوان الله عليهم، وللنبي ﵊ مواقف وقصص كثيرة فيها عظات وعبر، لكننا نذكر ما جاء بعد ذلك. ذكر في بعض قصص التاريخ أن هارون الرشيد حج مرة، وقد قيل -أيضاً- عن هارون: إنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً. خلافاً لما يلصق به الحاقدون من التهم وما لا يليق بسقطة الناس فضلاً عن أمراء وخلفاء المسلمين، فكان يمشي وكان الحراس يصرفون الناس بين يديه -أي: يوسعون له الطريق-، وكان هناك أحد الصالحين يعظ الناس ويذكرهم، فقالوا له: اسكت قد أقبل أمير المؤمنين: فلما حاذاه رَكْبُ أمير المؤمنين قال: يا أمير المؤمنين! حدثني أيمن بن نابل: حدثني قدامة بن عبد الله قال: (رأيت رسول الله ﷺ بمنى على جمل وتحته رحل رث، ولم يكن ثم ضرب ولا طرد ولا: إليك إليك). فسأل عنه فقيل: إنه فلان. فقال الرشيد: قد عرفته. فقال له: قل. فقال: فهب أن قد ملكت الأرض طراً ودان لك البلاد فكان ماذا أليس غداً مصيرك جوف قبر ويحثو الترب هذا ثم هذا فقال له الرشيد: قد أجدت فغيره؟ يعني: قل غير ذلك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين. من رزقه الله جمالاً ومالاً فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه عرض بذلك إلى حاجته -أي: كأنه يريد أن يطلب منه مالاً- فقال له: قد أمرنا بقضاء دينك. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقض ديناً بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا قد أمرنا أن يجرى عليك. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك الله وينساني، فقد أجرى علي الذي أجرى عليك ولا حاجة لي بجرايتك. فكان هذا الموقف عظيماً في وحدة ومساواة الأمة وانتفاعها بمثل هذا المشهد العظيم. ومن هذه القصص أيضاً والأخبار أن سفيان الثوري قال: قدمت مكة فإذا أنا بـ أبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ راحلته فقلت: يا ابن رسول الله! لم جعل الموقف من وراء الحرم -أي: في منطقة الحل ليس بمنطقة الحرم-؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه، فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب -يعني: بعرفة خارج الحرم- يتضرعون، فلما أذن لهم بالدخول أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم أمرهم بتقريب قربانهم وهو الذبح بمنى، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجاباً بينه وبينهم أمرهم بزيارة بيته على طهارة. ثم قال سفيان: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأنهم في ضيافة الله، ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه. فكانت هذه الأقوال والمساءلات والمحاورات بين أهل العلم تدل على فطنتهم ورعايتهم لهذه الحقوق. وذكر الذهبي أيضاً أن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي لم يتهيأ له الحج، وكان لم يعزم على الحج، ومضى إلى مكان ليقضي بعض الأمور، فإذا به يرى ركب العراق وهم متوجهون إلى الحج، ووقف يتأمل الحجاج فرق لهذا المنظر واشتاق إلى زيارة البيت الحرام وأداء الحج، ونزل وسجد وعفر وجهه بالتراب وبكى، وقال: بلغوا سلامي وقولوا: العبد العاصي الآبق أبو الفتح يقول: لو كنت ممن يصلح لتلك الحجة كنت في الصحبة. وطلب من الناس أن يدعوا له. وأيضاً عن محمد بن يزيد الرفاعي قال: سمعت عمي يقول: خرجت مع عمر بن ذر إلى مكة فكان إذا لبى لم يلب أحدٌ أحسن منه صوتاً، فلما أتى الحرم قال مناجياً ربه: ما زلنا نهبط حفرة ونصعد أكمة ونعلو شرفاً ويبدو لنا علم حتى أتيناك بها، نقبة أخفافها، وبرة ظهورها، ذبلة أسنامها، فليس أعظم المؤنة علينا إتعاب أبداننا ولا إنفاق أموالنا، ولكن أعظم المؤنة أن نرجع بالخسران، يا خير من نزل النازلون بفنائه. فهذه مناجاة جميلة وقصة يستفاد منها في هذا الدرس.

стр. 2479

فتاوى مهمة في الحج في الحقيقة مسائل الحج كثيرة، لكن هناك مسائل دائماً يكثر السؤال عنها، فاتخذت بعضاً منها من فتاوى كبار أهل العلم في المملكة وغيرها، وأيضاً بعضها من المجمع الفقهي. ومن أكثر هذه المسائل وروداً ودروجاً مسألة تجاوز الميقات والإتيان إلى جدة والإحرام منها، وخلاصة ما يقال في هذا أنه يجب على كل قادم من خارج المواقيت إلى مكة والمشاعر بنية الحج أو العمرة أن يحرم من الميقات، وإذا تجاوز الميقات فإنه يجب عليه أن يرجع إلى ميقاته أو أقرب ميقات، وإذا لم يتمكن من ذلك أو أحرم من جدة أو من غير جدة متجاوزاً لميقاته فإنه يجب عليه دم فدية؛ لأن الإحرام من الميقات واجب، وتركه للواجب يجبر بالدم، ولا يجزئه مطلقاً بأي حال من الأحوال أن يحرم من جدة، لكن إذا جاء إلى جدة أو إلى مكة بغير نية النسك لعمل أو لزيارة مريض أو لغير ذلك ثم أنشأ النية بعد ذلك، فإنه يحرم من مكانه من جدة إن كان في جدة، ومن مكة إن كان في مكة، لكن لا يحتال؛ لأنه يحتال على الله . فبعض الناس يقول: أنا أتيت بنية العمل وكذا. لكن إذا سألته يقول: كنت أقول: إن تيسرت العمرة فسأعتمر. وإن دققت معه سيقول: سأجد فرصة وإن شاء الله سأعتمر. إذاً فأنت كنت تنوي العمرة وكنت تنوي الحج، فلابد من أن تأتي بالأمر على وجهه. المسألة الثانية التي يذكرها -أيضاً- كثير من الناس: ما يتعلق بطواف الوداع أو طواف الإفاضة بالنسبة للمرأة الحائض أو النفساء. نقول: إذا استطاعت المرأة أن تنتظر حتى تطهر فإنه يجب عليها أن تطوف طواف الوداع أو الإفاضة بعد طهرها، أما إن كانت مع رفقة أو محرمها ولا تستطيع التأخر فإنه -والحالة هذه- لا يجب عليها طواف الوداع ويسقط عنها بهذا العذر، وأما طواف الإفاضة فإنها تغتسل له وتستثفر وتطوف ولا شيء عليها إن شاء الله تعالى. والمسألة الثالثة فيما يتعلق بمسألة الحج على نفقة إنسان آخر، فلو أن إنساناً دعا إنساناً ليحج معه وسينفق عليه فبعض الناس يتوهم أن حج الفريضة لا يصح إلا أن يكون من ماله، وهذا خطأ، فمتى توافرت لك الاستطاعة -الزاد والراحلة- فليس هناك شرط أن يكون الحج من مالك أو أن يكون هدية من صديق أو أن يكون مساعدة من أخ، لا يشترط هذا الشرط، فإن حج مع هيئة رسمية أو مع جهة العمل أو مع صديق أو مع بعض الناس الذين يصنعون مثل صنيع ابن المبارك رحمة الله عليه فلا حرج في ذلك مطلقاً، فإن هذا الأمر -كما أشرت- يغلب على كثير من الناس، فربما يؤجلون حجهم وقد يتيسر لهم مع من يكفيهم المئونة ومع ذلك يتركون الحج لهذا المعنى، وهذا غير صحيح.

стр. 2480

قصائد وأشعار في الحج الوقفة الأخيرة مع بعض القصائد والأبيات الشعرية في الحج: يقول الشاعر: بحر من الخلق لا يحصى له عدد فيه من الأبحر الأمواج والزبد يطوف بالبيت سيل لا نفاد له إذا مضى مدد منه أتى مدد تسري ضراعته في الأفق لاهجة فكل حي به نشوان يرتعد تكاد في غمرها الأجساد من لهف يحيلها الشوق أنواراً فتتقد يا رب أنشودة الأرواح تعزفها هنا القلوب فيا لله ما تجد والدمع من لذعها هام فلا خجل يكف جريته الحرى ولا جلد تذكرت شأنها يوم الحساب وقد سيقت إلى العرض لا عون ولا سند تود لو أنها في الأرض ما وجدت ولا ألم بها مال ولا ولد فاستصرخت رب نفس غير سائلة سوى النجاة وقد أودى بها الكمد يذكي لواعجها طيف الذنوب فما تكاد تبصر غير الهول يحتشد وتنجلي نفحات العفو عن كثب فتستقر بُعيد اللوعة الكبد والنفس في غمضة النجوى قد انطلقت من أسرها فبدت روحاً ولا جسد شفت فلا يتراءى في بصيرتها سوى المليك الذي قد صاغها أحد فيا لها جلوات للكروب هدى تحيا بلمس ثناها أعين رمد بها تجلى على تلك الوفود وقد وافته تبغي رضاه الواحد الصمد وكذلك أيضاً يقول آخر: هذي طلائع للحجيج شعارها لبيك يا رب الحجيج المحرم كل النفوس تعلقت آمالها تدعوك ما بين الحطيم وزمزم حتى المشاعر كبرت حصباؤها حسب الذي يدعوك أن لا يندم وتكبل الشيطان في اليوم الذي قد أوقدت أبواب نار جهنم وتفتحت أبواب جنتك التي وعد الحجيج بها بيوم أعظم وثالث أيضاً وقد تخلف عن الحج -وهذه مشاعر روحانية جيدة حين يعز على الإنسان أن يفقد مواضع الطاعة وأسباب القربة من الله يقول: خلفوني مع الدموع وراحوا ليتهم من ودعوا قد أراحوا أزمعوا الحج يا هناهم فصاروا يسبق الطائرات شوق صراح فجروا في فؤادي نبع حنين يا بروحي حنينهم والنواح وسمت بي مع الخيال سماء وضياء يلفني لماح وجلال الأذكار في الكعبة الغـ راء نور بها الهدى وضاح والبرايا من كل جنس ونوع جمع الله طيهم فارتاحوا وتعالى الصوت الحبيب جهيراً تلبيات ترجيعها صداح واقع تخشع القلوب إليه ومقام تسمو به الأرواح كل خطو في أرض مكة ذكر كل ركن في ساحها مصباح وانجلت عتمة وأزهر شوق واحتوتني بفيضها الأفراح فإذا بي والبيت يحرس خطوي مستقيم في خطوه مرتاح وزحام الطواف نفحة حب وحنان الدعاء روح وراح وعجيج الساعين نبعة خير وصلاة ريانة وارتياح والوقوف الحبيب في عرفات نفحات من الهدى وانشراح وسلاح الحصى العجيب فخار تاه عزاً فغار منه السلاح وطواف الوداع للبيت دمع وابتهال نحوه يجتاح إنما الحج والزيارة خير ووصول وتوبة وفلاح ولقاء مع السماء كريم وعطايا فيها التجلي نجاح أتراني أحظى برحلة حج في حياتي أم فاتني المصباح

стр. 2481

الأسئلة

стр. 2482

حكم النيابة في الحج عن الوالدين أو غيرهما السؤال ما حكم النيابة في الحج عن الوالد أو الوالدة أو غيرهما؟ الجواب الحج من الأعمال التي تجوز فيها النيابة، والنيابة هنا عامة لا يشترط أن يحج فيها عن الشخص قريب له أو ولد له، بل متى أناب أو وكل غيره وأعطاه النفقة صح حجه عنه إن كان من يحج عنه معذوراً، كأن يكون مريضاً بمرض لا يرجى برؤه، أو عاجزاً عجزاً لا يستطيع معه الحج، أو كان ميتاً فوكل ورثته من يحج عنه، وكذلك إن لم يكن هناك مبادرة من صاحب الحج، فإن تطوع الرجل ليحج عن أبيه الذي لم يحج، أو تطوع أن يحج عن صديق له مات وهو لم يحج فإنه لا شيء في ذلك، وليس هناك من عمل يختلف بين حج الشخص عن نفسه وحجه عن غيره إلا النية، فقد ورد: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك -اللهم- عن شبرمة. فقال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة). فليس هناك خلاف في العمل، فبعض الناس يظن أنه يحتاج إلى عمل معين، وليس كذلك، لكن عند التلبية للحج يسمي؛ لأن تسمية من يحج عنه وارد ومشروع، فيقول: لبيك -اللهم- حجة وعمرة عن فلان. أو: لبيك -اللهم- حجاً عن فلان. أما بقية الأعمال فإنه يؤديها كما يؤدي حجه عن نفسه بكامل إخلاصه، فعندما يدعو فيدعو بالدعاء الذي يدعو به في المعتاد حينما يحج عن نفسه، ويعمل نفس الأعمال، لا يزيد عن ذلك شيئاً، إلا أنه يعلن بالنية في أول الأمر ويستحضرها عند بعض المناسك خاصة عند النحر أو الذبح، وقد يصرح أيضاً بأنه ينحر عن فلان؛ لأنه قد ورد مثل ذلك -أيضاً- عن النبي ﷺ .

стр. 2483

إنفاق المال في الجهاد أفضل من حج التطوع السؤال أحد الإخوة كان قد تبرع بمبلغ الحج للمسلمين المتضررين في البوسنة والهرسك أو في غيرهما؛ فأيهما أفضل: الحج أم ما صنعه؟ الجواب هناك فتوى اطلعت عليها من ضمن الفتاوى لكبار العلماء، يقولون فيها: إن الذي عنده نفقة الحج ويريد أن يحج تطوعاً فإنه من الأولى له أن ينفق المال في الجهاد في سبيل الله. مستشهدين بحديث النبي ﵊: (أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الحج المبرور) فإذا كان حج الفريضة قد أداه فإنه إن أنفق المال في الجهاد فهو أولى إن استطاع وكان أمره متيسراً وعنده نفقة الحج، وإن أراد التفاضل فإنه على هذا الوجه استناداً لهذا الحديث، لكنه لا يجب عليه أن يترك حج التطوع لينفق المال في ذلك المضمار، ولا يكون آثماً إن صرف المال في حج التطوع؛ فإنها قربات، والمسألة هي مسألة تفاضل، والإنسان لو ترك الأفضل وأخذ بالمفضول فإنه جائز، لكنه قد يكون أخذ بأجر أقل وترك الأجر الأعظم، هذا ما يقال في مثل هذه المسألة، والله أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 2484

وقفات مع أخطر المهمات مهمة التعليم من أهم وأبرز القضايا في حياة الأمم والشعوب؛ وذلك لأن الجهل من أعظم أسباب الضياع والهوان، وقد حث الله في كتابه الكريم على العلم والتعلم، فكانت أول كلمة من القرآن نزلت على النبي ﷺ : (اقرأ)، ولم يأمر الله نبيه ﷺ بالاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، ولنا في حياة الرسول ﷺ وخلقه ومعاملته مع أصحابه في التعليم خير دليل وهادٍ ومرشد في ممارسة العملية التعليمية.

стр. 2485

مهمة العلم والتعليم الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، وخلق الإنسان، علمه البيان، أحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، ويقينا سخطه وعذابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، جعل العلم طريقاً إلى حياة القلوب، وزكاة النفوس، ورشد العقول، واستقامة الجوارح، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، المعلم الأمثل، والمرشد الأكمل، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فبين أيدينا وقفات مع أخطر المهمات، مهمة شرفها أن أعظم من حملها رسل الله وأنبياؤه، مهمة من معالم أهميتها وخطورتها أنها من أعظم أسباب القوة والحفظ للأمم، وتضييعها من أعظم أسباب الضياع والهوان للأمم. إنه حين تبدأ الدراسة ينطلق الملايين من الطلاب والطالبات ومعهم عشرات ومئات الآلاف من المعلمين والمعلمات، وتدور الأيام وتتوالى وهذه المدارس والمعاهد والجامعات تعمل، ثم نرى ونسمع شكوى من ضعف الأخلاق، وانحلال الروابط الاجتماعية، ورقة الدين، وغلبة الهوى، بل نسمع كذلك شكوى من ضعف العلوم العصرية المدنية الحضارية، وتدني المستويات الطلابية، وكثرة المشكلات التعليمية، وتمضي هذه العجلة ولكنها في مثل هذا الوقت على وجه الخصوص تكتسب أهمية أكبر وخطورة أعظم، وتحتاج إلى جهود متكاتفة متكاملة، وإلى وقفات متبصرة متأنية. تحتاج إلى قلوب غيورة محترقة، وإلى نفوس فتية قوية، وإلى عزائم ماضية عالية، وحتى ندرك ذلك نقف بعض الوقفات التي تكشف لنا عن كثير من هذه المهمات نحن أمة الإسلام، أمة العلم والتعليم، أمة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] أول ما نزل على سيد الخلق ﷺ . نحن أمة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] نحن أمة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، نحن أمة محمد ﷺ الأمي الذي علم البشرية كلها. نحن أمة محمد ﷺ الذي جعل التعليم وراثة للنبوة فقال ﵊: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، نحن هذه الأمة، نحن أمة العلم والحضارة المادية المدنية، ونحن أمة العلم والتزكية النفسية القلبية، نحن الأمة الذين أخذت عنها الحضارات المعاصرة علوم المادة والتجربة، لكننا نسمع ما يسمى اليوم العالمي لمحو الأمية، وتأتينا الإحصاءات لتقول لنا: إن سبعين مليوناً من أمة العرب أميون لا يقرءون ولا يكتبون، وهذا العدد يعادل بحد أدنى الخمس، وقد يصل إلى قريب من الربع، ويأتي أيضاً تصريح للمسئول عن منظمة التربية والعلوم ليقول لنا: إن الأمية تزداد في جل الدول الإسلامية، وإنه لم تسجل زيادات في القضاء على الأمية إلا في ست دول إسلامية فحسب، وأن نحواً من (٥٠%) يعدون في صفوف الأميين من حيث القراءة والكتابة، أو من حيث الاتصال بالتقنيات المعلوماتية المعاصرة. أليست هذه المفارقات الكبيرة والأوضاع المحزنة في ظل عصر المعلومات والتقنيات والعلوم المتقدمة جديرة بأن تجعلنا نقف مع أنفسنا؟! إنني لا أدعو إلى وقوف وزارات التربية والتعليم والحكومات فحسب، بل أدعو إلى وقوفك أنت وأنا وتلك الأم في بيتها وابني وابنك. لماذا تمضي الأيام، ولماذا تتدرج بالطلاب المراحل ثم يخرجون بعد سنوات وهم جهلة معممون أو مزينون بزينة وحلية ظاهرية، ولم يخلص العلم إلى قلوبهم، ولم تدخل التزكية إلى نفوسهم، ولم يصبح في عقولهم اتزان واعتدال، ولم نجد في سلوكهم استقامة ولا قوامة؟ لِمَ ذلك؟ لنقف هذه الوقفات المهمة.

стр. 2486

أهمية التربية والتعليم أول هذه الوقفات أجعلها في أمر مهم أساسي، وهو الذي نريد أن نقول فيه: لم سمينا مهمة التربية والتعليم أخطر المهمات؟ إن ذلك لأمرين اثنين: الأول -وهو ما نريده بالصورة الإيجابية-: إدراك الأثر والقوة التأثيرية للعلم والتعليم، فإن مقياس قوة الأمم اليوم لا يعد بكثرة جيوشها وأسلحتها، بل قبل ذلك بكثرة المتعلمين فيها، وبوجود مؤسسات التعليم التطبيقية الراقية العالية، وبوجود مراكز الأبحاث والدراسات المستمرة المتتابعة، تلك التي جعلت القرن الماضي الذي ربما شهد أكبر مخترعات في تاريخ البشرية تستأثر دولة واحدة فيه بنحو (٣٠%)، ومجموعة من الدول الغربية بنحو (٣٠%)، ثم يتوزع الباقي على كل بلاد الدنيا، ثم يكون حظ دولة الغصب الصهيونية معادلاً لمجموعة الدول العربية كلها وأكثر! ولا بد أن ندرك أن ذلك ليس من مجرد هذه الحقائق الواقعية فحسب، بل من آياتنا القرآنية ومن إرشادات نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. إن التحليل في هذه الآية ومثيلاتها يعطينا الأهمية القصوى والمفاتيح الأساسية الرئيسة التي بها تغير الأمم وتبدل أحوالها من ضعف إلى قوة، ومن تفكك إلى ترابط، ومن تراجع إلى تقدم. فالأول السمع، والمقصود به تلقي العلوم وأخذها من كل جهة، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، ويكون مع السمع التدبر والتحليل والتقسيم والتبويب، وأما النظر والبصر فالمقصود به المعاينة والمشاهدة والتجربة والاستنباط والدقة في معرفة ما يرى ويشاهد، نحن نرى كل شيء في هذا الكون، فلا يكاد يسترعي انتباهنا ولا يلفت نظرنا، ولا يشغل تفكيرنا، بينما نرى الأمم المتقدمة المدنية من حولنا وهي تدرس الظواهر تنظر بعين البصيرة لا بعين البصر فحسب. ثم يأتينا من بعد ذلك البصر والفؤاد، والفؤاد المقصود به القلب والعقل الذي يحدد ويقوم المسار، والذي يكشف عن آثار هذه المعرفة المستقاة من الجوارح في تأثيرها النفسي والقلبي والسلوكي من بعد ذلك، والتي تضبط المسيرة، وتحدد المعالم وترسم المناهج، وترمي إلى الغايات النبيلة السامية. وأمر آخر في هذه الأهمية، فنحن نرى اليوم -كما قلنا- أن أصحاب القوة هم أصحاب العلم والتقنية والمعلومات، ويعرفون عنا عن بلادنا وعن ثرواتنا وعن إحصاءاتنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. لكن جانباً آخر يكشف عن الأهمية والخطورة، وهو ضرورة التميز، فالعلوم المدنية المادية مشترك واحد، فالماء تكوينه عندي وعند غيري من غير المسلمين وعند أهل الشرق والغرب واحد، لكن ما وراء ذلك من التصور والاعتقاد والفكر، وما وراء هذه الظواهر الكونية، بل ما وراء الكون كله والحياة كلها يختلف عندنا -معاشر المسلمين- عن غيرنا من الأمم، والأمم التي تقدمت اليوم في المادة فشلت في الجملة أن تتقدم في ميدان الخلق، فلا القلوب مشرقة مضيئة، بل هي في جملتها مظلمة كدرة، ولا النفوس زاكية طاهرة بل كثير منها متدنسة قذرة، ولا الصدور منشرحة طيبة بل كثير منها ضيق حرج. نحن الأمة التي أعطينا التميز في الجمع بين جانب المادة والروح، بين جانب العلم المادي والعلم المعنوي، ولقد لخصت آيات القرآن مهمة النبي ﷺ ، وهي مهمة كل معلم وداعية من بعده: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] وتلاوة الآيات هي نقل العلوم والمعرفة وسردها وعرضها بفنون مختلفة وبأساليب متنوعة. كان قدوتنا فيها رسولنا ﷺ يوم تدرج في التعليم واستخدم وسائله المختلفة، يوم رأف بالجهلة والذين عندهم شيء من التسرع، يوم كانت سيرته وشخصيته أنموذجاً فريداً للمعلم الحاني البصير. ثم ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] فلا خير في علم لا يخلص إلى القلب، ولا ينفذ نوره إلى النفس، ولا يظهر أثره في السلوك. تلك هي المعادلة المهمة، كل آية تقرأ، كل حديث يروى، كل معلومة تحفظ، كل حقيقة علمية تتجلى ينبغي أن تسكب مزيداً من الإيمان في القلب، ومزيداً من الطمأنينة في النفس، ومزيداً من التعظيم للخالق، ومزيداً من الثقة بالمنهج وارتباطاً بالكتاب والسنة. أين هذا من ممارساتنا التعليمية في مدارسنا ومعاهدنا؟! أين هذا مما كان عليه رسول الله ﷺ يوم روى أصحاب أصحابه رضوان الله عليهم من التابعين (كان الذين يقرءوننا القرآن من أصحاب محمد ﷺ كـ أبي وعثمان وعبد الله بن مسعود ﵃ لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نفقه ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل معاً). ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩] وذلك هو التطبيق العملي، والمقصود بالحكمة سنة النبي ﷺ ، وهي كما أوجزت أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) قرآن يمشي على الأرض، سلوك راق، خلق سام، قيم فاضلة، معاملة لا مثيل لها، إنسانية لا يبلغ أحد مبلغها، تلك هي الصورة المثلى للمعلم الأمثل ﷺ . إذاً فقيادة المجتمعات في داخل الأمم وقيادة الأمة لغيرها من الأمم مربط فرسها ومحور رحاها هو التعليم والتربية، والأخذ بأسباب القوة العلمية المادية في العلوم الدنيوية، لكن بمنهج متميز في الارتباط بالله. تلك الآية الأولى، (اقرأ)، تعلم وخذ، لكن باسم ربك لا باسم الهوى، لا باسم النزعة الإنسانية الطاغية، لا باسم الشهوة التي فيها نوع من العدوان البشري باستخدام القوة والتسلط على البشر، هذه مزيتنا نحن أمة الإسلام.

стр. 2487

الأمور المهمة في مهمة التربية والتعليم في مقتبل بداية هذا التعليم وأيامه، وفي كل عام دراسي جديد نوجه الحديث أيضاً في وقفات أخرى، وأكرر أن أهميتها تخصنا جميعاً، وأن خطابنا فيها موجه لكل واحد منا بشخصه وذاته، فضلاً عمن يكون مسئولاً عن هذه المهمات فإن مسئوليته مضاعفة، وإن مهمته أكبر وأكبر، ونريد من المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات والآباء والأمهات أن يحرصوا على هذه المعاني.

стр. 2488

الاستمرار في التعلم والتطوير وأخيراً في هذا الجانب: مسألة الاستمرار والتطوير. فهي قضية مهمة، لا ينبغي أن نعلم اليوم كتباً قديمة قد جاءت العلوم الحديثة بعد خمس أو عشر من السنوات بمعلومات جديدة وفروع وقضايا وحقائق وتجارب مختلفة ونحن ما زلنا ندرس ذلك العلم القديم، ونحن أيضاً ليست عندنا المراكز البحثية التي تتابع كل جديد بالقدر الكافي، وإن الذي يصرف على البحث العلمي يعد اليوم من أسباب تقييم الأمم وجعلها في المصاف العليا أو الدنيا، والمعدل الذي يذكر عالمياً أنه ينبغي أن يصرف (١%) من الدخل القومي لكل دولة على الأبحاث العلمية وتطويرها، وليس هناك دولة من بلاد العالم الإسلامي في جملتها تبلغ مثل هذه النسبة، وكما قلت فإن الذي يصرف على دولة الغصب الصهيونية في البحث العلمية يعادل كل ما يصرف في البلاد العربية ويفيض عليه. وعندما جعل تقييم لأحسن مائة جامعة في العالم كله -بغض النظر عن هذا التقييم- لم يكن بينها جامعة في بلاد إسلامية مطلقاً، بينما اشتملت على سبع جامعات في ذلك الكيان الغاصب.

стр. 2489

المعرفة بالأثر والخطورة في سوء التربية والأمر الثاني: المعرفة بالأثر والخطورة. فإن المعلم اليوم يمكن أن ينشئ جيلاً صالحاً أو طالحاً، وإن المدرسة اليوم يمكن أن تعيد إلينا أبناءنا إلى بيوتنا وقد تشوشت أفكارهم وانحرفت سلوكهم، أو تعيدهم إلينا وقد ثبت إيمانهم ورسخ يقينهم وسمت أخلاقهم، بل قبل ذلك نحن -معاشر الآباء والأمهات- عندما كان أبناؤنا في صغرهم قبل المدارس وحتى في أثناء المدارس نحن الذين وضعنا بصماتنا عليهم، فإن وجدت ابناً بذيء القول سيئ الفعل فاعلم أن لذلك حظاً من أسرته وبيته، إما تفريطاً في المهمة وإما إكساباً لهذه الأخلاق من سلوك الآباء والأمهات، ومن هنا فإن المهمة خطيرة وعظيمة، فإن أبناءنا الصغار لا أقول في الثالثة والرابعة من العمر والخامسة قبل الدراسة، بل حتى وهم في بطون أمهاتهم، تبدأ التربية من هناك، وقد يعجب بعض الناس من ذلك، فنذكر بما وجه إليه النبي ﷺ من ذكر ودعاء عند معاشرة الرجل أهله، وقال فيه ﵊: (فإن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان) وعندما أخبرنا وسن لنا أن يؤذن في أذن الوليد ويقام في أذنه اليسرى حتى ينطبع في نفسه ونفس الإنسان وخلقه شيء عجيب، فلم يعرف الناس بعد إلا القليل من أسراره، فيكون ذلك موطئاً لما يكون في هذا، بل قد حث الرسول ﷺ ووجه باختيار المرأة الصالحة؛ لأنها المحضن لهذه التربية.

стр. 2490

الجدية والاهتمام في العملية التعليمية الأمر الثالث: الجدية والاهتمام. إن من الصور السليبة في معاهدنا التعليمية اليوم أن اللامبالاة قد تقع من المعلمين والمعلمات، ولكنها أكثر في صفوف الطلبة والطالبات، فيسهرون ليلهم وينامون نهارهم، ويؤجلون دروسهم، ويحفظون من أسماء اللاعبين واللاعبات والفنانين والفنانات ومواقع الدورات والمباريات أكثر مما يحفظون من المناهج والمقررات. إن صور ونسب الرسوب وتدني المستويات مع توفر الإمكانيات يدل على خسارة كبيرة وهدر عظيم للثروة القومية، فكيف نعلم مليوناً -على سبيل المثال من الطلاب- وفي آخر العام يكون القريب من نصفهم راسباً يعيد عاماً كاملاً ويستهلك مرة أخرى من المال والجهد مثل ذلك. أليس هذا جديراً بأن نفكر فيه؟ ألسنا معنيين بأن نعالج الأمور المهمة التي سأشير إلى بعض منها أيضاً؟ أين هذه الجدية؟! أين نحن من منهج الإسلام الذي يريد منا أن نكون أقوياء؟! ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] دين يدعو إلى المسابقة في الخيرات والمسارعة إليها ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. دين يريد الهمم العالية والعزائم الماضية، دين جعل أصحاب محمد ﷺ يضربون المثل، فيرحل جابر بن عبد الله ﵁ من مدينة رسول الله ﷺ إلى مصر ليلقى صحابياً من الصحابة، يقول: جئت أسألك عن حديث لم يعد أحد سمعه من رسول الله ﷺ إلا أنت، ثم يروي له ذلك الحديث، فيرجع من وقته من مصر إلى المدينة. إن أمر العلم وطلبه وتحصيله لا ينال بالنوم والكسل ومشاهدة المسلسلات ومتابعة الفضائيات واللعب بالإلكترونيات كما شاع وراج بين أبنائنا اليوم إلا من رحم الله، ومن هنا نريد أيضاً أمراً ثالثاً، وهو أمر الهمة العالية، فكثير من أبنائنا في صورة ربما تتضمن شيئاً من الطرفة لكنها محزنة. ما هو شعار كثير من الطلاب؟! يقولون: نسأل الله القبول. لا يعنون به ما نعنيه بالدعاء، وإنما القبول هو أدنى الدرجات فوق الرسوب، وأقل التقديرات أن ينجح بتقدير (مقبول) ويقولون: نسأل الله القبول. أين المراتب العالية؟! وأين التنافس؟! وأين الذين سيخرجون متعلمين أو علماء أو مبتكرين أو مخترعين؟! إنهم أقل من القليل، والنسبة في ظروف وفي أحوال كثيرة تزداد سوءاً، وذلك ما ينبغي الالتفات إليه.
следующие страницы →