← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نصر الإسلام مسئولية على الجميع السؤال هل يأثم الفرد على هزيمة الإسلام والمسلمين؟ وما دور الفرد في النصر؟ الجواب هذا هو موضوع حديثنا الذي تحدثنا به، وكان كله منصباً في هذا الباب، وأؤكد مرة أخرى أننا نريد أن نواجه أنفسنا بكل وضوح وصراحة.

стр. 282

سبب ضرب الأمثلة بشباب الصحابة ﵃ السؤال ضربت الأمثلة بشباب الصحابة، فلماذا لم تضرب لنا أمثلة في زماننا هذا؟ الجواب نقول: الأمثلة كثيرة، والخير في أمة محمد باق، لكن تلك الأمثلة تتميز بعدة مزايا: أولاً: أنها أمثلة قد جمعت من أسباب وصور الكمال أكثرها. ثانياً: أنها أمثلة قد احتف بها ووضح فيها ارتباطها بأصالة المنهج في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ثالثاً: الأمثلة هي الأمثلة، وليس بالضرورة أن يكون المثال هنا أو هناك، ولماذا نقول: إنه إذا ضربنا الأمثلة بالصحابة فنحن نتكلم عن تاريخ مضى لا يمكن تكراره، ولا تمكن إعادته؟ هذا ليس بصحيح؛ فكل مثال قديماً كان أو حديثاً له أثره، ونحن إذا أردنا أن نسرد الأمثلة فالتاريخ كله -عبر مراحله المختلفة- لم يخل من رجال كانوا رجال صدق وإيمان، وإسلام وقوة وعزة في كلما مر بهم من الخطوب والأحوال، وهذا أمره واضح بين.

стр. 283

مواجهة الأعداء مسئولية الجميع السؤال المواجهة مع العدو ستجر حتماً إلى المواجهة مع الأنظمة والحكومات، ألا تعتقد بأن أقل ضرر أن يترك الأمر على أولياء الأمر وعليهم الوزر والخطيئة؟ الجواب نحن معاشر المسلمين والشعوب في كثير من الأحوال مع كثرة هذه المشكلات أصبحنا ننفس عن أنفسنا بالنقد الدائم على الحكومات والدول والمسئولين، ولا يعني ذلك أن هؤلاء براء، وأنهم ليسوا مفرطين ومقصرين، لكننا لا نقول ذلك حتى نبرئ أنفسنا من المسئولية، بل كلٌ في رقبته وعنقه مسئولية وأمانة لا تبرأ بمثل هذا. وعندما نقول ذلك على سبيل الإصلاح والدعوة ينبغي أن يكون بوسيلته الصحيحة، وليس هكذا كلاماً وجعجعة في الهواء وصراخاً في وسائل الإعلام لا على هدي ولا على منهجية ولا بطريقة ولا بآلية يصل بها الأمر إلى ما قد يرجى به الخير والإصلاح. ونقول كذلك: هل يمكن أن يصلح الحكام والأمراء وتبقى الرعية فاسدة فيكتمل الأمر؟ لا، بل هي حلقات لابد من اكتمالها، فإن لم تكمل ما بيدك وما هو تحت أمرك، وما هو في طاقتك وقدرتك؛ فكيف تكمل غيره؟! ولكننا نقول أيها الإخوة: ينبغي ألا نكون عاطفيين ومندفعين، وينبغي أيضاً ألا نكون بعيدين عن الوعي والإدارات، وعن معرفة الحقائق والمخاطر، وعن معرفة الأسباب والمسببات، ولكن كل ذلك يحتاج إلى بصيرة ووعي وحكمة، والأمور العظيمة الكبيرة لا ينبغي أن ينفرد بها آحاد الناس ليقرروا فيها، ولينفذوا فيها ما رأوه من القرار دون أن يعرفوا كثيراً من الجوانب المحتفة بها، والأمور اللازمة لها، ودون أن يتشاوروا مع غيرهم؛ لأن هذا الأمر لا يخصك وحدك، بل يخص الأمة؛ فإذا صنعت صنيعاً كنت فيه مخطئاً ربما جررت على غيرك وعلى أهل الإسلام ما يكون أعظم وأكثر ضرراً مما أردته من الإصلاح، فهذه مسألة مهمة. ثم أيها الإخوة! نحن أيضاً علينا واجب، وندرك أن كل الحكام والأمراء والمسئولين هم من بني البشر، وهم في أصلهم على إسلام وإيمان، فلم لا يكون لنا أمل في أن تكون هذه الأحداث كما أيقظتنا نحن من غفلة أن توقظهم، وأن يكون هناك أسبابٌ تؤخذ حتى يتكامل الإصلاح من جوانبه كلها؟ نحن نعرف أن أعداءنا يريدون أن يلعبوا على الحبلين، وأن يشقوا الصفوف؛ لأن الفرقة -حتى ولو كانت لها بعض الأسباب الصحيحة- لو شاعت وكثرت في المجتمعات بالمهاترات والمخاصمات والمعارضات والاعتراضات؛ شغلت بها الأمة، وكان بأسها بينها، وصارت أحوالها متعارضة داخل صفوفها، ولا مصلحة في هذا، ولا خير في هذا إلا لأعدائنا، فينبغي أن نكون أصحاب فطنة وتفويت للفرص على أعدائنا، ونتقي ونترك شيئاً من الشر لأننا لا نريد أن يكون ما هو أعظم منه، وهذه مسألة مهمة. فهل ترون هذه الأزمات التي تمر بالأمة بداية للخلافة الإسلامية التي بشر بها النبي ﵊؟ أقول: إن نحن أخذنا بما تذاكرنا به الآن، وبدأنا بالتغيير الصحيح فإن الله وعد وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، لكننا إن بقينا على ما نحن عليه فذلك هو الخطأ. وأقول متفائلاً ومستبشراً: لابد أن نشيع في أنفسنا الأمل بإذن الله ، فالخير في أمة الإسلام، واليوم تيقظت كثير من العقول، وحيت كثير من النفوس، وارتفعت كثير من العزائم، وسمت كثير من الهمم، وتنادى الناس إلى الخير، وتواصوا به، ونحن نريد أن نجعل هذا دائماً ومستمراً وزائداً ونامياً حتى يكون فيه -بإذن الله بشارات، ونحن اليوم في خير كثير لم يكن ليحصل لولا ما قدر الله من هذا الأمر وهذه الأحداث، فهل أحد يشك اليوم في عداء الأعداء؟ وهل أصبحت هناك غشاوات ما زالت تعمي العيون أم أنها قد أصبحت عارية مكشوفة واضحة؟ أنى لنا ذلك؟ وكيف حصل ذلك؟ وكيف يمكن أن يصل إلى هذا؟ قبل ذلك كنت تقول: هؤلاء الكفار يفعلون أو هؤلاء خطيرون، ويقول لك القائل: يا أخي! أنت مبالغ، وأنت لا تعرف، وأنت تتكلم كثيراً، واليوم بحمد الله قد تغير كثير من ذلك، وفي هذا خير، وما يجري به قدر الله لابد أن نوقن أن فيه الخير، فنلتفت إلى هذا القدر ليكون لنا فيه نفع، كما قال ﵊: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).

стр. 284

الدعاء مطلوب في كل وقت السؤال لماذا الدعاء في القنوت كان جائزاً عند الحرب والآن ليس جائزاً؟ الجواب نقول: ليست هذه هي المسائل، ولا تعرض بهذه الطريقة، ونحن نعلم أن أمتنا في جملتها في بلاء، ليس اليوم بل من قبل خمسين عاماً وستين عاماً وهي في بلايا، وفيها نوازل، فهل يكون الدعاء دائماً؟ لكن إذا تجددت نازلة جاء الدعاء، وإذا خفت نازلة لا يعني أنه إذا لم ندع في القنوت في كل يوم فإننا لا ندعو ولا نقنت، بل ربما نقنت في الفريضة، وإذا لم يقنت الإمام فهل يعني ذلك أن الدعاء توقف؟! هذه قضية مهمة، وقد ذكرتها، وأقول: نحن لا ندعو دعاءً دائماً متواصلاً بما ندعو به في أحوال الكرب والشدة من لجوئنا إلى الله، ومن استنصارنا على أعدائنا به . فلابد أن نديم الدعاء، سواء في صلواتنا أو في خلواتنا أو في جلواتنا أو في مجالسنا، ولابد أن نجعله دائماً وأبداً؛ حتى يكون ارتباطنا بالله وطيداً وقوياً ودائماً، وليس مؤقتاً وعارضاً بحسب ما يحصل؛ لأن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]. وقال النبي ﵊ في توجيهه لـ ابن عباس: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، ونحن لا ندعو إلا إذا اشتدت الأمور وعظمت الخطوب، وإذا جاءت أوقات فيها شيء من الهدوء والسكينة نسينا الدعاء، ونسينا التعلق بالله ، وهذا من الخطأ.

стр. 285

قضية المسلمين واحدة في كل مكان السؤال هل ضاع العراق من أيدينا؟ وهل سلبت بغداد منا؟ الجواب لم الآن نركز على هذا السؤال؟ ألا ينطبق هذا السؤال على فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى؟ ألا ينطبق هذا على أفغانستان؟ ألا يسري هذا على كل المواقع حتى البوسنة والهرسك؟ عندما هدأت الأحداث في البوسنة نسيناها، فهل انتهت قضيتها؟ وهل تحسنت أحوال المسلمين فيها؟ وهل انتهت مشكلاتهم؟ كلا! ولكننا نحن في فترات ماضية كنا دائماً نُضرب -كما يقولون- على أقفيتنا، ثم بعد ذهاب حرارة تلك الضربة ننتبه، ونرفع رءوسنا، ونمشي وكأن شيئاً لم يكن، فأقول: الأحداث اليوم قد جاءت عظيمة ضخمة سافرة كاشفة عن أنيابها، واضحة في مقاصدها، ولعلها تكون داهية أصبحت اليقضة بعدها أوسع وأقوى، ولئن قال هذا السائل مثل هذا السؤال، فنقول: إذا دامت الغفلة، ولم يحصل الإصلاح والتغيير والجد والنشاط والعزم والحزم ربما يأتي سؤال بعد فترة من الزمان تطول أو تقصر ويكون السؤال عن بلد غير البلد، وعن مدينة غير المدينة، وإذا لم نغير أحوالنا قد يصل الحال إلى مثل هذا الذي يقوله السائل وأكثر منه. نسأل الله أن يبرم لأمتنا أمر رشد؛ يعز فيها أهل طاعته، ويذل فيها أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. ونسأله لأمتنا وحدة من بعد فرقة، وعزة من بعد ذلة، وقوة من بعد ضعف. ونسأله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا معتصمين بكتابه، متبعين لسنة رسوله ﷺ ، مقتفين لآثار أسلافنا رضوان الله عليهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 286

قصص عن الإسلام في إفريقيا جميلة هي تلك القصص التي تحكي انتشار الإسلام في أصقاع الأرض، وبها نستشعر عظمة نعمة الله علينا، وفي الاتجاه الآخر يتضح مدى تفريط أهل الإسلام في الدعوة إليه بأبسط أمور الدعوة وأيسرها، فضلاً عن أعلاها وأفضلها مما هو في الإمكان.

стр. 287

جهود التنصير في إفريقيا الحمد لله، الحمد لله الكبير المتعال؛ ذي العزة والجلال؛ المتفرد بصفات الكمال؛ المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدى، وإليه المرجع والمآل؛ نحمده شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله؛ اصطفاه الله من خلقه، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً عمياً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته؛ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هذه قصص عن الإسلام في أفريقيا نستشعر بها عظمة نعمة الله علينا، ويتضح من خلالها مدى تفريطنا وتقصيرنا في القيام بواجبنا تجاه ديننا؛ هذه القارة السوداء -كما تسمى- رصدت المسيحية النصرانية ليس عشرات ولا مئات بل آلافاً من الملايين لتنصيرها، وجعلت لذلك إمكانات هائلة ضخمة، ويكفي أن نعلم أن الإنجيل مترجم إلى نحو ستمائة لغة ولهجة من لغات دارجة لا يعرفها إلا أصحابها من أهل القبائل والقرى البعيدة النائية، وقد رأيت بعيني نسخاً من الإنجيل مطبوعة بالحروف اللاتينية على اللغات واللهجات المحلية، وإذا أضفنا إلى ذلك الجهود الإعلامية الضخمة في عموم التنصير، لوجدنا أن هناك أكثر من أربعة آلاف وستمائة قناة تلفزيونية وإذاعية خاصة لنشر المسيحية والتنصير، وإذا أضفنا إلى ذلك فإنا نجد آلافاً من الدعاة إلى النصرانية يشرقون ويغربون، وتكاتفت وتعاظمت جهودهم في هذه القارة الإفريقية السوداء، وإذا مضينا سنرى مصداق قول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، وسنرى تصديق قوله جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، وسنرى نور الإسلام يبدد الظلمات مع تقصير المسلمين وتفريطهم، ومع ندرة وقلة دعاتهم، ومع تبدد وضعف جهودهم!

стр. 288

قصص مبشرة بانتشار الإسلام أشرع في ذكر بعض قصص عرفتها أو لامستها من خلال زيارات ميدانية، جوزيف رجل نصراني نشأ في ظلال الكنيسة التي تعطي طعاماً لبطون جائعة فارغة، وكساء لأجساد ناحلة عارية، ودواء لأجساد سقيمة بالية، وخدمات تجعلهم لا يملكون إلا أن تخفق قلوبهم بالشكر والحمد لمن يقدم لهم ذلك، ثم بالموافقة والمتابعة له؛ وقد تقدم هذا الرجل في النصرانية، وبلغ شأواً عظيماً حتى بعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليحصل -وقد حصل- على درجة الماجستير في علوم اللاهوت والكنيسة، وفي أثناء دراسته تلك وبحكم التخصص كان يمر على موضوعات فيها مقارنة بين الأديان، ويقرأ من الكتب ما لا يجد فيه سطراً أو كلمة تذكر الإسلام بخير مطلقاً؛ وغريزة البحث ومعرفة بعض أسباب التناقض في تلك الديانات المحرفة قادته إلى أن يبحث أكثر عن الإسلام بنفسه، وبتوفيق من الله جل وعلا لم يكن ثمة من تقدم له بدعوة، ولا من أهداه كتاباً، ولا من ناظره في مسألة، وإذا بنور الحق يبدد ظلمات الظلم، وإذا به يدخل الإسلام ويعلن إسلامه ويشهره؛ لتسلب منه سيارته، ويقطع راتبه، وتلغى امتيازاته، ويصبح اليوم لا يملك مالاً يدرس به أبناءه، وله الآن ولدان في بيته لا يخرجان للدراسة والتعلم، أي شيء صنع هذا الرجل؟! ورغم كل هذه الظروف قد نذر نفسه أن يدعو في داخل الصفوف المسيحية الكنسية من أبناء جلدته وبلدته، وإذا به يدخل في الإسلام المدير العام للمناهج في الكنيسة، المسئول الأول عن التعليم المنهجي للكنائس المختلفة يدخل في الإسلام بدعوة قسيس سابق حائز على درجات علمية عالية في تخصص اللاهوت الكنسي، ويمضي وراء ذلك وإذا به يكتسب من هؤلاء واحداً إثر واحد، وهو إلى اليوم هذا لا يملك ما يدرس به أبناءه بعد أن كانت عنده من الامتيازات والحظوة ما عنده!! وأحسب أنني في غنىً عن التعليق، وسأزيدكم من ذلك الكثير والكثير. وهذا جونماريبوبو قسيس نصراني أفريقي، وصل إلى مرتبة رئيس الأساقفة في بلد أفريقي، يقول: من خلال المقارنة في بعض الأبحاث العلمية، ورؤيته للمظاهر التي يؤديها المسلمون في صلاتهم وبعض عباداتهم ومناسباتهم قال: وجدت أن عقلي يدعوني، وقلبي يوافقني، ونفسي تطاوعني أن هذا الإسلام هو الحق؛ فأسلم وأشهر إسلامه، ومنذ إسلامه إلى يوم الناس هذا أسلم على يديه نحو خمسة آلاف إنسان من أولئك الذين اجتالتهم عن الحنيفية السمحة وأصل الفطرة تلك الجهود التنصيرية التبشيرية العظيمة، ما الذي جرى له بعد أن كان رئيساً للأساقفة؟! حيكت حوله المؤامرات، ونفذت الكنيسة في أثناء سفره خارج بلاده حرق منزله، ومات في هذا الحريق توءمان من أبنائه، ثم بعد فترة أعيد إحراق منزله، وتعرض للقتل ثلاث مرات، وهو يقول في آخر كل هذه المعاناة: أنا أشعر براحة واطمئنان لأنني أستشعر الآن أن الله معي. ألا يدلنا ذلك على الحقيقة العظيمة في قوة هذا الدين، وأنه الحق والفطرة والعقل والرشد والهداية؟ ألا يكشف لنا ذلك كم من أمثال هؤلاء من لم تتيسر له الأسباب، وقصرت جهود المسلمين وعجزت عن أن تقول لهم كلمات، أو أن تقدم لهم صفحات، أو أن تسمعهم بعض الآيات؛ ليكون هذا القدر اليسير كافياً في بيان الحق لهم، وإنارة الطريق أمامهم! ونزيد قصة أخرى من بلد أفريقي ثالث، يقول هذا الرجل: خدمت المسيحية بكل ما أستطيع، وتدرجت في السلم الكنسي حتى وصلت إلى المراتب العليا في الكنيسة، وكنت محباً للقراءة والاطلاع، ولا يقع في يدي كتاب متعلق بالإنجيل إلا قرأته، ثم قرأت في كتاب إنجيلي محاربة للإسلام، ووجدت فيه: هل الإسلام دين سماوي أم لا؟ إنهم يشككون في أن الإسلام دين من عند الله أو لا، فينكرون كتابه، وينكرون رسوله، وينكرون وحيه، قال: فقادني ذلك إلى البحث، وبدأت أنقب: هل الإسلام دين سماوي أو لا؟ حتى أسلمت وكتبت دراستي عن إسلامي وأسبابها، وكشفت التناقضات التي وقفت عليها من خلال البحث العلمي في التوراة والإنجيل، وما يدور في تلك الكنائس، وأخرجت دراستي هذه ونشرتها، وبينت حقيقة المعلومات الخاطئة المحرفة في الكتب الإنجيلية عن الإسلام، وحينئذ وقعت له ما وقعت من الأمور، وقد دعا إلى الإسلام، وأدخل في دين الله الحق نحواً من مائتي نفس. وهكذا سنجد العجائب ونرى الآثار، ولو مضينا لوجدنا أكثر من هذا، لكننا نقول: إذا كان الحق بذاته يقنع، وإذا كان النور بطبيعته يضيء، فما بالنا لا نقدم الحق، ولا نأخذ النور لنوصله إلى الناس؟! خذوا هذه القصة العجيبة، وقد رأيت أصحابها الذين لامسوها وعايشوها. مدرسة إسلامية أقامها بعض الغيورين من الدعاة في بعض المناطق التي بيوتها من الطين، وأهلها في غاية الفقر، ولهم أصول مسلمة، لكنهم مضيعون لإسلامهم، هذه المدرسة تضم مائتين وخمسين طفلاً في المرحلة الابتدائية، عندما بدأت المدرسة كانوا يسألون الطلاب في أول الدوام في الساعة الثامنة: هل صليتم الفجر؟ فلم يكن أحدهم يعرف الفجر، ولا يعرف أن أهله أو أسرته تصلي، فكانوا يعلمونهم الوضوء، ويصلون بهم جماعة في هذا الوقت المتأخر كل يوم، فكانت المدرسة برنامجها يبدأ كل يوم صباحي بالوضوء وأداء صلاة الفجر؛ لغرض التعليم والتنبيه، وبعد ذلك وبأيام وأسابيع يسألون: من أدى الفجر؟ فإذا بخمسة أو عشرة قد بدءوا يصلون ويعرفون من التعليم، ليست هذه هي القصة، كان بجوار هذه المدرسة سكن رجل رأى هذه المدرسة، وبعد فترة من الزمن وهو مجاور لها يراقبها ذهب بابنه وقال: أريد أن يكون ابني طالباً في مدرستكم، لماذا؟ قال: لأني رأيتكم تحرصون على النظافة والناحية الصحية، وتقومون بأمور رياضية تليق وتصح أبدان الأطفال، ثم رأيت انتظام المدرسة وجوها التربوي العام؛ وهو لا يعرف شيئاً عن هذا، وعندما أرادوا تسجيل ابنه وسألوه عن اسمه واسم ابنه، وجدوا أنه قسيس نصراني، وعندما قالوا له: هذه مدرسة إسلامية! قال: أريد ابني أن يتعلم فيها؛ لأني أرى فيها من الخير ومن النظام والانتظام ما أشعر أن فيه الخير، وسجل ابنه -وهو مسيحي نصراني- في مدرسة إسلامية؛ لأن النصرانية لا تعني لهم شيئاً في حقيقة الأمر، ولا تعني اعتقاداً راسخاً ولا يقيناً جازماً، وإنما هي بعض الضلال وبعض الأعمال التي أساسها الخدمات والإعانات، ونحو ذلك.

стр. 289

قصص مثيرة حول اضمحلال الإسلام في قلوب أهله أنتقل بكم إلى جانب آخر لعله يصيبنا بالحزن والأسى، ولكنه يواجهنا بالحقيقة المرة، أقوام ربما كانت في كثير من الأحوال أصولهم إسلامية، وهم في هذه البلاد ناطقون بالعربية، يفعلون أموراً أعلم أن بعضكم قد لا يصدقها ولكنها حقيقة واقعة: في بعض تلك المناطق النائية والقرى البعيدة أقام أحدهم حفلاً ومأدبة بقدر جهودهم وطاقاتهم وأحوالهم؛ فلما سأل الدعاة عن المناسبة؟ قيل: هذا يوم سابع لمولود، فهي بما نفهمه نحن كأنما هي وليمة العقيقة، وعندما سألوا وجدوا أن أم هذا الوليد لا زوج لها، وهذا معروف عند أبيها، وعند كل قبيلتها، ولا يجدون في ذلك غضاضة ولا إثماً ولا حرجاً ولا شيئاً يعتبرونه عيباً على أقل تقدير، ثم بعد السؤال وجدوا أن هذا المولود هو الخامس من هذه المرأة، ويعملون له الوليمة في اليوم السابع على سنن من آثار قديمة للعقيقة، ولا يرون في ذلك شيئاً! ولقيت رجلاً مرت به حادثة مشابهة، دعي إلى وليمة فلم يجب، ثم لقي والد الفتاة في اليوم التالي فسألهم عن الوليمة، فأجابه بالحقيقة، قال له: ألا تعرف أن هذا يعد زنا؟! قال: بلى! قال: فكيف تصنع هذا؟! قال: كلنا كذلك؛ ولا أحد منا يعيب ذلك، ونحن سائرون على ذلك! بل وهذه قصة رأيت من شهدها، وسمعت منه مباشرة: أحدهم مقر عمله في مدينة، وأهله في مدينة أخرى، يكتسب رزقه وعيشه، وله أكثر من عامين لم يرجع إلى بلده وإلى أهله، وفي يوم جاء يوزع بعض الحلوى على زملائه في العمل، وعندما سألوه عن السبب أو المناسبة؟ قال: رزقت بمولود! وهو غائب منذ عامين عن أهله، ويعرف أن هذا المولود ليس منه، ويفرح به ويوزع ويعلن، وهو في عاصمة بلاد إسلامية عربية أفريقية!! إن هذه الأحوال تقودنا إلى أن نفكر: هل نحن غير معنيين بذلك؟ هل لا تلحقنا المسئولية عن هذه الأحوال وعن بلد أو منطقة مثل جنوب السودان فيها نحو خمسة وستين في المائة من الوثنيين الذين لا يعرفون ديناً سماوياً، وبعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد القمر؟ يقول رجل من أوغندا أسلم ويحكي قصته: إننا في أوغندا لا دين لنا -أي: في مناطقهم وثنيون-، هناك من يعبد الشمس، وهناك من يعبد القمر، ولقد كنت أفكر في أن هذه الأمور غير صحيحة، وأعتقد أن هناك إلهاً أكبر من الشمس والقمر، زار عاصمة لبلد عربي إسلامي، وسأل عن الإسلام وأسلم، وهو يقول بكلمات جميلة مشرقة: كأنني ولدت من جديد، رأيت النور لأول مرة في حياتي، كنت أعيش في ظلم وضلال وكفر، وأصبحت أعيش في نور وهداية وطمأنينة وسلام بعد أن نطقت بالشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. كم من مثل هذا لم يتسن له ذلك، وما زال يعيش الصفة التي وصف بها حياته في ظلم وكفر وجهل وبعد عن الدين، والحق أننا مسئولون عن تبليغ دين الله.

стр. 290

واجبنا تجاه القارة الأفريقية علينا أن نعظم المسئولية تجاه أنفسنا؛ لأنني أعلم أن كثيرين سيقولون: وماذا عسى أن نفعل؟ وربما يقول البعض: لسنا علماء أو لسنا دعاة، فأقول: ألا تعرف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ ألا تعرف أن تتكلم عن الإسلام الذي تمارسه؟ ألا تعرف أن قراءة الفاتحة ونحوها لا يعفيك من هذا الباب؟ وأذكر هنا بعضاً من الأرقام حتى نقارن ونرى أن بإمكاننا فعل شيء: كفالة داعية مسلم يذهب إلى بعض تلك المناطق، وقطعاً بعون الله وتوفيقه يكون له من الأثر في إسلام الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ما لا يمكن تصوره في كثير من الأحوال، كم يحتاج هذا الداعية في البلاد النائية والظروف الصعبة: سبعمائة وخمسون ريالاً في الشهر. تكاليف مدرسة كالتي ذكرت لكم خبرها بما فيها من إطعام الطلاب؛ لأنهم لا يجدون طعاماً، ولا يملكون مالاً، وتوفير أوراق ودفاتر وأقلام ومراسم ونحو ذلك في العام الكامل لمائتين وخمسين طالباً: ثلاثة وعشرون ألفاً وشيئاً، أليس هذا المبلغ يدفع في هذه الأيام وضعفه في ليلة واحدة في عرس من الأعراس، ويتلف من الطعام ما قد يكون به هداية أقوام وفئام من الناس وتعليم أجيال من هؤلاء الأطفال المحرومين من هداية القرآن ونور الإسلام؟! لقد دخل النصارى إلى هذه الفئات بالتعليم، وأخذوا أبناءهم وعلموهم وهم جهال، وجعلوهم يدرسون إلى المراحل الثانوية بل الجامعية بل والعالية في البلاد وفي خارجها. تكلفة كفالة تعليم طالب في المرحلة الثانوية لعام كامل: ثمانمائة وخمسة وستون ريالاً، أظنكم تعلمون أن أية مدرسة ابتدائية خاصة في أدنى مستوىً في بلادنا لا يستطيع الطالب أن يدرس فيها إلا بألفين أو ثلاثة آلاف على أقل تقدير، وهذه رسوم مع الإعاشة والكفالة الشاملة. والطالب الجامعي كفالته ألفان ومائتان وخمسون ريالاً. لا أقول هذا لنذكر الأرقام ولكن لندرك أن مثل هذا المال نحن قادرون على بذله من جيوبنا أو ممن حولنا، وأننا نستطيع أن نقدم شيئاً منه، ويكون له من الأثر العظيم ما لعله على أقل تقدير يخفف عنا المسئولية والأمانة التي هي منوطة بأعناقنا وواقعة على كواهلنا. نسأل الله أن يبرم لهذا الدين أنصاراً يرفعون رايته، ودعاة يحملون أنواره، وأن يسخرنا لنصرة دينه وإعلاء رايته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 291

بشائر من بلاد الغرب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه؛ وإن من تقوى الله أن نسعى ونبذل في الدعوة إلى الله، وأن نشارك فيها ونسهم ولو بألسنتنا وأقوالنا، ولو بأموالنا وجهودنا، ولو بأوقاتنا وأفكارنا؛ فإن الله سائلنا عن ذلك، وإن نعم الله علينا التي يجب علينا شكرها عظيمة، فقد منَّ الله علينا بإيمان وإسلام وعلم ومعرفة ومساجد كثيرة يذكر فيها اسم الله، وأحوال مادية أقل ما يقال فيها: إن فيها الكفاف، وفوق ذلك بين أيدينا من الوسائل والكتب والأشرطة والإذاعات ما نستطيع أن نستفيد به وننتفع منه كثيراً، ثم نحن لا نفكر مجرد تفكير في دورنا في خدمة ديننا وفي واجبنا في شكر نعم الله علينا، وليست هذه القصص والأنوار التي تشرق في القلوب في أفريقيا بل في أعماق أوروبا المتحضرة، وفي أعماق أمريكا وغيرها وهي شهادات ناطقة حية على قوة هذا الدين، وعلى صلاحيته وفطريته وقوة حجته، وعلى انطباعه وانطباقه على ظروف الحياة المختلفة والمستجدة، فلئن كان البعض قد يقول: إن الأفارقة في أحوال تعليمية ومادية ومعيشية يمكن أن تكون جالبة لهم إلى الإسلام فما نقول في الأوروبيين والأمريكيين وعندهم تعليم كامل ومادة كثيرة ورزق ورغد عيش وافر فما بالهم أيضاً يدخلون في الإسلام؟ قصة واحدة أذكرها من فنلندا رأيت صاحبها ولقيته وتحدثت إليه: شاب دون العشرين من عمره مسلم اسمه: ميكائيل، مقبل على الخير، وحضر معنا دورة علمية فيها محاضرات إسلامية, وكان يترجم له؛ فسألته عن قصة إسلامه؛ فأخبرني أنها قصة امتدت سبع سنوات، كان له زميل في المدرسة صومالي مهاجر إلى تلك البلاد، وانظروا كيف يسوق الله الخير؟ وكيف تجري أقداره؟ قال: وكان زميلاً لي في فصل المدرسة، وكان بحكم أنه جديد ضعيف في الدراسة يحتاج إلى مساعدة، فكنت معه على مدى سبع سنوات أساعده في الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة وغير ذلك، وتوطدت بيننا أواصر الصلة والصداقة والصحبة، وكانت نقاشات تدور بيننا عن الدين وعن الإسلام، وإذا به يذكر أنه يصلي ويتوضأ وأنه يتطهر ونتناقش في ذلك، وزدت بعد ذلك قراءة في ترجمات معاني القرآن حتى أسلمت على مدى سبع سنوات. شاب في عمر العشرين والشباب هناك غارقون حتى آذانهم في الشهوات والملذات؛ فسألته عن ذلك وقلت له: كيف كان تأثير تحول الإسلام في حياتك، وربما كانت لك حياة سابقة فيها وفيها؟ فعجبت حينما ذكر لي أن له أسرة فيها شيء من المحافظة الأخلاقية، وقال: كنت لا أشرب الخمر، ولا أحضر الحفلات المختلطة مطلقاً، وبقيت بفضل الله له فطرة سوية، وهكذا ستجد في كل مكان ما يدل على عظمة هذا الدين، ولكنه كذلك من جهة أخرى يكشف عن تفريط وتقصير المسلمين، وأنهم يستطيعون لو خدموا دينهم أن يفعلوا الكثير بدلاً من أن يتراشقوا بالتهم ويختصموا فيما بينهم، أو يبددوا أموالهم في السرف والسفه فيما ليس وراءه طائل، بل مما قد يكون عليهم فيه مغبة ومذمة. وأذكر معلومة مهمة إحصائية من الأمم المتحدة قبل نحو ست سنوات على وجه التحديد تقول فيها: إن أعلى الديانات التي تكتسب أشخاصاً جدداً هي ديانة الإسلام، وليس هذا في كل عام تقريباً لكن تلك الإحصائية تقول: إن الدين الذي يليه هو المسيحية، والفارق بينهما ستة أضعاف، أي: أنه إذا دخل في المسيحية ألف فالداخلون في الإسلام ستة آلاف مع تقصير وتفريط في المسلمين، ومع اجتهاد وجهد وبذل كبير في النصارى كما ذكره بعض من أسلم ممن بلغ مراتب عالية في الكنيسة. وأختم مقالنا بقول الأسقف السابق جوهن سبرت من جنوب أفريقيا وقد أسلم يقول: من المؤسف حقاً أن الجهود التنصيرية لا تشكو أي نقص تنظيمي أو حركي أو مالي أو معنوي، وهذا ما نفتقده عند دعاة الإسلام فضلاً عن المصاعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذا لا بد أن نتحمل مسئوليتنا، وأن نخدم ديننا، وأن نبذل لدعوتنا. نسأل الله أن يوفقنا لذلك، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وألا يجعلنا من المقصرين. ونسألك اللهم أن تجعلنا دعاة لدينك، وجنداً في سبيلك، ونسألك اللهم أن تحسن ختامنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين، وأن تكتبنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين! اللهم وفقنا للصالحات، واصرف اللهم عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم رد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار أنزل بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك ورعايتك وعونك لعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى والجوعى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم. اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اختم لنا بخير، واجعل عاقبتنا إلى خير، وابعثنا على خير يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذو القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 292

أخطار تهدد البيوت بالانهيار من سنن الله أنه جعل بيت الإنسان سكنه وراحته ومستقره، ولهذا يجب بناء هذا البيت بناءً وثيقاً مترابطاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان مبنياً على طاعة الله ، والبعد عما حرم الله، فيجب على كل مسلم أن يحرص على أهل بيته، وأن يجنبهم الأخطار التي تفسدهم، ومن تلك الأخطار أخطار الخادمات والسائقين، فيجب الاستغناء عنهم قدر الاستطاعة، ومن ابتلي بشيء من ذلك فعليه أن يتقي الخلوة المحرمة مع هؤلاء في خاصة نفسه وفي عموم أهل بيته.

стр. 293

سلبية انتشار ظاهرة الخادمات الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا الدرس بعنوان: (أخطار تهدد البيوت بالانهيار)، وهذا الموضوع يتناول عدة قضايا كل منها لها أهمية كبرى، وهي قضية حية وظاهرة بينة في الأسر والبيوت، وسينتظم الحديث في أربع قضايا أو أربع مشكلات وأخطار: اثنتان منها بشرية، واثنتان غير بشرية. فالأول يتعلق بالعنصر النسائي والمتمثل في المربية والخادمة، والثاني يتعلق بالعنصر الرجالي والمتمثل في السائق أو الخادم، والثالث يتعلق بالهاتف، والرابع يتعلق بالفيديو، وهذا التخصيص أو التنصيص لا يدل على أن هذه هي فقط المشكلات أو الأخطار، ولكن هذه أبرزها, وفي نفس الوقت تندرج تحتها أخطار أخرى، وسر أو غاية الحديث في مثل هذه الأمور أن هناك أخطاراً يقع فيها الناس من حيث لا يشعرون. وثانياً: أنهم قد يعرفون أن هذه الأمور أخطاء، ولكنهم لا يدركون حجم خطورة آثارها وما يترتب عليها من مشكلات؛ إذ يرون الأمر الكبير سهلاً يسيراً، ولا يلتفتون إلى النتيجة إلا في وقت متأخر، ويفاجئون بأن المقدمات التي استسهلوها وظنوها يسيرة إذا بها تنتهي إلى نتائج كبيرة ووخيمة. وثالثاً: أن هذه المشكلات –للأسف- لا تخص أصحابها الذين يجهلون بها أو الذين يعرفونها ولا يدركون أخطارها, بل هي بصورة مباشرة أو غير مباشرة تمس الآخرين الذين عندهم نوع من الحرص والإدراك لخطورة هذه المشكلات؛ فإن المجتمع اليوم لم يعد منفصلاً، ولم يعد بالإمكان أن يكون الإنسان بنفسه أو بأسرته قادراً على تأمين جميع جوانب الاحتكاك والاختلاط بالآخرين؛ فإن وسائل الاتصال وإن القضايا الاجتماعية تفرض نفسها أحياناً، وتمس البعيد عنها شاء أم أبى، ومن هنا فإن لهذه القضايا أهميتها الكبرى من هذه الوجوه الثلاثة التي أشرت إليها بإيجاز. ونبدأ في القضية الأولى، وهي قضية العنصر النسائي في البيوت، والمتعلق بالمربية والخادمة، ولوجود التقارب والتداخل بين المربية والخادمة نتحدث عن الموضوع بغير انفصال، بمعنى: نتحدث عن وجود العنصر النسائي الغريب أو المستخدم في البيوت، وأول ما أشير إليه أن هذه الظاهرة لم تعد قضية محدودة، بل هي في الحقيقة تكاد تكون متجسدة وحاصلة في أغلب الأسر والبيوت، فإن الإحصاءات والدراسات تدل على هذا، فقد نشرت جريدة (المسلمون) في العدد الثالث بعد الثلاثمائة في دراسة إحصائية أن عدد المربيات في دول الخليج يبلغ مليوناً ونصف المليون مربية، ويقصدون بالمربية مسمى المربية التي هي مخصصة لتربية الأطفال، وهي أعم من الخادمة. وفي دراسة إحصائية أخرى نشرت في مجلة (المجتمع) تقول: إن عدد الخادمات في الكويت يبلغ مائة وثمانين ألف خادمة، ليشكل هذا العدد عشرة في المائة من مجموع السكان، ويعطي معدلاً أن لكل ثلاثة أفراد من مجتمع الكويت خادمة واحدة، ويشكل معدل ثلاث خادمات للأسرة الواحدة! وعند تعميم هذه الإحصائيات -كما سيأتي في بعض الدراسات أثناء الحديث- سنجد أن القضية بحجمها الكبير في الحقيقة تثير الرعب حتى في مجالات أخرى؛ إذ إن بعض دول الخليج أيضاً في دراستها الإحصائية ذكرت أن المستخدمين مع المستخدمات مع العاملين يزيدون بنسبة لا بأس بها، أي: تزيد نسبتهم عن عدد السكان الأصليين بنسبة مئوية لا بأس بها، فيصبح أهل البلد أو أهل المجتمع الذين من المتوقع أنهم في غالبهم تجمعهم ديانة الإسلام في هذه الجزيرة ولغة العرب والحرص على الأحكام الشرعية يصبحون أقلية في مجموع هذه الأخلاط التي سيأتي ذكر جنسياتها ولغاتها ودياناتها المختلفة! فإذاً القضية ذات حجم كبير، وذات أثر خطير لما يترتب عليها من هذه الجوانب.

стр. 294

أسباب استخدام الخادمات في قضية الخادمات نتعرض أولاً إلى أسباب استخدام الخادمات، ولماذا الخادمات في البيوت؟ ثانياً: المخاطر المترتبة على ذلك في الناحية العقدية، ثم في الناحية الأخلاقية, ثم في الناحية الثقافية والتربية الأسرية, والنقطة التي تلي هذه المخاطر المتعلقة بالمجتمع. إن الأسباب مبنية أو مستخلصة من الدارسات الميدانية الاجتماعية التي نفذت بصورة رسائل علمية أو التي كانت - أيضاً- بتكليفات رسمية؛ فإن مكتب التربية لدول الخليج العربي وكثير من الصحف والمجلات والجامعات تستشعر أو استشعرت أهمية هذه القضية، فكلفت بدراسات, ومن ذلك أن مكتب التربية كلف كل دولة من الدول بإجراء دراسة ميدانية إحصائية, ثم جمعت هذه الدراسات من جميع الدول، وجعل لها نوع من الجمع والتصنيف، بحيث تعطي صورة متكاملة للظاهرة في دول الخليج العربي.

стр. 295

الانشغال بالمظاهر الفارغة السبب الخامس: الانشغال الفارغ بالمظاهر والعادات الاجتماعية، فإن المرأة تقول: إنها مشغولة. وليس عندها عمل، لكنها مشغولة بالزيارات، وبالاتصالات الهاتفية التي تمتد إلى الساعات، وبالذهاب إلى مشغل الخياطة، وبالاعتناء ببرامج التخفيف، وبحضور الأعراس، وكلما تزوجت واحدة أو ماتت واحدة أو ولدت واحدة في شرق الأرض أو غربها لابد من أن تذهب لزيارتها، فإذاً هي مشغولة, وبالتالي لابد من أن يكون هناك من يقوم بالعمل بدلاً عنها، بينما حقيقة هذه المشاغل كلها مشاغل فارغة لا يمكن أن تزاحم المهمة الأولى للمرأة في بيتها في رعاية زوجها وتربية أبنائها وحفظ بيتها، وهذه الناحية الاجتماعية والمظاهر الاجتماعية تجعل المرأة مشغولة، وتجد بعض النساء تقول: إنها مشغولة لمدة أسبوع أو لمدة شهر متقدم لهذه المواعيد وهذه السخافات التي -للأسف- طغت في بعض صور ومظاهر الأسر والمجتمعات، وأصبحت أولويات لا يمكن التنازل عنها، بل هي التي تكون مقدمة، وغيرها إما أن يصرف، وإما أن يلتمس له تأجيل أو نحو ذلك، أما هذه فلا يمسها التأجيل، ولا يمكن أن يطالها الإلغاء، ولا يمكن أن يكون فيها أية صورة من صور التنازل. وهذا السبب -أيضاً- يتعلق بالرجال؛ فإن الرجل أيضاً يقول: إنه مشغول. فهو دائم السفر، ودائم الزيارة لأصحابه، ودائم الحضور في المجالس والمقاهي والسمر ولعب الورق وغير ذلك، وعنده المواعيد التي ليس فيها إلا القيل والقال، وبالتالي هو منشغل، وإذا أراد أن يسد الباب على زوجته بعدم تحقيقه للمطالب أحضر السائق وأحضر الخادمة، فإن لم يكفها أتى بثانٍ وثانية، حتى يسكت الجميع ويتفرغ هو لأشغاله المهمة مع أصحابه الفارغين، وهذه المظاهر –للأسف- موجودة في صفوف بعض الرجال.

стр. 296

عمل المرأة خارج المنزل السبب السادس: عمل المرأة خارج المنزل، حيث إن المرأة تكون موظفة مدرسة أو طبيبة أو نحو ذلك، وسيأتي الحديث عن هذا لاحقاً، وفي بعض الدراسات أثبتت أن ستين وسبعة من عشرة في المائة في بعض العينات سبب إحضار الخادمة فيها هو أن المرأة تعمل، بينما بعض الدراسات -مثل دراسة أجريت في البحرين- تقول: إن عمل المرأة ليس سبباً أساسياً في وجود الخادمة، بل هو سبب عارض. أي: ليس هو الأساس. وهناك دراسات أخرى في مناطق أخرى تدور على أنه ربما يكون أول وأهم الأسباب.

стр. 297

وجود الظروف الطارئة السبب السابع: الظروف الطارئة وغير المعتادة، ووجود الحاجة الحقيقية. وهذه الظروف الطارئة هي مثل مرض المرأة، كأن تمرض الزوجة بحيث لا تستطيع أن تقوم بمهمات المنزل أو تعجز بمرض مقعد أو نحو ذلك، أو لو جود حاجة حقيقية من كثرة الأعمال والأعباء, كأن يكون البيت كبيراً والأولاد كثيرين، والوضع الاجتماعي فيه كثير من الدعوات والمناسبات، ويتردد عندهم أقارب كثيرون ونحو ذلك، أي: وجود حاجة حقيقية يظهر من خلالها أن المرأة لا تستطيع أن تقوم بهذا العبء وحدها، وتحتاج إلى إعانة، وليس نوعاً من الاستبدال الكلي أو الكامل.

стр. 298

ضعف الاهتمام بمراعاة الأحكام الشرعية السبب الأخير: ضعف الاهتمام بمراعاة الأحكام الشرعية، أو الجهل بها، وقد يأتي أي سبب من الأسباب السابقة، لكن لو كان حريصاً على مراعاة الشرع لفكر في الأضرار الشرعية، ولنظر قائلاً: هل هناك مخالفات شرعية؟ وهل هذا يجوز؟ لكن عدم وجود المراعاة للأحكام الشرعية، وعدم الاحتفاء بها، حتى عدم المعرفة بها -أيضاً- هو من الأسباب التي تجعل الناس يتساهلون ولا يدققون أو يتحرجون أو يمتنعون عن مثل هذا. فهذه جملة من الأسباب التي تستدعي وجود الخادمة, وبغض النظر عن أي سبب من الأسباب فإننا نناقش هذه الخادمة وقد وجدت في المنزل, ولأي سبب أتت لا يهمنا، لكنها الآن موجودة في المنزل وفي الأسرة، فما هي المخاطر المترتبة على وجود الخادمة أو المربية؟

стр. 299

محاكاة الآخرين السبب الرابع -وهو من أخطر الأسباب-: المحاكاة الزائفة للآخرين، والمظاهر الاجتماعية الكاذبة، فكما أنه لابد من أن يكون ديكور المنزل جميلاً، وأن يكون في الصالون النجف كذلك لابد من أن يكون في البيت الخادمة، حيث أصبحت عبارة عن مظهر تماماً مثل بقية أجزاء الديكور ولو لم تكن هناك حاجة، فلماذا يكون عند فلانة خادمة وفلانة ليس عندها خادمة؟! أو الأسرة تقول: لماذا آل فلان عندهم خادمتان ونحن ليس عندنا أي خادمة؟! فلابد من إكمال هذه الصورة. وهناك دراسات تدل على أن هذا السبب يحظى بنسبة عالية في مسألة الاستعانة بالخادمات، فهناك دراسة من هذه الدراسات في دول الخليج تدل على أن استقدام الخادمات مرادف للوجاهة الاجتماعية، ولا يرتبط باضطرار المرأة إلى العمل خارج المنزل، أي: ليس السبب هو أن المرأة تعمل، بل لمجرد الوجاهة الاجتماعية، بل إن بعض الاستفتاءات دلت على أن أربعين في المائة من أولياء أمور الأسر جعلوا الخادمة سبباً من أسباب ظهور الأسرة بمظهر لائق، فهذا رب الأسرة هو الذي يأتي بالخادمة، وليس هو الذي يحتاج إليها؛ لأنه ليس هو المناطة به أعمال المنزل حتى نقول: هو يحتاج إليها. بل هو المستغني، ولو قيل: إن هذه النسبة في النساء أو في ربات البيوت لكانت معقولة، لكن النسبة في الرجال الذين يقولون: إن وجود الخادمة سبب من أسباب الظهور بمظهر لائق للأسرة. وهذه مسألة -للأسف- أصيلة في كثير من البيئات والمجتمعات، نسأل الله السلامة.

стр. 300

الترف أول الأسباب -وهذه الأولية ليست أولية نسبة، وإنما أول سبب نذكره- هو الترف، وزيادة الرفاهية, وارتفاع مستوى المعيشة؛ فإنه معلوم أن المجتمع الخليجي بحكم البترول والطفرة التي يُعلم ما كان من شأنها واشتدادها خاصة في بداية التسعينات الهجرية أدت إلى حصول نوع من الارتفاع في مستوى المعيشة، والحرص على إبداء كل مظهر من مظاهر الترف والتنعم والترهل والاستمتاع بكل أسباب الراحة المتوهمة عند أصحابها, والذي يلاحظ هذه الظاهرة أو يريد أن يتأكد منها فإنه يجد أن القضية ليست فقط محصورة في طبقة الأغنياء، بل لما صار ارتفاع مستوى المعيشة يعم معظم القطاعات أو كثيراً من الأسر في هذه المجتمعات أصبحت هذه الظاهرة موجودة حتى في القرى والمدن الصغيرة، وأضرب لذلك أمثلة واقعية: ففي مدينة خليصة -على بعد ثمانين كيلو متر من جدة- وهي بلدة صغيرة ربما تسمى (بليدة) ولك أن تسميها تجوزاً مقارنة بالمدن الكبيرة قرية, لكن يفاجأ الإنسان حين يعرف أن هذا المجتمع الصغير الذي ربما ليس فيه مظاهر المدنية الكبرى التي تتضح في المدن يفاجأ بأن أكثر من ثمانين أو تسعين في المائة من البيوت فيها خادمات, بل إن كثيراً من الأسر عندها خادمتان. هذه الصورة أيضاً تجدها في كثير من القرى والهجر، حتى إن القضية أصبحت مسألة داخلة ضمن الاحتياجات والمصاريف المعتادة.

стр. 301

الانفتاح والاتصال بالمجتمعات الأخرى السبب الثاني: الانفتاح والاتصال بالمجتمعات الأخرى، ونشوء مفاهيم مغلوطة ربما ساعد عليها المستوى التعليمي الثانوي والجامعي وما فوق ذلك, وأصبحت هناك أفكار من خلال الانفتاح على المجتمعات الغربية على وجه الخصوص التي عندها دور الحضانة, واستئجار المربيات, والحرص على الخادمات، وكذلك المجتمعات المتمسلمة في كثير من الديار الإسلامية التي لا تطبق شرع الله ، والتي فيها كثير من الانحرافات. وأيضاً قررت هذه المسألة كقضية اجتماعية عادية، بل ربما تصور على أنها أمر لازم وحتم لا مفر منه, واتصال المجتمعات ببعضها جعل هذه القضية أيضاً أسهل وأقرب وأدعى لتصور الحاجة إليها والافتقار إليها من الأمر الحقيقي الذي هي عليه, بمعنى أن هناك تضخيماً لمسألة الحاجة إلى الخادمة أكثر من الحقيقة، وذلك من خلال الانفتاح والاتصال, وكذلك أحياناً مستوى الجامعيات والأمهات اللاتي يتلقين تعليماً عالياً ترى إحداهن أنه ليس من المعقول أن تكون حاملة لشهادة الماجستير ثم تقوم بأعمال الطبخ أو الكنس، بل لابد أن تكون حياتها متناسقة ومتناسبة مع هذا المستوى, فلابد إذاً من أن تترفع عن هذه الأعمال, وإذا ترفعت عن عنها فلابد من أن يقوم بها أحد غيرها أو أن تتولى ذلك الخادمة.

стр. 302

الاتكالية والكسل السبب الثالث: التربية الاتكالية التكاثرية التكاسلية في المجتمع، والناشئة عن الأمرين السابقين، والتي تولد احتقار العمل اليدوي وممارسة المهن المنزلية, فإن التربية التي تولد من خلال هذه البيئة تنتج مثل هذا الاحتقار، فتجد أن المرأة تأتي من بيئة عندها خدم وحشم, فهي أصلاً متربية تربية فيها اتكالية واعتماد على الغير، وفيها تكاسل وعدم رغبة في العمل أو القيام بالواجب مطلقاً، فهذه النفسية هي التي تستدعي الحصول على الخادمة، وليست الحاجة الحقيقية، حتى إن الإنسان يجد بعض الأسر تشترط على الزوج قبل زواجه أن يوفر الخادمة؛ لأن ابنتهم لا تستطيع أن تتعب أو أن ترهق أو أن تقطع يدها في أثناء عمل المطبخ. وهذه الصورة نشأت في المجتمع حتى –للأسف- في الشباب، وليس فقط في الفتيات، فتجد أنه بحكم التربية الضعيفة الهزيلة لا يعتمد على نفسه، ولا ينطلق في العمل، ولا يأخذ الحياة بجد، بل هو دائماً في كسل وخور، ويحتاج دائماً إلى من يقوم عنه بالمهمات، ومن يؤدي عنه الواجبات.

стр. 303

المخاطر المترتبة على وجود الخادمة في المنزل هناك مخاطر عديدة وواقعية جداً، كما سنذكر في بعض الحوادث, وأول هذه المخاطر وأهمها المخاطر العقدية المتعلقة بالعقيدة، والانحرافات عن العقيدة الإيمانية الصحيحة، فعندما نأخذ بعض هذه الدراسات نفاجأ بقضية خطيرة تتمثل في هذه الأرقام في الدراسات الخليجية التي أعطت أن اثنتين وأربعين في المائة من ديانة الخادمات هي الديانة المسيحية، وأن أربعاً وثلاثين في المائة هي الديانة البوذية، وأن تسع عشرة في المائة هي الديانة الوثنية، أي: لا دينية، وأن خمساً في المائة هن المسلمات من هؤلاء الخادمات! هذا في مجموع الدراسة الإحصائية لدول الخليج. وهناك فرق في بعض الدراسات، وسنذكر بعض الدراسات المتعلقة بالمملكة على وجه الخصوص, فالدراسة الخليجية هذه تذكر أن عدد سبعة وتسعين وخمسة من عشرة في المائة من هؤلاء الخادمات غير المسلمات يؤدين طقوسهن الدينية، ويحافظن عليها، ولاشك أن الواحدة منهن ستؤديها في البيت أمام الأطفال وأمام أهل البيت. وأيضاً في دراسة ميدانية أخرى خليجية دلت على أن ستين في المائة إلى خمس وسبعين في المائة من ديانات الخادمات ديانات غير سماوية، اي: ليست مسيحية ولا نصرانية مطلقاً. ثم الذي يعطي الخطر الأكبر من كل الأرقام أن خمسين في المائة من الأسر تعطي الإشراف الكامل على تربية الطفل لهؤلاء الخادمات، ونسبة واحد وأربعين في المائة من الأسر تعطي الإشراف الكامل لألعاب الأطفال وتسليتهم لهؤلاء الخادمات كاملاً، ونسبة خمس وعشرين في المائة من الخادمات في دراسة في الكويت ثبت أنهن يتحدثن مع الأطفال في قضايا الدين والاعتقاد، ويُلِّقنَّ الأطفال بعض هذه المعتقدات التي هي من ديانتهن، ولذلك قال أحد الباحثين: إن الطفل يتعلق بهذه الخادمة والمربية التي لا يرى غيرها، بل يراها ويجلس معها ويتحدث إليها أكثر من أمه وأبيه وأخته وأخيه، فلذلك هي عنده محل قدوة. يقول الباحث: فكل ما عنده من مشاعر وقيم ومهارات وخبرات–يعني: يتعلق بها- فهي معلمته وملهمته، وسكنه الجسدي والنفسي، وكل شيء في حياته. ولو لم نتعرض في هذه القضية إلا لهذه الأرقام لكفى أن نتصور ما هي النتائج المترتبة على مثل هذا الأمر. وأما بعض الإحصائيات المتعلقة بالمملكة فإن عدد ثمانية وستين وثمانية من عشرة في المائة من جنسيات الخادمات من الأندنوسيات، وإن لم تكن كل هذه النسبة من المسلمات، ولكن -أيضاً- كون الخادمة مسلمة إنما هو بالهوية، فهي لا تعرف الإسلام ولا تلتزم به، وعلى هذا تبقى المخاطر كما هي وإن كانت أقل أو أخف مما يثبت.

стр. 304

خطر الخادمات على الجوانب الأسرية الخطر الرابع: ما يتعلق بالناحية الأسرية, فإنها أيضاً تشكل مخاطر على الأسرة بشكل عام بعيداً عن هذه الجوانب التي أشرنا إليها, ومنها: انعدام الشخصية في الطفل، فيصبح الطفل معتمداً اعتماداً كلياً على الخادمة، ولا ينشأ شخصية يمكن أن تعتمد على نفسها. ومنها: ضعف العلاقات الأسرية بين الأفراد، فكل فرد من أفراد الأسرة له علاقة واعتماد على الخادمة أكثر من الآخرين, فالزوج يتعامل مع الخادمة أكثر من معاملته مع زوجته, والزوجة تتعامل مع الخادمة أكثر من تعاملها مع زوجها, والابن يتعامل مع الخادمة أكثر من تعامله مع أبيه ومع أمه, فإنه يسألها عن الذين ذهبوا والذين حضروا، ومن هو موجود، ومتى خرج، ومتى دخل، ويسألها إذا أراد طعاماً أو شراباً, ويسألها إذا أراد أي أمر من الأمور، وبالتالي تتقطع الأواصر بين الأسرة، وتصبح هذه الخادمة هي الوسيط، حتى إن الخادمات أصبحن يقمن بحل المشكلات بين الزوج والزوجة، أو بين الأبناء والآباء، وإذا غضبت البنت فإن الزوجة أو الأم توسط الخادمة حتى تهدئ البنت وترضيها ونحو ذلك، وأصبحت الخادمة هي المحور الأساس في الأسرة, وبالتالي تستطيع أن تمارس الدور بقوة, بل بالفرض أحياناً وبالتهديد الإجباري بالرضوخ لأوامرها والاستجابة لها, لا سيما إذا كان عندها من المواقف والأحداث ما تمسكه وتهدد به المرأة أنها قد تكشفها أمام زوجها, أو الزوج أن تكشفه أمام زوجته، أو الابن أو البنت ونحو ذلك من الأمور. وكذلك إثارة المشاكل قد تتولد بسبب الخادمة بين الزوج والزوجة, فهو يقول لزوجته: لماذا الخادمة أحسن منك؟ وهي تقول له: أنت دائمًا تنظر إلى الخادمة. فصارت الخادمة هي مسار الخلاف والنزاع باستمرار, وربما لو أخرجت لكانت بمثابة نزع فتيل الاشتعال. والنقطة الأخيرة في مسائل الخادمات: ما يتعلق بالتأثير على المجتمع، فالقضية ليست قضية الأسرة كما أشرت, وإنما القضية أنه داء قد يعم الآخرين, من ذلك انتشار الجريمة وفواحش الزنا على وجه الخصوص، فإن الخادمات يمارسن الفواحش، سواء مع السائقين أو مع العاملين أو مع الراغبين، ويبعن أعراضهن بثمن بخس، كما يحصل في كثير من الوقائع، فإن وجودهن بلا أزواج وبلا ضوابط إيمانية أو ضوابط أخلاقية يجعلهن بمثابة سوسة تنخر في كيان المجتمع كله. ومن الجرائم أيضاً السرقة، فكم نسمع أن خادمة سرقت, وأن خادمة نهبت، ويحصل بذلك كثير من المشكلات. وتتدرج الجرائم فتصل إلى حد القتل, وكم قرأنا عن خادمة جاءت على أهل البيت عن بكرة أبيهم وذبحتهم واحداً واحداً! لأنها تعرف وقت نومهم, وتعرف مفاتيح أبوابهم, وتعرف مواطن ضعفهم، لأنها قد يكون لها غرض في سرقة أو غرض في انتقام أو نحو ذلك. وفي مسألة المجتمع إفساد الذوق العام, وتحطيم العرف الشرعي, فيمكن أن تجد في الأسرة أن البنت تتحجب ولا تختلط, لكن الخادمة نوع آخر, ونجد أيضاً نساءً في الشوارع أو في الأسواق قد يتحجبن، لكن نجد المرأة بجوارها خادمتها ليست متحجبة, وهذا نوع من التحطيم للعرف الشرعي وللآداب الشرعية, ونوع من إفساد الذوق العام في الظواهر الاجتماعية في الأسواق وفي المجتمعات وفي المناسبات وغير ذلك من الأمور. وقد أطلنا في هذا الجانب لأنه أكثر الجوانب حيوية, وأكثرها خطورة في نفس الوقت.

стр. 305

خطر الخادمات على الثقافة والتصورات واللغة العربية الخطر الثالث متعلق بالثقافة والتصورات، خاصة في اللغة، ففي الإحصائيات التي أجريت على دول الخليج ذكرت أن ثمان في المائة فقط من الخادمات لديهن إلمام باللغة العربية, والبقية ليس عندهن هذا الإلمام, فتجد العجمة سرت إلينا من لكنة الخدم, وأصبح كثير من الأسر يستخدم الكلمات من اللغة الهندية أو اللغة الأندنوسية، وأصبحنا نذكّر المؤنث ونؤنث المذكر, ونخلط خلطاً عجيباً لأجل أن نتفاهم مع هؤلاء. وهذا لا شك أنه يغير الذوق عند الإنسان, ويغير ملكته وقدرته على القراءة والاستيعاب؛ لأن هذه الانحرافات لها أثر في القضية التعليمية، خاصة عند الصغار، فالصغير ينحرف تماماً في هذا الجانب، ويصبح فهمه للغة وتفاعله معها وقراءته واستفادته من قراءته في اللغة ضعيفاً في هذا الجانب. وكذلك من الناحية المتعلقة بالجانب الفكري والثقافي، فما تقرؤه الخادمة، وما تتابعه من الاهتمامات في القدوات والفن والقصص الماجنة ونحو ذلك ينعكس بصورة أو بأخرى على الأطفال والأسرة.

стр. 306

المخاطر العقدية المترتبة على تعلق الطفل بالخادمة وعندما نريد أن نضع بعض النقاط لهذه المخاطر المتعلقة بالعقيدة خاصة في سن الطفولة فإن أول هذه المخاطر تتركز في عقيدة الولاء والبراء, فإن الطفل والصغير ينشأ على حب الكفار, وربما تعظيمهم والثناء عليهم, والنظر إليهم على أنهم هم المقدمون وهم الأفضلون؛ لأنه يرى ذلك من خلال تعلقه بهذه الخادمة أو المربية. الأمر الثاني: تلقين مبادئ هذه الديانات المختلفة والمنحرفة للأطفال, وذلك في صور شتى كثيرة، وبعض النسب من الجنسيات تذكر أن (١. ٥) من الخادمات في منطقة الخليج من الجنسية الإنجليزية يعملن مربيات وخادمات، ومن المتوقع أن الإنجليزية ليست ذات حاجة، بمعني أنها لم تأت لتخدم لأنها تريد أن تأكل لقمة العيش مثل التي تأتي من جنوب شرق آسيا أو من أدغال أفريقيا أو نحو ذلك, بل إن الدراسة تقول: إن هؤلاء الخادمات أكثرهن حاملات للشهادات الجامعية، وعندهن مؤهلات تربوية, لكن هؤلاء النساء والخادمات بشكل مباشر يقمن بمهمة التنصير التي سأذكر أنها هدف مهم جداً من خلال إيجاد فكرة الحاضنات ودور الرعاية والحضانة والتربية للأطفال، خاصة مع وجود التكامل في إخراج المرأة للعمل, ثم تضييعها, ثم انتزاع الأطفال وتربيتهم، فيفسد المجتمع والأسرة, وتدمر من كل العناصر؛ لأنها كذلك تجد أن عنصر الشباب والشابات لهم أيضاً ما يصرفهم، كما سيأتي في مسألة الهاتف والفيديو. وفي دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية ذكرت هذه النتائج من الناحية العقدية: الأمر الأول: كثر عند الأطفال الاحتفال بأعياد الميلاد والمناسبات التي تتعلق بديانات الكفار، فإننا نجد كثيراً من البيئات –للأسف- تجد فيها أن الابن يتعلق بعيد الميلاد وبعيد المسيح ورأس السنة ونحو ذلك، لما يتلقاه من هذه المربية أو الخادمة، وإذا كانت الأسرة مساعدة على ذلك فهذا شر وشر، وإذا كانت لاهية فإن الخادمة تستطيع ممارسة هذه الأمور مع ربيبها في غرفتها, وتأتي له بالشمعة، وتمارس كل شيء؛ لأن الأهل غائبون أصلاً لا وجود لهم، وللأسف نجد أن هذه ظاهرة مشاهدة في المجتمع, فإنك تجد بعض المطاعم الآن لها قسم مخصص للأطفال, وتجد أنه مخصص لأعياد الميلاد، ولبعض الحفلات التي يدعو فيها الطفل زميلته أو زملاءه ليقيم لهم حفلة, ويكون الحضور لهؤلاء الأطفال ومن معهم من الخادمات, وقد رأيت هذا بعيني في بعض هذه الأماكن. فإذاً التعود على شعائر الكفر وأعياد الكفر لا شك أنه نوع من انتزاع الولاء والبراء, ونوع من التلبس بانحرافات عقدية ظاهرة. الأمر الثاني في هذه الدراسة: وجود عدم الحرص والجدية على أداء الصلوات في أوقاتها, والتسيب والتفريط فيها، وعدم الاهتمام بها إلى درجة ضعيفة جداً. الأمر الثالث: الحرص على مشاركة الخادمات في الاستماع للبرامج الأجنبية، والقراءات في الكتب الدينية. الأمر الرابع: إثارة أسئلة وجدل حول القضايا الدينية، ولا شك أن هذه القضية خطيرة جداً، فإنه قد ذكرت جريدة (الهدف) رغم انحرافها في عام ألف وأربعمائة وعشرة من الهجرة مقالاً قالت فيه: أطفال يعبدون النار أمام البوتجازات أو الغاز؛ لأنهم يتأثرون بالخادمات الوثنيات اللاتي يقدسن النار، فيأتي الأهل فيجدون الطفل وهو أمام الموقد وهو يؤدي طقوس العبادة لهذه النار! وهذا أمر نتج عن تحقيقات صحفية واقعية. وهكذا إثارة قضايا الجدل في الدين: لماذا هذه الصلاة؟! ولماذا هذا الحجاب؟! ولماذا هذا الدين؟! ولأي شيء تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟! خاصة بالنسبة للطفل الصغير، فإنه على أقل تقدير يشكك في هذه العقائد، بينما لو كانت الأسرة مسلمة محافظة فإنها تسعى إلى أن تلقن هذا الطفل العقيدة السليمة، بدءاً من الأذان في أذنه عند ولادته ليسمع كلمة التوحيد، وتحنيكه إلى آخره، فينبغي أن تغرس فيه هذه المعاني، وليست مهمتها أن تتركه، بل ينبغي أن تغرسها فيه، لكن أن تتركه لتغرس فيه معانٍ وعقائد كفرية مخالفة لهذا الدين فإن الأمر يتحقق فيه قول النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فهؤلاء تركوه للخادمة لتهوده أو لتنصره أو لتمجسه أو لتخرجه من دينه وتشككه في حقائق هذا الإيمان. الأمر الخامس في الانحرافات العقدية: تحليل الحرام وتحريم الحلال، فإن التلقين الذي يحصل يجعل الطفل أو الصغار يحللون الاختلاط، ولماذا يكون حراماً؟! ويحللون الخمر، ولماذا تكون حراماً؟! وأتكلم عن بيئات الخليج بشكل عام؛ لأن الدراسة أيضاً تشمل بعضها, وهذه كلها صور من الانحرافات العقدية. وأذكر نصين: أحدهما متعلق باليهودية, والآخر متعلق بالنصرانية: ففي (برتوكولات حكماء صهيون) نص على أن من أساليب اليهود وإفسادهم للمسلمين وصرفهم عن دينهم -كما يقولون- إشاعة الانحراف والخلل العقائدي عن طريق ما يقول عنه النص: هذه الأعمال التي أغراهم بها وكلاؤنا ومعلمونا وقهرماناتنا في البيوت الغنية. والقهرمانات هن المربيات, ولك أن تتصور أو أن تعرف أنه كلما كانت الأسرة راقية في المستوى المادي كلما كان عندها من الخدم أصحاب التطور الحضاري وأصحاب الشهادات العالية من يكونون أقدر على تثبيت هذه الانحرافات العقدية وغرسها في الأطفال وفي الأسرة, وكذلك يكون في غالب البيئات المترفة التي هي أبعد عن التعلق بأبنائها, ونرى أن الطبقات العالية في المجتمع من أصحاب الأموال والثراء, ومن أصحاب الوجاهة, وربما من أصحاب السلطة يسلمون أبناءهم الذين هم أمل المستقبل في إدارة دفة الأمور وفي تولي كثير من المناصب يسلمونهم لهؤلاء الخادمات ليقمن بهذه العملية التدميرية المسخية للعقائد. وهذا نص بالنسبة للنصرانية أو للمبشرين: يقول أحدهم: يجب أن نؤكد في جميع ميادين التبشير جانب العمل بين الصغار وللصغار, وترانا مقتنعين لأسباب مختلفة بأن نجعله -أي: هذا العمل- عمدة عملنا في البلاد الإسلامية؛ لأن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكراً جداً. يقولون: إن الإسلام يفسد به الأطفال، أي أن المسلمين يفسدون أطفالهم بهذا الإسلام منذ صغرهم, فإذا كان الصغير الذي لا يعقل يقول: (لا إله إلا الله) ويقول: (الله أكبر) وإذا قلت له: من أين جاءك هذا؟ قال: من الله. من أعطاك هذا؟ قال: الله. فإن هذا الفساد -في نظرهم- يبدأ مبكراً، من أجل ذلك يجب أن يحمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم الرشد, وقبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية. إذاً المسألة واضحة في هذا الجانب, والخطر عظيم جداً, ليس الخطر متعلقاً بالصغار في الحقيقة, بل إن الخطر -أيضاً- متعلق حتى بالكبار من الشباب والشابات, خاصة في ظل وجود الفراغ العلمي، بحيث تجد كثيراً من هؤلاء لا يعرفون دينهم, ولا يعرفون الحقائق الإيمانية عن يقين وعن وضوح، بحيث إنه يمكن أن تكون الشبه التي تطرح والتساؤلات التي تلقى تثير عندهم الريبة, وتزعزع عندهم المسلمات العقدية, بل إنه تنشأ هناك ظاهرة موجودة في الأسر حتى عند أرباب الأسر من الرجال والأزواج, وهي موضوع حرية التدين وإخاء الأديان, فيقول أحدهم: أنا عندي خادمة مسيحية, وعندي سائق بوذي, والحقيقة أن لهم أخلاقاً جميلة, وتعاملهم جميل, وهذه كلها ديانات, ولكل إنسان أن يأخذ الدين الذي يراه, وليس هناك مانع في مثل هذا, والأديان كلها واحدة, والأديان قضية شخصية. وهذا لا شك -أيضاً- أنه انحراف عقدي؛ لأن فيه أن لا يوقن الإنسان بأن الإسلام كما قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وأن لا يوقن بأن هذا الدين فحسب هو الدين الخالد الذي يرضاه الله لعباده وللناس أجمعين, وأن بقية الديانات السماوية علاها التحريف حتى غدت في كثير من نصوصها كفرية, فهذا الاعتقاد عدم وجوده في المسلم هو نوع من التميع في الاعتقاد, بل نوع من الانسلاخ من حقائق أساسية في هذه العقيدة الإيمانية, إضافة إلى الحب والولاء لهؤلاء الكفرة من الخدم أو الخادمات.

стр. 307

خطر السائقين والخدم على الأسرة والمجتمع أنتقل إلى النقطة الثانية، وهي قضية السائق أو الخادم, والأسباب هي نفس الأسباب السابقة في الغالب، أعني موضوع الترف والمحاكاة وما يلحق بذلك, وانشغال الأب ونحو هذه الأسباب, والمخاطر أيضاً فيها نوع من التقارب, لكن هنا اختلاف، فهناك العنصر النسائي مع الرجال, وهنا العنصر الرجالي مع النساء. فمن هذه المخاطر خلوة السائق بالنساء من زوجة أو بنت أو غيرها, وكثرة الخلطة؛ فإن بعض صور التفريط تجعل السائق أكثر اختلاطاً بنساء البيت من الأب مع بناته, ومن الزوج مع زوجته, فالسائق يعرف ذوقها في الألوان، ويعرف مزاجها في الاستيقاظ والنوم، ويعرف تحب من الأطعمة ونحو ذلك، فيستطيع أن يلبي هذه الاحتياجات ويستحوذ على قلب المرأة، والمرأة مخلوقُ ضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فهي تسترقها الكلمة العذبة, ويستمليها التصرف الجميل, وأحياناً تظهر التصرفات على أنها نوع من المجاملات العادية, فقد يهدي للبنت أو للزوجة, أو يثني على مظهرها, فهو الذي يذهب بها إلى مكان التجميل, فإذا خرجت يقول لها باللهجة العامية أو بلهجته المتكسرة: أنت اليوم جميل. أو نحو ذلك، فيلفت نظرها, فتسمع منه ما لا تسمعه من زوجها، وكثرة الخلطة تؤدي إلى أن يكون هناك سبب وتهيئة لحصول الفاحشة والجريمة, وهذا يقع أحياناً. النقطة الثانية في خطورة السائق أنه يعلم ويجمع الأخبار, ويتستر ثم يضغط, وقد يستفيد من هذه الأحوال، فهناك انحرافات, وهناك تجاوزات, حيث قد تخرج المرأة بغير أذن زوجها، والذي يوصلها هو الخادم، فيعرف المكان الذي ذهبت إليه، وقد تقوم البنت أحياناً عندما يوصلها إلى مكان بعمل معين، وهو يشاهدها, بل هو الذي يرافقها، وللأسف فهناك بعض النساء يرافقهن السائقون إلى داخل المحلات التجارية, فالمرأة تشتري وهو الذي يحمل, فيعرف ما أشترت من ملابسها، ويعرف أخص ما تحتاج إليه من كل الأمور، فيطلع على هذا, ويطلع على بعض العلاقات وبعض المخالفات, وبعض الأمور يتستر عليها, وقد يكون وسيط سوء، كما قد تكون الخادمة كذلك في تسهيل الأخطاء والفواحش. وأيضاً قد يستخدم هذا لأسلوب الضغط ليحظى هو أيضاً بهذه الجريمة أو الفاحشة، عياذاً بالله ، وهذا أيضاً يقع؛ لأنه يطلع على ما لا يطلع عليه غيره. النقطة الثالثة: وقوع الفواحش خارج إطار الأسرة, وذلك بين الخدم والخادمات, وشيوع هذا الأمر، حتى ترتب عليه عدم الاهتمام بهذا الجانب. النقطة الرابعة: عدم الاهتمام بالأحكام الشرعية, فكأن هذا السائق رجل من فصيلة أخرى من غير فصيلة بني آدم، ومن غير جنس البشر, فالمرأة تتكشف أمامه, وتنبسط معه, وتتحدث إليه, وقد تضع يدها على ظهره, وقد تصافحه, وقد تمزح معه وتظنه شيئاً آخر, وما هو إلا رجل فيه فطرة الله التي أودعها في كل إنسان, ويقع مثل هذا الأمر. وهكذا الجرائم التي أشرت إليها من السرقة والقتل والفاحشة التي تقع سواءً في مجتمع الأسرة أو في المجتمع العام هي أيضاً داخلة في هذا الإطار.

стр. 308

الأسباب التي تجعل من الهاتف مشكلة القضية الثالثة: قضية الهاتف, وما أدراك ما الهاتف -كما يقولون-! فهناك نقاط نحتاج إلى إيجازها بشكل محدد حتى لا نغفل النقاط، وإن كان نغفل التفصيل فيها, فما هي الأسباب التي تجعل من الهاتف مشكلة؟ أولاً: عدم التربية الأخلاقية الإيمانية، فهناك تسيب وعدم التزام من أفراد الأسرة مما يسهل هذا. ثانياً: عدم التوعية، فإنه قد تكون الفتاة متربية أو الفتى متربياً، لكن لا يوعيان ببعض المخاطر وبعض المزالق وبعض ما ينشأ عن هذه الأجهزة من أمور لا يفطن لها. ثالثاً: عدم المتابعة والمراقبة، لأنه حتى بعد التربية والتوعية قد يحصل الخطأ مرة, فلابد من أن يكون هناك تنبيه ولفت نظر وتذكير وموعظة, أما الغفلة فإنها تجر شيئاً وراء شيء آخر. رابعاً: تأثير الإعلام والمجتمع، لأن هذا التأثير يصل بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الأفراد، فيتعلقون بالهاتف من الوجه السلبي الذي سيأتي ذكره. ثم هناك أسباب عملية في حصول المشكلات الناتجة من الهاتف. الجانب الأول: من هذه الأسباب -ولعله من أولها وأخطرها-: التبريرات الوهمية في الاستخدام الخاطئ للهاتف, فمثلاً: يتصل الشاب بخطيبته، وينبسط معها بحجة أنها خطيبته أو أنه يريد أن يخطبها, أو يريد أن يتصل بواحدة ليتعرف عليها ومن ثم يختبرها ويفحصها وبعد ذلك يخطبها ويتزوجها, فهو له مقصد شريف, وأحياناً قد تكون مثل هذه الأمور بحسن نية، وإن كانت من جهة الشباب يغلب عليها سوء النية ومن جهة الفتيات -في بعض الأحيان إن لم يكن في أكثرها- يغلب عليهن الغفلة وحسن النية. ومن هذه التبريرات الوهمية التجربة, فالشاب يسمع عن المعاكسات وكذا, فإذا جاء اتصال يقول: لماذا لا أجرب؟! وهذا نوع من حب الاستطلاع، ونوع من هذه التبريرات, وكذلك أيضاً تقول الفتاة: أنا في البيت وهو بعيد، فلماذا لا أعطيه كلمتين وآخذ وأعطي معه حتى أرى ماذا يمكن أن يكون؟ ثم لا يعلم الإنسان أن هذا بمثابة الشبكة التي تصيد السمك. ومن التبريرات الوهمية أيضاً قصد النصح والوعظ, فقد تتصل واحدة فيقول: دعني أذكرها وأعظها وكذا. وإذا به يقع، وقد وقع هذا في تجارب عملية. فهذا الجانب الأول, وهو التبريرات الوهمية. الجانب الثاني: التساهل في الاستخدام, فهناك استخدامات مطلوبة, فقد تضطر المرأة إلى الاتصال –مثلاً- بجهة معينة أو بأسرة معينة, فيرد رب الأسرة، فتطلب زوجته أو تطلب ابنته أو نحو ذلك, وهذا الأمر يحصل, لكن التساهل يحصل أنه إذا رد رب الأسرة تقول له: كيف الحال؟! وهل أنتم طيبيون؟! وكذا، أو تتصل هي لتقضي غرضاً معيناً, أو تتصل بالمستشفى لتسأل عن موعد العيادة, أو تتصل وتوسع دائرة الاتصال، وهذا التساهل يعود على كثرة الاتصال بين الرجال والنساء؛ مما قد يقع به بعض الخطأ والخلل. الجانب الثالث من الأسباب العملية -أيضاً- وجود أرقام هاتفية خاصة لكل فرد أو لبعض أفراد الأسرة, فهناك رقم للفتاة, ورقم للشاب, ورقم للزوجة, أو على الأقل بعضهم يكون عنده رقم خاص, وهذا سبب مهيئ لحصول بعض المشكلات والمفاسد. الجانب الرابع: عدم التدقيق في المكالمات وطبيعتها من ربات وأرباب الأسر، فالمكالمة الليلية التي تأتي بعد منتصف الليل لابد من أن تثير الريبة, فما هو الأمر الجلل الذي يستدعي هذا الاتصال؟! وما هي القضية المهمة التي تدفع إلى المهاتفة في مثل هذا الوقت؟! وهذا السبب أيضاً الغفلة عنه توقع في بعض هذه المشكلات. وهكذا الوسائل التي يقع بها تبادل الأرقام لغرض حصول المعاكسات أو الفتنة, والتغرير بالمرأة على وجه الخصوص, فهناك وسائل كثيرة، من هذه الوسائل: أولها: العشوائية. أي: أن ينتقي أي رقم عشوائي ليجرب من يرد عليه, وأحياناً يحفظ هذا الرقم بالكتابة, أو يكون عنده الهاتف الذي يعيد الرقم مسجلاً على الشاشة، بحيث يضبط هذا الرقم مع المكالمة أو مضمونها. النقطة الثانية: استخدام أرقام للأقارب والمعارف، فإن كثيراً من المشكلات ثبت أن الذين يعاكسون فيها هم من العالمين والعارفين بهذه الأسر ومن فيها وما فيها, وبحكم هذه المعرفة تستخدم هذه المعلومات لنوع من الضغط أو التخويف, أو أحياناً تستخدم كنوع من إثارة حب الفضول والاستمرار في المكالمات. النقطة الثالثة: الأسواق وما يرمى فيها من الأرقام على الأسلوب المعروف, فهذا الأسلوب -للأسف- أصبح معروفاً ومنتشراً، ولم يعد يقوم به الشباب تجاه الشابات، بل حتى الفتاة يكون معها في حقيبتها عدة نسخ من رقم الهاتف لتوزعه على الرائحين والغادين، وهذا -أيضاً- للأسف ظاهرة موجودة. النقطة الرابعة -وهي من أخطر هذه النقاط على الإطلاق-: الزملاء والزميلات, فإن كثيراً من الشباب الذين يمارسون الانحراف من خلال هذا الهاتف يوصون ويعطون الأرقام لزملائهم، ويقول أحدهم لزميله: هذا رقم فلانة الفلانية. أو: هذا رقم واحدة تدرس في الجامعة. بحسب ما عنده من المعلومات, وكذلك الزميلات في المدارس يعطين زميلاتهن أرقاماً لفلان وفلان, مع التشجيع والتحريض والتعليم –للأسف- على أسباب المكالمات, وكيفية الإغراء، ونحو ذلك من الأمور!

стр. 309

المخاطر والمفاسد الناتجة من الاستخدام السلبي للهاتف والأمر المهم في هذه الناحية بإيجاز -أيضاً- بعد ذكر أسباب المشكلة نظريًا ثم عملياً ثم بعض الوسائل هو: ما الذي يحصل من المفاسد والأخطار من هذا الهاتف نتيجة الاستخدام السلبي؟ لأن الاستخدام الإيجابي معروف أنه يقضي الحوائج. أول قضية: قضية ضياع الوقت فيما لا فائدة فيه ,بل فيما قد يكون أمراً محرماً, فطول المكالمات التي تقع -سواء بين النساء أو حتى ربات البيوت- ضياع للوقت, وغالباً ما يكون فيها الغيبة والنميمة, والقيل والقال, وأخبار فلانة وعلانة, وبني فلان وأهل فلان إلى آخر ذلك, وتستمر المكالمات ليس الساعة والساعتين, بل الثلاث والأربع، وكذلك المكالمات التي تقع بين الشباب والشابات والفتيان والفتيات أيضاً تستمر إلى ساعات طويلة, ويكون فيها من كلام الفتنة والإغواء والإغراء ما فيها, إضافة إلى أنهم يستخدمون جزءًا طويلاً من الأوقات في مساعدات, بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يكون طول المكالمة هو الحديث, بل ربما يستخدم المسجل أو الراديو ليسمع الطرف الآخر أغنية, ثم يعلقان على الأغنية، أو نحو ذلك من الأمور, أو يكون جزءٌ من المحادثات صمتاً وتفكيراً وآهات ونحو ذلك، وهذا كله من الأسباب التي تؤدي إلى الفتن وإلى زيغ القلوب، نسأل الله السلامة. ومن المفاسد أيضاً حصول التعلق بالمحرمات والمعاصي, والقرب منها, واللهفة عليها, وهذا يحصل من خلال الاستمرار في هذه المكالمات والمعاكسات والمغازلات ونحو ذلك، فإنك تجد مثل هذا الأمر يستمرئه الإنسان شيئاً فشيئاً, ويقع منه أخطاء كبيرة تدريجياً، فهذا الجانب أيضاً تقع به الخطورة, فتجد الفتاة دائماً في الأحلام الوردية، وفي فتى الأحلام, وتبقى هائمةً مع معسول الكلام الذي هو عبارة عن نوع من الطعم الذي تصاد به, والخاسر الأول والأخير فيه هو هذه البنت أو تلك الفتاة المغررة الغافلة الساذجة. وكذلك أيضاً من القضايا الخطيرة ما يترتب على هذه المكالمات من أسباب عملية, على نسق قول القائل: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء وكذلك الإغواء، كما قال القائل: خدعوها بقولهم حسناء والصبايا يغرهن الثناء فهذا الإغواء والإغراء ينتج عنه أنه يطلب مقابلتها, وبعد المقابلة يطلب المصاحبة, وبعد المصاحبة يطلب المرافقة أو الخلوة الطويلة, ثم ينشأ عن ذلك ما هو معلوم في آخر الأمر من وقوع الفواحش نسأل الله السلامة. وللأسف -أيضاً- أن الهاتف السيار الذي هو من النعم يستخدم استخدامًا سيئاً في هذا الجانب, فإن المكالمة تكون في السيارة, ثم يتم وصف المنزل, ويواصل: أنا في هذا الشارع عند هذه الإشارة، خذ يمينك، خذ يسارك. حتى يصل إلى الموقع فيقال: انظر إلى الدور الثالث، انظر إلى النافذة المفتوحة. وهذا يقع بالفعل, ويحصل منه كثير من المشكلات؛ لأنه يسحب ويجر من حيث يشعر هؤلاء أو لا يشعرون, والأسرة غافلة, والأب والأم في سهو ولهو, بل إن المشكلات تتضاعف حيث إنه تقع المشكلة في مقتل أكبر عندما تقع في هذا الأمر وفي هذه الفتنة ليست الفتاة وإنما الزوجة، فإذا بالزوجة تنحرف مع رجل آخر, وإذا بالزوج يتعلق بامرأة أخرى, وتقع فوضى من التحلل والانحراف وحصول الفاحشة والجرائم بما لا يمكن أن يتصوره الإنسان عندما لا يسد هذا الباب. أيضاً من القضايا التي تقع في هذه المكالمات ما يقع -أيضاً- من الإغراء أو من حصول الأمر الذي يسهل الفواحش ويجعلها هينة سهلة, فتجد أن بعض هذه المكالمات تستخدم فيها كل الألفاظ البذيئة والعارية والمكشوفة, بل إنها ربما تبلغ مبلغاً يكون فيه من الأوصاف ما لا يكون إلا في المعاشرة بين الرجل وزوجته. وأيضاً من الأسباب الخطيرة استخدام المكالمات في الحصول على المطالب، فإن بعض الناس وبعض هؤلاء الشباب -خاصة المنحرفين والمحترفين في نفس الوقت- يسجلون هذه المكالمات, ثم يهددون بها الفتيات الغافلات, مثل التي تقول: أجرب في أول الأمر. فإذا بها تجد أن المكالمة مسجلة, ثم يتصل مرة أخرى ويسمعها صوتها، ومن غفلتها أو من خوفها أو من رهبتها من أهلها تبدأ الأمور تختلط على هذه الفتاة, وتقع في ما لا تحمد عقباه. وأيضاً تستخدم هذه الأشرطة -وللأسف الشديد- كنوع من أشرطة الإغواء والأغراء بشكل عام, وكأنها شريط فيديو فاحش أو نحو ذلك؛ لأن فيها تسجيلات أحياناً بذيئة, وقد رأيت ذلك وسمعت بعضاً منه ممن أخبرني به وأتى به إلي, وللأسف أنه في بيئاتنا ومجتمعاتنا وفي مدينتنا ليس في غيرها. ومن هذه المفاسد والأخطار إثارة المشكلات العائلية، حيث يسبب استخدام الهاتف -في مثل هذا خاصة- في إثارة المشكلة بين الرجل والمرأة أو الأبناء والبنات, وذلك من خلال بعض المعلومات التي يعرفها, سواء أكان قريباً أم من المعروفين, أم من خلال التدرج في الاتصالات الهاتفية، ثم يجد الصد أو يجد المنع, فحينئذ يتصل بالرجل ويقول له: إني أعرف زوجتك. أو: اتصلت بها أو ذهبت معها. أو نحو ذلك, أو يفتعل قضية غير صحيحة، لكن لها بعض الأسباب، كما يستخدم أيضاً في الغفلة أحياناً عندما يتصل متصل, فتظن المرأة أنه صوت أخ لها أو قريب لها, فتأخذ معه في الحديث ولا تنتبه, وتعطيه بعض المعلومات, ثم يبدأ يستخدم هذه المعلومات مرة أخرى في سبيل تدمير الأسرة, خاصة حينما يكون هناك عداء أو قصد لهذا الضرر, فإنك تجد أن الهاتف واستخدامه السيئ يصل بهذه القضايا إلى حد الطلاق, بل إلى حد وقوع الجرائم التي تصل إلى جريمة القتل. فهذا الأمر يقع به كثير من المخاطر كما أشرنا وأوجزنا, فالقضية تترتب على أن هذا الاستخدام ينبغي أن يكون موجهاً ومنضبطاً ومراقباً من قبل رب الأسرة, وأن لا تكون تلك الأسباب التي أشرنا إليها مما فيها دفع إلى الخطأ والأخطار أو تهيئة لها متروكة العنان. وربما كان في الحديث مزيد من التفصيلات والتفريعات, لكن الوقائع في هذا كثيرة جداً, ونجد أن الأمهات والآباء -لا سيما إذا كانوا كباراً في السن- تنطوي وتنطلي عليهم حيل الأبناء التي تعلموها –وللأسف- من الزملاء ومن المدارس ونحو ذلك, فالابن يتكلم مع البنت، ويذكر الضمائر, ويكون معروفاً بين الاثنين أنه يقول لها: كيف حالكَ؟ فتعرف أنه قد جاء أحد إلى مكان الولد, والبنت تؤنث حينما تتحدث مع الرجل, فتخاطبه مخاطبة الزميلة، ويكون الآباء والأمهات غافلين. ولقد جاءني أحد المصلين مرة يشكو أنه ليس مقيماً مع أهله, بل هم في مكان آخر, فإذا به عندما زارهم في أحد المرات وجد أن بعض أخواته متعلقة بالهاتف بنوع من المعاكسات والاتصالات غير المحمودة, فأراد أن يتحقق، فاكتشف وسجل, فوجد أن المفاسد قد تغلغلت، فلما نصحها قالت: هذا صديقي! وماذا يكون في أن أكلمه في الهاتف؟! فلما شكا للأم قالت له: إذا أردت أن تزورنا بدون مشاكل فحياك الله, أما أن تسبب مشاكل فلا، فالبنات طيبات, وليس عندهن مشكلة، وأنا دائماً معهن, وما رأيت منهن سوءًا قط. وأصبح هو المتهم وهو المخطئ، وهذا يقع –وللأسف- كثيراً.

стр. 310

حكم اتخاذ الخدم والسائقين هناك إيجاز في فتاوى العلماء بالنسبة للخدم والسائقين أحيل إليها, فقد أفتى كثير من العلماء والمشايخ بعدم جواز استخدام واستقدام الخادمة غير المسلمة, كما ذكروا أن الحجاب المفروض على الخادمة وكذلك أمام الخادم هو نفس الحجاب الشرعي, وليس هناك أي تساهل أو تفريط, وكذلك ذكروا عدم جواز اجتماع دينين في أرض الجزيرة على وجه الخصوص, وغير ذلك من الفتاوى الكثيرة المنشورة، وأكثرها مجموع في رسالة (الفتاوى الاجتماعية) المتعلقة بالأمور الاجتماعية, ففيها مجموعة من الفتاوى لفضيلة الشيخ: عبد العزيز بن باز وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، وفيها كثير من القضايا المتعلقة بهذه الجوانب, ونكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يوفقنا لمرضاته والابتعاد عن معصيته ومخالفته. والحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم- وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 311

العشر الأواخر فضائل ومسائل من حكمة الله أن فاضل بين مخلوقاته، ففضل بعض البشر على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض، وفضل بعض الأزمنة على بعض، ومن تلك الأزمنة التي فضلها الله : العشر الأواخر من رمضان، فإنها أفضل ليالي السنة، وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فينبغي لكل مسلم أن يستغل هذه العشر في طاعة ربه ومحاسبة نفسه وتزكيتها وتهذيبها.

стр. 312

السر في تحديد العشر الأواخر للاعتكاف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فحديثنا عنوانه: (العشر الأواخر تأملات وتوجيهات). وهذا الحديث نحن في حاجة إليه، ولعل أول ما أبدأ به أن أسأل: لماذا نقول: العشر الأواخر؟ وماذا في هذه العشر؟ وأي خصيصة لها؟ وبالتأمل نجد هناك أمرين مهمين أساسين: أولهما فعل النبي ﷺ وسنته في الاعتكاف؛ إذ كان اختصاصها بهذه العشر ظاهراً، وزيادته ﷺ من العبادات فيها على عبادته الكثيرة المضاعفة في شهر رمضان. والأمر الثاني هو ليلة القدر التي جعلها الله في هذه العشر. وسوف نقف مع الأمر الأول، وهو سنة الاعتكاف وبعض حكمها وأسرارها. فالاعتكاف مدته هي عشرة أيام من العام، أي: عشرة من ثلاثمائة وستين أو خمسة وستين يوماً، وليس هذا مقصوداً طبعاً بذاته، ونجد أنها نسبة تعادل تقريباً (٢. ٥%)، فكأنما هذه الأيام هي زكاة الأيام، كما أن في المال زكاة، فلنا ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً نخلط فيها دنيا بأخرى، وإن كان المنهج الإسلامي لا يفرق بين دنيا وأخرى، فكلها لله، ولكننا نخلط فيها أعمالاً من كسب العيش مع أعمال من التعبد، لكن هذه العشر تكون خالصة لله . والانقطاع فيها عن الدنيا تام، والانشغال بالخالق عن المخلوقين كامل، ومن هنا جاء تميزها وجاء فرق ما بينها وبين سائر الأيام، فهذا وجه من الوجوه، وهو وجه زكاة الأيام، ولو تأملنا فسنجد أننا في هذا المعنى نحتاج إلى المزيد من الشعور بتقصيرنا تجاه عبادة الله ، ونحن نرى اليوم أن هذه العشر التي واظب النبي ﷺ على الاعتكاف فيها وثبت أنه أعتكف مرة عشرين نرى أن الذين يحرصون على إقامة هذه السنة في جملة الأمة قلة تتزايد، لكنها ليست الكثرة الكاثرة، وكأن العشر -رغم أنها قليلة بالنسبة لبقية العام- ما زالت النفوس وما زالت مشاغل الدنيا وما زالت متطلبات الحياة تضيق فلا تتسع لها، وتشغل فلا تتاح الفرصة لاغتنامها في طاعة الله وحدها دون مشاركة غيرها، هذا هو الوجه الأول.

стр. 313

السر في الاعتكاف في العشر الأواخر وأما الثاني فما السر في الاعتكاف الذي هو في حقيقته انقطاع عن الخلائق واتصال بالخالق ؟ ذكر ابن القيم ﵀ أن الذي يؤثر في القلب -أي: تأثيراً سلبياً- أربعة أمور: الأول: كثرة الشراب والطعام. الثاني: كثرة الكلام. الثالث: كثرة المنام. الرابع: كثرة مخالطة الأنام. وقال: وكلها علاجها في رمضان، ثم ذكر ذلك فقال: الصيام علاج كثرة الشراب والطعام، والقيام علاج كثرة المنام، وتلاوة القرآن والإمساك عن القول بالباطل علاج كثرة الكلام، وبقي علاج مخالطة الأنام، فيأتي علاجه في هذه العشر التي ينقطع فيها الإنسان عن سائر الخلق أجمعين ليتفرغ لطاعة رب العالمين، فلا يسمع اللغو ولا الغيبة ولا النميمة ولا الشجار ولا الخصام ولا الشتائم المقذعة، ولا يسمع أمور الدنيا وكلامها وأسبابها وأحداثها، فهي أيام لله خالصة.

стр. 314

مضاعفة الجهد قرب النهايات الوجه الثالث أن الخواتيم قرب الانتهاء تؤذن بأن المؤسم سينقضي، وأن فضيلة الشهر وفضيلة الأجر ومضاعفة الأجر وفضيلة محو الوزر توشك أن تنتهي، ولذلك فلابد في آخر كل زمان له موسم من مضاعفة الجهد فيه أكثر لاستدراك ما فات، ولمزيد من الاغتنام لما بقي، وذلك معروف في حياة الناس؛ فالطلاب عند قرب الاختبارات يضاعفون الجهد في القراءة والمذاكرة، ويتركون بعض أمورهم وطعامهم وشرابهم وزيارتهم وبعض ما اعتادوه؛ لأنه لم يعد هناك وقت يمكن الجمع فيه بين الاثنين، ولذلك يؤخرون هذا، ومثل هذا مواسم التجارة المختلفة، فإن لكل بضاعة موسماً، وأهل الموسم إذا جاء الموسم وأوشك أن ينتهي فإنهم يواصلون ليلهم بنهارهم، ولا يكون هناك وقت للدوام، ولا يكون هناك وقت للراحة، ويتعاقبون أحياناً على متاجرهم؛ لأن الوقت -أيضاً- يوشك أن ينتهي، وإذا انتهي فلن تكون الفرصة سانحة لمزيد من تحصيل تلك الأرباح التي يطمحون إليها.

стр. 315

فرصة المراجعة والمحاسبة في الاعتكاف الوجه الرابع -أيضاً- في الاعتكاف أن الإنسان في دنياه منشغل، ووقته الذي يتدبر فيه ويتفكر ويراجع ويحاسب يكاد يكون قليلاً، وإن وجد وقتاً من ذلك فإن كر الأيام يعود عليه بالنقض والإبطال، فتبقي هذه الفرصة مضاعفة في تأثيرها على هذا الجانب، أي: جانب المراجعة والمحاسبة. فقد أحاسب نفسي في يومي وليلتي، وقد أحاسبها في أوقات مختلفة، لكن ظروفاً عظيمة لا تتهيأ للمراجعة والمحاسبة بمثل ما تتهيأ في هذه العشر الأواخر، وفي المعتكف على وجه الخصوص، وكم نحن في حاجة إلى المراجعة والتأمل في كل أمورنا! أمورنا مع الله من طاعة وعبادة وذكر ودعاء إلى آخره، وأمورنا مع أسرنا من زوجاتنا وأبنائنا؛ فإن لنا صلة بهم وتوجيهاً لهم وتربية لهم، وكل ذلك موضع نظر. وهكذا صلتنا بأمتنا اهتماماً بأمرها وتفقداً لأحوالها وعملاً في نصرتها وبذلاً لأجل دفع العدوان عليها، وكل ذلك محتاج إلى التدبر والتأمل، ولذلك ففي هذه العشر فرصة، فهي فرصة عظيمة فيها خصائص كثيرة، ومن هذه الخصائص: أولاً: أن هذه المراجعة تتم في بيوت الله، وهي حينئذ تحتف بالبركة، ويكون فيها من التوفيق ومن التسديد ما لا يكون في غيرها. ثانياً: أنها تكون والإنسان منشغل بعبادة وطاعة، فهو ما بين تلاوة وصلاة وذكر ودعاء، متقلب بين هذه الطاعات، فحينئذٍ يكون استحضاره لتقصيره عن هذه الطاعات وإفراطه في المعاصي أعظم وأظهر. ثالثاً: أنه يكون أعظم رجاءً في رحمة الله؛ لأنه في بيت من بيوته ومتلبس بطاعته، فتكون غلبة حسن ظنه بالعفو والمغفرة أكبر وأرجى وأقوى من أي وقت يحاسب فيه نفسه، فإننا أحياناً نحاسب أنفسنا ونتذكر نقصنا وقصورنا، ثم يغلبنا شيطاننا ونبقى نتساءل: ما هو الحل؟ وهل يمكن أن يكون هناك استئناف؟ وهل يمكن أن نغير؟ وهل يمكن أن يغفر لنا؟ وكل هذه خواطر تأتي فتضعف المحاسبة، لكنها في هذه العشر وفي هذا الاعتكاف بالعكس، حيث يقول الإنسان: ما دمت قد غيرت الآن فسأغير، وما دمت الآن في حال على هذه الصفة فسأستغفر، وسيقبل مني بإذن الله ، فحينئذٍ تؤتي هذه المحاسبة ثمارها الكثيرة من التأمل.

стр. 316

حال النبي ﷺ في العشر الأواخر الواقع الذي نسترشد منه والهدي الذي نقتدي به هو هدي رسولنا ﷺ ، وهذه العشر كانت لها مزية خاصة عند رسول الله ﷺ ، كما روت عائشة في الحديث المشهور قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله، وأحيا ليله، وشد المئزر) وهذه الثلاث لا أود أن أطيل في شرحها، لكن كل واحدة منها له جانب فيه دلالة من الدلائل. فقولها: (أيقظ أهله) فيه إشارة إلى أن الواجب المنوط بكل واحد منا لا يتعلق به وحده، ولا يقتصر عليه وحده، بل يشمل الدائرة الأوسع، وأقربها وأولاها الأهل، فقد ورد عند أبي داود في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (رحم الله امرأ قام من الليل فأيقظ أهله، فإن لم تستيقظ نضحها بالماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحته بالماء) وذلك دليل على أن الذي يجمع بين الزوجين والذي يجمع بين الأهل إنما هو التواصي بطاعة الله والحرص عليها، وهذه مسألة مهمة، وكثيراً ما نرى الرجال يملئون المساجد بالصلوات والاعتكاف، ونرى في الوقت نفسه أبناءهم يملئون الأسواق باللهو والعبث، فأين هم من أبنائهم؟! أو نرى زوجاتهم يملأن الأسواق في أمور لا تحمد، أو في أمور هي دون المطلوب، فأين أزواجهن عنهن؟! وذلك هو ما يشير إليه هذا الحديث التي عبرت فيه عائشة ﵂ عن فعل النبي ﷺ . وقولها: (وأحيا ليله) قال العلماء: إن الرسول ﵊ كان يحيي ليله منذ بعثته، ومنذ أن نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] والنبي ﵊ عندما أخذ بهذه السنة فهي في حقه فريضة لن يتركها، وكان لا يترك ﵊ قيام الليل في سفر أو حضر، إلا ما ثبتت به السنة، كليلة مزدلفة وغير ذلك، فما معنى قولها: (أحيا ليله)؟ كان النبي ﷺ في رمضان يحيي ليله فصلى بصلاته أناس، وهكذا في الليلة الثانية وفي الليلة الثالثة، ثم لم يخرج إليهم في الليلة الرابعة، وصلى وحده لئلا تفرض عليهم، قال أهل العلم في بيان ذلك -كما أشارت إلى ذلك بعض الروايات-: إنه ﷺ كان في رمضان وسائر الأيام يخلط ليله قياماً بنوم، فيصلي وينام، لكن في هذه العشر كان لا ينام الليل مطلقاً، وهذه هي المزية، أي أنه كان يحيي الليل كله، وسنته ﵊ في غير هذه العشر أنه كان ينام ويستيقظ، كما قال ﵊: (من رغب عن سنتي فليس مني) وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، ثم ينام سدسه في آخر الليل قبل الفجر لينشط ﵊ لصلاة الفجر. وقولها: (وشد المأزر) شد المأزر هنا كناية تشتمل على أمرين، وذكر العلماء أن أحد هذين الأمرين هو اعتزال النساء اعتزالاً كاملاً، مع أنه في ليل رمضان يجوز مباشرة النساء، كما قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] لكن النبي ﷺ حين اعتكف في المسجد وتفرغ للطاعة والعبادة اعتزل النساء، ومن مبطلات الاعتكاف ومفسداته معاشرة الأزواج، بل حتى ما دون المعاشرة. ومن جهة أخرى يقال في كلام العرب: شمر عن ساعد الجد أو شمر عن المئزر. إذا جد واجتهد وبلغ الغاية القصوى في البذل والعمل، وهذا مقصود أيضاً في هذا الباب من أبواب الخير التي ندبنا إليها بفعله رسول الله ﵊.

стр. 317

اعتكاف المرأة في المسجد في رمضان وقد اعتكف النبي ﷺ واعتكف نساؤه أيضاً، وهذا فيه مشروعية اعتكاف المرأة المسلمة، والخلاف واقع بين أهل العلم، والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد إذا كان فيه مكان يناسب اعتكاف المرأة، ولا يكون فيه شيء مما يضرها أو يضايقها، وقال بعض أهل العلم: إن اعتكافها في بيتها أفضل باعتبار أن الاعتكاف سنة، والسنن عموماً -بل أداء الفريضة- للمرأة في بيتها مشروع ومندوب كما هو معلوم.

стр. 318

المكوث في بيت من بيوت الله بنية الاعتكاف والعبادة وثمة مسائل نشير إلى بعضها أيضاً في شأن الاعتكاف، فمن ذلك نية المكث في بيت من بيوت الله بغرض العبادة، وهذا له شروط أساسية: أولها: النية، والثاني: أن يكون الاعتكاف في المسجد، فلا يعتبر الماكث في بيته للطاعة والعبادة -وإن كان يفعل مثلما يفعل في المسجد- أنه معتكف؛ لأن الاعتكاف في المسجد هو مظنة القيام بالفرائض التي لا تكون في بيته أو في أي مكان، فكيف سيؤدي فرائض الصلوات؟ وكيف سيحافظ على مسألة اجتماع المسلمين وتوحدهم وتجمعهم على تعبدهم وطاعة ربهم ، وكذلك فيه اللزوم؛ لأن العكوف في المكان هو اللزوم والإقامة، بمعنى أن النية والبقاء في المسجد وعدم الخروج منه هو تتمة شرط الاعتكاف؛ لأنه اعتكاف على وجه خاص ثبت عن رسول الله ﵊، فلا يخرج إلا لحاجة، والحاجة قضاء الحاجة أو طعام وشراب لابد له منه، ويقتصر على القليل منه؛ لأن بعض الناس يعتكف ويخرج للطعام والشراب فيغيب الساعات ويذهب إلى هذا المكان وإلى ذلك المكان، أو يذهب ويخرج لأي غرض فيأخذ منه أعلاه لا أدناه، فيكاد يكون قد قصر كثيراً في اعتكافه، بل قال العلماء -على خلاف بينهم-: إنه لا يخرج لشهود أو لتشييع الجنائز؛ لأن تشييع الجنازة سنة، وهو -أيضاً- في سنة، وهي مؤكدة بفعل النبي ﷺ ، وغيره من غير المعتكفين سيشيعون. فهذه مسألة مهمة.

стр. 319

بعض الأمور التي يتم بها الاعتكاف من الأمور المهمة التي يتم بها الاعتكاف والتي هي من دلائل لزوم المسجد ترك البيع والشراء، فلا يبيع ولا يشتري؛ لأن هذا محظور في المساجد، وهو -أيضاً- في الاعتكاف محظور بوجه آخر. ومنه اعتزال النساء، ويدخل في هذا كل ما يتصل بتحقيق العكوف واللزوم على العبادة والاقتصار عليها، ولذلك قالوا: من المكروه أن يتحدث في أمور الدنيا وأن ينشغل بها، وذلك أمر معلوم فيه هذا المعنى، بل قد قال بعض أهل العلم: إنه في الاعتكاف يترك إقراء القرآن -يعني: تعليم القرآن- ودروس العلم، فلا ينشغل إلا بالطاعة الذاتية التي يقوم بها بنفسه من الدعاء وتلاوة القرآن والذكر والصلاة، ويستكثر من ذلك، وينشغل بنفسه مع ربه، ولا ينشغل مع الناس فيما قد يكون من الأمور التي هي معروفة ومعهودة، وهذا الأمر فيه دلالة على هذا المعنى. وحكم الاعتكاف أنه سنة مؤكدة مستحبة، وليس واجباً قطعاً؛ لأنه فعله النبي ﵊ وواظب عليه وتابعه عليه نساؤه وأهل بيته ولم يأمر به.

стр. 320

الشروط المطلوبة في المعتكف والمعتكف لابد له من شروط، منها: أن يكون مسلما ومميزاً، وأن يكون في أثناء أدائه للعبادات حريصاً على الطهارة، خاصة الطهارة من الحدث الأكبر؛ لأنه لا يجوز له اللبث والمكث في المسجد إلا إذا كان على طهارة، واشتراط المسجد هو الصحيح؛ لحديث عائشة عن النبي ﷺ : (أنه كان يدخل إليها رأسه وهو معتكف فترجله) ولو أن الخروج من المسجد لمثل هذه الحاجة جائز لفعله النبي ﷺ .
следующие страницы →