Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
التحذير من قبول بعض مخططات الأعداء
هناك أمر ثانٍ أريد أن أنبه عليه، وأقدم له بمثال: عندما يذهب الإنسان ليشتري بضاعة فإذا قال له البائع: إنه بأربعين، فإنه يقول للبائع: أريدها بعشرين، وهو يعلم أن البائع لن يرضى بهذا الثمن، ولكنه يقول: عشرين ليصل معه إلى الثلاثين، وأخشى أن يكون موقف بعضنا أو موقف فئات ومجتمعات إسلامية من هذا المؤتمر مثل هذا الموقف، فقد عرضوا في هذه الوثيقة كل المحرمات، ليصلوا بعد ذلك إلى أن يكون هناك تفاوض ومكاسرة كما يكون في البيع والشراء، فنرفض هذا ونرفض هذا ونقول: هذا لا يليق، فيقال: إذاً: فلنلغ هذا، وأما هذا فيمكن أن يكون هكذا وهكذا.
وأقول: هذه الصورة قد تقع على مستوىً عام وعلى مستوىً فردي، وهذا هو الأمر الخطير، فما زلنا في واقع حياتنا نترخص ونأخذ ما فيه بأس رجاء ألا يكون فيه بأس، بينما سلفنا كم أثر عنهم كانوا يجعلون بينهم وبين الحرام سبعين باباً من الحلال تورعاً واحتياطاً واتباعاً لقول النبي ﷺ : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
وأقول: هذا الحمى قد سبق أن تدرج فيه الناس ووقعوا فيه، فلم نكن في يوم من الأيام نرضى للمرأة المسلمة أن تكشف عن وجهها، ثم ترخصوا في ذلك، ثم قالوا: لا بأس بشعرها، ثم ذراعها، ثم أصبحت تسبح في المسابح لا يستر عورتها شيء إلا أقل القليل، وهكذا قد تطلب مثل هذه الطلبات، فيقال: لا، هذا لا يليق، وهذا لا يصح، ثم يرضى بعد ذلك بما هو أدنى منه مما هو أسوأ.
وينبغي أن تكون مثل هذه الدعوات والتوصيات دافعة لنا للمراجعة لما سبق، فلننظر فيما سبق، ولتنظر المجتمعات الإسلامية، أليس قد وقع فيها كثير من الأمور المخالفة لشرع الله ، ووقع في بعض البلاد ما يشبه إباحة الزنا والدعوة إليه والإرشاد إليه؟! أليس هذا كله قد وقع؟! إذاً: بدلاً من أن نرفض هذا ونترخص فيما هو دونه ينبغي أن يكون ذلك كالتنبيه لنا لنرجع، حتى في بيوتنا؛ ألسنا قد كنا من قبل نستحيي في أسرنا أن يتكلم الأبناء أو الآباء والأمهات في مكان أو في وقت بأمر يمس من قريب أو بعيد الأمور الخاصة بأمور الرجل والمرأة، فأصبحنا بعد ذلك لا نرى بأساً بهذا الحديث، بل أصبحت الأسر الإسلامية في كثير من البلاد تجتمع على الشاشات الفضائية أو على الأفلام التي تظهر فيها مظاهر العري، والأم والأب والابن والبنت يشاهدون ذلك ولا شيء ولا حرج ولا حياء! إذاً: نريد أن يكون هذا بمثابة الهزة التي تنبهنا إلى ما سلف من تصرفاتنا التي ترخصنا فيها وتجاوزنا فيها شرع الله .
стр. 2522
استهداف وثيقة العار هدم الأخلاق والقيم
هذه الوصايا والمقترحات تهدف -كما جاء في مذكرة رابطة العالم الإسلامي- إلى دعوة الدول إلى إعادة صياغة جميع البرامج الخاصة بها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً تبع التوصيات، حتى التعليم ينبغي -بموجب هذه التوصيات- أن يغير، وأن يدرس الأطفال والمراهقون أمور الجنس وغيرها.
ثم أيضاً يترتب على ذلك تنحية الجوانب الدينية والأخلاقية، وأن يلغى من قواميس الاصطلاح والتعامل الاجتماعي: الحرام، والعيب، والحياء، ونحو ذلك.
وتتضمن التوصيات ما يفيد أن أية دولة تخالف هذه التوصيات بعد إقرارها سوف تكون شاذة عن الإجماع الدولي العالمي، وستتعرض إلى ضغوط سياسية، وإلى شروط اقتصادية مجحفة، وهذا أيضاً أمر تتضمنه هذه الوثيقة كما جاء في مذكرة الرابطة.
وتشير الرابطة إلى أن الوثيقة التي تكونت من مئات الصفحات للتكلم عن التنمية لم تتحدث عن التنمية إلا بقدر عشرين بالمائة، وأن الثمانين بالمائة الأخرى كانت خاصة بالخدمات الصحية التناسلية والجنسية، كما هو تعبير الوثيقة، ولذلك نرى أن الأمر واضح.
كثير منا يقول: لا تهمنا هذه الوثيقة وهذا المؤتمر؛ لأننا ننكر ما فيه، ولكنني أقول: إن الأمر أخطر من ذلك، فينبغي أن يكون الإنكار عملياً، وأن تكون المراجعة شاملة، وأن يكون الحذر كاملاً من مثل هذه الأمور الخطيرة التي تستهدف الأخلاق، وتستهدف القيم والمبادئ، وتستهدف قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك الإيمان والعقائد.
فالله أسأل أن يحفظنا، وأن يحفظ مجتمعاتنا، وأن يحفظ أسرنا، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا وأزواجنا، وأن يحفظنا جميعاً من كل سوء، وأن يبعد عنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا وأن يبعدنا عن المحرمات وعن الأمور المشتبهات.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الإيمان والتقى.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الورع واليقين.
اللهم إنا نسألك أن تباعد بيننا وبين ما يسخطك، وأن تجنبنا كل ما حرمت علينا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن تلهمنا الرشد والصواب.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهديين، وأن تهدينا، وأن تهدي بنا.
اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تحفظ شبابنا وشاباتنا من كل سوء يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2523
واقع اليهود وحقيقتهم
اليهود هم تلك الفئة التي انحرفت من سالف الأزمان، فكذبت كثيراً من الرسل، وطعنت في كثير من الكتب الإلهية، وظنت في نفسها الرفعة والعلو على باقي البشرية، وقد اقترن بتاريخهم قديماً وحديثاً سفك الدماء، والغدر والخيانة، والنفاق وسوء الأخلاق، ولذلك صار حالهم منكوساً، وطالعهم منحوساً، فشتتهم الله في أقطار الأرض، وزرع لهم في النفوس البغض، وهو حسيبهم يوم العرض.
стр. 2524
اليهود: الشر العريض والتاريخ البغيض
الحمد لله الذي وعد المؤمنين بالنصر، وطمأن قلوبهم بالذكر، وزاد نعمهم بالشكر، وكتب على الكافرين الذل والخسر، وجعل مآلهم إلى ضياع وقهر، أحمده كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، له الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إنّ من أهم الأدوار التي ينبغي أن نقوم بها، وأن نحرص عليها، معرفة حقيقة الأعداء، فاعرف عدوك حتى تستطيع أن تواجهه، وأن تعرف مواطن ضعفه، وهذا التعرف قد سبق لنا عدة أحاديث عنه من خلال حقائق الآيات القرآنية الناطقة، وشواهد ومواقف السيرة النبوية العطرة.
ولعلنا اليوم ونحن نرى بغي اليهود وعلوهم وغطرستهم، وما هم عليه من ذلك الكبر والعظمة التي تلقي في قلوب الخونة والخورة الهول والرعب، لعلنا ونحن نرى ما يشيعونه من أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ونحن نسمع عن ترسانة عسكرية هائلة، ونحن نعلم عن أسلحة نووية مدمرة، لعلنا ولعل كثيراً من المسلمين قد خامر قلوبهم وعقولهم عظمة الأعداء، وشدة قوتهم، واتحاد صفهم، ونحو ذلك مما ينبغي أن نعرف حقائقه، وأن ننظر إلى صور ذلك المجتمع الملفق من شذاذ الأرض الذين تجمعوا من آفاق الدنيا، فتجمعت بهم رذائل الدنيا كلها في ذلك المجتمع العنصري البغيض، ولعلنا ونحن نكشف بعض وجوه الخلل والضعف في تلك الدولة المزعومة نتساءل -وسيرد هذا التساؤل-: كيف استطاع اليهود أن يبرزوا كقوة ترهب أكثر من ألف مليون مسلم مع كل صور الضعف، وكل مظاهر التفكك الداخلي؟! وكيف يظهرون كدولة ولا يجرؤ أحد في العالم كله على معارضتهم خاصة العالم الغربي الذي يدعي القوة، والذي يحرص على العدالة، والذي يظن الناس فيهم أنهم يقيمون قسطاس العدل في الدنيا كلها، فلا يستطيع أحد أن يتكلم بكلمة واحدة فضلاً عن أن يقف موقف عداء ضدهم، أو أن يقف موقف نزاهة وعدالة إزاء عدوانهم، وإن فعل ذلك أحدهم اتهم بأنه عدو للسامية، ويحاكم على تلك العنصرية، بل إننا رأينا عجباً من دول فتية قوية وهي تدفع الجزية لليهود عن جرائم وهمية، وتعتذر لهم بكل الصور والوسائل الإعلامية عما سببته لهم من اعتداء أو نحو ذلك.
стр. 2525
تدهور المجتمع اليهودي وتفككه وانهياره من الداخل
فلننظر إلى صورة اليهود من الداخل، وذلك من خلال إحصاءات لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات من داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ومن خلال إحصاءات ودراسات قامت بها مراكزه، ونشرت في صحافته، وظهرت في داخل حوارات مجتمعه: فنسبة (٢٣.
٥%) من الطلاب الذين أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين يتعاطون المخدرات، (١٤%) يتعاطون الحشيش، و (٣٠%) كما هو في دراسة مجلس سلامة الطفل في أرضهم يمارسون نوعاً من الاتجار بالمخدرات، أي: أن نحواً من ثلث ذلك المجتمع يمارس تجارة المخدرات، وفي إحصائية ودراسة لوزارة العمل الإسرائيلية أفادت أن (٣٧%) من طلبة وطالبات المدارس العامة يعاقرون الخمر، و (٨٠%) منهم مدمنون للخمور بشكل عام.
وفي البناء الاجتماعي، والتصدع الأسري تظهر حقائق عظيمة أيضاً: فنسب الطلاق تتجاوز (٢٥%)، والزنا في دائرة الأسرة نفسها بلغت نسبته في المجتمع اليهودي (٥٠%)، وفي خارج إطار الأسرة (٢٥%)، وأما جرائم العنف في طلبة المدارس فإنها قد بلغت نحو (٥٠%)، وأثبتت بعض الدراسات أن (٦٠%) من جميع الطلاب لم يتخرجوا حتى مارسوا عمليات من العدوان على زملائهم في تلك المدارس.
والصور أكثر من ذلك، والشذوذ عندهم -وهو فعل قوم لوط ونحوه- مقر وشائع وذائع، بل إنه يعقد عقداً رسمياً بمباركة الحاخامات وعلماء الدين اليهود في الأماكن المقدسة عند حائط المبكى الذي يقدسونه! ولا عجب في هذا إن كنا نعرف كتاب ربنا، ونقرأ آياته، فإن الله قد وصفهم فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
стр. 2526
نسبتهم الفواحش والآثام إلى الأنبياء والرسل ﵈
يروج اليهود للفواحش بنصوص توراتهم المحرفة المدنسة لا الأصيلة المقدسة، بل وينسبونه كذباً وزوراً إلى الرسل والأنبياء؛ ليجعلوا فعلها عبادة يتقرب بها إلى الله، ففي نصوص توراتهم المكتوبة عندهم اتهام لأكثر الأنبياء بممارسة الزنا والفواحش مع المحارم، وقد نصوا نصاً واضحاً على أن لوطاً ﵇ قد شرب الخمر وعاقرها حتى فقد عقله، ثم زنى بابنتيه، وهذا ليس ادعاءً عليهم، بل هو نص ما بين أيديهم من الكتب التي يقرءونها، ويدرسونها، ويدّرسونها.
стр. 2527
المجتمع اليهودي والعنصرية
إن هناك تفككاً اجتماعياً، وطبقية عنصرية في داخل ذلك المجتمع، فليس اليهود كلهم في مرتبة واحدة سواء بالنسبة للمجتمع اليهودي، أما هم فيعتبرون أنفسهم أعلى من الخلق كلهم، وأحسن من البشرية جمعاء، ولكنهم في داخل ذلك المجتمع ينقسمون إلى يهود من الدرجة الأولى وهم: اليهود الغربيون الذين أتوا من أوروبا الغربية، ومن أمريكا ومن غيرها، ويسمونهم الإشكاريزن، واليهود الآخرون من الدرجة الثانية من أوروبا الشرقية، ويسمونهم سكادرن، ثم هناك من هو دونهم، وهم اليهود القادمون من إفريقيا ومن بعض الدول العربية، وهذا ليس أمراً مدعىً عليهم، بل هو معروف لديهم، وإن أولئك اليهود الذين يحسون بهذه التفرقة العنصرية بدأت آثارها الاجتماعية واضحة جلية تتحدث في صور كثيرة داخل ذلك المجتمع.
ثم نرى أيضاً كثيراً من الصور التي تندرج تحت ذلك الضعف والهوان الحقيقي الذي قد نستغرب كيف يكون كذلك ثم لا يجرؤ أحد، ولا تستطيع أمة أو دولة أو شعب أن يقهرهم ويغلبهم؟!! ومن الأمور التي صارت معروفة في هذه الأيام على وجه الخصوص ومع الانتفاضة الجهادية المباركة أن كثيراً من جنود اليهود يرفضون الأوامر العسكرية بالتوجه إلى مناطق التماس والمواجهة الحربية، وأن كثيراً منهم الآن مسجونون في السجون الإسرائيلية عقوبة لهم على عدم امتثال الأوامر العسكرية، وأن كثيراً منهم قد ملئت قلوبهم رعباً، وأنهم -كما رأينا بعد العمليات الجهادية الموجعة- باتوا يدعون إلى إعلان تهدئة الأوضاع، أو وقف إطلاق النار كما يزعمون أو نحو ذلك.
ونجد كثيراً من الأوضاع العجيبة في ذلك المجتمع، تدل على الكثير من الفساد العظيم، والهلاك الكامل، والتفكك الرهيب الذي ينخر في ذلك المجتمع، وهناك دراسات كثيرة تدل على ذلك ليس هذا مقام ذكرها.
فكيف استطاع أولئك أن يواجهوا الأمة العربية والإسلامية رغم كل هذه الأوضاع المتردية؟!
стр. 2528
ما الذي جعل اليهود يواجهون العرب رغم التفكك الاجتماعي عندهم
التفسير لا يحتاج إلى كثير من التفكير، فإن بين يدينا من كلام ربنا ما يبين ذلك ويجليه، فقد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وبين أنهم قد باءوا بغضب من الله، ثم جاء الاستثناء الذي يفسر لنا كثيراً من الواقع: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢]، أما حبل الله جل وعلا فقد انقطع عنهم، وقد ظهر أمر الله عند وجود أهل الإيمان والإسلام الصادقين في زمن النبي ﷺ ، وزمن أصحابه رضوان الله عليهم حيث نكسوا على رءوسهم، وهزموا وقتلوا وأخرجوا وطردوا، ولم يكن لهم قوة ولا شوكة ولا أي وجود مطلقاً، وكذلك كانوا في كل مراحل التاريخ الإسلامي الذي كانت الأمة فيه متماسكة، وبكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ مستمسكة.
فما هو حبل الناس؟ إنها حبال كثيرة وليست حبلاً واحداً، والحبل هنا اسم جنس يشمل الواحد وما زاد.
أول ذلك: حبل أعداء الإسلام قاطبة، فإن اليهود يجدون العون والدعم والإسناد المعنوي والسياسي والإعلامي والاقتصادي والعسكري من العالم الغربي النصراني، ومن العالم الشرقي الهندوكي، ونحن وكل الناس نعرف أن الأموال تصب على إسرائيل صباً، وأن المواقف السياسية الحاسمة الرافضة المدافعة عنهم تعلن علناً، وتظهر لكل أحد، وهي كثيرة تلك الصور التي لا تخطئها العين من حجم أولئك القوم الذي يدعمون اليهود وينصرونهم، وذلك لقدر وحكمة ربانية يعلمها الله تعالى، فهذا سبب عظيم من أسباب قوتهم وبقائهم رغم ضعف اقتصادهم، ورغم كثير من مشكلاتهم.
ونحن نعلم أن تلك الاتجاهات والدول الغربية تنطلق إلى ذلك من منطلقات عقدية، وينبغي أن نعرف ذلك وقد أخبرنا الله جل وعلا به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] فهم أولياء بعض، وأخبرنا أن المنافقين بعضهم أولياء بعض، فنحن نصدق كتاب ربنا، ونكذب كل قول يعارضه ويخالفه.
ولقد ذكرنا من قبل بعض المؤتمرات النصرانية المسيحية الكنسية التي عقدت لأجل دعم الصهيونية، وهم يعتقدون -وخاصة فرقة من فرق النصارى وهم البروتستانت- أن عليهم نصرة اليهود، وأخذوا ذلك من نبوءات كتبهم المقدسة، وما يأملونه ويعتقدونه بالباطل والتحريف، ومنها: أن عيسى ﵇ سينزل مرة أخرى إلى بيت المقدس، وهم يظنون أن اليهود حينئذ سيؤمنون به ويتابعونه، فهم يسعون لذلك، وعندهم أن هذا لا يتحقق إلا بعد ثلاثة أمور: ١ - قيام دولة إسرائيل.
٢ - كون القدس عاصمة لها.
٣ - إعادة بناء الهيكل لليهود.
وفي استفتاء لأكبر دولة داعمة لإسرائيل وجد أن (٣٩%) من مواطني تلك الدولة يعتقدون بهذه النبوءة، ويدفعون الأموال لتحقيقها، وذلك غير الدعم الحكومي، فتصب عليهم ملايين الملايين من أولئك الحمقى والمغفلين.
وهذه عقائد تضافرهم وتؤيدهم، ومن هنا كان الوعد الذي أعطي لهم في أول الأمر، ومن هنا كانت المسارعة بالاعتراف بدولتهم بعد مرور ثلاث دقائق، ومن هنا كان ذلك الدعم الذي نراه ونلمسه ونجد له شواهد عديدة.
وهناك حبل آخر -وهو وللأسف- حبل يمت للمسلمين بصلة، وهو حبل الضعف والخور وزعزعة اليقين والإيمان في نفوس أهل الإسلام، ثم ما نشأ عنه من ممالأة لهم ومداهنة، بل ومعاونة، بل واشتراك معهم في بعض جرائمهم، ومع أن الله جل وعلا يبين لنا أخلاق اليهود وأفعالهم؛ لنحذر منها، ونحن نرى أيضاً كثيراً من بلاياهم وانحرافاتهم ومع ذلك كله صار المسلمون يطبقونها ويقلدونها، ويسيرون وراءها، وذلك مصداق ما أخبربه المصطفى ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) أي: فمن غيرهم؟! ألسنا نرى كثيراً من أحوال مجتمعات المسلمين تطبعت بخلال اليهود، واتسمت بأخلاقياتهم؟! فقد صار الانحراف والاختلاط ونحو ذلك مما نعرفه شائعاً، ومن هنا ضعف الإيمان، وكادت حقيقة الإسلام أن تخفى من تلك المجتمعات، وجاء بعد ذلك كله ما قلناه من أنه لا يمكن مواجهة أولئك الأعداء، فصارت هناك مواقف الذل والخنوع والممالأة، وحينئذ لم يكن هناك شيء ولا موقف يستطيع أن يكشف ذلك العوار في داخل ذلك المجتمع، ولا أن يهتك الستر عن تلك الصور المخزية التي تبين أن ذلك المجتمع فيه كل الرذائل، بل وفيه كل المخالفات التي تسمى اليوم -بمقياس المنظمات الدولية- مخالفات لا تتفق مع القوانين والشرائع النظامية، وهناك مواقف كثيرة من مواقف المسلمين، ومن مواقف كثير من الذين بأيديهم الحل والعقد تمثل ذلاً للمسلمين، وهواناً لهم، وخوراً وضعفاً أمام أعدائهم، بل ويعطون ما يريدون مع كل ما قد يظهر من خلاف ذلك في صور إعلامية مزيفة، وهذا يدلنا أيضاً على سبب آخر، ويجعلنا نكتشف كذلك أسباب أخرى، ولو أنا رجعنا إلى كتاب ربنا، ولو أنا عرفنا حقائق أولئك القوم لكانت مواقفنا كمواقف أولئك الأبطال الذين يعلمون حقيقة اليهود من واقع معايشتهم في أرض فلسطين، فترى الواحد منهم وهو صغير لا يتجاوز الخامسة عشرة يقذفهم بالحجارة، وهم يولون أمامه كما نرى في صور التلفزة، من أولئك الذين قتلوهم وهددوهم وأرهبوهم وهم لا يملكون شيئاً من القوة الحقيقية المادية، ولكن قوة الإيمان، ومعرفة حقيقة الأعداء كفيلة بهذا.
نسأل الله أن يقذف الرعب في قلوب اليهود، وأن يفرق شملهم، وأن يخالف كلمتهم، وأن يظهر ضعفهم، وأن يجعل بأسهم بينهم.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2529
تعبئة المجتمع اليهودي على الحرب والدماء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
وهناك صورة أخرى نحتاج إلى معرفتها، وهي صورة التربية والتعبئة في داخل المجتمع اليهودي، إن الذي يمسك هؤلاء المفترقين، وهؤلاء المتفاوتين طبقياً، وهؤلاء المخمورين والمخدرين، إن الذي يجمعهم ويبث فيهم شيئاً من التماسك والقوة؛ هو التربية الدينية اليهودية العدائية، والتعبئة النفسية الحربية العسكرية.
إن هذه الدولة كلها دولة حرب، ونحن نسمع في كل الدنيا عن وزارات للدفاع، لكن في إسرائيل يسمونها وزارة الحرب؛ لأن الحرب والدموية والعدوان والإرهاب أمر يدرس للأبناء والصغار في المدارس من المراحل الأولى، بل ويدعمه كثير من العوامل: أولها: العامل الديني التوراتي، فالتوراة تبين أن غير اليهود ليست لهم حرمة، وقتلهم يعد قربة، وأنهم كلاب لليهود، وأنهم يسخرون لشعب الله المختار، وليس هذا ادعاء، بل هو نص توراتهم وتلمودهم، وقول أحبارهم ومعاصريهم اليوم، وقريباً سمعنا تصريحات الحاخام الشهيرة عندما قال: يجب أن تقتلوا العرب جميعاً، صغيرهم وكبيرهم! وهذه التعبئة موجودة في توراتهم المحرفة، فقصة موسى ﵇ التي ذكرها الله لنا في القرآن لما رأى رجلاً من قومه، وكان ذلك قبل نبوته، فوكزه موسى فقضى عليه، ولم يكن يقصد ذلك؛ يوردها اليهود على أن هذا فعل عظيم من أعظم أنبيائهم، وأنه إذا استطاع اليهودي أن يقتل غير اليهودي فهو واجب عليه، ويكون بذلك مقتدياً بموسى ﵇ عياذاً بالله! والله قد أخبرنا في القرآن أن موسى ﵇ ندم على ذلك، واستغفر ربه، وأن ذلك قبل نبوته، ولكنهم يزورون ويحرفون؛ ليجعلوا كل يهودي مشبعاً بروح الدم والقتل والإرهاب، ونرى ذلك في مناهج المدارس، بل نجده كذلك في كل الصور المختلفة الإعلامي منها وغير الإعلامي.
أحد كبار مجرميهم وزعمائهم السابقين ألف كتاباً يخبر فيه عن أفكاره ومعتقداته ونظراته ومواقفه، فيقول: تعلمت من أبي: أننا نحن اليهود لا بد أن نعود إلى أرض فلسطين كل فلسطين، وبكل حزم؛ ولذا لقد كنا مقتنعين بالشرعية المطلقة لكل أعمالنا اللاشرعية! أي: شرعيتهم هم، فهذا القتل الذي يعد بكل المقاييس ليس شرعياً، هم يرونه شرعياً وعبادة وتقرباً بسبب هذه العقائد المزيفة المحرفة، ثم يقول: كتبت هذا الكتاب لغير اليهود أيضاً؛ خوفاً من أن يكونوا قد نسوا أنه من الدمار والنار والدموع والرماد قد خلق صنف جديد من البشر لم يعرفهم العالم وهو: اليهودي المحارب، ثم يستشهد بقول المفكر الشهير الذي قال: أنا أفكر فأنا موجود، قال: وأنا أقول: أنا أحارب فأنا موجود، وكن أخي وإلا قتلتك! هذه عقيدتهم التي ينشرونها، وهذا إعلامهم الذي يكرسونه لها، وهذه عنصريتهم التي يقررونها؛ ولذلك نجد أن هذا أمر يبث في كل وسائل إعلامهم، ويدرس في مدارسهم، ويكرس في آليتهم العسكرية والحربية، فكل يهودي لا بد أن يكون جندياً محارباً، ذكراناً وإناثاً، فالكل عليهم التجنيد الإجباري إلا قلة من كبار السن، فكلهم مسجلون احتياطيون في الجيش، فالمجتمع كله جيش محارب، وهذا أمر واضح، ولذلك يشغلون مجتمعهم كله، ويدفعونه نحو المواجهة الذهنية؛ لكي ينشغل بهذا الأمر، فيكون عنده ذلك الانحراف الخلقي الذي يمتد إلى أقصى مدى في رذائل اليهود، ويكون عنده ذلك الاندفاع الإجرامي الذي يمتد إلى أقصى مدى أيضاً في مواجهة من يسمونهم أعداءهم؛ ولذلك قال قائلهم في بعض البحوث: إن التعليم في إسرائيل هو مجرد تعبئة روحية لإعداد الجنود ليوم الحرب، ويتضمن مهد التاريخ، ويتضمن تاريخ الحركة الصهيونية، وتمديد الجيش اليهودي، ودراسة التوراة، وكل ما من شأنه أن ينمي في نفوس الناشئة الروح العسكرية.
ولا أريد أن أطيل، ولكن انظروا ما الذي يكون في الجانب المقابل في كثير من بلاد العرب والمسلمين، بينما نرى عقيدة اليهود عندهم في جوانب شتى، وفي نواحي عديدة، وأصبح العنف -كما يقول أحد باحثيهم- جزءاً من مكونات حياة اليهود، وأسلوب معيشتهم؛ ولذا تقول أكبر صحفهم: إن مجتمعنا يؤمن بأن الحق للقوة، وهذا ما جعل العنف في نظر الشباب أفضل رد على جميع المشكلات.
هذا التوجه هو الذي يحفزهم ويدعمهم، إلا أن الله جل وعلا قد أخبرنا عن حقائق خور نفوسهم، ورعب قلوبهم، وضلال عقولهم، وانحراف أخلاقهم، وهذا كله مما نراه، والمسلمون الصادقون، والمؤمنون الأخيار، والمجتمع المسلم الحقيقي لم يواجه أولئك، لكن كما قال بعضهم: عندما يكون الجدار متصدعاً فتضع يدك عليه فإنه سيسقط، وليس ذلك من قوة اليد، وإنما من تصدع ذلك الجدار، فما علا اليهود وما انتصروا إلا بضعفنا وخورنا؛ ولذلك يوم يخرج الأطهار الأبرار المؤمنون الذين يطلبون الشهادة فستزلزل صفوف اليهود، وترعب قلوبهم، وتخل قوتهم؛ وحينئذ يتضح أنه لا يمكن أن يكون السلاح هو الذي يحقق النصر إذا كان حامله رعديداً جباناً وإذا كان القائمون به ليسوا على قدم واحدة، وليسوا على هداية واستقامة على أمر الله .
خلوا الطريق لنا فنحن الناس أما الذين بغوا فهم أنجاس نصر النبي لنا جميعاً كله لا النصف لا الأرباع لا الأخماس ولينصرن الله ناصر دينه هذا هو المعيار والمقياس فحقيقة أعدائنا ينبغي أن نعرفها، وحقيقة حبال القوة التي تمدهم يوشك في زمن قريب أو بعيد أن تنقطع، ويقيننا بما أخبرنا به الله ، وما بشرنا به رسولنا ﷺ ، ولا بد أن يكون كاملاً وتاماً.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وقال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله).
نسأل الله أن يقوي إيماننا، وأن يعظم يقيننا، وأن يزيد من همتنا، وأن يقوي من ضعفنا، وأن يوحد صفوفنا، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين، ومن جنده المخلصين، وأن يكتبنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب ولا ترضى.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك.
اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم يوماً قريباً أسود يا رب العالمين! اللهم إنا ندرء بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم فرق صفهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واجعل الدائرة عليهم.
اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم إن نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم وانصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2530
فقه تزكية النفوس
تزكية النفس هي عنوان الفلاح، فينبغي للمسلم أن يفقه هذه التزكية؛ ليعرف كيف يزكي نفسه.
ومن فقه التزكية أن نعرف فوائدها وثمراتها والأسباب الموصلة إليها، كما نعرف الآفات والعوائق التي تحول دون تحصيلها.
стр. 2531
مفهوم فقه تزكية النفوس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وبعد: فنحمد الله أن يسر لنا هذا اللقاء، ونواصل ما كنا بدأناه من الدروس العلمية -العامة- وهذا هو الدرس التاسع عشر، وهو بعنوان: (فقه تزكية النفوس).
وهذا الموضوع ربما كان مناسباً في مثل هذا الوقت الذي لم يطل فيه البعد عن شهر رمضان المبارك، الذي كان -ولا يزال- موسماً عظيماً من مواسم العظة والتذكرة والإيمان، فيه تحيا القلوب، وتطمئن النفوس، وتنشرح الصدور، ولابد لنا -ولكل مؤمن- أن يسعى إلى هذا الخير العظيم، وهو: تزكية النفس، وتطهير القلب.
مرادنا بالفقه هنا معناه العام: الفهم والإدراك، وليس مرادنا الخاص المتعلق باستنباط الأحكام الفقهية من أدلتها التفصيلية، وإنما المراد: الفهم الذي يشمل المعاني المعنوية، وكذلك الأحكام العملية، كما قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] أي: لا تفهمونه ولا تعقلونه، وقال النبي ﵊ -كما في الصحيح-: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) لم يقل: يعلمه الدين، وإنما قال: (يفقهه) لأن الفقه أعمق من العلم، إذ إن العلم هو أخذ الأمور حفظاً وإدراكاً، ويزيد الفقه على ذلك: بمعرفة ما يتصل بهذا من المعاني الإيمانية والقلبية وإدراكها ضمن تصور عام يبين منزلتها وموقعها.
ولذلك قال النبي ﵊: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) أي: إذا أخذوا الفقه والفهم في هذا الدين، والمشكلة الكبرى التي تعترض المسلم اليوم هي: النأي والبعد عن الفقه، إما جهلاً به، أو جنوحاً ومخالفة له، وهذا الفقه الذي نعنيه هو: (الفهم)، فقد يجنح بعض الناس في فهمه لمسألة من مسائل الدين فلا يقع على الخير والبصيرة أو قد يغفل عنها فيفوته خير كثير.
ولذلك فإن الآيات القرآنية تبين أن المشكلة الكبرى إنما هي عدم الفقه، كما قال : ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فالمراد أن نفهم هذه التزكية للنفوس، وكيف تكون وأهميتها وآثارها وما يلحق بذلك.
فهذا هو فقه التزكية، ويأتي -إن شاء الله تعالى- فقه الدعاء، وفقه السجود، وفقه السؤال والجواب، وفقه الهجر والعتاب، وربما موضوعات أخرى يكون فهمها وإدراك معانيها الظاهرة والباطنة فيه خير كثير، وربما كان هناك بعد أو غفلة عن فهم مثل هذه الأمور، فنشرع فيما يتصل بتزكية النفوس.
стр. 2532
فوائد وثمار التزكية
لماذا الحديث عن تزكية النفوس؟ وما أهمية هذه التزكية وفائدتها؟ قد يقول قائل: إن مثل هذه الموضوعات إنما يُذكَر بها العوام، دون طلاب العلم! وإنما تصلح للغافلين المعرضين دون الذاكرين المقبلين، أو إنها تصلح للعاصين دون الملتزمين، وهذا من الخطأ في فهم التزكية وفقهها؛ إذ إن أولى الناس بالتزكية هم المقبلون الطائعون، بل لا تتم طاعتهم -معرفة وثمرة وجنياً لخيرها- إلا بهذه التزكية.
فنقول: أهمية التزكية تكمن في نقاط مهمة ومتعددة كما يلي:
стр. 2533
التزكية غاية عظمى في هذا الدين وخلاصة دعوة المرسلين
التزكية مهمة لأنها غاية عظمى في هذا الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، ولنتأمل قول الله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١]، لم يكن المقصد هو العرض بتلاوة الآيات وإنما أثرها في تزكية النفوس، وتطهير القلوب، وفيما يترتب بعد ذلك من العلم، إذ العلم لا يكون إلا لمن قذف الله في قلبه التوفيق، ولمن أنار قلبه ببصيرة الإيمان، كما قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وكم من حامل علم لا أثر لعلمه في عمله؛ لأنه لم يكن لعلمه أثر في تزكية نفسه، فكيف يظهر بعد ذلك في قوله أو في فعله؟! ولذلك قال إبراهيم الخليل ﵇ كما في دعائه الذي ذكره القرآن: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] وتقديم التزكية أو تأخيرها له علة تدل على أهميتها، فتقديمها: لأن الإخلاص وتزكية النفس والقلب يؤهل لنيل المعرفة والعلم، كما ذكر عن الشافعي قوله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي وكذلك تأخير التزكية عن العلم دليل على أن صاحب العلم إنما ينفعه علمه إذا زكى نفسه أولاً، وحينئذ يؤثر بقوله وعمله في الناس؛ ولذلك فأول أمر في أهمية التزكية: أنها غاية عظمى في هذا الدين، وخلاصة دعوة المرسلين.
стр. 2534
التزكية سبب للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة
التزكية نجاح الدنيا، وفلاح الآخرة، إذ المدار كله على هذه القلوب، وهذه النفوس كما قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وكما قال جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤].
إنما الفلاح والنجاح في الدنيا، والنجاة في الآخرة بهذه المعاناة في تزكية النفوس، فما أجدرها أن تكون لها أهمية عظمى، إذ هي بمثل هذا المكان الذي به يقع الفلاح أو الخسران.
стр. 2535
التزكية ثمرة العبادات وخلاصة نتائجها
التزكية ثمرة العبادات وخلاصة نتائجها، فليست العبادات في هذه الظواهر من ركوع أو سجود، أو مجرد تلفظ بألفاظ، أو إرهاق النفس بالصوم، أو إجهاد البدن في الحج، وإنما هو ما وراء ذلك كله، مما ينسكب في القلب ويملأ النفس من الروحانية والإيمان، والتي تجعل نفس الإنسان في مراتب عليا من الطهارة والنقاء والصفاء.
إذاً: هي غاية هذه العبادات، كما قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، إنما هو محض التطهير والتزكية، وكما قال جل وعلا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، وقال في الغاية من الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
فكل عمل خلاصته وثمرته هي هذه النفس وتزكيتها.
стр. 2536
التزكية سبب لدخول الجنة والنجاة من النار
التزكية عربون الجنة، وستار من النار كما قال : ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٥ - ٧٦]، ويقول في الوقاية من النار: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٧ - ١٨].
إذاً: التزكية سبب لدخول الجنة وستار ووقاية من النار.
стр. 2537
التزكية سبب طهارة القلب وصلاحه
هذا جامع لكل ما سبق وهو: أن التزكية مناطها القلب، والقلب هو قطب الرحى، فإن الله جل وعلا قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فإذا عميت القلوب عميت معها البصائر، وتعذّرت كل أسباب الفلاح، فيضل الإنسان، ويتخبط في عمله -عياذاً بالله ؛ ولذلك قال النبي ﵊ -كما في صحيح مسلم -: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
وقال أيضاً ﵊ مبيناً أن الأمور كلها مرتبطة بالقلب وصلاحه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
أفلا يكون لهذه التزكية الأهمية الأولى والكبرى في حياة الإنسان المؤمن؟ وإن كان فيه خير، وإن كان مصلياً عابداً، وإن كان متقرباً ذاكراً، فإن فقه التزكية هو الذي يقويه على هذه الطاعات، ويجني له ثمرتها على أتم وأكمل صورة بإذن الله .
ولذلك أذكر الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في قصة الرجل الذي بشره الرسول ﷺ ثلاثاً بالجنة، فصحبه عبد الله بن عمرو ﵁ ليرى فعله، فلم ير منه كثير صلاة ولا صيام، فلما سأله قال: (ليس من شيء إلا ما رأيت، غير أني أبيت وليس في قلبي على أحد من المسلمين غشاً ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه) فلما تطهّر من هذه الآفات -كما يقول ابن القيم:- صلُحت سلعته لعقد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] أما النفوس المليئة بالأكدار، والقلوب المليئة بالأوضار، فليست سلعة تقدم بين يدي الله .
فلذا كانت التزكية مدار الأمر وأوله وآخره، وعليها -بإذن الله المدار في الفلاح والنجاح، نسأل الله جل وعلا أن يزكي نفوسنا، وأن يطهر قلوبنا.
стр. 2538
أهمية تزكية النفس في ظل طبيعة النفس البشرية وكثرة الفتن
هناك تعليل أخص من هذا التعليل العام، لاختيارنا موضوع التزكية ليكون حديثاً إلى من يُظن بهم الخير! ليسوا فقط من الذين يؤدون الفرائض، بل ومن المقبلين على الطاعات، المرتادين للمساجد، الحريصين على العلم، وقد يظن البعض أنهم لا يحتاجون إلى مثل هذا، فتعليلاً لهذا الأمر على وجه الخصوص أقول: من وجهين أردت أن يكون الحديث -على وجه الخصوص- موجهاً لمن فيهم الخير، ومن هم على خير.
стр. 2539
حاجة النفس البشرية إلى التزكية مهما كان حظها من الطاعات
معرفة أهمية التزكية أصالة منهج في سياسة النفس، ووضوح رؤية في معرفة طبيعة هذه النفس، وطبيعة هذا الدين، فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فالأمر كما قال حذيفة ﵁: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعاً).
إذاً: ليست التزكية مفقودة -أو ناقصة- عند العصاة فحسب، بل هي ناقصة أو مفقودة عند كثير من الطائعين؛ لذا وجب التذكير بها لهم، وهم فيها قدوة، فإذا فُقدت التزكية من أهل الخير والصلاح والطاعة، فماذا في بقية الناس من المتلبسين بالبدع أو المنغمسين في الشهوات والمعاصي؟ فهي -لاشك- أكثر بُعداً ومجانبة لحصولها في أنفسهم؛ لذلك نوجه الحديث لنا نحن الذين نظن بأنفسنا خيراً؛ لأننا أحوج ما نكون إلى هذا الأمر، ولأن فقده فينا خسارة عظمى لنا، وللناس أيضاً ممن هم أبعد منا عن الخير، أو أقصر همة في الاستباق إليه.
стр. 2540
كثرة الفتن تجعل حاجتنا إلى التزكية أكثر من حاجة السلف إليها
هذا إدراك للواقع الذي كثرت فيه الفتن التي تغزو القلوب، والشهوات التي تفسد النفوس، أصبحت الدنيا تجذب الناس وتخطف أبصارهم وبصائرهم إليها، فنحن في عصر مهما كان للإنسان فيه من الخير فلابد أن يعترضه من الشر ومن سهام الفتن ما لا يكاد يحتمل، فلذلك كان لابد لنا من أسلحة مضادة، كما أن هناك في الحرب أسلحة مضادة للطائرات، فهناك أيضاً أسلحة مضادة للشهوات وللشبهات لابد أن تكون عند الإنسان، فإذا كان الإنسان يتوقع مثلاً أن عدوه لا يملك إلا رصاصة واحدة، فإن احتياطه سيكون محدوداً، ودفاعه يسيراً؛ لأنه يعلم أن العدو يملك سلاحاً ضعيفاً وذخيرة قليلة؛ فبمجرد أن تنتهي هذه الذخيرة فهو في مأمن، أما إذا علم الإنسان أن عدوه أكثر قوة فإنه سيستعد له بما يكفي لردعه وردّ كيده عنه.
فإذا علم المسلم أن الدنيا تصب عليه فتنها وشهواتها ليلاً ونهاراً، سماعاً ورؤيةً، وقراءةً واطلاعاً، بهذا الكم العجيب من هذه الرزايا والبلايا، فإنه لابد أن يعرف أنه في حاجة إلى جهد أكبر.
وإذا كنا نسمع من أهل الصلاح وأهل الإيمان من السلف الصالحين حرصهم على الطاعات وعلى تزكية النفوس، رغم أنهم لم يكونوا يجدون من هذه الفتن والشهوات مثلما نجد؛ وجب علينا -حينئذ- أن ندرك أننا في حاجة أكثر لتزكية النفوس.
ولذلك فقه الدعاة المخلصون هذا الأمر، فحرّضوا طلبة العلم، ومن دخل تحت مسمى الالتزام بالدين وشباب الدعوة اليوم؛ أن يكون حرصُهم على تزكية النفوس أبلغ، وربما أكثر من حرص السابقين؛ لأن السابقين لم يكونوا يجدون مثل ما نجد من الفتن؛ ولذلك يقول الراشد جزاه الله خيراً: (والمؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية)، لماذا أشد حاجة؟ لأنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، وكان أهل المعاصي والفسق يُجهدون أنفسهم في التستر والتواري عن أعين العلماء، وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنيّة الحديثة جعلت الكفر بجميع مذاهبه مسموعاً مرئياً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف والمجلات، وجعلت إلقاءات شياطين الإنس والجن قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المسلم من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ابتعاد كثير من الدول والشعوب الإسلامية عن تحكيم شرع الله، فوجب على المسلم من المجاهدة والمراقبة -لوقته وقلبه- أكثر مما كان يجب على السلف.
وهذا دليل فقه وفهم لاحتياج الواقع، ولذلك قال النورسي رحمة الله عليه: (إن هذه المدنيّة السفيهة المصُيّرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباح مساء؛ غَلُظَ بسببها وتكاثف بملاهيها حجابُ الغفلة بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة) أي: بسبب هذه الفتن وقربها والتصاقها بالناس، بحيث يسمعونها ويرونها، فغلظ بسببها وتكاثف بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لا يخرق ولا ينقشع هذا الحجاب إلا بصرف همة عظيمة، ولذلك اخترنا هذا الموضوع المهم.
стр. 2541
مدخل جامع لتزكية النفس
لابد أن ندرك أن التزكية متعلقة بأمر واحد وهو (القلب)، والقلب مُتقلّب، والقلب لا يظهر للعيان، وهو سريع التأثر، فلذلك كانت المهمة صعبة، ولذلك يُعبّر ابن القيم رحمة الله عليه عن جوهر هذه التزكية، وخلاصة المعركة والمعاناة والمجاهدة فيها فيقول: (والمقصود أن يكون ملك الأعضاء -وهو القلب- قائماً بعبوديته لله هو ورعيته).
стр. 2542
أمراض القلوب وأقسامها
الجوارح كلها رعية القلب، وأما المحرمات التي على القلب فقد قال عنها ابن القيم ﵀: (وأما المحرمات التي عليه فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاق، وهي نوعان: كفر ومعصية.
فالكفر: كالشك والنفاق والشرك، وتوابعها.
والمعصية نوعان: كبائر وصغائر.
فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريماً من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها).
فليست الكبائر محصورة في الزنا وشرب الخمر وغيرها مما يتعلق بالجوارح، لكن أكبر منها ما يتعلق بهذا القلب، وفتنته وشهوته، وأوضاره وأقذاره التي تصرفه عن مراد الله ، ومقصوده منه جل وعلا، ولذلك قال ابن القيم: التي هي أشد تحريماً من الزنا، وشرب الخمر! وكما أن ابن القيم بين لنا الأمراض ومدارها، فكذلك بين لنا العلاج ومداره فقال: (فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد.
ويترتب عليهما داءان قاتلان: وهما: الضلال والغضب.
فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها).
стр. 2543
علاج أمراض القلوب بتحقيق (إياك نعبد وإياك نستعين)
ذكر ابن القيم الجملة الجامعة للشفاء والعلاج، وهي جامعة للتزكية ومقاصدها، فقال رحمة الله عليه في مدارجه: (ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]).
ثم بين لنا تركيب هذه الوصفة الطبية فقال: (فإن هذا الدواء -أي: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) - مركب من ستة أجزاء: عبودية الله لا غيره، بأمره وشرعه لا بالهوى، ولا بآراء الرجال، وأوضاعهم، ورسومهم، وأفكارهم، بالاستعانة على عبوديته به، لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره).
فهي عبودية بالأمر والشرع، لا بالهوى، ولا بآراء الرجال.
وبالاستعانة بالله، لا بالنفس ولا بالغير، قال: (فهذه هي أجزاء (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)).
لكن الأجزاء ليس كل أحد يستطيع تجميعها، وليس كل أحد يستطيع تركيب الدواء تركيباً سليماً.
قال: (فإذا ركبها الطبيب اللطيف العالم بالمرض، واستعملها المريض حصل بها الشفاء التام، وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر)؛ فلذلك لابد أن ينتبه لهذا.
ثم قال: (ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما: الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ (إياك نعبد)، ودواء الكبر بـ (إياك نستعين)، وكثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء، و (إياك نستعين) تدفع الكبرياء).
فما أحوجنا لأن نفقه مثل هذا الفقه والفهم لهذه الآيات وتحقيقها في القلوب.
стр. 2544
الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى هي علاج لأمراض القلوب
ذكر ابن القيم أموراً جامعة لتحصيل ما به حياة القلب، وحصول محبة الله فيه، فذكر عشرة أسباب هي الجالبة لمحبة الله تعالى فقال: (أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهّم لمعانيه، وما أُريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال، باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
الرابع: إيثار محابه -أي: محابّ الله على محابك عند غلبات الهوى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة.
السادس: مشاهدة بر الله وإحسانه وآلائه ونعمه.
السابع -وهو من أعجبها-: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله .
وذكر عن بعض السلف أنه جمعها بأخصر مما ذكره ابن القيم فقال: (دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين).
فهذه جملة جامعة تبين لنا جماع هذه التزكية، وتوضح دواء القلوب من أسقامها.
стр. 2545
الرضا عن النفس أساس أمراض القلوب
قال ابن القيم رحمة الله عليه كلاماً يبين لنا سبباً رئيسياً هو سبب كل بلية تأتي للنفس، ويقع فيها الإنسان، وذلك هو: رضا الإنسان عن نفسه، فمتى رضي الإنسان عن نفسه عن عبادته عن ذكره عن طاعته، فهذا هو أُسُّ الأمراض وأساس البلاء، يقول رحمة الله عليه: (رضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم عمله بما يستحق الرب ﷻ .
ويبين هذا أكثر فيقول: (وحاصل ذلك: أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما: رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها).
من أنت -أيها الإنسان- وماذا عملت حتى ترضى عن عملك وطاعتك؟! وهل تدرك عظمة حق الله عليك؟! لو أدركت ذلك لرأيت أنك ما أتيت لا بالعشر ولا بمعشار العشر مما ينبغي أن يكون عليه حال العبد المؤمن استفراغاً للقيام بحق العبودية لله .
ولذلك قال بعض السلف رحمة الله عليهم كلمة جامعة هي أصل في هذا الشأن: (أصل كل غفلة ومعصية وشهوة الرضا عن النفس).
نحن كل ما نريد أن نتقيه هو الغفلة والمعصية والشهوة، وأصل هذه جميعها: (الرضا عن النفس)؛ لأن الذي يرضى عن نفسه كيف سيزيد في التذلل لله؟! وما الذي سيدفعه لمزيد من الطاعات لله؟! وما الذي سيدفعه للاستغفار من ذنبه؟! ولذلك فإن من هدي رسول الله ﷺ أنك تستغفر في أعقاب الطاعات، وبعضنا إذا قلت له: استغفر الله وتب إلى الله، قال: الحمد لله أنا على خير!! بسبب جهله بنفسه، وجهله بحق ربه؛ يظن أنه لا يحتاج للاستغفار؟! رسولنا ﷺ كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وفي رواية: مائة مرة -مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- لكن ليعلمنا أن هذا الاستغفار دليل النقص في الإنسان، فينبغي أن تدرك -دائماً- أنك في نقص، وأنك مقصر، إما في الإتيان بالأعمال، وإما في كمالها، وإما في عدم حصول قبولها، وهذا أمر ينبغي أن يفطن له الإنسان المؤمن.
ولذلك ما إن تُسلّم من صلاتك حتى تقول: استغفر الله!! تستغفر الله من أي شيء؟! تستغفر لأنك لم تأت بالعبادة على كمالها لم تستحضر الخشوع التام لم تتذلل التذلل الكامل مع الندم لم تتذوق حلاوة الطاعة ربما غفلت ربما ما استحضرت عظمة الله كما يجب وكل إنسان يتعرض لمثل هذا، قليلاً كان ذلك أو كثيراً، وهذا هو (الفقه) حينما يستغفر الله، حتى قال بعضهم: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار، وحمدنا يحتاج إلى حمد!!) وهذا من فقههم لهذه المعاني، فأنت تستغفر بلسانك، وقلبك لاه غافل، فهذا نوع غفلة تحتاج منك إلى استغفار، وحمدك لله إنما هو محض توفيق من الله أن ذكّرك وألهمك أن تذكره وأن تحمده!! فهذا يحتاج إلى حمد، ولابد أن يكون الإنسان -دائماً- منتبهاً لمثل هذا.
وليعلم أن هذه التزكية هي اللذة التي ذكرها السلف رضوان الله عليهم لما قال قائلهم: (والله! لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف).
فما أجمل أن ينشرح الصدر، وأن يطمئن القلب، وأن تسكن النفس، وأن تجد لذة الطاعة والمناجاة، ولذلك فإن سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة؛ سيماء يحتكرها المؤمن، ولئن توهّم أصحاب الدنيا جنّاتهم في الدنيا والنساء والقصور المنيفة، فإن جنة المؤمن في محرابه!! هذه هي اللذة التي كان يجدها الصالحون المخلصون لله ؛ فتشغلهم عن كل بهرج في هذه الدنيا، وعن كل جاه يصرف الناس إلى أحوال من الدنيا كان ينبغي ألا ينصرفوا إليها، ولذلك متى وجد الإنسان لهذه التزكية فقهها الصحيح، فإنه يتشبث بها ولاشك، ولا يجنح عنها ولا يحيد.
стр. 2546
مجالات تزكية النفس
نشرع الآن في ذكر ما يتصل ببعض المجالات المهمة للتزكية، وكثيرة، وكل واحد منها جدير بالاهتمام -من حيث العلم به، ومجاهدة النفس للعمل به- فنسأل الله أن يوفقنا للإحاطة بجماع القول في مثل هذه المجالات.
стр. 2547
تزكية النفس بالإخلاص
أول هذه المجالات وآكدها: الإخلاص لله وتحرير النية والقصد ابتغاء رضوان الله جل وعلا.
قال الله : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤ - ١٥].
ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣].
إذا صحح العبد إخلاصه لله، فهذا هو بداية تأثره واستفادته من كل ما سيأتي من أنواع الأعمال في تزكية القلوب والنفوس، وهذا الإخلاص ليس مجرد ادعاء، بل هو إخلاص من أعمق أعماق القلب، ومن أعمق أغوار النفس.
هو الإخلاص الذي يؤرق الإنسان ويجعله لا يبغي شيئاً في هذه الدنيا، ولا حتى حظ نفسه، ولا بعض ما يترتب على الطاعة من خير في هذه الدنيا، ولا شيئاً مما يفتح الله به عليه فيها، إنما يبغي فقط رضوان الله .
وتأمل معي موقفاً عظيماً في سيرة أصحاب محمد ﷺ لنرى أن الإخلاص ليس ادعاءً وإنما هو من أصدق المشاعر التي تملك على الإنسان كل جوارحه، وكل تصرفاته، ذلكم يتجلى في قصة البكّائين من أصحاب رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أخلصوا لله بقلوبهم، وأرادوا وجه الله بأعمالهم، لم يكن ذلك خاطراً عابراً ولا كلمة بلسان!! تحركوا وقد اشتعل حب الجهاد في قلوبهم، وقد امتلأت قلوبهم بقصد السعي لمرضاة الله ، فطلبوا من الرسول ﵊ أن يحملهم للجهاد، فقال معتذراً: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩٢].
فماذا كانت الصورة؟! ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]؛ لأنهم كانوا صادقين من أعماق قلوبهم، فحزنوا على فوات هذه الفرصة في الطاعة، وعلى فوات الأجر في بذل النفس لله ، هذه هي حقيقة الإخلاص، حينما يتمكن من القلب، ولذلك فإن هذا الإخلاص له الأثر المباشر في حياة المؤمن وفي الأجر والفضل الذي يسوقه الله له.
ولذلك يقول الرسول ﵊ كما في صحيح البخاري: (من طلب الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
يبلغ مراتب الشهداء، لكن ليس فقط بدون شيء، بهذا الإخلاص الذي هو متملّك للقلب، مستول على النفس.
في الحديث الصحيح عن الثلاثة النفر الذين آواهم المبيت إلى غار فسقطت الصخرة فسدّت عليهم باب الغار فقالوا: لا نجاة لكم إلا أن يدعو كلٌ منكم ربه بأخلص عمل قدمه لله ، فلما دعوا انتقوا أخلص أعمالهم التي ما عملوها إلا ابتغاء وجه الله ، فلما ذكر الأول عمله وتوسل إلى الله به فرج الله عنهم قليلاً، ثم الثاني، ثم الثالث، ففرج الله عنهم ببركة الإخلاص لله .
فانعدام الإخلاص هو رأس كل بلاء يحل بالنفس والقلب، والشرك والرياء أعظم موجب لموجبات العذاب في الآخرة، كما ورد في الحديث الصحيح عن الثلاثة الذين هُم أول من تُسعّر بهم النار: قارئ للقرآن، ومجاهد، ومنفق متصدق، لكنهم لم يعملوا ذلك ابتغاء مرضاة الله، فَهُم أول من تُسعّر بهم النار، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء).
قال الجنيد ﵀: (الإخلاص سرّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوىً فيميله)، فهو من خفائه على هذه الصورة.
قيل لـ سهل التستري رحمة الله عليه: أي شيء أشد على النفس؟ -يعني: أي شيء أصعب عليها؟! هل هو العبادة؟! هل هو الإنفاق؟! هل هو الطاعة؟! - فقال: (الإخلاص -هو أشد شيء على النفس- لأنه ليس لها فيه نصيب!!) فالمخلص لا يريد شيئاً لنفسه -حتى لنفسه- لا يريد!! إنما يعمل لأجل الله وابتغاء رضوانه؛ ولذلك حينما تتأمل تجد أن الإخلاص هو المفتاح الذي يؤدي إلى ما بعده من الفضائل.
يقول ابن القيم: (أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة هم أهل (إياك نعبد) حقيقة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لله وحده لا يريدون من ذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور) عدوا الناس من حولهم كأنهم موتى، لا يثنون عليهم بخير، ولا يذمونهم بمعصية، فمن تجرد هذا التجرد، تحقق له كمال الإخلاص.
فهل نحن لا نحتاج إلى مثل هذا التسليم؟! وهل يدعي أحد أنه قد عالج قلبه وجاهد نفسه؛ ليتحقق بمثل هذا الإخلاص الكامل التام غير المنقوص، الذي لا تشوبه شائبة، ولا تخالطه أية صورة من صور الصرف عن وجه الله ؟! نظن أن أكثر الناس -إلا من رحم الله- لم يَصِل إلى مثل هذا الأمر، يقول ابن القيم: (جعلوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فالعمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع لا يكون من عارف بهم ألبتة)، من أراد وجه الناس فهو لا يعرفهم؛ لأنهم لا يملكون له شيئاً، ولو كان يعرف ذلك لانصرف لله .
وآثار السابقين تدلنا على أهمية الإخلاص والنية، يقول هشام بن عبد الملك في وصف عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: (ما أحسب عمر خطا خطوة قط، إلا وله فيها نية) أي: نية إخلاص وطاعة وقربة لله ، خطوة من أي عمل مما قد يظنه الناس من أعمال الدنيا أو من أحوال ومصالح المعاش، فكيف ونحن قد نقبل على طاعات وعبادات مفروضة، ولا نستحضر أو نستخلص ونصفي وننقي هذه النية لله ؟! ولذلك كان من أثر هذا النهج في عمر بن عبد العزيز أنه أصلح الله به أحوال الأمة كلها، في أحوال قلوبها، وفي أقوال ألسنتها، وفي مالها وخيرها ورخائها، وفي أمنها وأمانها، وفي فتحها ونصرها، وفي درء الشر عنها وكل ذلك في أقل من سنتين، مما لم يكن لمن كان قبله من بني أمية ولمن جاء بعده من بني أمية وبني العباس، فإنه لم يتحقق لهم مثلما تحقق على يديه في هذا الزمن اليسير، إنها بركة الإخلاص والنية لله .
وانظروا إلى الأثر العملي للإخلاص في التوفيق فيما ذكرناه عن عمر من الأثر العام في الإصلاح، يبينه لنا سليمان بن عبد الملك، فإنه لما أدركته الوفاة قال: (لأعقدن عقداً ما يكون للشيطان فيه نصيب)، وكان هذا العقد أن عَهِدَ بالخلافة لـ عمر فلم يُراعِ في ذلك أبناءه، ولا إخوانه، ولا الناس في ذلك الوقت، عند وفاته واحتضاره أراد أن يتقرب إلى الله بعمل خالص، وقال: (لأعقدن لله عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب)، فلما عقد هذا العقد بهذه النية وذلك الإخلاص أثمر ووُفّق في عقده، فـ عمر بن عبد العزيز ربما كان أعظم حسنات سليمان بن عبد الملك رحم الله الجميع؛ لأنه ساق للأمة هدية صلُح بها حالها.
ومن ثمار الإخلاص: التوفيق للصواب؛ ولذلك قال الكيلاني رحمة الله عليه: (كن صحيحاً في السر تكون فصيحاً في العلانية)، لا يوفق ولا يُسدّد ولا يُصوّب إلا من كان على درجة من الإخلاص عظيمة.
وقال مكحول: (ما أخلص عبدٌ قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).
وهنا مسألة ذكرها القاضي عياض ﵀، وهي: قد يقول قائل: سأُخلِصُ أربعين يوماً حتى تأتيني الحكمة! فهُنا بَطُلَ الإخلاص؛ لأنه لم يُخلص لله، بل أخلص لنيل الحكمة!! وهذا مما ذكره العلماء من شدة خفاء الإخلاص ودقته، فمن بركات التزكية وثمارها -كما سيأتي-: أن الله يمن على الإنسان بالرؤيا الصالحة، وبالخير الذي يساق إليه، فإذا قصد مثل هذه الأمور فقد انصرف عن كمال الإخلاص لله .
ولذلك يقول التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير: (بل هو -أي: الإخلاص- مفتاح كل خير وصلاح، وهو أول الأمر وآخره) ويقول: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية، ومن صَفَى صُفّي له، ومن خَلَط خُلِط عليه).
إذاً: الأمر كله مداره على الإخلاص، ولذلك فإن ما نعانيه من غفلة أو من عدم حصول لذة في الطاعة إنما هو من هذا التخليط، (من صَفَى صُفّي له، ومن خَلَط خُلِط عليه) وهذا جماع الأمر، ومن جميل كلام الرافعي رحمة الله عليه -وهو كلام أدبي لكنه يدلُّ على فهم وإدراك طبيعة النفس-: (إن الخطأ الأكبر أن تُنظّم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك!!).
فتنظم مواعيدك، وتنظم عملك الدنيوي، وتنظم عمل دراستك، وتترك الفوضى في قلبك مشتتاً موزعاً في أودية الدنيا، ليس موجهاً لله !! فإن هذا تعارض وتناقض ينبغي أن ينأى الإنسان بنفسه عنه.
قال ابن القيم عن حقيقة الإخلاص: (فيه تصفية العمل من رؤيته وملاحظته، وطلب العِوَض والرّضا به، والسكون إليه)، فالإنسان ينبغي له أن يُخلّص قلبه من (رؤية العمل)، يعني: أن يرى أنه عمل وأنه قدّم، وهذا ينبغي أن يكون أيضاً موضع عناية واهتمام؛ لأن الإنسان ينبغي له ألا ينظر إلى عمله، وأن له فيه فضلاً، أو أنه مُمتنّ به على الله -عياذاً بالله- كلا! ولكن إلى ماذا ينظر؟ ينظر إلى أن هذا هو توفيق الله ، وإلا فالنفس كُلّها أمراض، وأدواء، وشهوات، فمن الذي أعانه على نفسه حتى أخلص لله؟! ومن الذي وفقه للعمل؟! هو الله .
قال الله مُمتناً على رسوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾
стр. 2548
تزكية النفس بالهمة العالية
ننتقل إلى أمر آخر في تزكية النفس وهو: (الهمة)؛ لأن الذي أخلص لله لا تكفيه النية فقط، كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب!! أو يقول: أنا مؤمن بقلبي! هذا كله محض ادعاء.
إنما بعد النية لابد من الهمة في طلب الطاعات، ومعالي الأمور، ومرضاة الله ، فيما يحبه جل وعلا وإن كان شاقاً، وإن كان مخالفاً للنفس.
ولذلك كلما أخلص الإنسان ارتفعت همّته في طلب الطاعات، والوصول إلى رضوان الله .
والنفس بطبيعتها دنيئة، فما لم ترفعها بالهمة العالية، فإنها تبقى في الدرك الأسفل، راكنةً إلى الدنيا متلطخة بأوحالها وأوضارها، ومن جميل قول عبد الوهاب عزام: (إن الإنسان لابد أن يأخذ نفسه بالهمة ليرفعها حتى تُحلّق)، ويقول عن النفس: (إن لم تشغلها بالعظائم، شغلتك بالصغائر، وإن لم تُعملها في الخير، عملت في الشر، إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين، ونفوراً عن المكروه والشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورُضها وسُسْها على المكروه الأحسن حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنيئة، وتربأ عن كل صغيرة، علّمها التحليق تكره الإسفاف، عرّفها العز تنفر من الذل، وأذقها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة).
متى ما ذاق الإنسان لذة الإخلاص والطاعة علت همته في مثل هذا، ولذلك يقول ابن القيم في فوائده: (الكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية -مع العمل القليل- أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق!!).
فهذا ينبغي أن يفطن له الإنسان المؤمن، وهذه التزكية والهمة لها آثارها الحسنة بلاشك، التي فيها نور القلب، كما قال بعضهم: (استجلب نور القلب بدوام الجد).
أي: باستحضار الهمة والجد في الطاعات.
ثم إذا جاءت الهمة، فأي باب من الأبواب تصرف فيه الهمة؟! أول باب من أبواب الهمة، وهو أعظم باب في الأمور العملية باب الفرائض، وأدائها، والمحافظة عليها، وكمالها، وقد يقول قائل أيضاً: إن الفرائض أسهل الأمور، يعني أن كل أحد مقبل عليها ومطبّق لها.
فنقول: نحن نحتاج إلى فقه في مثل هذا الأمر، لندرك أثر هذه الفرائض في التزكية، وكيف يكون كمالها، ليحصل كمال التزكية.
يقول بعض السلف: (لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع!!).
فانظر إلى هذا التدرج، كم في التزام الفرائض من وقاية للقلب من مثل هذا الزلل والزيغ؟! نسأل الله السلامة، والحديث القدسي عن النبي ﷺ عن رب العزة والجلال يؤكد أهمية الفرائض، وهو قوله جل وعلا في الحديث: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).
وأيضاً يوجد حديث عجيب يبين لنا أهمية هذا الأمر، والحاجة إليه، وأن القضية تحتاج إلى كمال في أداء الواجبات، والله جل وعلا ما قال: صلوا! وإنما قال: (أقيموا الصلاة)؛ لأن قيامها يحتاج إلى أمور كثيرة، يقول أبو الدرداء: (كنا مع النبي ﷺ ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يُختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدرون منه على شيء.
فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يُختلس منا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا -فلم يفهم زياد إلا مجرد الظاهر- فقال له النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا زياد! إن كنتُ لأعُدّك من فقهاء أهل المدينة! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! قال جبير بن نفير -راوي الحديث-: فلقيت عبادة بن الصامت فقلت له: ألا تسمع ما يقوله أبو الدرداء؟! قال: صدق، إن شئتَ حدثتك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه خاشعاً) رواه الترمذي.
إذاً: أليست الفرائض بحاجة إلى أن تكون أول زاد يُقبِل به العبد على الله ، تزكية لنفسه مع استكمالها، والإتيان بها على وجهها؟! والذي يتأمل يجد النصوص في أمر الفرائض كثيرة، فإن هذه الفرائض -من حكمة الله- هي أعظم ما يزود القلب والنفس بالخير، والتزكية والتطهير، مثلاً: يقول النبي ﵊: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة).
والآثار، والأذكار، والأحاديث الواردة في أمر الصلاة، وفضل شهودها في الجماعات كثيرة جداً.
لماذا كل هذا التقديم والتفضيل والتعظيم؟ إنما هو لما لها من عظيم الأثر، والفوائد الكثيرة، وهناك شواهد يحتاج الإنسان أن يتأملها في سيرة السلف؛ حتى ندرك هل نحن قائمون بالأمر كما يجب؟! قيل للأحنف بن قيس: إن فيك أناة شديدة -يعني: تُؤَدة وبصيرة وتروّي- فقال: قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها!! وهذا المعنى يمر علينا مرور الكرام دون أن نتأمل فيه، لكن لو تأملنا: هل يعجل الإنسان إلى صلاته إذا حضرت؟! وأنا هنا أخاطب كثيراً من الملتزمين، والوعاظ، والطيبين، والصالحين فضلاً عن غيرهم، فتجد الواحد منا حين يؤذن المؤذن يقول: ما زال هناك وقت إلى الإقامة!! وما تأتي فريضة من الفرائض إلا وتجد هناك جمعاً ليس بالقليل يقومون لقضاء ما فاتهم من صلاتهم.
واستمع إلى ما قيل في وصف إبراهيم بن ميمون في سمته، قالوا: كان فقيهاً، وكانت صنعته الحدادة، قال ابن معين: كان إبراهيم بن ميمون إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردّها!! ولم يكمل طرقته.
انتهى الأمر الآن، وانتقل من حال الدنيا إلى حال الآخرة، سارع إلى الطاعات وأجاب نداء الفريضة.
هذا السِّباق هو الذي يؤهل النفس لأن تقبل على الطاعة، وأن تكون مهيأة بفراغ الوقت، وفراغ العقل من الشغل، والتقرب بالتلاوة والذكر والاستغفار والدعاء.
إذا أراد أحدنا أن يحضر مناسبة أو وليمة، هل يذهب دون أن يتفقد هيئته ولباسه وسمته؟! ثم هل يذهب متأخراً لا يبالي هل يدرك الوليمة أم لا؟! فكما أننا نتهيأ لمثل هذه المناسبات -بل ونسارع إليها- فالأجدر بنا أن نولي أعمال الآخرة اهتماماً أعظم!! ولو تأملنا سير السلف وشدة مسارعتهم إلى الطاعات لرأينا أن الفرق بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا.
هذا بشر بن الحسن يُلقّب بالصَّفي -نسبة إلى الصف- لماذا؟ قالوا: لأنه لزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة.
وربما لو أراد أحدنا أن يواظب على الصف الأول خمسين يوماً لعجز عن أن يتم نصف هذه المدة!! بل كم من المرات تفوتنا الجماعة ثم نصلي متأخرين أو منفردين.
واسمع إلى سليمان بن حمزة المقدسي ماذا يقول عن نفسه؟! يقول: لم أُصلّ الفريضة قط -منفرداًً- إلا مرتين، وكأني لم أصلّهما.
بينما ربما نحن في اليوم الواحد أحياناً نصلي الفريضة منفردين مرتين أو أكثر، والجاد منا قد يصلي الفريضة في الأسبوع مرتين أو أكثر منفرداً!! سيما الفجر أو بعض الفروض، نسأل الله السلامة.
المقصود: أن تكون الهمة والخشوع على أتمّ وجه وأكمله في الصلاة وكذا في بقية الطاعات، فليس المقصود -فقط- الظواهر التي تبدو للناس.
ولذلك فَقِهَ السابقون هذا الأمر، فقد روي عن أحدهم أنه قال: (إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه) أي: إذا تهاون في التكبيرة الأولى -تكبيرة الإحرام- مع الإمام، فاغسل يدك منه.
يعني: أنه ليس على رسوخ في الطاعة، والإقبال، والإخلاص، والتزكية لنفسه كما ينبغي أن يكون.
وهذا الأمر لا شك أنه ظاهر من حيث المعنى الظاهر والحكم، لكننا نفتقد كثيراً من جوانبه من حيث التحقق التام والكامل.
والحق أن المجالات المتبقية من التزكية فيها من النصوص والقول والتطويل شيء كثير، ولها أهميتها العظمى والكبرى، فبعد أداء الفرائض هناك النوافل، وقيام الليل على وجه الخصوص؛ لأن فيه خلوة، والخلوة يحلو فيها الذكر، والذكر من المواضيع المهمة، ومن أهم أبواب الذكر ذكر الآخرة والموت، وهو من أعظم أسباب حياة القلوب.
ومن بعد ذلك كله تزكية النفس في معاملتها مع الآخرين ومع الناس أجمعين، ثم آثار هذه التزكية، وليس من الممكن مطلقاً أن نوجز القول فيما بقي من هذه الأمور المهمة؛ لأن طيّها والعجلة فيها يبخسها حقها، ويحرمنا من نفعها في الحقيقة، خصوصاً وأنها تتعلق بكثير مما نحتاج إليه جميعاً.
стр. 2549
الأسئلة
стр. 2550
ذكر المراجع والمصادر في المحاضرات
السؤال
حبذا لو تذكر المرجع والمصدر، مع الجزء والصفحة عند نقل النصوص.
الجواب
هذا قد يكون مستحسناً، ولكن كما يُقال: هذا سرُّ الصنعة، فلو ذكرت المراجع لانتهى الأمر، لكنها ملاحظة جيدة نذكرها في الدروس القادمة إن شاء الله.
وبالجملة: فإن كثيراً من كلام ابن القيم رحمة الله عليه مستقى من مدارجه وفوائده، ففيهما الكثير مما يتعلق بهذه المعاني، وما ذكرت من القصص أكثره من سير أعلام النبلاء، ومن تراجم بعض العلماء والصالحين مما يناسب مثل هذه الموضوعات، وكذلك من كتب معاصرة مثل: (كتاب الرقائق) للراشد، فإن فيه أيضاً جملة من المعاني المتعلقة بتزكية النفوس وتطهير القلوب.
ولكن ذكر المراجع والمصادر فيما ينقل من نصوص قد يصرف -أحياناً- عن مقصود الدرس والتفاعل معه بالنسبة للذي يلقيه، فلو ذكرنا أحياناً المصدر، ومرة أهملناه، فلا بأس إن شاء الله.
ومن أراد مزيداً من ذكر المصادر فيمكن -بطلب خاص- أن يُعطى ذلك.
стр. 2551
أحداث الجهاد في أفغانستان وواجبنا تجاهها
السؤال
نرجو تبشير المسلمين بأخبار المجاهدين الأفغان؟
الجواب
الحق أن هذه التذكرة جيدة، ومناسبة ومهمة في نفس الوقت، وإن كان سبق -بفضل الله وتوفيقه- الحديث في خطبة الجمعة عن هذا الموضوع.
وخلاصة الأمر بالنسبة للأخبار، من ناحية الوقائع: أن الله يسّر وتفضل على عباده المجاهدين في أرض أفغانستان بأن سهل لهم جملة من الانتصارات المتوالية يوشك إن شاء الله جل وعلا أن تتم بتمام النصر وسقوط الأعداء ودولتهم، واندحار قوّتهم بإذن الله.
فقد استسلمت حامية قندهار، وسقطت كثير من المناطق حول كابل مثل: قندس، ودرديز، وبعض المناطق الأخرى، وسقطت أيضاً قاعدة باجرام، ومطار كابل أيضاً، وكذلك منذ قريباً من ليلتين تقدم المجاهدون واستولوا على منطقة من ضواحي كابل اسمها: خير خان.
والأخبار تذكر أنهم في تقدم مستمر، وأنهم الآن في داخل كابل، وما زالت هناك معارك مستمرة، نسأل الله أن يوفق وأن يتمم لإخواننا نصرهم.
ألخص ما ذكرته في خطبة الجمعة من الكلام عن واجبنا نحو هذا النصر فأقول: أول واجب: هو الشكر، فقد ورد أن النبي ﵊ لما دخل مكة فاتحاً دخلها وهو مطأطئ رأسه وهو على ظهر دابته شكراً لله ، فإنما النصر من عند الله ، فينبغي أن نشكر الله -جل وعلا- على هذا الأمر.
الأمر الثاني: أنا نلمح -والله أعلم- أن هذا النصر في هذا الوقت يأتي برداً وسلاماً على عباد الله المؤمنين، إذ إن الهجمة تشتد ضراوتها على المسلمين، والعذاب والابتلاء يُصب عليهم، وحرب الإبادة تضربهم وتحيط بهم في كثير من البلاد، سواء في البوسنة والهرسك أو في غيرها.
أيضاً نجد أن هذا الأمر يحيي الأمل في القلوب، ويفرح المسلمين، وكما يتحدث الناس عن النكبات، وعن الكوارث، والدماء والمصائب المتوالية على الأمة، فكذلك يأذن الله بأن نتحدث عن فتح وفرج ونصر من الله !! وأشرت أن في ذلك دروساً عديدة: منها: أن النصر مع الصبر، فلما صبروا وصابروا أكرمهم الله بهذا النصر، وهذا بسبب الثقة بالله، وبدين الله، وبوعد الله، فلو لم يثقوا لانقطعوا وما صبروا.
كذلك من الدروس: الصورة الواقعية لوحدة المسلمين، إذ انخرط في هذا الجهاد أبناء الإسلام على اختلاف جنسياتهم وبلدانهم في غالب الأحوال، فإن تلك الديار كأنها جامعة للدول الإسلامية، هذا من بلد، وذاك من بلد، وذاك من بلد، ليدللوا على أن الرابطة هي رابطة الإيمان، وأن الذي يجمع الناس هو دين الإسلام.
وأيضاً: بيان أن طريق جني الثمار إنما هو الأعمال لا الأقوال!! وكم قلنا وقال الناس وعقدت المؤتمرات والتوصيات في قضية فلسطين منذ أكثر من أربعين سنة فما حُلّت إلى الآن، والأفغان طال جهادهم، لكن السنوات التي قضوها في ذلك لحل قضيتهم أقل بكثير مما يقضيه الكثير من المسلمين لحل كثير من قضاياهم؛ لأنه ليس هناك سوى أنهم يخططون ويقولون ويعيدون، ولم يتقدموا بخطوات عملية، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، فهذا معنى مهم.
ودورنا يتمثل في أن نبادر -ونستمر- بالإلحاح في الدعاء، وكذلك تقديم البذل والعطاء، لأن بعض الناس يقول: انتهى الأمر فقد انتصروا!! وحتى لو انتصروا، وفتحت البلاد لهم، أليست هناك الحاجة لإقامة دولة؟ أليست هناك مشكلات مترتبة: عمران، وأيتام، ومشكلات أخرى؟ أنت لو أردت أن تقيم مدرسة وأُعطيت المبنى كاملاً، وأُعطيت كل ما يلزم لإقامة المدرسة ستظل أيضاً في حيص بيص حتى تُعان بأمور كثيرة؛ كي تقوم بما عليك، وتستطيع أن تكمل هذا المشروع الصغير، فماذا تقول في مثل هذا الأمر العظيم الكبير؟!! الأمر الثاني: على العلماء والدعاة وأصحاب الكلمة المسموعة أن يبادروا بالزيارة للتهنئة، وأيضاً لإبداء المشورة والرأي، وتأليف القلوب، والتقريب بين وجهات النظر، وإزالة كل أسباب الاختلاف أو تباعد وجهات النظر، وقد كان لتجربة سابقة -في أحداث كونر- أثر بالغ حينما قام بعض العلماء بالزيارة؛ فكان لهم كلمتهم المسموعة وأثرهم الطيب في تأليف القلوب وتحسين الأوضاع، وهذا من أهم الأمور.
الأمر الثالث: أن الدول الإسلامية مطالبة بالتأييد ومدّ يد العون، وسرعة تثبيت هؤلاء المجاهدين؛ ليتمم الله لهم إقامة دولة الإسلام في تلك الديار، والله نسأل أن يجعل في هذه الأمور كلها خيراً -إن شاء الله- للإسلام والمسلمين.
وهناك من يتساءل عن دور العلماء والدعاة فيما يجري للمسلمين من الابتلاء في بعض الديار الإسلامية، مثل: تونس والجزائر وغيرها، والحق أن مثل هذا الأمر أول ما يجب فيه الحاجة إلى معرفته، وتتبع أخباره، وأن نُحسّ بارتباطنا بأخوة الإسلام والإيمان، فنتفقد أحوال إخواننا ونسمع أخبارهم، ونحن حين نسمع هذه الأخبار فلابد أن نسمع ما يثير الفزع في القلوب، ويدميها حزناً وألماً، ولكن هذا يفيدنا في معرفة ضراوة الأعداء.
ليست المسألة فقط مسألة السجن ولا الضرب، وإنما كل ألوان الفتنة والتعذيب بما لا يتصوره عقل، وهذا ليس بمبالغة، فمن سمع وتتبع فسيجد أموراً لا تخطر على عقول شياطين الجن، ولكن عملها شياطين الإنس من الظلمة والطغاة عليهم من الله ما يستحقون! وواجبنا الدعاء والعطاء، وأن نوطن النفوس على أن تكون أعظم إخلاصاً لله، وقرباً منه ؛ ليكون في ذلك صلاحنا وصلاح إخواننا إن شاء الله.
стр. 2552
قسوة القلب والاغترار بفعل الطاعات وثناء الناس
السؤال
سائل يسأل عن قسوة القلب، وما السبيل إلى لين القلوب، ثم يقول: عندما أعمل الطاعات أو أي عمل خير كصوم التطوع أفرح بذلك، ويداخلني الغرور إلى نفسي، ولكن ما أن تنقضي تلك الطاعة حتى أعود إلى الغفلة؟!
الجواب
أما الأمر الأول: ينبغي للإنسان ألا يُجحف نفسه، فإن الشيطان يُلبّس عليه، لاشك أنك تفرح إن كنت طائعاً، هل تحزن إذا أطعت الله؟ لا.
ولكن -انتبه! - لا تفرح فرح الغرور، ولو ذكر الناس خيرك فاحمد الله، ولكن لا تجعله سبيلاً إلى فتنة قلبك وصرفك عن مراد الله، فإن النبي ﵊ -كما في صحيح مسلم - سئل عن ذلك قال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن).
فمن تعجيل البشرى للمؤمن بالقبول: أن يثني عليه أهل الإيمان والصلاح والخير، وأمة الإسلام لا تجتمع إلا على خير حتى في ثنائها وفي تزكيتها، مرت جنازة على الصحابة فأثنوا عليها خيراً فقال ﷺ : (وجبت)، وأثنوا على الأخرى بشر فقال: (وجبت)، ثم قال: (أثنيتم على الأولى خيراً فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الأخرى شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
فاجتماع الصالحين والأخيار على شيء فالغالب أنه يكون حقيقة، فيفرح الإنسان بمثل هذا، لكنه ينقص نفسه مقدارها، ولا يرضى بالوصول إلى هذا الحد، بل يطلب المزيد، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن.
стр. 2553
ترك العمل بحجة عدم الإخلاص
السؤال
بعض الناس -وخاصة الشباب- يتركون بعض الأعمال الصالحة ويزهدون فيها كحفظ القرآن، والصلاة في القيام، ونحوها من العبادات، بحجة أنه قد يصيبهم الرياء وعدم الإخلاص؟
الجواب
قال الفضيل: العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
كيف يدخل عليهم الرياء في قيام الليل؟ أنت تقوم في الليل في بيتك حيث لا يراك أحد، حتى ذُكر في وصف بعض السلف -من شدة حرصهم على الإخلاص- أنهم عند قيام الليل لا يشعلون أنوارهم حتى لا يعلم أنهم استيقظوا!! ففي قيام الليل لن توقظ الجيران أو تعلن لأهل البيت، فهذا أمر من الأمور التي سيأتي ذكرها إن شاء الله، وفيها قُربٌ من الإخلاص.
стр. 2554
الحقد على المسلمين أو بغضهم من أمراض النفوس
السؤال
أشعر -أحياناً- بحقد وبغض على إنسان!! ولكني أحاول التغلب على ذلك بالدعاء، فما نصيحتكم؟!
الجواب
هذا يأتي في مسألة معاملة الآخرين، وأذكر مقالة واحدة تُبين لنا خطورة هذا الأمر، وفي نفس الوقت أهميته: كتب رجل لبعض الصالحين من السلف يقول له: إني أحسبك من أهل الصلاح والخير، فاذكر لي ما أنت عليه كي أصنع مثله؟! فماذا ردّ عليه ليبين لنا فقه الأمر، ومعرفة النفوس؟ قال: أتاني كتابك، تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، فأُخبرك أنني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها، وتكره لهم ما تكره لها، فإذا هي من ذاك بعيدة.
ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكر الناس إلا من خير، فوجدت الصوم في اليوم الحار أيسر عليها من ذلك! هذا أمري، والسلام!! وهذا يدل على أن مغالبة النفوس أمر صعب، ولم يبعد ابن القيم لما قال: إن الرياء والحسد، والسرور والفرح بأذى المسلمين، والشماتة بهم أعظم الكبائر، بل قال عين الحق وعين الصواب، رحمة الله عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2555
الصفحة الجديدة
النفس البشرية بطبيعتها تميل إلى الشهوات والملذات والهوى، ولهذا تقع في الأخطاء والذنوب، ولكن يجب على العبد أن يحاسب نفسه، ويمنعها عن الشر، ويدفعها إلى الخير دفعاً، وإن وقع في شيء من المعاصي والهفوات فليرجع إلى الله ، وليتب إليه، وليفتح صفحة جديدة يحرص أن يملأها بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله .
стр. 2556
أحوال الناس في بداية كل أمر ونهايته
الحمد لله، الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء، ليس قبله شيء ولا بعده، وكل شيء هالك إلا وجهه، أنزل كتبه، وأرسل رسله؛ ليوضح منهجه، وليهدي خلقه، أحمده هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه كافة للناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الصفحة الجديدة موضوع مناسب لهذا المقام مع ختام العام، وكثيراً ما نسمع البداية الجديدة التي يتنادى لها الناس في أحوال حياتهم المعتادة كلما عرض لهم عارض أو جد في حياتهم جديد.
فالطالب في بداية عامه يبدأ صفحة جديدة فيها منهج جديد يتلقاه على أيدي معلمين أكفاء، ثم يجتهد ويبذل وسعه وطاقته، ثم يتعاون في تحصيل العلم مع زملائه وأقرانه، ثم يخوض غمار الامتحان، ويوم الامتحان يكرم المرء أو يهان.
والتاجر في نهاية عامه المالي ينظر فيما سلف ومضى، ثم يبدأ صفحة جديدة يتلافى فيها أخطاء الماضي، ويزيد من إيجابياته، ويشق طرقاً جديدة، ويفتتح آفاقاً وأعمالاً عديدة، وهو في ذلك أيضاً يختط لنفسه منهجاً، ويضع لنفسه قانوناً، ثم إنه يحاول أن يستفيد من خبرة غيره، وأن يدرس ما سلف من المشروعات التي مرت بغيره، ثم بعد ذلك يبذل جهده من عقله وفكره ومن وقته وراحته ومن تخطيطه وتدبيره حتى ينجح، ويتعاون بعد ذلك مع غيره؛ لأن مبنى الحياة على التعاون، ثم بعد ذلك يأتي في آخر عامه لينظر في حصيلته من الربح والخسارة.
وهكذا إذا كان بين بعض الناس خصام، وجاءت الفرصة للصلح والوئام قالوا: نفتح صفحة جديدة ننسى فيها الماضي، ونبدأ بداية تقوم على أسس صحيحة، وهذا نجده في حياة الناس في كل يوم وكل ظرف، ونجد عندهم في كل مرحلة عزماً جديداً وتوجها يبغون به المضي نحو الأفضل والأكمل والأحسن، وتحصيل ما يعود عليهم بالراحة والطمأنينة والسكينة، وهذا الأمر في الرحلة الكبرى، رحلة الحياة الدنيا، رحلة العبد المؤمن على هذه الأرض وهو يمضي إلى الله، وهو يمضي إلى أخراه، وهو يمضي إلى موقفه بين يدي الله، فينبغي أن يجدد كثيراً، وأن يعاهد مرارا ً وتكراراً، وأن يجدد صفحة حياته مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة.
стр. 2557
رحمة الله بالخلق
ومن رحمة الله جل وعلا أن هذه الصفحة الجديدة تأتي في آخر العام بعد موسم عظيم من مواسم المغفرة لحجاج بيت الله الحرام، ولغيرهم أيضاً بالفضائل التي ساقها الله جل وعلا لمن يعمل الخير ويبذل فيه في تلك الأيام المباركة، فكأن الفرصة مواتية لبدء هذه الصفحة الجديدة.
فلن ننسى ما مضى، ولكننا نتعظ ونعتبر به، ونحمد الله جل وعلا أن محا عنا الذنوب والخطايا، وحط عنا السيئات والرزايا، وهيأنا بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة ونفوس راضية وعزائم ماضية، لنمضي إلى طاعته ورضوانه وقد استشعرنا خفة الحمل الذي كان يرزح فوق كواهلنا من المعاصي والذنوب والخطايا والآثام، وشعرنا بذلك الندم الذي يكون له في القلوب وخز وفي النفوس ندم وفي العيون بكاء؛ حتى نهيئ أنفسنا لنقبل على الطاعة ولنسابق إلى الخيرات.
ونجد كذلك الفرصة مواتية لما في آخر العام من ذكرى هجرة المصطفى ﷺ ، تلك الهجرة التي تبين لنا كيف كان النبي ﷺ النموذج القدوة، وكيف ينبغي أن نمضي إلى طاعة الله، ورضوانه، فنتخطى في ذلك الصعاب، ونتجاوز العقبات، ونمضي ونحن على ثقة بوعد الله، وعلى ثقة بنصر الله؛ لأننا نمضي على منهج الله.
الصفحة الجديدة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا، وينبغي أن يجعلها كل منا نصب عينيه، ولعلنا في هذا المقام نذكر أنفسنا بما ساقه الله جل وعلا لنا؛ لنكون دائما ًفي هذه الحياة الدنيا على صفحة جديدة وفي بداية حميدة إن شاء الله تعالى.
فكما قلت في شأن الطالب وفي شأن التاجر: ثمة منهج ينظر أحدهم فيه، وثمة معلم يرشد إليه، وثمة جهد يبذل في سبيله، وثمة تعاون يتعارض فيه الأقران أو الأصحاب ليحققوا ثمرته، ثم بعد ذلك ثبات واستمرار ومضي حتى يلقى المرء غاية جهده وثمرة عمله.
стр. 2558
القرآن الكريم منهج كامل شامل
والله قد جعل لنا ما هو أعظم من ذلك في سيرنا إليه وفي مضينا إلى طلب رضوانه وفي السعي إلى نيل جنانه، فإنه جل وعلا قد جعل لنا المنهج النظري الكامل، وذلك في القرآن العظيم، القرآن الذي جعله الله المعجزة الخالدة للرسول الخاتم ﵊، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
فكل شيء من حاجة الفرد والجماعة والأمة في هذا القرآن، وكل شيء من حاجة القلب والنفس والبدن في هذا القرآن، وكل شيء من حاجة الحياة الدنيا والأخرى في هذا القرآن، لقوله جل شأنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، فلا شيء أكمل ولا أهدى ولا أقوم من نهج القرآن، فإنه يهدي للتي هي أقوم في أي شيء وفي أي مجال، وتبقى الآية مطلقة لتعلم المسلم أن القرآن يهدي للتي هي أقوم في شأن الدين وفي شأن العبادة وفي شأن الدنيا وفي شأن السياسة وفي شأن الاقتصاد وفي شأن الأسرة وفي شأن الحياة الاجتماعية والقضائية، وفي كل شيء من نواحي هذه الحياة، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل شيء يحتاج إليه العبد في هذه الحياة.
قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١٠٥]، ويبين الحق جل وعلا ذلك التفصيل العجيب الكامل النادر في القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]، أي: فيه تفصيل كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩].
فأي فضل أعظم وأي منة أكبر على أمة الإسلام من قرآن تكفل الله بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وذكر كماله فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]؟ فلا نحتاج إلى تفكير ولا إلى تدبير، ولا نحتاج إلى مقارنة ولا إلى مقايسة، ولا نحتاج إلى اقتباس؛ فإن بين يدينا منهجاً ربانياً قرآنياً كاملاً يشمل الحياة الدنيا والحياة الأخرى وما فيهما، ويشمل كل شيء في هذا الوجود، فالله جعل لنا المنهج الذي نسير عليه، ونجعل سيرتنا مرتبطة به.
ولذلك أخي المسلم! الصفحة الجديدة تقتضي صلة بالقرآن وطيدة، فرطب به لسانك، أحي به قلبك، واشغل به عقلك، وليكن أنيسك في وحشتك، وليكن نورك في ظلمتك، وليكن منهجك في حيرتك، فإن هذا القرآن شفاء القلوب وجلاء الهموم والأحزان، كما قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمؤمنين﴾ [الإسراء:٨٢]، إنها نعمة بين أيدينا وجوهرة ثمينة غالية أهداها الله إلينا، فأين نحن منها؟! وأين نحن من التعلق والالتزام بها؟! والله قد دعانا إلى أن تكون صلتنا بالقرآن أعظم صلة، وأن نجعل الألسنة دائما تتلو القرآن، كما قال جل وعلا في أمره لرسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢]، وكما بين في شأن أوصاف أهل الإيمان وما لهم من الثواب والإكرام والإحسان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠].
والأذن ينبغي أن تنال حظها من القرآن استماعاً وإنصاتاً؛ ليخلص إلى شغاف القلب وإلى أعماق النفس، فينفض غبار الشهوات، ويبدد ظلمات الشبهات، ويبعث النور وضيئاً في قلوب المؤمنين، قال : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
والعقل ينبغي أن ينشغل به؛ لأن الله دعانا إلى التدبر، ونعى على غير المتدبرين فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فينبغي لنا أن نتذكر هذا الأمر، وأن نتذكر أن الكون والوجود كله منصت لهذا القرآن؛ لأن الله أخبرنا أن الشمس والقمر والشجر والدواب كلها تسجد لله ، وكلها تسبح بحمده، وكلها تستجيب لأمره، والمسلم إذا مضى على منهج القرآن كان مع هذا الكون المسبح للرحمن، وإذا خالفه كان شاذاً فريداً بعيداً غريباً طريداً، ولذلك من نعمة الله على أهل الإيمان أن جعلهم الله مع الخلق، كما هو شأن الإنس، وكذلك هو شأن الجان، كما قال الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، هكذا ينبغي أن نحيي قلوبنا بالقرآن المنهج الذي نحتاجه، والحكم الذي نبحث عنه، والأدب الذي نفتش عنه، وكل شيء نريده من الناحية النظرية المنهجية موجود بين أيدينا في القرآن، تلك هي الوسيلة العظمى الأولى.
стр. 2559
رسول الله ﷺ المعلم القدوة
والوسيلة الثانية: المعلم القدوة رسولنا ﷺ : فهو الشارح المفسر للقرآن، وهو السورة الحية لتطبيق آداب وأحكام القرآن، إنه سيد الخلق أجمعين نبينا وحبيبنا رسول رب العالمين، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، فنحن ندرك عظمة القرآن ولكن لا نعرف تطبيق أحكامه إلا إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى ﷺ ، وتأملنا في أحاديثه وهديه العظيم؛ لأنه ﷺ قد مدحه رب العالمين فقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وهو الذي أنزل عليه القرآن، وهو الذي بين لنا كيف يحيا المسلم وتحيا أمة الإسلام بالقرآن، فكل الطرق إلى الله مسدودة إلا من طريق محمد ﷺ ، وقد أخبر المصطفى ﷺ فقال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى).
إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة، بل أعظم منة منَّ بها الله على هذه الأمة هي بعثة محمد ﷺ الرسول الخاتم الذي ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين ﵊، وقد وصف ﷺ رحمته بأمته وحرصه على هداية الخلق أجمعين بقوله: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار)، فهو ﷺ الذي جاءنا بالهدي الأكمل، وهو القدوة ﵊، قال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وسعت رحمته العظيمة هذه الأمة الكريمة، وأفاض عليها ﵊ من شفقته وعطفه، وبين لها -كما أخبر الصحابة- كل شيء يحتاجون إليه، فهذا سلمان الفارسي ﵁ يقول: (لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يقلب جناحية في السماء إلا ذكر لنا منه علماً).
وفي سنن أبي داود عن سلمان ﵁ قال: (علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة) أي: حتى كيفية قضاء الحاجة، فقد عرفنا سيرة نبينا محمد ﷺ في يقظته ومنامه، وفي حربه وسلمه، وفي رضاه وغضبه ﵊، وعرفنا حاله مع أزواجه، وعرفنا حاله مع أصحابه، وعرفنا حاله مع أعدائه، وكل شيء جاء في هذه السيرة العطرة والسنة الشريفة المطهرة، ليكون ذلك هو التطبيق العملي لمنهج القرآن الكريم، قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي)، فما أعظم منة الله على هذه الأمة أن حفظ لها كتابها وسنة نبيها ﷺ ، فهذا هو المنهج النظري وهذا هو التطبيق العملي.
стр. 2560
أهمية المجاهدة الصادقة
وبعد ذلك ينبغي أن تكون هناك وسيلة ثالثة، فإن القرآن والسنة كانا على مر العصور، ولكن كان هناك في بعض الأحوال اختلاف ومخالفة وبعد، ولذلك ينبغي أن نأخذ بالأمر الثالث وهو المجاهدة الصادقة، فعلينا أن نجاهد أنفسنا لنلتزم كتاب ربنا ونقتدي بهدي نبينا ﷺ ، والله قد وعد ووعده الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فلا يمكن أن ننال ثمرات الإيمان ولا أن ننال خيرات الإسلام ونحن نائمون كسالى عاجزون كل بضاعتنا هي الأماني والأحلام والأوهام.
إن محمداً ﷺ وصحبه الكرام جاهدوا أنفسهم حتى هاجروا، وخلفوا الأرض والديار، وخلفوا الأموال والثمار، وخلفوا الأهل والأبناء.
إن محمداً ﷺ وصحبه جاهدوا أنفسهم فخاضوا المعارك، وضربوا بالسيوف، وطعنوا بالرماح، وسالت منهم الدماء.
إن محمداً ﷺ وأصحابه جاهدوا أنفسهم فخرجوا من الجزيرة شرقاً وغرباً لينشروا نور الله، وليبلغوا دعوة الله، وليرفعوا راية الله، وليعلنوا عزة الإسلام في كل مكان.
إن محمداً ﷺ وصحبه أحيوا ليلهم قياماً لله حتى تفطرت الأقدام، وانسكبت الدموع، وسجدت الجباه، وتحركت القلوب، ونطقت الألسن تضرعاً وتذللاً بين يدي الله .
إن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أقاموا أعظم حضارة دنيوية في الدنيا؛ لأنهم أسسوها على نهج الإيمان، وأقاموها على منهج الإسلام، فينبغي أن ندرك أن هذا الدين لا يتحقق في هذه الحياة إلا بجهد وجهاد من أبناء المسلمين، وأن هذا الدين لا يهدى للكسالى والعاجزين، كما قال الشاعر: إسلامنا لا يستقيم عموده بدعاء شيخ في زوايا المسجد ينبغي أن ندرك أنه لا بد لنا من مجاهدة للنفس حتى نستقيم على أمر الله، ونترك الإخلاد إلى الدنيا والركون إليها والانشغال بها والتعلق والتلذذ بشهواتها وملذاتها، وينبغي أن ندرك أننا في حاجة إلى عزيمة ماضية وإيمان قوي ويقين راسخ؛ حتى نتجاوز كل هذه الجواذب كما تجاوزها النبي ﵊ وصحبه الكرام والعلماء والأئمة من أمة الإيمان.
أما كيف تجاوزوا ذلك؟ فتجاوزوه عندما جاهدوا أنفسهم ليهتدوا بالقرآن؛ وليقتدوا بسنة النبي ﷺ ؛ وليجددوا سيرة الأصحاب رضوان الله عليهم، فعندما فعلوا ذلك جاءتهم الآثار، وانبسطت بين يديهم الثمار، وكانت حياتهم مثلاً عظيماً من أمثلة تطبيق الإسلام التزاماً بالقرآن واتباعاً للرسول ﷺ ، فينبغي في هذه المجاهدة أن نستشعر المراقبة والمحاسبة، وينبغي أن نجدد ذلك النهج العظيم الذي كان عليه السلف الصالح، نهج يقظة الضمير والمراقبة الدائمة لرب العالمين، نهج لم يكن فيه شقاق ولا خصام ولا اعتداء ولا حاجة لتوسع القضاء وتشعب القضايا؛ لأن الناس كانوا يراقبون ربهم، وكانوا يستشعرون قول الله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، ويعلمون حقيقة قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٥ - ٦].
إن المجاهدة تعني: أن نتحقق بمعنى الإحسان الذي أخبر به النبي ﷺ بقوله: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أن نتذكر قول أحد السلف رضوان الله عليهم لما سئل: كيف الطريق إلى غض البصر؟ فقال: علمك بأن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما حرم عليك يردعك عن ذلك، فإن لم يردعك الخوف من الله فليردعك الحياء من الله، وكلاهما لا يكون إلا باستشعار مراقبة الله.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فينبغي أن نستشعر ذلك، وانظروا إلى واقعنا! لو كان الناس يراقبون ربهم لما اعتدى بعضهم على بعض، ولما وجدنا هذا الأكل للأموال بالباطل، ولما وجدنا هذا الاعتداء الغاشم الظالم، ولما وجدنا هذه المفاسد والفواحش التي استهان بها الناس كأنهم لا يراهم ربهم، وكأنهم لا يستحيون من خالقهم، وكأنهم لا يعظمون نعمة ربهم وفضله عليهم ، وكأنهم يسيئون انتسابهم إلى هذا الدين وإلى الرسول الكريم ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فينبغي لنا أن نحقق هذه المراقبة، وأن نستشعر المحاسبة، كما قال عمر ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر).
قال : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال عن أهل الإيمان: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١]، وقال : ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١].
فينبغي أن نحقق هذه المجاهدة، فنسأل الله أن يوفقنا ثمارها، وأن يجعلنا مستقيمين ثابتين عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →