Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
أهمية التربية والتعليم
أول هذه الوقفات أجعلها في أمر مهم أساسي، وهو الذي نريد أن نقول فيه: لم سمينا مهمة التربية والتعليم أخطر المهمات؟ إن ذلك لأمرين اثنين: الأول -وهو ما نريده بالصورة الإيجابية-: إدراك الأثر والقوة التأثيرية للعلم والتعليم، فإن مقياس قوة الأمم اليوم لا يعد بكثرة جيوشها وأسلحتها، بل قبل ذلك بكثرة المتعلمين فيها، وبوجود مؤسسات التعليم التطبيقية الراقية العالية، وبوجود مراكز الأبحاث والدراسات المستمرة المتتابعة، تلك التي جعلت القرن الماضي الذي ربما شهد أكبر مخترعات في تاريخ البشرية تستأثر دولة واحدة فيه بنحو (٣٠%)، ومجموعة من الدول الغربية بنحو (٣٠%)، ثم يتوزع الباقي على كل بلاد الدنيا، ثم يكون حظ دولة الغصب الصهيونية معادلاً لمجموعة الدول العربية كلها وأكثر! ولا بد أن ندرك أن ذلك ليس من مجرد هذه الحقائق الواقعية فحسب، بل من آياتنا القرآنية ومن إرشادات نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
إن التحليل في هذه الآية ومثيلاتها يعطينا الأهمية القصوى والمفاتيح الأساسية الرئيسة التي بها تغير الأمم وتبدل أحوالها من ضعف إلى قوة، ومن تفكك إلى ترابط، ومن تراجع إلى تقدم.
فالأول السمع، والمقصود به تلقي العلوم وأخذها من كل جهة، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، ويكون مع السمع التدبر والتحليل والتقسيم والتبويب، وأما النظر والبصر فالمقصود به المعاينة والمشاهدة والتجربة والاستنباط والدقة في معرفة ما يرى ويشاهد، نحن نرى كل شيء في هذا الكون، فلا يكاد يسترعي انتباهنا ولا يلفت نظرنا، ولا يشغل تفكيرنا، بينما نرى الأمم المتقدمة المدنية من حولنا وهي تدرس الظواهر تنظر بعين البصيرة لا بعين البصر فحسب.
ثم يأتينا من بعد ذلك البصر والفؤاد، والفؤاد المقصود به القلب والعقل الذي يحدد ويقوم المسار، والذي يكشف عن آثار هذه المعرفة المستقاة من الجوارح في تأثيرها النفسي والقلبي والسلوكي من بعد ذلك، والتي تضبط المسيرة، وتحدد المعالم وترسم المناهج، وترمي إلى الغايات النبيلة السامية.
وأمر آخر في هذه الأهمية، فنحن نرى اليوم -كما قلنا- أن أصحاب القوة هم أصحاب العلم والتقنية والمعلومات، ويعرفون عنا عن بلادنا وعن ثرواتنا وعن إحصاءاتنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
لكن جانباً آخر يكشف عن الأهمية والخطورة، وهو ضرورة التميز، فالعلوم المدنية المادية مشترك واحد، فالماء تكوينه عندي وعند غيري من غير المسلمين وعند أهل الشرق والغرب واحد، لكن ما وراء ذلك من التصور والاعتقاد والفكر، وما وراء هذه الظواهر الكونية، بل ما وراء الكون كله والحياة كلها يختلف عندنا -معاشر المسلمين- عن غيرنا من الأمم، والأمم التي تقدمت اليوم في المادة فشلت في الجملة أن تتقدم في ميدان الخلق، فلا القلوب مشرقة مضيئة، بل هي في جملتها مظلمة كدرة، ولا النفوس زاكية طاهرة بل كثير منها متدنسة قذرة، ولا الصدور منشرحة طيبة بل كثير منها ضيق حرج.
نحن الأمة التي أعطينا التميز في الجمع بين جانب المادة والروح، بين جانب العلم المادي والعلم المعنوي، ولقد لخصت آيات القرآن مهمة النبي ﷺ ، وهي مهمة كل معلم وداعية من بعده: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] وتلاوة الآيات هي نقل العلوم والمعرفة وسردها وعرضها بفنون مختلفة وبأساليب متنوعة.
كان قدوتنا فيها رسولنا ﷺ يوم تدرج في التعليم واستخدم وسائله المختلفة، يوم رأف بالجهلة والذين عندهم شيء من التسرع، يوم كانت سيرته وشخصيته أنموذجاً فريداً للمعلم الحاني البصير.
ثم ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] فلا خير في علم لا يخلص إلى القلب، ولا ينفذ نوره إلى النفس، ولا يظهر أثره في السلوك.
تلك هي المعادلة المهمة، كل آية تقرأ، كل حديث يروى، كل معلومة تحفظ، كل حقيقة علمية تتجلى ينبغي أن تسكب مزيداً من الإيمان في القلب، ومزيداً من الطمأنينة في النفس، ومزيداً من التعظيم للخالق، ومزيداً من الثقة بالمنهج وارتباطاً بالكتاب والسنة.
أين هذا من ممارساتنا التعليمية في مدارسنا ومعاهدنا؟! أين هذا مما كان عليه رسول الله ﷺ يوم روى أصحاب أصحابه رضوان الله عليهم من التابعين (كان الذين يقرءوننا القرآن من أصحاب محمد ﷺ كـ أبي وعثمان وعبد الله بن مسعود ﵃ لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نفقه ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل معاً).
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩] وذلك هو التطبيق العملي، والمقصود بالحكمة سنة النبي ﷺ ، وهي كما أوجزت أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) قرآن يمشي على الأرض، سلوك راق، خلق سام، قيم فاضلة، معاملة لا مثيل لها، إنسانية لا يبلغ أحد مبلغها، تلك هي الصورة المثلى للمعلم الأمثل ﷺ .
إذاً فقيادة المجتمعات في داخل الأمم وقيادة الأمة لغيرها من الأمم مربط فرسها ومحور رحاها هو التعليم والتربية، والأخذ بأسباب القوة العلمية المادية في العلوم الدنيوية، لكن بمنهج متميز في الارتباط بالله.
تلك الآية الأولى، (اقرأ)، تعلم وخذ، لكن باسم ربك لا باسم الهوى، لا باسم النزعة الإنسانية الطاغية، لا باسم الشهوة التي فيها نوع من العدوان البشري باستخدام القوة والتسلط على البشر، هذه مزيتنا نحن أمة الإسلام.
стр. 2487
الأمور المهمة في مهمة التربية والتعليم
في مقتبل بداية هذا التعليم وأيامه، وفي كل عام دراسي جديد نوجه الحديث أيضاً في وقفات أخرى، وأكرر أن أهميتها تخصنا جميعاً، وأن خطابنا فيها موجه لكل واحد منا بشخصه وذاته، فضلاً عمن يكون مسئولاً عن هذه المهمات فإن مسئوليته مضاعفة، وإن مهمته أكبر وأكبر، ونريد من المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات والآباء والأمهات أن يحرصوا على هذه المعاني.
стр. 2488
الاستمرار في التعلم والتطوير
وأخيراً في هذا الجانب: مسألة الاستمرار والتطوير.
فهي قضية مهمة، لا ينبغي أن نعلم اليوم كتباً قديمة قد جاءت العلوم الحديثة بعد خمس أو عشر من السنوات بمعلومات جديدة وفروع وقضايا وحقائق وتجارب مختلفة ونحن ما زلنا ندرس ذلك العلم القديم، ونحن أيضاً ليست عندنا المراكز البحثية التي تتابع كل جديد بالقدر الكافي، وإن الذي يصرف على البحث العلمي يعد اليوم من أسباب تقييم الأمم وجعلها في المصاف العليا أو الدنيا، والمعدل الذي يذكر عالمياً أنه ينبغي أن يصرف (١%) من الدخل القومي لكل دولة على الأبحاث العلمية وتطويرها، وليس هناك دولة من بلاد العالم الإسلامي في جملتها تبلغ مثل هذه النسبة، وكما قلت فإن الذي يصرف على دولة الغصب الصهيونية في البحث العلمية يعادل كل ما يصرف في البلاد العربية ويفيض عليه.
وعندما جعل تقييم لأحسن مائة جامعة في العالم كله -بغض النظر عن هذا التقييم- لم يكن بينها جامعة في بلاد إسلامية مطلقاً، بينما اشتملت على سبع جامعات في ذلك الكيان الغاصب.
стр. 2489
المعرفة بالأثر والخطورة في سوء التربية
والأمر الثاني: المعرفة بالأثر والخطورة.
فإن المعلم اليوم يمكن أن ينشئ جيلاً صالحاً أو طالحاً، وإن المدرسة اليوم يمكن أن تعيد إلينا أبناءنا إلى بيوتنا وقد تشوشت أفكارهم وانحرفت سلوكهم، أو تعيدهم إلينا وقد ثبت إيمانهم ورسخ يقينهم وسمت أخلاقهم، بل قبل ذلك نحن -معاشر الآباء والأمهات- عندما كان أبناؤنا في صغرهم قبل المدارس وحتى في أثناء المدارس نحن الذين وضعنا بصماتنا عليهم، فإن وجدت ابناً بذيء القول سيئ الفعل فاعلم أن لذلك حظاً من أسرته وبيته، إما تفريطاً في المهمة وإما إكساباً لهذه الأخلاق من سلوك الآباء والأمهات، ومن هنا فإن المهمة خطيرة وعظيمة، فإن أبناءنا الصغار لا أقول في الثالثة والرابعة من العمر والخامسة قبل الدراسة، بل حتى وهم في بطون أمهاتهم، تبدأ التربية من هناك، وقد يعجب بعض الناس من ذلك، فنذكر بما وجه إليه النبي ﷺ من ذكر ودعاء عند معاشرة الرجل أهله، وقال فيه ﵊: (فإن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان) وعندما أخبرنا وسن لنا أن يؤذن في أذن الوليد ويقام في أذنه اليسرى حتى ينطبع في نفسه ونفس الإنسان وخلقه شيء عجيب، فلم يعرف الناس بعد إلا القليل من أسراره، فيكون ذلك موطئاً لما يكون في هذا، بل قد حث الرسول ﷺ ووجه باختيار المرأة الصالحة؛ لأنها المحضن لهذه التربية.
стр. 2490
الجدية والاهتمام في العملية التعليمية
الأمر الثالث: الجدية والاهتمام.
إن من الصور السليبة في معاهدنا التعليمية اليوم أن اللامبالاة قد تقع من المعلمين والمعلمات، ولكنها أكثر في صفوف الطلبة والطالبات، فيسهرون ليلهم وينامون نهارهم، ويؤجلون دروسهم، ويحفظون من أسماء اللاعبين واللاعبات والفنانين والفنانات ومواقع الدورات والمباريات أكثر مما يحفظون من المناهج والمقررات.
إن صور ونسب الرسوب وتدني المستويات مع توفر الإمكانيات يدل على خسارة كبيرة وهدر عظيم للثروة القومية، فكيف نعلم مليوناً -على سبيل المثال من الطلاب- وفي آخر العام يكون القريب من نصفهم راسباً يعيد عاماً كاملاً ويستهلك مرة أخرى من المال والجهد مثل ذلك.
أليس هذا جديراً بأن نفكر فيه؟ ألسنا معنيين بأن نعالج الأمور المهمة التي سأشير إلى بعض منها أيضاً؟ أين هذه الجدية؟! أين نحن من منهج الإسلام الذي يريد منا أن نكون أقوياء؟! ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] دين يدعو إلى المسابقة في الخيرات والمسارعة إليها ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
دين يريد الهمم العالية والعزائم الماضية، دين جعل أصحاب محمد ﷺ يضربون المثل، فيرحل جابر بن عبد الله ﵁ من مدينة رسول الله ﷺ إلى مصر ليلقى صحابياً من الصحابة، يقول: جئت أسألك عن حديث لم يعد أحد سمعه من رسول الله ﷺ إلا أنت، ثم يروي له ذلك الحديث، فيرجع من وقته من مصر إلى المدينة.
إن أمر العلم وطلبه وتحصيله لا ينال بالنوم والكسل ومشاهدة المسلسلات ومتابعة الفضائيات واللعب بالإلكترونيات كما شاع وراج بين أبنائنا اليوم إلا من رحم الله، ومن هنا نريد أيضاً أمراً ثالثاً، وهو أمر الهمة العالية، فكثير من أبنائنا في صورة ربما تتضمن شيئاً من الطرفة لكنها محزنة.
ما هو شعار كثير من الطلاب؟! يقولون: نسأل الله القبول.
لا يعنون به ما نعنيه بالدعاء، وإنما القبول هو أدنى الدرجات فوق الرسوب، وأقل التقديرات أن ينجح بتقدير (مقبول) ويقولون: نسأل الله القبول.
أين المراتب العالية؟! وأين التنافس؟! وأين الذين سيخرجون متعلمين أو علماء أو مبتكرين أو مخترعين؟! إنهم أقل من القليل، والنسبة في ظروف وفي أحوال كثيرة تزداد سوءاً، وذلك ما ينبغي الالتفات إليه.
стр. 2491
الإخلاص لله وإدراك الغاية من العمل
أولاً: الإخلاص والغاية.
فإن منطلق كل تعليم لا بد أن يتوافر فيه إخلاص لله، وغاية مشدودة إلى طلب رضوان الله، ورغبة مخلصة في الامتثال لأمر الله والتزام شرع الله ، تلك الغاية هي التي تفرق بين مسلم مؤمن يأخذ العلوم من كل حدب وصوب ومن كل فن ولون، لكنه لا يأخذ ما يعارض شرع الله، ولا يأخذ إلا ما يستخدمه في مصلحة عباد الله.
تلك الغاية المهمة التي ينبغي أن نغرسها في أبنائنا وبناتنا، وقد غلبت المادة على الناس إلا من رحم الله، فلم يعد أحد يتعلم إلا لوظيفة، بل أصبح تخصصه وتوجهه مرتبط بما سيئول إليه حاله بعد هذا العلم من اكتساب رزق وحظوة اجتماعية ومكانة دنيوية وغير ذلك، حتى إنك لو سألت طالباً اليوم -لا أقول في المدرسة بل في الجامعة، بل ربما حتى في الدراسات العليا-: لم تدرس لأعطاك تفصيلات من الفروع الدقيقة المتعلقة بهذه الأمور الدنيوية المادية الاجتماعية، ولم تجد في ذهنه ولا في قوله شيئاً من الغايات السامية ولا الأمور العظيمة المتعلقة برسالته ودوره في هذه الحياة ودوره تجاه أمته وتجاه تاريخه وحضارته، فشتان في كثير من الأحوال ما بين جيل اليوم وأجيال خلت، ولذلك عندما نقول: إن هذه المهمة أخطر المهمات فلابد أن ننقل تعريفها، وهذا ليس منا، بل من الغرب أنفسهم، ففي دائرة المعارف البريطانية تعريف للتربية يقول: هي الجهد الذي يبذله ويقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرته للحياة التي يؤمنون بها.
إنها جهد يقوم به الآباء والمربون، لماذا؟ لينشأ جيل يترجم ويمثل نظرتهم للحياة التي يؤمنون بها، فهل يدرك المعلمون والمعلمات والطلاب والطالبات -بل والآباء والأمهات- هذا المعنى المهم الذي يبين فيه هذا القول أن التربية ليست مجرد معرفة ومعلومات، بل هي فكر وسلوك وقيم ومعان وضوابط تنتقل من جيل إلى جيل عبر هذه المؤسسات التعليمية والتربوية في الأسرة وفي المدرسة، وفي وسائل الإعلام وغير ذلك.
إن المهمة الأساسية للمدرسة أن تضخ القوة الروحية، وتجعل لها تأثيراً في التلاميذ حتى يواصلوا الاستمرار على نهج جيلهم السابق بذات النظرة التي يعيشون بها ويتقدمون إلى الأمام.
إذاً أول هذه الأمور ما نريد أن نثبته في هذه القضية، وهو الإخلاص وإدراك الغاية.
стр. 2492
وقفات مع المعلمين والمعلمات
стр. 2493
الوقفة الرابعة: متابعة الطلاب وحل مشاكلهم
وأخيراً: المتابعة.
فإن كثيراً من مشكلات أبنائنا السلوكية والفكرية والخلقية والاجتماعية والأسرية يمكن أن يطلع عليها المدرس إذا كان متابعاً لطلابه، فيرى انخفاضاً في المستوى فيسأل، ويرى غياباً عن الحضور فيتفقد، وقد كان محمد ﷺ يتفقد أصحابه، ولما نزلت الآيات بالنهي عن رفع الصوت في مجلسه غاب ثابت بن قيس ﵁، فتفقده الرسول وسأل عنه: أين هو؟! فذهب بعض الصحابة يسأل فقال: إني امرؤٌ جهوري الصوت، أخشى أن أتحدث بين يدي رسول الله ﷺ فيعلو صوتي على صوته فأهلك.
فيبشره النبي ﷺ ويرده.
هذا التفقد نحتاجه لئلا تسري أفكار منحرفة ومناهج مضللة إلى عقول أبنائنا، لئلا يخرج أبناؤنا من مدارسنا ومعاهدنا إلى أحد طريقين: طريق تطرف حقيقي خارج عن شرع الله يخرب البلاد ويروع العباد، أو يخرجون إلى طريق من الانحراف ينسلخون فيه من أمتهم وأسرهم، وينقطعون عن ثقافتهم، ويعيشون بيننا بعقول ليست كالعقول التي نفكر بها، وبقلوب ونفوس على غير ما هو في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وهذه مهمة عظيمة وخطيرة، نسأل الله أن يوفقنا نحن -معاشر الآباء والأمهات- إلى حسن القيام بها، وأن يحسن من أداء معلمينا ومعلماتنا، وأن يوفق الجميع لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
стр. 2494
الوقفة الأولى: القدوة الحسنة
هاهنا أمور كثيرة، فإننا جميعاً نقدم فلذات أكبادنا إلى المدارس يقضون فيها اثني عشر عاماً، يكونون فيها مع المعلمين والمعلمات في كل يوم نحو ست ساعات إلى ثمان ساعات، يشاهدهم المعلمون والمعلمات أكثر مما نشاهدهم في بيوتنا، نحن نعول على دورهم، نحن نجد أن هناك مهمة كبرى نحتاجها منهم.
أولها: أن يكونوا قدوات حسنة، فليس أضر في التعليم من أن يكون المعلم قدوة سيئة، فيقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، وقد ذم الله جل وعلا ذلك لنا -معاشر المؤمنين- فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
وحذرنا الله من ذلك، وضرب لنا المثل السيئ القبيح لمن كان لهم هذا السلوك، كما بين الحق ذلك في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]، فهو حمار يحمل علوماً وكتباً فوق ظهره ولا يعقل منها شيئاً، ولا يفهم منها علماً، ولا يأخذ منها سلوكاً، فما أقبح هذا المثل!
стр. 2495
الوقفة الثانية: التركيز على الهدف والغاية من التعليم
وأمر آخر: تركيزهم على المهمة التي ذكرناها ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، وليس مجرد سرد للمعلومات.
стр. 2496
الوقفة الثالثة: القرب من الطلاب والرأفة بهم
وثالثة مهمة، وهي قربهم من الطلاب والطالبات ورأفتهم بهم وشفقتهم عليهم، وإبداؤهم كامل الحب لهم، فإن التعليم لا يجد طريقه إلى العقول، وإن الفهم لا يجد طريقه إلى القلوب إلا عندما يقبل ذلك الطالب أستاذه ويحبه من قلبه، وتتعلق به نفسه.
تأمل كيف كان تعليم سيد الخلق ﷺ ، بل كيف وصفه الله وبين صفته العظمى في تعليمه؟ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ووصفه الله جل وعلا في حاله مع من يدعوهم ويعرضون فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، ووصف النبي ﷺ نفسه فقال: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار) ذلك هو الشفيق الرحيم.
لا يمكن أن تعلم أحداً وأنت دائم القسوة عليه، وأنت دائم النفرة منه، وأنت دائم العبوس في وجهه، ولن تصل كلماتك إلى عقله وقلبه.
ومن هنا نقول: كيف علم النبي ﷺ ؟ خذ ذلك الحديث الرقيق الأديب العجيب الذي قال فيه سيد الخلق ﵊: (يا معاذ! والله إني لأحبك) ثم شرع يعلمه الحقيقة العظمى، ففرح معاذ بتلك المقدمة، وانشرح صدره، وتهيأ قلبه، وانفرجت أساريره، وتلهفت نفسه، فكل كلمة حينئذ تقع موقعها، وتقبل وتؤثر بإذن الله .
وكان رديفه ابن عباس -كما في الحديث المشهور- وهو غلام صغير، فيلتفت إليه سيد الخلق ﷺ فيقول: (يا غلام! إني أعلمك كلمات) كلها مقدمات.
والقرآن يعلمنا في قصة لقمان ﴿يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٦] مما يبين أن هذا التلطف والشفقة والرحمة مهمة في غاية الأهمية.
стр. 2497
التكامل في العملية التعليمية
إن أداء مهمة التربية والتعليم من أعظم دلائل التقوى، ومن أعظم أسباب وجودها في أبنائنا وبناتنا، ولعلي أقف وقفة أخيرة مهمة، وهي التكامل في العملية التعليمية، وأعني بذلك غير مؤسسات التعليم كالمدارس والمعاهد والجامعات، وأعني بذلك جهتين مهمتين: الأولى: الوسائل الإعلامية، وما أدراك ما وسائل الإعلام؟ تبني ما يهدمه أفضل المعلمين وأشرف المعلمات، وتبدد من العلوم ما ربما استغرق الأيام والأعوام والسنوات.
كم نرى اليوم من آثار مدمرة ليست فقط في جانب السلوك والخلق، بل في جانب الفكر، بل وفي جانب التحصيل العلمي، مع أن الأصل أن يكون هناك تكامل، فكيف نقول للأبناء في المدارس: إن هذا الاختلاط محرم، وإن التبرج والتهتك والإتيان بالحركات التي تثير الشهوات كل ذلك نهى عنه القرآن وحذر منه النبي ﷺ ، ثم يجد ذلك على الشاشات والقنوات الفضائية صباح مساء؟ بل قنوات متخصصة في الغناء من الفجر إلى الفجر، وأخرى في الرياضة لا تتوقف فيها الأقدام تركل، أو الأيدي تضرب أو غير ذلك من الأنواع، وحظ العلم والتعليم والإرشاد والتوجيه إن وجد فهو أقل من القليل، وصحافة أيضاً في بعض الأحوال تهدم ما يقوله المعلم، بل تشكك الطلاب في المعلمين والمعلمات، بل وتطعن في المناهج والمقررات! كيف يستقيم ذلك؟! كيف أدرس طالباً وهو يقرأ أن ما أدرسه فيه خلل أو انحراف، أو أنه سبب لشذوذ أو خلل؟! كيف يصلح ذلك ما لم يكن هناك التكامل؟! وهذه قضية مسئوليتها عظيمة، فكل كلمة تقال أو تكتب أو برنامج يذاع أو يبث كله مسجل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً) كما أخبر النبي ﷺ .
والجهة الأخرى: الأسرة والبيت.
تتعلم الطالبة في مدرستها أو في جامعتها أموراً من الحشمة والعفة والحياء، ثم تأتي إلى بيتها وأمها خراجة ولاجة متبرجة، والقنوات في البيوت تبث ما تبث، فكيف يمكن أن نوائم بين هذا وهذا؟! أو الشاب يقول له معلمه: الزم بيوت الله حتى يشرق قلبك، وأدمن تلاوة القرآن حتى يترطب لسانك بذكر الله، وإذا به قد يجد أباً يقول له: احذر! لا تذهب للمسجد، وانتبه لدروسك، وأخر كتاب الله وتلاوته.
فهذا تعارض تحدث به أمور غير محمودة العواقب، إما أن ينحاز إلى الجهة السلبية الخطيرة، وإما أن يحصل اضطراب واختلال لا يستطيع به التوفيق، فلا يستطيع الركون إلى الخير والمضي في طريقه.
نسأل الله أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأن يحفظ معاهدنا وجامعاتنا ومدارسنا لتنشئة صالحة وتربية قويمة وتعليم هادف، إنه -جل وعلا- ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وضاعف لنا البركات، وامح عنا السيئات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات برحمتك يا رب الأرض والسماوات.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! إنا نسألك زكاة نفوسنا، وطهارة قلوبنا، ورشد عقولنا، واستقامة جوارحنا، رطب -اللهم- ألسنتنا بذكرك، واشغل جوارحنا بطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا اللهم ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ اللهم لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل -اللهم- لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.
أصلح! اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 2498
المنهج الوقائي في الإسلام
الوقاية خير من العلاج حكمة عظيمة ذات مدلول كبير، وهي لا تعني الوقاية في باب الصحة الجسمانية فحسب، بل تشمل الوقاية في جميع الأمور الدينية والدنيوية، إلا أن الوقاية في الأمور الدينية أهم بكثير؛ إذ يترتب عليها فوز العبد في الدار الآخرة أو هلاكه.
فيجب على المسلم أن يقي دينه مما يخدشه أو يضر به، وعليه أن يقي نفسه من غضب الله وأليم عقابه.
стр. 2499
معنى الوقاية
الحمد لله الواحد الديان، الرحيم الرحمن، الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، والجود والإكرام، جعل السلامة في الإسلام، وربط السعادة بالإيمان، وأودع الهداية في القرآن، أحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويكافئ فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، هو جل وعلا أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه رحمة للعالمين، وأرسله إلى الناس أجمعين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الإيمان هو النعمة الكبرى، والإسلام هو المنة العظمى، والقرآن هو الهداية التي ليس بعدها هداية.
وهنا قفه يطول الحديث فيها، وهي عن الوقاية في الإسلام، ذلك المنهج الذي نستجلي به كم يدفع الله عنا من الشرور! وكم يقينا من الآثام وكم يسلمنا من الرزايا والبلايا إذا استمسكنا بإيماننا والتزمنا إسلامنا واتبعنا قرآننا واقتفينا آثار نبينا محمد ﷺ .
الوقاية خير من العلاج، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج، هذه مقالات نعرفها ونحفظها، بل نعقتدها ونستيقنها، بل ونأخذ بها، ونعمل بها، ونطبقها في مجال الصحة والطب، وكل يوم يمر علينا نرى حملات للوقاية من شلل الأطفال، وأخرى للوقاية من الحصبة، وثالثة ورابعة، فهل الوقاية مختصة بالأجساد والأبدان؟ وهل مشكلتنا في علل الأجساد وأمراض الأبدان؟ إن المسألة التي يعالجها الإسلام أعظم وأشمل وأكمل من هذه الجوانب التي لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من هذا الدين العظيم، إن هذه الشعارات التي تعمل لها الحملات للتوعية هدفها أن يقتنع الناس ويوقنوا بأن العمل قبل وقوع الضرر أفضل لهم وأيسر، وأنه أقوى أثراً، وأوفر في التكاليف التي قد يتصورونها أو يرونها، فما هو معنى الوقاية؟ إن الوقاية تشتمل على معنى الصيانة والحماية، إنها حفظ ورعاية، وستر وحماية، مأخوذة من: وقاه من الشيء إذا صانه، ووقيت الشيء إذا حفظته وسلمته من الأذى، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١].
стр. 2500
أهمية الوقاية في كل شيء
ولابد أن نفهم أن الوقاية ينبغي أن تكون شاملة للأبدان والقلوب والعقول، لأنه ما الفائدة إذا صحت الأبدان وضلت العقول؟ وما الفائدة إذا سلمت الأجساد وزاغت القلوب؟ نسأل الله السلامة.
إن العالم اليوم يبذل مئات الآلاف من الملايين في شأن الصحة، ومنظمات للصحة العالمية، وأبحاث وتجارب وكثير وكثير، لكنه لا يعدو أن يكون في دائرة ضيقة، ولا يعدو أن يعالج أسباباً محدودة، وإذا بنا نرى أن الأمراض تتكاثر وتعظم، وأن الضحايا تتوالى وتتابع؛ لأن العلاج إنما تناول جزءاً واحداً، وكأنما أنت في مكان تخشى عدواً فأحكمت إغلاق باب من الأبواب إغلاقاً جيداً، ولكن الأبواب الأخرى أو بعض النوافذ مفتوحة، فإنه ولاشك سوف يدخل عليك العدو أو يأتيك البلاء الذي تحذره من جانب آخر، فما الفائدة إذا عملوا على تحصين الأجساد وتلقيحها والبحث عن أدوية الأمراض ولم يعالجوا أسبابها من الانفراط الأخلاقي والانحلالي السلوكي الذي يؤدي إلى مثل تلك الأمراض؟ لننتبه إلى أن الوقاية التي نريد أن نتحدث عنها في لقاءات متتابعة تشمل الإنسان كله، وتشمل الفرد وحده كما تشمل المجتمع برمته، إنها وقاية تغير وجه الحياة لتجعلها مبنية على الأمن والسلامة باطناً وظاهراً، وتعالج الأمراض من أسبابها، وتوقف الخطر من منابعه، وهذه هي المهمة الأعظم الأشمل الأكمل التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تتوفر إلا في وحي الله الذي أكرمنا وأنعم علينا به.
стр. 2501
مباني الوقاية وذكر نماذج
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان، وكلاهما مذكور في القرآن.
ومرض القلوب ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما مذكور في القرآن.
وهذا هو الذي ينبغي أن ننتبه له.
стр. 2502
الوقاية تقوم على التقوية والحماية
ولنعلم أن الوقاية تقوم على أمرين اثنين مهمين: أولهما التقوية، وهي التي تماثل في الطب التغذية، ونحن قبل أن نحقق أول أسباب الوقاية لابد أن يكون هناك قوة في البدن، ثم بعد ذلك نأتي إلى الجانب الآخر وهو الحماية، وهي عند أهل الطب الحمية.
فإنه لابد أولاً من أسباب قوة توفر لهذه الذات قوة في الجوانب المختلفة، ثم نحافظ على هذه القوة التي أنشأناها بذلك الغذاء بأن نحميها من العوارض والأسباب التي تنقص تلك القوة أو التي تضعفها.
ومنهج الإسلام يقوي الإنسان بإيمانه وإسلامه ويقينه بالله ، وفيه زكاة نفسه، وطهارة قلبه، ورشد عقله، وحسن قوله، وصلاح عمله، فإذا كان هذا النموذج الإيماني القرآني النبوي قد حرصنا على حفظه، فبعد ذلك إذا بقيت له هذه القوة في إيمانه وخلقه وقوله وعمله، فنقول له: احذر كذا وكذا، وانتبه من كذا وكذا، ولا تفعل كذا لأنه يؤدي إلى كذا، فتجيء الشرائع كأنما هي سياج أمني حافظ لتلك القوة أن يصيبها ضرر، وكأنما هي خطوط أولية للدفاع عن التي تليها؛ حتى يبقى المؤمن في حصن من إيمانه، وفي سياج من إسلامه، وفي قوة من يقينه بإذن الله .
стр. 2503
نموذج قرآني للوقاية الإيمانية
ولننتبه إلى صور عامة، وننظر إليها في بعض آيات القرآن وبعض أحاديث المصطفى ﷺ ؛ لنرى ما الذي، أو لنعرف ما المعنى الذي نريد أن نبينه في شأن الوقاية الإيمانية في منهج الإسلام.
ولننظر إلى أمثلة من الوقاية العقدية والأخلاقية والاجتماعية في عجالة سريعة حتى ندرك ما المفهوم الذي نتحدث عنه: في الوقاية العقدية تقوية وإقامة للحجة وإظهار للبرهان على وحدانية الله ، وعلى ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وعلى قضايا الإيمان كلها: من الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والصحف وما يكون في اليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وكل ذلك مبسوط في آيات القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥].
وآيات كثيرة في إثبات البعث الذي ينكره المنكرون، ويعترضون عليه لضعف عقولهم، فيأتينا القرآن بأمثلة وقصص وإثباتات كثيرة، كقوله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، وأمثلة يضربها الله في الحياة التي تبعث في البذرة الصماء حتى تكون نباتاً يزهر ويثمر إلى غير ذلك.
ثم يأتينا جانب الحماية والتحذير والوقاية بعد هذا البناء الذي قام على أسس راسخة من الأدلة الظاهرة والحجج القاطعة؛ كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، ويأتينا التحذير أيضاً في آيات أخرى كقوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، وتأتينا الآيات القرآنية المحذرة من الشرك ومن كل أسبابه، والمبطلة لصوره عند أربابه، فكان هذا منهجاً متكاملاً ألمحنا إلى بعض صوره من خلال هذه الآيات.
стр. 2504
نماذج قرآنية للوقاية الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية
وتأتينا الوقاية النفسية من أمراض كثيرة وعلل عديدة من أهمها: شح النفس وأمراض القلب؛ قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
وهناك وقاية أخلاقية تسلم الإنسان من الفواحش والفتن، قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]، وقال جل في علاه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، والتعبير القرآني بقوله: (وَلا تَقْرَبُوا) يعني: لا تفعلوه ولا تقربوا منه، أي: لا تفعلوا ما يؤدي إليه أو يقرب منه، فالنهي أعظم وأشمل، والوقاية أتم وأكمل، ونرى في ذلك كثيراً وكثيراً من الآيات التي تبين لنا هذا الوجه وتحثنا عليه.
وتأتينا الوقاية الاجتماعية التي تسلم المجتمع من الأمراض التي تفتك به وتقطع أواصره وتجعل الشحناء في القلوب والبغضاء في النفوس؛ فيأتينا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]، وهذه الآيات هي في التحذير والوقاية، وفي التنبيه على الأمر اليسير الذي قد يكون ظناً يجول بالخاطر ويحوك في النفس، وإذا به ينتقل من طور إلى طور حتى يدفع إلى التجسس والتحسس، ثم يدفع إلى القول والغمز واللمز والغيبة والنميمة، ثم يدفع إلى التباغض والتدابر، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، والله ينهانا عن هذا فيقول: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، أي: لما يؤدي إليه أيضاً من المشاكل الاجتماعية الخطيرة.
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة حماية من الفرقة حتى يبقى المجتمع متماسكاً مترابطاً.
والوقاية الاقتصادية في أن يكون الإنسان المسلم متبعاً لشرع الله في بيعه وشرائه وكسبه وإنفاقه، كما أخبر الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، وقليل الأمر في مثل هذا وكثيره سواء، والله يسوق لنا الآيات في كثير من جوانب الحياة ليعلمنا ما الذي يدعونا إليه إيماننا، وما الذي يرسمه لنا إسلامنا، ثم ليحذرنا ويقينا ويسلمنا من الزيغ والضلال والانحراف عن ذلك، ويكشف لنا ما يئول إليه الأمر، أو ما آل إليه الأمر بالفعل لمن ارتكب مثل ذلك من أهل الكفر والضلال؛ فإن العاقبة تكون وخيمة، والخاتمة تكون شر خاتمة، نسأل الله السلامة.
стр. 2505
نماذج من السنة للوقاية الأخلاقية
وإذا التفتنا إلى سنة المصطفى ﷺ فإننا سنرى أحاديث كثيرة كلها يبدأ بقوله: إياكم! إنها لفظة التحذير التي ترفع الضوء الأحمر للتدليل على الخطر قبل وقوعه، والتنبيه عليه قبل الوصول إليه، وهذا رسولنا ﵊ يقول: (إياكم والجلوس في الطرقات! قالوا: يا رسول الله! مجالسنا ما لنا منها بد، قال: فإن كنتم فاعلين فأعطوا الطريق حقه: غض البصر، ورد السلام، وكف الأذى).
وهذا من حرصه ﵊ على لفت الأنظار إلى ضرورة الوقاية، ولكن حالنا اليوم بخلاف ذلك؛ حيث لم يأخذ كثير من الناس بهذا التحذير، فصار في مجتمعاتنا ما نشكو منه من جلاس الطرق وأبناء الشوارع الذين يؤذون الرائح والغادي، ويتعرضون للنساء، وهذا جزء مما يقع إذا لم يأخذ الناس بالتحذير، وإذا لم يلتزموا الوقاية.
وهذا رسولنا ﵊ بين شأن الفتنة العظمى والبلية الكبرى التي بدأ الناس يتجاوزون فيها حدود الوقاية، ثم يشكون من الآثار والأضرار والأخطار، وذلك في شأن المرأة ودعوة الاختلاط والتخفف من الحجاب ونحو ذلك، ولنا في كل هذا أحاديث مفصلة: يقول المصطفى ﷺ : (إياكم والدخول على النساء! قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت)، والحمو: أقارب الرجل.
ولعل هذا الحديث بمجرد التأمل في لفظه من غير شرح ولا تفصيل يبين لنا أن القضية تحذيرية، وأنها إشارة قوية؛ لئلا يقع المحظور الذي يكون بعده عض أصابع الندم واللطم، أو محاولة العلاج بعد ألا يكون هناك فائدة.
ويقول ﵊: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، ويقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم)، وغير ذلك من أحاديثه ﵊ في الناحية الإيمانية والتربوية.
وروى الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم ومحقرات الذنوب! فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه)، وكم نرى نحن في حالنا ما نقول فيه أو عنه: هذه بسيطة، وهذه يسيرة، وهذه لا بأس بها، وهذه نسأل الله عنها العافية، وهذه وهذه وهذه؛ حتى تهلكنا تلك الذنوب التي نراها صغائر! وكان أنس ﵁ يقول: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات).
فلما حذروا ولما انتبهوا ولما تيقظوا، ولما كانوا على أهبة الاستعداد وعلى قدم المواجهة وعلى عقلية اليقظة والفطنة تنبهوا لذلك فسلموا، وعوفوا بإذن الله ، ولما غفل الغافلون وتساهل المتساهلون، وفرط المفرطون وردت إلينا أدواء القلوب وأمراض النفوس، وبدأت تشيع بين الناس بعض المنكرات وبعض الجرائم وبعض المشكلات التي يلتمسون لها حلاً، والحل فيما فرطوا فيه وفيما تركوه من أسباب الوقاية، فالأب مثلاً لا يسأل عن ابنه ولا يلتفت إلى ابنته ولا يربي أبناءه ثم يشكو أن ابنه قد صار صريع المخدرات! أو أن ابنته صارت من اللاهيات العابثات! وهذا أمر نعرفه في حياتنا الاجتماعية.
وهكذا في الجوانب المهمة الأخرى تأتينا التحذيرات النبوية؛ كقوله ﷺ : (إياكم والغلو في الدين)، وقوله: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)، وقال: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)، وقال: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه؛ فأوغلوا فيه برفق).
هكذا أخبر النبي ﷺ وحذر حتى فيمن يريد أن يزيد أو أن يتقدم، ولكنه يتقدم بما لم يثبت في كتاب الله، وبما لم يؤثر عن رسول الله ﷺ ، ويجعل من السنة واجباً، ومن الواجب فرضاً، ويغير الأمور حباً بزعمه للخير، ورغبة في القوة في الحق، وهو متنكب للطريق ينسى ما حذر منه النبي ﷺ .
وهكذا نرى في القرآن والسنة منهجاً واضحاً لهذه الوقاية، وتأكيداً عليها وتنبيهاً على أهميتها، وتذكيراً بخطر التهاون فيها.
стр. 2506
الأسس التي تبنى عليها الوقاية
ولنا وقفة هنا مهمة عند أسس الوقاية، وكيف تبنى هذه الوقاية؟ أو كيف بنيت في المنهج الإسلامي والقرآني؟ لأن من المهم أن نعرف ذلك لانعكاسه على فهمنا وعلى ما يترتب على ذلك من التصور والعمل: أولاً: أساس العلم؛ فعلى سبيل المثال: هذه الحملات الطبية لا تقوم على التحذير من شيء إلا بعد العلم بخطره وضرره، فهي تحذر من شرب الماء غير النقي، أو تحذر من التعرض لأجواء بعينها، أو تطعم الأطفال من أمراض بعينها عند الصغر، فمن أين جاء ذلك؟ جاء من علمهم بأن هذا الأمر سيؤدي إلى كيت وكيت.
فالعلم أولاً هو أساس هذه الوقاية، ونحن وقايتنا ربانية بحمد الله، والله هو العالم، كما يقول : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
ولئن ظن أهل الطب أنهم يعلمون عن الإنسان في جسده وأجهزته الهضمية والأجهزة الأخرى فإنهم في الحقيقة حتى الآن لا يعلمون من ذلك إلا قليلاً، ومع ذلك فإنهم يجهلون الكثير والكثير من حالة الإنسان العقلية والنفسية، والله الذي شرع لنا الشرائع وأكرمنا بالإيمان وأعزنا بالإسلام هو العالم بما يصلح لهذه النفوس، وما يداوي تلك القلوب، وما يرشد تلك العقول، وما يقوم السلوك، وما تقع به المودة ويحصل به الوئام بين الناس، وهذا كله من رحمة الله بنا.
وأيضاً من العلم الذي تؤسس عليه الوقاية: العلم بمآلات الأمور، فإن الأطباء يعلمون أن هذه الأمراض تؤدي إلى الوفاة، وأنها تؤدي إلى كيت وكيت، وأنها تستنزف من الأموال في العلاج كذا وكذا، وبالتالي فإن كل خطر يعرفونه يجعلون الوقاية بقدره، فإذا كان الخطر عظيماً وجسيماً ونتائجه في غاية الضرر فإن الوقاية أو التحذير منه تكون خطيرة، كما نرى التحذير اليوم مشدداً ومؤكداً من المخدرات؛ لأنها تلف للعقول، وإنهاك للأبدان، وضياع للأموال، واختلال للأمن، وانتهاك للأعراض؛ ولأنها بلية البلايا ورزية الرزايا، فيكون التحذير مناسباً لما يئول إليه الأمر، كما قال الله : (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣].
فكل شيء من شرع الله فيه الترك أو الهجر فإنما شرع حتى لا تكون العاقبة فتنة واختلالاً، ففي الاقتصاد طبقيات، وفي الاقتصاد تضخم، وفي الاقتصاد بطالة؛ وكل هذا نتيجة تنكب شرع الله ، وفي كثير من المجتمعات انحلال وشذوذ وخراب ونحو ذلك؛ وكل ذلك نتيجة لتنكب أمر الله ، كما أخبر الحق جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، ويقول المصطفى ﷺ فيما رواه الترمذي: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فتأمل حديث النبي ﷺ ! وانظر الواقع الذي يحيط بك من حولك ترى أن مخالفة الأمر الأول وقع بسببه الفتنة والفساد الكبير، نسأل الله السلامة.
والأساس الثاني للوقاية هو الرحمة: فإن الأطباء إنما يحذرون ويقومون بالتوعية ويفعلون أسباب الوقاية رحمة بهذا الإنسان أن يقع فريسة المرض، ويعجز حينئذ الطب عن علاجه، وإذا به يضمر كالزهرة الذابلة شيئاً فشيئاً، ثم يفترسه ذلك المرض العضال فيمصه مصاً حتى يموت، وهذه الرحمة في الذين يتقدمون بالحلول لعلاج مشكلات المجتمع أمر لازم؛ ولذلك عندما تنزع الرحمة نرى ما يفعله من يدعون التحضر والتقدم والحضارة والإنسانية وحقوق الإنسان عندما يجربون الأدوية والأمصال الحديثة في الإنسان، ولكن أي إنسان؟ إنه إنسان أفريقيا المسكين، أو الإنسان المسلم، أو يفعلون تجارب على الأسلحة في بعض هذه المواجهات التي يفعلونها هنا وهناك، فأولئك قوم تجردوا من الرحمة، وأولئك قوم عندهم من الغطرسة والغرور ما أعمى بصائرهم عن كل معاني الإنسانية التي يدعونها، والحديث في هذا يطول، والأمثلة كثيرة، والشواهد شهد بها لسان القوم، والحق ما شهدت به الأعداء.
والله هو أرحم بعباده من كل الناس، بل هو أرحم الراحمين، ولذلك نجد أن رحمة الله كانت في إرسال الرسل، وفي إنزال الكتب، وفي الهداية التي ساقها إلى الناس؛ ليستنقذهم من الظلمات إلى النور، وليستنقذهم من الهلاك إلى الأمن والسلام.
ورحمة الله ساقها لنا في هذا القرآن العظيم، وأكرمنا بها في بعثة النبي الكريم ﷺ ، إنها رحمة ليس بعدها رحمة، وإنها نعمة ليس بعدها نعمة؛ حيث سهل الله لنا ذلك؛ لأن الله رحيم بعباده، ولا يرضى لعباده الكفر، والله لا يريد للخلق إلا الخير والرحمة، وإنما يتنكب الناس الصراط بقدر الله ولحكمته البالغة.
ونرى قوله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ورحمتي وسعت كل شيء، وقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال: (سبقت رحمتي غضبي)، ورأى المصطفى ﷺ امرأة تضم ولدها الرضيع إلى صدرها فقال: (أرأيتم هذه ملقية بولدها في النار؟ قالوا: هي أرحم به من ذلك، قال: فالله أرحم بكم من هذه على ولدها).
الأساس الثالث: التجرد والاستغناء: فإن الذي يريد أن يأخذ مبدأ الوقاية لابد أن يكون متجرداً؛ لأنه إن كان هو في ذاته صاحب مصلحة في أمر فإنه يغلب مصلحته ويترك الوقاية، فمثلاً: انظر إلى شأن التدخين، لقد أثبتت الأبحاث الطبية أنه السبب المباشر لـ (٨٠%) من الذين يصابون بأمراض تصلب الشرايين وأمراض السرطان، نسأل الله السلامة، فماذا يفعل أولئك الذين أثبتوا بأبحاثهم أن هذا البلاء موجود في هذا الدخان؟! وهل تراهم تآزروا حتى يمنعوه، أو تناصروا حتى يوقفوه؟! إنهم يكتبون كلمات: التدخين يضر بصحتك، ننصحك بالامتناع عنه، ويدفعون الأموال ليعوضوا بعض من تضرروا، وكأنهم يقولون: نحن لا نعرف إلا الدولار والدينار، ونحن لا يهمنا إلا ما يدخل إلى الجيوب من مئات الآلاف، وأما السلامة والوقاية والبيئة فتحت الأقدام.
وانظر إلى ما يقال من تخفيض نسب التدخين في البلاد الغربية والأوروبية بنسب كبيرة ورفعه بنسب عظيمة في آسيا وأفريقيا، وهذا يدلنا على أن أصحاب المصالح لا يمكن أبداً أن يكونوا أصحاب منهج يقدمون للناس فيه الخير ويمنعونهم من الشر، ونحن أكرمنا الله بشرعه الذي شرع لنا، فهو سبحانه الذي أنزل الإيمان، وهو الذي أنزل القرآن، وهو الغني عن الناس، الصمد الذي لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] أي: الذي تصمد إليه الناس في حوائجها، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
فالله جل وعلا يريد بالناس الخير، وهو أعظم وأجل من أن يكون له صلة بنفع أو ضر من هؤلاء الخلق، بل هو النافع وهو الضار، ولذلك منهجنا وديننا من الله لا من البشر فلا تتنازعه الأهواء، ولا تتجاذبه المصالح كما هو واقع في دنيا الناس اليوم، فنسأل الله لنا ولكم الوقاية والسلامة والحماية، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وأخلاقنا.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2507
ثمار وفوائد الوقاية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
أيها الإخوة الأحبة! هنا وقفة أيضاً حول هذا الموضوع في ثمار الوقاية وفوائدها؛ حتى ندرك أننا بصدد أمر عظيم وفائدة كبرى ونعمة عظمى ينبغي أن نحرص عليها، وأن نعض عليها بالنواجذ، وألا نفرط فيها، وألا يضحك علينا أعداؤنا بزخرف من القول وبهرج من الألاعيب والأباطيل التي يريدون أن يصرفونا بها عن ديننا، فإذا كنت في منزل محصن تسلم فيه من الأذى ومن البرد والحر، فإنك تكون مغفلاً إن جاءك من ينزلك منه ويقول: تعال إلى حيث الهواء الطلق والجو الجميل، ثم تخرج وإذا أنت في العراء ليس لك مسكن يؤويك ولا بيت يحميك، وهذا هو الذي يريده أعداؤنا؛ ولهذا فإن ثمار الوقاية عظيمة جداً وكبيرة، ولا يمكن أن يقدر قدرها أحد، ولا يمكن أن توزن ولو بذهب الدنيا كلها:
стр. 2508
الطمأنينة والسلامة
الثمرة الأولى: الطمأنينة والسلامة، والأمن والأمان، وسكينة النفس وطمأنينة القلب وهدوء البال والخاطر؛ إنها تلك السلامة التي يأمن بها الناس على أموالهم وأعراضهم، والتي يحصل فيها بينهم من هدوء البال ما لا يشغلهم، كما نرى في العالم المحموم اليوم؛ فامرأة لا تأمن على عرضها، وتاجر لا يأمن على ماله، وأخ لا يأمن أخاه، وصديق لا يثق بصديقه، فانظر إلى العالم اليوم تجد أن شريعة الغاب التي يتحدثون عنها قد أصبحت اليوم تعد مثلاً يسيراً هيناً، وتعد شيئاً لا يذكر أمام الغابة الإنسانية البشرية الوحشية التي تفتك بالأسلحة المدمرة، والتي تقتل بالأمصال والأدوية، والتي تفعل الأفاعيل، والتي غاب فيها عن الناس كل أنواع السكينة والطمأنينة إلا من رحم الله وأكرمه بالإيمان، فانظر إلى عالم الغرب اليوم، وانظر إلى تلك الحيرة والاضطراب الذي سنذكر له أمثلة يسيرة في حديثنا هذا، ونعقبه بعد ذلك بالتفصيل الذي يأتي في كل باب من أبواب الوقاية.
стр. 2509
النظافة والطهارة
الثمرة الثانية: النظافة والطهارة، فإن الإنسان بإنسانيته يعف عن الدنايا، ويترفع عن الرذائل، وله من فطرته أمور تدفعه إلى أن يستر العورات، وإلى أن يكون نزيهاً نظيفاً طاهراً، وانظر إلى من تركوا أسباب الوقاية، تجد أنهم قد نافسوا وسبقوا الحيوانات في العري وفي الشذوذ وفي كل أنواع القذارة التي لا يمكن بحال أن يتصورها عقل إلا عندما تمسخ الفطرة مسخاً.
ونحن نعرف ونسمع من أخبار القوم ما يعف اللسان عن ذكر مثله، وخاصة في بيوت الله المطهرة.
стр. 2510
القوة والمحبة
الثمرة الثالثة: القوة والتماسك والمحبة والوئام: فإن وجود الوقاية والتزامها إذا أفاض الطمأنينة في القلوب وإذا أوجد النظافة في السلوك، فإن ذلك يعني أن القلوب تملأ بالمحبة، وأن هذا المجتمع يكون عنده أسباب القوة والتماسك، فليس هناك إهدار للمال لعلاج الأمراض الناشئة عن الانحراف الخلقي، وليس هناك إهدار للمال للإنفاق على جيوش وأجهزة تحفظ الأمن الضائع، وإذا بأصحاب الأمن أنفسهم هم الذين يضيعون الأمن.
وحسبك أن تعرف أخبار المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الأوروبية؛ لتعرف كيف يصرفون المبالغ الهائلة لحفظ الأمن، وكيف يكون أصحاب الشرطة والقائمون عليها بعد ذلك هم الذين يخلون بالأمن! ويكون المال هو الذي يسير الأمر؛ إن هذا المجتمع تتقطع أواصره بكل هذه الانحرافات التي خاض فيها الناس عندما تجاوزوا الحدود وعندما لم يلتزموا الوقاية.
стр. 2511
الحذر من ترك الوقاية الدينية
وأخيراً: أحبتي الكرام! إن القضية مهمة وإن إثارتها في مثل هذا الوقت أكثر أهمية، إننا اليوم أمام دعاوى العولمة وأمام دعاوى الانفتاح وأمام دعاوى وحدة الأديان والإخاء، وأمام دعاوى كثيرة تريد أن تخرجنا من حدود وقايتنا، حيث يقولون: لماذا تريدون أن تكونوا هكذا؟ ولماذا تمنعون المرأة من الاختلاط؟ ولماذا تمنعونها من أن تلبس ما تشاء؟ لماذا تحدون من حريتها؟ وفي جوانب أخرى أيضاً يقولون: لماذا تمنعون الكتب التي تعبر عن حرية الفكر؟ ولماذا تحاكمون من يجترئ على ذات الله ، أو يسخر برسول الله ﷺ ؟! إن الفكر ينبغي أن يكون حراً، وينبغي ألا يكون هناك حدود.
وتأتينا أيضاً دعاوى ودعاوى كثيرة، وكلها تريد أن تزعزع ثوابتنا، وأن تهدم أسوارنا التي تحمينا؛ حتى نكون مثلهم، وحتى نصبح كلأً مباحاً كما هو الحال عندهم، وحتى ينفرط عقد الأمن الذي ننعم به، فيصبح حالنا كحال تلك البلاد في كل دقيقة واحدة تسجل جريمة اغتصاب وجريمة قتل وجريمة سرقة، فأي حياة هذه! وأي أمن هذا! وأي حضارة تلك؟! وأي تقدم هذا الذي يوصف؟! وأين هي معاني الإنسانية في تلك الوحشية أو في ذلك الاعتداء على الأطفال الصغار، أو في ارتكاب هذه الجرائم مع المحارم؟! فالأب يهتك عرض ابنته من الخامسة حتى الرابعة والعشرين، وأخبار كثيرة وقصص لا نقولها نحن، وإنما يظهرونها هم في وسائل إعلامهم.
إنها الحياة الشقية النتنة التي يراد أن يجر المسلمون إليها بأن يشككوا في مثل هذا، ونحن نريد أن نقف وقفات طويلة لننظر إلى منهج الوقاية في الإيمان وما أكرمنا الله به، وما منعنا وحذرنا منه حتى لا نؤتى من بدعة تتسلل إلينا، ولا من غلو يخرج بديننا عن وسطيته واعتداله، ولا من حرية فكر تؤدي إلى إقرار الكفر، فإنه كما يقولون: هناك شعرة طفيفة خفيفة بين حرية الفكر وحرية الكفر، فهم يريدون أن يغالطونا، وأن يعموا علينا الأمور، والحمد لله فقد آتانا من حجج القرآن الساطعة، ومن هداية النبي ﷺ الواضحة، ومن تاريخ أمتنا العريق، ومن وعينا، ومن يقظة علمائنا، ومن حركة دعاتنا؛ ما ينبغي أن نفرح به، وأن نستزيد منه، وأن نقبل عليه حتى يبقى لنا آثار تلك الوقاية التي ذكرناها، وحتى يبقى لنا طمأنينتنا وأمننا، وحتى يبقى لمجتمعاتنا نظافتها وطهارتها وقوتها وتماسكها.
نسأل الله أن يقينا جميعاً الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا بإسلامنا، وأن يؤمننا بإيماننا، وأن يهدينا بقرآننا، وأن يكرمنا باتباع نبينا ﷺ .
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم ارحمنا فإنا بك راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل.
اللهم احفظ علينا إيماننا ويقيننا وأخلاقنا، وسلمنا من نزغات الهوى، ومضلات الفتن، ووساوس الشيطان، وقرناء السوء يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وحاربوا هذا الدين؛ اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم خالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اكفناهم بما شئت يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى والمظلومين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، واجعلهم من أهل الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا رب العالمين.
ربنا اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.
اللهم يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، من علينا بالعفو والعافية والسلامة والإسلام والأمن والإيمان، وأكرمنا بحفظ ذلك علينا يا أكرم الأكريمين.
اللهم احفظ علينا نعمك وزدها بشكرك يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2512
وثيقة العار وشهادة الاحتضار
أعداء الإسلام يكيدون للإسلام والمسلمين على مر التاريخ والعصور، وقد تنوعت أساليبهم في الكيد والمكر، ومن تلك الأساليب: المؤتمرات والوثائق التي يزعمون أنهم يخدمون بها البشرية، وهم يريدون -بالمعنى الأصح- أن يفسدوا البشرية ويدمروها، فيجب الحذر والتيقظ لمخططات هؤلاء الأعداء، ومواجهتها للقضاء عليها وإحباطها.
стр. 2513
حقيقة وثيقة العار المقدمة إلى مؤتمر الإسكان والتنمية
الحمد لله، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، بسط الأرض ومد، ورفع السماوات بلا عمد، وأفاض النعم بلا عدد، أحمده هو أهل الحمد والثناء حمداً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو جل وعلا المحمود على كل حال وفي كل آنٍ، فله الحمد في الأولى والآخرة حمداً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بعثه كافة للناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد ولد آدم أجمعين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وكان أبعدنا عنه، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها المؤمنون! يعجب المرء أيما عجب ويحار العقل أيما حيرة في أحوال هذا الزمان العجيبة! وفي تطوره المدهش، وفيما تتفتق عنه أذهان الجاهلية العمياء من ظلم وظلمات، ويعجب الإنسان عندما يتصور أن مظاهر التقدم الحديث وأن مظاهر التطور المعاصر قد بلغت مبلغاً تتكافأ فيه مع تقدم وتطور العقل المرشد إلى الخير أو الهادي إلى الصواب أو الداعي إلى التزام المبادئ والأخلاق! وعندما ينظر الإنسان يجد هذا الفرق الشاسع بل هذه المعارضة الواضحة بين ما يسمى تقدماً بالمفهوم المادي وبين ما يحق أن يسمى تخلفاً، بل يحق أن تلصق به أسوأ الأسماء وأقبحها فيما يتعلق بالسلوكيات والمبادئ والقيم.
وثيقة العار وشهادة الاحتضار التي تقدم إلى مؤتمر الإسكان والتنمية، وإن شئت قل: إلى مؤامرة الإفساد والتعرية هي حديث الناس في هذه الأيام، فأحببت أن يكون لنا وقفة معها، وأن ننظر إلى حقيقتها وإلى ما ورائها، فإن كثيراً من الأمور إنما تؤسس على أصول معروفة، وإنما تستند إلى مقررات بدهية مفروغ منها، وهذا المؤتمر الذي يعنى بالإسكان والتنمية -كما هو عنوانه- هو في حقيقته صورة واضحة سافرة وشاملة عارمة للهجمة الغربية الكافرة على بلاد المسلمين وعلى الدول النامية في العالم الثالث كما يسمى.
فبعد الغزو العسكري في عصور سلفت، وبعد الغزو الإعلامي الذي غزا الأسماع والأبصار، وفتن القلوب، وأفسد النفوس، وبعد الغزو الاقتصادي الذي دمر المقومات، وأوقف عجلة التقدم، وأرهق الدول والأفراد بأرصدة الديون، وبعد الغزو الأخلاقي الذي تمثل في كثير من صور الانحراف، يأتي هذا الغزو في صورته التشريعية السياسية التي تريد أن تجعل كل الأمور المحرمة وكل القبائح الفطرية وكل الرذائل الإنسانية مشروعة مفروضة باسم الأمم العالمية، وباسم الأنظمة الدولية، وباسم القرارات الرسمية؛ حتى يكلل كل ذلك الغزو بالصورة المثلى التي تلغي المفاهيم وتنحي الأديان وتغير الأسماء وتقلب الموازين رأساً على عقب.
وعندما يتأمل الإنسان في الإسكان والتنمية يظن أن الأمور ينبغي أن تتوجه إلى بحوث تعنى بهذا الجانب عناية صحيحة، وتلمس الأسباب الناتجة عن المشكلة الإسكانية وعن قضية التنمية ملامسة صحيحة، غير أن الأمر على غير هذا.
ولا أريد أن أفيض في تفاصيل تلك الوثيقة التي يعجب الإنسان أن تكون وثيقة تقدم ليناقشها ويأتمر حولها أو يتآمر معها عشرون ألفاً من البشر يمثلون واحداً وتسعين ومائة دولة، ويشهدهم ثلاثة آلاف صحفي وإعلامي، وينقل عن المؤتمر خمسمائة ساعة بث إعلامي بالأقمار الصناعية، كل ذلك ليقدم إليهم أن الزنا حلال! وأن الإجهاض ينبغي أن يكون مشروعاً! وأنه لا ولاية للآباء والأمهات على أبنائهم وبناتهم! وأنه ينبغي أن تسهل أسباب الفاحشة، وأن تحمى، وأن تعتبر من الحرية الشخصية، وأن تقدم لها المعونات المادية! ثم فوق ذلك كله الصراحة الواضحة للمناقضة التي لا شك فيها لشرع الله بالمطالبة بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وإلغاء التفريق في كل شيء حتى في المواريث! والنظرة الاحتقارية لسنة من سنن الفطرة وهي سنة الختان! وبالتنفير والرغبة في محاربة الزواج المبكر! والذي كان من أعلم أعلامه سيدنا محمد ﷺ في زواجه بـ عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ التي بنى بها النبي ﷺ وهي بنت تسع سنين.
أيها الإخوة! قد رأينا هذه الأمور في الواقع العملي في ساحات البلاد الكفرية وفي ساحات كثير من البلاد الإسلامية، إلا أن في كثير من البلاد ما تزال هذه الأمور مما يستحيا منه، وفي كثير من البلاد أيضاً مما يخالف القانون أو يعاقب عليه، سواءً وقعت العقوبة أو لم تقع.
أما اليوم فيراد أن يفتخر بها أصحابها، وأن توجه سبل التنمية التي تدفع الفقر كما يقولون للإنفاق على وسائل الإجهاض ووسائل منع الحمل غير المرغوب فيه كما نصت الوثيقة وغير ذلك، كل هذا يراد أن يكون مشروعاً، وأن يكون مدعوماً، ويعجب الإنسان عندما يفكر في هذا! ولا أقول: الإنسان العادي، بل هذا الإنسان المتطور المتقدم بتفكيره، فلو كان للبهائم عقل لما رأت أن ذلك يشرف لها ولا يجدر بها.
стр. 2514
تدرج أعداء الإسلام في الدعوة إلى التفسخ والانحلال
أريد أن أقول بعض الملاحظات المهمة: الأمر الأول: أن الأمور تبنى على التدرج، وأحسب أن مثل هذه الكلمات وهذه المقترحات ما كانت لتقدم في وقت مضى، لأنها لو قدمت لما كانت موائمة للأفكار ولا ملائمة للنفوس، ولا كان لها -كما يقال- موقع من الإعراب، إنما جاءت بعد غزو مكثف لسائر البلاد ولسائر المجتمعات عبر الأقمار الصناعية التي قدمت هذه الصورة البشعة الإباحية أمام الناس ينظرونها بأعينهم، ويسمعونها بآذانهم، ويتابعونها ليلاً ونهاراً، وقبل ذلك مئات وآلاف ومئات الآلاف وأكثر من ذلك من الوسائل التي تروج الفاحشة عبر الأشرطة والمجلات والكتب والأجهزة الحديثة حتى الكمبيوترات وغيرها؛ حتى إذا ألفت النفوس وضعفت الغيرة وماتت الحمية وتحللت الأخلاق وانفرط عقد الأسر إلى حد ما جاءت هذه الهجمة؛ لتكون بمثابة المعول الأخير الذي يضرب الضربة القاصمة التي تقصم ظهر البعير كما يقال.
стр. 2515
تربص أعداء الإسلام بالمسلمين الدوائر
الأمر الثاني: أن الأعداء يتربصون بنا الدوائر، وأن الإحصاءات تدل على أن هناك مشكلة سكانية حقيقية، لكنها من نوع آخر بالنسبة لأعدائنا، فمعلوم أن دول العالم الثالث -ومعظم الدول الإسلامية تحت هذا المسمى- تشهد أكبر معدلات نمو بشري، والقارة الإفريقية على سبيل المثال يتضاعف عدد سكانها كلها في خلال خمسة وعشرين عاماً فقط.
وعلى سبيل المثال: وجد أنه خلال نحو عشر سنوات معدل الولادات في بلد مثل رواندا يصل إلى ثمانية مواليد ونصف للمرأة الواحدة خلال هذه الفترة، بينما يصل في دولة أوروبية مثل إيطاليا إلى واحد ونصف، ولهذا تشكو الدول الغربية اليوم من قضية خطيرة وهي النقص السكاني الحاد، والضعف الأسري العظيم الذي أوجد طبقتين عمريتين تستهلكان أكثر نسبة السكان: طبقة غير القادرين على العمل، أي: من هم في الطفولة، وطبقة غير القادرين على العمل ممن تجاوزوا السن إلى مرحلة الشيخوخة، بينما يزخر العالم الإسلامي -كما في الإحصاءات- بأكبر عدد ممكن ممن هم في فترة العمر الشبابية الإنتاجية، ولذلك تأتي هذه المؤامرة للمحاولة للتغلب على هذه الصورة التي بشكل أو بآخر في ظل ظرف أو آخر يمكن أن تكون ذات إيجابية عملية للمسلمين، وتضر بالتالي أعداءهم، ومن هنا كان قبل ذلك على سبيل التدرج الحملات المكثفة فيما يسمى ببرامج تنظيم الأسرة، وحقيقة كثير منها تحديد النسل.
стр. 2516
بعض صور الجاهلية المعاصرة
الأمر الثالث: صور الجاهلية المعاصرة هي صور أقبح من الجاهلية السالفة التي كان فيها الإنسان محدود المدارك، متخلف التفكير، متأخراً في الوسائل، ومع ذلك تحكي لنا الجاهلية السابقة للإسلام صوراً لا يمكن أن تقارن بمثل هذه الجاهلية المعاصرة، فهذا الشاعر الجاهلي فيه عفة وفيه مراعاة للحرم وللأعراض وفيه حياء عندما يقول: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها وهند ﵂ لما جاءت مبايعة للنبي ﷺ في بيعة النساء فكان من ضمن البيعة ألا يزنين، فانتفضت ﵂ وهي تقول: (عجباً! أوتزني الحرة؟!) فكأن ذلك لم يكن في عرفهم وفي قاموسهم بهذه الصورة البشعة التي نراها اليوم في الواقع العملي تقدم عبر هذه الأوراق والمقترحات والتوصيات.
وقد ذكر أهل الحديث في الكتب الصحيحة حديث عائشة ﵂ التي وصفت فيه صور البغاء والفجور في الجاهلية، فبينت لنا أن هناك نساءً بأعيانهن كنَّ معروفات في بيوتهن وبراياتهن يغشاهن طلاب الفساد وأرباب اللذة العاجلة، ويفعلون معهن الفاحشة، وكان ذلك معروفاً محدوداً معلوماً دائرته.
أما اليوم فهذه الوثيقة تريد أن يكون جميع الناس -بلا استثناء- زناة وشاذين ومن أتباع قوم لوط، دون أن يكون عليهم في ذلك حرج ولا أي غضاضة في مثل هذا، وهذا لا شك أنه من أعظم أسباب التقويض والإنهيار، كما قال شوقي ﵀: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
стр. 2517
عاقبة من أعرض عن شرع الله
أيها الإخوة الأحبة! هنا أمر أشير إليه وأنبه عليه: وهو حقيقة قرآنية وسنة إلهية ينبغي أن نعيها وأن نعرفها، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] وفي شطر هذه الآية الأول أن كل إعراض عن ذكر الله وكل مخالفة لشرع الله إنما هي ضنك في العيش، ولست أقارن، ولست أذكر أمور الدول الإسلامية أو دول العالم الثالث أو الدول النامية أو النائمة كما تسمى، وإنما نذهب إلى الدول التي طبقت مثل هذه التوصيات ردحاً طويلاً من الزمن، فهل انتهت عندهم مشكلة البطالة أم ما تزال في تزايد مستمر؟! وهل انتهت مشكلة الجريمة أم أن هذه الأمور من أعظم أسباب قوة الجريمة وفشوها؟! وهل انتهت عندهم مشكلات الاعتداء الإجرامي على الأطفال وعلى النساء؟! وانظر إلى ما عندهم من الأرقام والإحصاءات لتعرف حقيقة الأمر، وأن البلاء موكول بكل ما يخالف أمر الله ؛ لأن أمر الله هو الذي يطابق الفطرة البشرية، وهو الذي يوافق الكرامة الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠] هكذا يبين الله لنا شرف الإنسان وكرامته، ويبين لنا أن خسته ودناءته إنما هي في بعده عن أمره .
ونحن نسمع ونعرف ونقرأ ما في المجتمعات الغربية من صور الانحلال التي يعف اللسان عن ذكرها مما لا يتصوره عقل إنسان، ولا ترضى به فطرة سوية بحال من الأحوال، حتى جاءوا بأمور يعجز الإنسان عن تصورها وتخيلها من ممارسة الجنس مع البهائم والحيوانات وغير ذلك من الصور القبيحة، ثم ما ترتب على ذلك مما يعارض التنمية، فجاءت الأمراض الفتاكة التي صرفت ولا تزال تصرف عليها الملايين والملايين دون أن تتحقق نتائج إيجابية في العلاج والتطبيب، وكل ذلك وما يلحقه من نفقات على الإجرام وما يلحقه من نفقات على البطالة وما يلحقه من غير ذلك هو الذي أدى بما يعرف بالتضخم، وأدى إلى زعزعة الوضع الاقتصادي في الدول ليست النامية وإنما الدول المتقدمة.
стр. 2518
حقيقة ما يريده أعداء الإسلام من المسلمين
أمر مهم ينبغي أن نعيه وأن نتأمل فيه، وذلك هو: أن الأعداء وكل من لا يودك عموماً يريد أن يلحق بك كل نقيصة فيه، وأن يسلبك وأن يحرمك كل إيجابية عندك، وهذا هو المفهوم الذي تسفر عنه هذه الوثيقة.
فهل مشكلة الفقر تتعلق بتقليل عدد السكان كما يقولون؟! ولنسأل أنفسنا أسئلة تعرفون إجابتها: كم من الملايين تصرف على تربية الكلاب والقطط وطعامها، بينما يموت الملايين من البشر؛ لأنهم لا يجدون قوتاً ولا طعاماً؟! وكم من الملايين تصرف في أسلحة الدمار وفي أمور السياسة الخبيثة، ويكون نتاجها مزيداً من البلاء والشقاء لبني الإنسان؟! وكم من الملايين تهدر من أجل المحافظة على الأسواق والمحافظة على الاقتصاد؟! فكثير من الثمار وكثير من المحاصيل الزراعية تتلف وترمى في البحار إذا فاض عن معدلات معينة لئلا تتأثر به الأسعار! فأين هذه الصورة المزعومة التي يقال فيها: إن العالم يريد أن يكون هناك تكاملاً وتقارباً في مستويات التنمية؟! فلو كان ذلك حقاً لكان هناك تفضيل التعليم بدل التجهيل، ولكان هناك إتاحة الفرص للتعاون بين القدرات البشرية والقدرات العلمية حتى تحصل تنمية بشرية حقيقية لبني الإنسان، ولكن الأمر على غير ذلك.
ومن هنا لو رأيت كثيراً من الأسباب لعلمت أن القضية على غير ما يعلن عنها ويراد بها، وانظر إلى المجتمعات الغربية الرأسمالية التي تعتبر الربا المحرم أساساً لاقتصادها، وانظر إلى ما جره هذا الاقتصاد وتلك الإباحية من أمور عجيبة وغريبة! إذاً: أيها الإخوة الأحبة! هذه صورة بسيطة، وعندما نخلص إلى حقيقتها نجد أنها تتناقض مع أساسيات اعتقادية إيمانية عند الإنسان المسلم، فالله قد بين لنا أنه قد خلق الخلق بقدر وبإحكام، وأنه قد جعل لكل شيء قدراً، فقضية أن الموارد أو أن ما يخرج من الأرض أو أن ما يكون فيها من أسباب العيش يضيق بأهلها ليس أمراً صحيحاً، وإنما هو أمر ناشئ عن الممارسة الإجرامية الخاطئة لبني الإنسان أنفسهم، فالله يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠] والله يقول في موضع آخر مبيناً أنه قد جعل في الأرض ما يكفيها: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:١٩] قال بعض أهل التفسير: ليس عام بأمطر من عام، بل كل ذلك مقداره واحد، لكنه يتغير، فقد يكون جفاف في أرض وثراء وغناء في أرض، فلو كان عند الناس إنصاف ولو كان عندهم إحسان لما حصلت مثل هذه المشكلات، ولكنها الجريمة التي يمارسها الأعداء والأقوياء ضد الضعفاء، وهذا هو حقيقة الأمر، ولذلك هذا تعارض مع أصل الإيمان بالقضاء والقدر الذي يؤمن العبد فيه بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأرزاق مقدرة من عند الله .
وأمور أخرى أيضاً تتعلق بهذا، وهو أمر تحديد النسل أو إيقافه أو ما دعت إليه هذه الوثيقة من أمور تخالف ما يعتقده المسلم الحق.
ثم أيضاً هناك أمور مخالفة للأحكام الشرعية مثل التنفير من الختان، والتنفير من الزواج المبكر، وإباحة الإجهاض الذي هو محرم شرعاً، وكذلك إباحة الأمور الأخرى الواضح تحريمها، فهذا كله يتعارض مع شرع الله .
стр. 2519
أحوال المجتمعات الإسلامية في العصور المتقدمة
وقفة أخيرة في هذا المقام الأول عن تاريخنا الذي كانت فيه كل الصور التي ينتقدها علينا أولئك المستغربون والمستشرقون، فلم تكن مجتمعات الإسلام في كثير من عصورها تشهد مثل هذا التحلل والتسيب، فقد كان هناك الزواج، وكان هناك التعدد والتسري، وكان هناك كثرة الأولاد وكثرة الإنجاب، ومع ذلك كانت هناك عمارة وحضارة ورقي وتقدم، وفاضت في عهد عمر بن عبد العزيز أموال الزكاة، حتى صرف منها على كل راغب في زواج ليتزوج، وصرف منها على كل كفيف ليجد قائداً له يصرف عليه من بيت مال المسلمين، فاض المال وصار يرجع من الأمصار إلى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه دون أن يجدوا له من يستحقه! هذه هي التنمية الإنسانية الحقيقية، والعجب أن يكون أساس التنمية قتل أعظم أسبابها، إن أعظم أسباب التنمية هو الإنسان المفكر بعقله العامل بيده المتحرك المنتج، فعندما نهدف إلى قتل الإنسان وضعفه وتقليل عدده فلا شك أننا نضعف التنمية من أساسها، فعلى سبيل المثال: إذا كان عندك قدر من المال لا يكفي أسرتك، فما هو الحل؟ هل الحل أن تقتل بعض أولادك كما كان يفعل بعض الجاهليين أو أن توقف الإنجاب أم أن الحل غالباً ما يتفتق على أن بعض الأبناء يتحملون المسئولية قليلاً؟! نعم فيعمل هذا هنا، ويعمل هذا هناك إضافة إلى دراسته، فتتحرك الطاقة، وتنفتح أبواب العمل، ويزداد الإنتاج، ويحصل لنا من وراء ذلك أننا نطالب بعد ذلك بمزيد من الإنتاج البشري؛ لأن الوفرة المادية قد أصبحت في المستوى الذي يحتاج أو يمكن أن يستوعب أكثر عدد من السكان.
فالله أسأل أن يبعدنا عن هذه الفتن وعن هذه المحرمات، وأن يجنبنا هذه المزالق والمخاطر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2520
بعض المواقف الإيجابية تجاه وثيقة العار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين, على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى تجنب المحارم والبعد عنها، والحرص على البعد عن كل ما يقرب منها.
أيها الإخوة الأحبة! هناك وقفات أخرى؛ بعضها إيجابي مشرق، وبعضها يحتاج إلى التنبيه: أما الإيجابيات فهو هذا الرفض العارم الذي انتظم أكثر فعاليات العالم الإسلامي من المؤسسات والدعاة والعلماء، فقد تقدمت رابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع البحوث الإسلامية في مصر ولجنة الفتوى بالأزهر وغيرها من الجهات مفندة هذه الوثيقة التي هي وثيقة العار وشهادة الانهيار لهذه الحضارة ولهذه المبادئ والقيم.
وهذا يدلنا على أن الأمة -بحمد الله ما يزال فيها خير، وقد ناقشت كثير من صحفنا المحلية هذه الوثيقة، ونقلت هذه التعليقات، وأفردت لها الكثير من صفحات النقد وبيان العوار الذي فيها، وذلك يبين لنا أن روح التوعية الإسلامية -بحمد الله- أفضل من ذي قبل، وهذا شيء نفرح له، ونطلب المزيد منه.
стр. 2521
التحذير من قبول بعض مخططات الأعداء
هناك أمر ثانٍ أريد أن أنبه عليه، وأقدم له بمثال: عندما يذهب الإنسان ليشتري بضاعة فإذا قال له البائع: إنه بأربعين، فإنه يقول للبائع: أريدها بعشرين، وهو يعلم أن البائع لن يرضى بهذا الثمن، ولكنه يقول: عشرين ليصل معه إلى الثلاثين، وأخشى أن يكون موقف بعضنا أو موقف فئات ومجتمعات إسلامية من هذا المؤتمر مثل هذا الموقف، فقد عرضوا في هذه الوثيقة كل المحرمات، ليصلوا بعد ذلك إلى أن يكون هناك تفاوض ومكاسرة كما يكون في البيع والشراء، فنرفض هذا ونرفض هذا ونقول: هذا لا يليق، فيقال: إذاً: فلنلغ هذا، وأما هذا فيمكن أن يكون هكذا وهكذا.
وأقول: هذه الصورة قد تقع على مستوىً عام وعلى مستوىً فردي، وهذا هو الأمر الخطير، فما زلنا في واقع حياتنا نترخص ونأخذ ما فيه بأس رجاء ألا يكون فيه بأس، بينما سلفنا كم أثر عنهم كانوا يجعلون بينهم وبين الحرام سبعين باباً من الحلال تورعاً واحتياطاً واتباعاً لقول النبي ﷺ : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
وأقول: هذا الحمى قد سبق أن تدرج فيه الناس ووقعوا فيه، فلم نكن في يوم من الأيام نرضى للمرأة المسلمة أن تكشف عن وجهها، ثم ترخصوا في ذلك، ثم قالوا: لا بأس بشعرها، ثم ذراعها، ثم أصبحت تسبح في المسابح لا يستر عورتها شيء إلا أقل القليل، وهكذا قد تطلب مثل هذه الطلبات، فيقال: لا، هذا لا يليق، وهذا لا يصح، ثم يرضى بعد ذلك بما هو أدنى منه مما هو أسوأ.
وينبغي أن تكون مثل هذه الدعوات والتوصيات دافعة لنا للمراجعة لما سبق، فلننظر فيما سبق، ولتنظر المجتمعات الإسلامية، أليس قد وقع فيها كثير من الأمور المخالفة لشرع الله ، ووقع في بعض البلاد ما يشبه إباحة الزنا والدعوة إليه والإرشاد إليه؟! أليس هذا كله قد وقع؟! إذاً: بدلاً من أن نرفض هذا ونترخص فيما هو دونه ينبغي أن يكون ذلك كالتنبيه لنا لنرجع، حتى في بيوتنا؛ ألسنا قد كنا من قبل نستحيي في أسرنا أن يتكلم الأبناء أو الآباء والأمهات في مكان أو في وقت بأمر يمس من قريب أو بعيد الأمور الخاصة بأمور الرجل والمرأة، فأصبحنا بعد ذلك لا نرى بأساً بهذا الحديث، بل أصبحت الأسر الإسلامية في كثير من البلاد تجتمع على الشاشات الفضائية أو على الأفلام التي تظهر فيها مظاهر العري، والأم والأب والابن والبنت يشاهدون ذلك ولا شيء ولا حرج ولا حياء! إذاً: نريد أن يكون هذا بمثابة الهزة التي تنبهنا إلى ما سلف من تصرفاتنا التي ترخصنا فيها وتجاوزنا فيها شرع الله .
стр. 2522
استهداف وثيقة العار هدم الأخلاق والقيم
هذه الوصايا والمقترحات تهدف -كما جاء في مذكرة رابطة العالم الإسلامي- إلى دعوة الدول إلى إعادة صياغة جميع البرامج الخاصة بها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً تبع التوصيات، حتى التعليم ينبغي -بموجب هذه التوصيات- أن يغير، وأن يدرس الأطفال والمراهقون أمور الجنس وغيرها.
ثم أيضاً يترتب على ذلك تنحية الجوانب الدينية والأخلاقية، وأن يلغى من قواميس الاصطلاح والتعامل الاجتماعي: الحرام، والعيب، والحياء، ونحو ذلك.
وتتضمن التوصيات ما يفيد أن أية دولة تخالف هذه التوصيات بعد إقرارها سوف تكون شاذة عن الإجماع الدولي العالمي، وستتعرض إلى ضغوط سياسية، وإلى شروط اقتصادية مجحفة، وهذا أيضاً أمر تتضمنه هذه الوثيقة كما جاء في مذكرة الرابطة.
وتشير الرابطة إلى أن الوثيقة التي تكونت من مئات الصفحات للتكلم عن التنمية لم تتحدث عن التنمية إلا بقدر عشرين بالمائة، وأن الثمانين بالمائة الأخرى كانت خاصة بالخدمات الصحية التناسلية والجنسية، كما هو تعبير الوثيقة، ولذلك نرى أن الأمر واضح.
كثير منا يقول: لا تهمنا هذه الوثيقة وهذا المؤتمر؛ لأننا ننكر ما فيه، ولكنني أقول: إن الأمر أخطر من ذلك، فينبغي أن يكون الإنكار عملياً، وأن تكون المراجعة شاملة، وأن يكون الحذر كاملاً من مثل هذه الأمور الخطيرة التي تستهدف الأخلاق، وتستهدف القيم والمبادئ، وتستهدف قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك الإيمان والعقائد.
فالله أسأل أن يحفظنا، وأن يحفظ مجتمعاتنا، وأن يحفظ أسرنا، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا وأزواجنا، وأن يحفظنا جميعاً من كل سوء، وأن يبعد عنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا وأن يبعدنا عن المحرمات وعن الأمور المشتبهات.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الإيمان والتقى.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الورع واليقين.
اللهم إنا نسألك أن تباعد بيننا وبين ما يسخطك، وأن تجنبنا كل ما حرمت علينا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن تلهمنا الرشد والصواب.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهديين، وأن تهدينا، وأن تهدي بنا.
اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تحفظ شبابنا وشاباتنا من كل سوء يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2523
واقع اليهود وحقيقتهم
اليهود هم تلك الفئة التي انحرفت من سالف الأزمان، فكذبت كثيراً من الرسل، وطعنت في كثير من الكتب الإلهية، وظنت في نفسها الرفعة والعلو على باقي البشرية، وقد اقترن بتاريخهم قديماً وحديثاً سفك الدماء، والغدر والخيانة، والنفاق وسوء الأخلاق، ولذلك صار حالهم منكوساً، وطالعهم منحوساً، فشتتهم الله في أقطار الأرض، وزرع لهم في النفوس البغض، وهو حسيبهم يوم العرض.
стр. 2524
اليهود: الشر العريض والتاريخ البغيض
الحمد لله الذي وعد المؤمنين بالنصر، وطمأن قلوبهم بالذكر، وزاد نعمهم بالشكر، وكتب على الكافرين الذل والخسر، وجعل مآلهم إلى ضياع وقهر، أحمده كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، له الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إنّ من أهم الأدوار التي ينبغي أن نقوم بها، وأن نحرص عليها، معرفة حقيقة الأعداء، فاعرف عدوك حتى تستطيع أن تواجهه، وأن تعرف مواطن ضعفه، وهذا التعرف قد سبق لنا عدة أحاديث عنه من خلال حقائق الآيات القرآنية الناطقة، وشواهد ومواقف السيرة النبوية العطرة.
ولعلنا اليوم ونحن نرى بغي اليهود وعلوهم وغطرستهم، وما هم عليه من ذلك الكبر والعظمة التي تلقي في قلوب الخونة والخورة الهول والرعب، لعلنا ونحن نرى ما يشيعونه من أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ونحن نسمع عن ترسانة عسكرية هائلة، ونحن نعلم عن أسلحة نووية مدمرة، لعلنا ولعل كثيراً من المسلمين قد خامر قلوبهم وعقولهم عظمة الأعداء، وشدة قوتهم، واتحاد صفهم، ونحو ذلك مما ينبغي أن نعرف حقائقه، وأن ننظر إلى صور ذلك المجتمع الملفق من شذاذ الأرض الذين تجمعوا من آفاق الدنيا، فتجمعت بهم رذائل الدنيا كلها في ذلك المجتمع العنصري البغيض، ولعلنا ونحن نكشف بعض وجوه الخلل والضعف في تلك الدولة المزعومة نتساءل -وسيرد هذا التساؤل-: كيف استطاع اليهود أن يبرزوا كقوة ترهب أكثر من ألف مليون مسلم مع كل صور الضعف، وكل مظاهر التفكك الداخلي؟! وكيف يظهرون كدولة ولا يجرؤ أحد في العالم كله على معارضتهم خاصة العالم الغربي الذي يدعي القوة، والذي يحرص على العدالة، والذي يظن الناس فيهم أنهم يقيمون قسطاس العدل في الدنيا كلها، فلا يستطيع أحد أن يتكلم بكلمة واحدة فضلاً عن أن يقف موقف عداء ضدهم، أو أن يقف موقف نزاهة وعدالة إزاء عدوانهم، وإن فعل ذلك أحدهم اتهم بأنه عدو للسامية، ويحاكم على تلك العنصرية، بل إننا رأينا عجباً من دول فتية قوية وهي تدفع الجزية لليهود عن جرائم وهمية، وتعتذر لهم بكل الصور والوسائل الإعلامية عما سببته لهم من اعتداء أو نحو ذلك.
стр. 2525
تدهور المجتمع اليهودي وتفككه وانهياره من الداخل
فلننظر إلى صورة اليهود من الداخل، وذلك من خلال إحصاءات لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات من داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ومن خلال إحصاءات ودراسات قامت بها مراكزه، ونشرت في صحافته، وظهرت في داخل حوارات مجتمعه: فنسبة (٢٣.
٥%) من الطلاب الذين أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين يتعاطون المخدرات، (١٤%) يتعاطون الحشيش، و (٣٠%) كما هو في دراسة مجلس سلامة الطفل في أرضهم يمارسون نوعاً من الاتجار بالمخدرات، أي: أن نحواً من ثلث ذلك المجتمع يمارس تجارة المخدرات، وفي إحصائية ودراسة لوزارة العمل الإسرائيلية أفادت أن (٣٧%) من طلبة وطالبات المدارس العامة يعاقرون الخمر، و (٨٠%) منهم مدمنون للخمور بشكل عام.
وفي البناء الاجتماعي، والتصدع الأسري تظهر حقائق عظيمة أيضاً: فنسب الطلاق تتجاوز (٢٥%)، والزنا في دائرة الأسرة نفسها بلغت نسبته في المجتمع اليهودي (٥٠%)، وفي خارج إطار الأسرة (٢٥%)، وأما جرائم العنف في طلبة المدارس فإنها قد بلغت نحو (٥٠%)، وأثبتت بعض الدراسات أن (٦٠%) من جميع الطلاب لم يتخرجوا حتى مارسوا عمليات من العدوان على زملائهم في تلك المدارس.
والصور أكثر من ذلك، والشذوذ عندهم -وهو فعل قوم لوط ونحوه- مقر وشائع وذائع، بل إنه يعقد عقداً رسمياً بمباركة الحاخامات وعلماء الدين اليهود في الأماكن المقدسة عند حائط المبكى الذي يقدسونه! ولا عجب في هذا إن كنا نعرف كتاب ربنا، ونقرأ آياته، فإن الله قد وصفهم فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
следующие страницы →