Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
أحوال الناس في بداية كل أمر ونهايته
الحمد لله، الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء، ليس قبله شيء ولا بعده، وكل شيء هالك إلا وجهه، أنزل كتبه، وأرسل رسله؛ ليوضح منهجه، وليهدي خلقه، أحمده هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه كافة للناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الصفحة الجديدة موضوع مناسب لهذا المقام مع ختام العام، وكثيراً ما نسمع البداية الجديدة التي يتنادى لها الناس في أحوال حياتهم المعتادة كلما عرض لهم عارض أو جد في حياتهم جديد.
فالطالب في بداية عامه يبدأ صفحة جديدة فيها منهج جديد يتلقاه على أيدي معلمين أكفاء، ثم يجتهد ويبذل وسعه وطاقته، ثم يتعاون في تحصيل العلم مع زملائه وأقرانه، ثم يخوض غمار الامتحان، ويوم الامتحان يكرم المرء أو يهان.
والتاجر في نهاية عامه المالي ينظر فيما سلف ومضى، ثم يبدأ صفحة جديدة يتلافى فيها أخطاء الماضي، ويزيد من إيجابياته، ويشق طرقاً جديدة، ويفتتح آفاقاً وأعمالاً عديدة، وهو في ذلك أيضاً يختط لنفسه منهجاً، ويضع لنفسه قانوناً، ثم إنه يحاول أن يستفيد من خبرة غيره، وأن يدرس ما سلف من المشروعات التي مرت بغيره، ثم بعد ذلك يبذل جهده من عقله وفكره ومن وقته وراحته ومن تخطيطه وتدبيره حتى ينجح، ويتعاون بعد ذلك مع غيره؛ لأن مبنى الحياة على التعاون، ثم بعد ذلك يأتي في آخر عامه لينظر في حصيلته من الربح والخسارة.
وهكذا إذا كان بين بعض الناس خصام، وجاءت الفرصة للصلح والوئام قالوا: نفتح صفحة جديدة ننسى فيها الماضي، ونبدأ بداية تقوم على أسس صحيحة، وهذا نجده في حياة الناس في كل يوم وكل ظرف، ونجد عندهم في كل مرحلة عزماً جديداً وتوجها يبغون به المضي نحو الأفضل والأكمل والأحسن، وتحصيل ما يعود عليهم بالراحة والطمأنينة والسكينة، وهذا الأمر في الرحلة الكبرى، رحلة الحياة الدنيا، رحلة العبد المؤمن على هذه الأرض وهو يمضي إلى الله، وهو يمضي إلى أخراه، وهو يمضي إلى موقفه بين يدي الله، فينبغي أن يجدد كثيراً، وأن يعاهد مرارا ً وتكراراً، وأن يجدد صفحة حياته مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة.
стр. 2557
رحمة الله بالخلق
ومن رحمة الله جل وعلا أن هذه الصفحة الجديدة تأتي في آخر العام بعد موسم عظيم من مواسم المغفرة لحجاج بيت الله الحرام، ولغيرهم أيضاً بالفضائل التي ساقها الله جل وعلا لمن يعمل الخير ويبذل فيه في تلك الأيام المباركة، فكأن الفرصة مواتية لبدء هذه الصفحة الجديدة.
فلن ننسى ما مضى، ولكننا نتعظ ونعتبر به، ونحمد الله جل وعلا أن محا عنا الذنوب والخطايا، وحط عنا السيئات والرزايا، وهيأنا بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة ونفوس راضية وعزائم ماضية، لنمضي إلى طاعته ورضوانه وقد استشعرنا خفة الحمل الذي كان يرزح فوق كواهلنا من المعاصي والذنوب والخطايا والآثام، وشعرنا بذلك الندم الذي يكون له في القلوب وخز وفي النفوس ندم وفي العيون بكاء؛ حتى نهيئ أنفسنا لنقبل على الطاعة ولنسابق إلى الخيرات.
ونجد كذلك الفرصة مواتية لما في آخر العام من ذكرى هجرة المصطفى ﷺ ، تلك الهجرة التي تبين لنا كيف كان النبي ﷺ النموذج القدوة، وكيف ينبغي أن نمضي إلى طاعة الله، ورضوانه، فنتخطى في ذلك الصعاب، ونتجاوز العقبات، ونمضي ونحن على ثقة بوعد الله، وعلى ثقة بنصر الله؛ لأننا نمضي على منهج الله.
الصفحة الجديدة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا، وينبغي أن يجعلها كل منا نصب عينيه، ولعلنا في هذا المقام نذكر أنفسنا بما ساقه الله جل وعلا لنا؛ لنكون دائما ًفي هذه الحياة الدنيا على صفحة جديدة وفي بداية حميدة إن شاء الله تعالى.
فكما قلت في شأن الطالب وفي شأن التاجر: ثمة منهج ينظر أحدهم فيه، وثمة معلم يرشد إليه، وثمة جهد يبذل في سبيله، وثمة تعاون يتعارض فيه الأقران أو الأصحاب ليحققوا ثمرته، ثم بعد ذلك ثبات واستمرار ومضي حتى يلقى المرء غاية جهده وثمرة عمله.
стр. 2558
القرآن الكريم منهج كامل شامل
والله قد جعل لنا ما هو أعظم من ذلك في سيرنا إليه وفي مضينا إلى طلب رضوانه وفي السعي إلى نيل جنانه، فإنه جل وعلا قد جعل لنا المنهج النظري الكامل، وذلك في القرآن العظيم، القرآن الذي جعله الله المعجزة الخالدة للرسول الخاتم ﵊، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
فكل شيء من حاجة الفرد والجماعة والأمة في هذا القرآن، وكل شيء من حاجة القلب والنفس والبدن في هذا القرآن، وكل شيء من حاجة الحياة الدنيا والأخرى في هذا القرآن، لقوله جل شأنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، فلا شيء أكمل ولا أهدى ولا أقوم من نهج القرآن، فإنه يهدي للتي هي أقوم في أي شيء وفي أي مجال، وتبقى الآية مطلقة لتعلم المسلم أن القرآن يهدي للتي هي أقوم في شأن الدين وفي شأن العبادة وفي شأن الدنيا وفي شأن السياسة وفي شأن الاقتصاد وفي شأن الأسرة وفي شأن الحياة الاجتماعية والقضائية، وفي كل شيء من نواحي هذه الحياة، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل شيء يحتاج إليه العبد في هذه الحياة.
قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١٠٥]، ويبين الحق جل وعلا ذلك التفصيل العجيب الكامل النادر في القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]، أي: فيه تفصيل كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩].
فأي فضل أعظم وأي منة أكبر على أمة الإسلام من قرآن تكفل الله بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وذكر كماله فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]؟ فلا نحتاج إلى تفكير ولا إلى تدبير، ولا نحتاج إلى مقارنة ولا إلى مقايسة، ولا نحتاج إلى اقتباس؛ فإن بين يدينا منهجاً ربانياً قرآنياً كاملاً يشمل الحياة الدنيا والحياة الأخرى وما فيهما، ويشمل كل شيء في هذا الوجود، فالله جعل لنا المنهج الذي نسير عليه، ونجعل سيرتنا مرتبطة به.
ولذلك أخي المسلم! الصفحة الجديدة تقتضي صلة بالقرآن وطيدة، فرطب به لسانك، أحي به قلبك، واشغل به عقلك، وليكن أنيسك في وحشتك، وليكن نورك في ظلمتك، وليكن منهجك في حيرتك، فإن هذا القرآن شفاء القلوب وجلاء الهموم والأحزان، كما قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمؤمنين﴾ [الإسراء:٨٢]، إنها نعمة بين أيدينا وجوهرة ثمينة غالية أهداها الله إلينا، فأين نحن منها؟! وأين نحن من التعلق والالتزام بها؟! والله قد دعانا إلى أن تكون صلتنا بالقرآن أعظم صلة، وأن نجعل الألسنة دائما تتلو القرآن، كما قال جل وعلا في أمره لرسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢]، وكما بين في شأن أوصاف أهل الإيمان وما لهم من الثواب والإكرام والإحسان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠].
والأذن ينبغي أن تنال حظها من القرآن استماعاً وإنصاتاً؛ ليخلص إلى شغاف القلب وإلى أعماق النفس، فينفض غبار الشهوات، ويبدد ظلمات الشبهات، ويبعث النور وضيئاً في قلوب المؤمنين، قال : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
والعقل ينبغي أن ينشغل به؛ لأن الله دعانا إلى التدبر، ونعى على غير المتدبرين فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فينبغي لنا أن نتذكر هذا الأمر، وأن نتذكر أن الكون والوجود كله منصت لهذا القرآن؛ لأن الله أخبرنا أن الشمس والقمر والشجر والدواب كلها تسجد لله ، وكلها تسبح بحمده، وكلها تستجيب لأمره، والمسلم إذا مضى على منهج القرآن كان مع هذا الكون المسبح للرحمن، وإذا خالفه كان شاذاً فريداً بعيداً غريباً طريداً، ولذلك من نعمة الله على أهل الإيمان أن جعلهم الله مع الخلق، كما هو شأن الإنس، وكذلك هو شأن الجان، كما قال الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، هكذا ينبغي أن نحيي قلوبنا بالقرآن المنهج الذي نحتاجه، والحكم الذي نبحث عنه، والأدب الذي نفتش عنه، وكل شيء نريده من الناحية النظرية المنهجية موجود بين أيدينا في القرآن، تلك هي الوسيلة العظمى الأولى.
стр. 2559
رسول الله ﷺ المعلم القدوة
والوسيلة الثانية: المعلم القدوة رسولنا ﷺ : فهو الشارح المفسر للقرآن، وهو السورة الحية لتطبيق آداب وأحكام القرآن، إنه سيد الخلق أجمعين نبينا وحبيبنا رسول رب العالمين، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، فنحن ندرك عظمة القرآن ولكن لا نعرف تطبيق أحكامه إلا إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى ﷺ ، وتأملنا في أحاديثه وهديه العظيم؛ لأنه ﷺ قد مدحه رب العالمين فقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وهو الذي أنزل عليه القرآن، وهو الذي بين لنا كيف يحيا المسلم وتحيا أمة الإسلام بالقرآن، فكل الطرق إلى الله مسدودة إلا من طريق محمد ﷺ ، وقد أخبر المصطفى ﷺ فقال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى).
إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة، بل أعظم منة منَّ بها الله على هذه الأمة هي بعثة محمد ﷺ الرسول الخاتم الذي ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين ﵊، وقد وصف ﷺ رحمته بأمته وحرصه على هداية الخلق أجمعين بقوله: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار)، فهو ﷺ الذي جاءنا بالهدي الأكمل، وهو القدوة ﵊، قال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وسعت رحمته العظيمة هذه الأمة الكريمة، وأفاض عليها ﵊ من شفقته وعطفه، وبين لها -كما أخبر الصحابة- كل شيء يحتاجون إليه، فهذا سلمان الفارسي ﵁ يقول: (لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يقلب جناحية في السماء إلا ذكر لنا منه علماً).
وفي سنن أبي داود عن سلمان ﵁ قال: (علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة) أي: حتى كيفية قضاء الحاجة، فقد عرفنا سيرة نبينا محمد ﷺ في يقظته ومنامه، وفي حربه وسلمه، وفي رضاه وغضبه ﵊، وعرفنا حاله مع أزواجه، وعرفنا حاله مع أصحابه، وعرفنا حاله مع أعدائه، وكل شيء جاء في هذه السيرة العطرة والسنة الشريفة المطهرة، ليكون ذلك هو التطبيق العملي لمنهج القرآن الكريم، قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي)، فما أعظم منة الله على هذه الأمة أن حفظ لها كتابها وسنة نبيها ﷺ ، فهذا هو المنهج النظري وهذا هو التطبيق العملي.
стр. 2560
أهمية المجاهدة الصادقة
وبعد ذلك ينبغي أن تكون هناك وسيلة ثالثة، فإن القرآن والسنة كانا على مر العصور، ولكن كان هناك في بعض الأحوال اختلاف ومخالفة وبعد، ولذلك ينبغي أن نأخذ بالأمر الثالث وهو المجاهدة الصادقة، فعلينا أن نجاهد أنفسنا لنلتزم كتاب ربنا ونقتدي بهدي نبينا ﷺ ، والله قد وعد ووعده الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فلا يمكن أن ننال ثمرات الإيمان ولا أن ننال خيرات الإسلام ونحن نائمون كسالى عاجزون كل بضاعتنا هي الأماني والأحلام والأوهام.
إن محمداً ﷺ وصحبه الكرام جاهدوا أنفسهم حتى هاجروا، وخلفوا الأرض والديار، وخلفوا الأموال والثمار، وخلفوا الأهل والأبناء.
إن محمداً ﷺ وصحبه جاهدوا أنفسهم فخاضوا المعارك، وضربوا بالسيوف، وطعنوا بالرماح، وسالت منهم الدماء.
إن محمداً ﷺ وأصحابه جاهدوا أنفسهم فخرجوا من الجزيرة شرقاً وغرباً لينشروا نور الله، وليبلغوا دعوة الله، وليرفعوا راية الله، وليعلنوا عزة الإسلام في كل مكان.
إن محمداً ﷺ وصحبه أحيوا ليلهم قياماً لله حتى تفطرت الأقدام، وانسكبت الدموع، وسجدت الجباه، وتحركت القلوب، ونطقت الألسن تضرعاً وتذللاً بين يدي الله .
إن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أقاموا أعظم حضارة دنيوية في الدنيا؛ لأنهم أسسوها على نهج الإيمان، وأقاموها على منهج الإسلام، فينبغي أن ندرك أن هذا الدين لا يتحقق في هذه الحياة إلا بجهد وجهاد من أبناء المسلمين، وأن هذا الدين لا يهدى للكسالى والعاجزين، كما قال الشاعر: إسلامنا لا يستقيم عموده بدعاء شيخ في زوايا المسجد ينبغي أن ندرك أنه لا بد لنا من مجاهدة للنفس حتى نستقيم على أمر الله، ونترك الإخلاد إلى الدنيا والركون إليها والانشغال بها والتعلق والتلذذ بشهواتها وملذاتها، وينبغي أن ندرك أننا في حاجة إلى عزيمة ماضية وإيمان قوي ويقين راسخ؛ حتى نتجاوز كل هذه الجواذب كما تجاوزها النبي ﵊ وصحبه الكرام والعلماء والأئمة من أمة الإيمان.
أما كيف تجاوزوا ذلك؟ فتجاوزوه عندما جاهدوا أنفسهم ليهتدوا بالقرآن؛ وليقتدوا بسنة النبي ﷺ ؛ وليجددوا سيرة الأصحاب رضوان الله عليهم، فعندما فعلوا ذلك جاءتهم الآثار، وانبسطت بين يديهم الثمار، وكانت حياتهم مثلاً عظيماً من أمثلة تطبيق الإسلام التزاماً بالقرآن واتباعاً للرسول ﷺ ، فينبغي في هذه المجاهدة أن نستشعر المراقبة والمحاسبة، وينبغي أن نجدد ذلك النهج العظيم الذي كان عليه السلف الصالح، نهج يقظة الضمير والمراقبة الدائمة لرب العالمين، نهج لم يكن فيه شقاق ولا خصام ولا اعتداء ولا حاجة لتوسع القضاء وتشعب القضايا؛ لأن الناس كانوا يراقبون ربهم، وكانوا يستشعرون قول الله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، ويعلمون حقيقة قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٥ - ٦].
إن المجاهدة تعني: أن نتحقق بمعنى الإحسان الذي أخبر به النبي ﷺ بقوله: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أن نتذكر قول أحد السلف رضوان الله عليهم لما سئل: كيف الطريق إلى غض البصر؟ فقال: علمك بأن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما حرم عليك يردعك عن ذلك، فإن لم يردعك الخوف من الله فليردعك الحياء من الله، وكلاهما لا يكون إلا باستشعار مراقبة الله.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فينبغي أن نستشعر ذلك، وانظروا إلى واقعنا! لو كان الناس يراقبون ربهم لما اعتدى بعضهم على بعض، ولما وجدنا هذا الأكل للأموال بالباطل، ولما وجدنا هذا الاعتداء الغاشم الظالم، ولما وجدنا هذه المفاسد والفواحش التي استهان بها الناس كأنهم لا يراهم ربهم، وكأنهم لا يستحيون من خالقهم، وكأنهم لا يعظمون نعمة ربهم وفضله عليهم ، وكأنهم يسيئون انتسابهم إلى هذا الدين وإلى الرسول الكريم ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فينبغي لنا أن نحقق هذه المراقبة، وأن نستشعر المحاسبة، كما قال عمر ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر).
قال : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال عن أهل الإيمان: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١]، وقال : ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١].
فينبغي أن نحقق هذه المجاهدة، فنسأل الله أن يوفقنا ثمارها، وأن يجعلنا مستقيمين ثابتين عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2561
أهمية التعاون على البر والتقوى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم دافع لإقبال العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى أن يكون المرء مراقباً لله، مستشعراً لعظمة الله، خائفاً من عذاب الله، فإن ذلك فيه -بإذن الله- وقاية عن معصية الله وبعد عما حرم الله.
وإن الوسيلة الرابعة المهمة هي التعاون على البر والتقوى: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، والمؤمنون إخوة، والمسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، فينبغي أن نتعاون على الطاعات، وأن نتكاتف لإحياء معاني الإيمان في القلوب، وأن نتآزر لننفي عن بيئاتنا ومجتمعاتنا المنكرات والمحرمات.
إن هذه الأمة فضلت لأنها أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فضلت لأنها أمة بعضها لبعض نصحة، والمنافقون والكافرون بعضهم لبعض غششه، قال جرير ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على الإسلام، فزادني: والنصح لكل مسلم) أي: النصيحة الرفيقة الشفيقة، النصيحة الحكيمة الودودة، التعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى الخير، وشعور المسلمين بأنهم جسد واحد، فإن لم يتحقق في الأسرة الواحدة وفي الحي الواحد بين الجيران فكيف تريد أن يتحقق في أمة الإسلام على اختلاف أصقاعها وتباين بيئاتها ولغاتها، قال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم، وفي رواية أخرى: (المسلمون كجسد واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كله، وإذا اشتكى عينه اشتكى كله)، فأين التراحم والتلاحم؟ وأين الذي يجد من يعظه ويذكره إذا نسي؟ ومن يزجره وينهاه إذا أخطأ، ومن يشجعه ويدعوه إذا أقبل؟ هل نتعاون في ذلك كما نتعاون في أمور الحياة الدنيا؟ ترون أهل العمارة الواحدة قد يتفقون على من يحرس لهم عمارتهم، ويتفقون كيف يؤمنون الماء إذا كانوا يحتاجون إليه، ويخصصون حصصاً مالية بينهم، لكننا لم نسمع كيف يوقظ بعضهم بعضاً لصلاة الفجر، ولا كيف يجعلون من وقتهم في أسبوعهم كله ساعة واحدة يتلون فيها كتاب الله، أو يقرءون شيئاً من سيرة رسول الله ﷺ ! إن انعدام التعاون وضعف النصيحة وخلو المجتمع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب من أسباب الهلاك والدمار، ويعود على الناس جميعاً حتى الصالحين؛ لأن الصالحين إن لم يكونوا ناصحين يوشك أن يكون في صلاحهم فساد وخلل.
عن النعمان بن بشير ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى من فوقهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا الماء ولم نؤذ من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)، فالتعاون ينبغي أن نحرص عليه، والرفقة الصالحة فضل عزيز مهم في هذه الحياة، كما في الحديث: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، فإذا وجد بين أيدينا المنهج النظري في القرآن الكريم، والمنهج العملي في سيرة الرسول الكريم ﷺ ، وجاهدنا نفوسنا، وبذلنا بصدق وإخلاص من أعماق قلوبنا وخفايا نوايانا ومن حر مالنا ومن جهد أبداننا ومن المهم من أوقاتنا لنطيع الله ، ثم كان بيننا تعاون وتكاتف على البر والتقوى، وإحياء معاني الإيمان، وإشاعة العلم بهذا الدين، والدعوة إلى رب العالمين، وتشجيع الناس على الطاعات، ونهيهم عن المنكرات والمحرمات؛ فسنجد أننا بالفعل قد بدأنا صفحة جديدة.
فليست كلمة (صفحة جديدة) هي كلمة نرددها، أو هي أسلوب نعتاد أن نقوله كلما جاءت نهاية عام أو بداية عام، بل ينبغي أن نذكر هذه النعم والمنن التي ساقها الله إلينا، فقد كفينا أمر المنهج، وكفينا أمر تفسيره وتطبيقه، وبقي علينا جهاد نفوسنا الضعيفة المريضة، فعلينا أن نعالجها، وأن نجاهدها، وبقي علينا أن نشد من أزرنا، وأن نقوي الأواصر فيما بيننا؛ حتى نستطيع التعاون، وأن نتغلب على شهوات النفوس وعلى فساد البيئات، وأن نكون كما أراد الله فيما أخبرنا النبي ﷺ : (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
فنحن عند أن نكون في المسجد نلصق الكتف بالكتف، ونصلي مع بعضنا، لكن كثيراً منا لا يعرف الآخر، ولا يسأل عن حاله، ولا يسعى لمنفعته، ولا يسعى لدفع الضر عنه، وسبب ذلك هذه الأواصر التي ضعفت، وهذه العلائق التي انقطعت، فإنها سبب من أسباب ضعفنا في ديننا، ومن أسباب بعدنا عن هدي نبينا ﷺ ، ومن أسباب مخالفتنا وإعراضنا عن كتاب ربنا.
نسأل الله جل وعلا أن يحيي قلوبنا بالإيمان، وأن ينور بصائرنا بالقرآن، ونسأله أن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وعلى هدي نبيه ﷺ سائرين.
اللهم اجعلنا ممن يحل حلال القرآن ويحرم حرامه ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه.
اللهم اجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.
اللهم اجعلنا لرسولك ﷺ متبعين، وفي محبته صادقين مخلصين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم جدد في القلوب إيماننا، وجدد في الحياة أخلاقنا على ما يرضيك يا ربنا.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى واصرف عنا ما لا تحبه وترضاه.
اللهم ارزقنا الصالحات والخيرات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم يوماً أسود قريباً يا سميع الدعاء؛ اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم فرق كلمتهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم، واجعل بأسهم بينهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار؛ يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا، اللهم إنهم قد أذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين، اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والمرضى والثكالى والعجزى يا رب العالمين! اللهم الطف بإخواننا المعذبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وأجب دعوتهم، وفرج كربتهم يا حي يا قيوم؛ اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراةً فأكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم يا رب العالمين، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم يا رب العالمين! اللهم واجعلنا في نصرتهم عاملين، اللهم واجعلنا لنصرة دينك باذلين منفقين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وارزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الحق والخير يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
والحمد لله رب العالمين!
стр. 2562
المرأة بين الحرية والاستقلالية
لقد أعلى الإسلام مكانة المرأة، وأعطاها حقها في كل شيء، فأعطاها حقها في التصرف المالي، وفي اختيار الحياة الزوجية، وفي شهود العبادة مع الجماعة بالضوابط المعروفة، وكذلك اعتبر قولها في الرأي والمشورة، وحسن التدبير والتصرف، وغير ذلك، وهذا فيه رد على أولئك الأفاكين أصحاب الشهوات والنزوات البهيمية الذين يريدون من المرأة أن تكون سلعة تباع وتشترى، فالإسلام حفظ للمرأة كامل حقوقها، وصانها من كل شر، وأعطاها من الحقوق ما لا يمكن أن تحصل عليها في غيره.
стр. 2563
حقيقة الحرية في الإسلام
الحمد لله رضي لنا الإسلام ديناً، وحفظ لنا القرآن دستوراً وشرعاً، وأكرمنا بمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
стр. 2564
تشويه مكانة المرأة في الإٍسلام
أيها الإخوة المؤمنون: (المرأة بين الحرية والاستقلالية والعبودية والتبعية) هذا موضوع من الموضوعات المهمة التي تبرز مكانة المرأة في الإسلام وإظهار حقوقها ورعايتها وحمايتها في دين الله ، وبالمقارنة تتضح أيضاً معالم الجاهلية التي تبخسها حقها، والتي تفرط في مكتسباتها، والتي تجعلها نهباً للخوف ولكل ما يتعلق بالاعتداء على عفتها وشرفها وأنوثتها وحيائها.
والحرية كلمة جميلة وشعار مغر هو كالمساواة التي سبق الحديث عنها، تدغدغ به المشاعر وتستمال به القلوب وتضل به العقول؛ لتخرج من شرع الله ، ومن الميزان العدل والحرية الحقة التي شرعها الله جل وعلا العليم بخلقه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فيدعى للمسلمين ويشاع بينهم أن في شريعتهم بالنسبة للمرأة قيوداً، وأن في ذلك أيضاً ضرباً من العبودية والتبعية والاضطهاد والظلم للمرأة، وإلغاء شخصيتها ومصادرة استقلاليتها، إلى غير ذلك مما يشاع ويذاع، وقد يغتر به بعض الجهلة من المسلمين، ويتشدق به بعض المفتونين بالكافرين من غربيين وشرقيين، ولذا فإن بيان هذا الأمر وتجليته ينبغي أن يكون مما يحرص عليه المسلم والمسلمة؛ ليكون على بينة من أمره، وليكون المجتمع المسلم مجتمعاً متماسكاً عارفاً أحكام شرع الله، مطلعاً على الحِكَم والمنافع والمصالح التي تنتج من التزام أمر الله .
стр. 2565
الفوضى المطلقة ليست من الحرية
عندما يتأمل المرء في تشريع الإسلام يجد أنه أعطى المرأة الحرية والاستقلالية الكاملة التامة فيما ينفعها ويعود عليها بالخير والصلاح.
وإذا وجد ما يظنه بعض الناس قيوداً فإنه لابد أن يعلم أن الحرية لا يمكن في أي مذهب ولا نحلة، ولا مجتمع ولا تاريخ قديم ولا حديث أن تكون بلا قيد مطلقاً؛ لأن معنى إعطاء الحرية لكل أحد بلا قيد أن يتعدى حدوده ليعتدي على حقوق الآخرين، وكل حرية لها حد تقف عنده، وهو ألا تُتجاوز حقوق الآخرين ويُعتدى عليها، ومن ثم فليس هناك ما يعرف بالحرية المطلقة، إلا أن يكون هناك الفوضى التي تسمى باسم الحرية؛ لأن الحرية إذا أعطيت لي على أني أنا حر في أن أصنع ما أشاء، فلأقم بكل عمل ولو كان فيه ما يضر الآخرين أو يزعجهم أو يقلقهم، فهل يقبل أحد أن يعطيني مثل هذه الحرية؟! وأنا حر في أن أمتلك ما أشاء، فهل تعطيني هذه الحرية الحق في أن أسطو أو أسرق أو أعتدي على حقوق الآخرين لأحقق حريتي؟! والحرية أيضاً في مجال الشهوات والغرائز هي أيضاً موجودة في الفطرة، فهل يقر أحد أن تكون الحرية على حساب أعراض الآخرين؟! كل هذا ينبغي أن يكون معلوماً وأن يكون من الأمور المستقرة المسلّمة عند كل أحد.
فلننظر إلى الحرية الحقة في الميادين الرئيسة، وفي الأسس المهمة في حياة البشرية، التي أعطاها الله ووفرها شرع الله للمرأة المسلمة.
стр. 2566
حرية الاعتقاد في الإسلام للمرأة
إن هذا الدين جاء بشطر آية هي من أعظم شعاراته ومن أبلغ حقائقه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فليس هناك إكراه في دين الله على الناس سواء كانوا رجالاً أو نساء؛ أن يدخلوا في دين الله قهراً أو قسراً أو غصباً فإن ذلك ليس من شرع الله ، وليس الجهاد كما نعلم ضرباً من هذا القهر أو الإكراه، وإنما هو ضرب من تكسير القيود وتهديم الحواجز؛ حتى يكون للناس اختيار تام فيما يعتقدون ويعتنقون.
والإسلام الذي أباح للمسلم أن يتزوج بالكتابية من أهل الكتاب لم يجعل من شرط زواجه أن تسلم، ولا من حقه أن يكرهها على الدخول في الإسلام، وإنما جعل ذلك باباً من الأبواب الذي قد يحصل به مثل هذا من خلال الإقناع والتأثر بالقدوة الحسنة.
والله قد بين حق المرأة المسلمة في اعتناق دينها الإسلامي وحرصها عليه وثباتها عليه، وذلك عندما نزلت سورة الممتحنة تقرر عقيدة المرأة المسلمة وحريتها، وتفرض على المجتمع المسلم أن يحميها ممن يريد أن يضطهدها في دينها: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾ [الممتحنة:١٠].
ويضرب لنا القرآن المثل العظيم في استقلالية شخصية المرأة وحريتها الاعتقادية، حتى في المجال السلبي، وذلك عندما ضرب الله المثل بكفر امرأة نوح وامرأة لوط قال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠].
ثم ضرب لأهل الإيمان مثلاً عظيماً وهو قوله جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]، انظر إلى هذا المثل، المرأة في بيت الطاغية الأكبر مدعي الربوبية والألوهية الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، هذا الكافر الأعظم في بيته زوجة مؤمنة تدعو الله ، تحافظ على عقيدتها وإيمانها وتتشبث وتتمسك به.
لقد ضرب لنا القرآن مثلاً ونموذجاً من الأمم السابقة ليبين أن للمرأة شخصية مستقلة، وأنها بإيمانها وإسلامها لشرع ربها تكون في أعظم قوة وفي أقوى شخصية، تتمرد حتى على فرعون الذي كان مضرب المثل في القوة والطغيان والتكبر.
وسمية أول شهيدة في الإسلام مضرب مثل عظيم تحدت أبا جهل فرعون هذه الأمة، ومرغت كبرياءه في التراب، ولم يستطع أن ينال منها كلمة تتنازل بها عن عقيدتها أو تتخلى عن إيمانها، أو تساوم في دينها أو تشتري دنياها بأخراها، فما كانت المرأة المسلمة إلا هذا النموذج الحي القوي في ثباته واستقلاليته وقوته.
стр. 2567
الحرية المالية للمرأة في الإسلام
стр. 2568
حق المرأة في التملك بالميرات والمهر
هذه أيضاً من الأمور المهمة التي جعل الله للمرأة فيها حرية وحقاً مستقلاً وتميزاً ظاهراً بيناً، فجعل لها حق التملك في الميراث، وحق تملك المهر، وحق تملك النفقة، وحق التملك بالكسب، فلها شخصيتها المستقلة وحريتها الكاملة في مجال ما تكتسبه وما تمتلكه، وليس لأبيها ولا لزوجها حق في أن يأخذ منه شيئاً من غير طيب نفس ومن غير رضاً ومن غير قناعة.
ليست هناك الصورة الجاهلية السابقة في أن تكون المرأة من ضمن الميراث، ولا الصورة الجاهلية الحاضرة التي يمكن أن تلغي حقها بمجرد الهوى والشهوة، كلا، فقد أنزل الله آيات تحفظ لها حقها، وتحمي حريتها من الاعتداء عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] قرآن يتنزل وآيات تتلى لتحفظ لها استقلاليتها وملكيتها وحريتها المالية فيما اكتسبته بالطرق الشرعية، أو آل إليها من خلال إرث أو مهر أو نحو ذلك.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢٠ - ٢١] حقها لا يمكن أن ينتقص، وما هو شائع في بعض بيئات المسلمين هو ضرب من الإعراض عن شرع الله، فليس للآباء حق في مهور بناتهم ولا أن يأخذوا نسبة من نصف أو ثلث أو نحو ذلك، فكل ذلك ليس من شرع الله ولا يلصق بدين الله.
قد قلنا من قبل: إن معرفتنا للدين إنما تكون من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ومن التطبيق في العهد النبوي الكريم، ولا يمكن أن نجعل بعض العادات أو التقاليد أو الأعراف الجاهلية هي التي تعطينا صورة الإسلام، أو التي يحصل منها التطبيقات العملية للإسلام، فليس هذا من الحق في شيء مطلقاً.
стр. 2569
حق المرأة في البيع والتبرع
وانظر إلى التطبيق العملي لحق التملك وحق التصرف وحق الأهلية والاستقلالية المالية: روى مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂، زوج الزبير ﵁، تقول: (كان لي جارية فبعتها -يعني كما يظهر من الرواية أنها باعتها من غير إذن سابق من زوجها- قالت: فدخل الزبير وثمنها في حجري فقال: هبي هذه الأموال لي، يطلب منها الزبير وهو الزوج الذي له حق الطاعة في شرع الله قالت: فقلت: إني قد تصدقت بها).
هذه صورة حية من داخل بيت مسلم في عهد النبي ﷺ ، فهذه المرأة باعت جاريتها لأن لها حق التصرف في ملكها ومالها، وليس من شرط صحة عقدها إذن زوجها وإن كانت لو أخذت رأيه أو استشارته لكان ذلك حسناً، لكن لا يترتب عليه فساد عقد ولا إبطال بيع، فلها مطلق الحرية في التصرف في مثل هذا الشأن.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها -أي: أن تقطف التمر من النخل- فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي ﷺ فقال: بلى فجدي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً)، أي: جدي نخلك فهو ملك لك عسى أن تبيعيه ثم تتصدقي منه أو تصنعي معروفاً.
فهذه أيضاً صورة حية لاستقلالية المرأة المالية في إطار الشريعة الإسلامية.
وكذلك حديث ميمونة بنت الحارث ﵂: (لما أعتقت وليدة لها فدخل عليها رسول الله ﷺ وقالت له: إني أعتقت وليدتي-فهو لم يكن يعلم من قبل بما فعلت، ولم يكن يترتب على إذنه ﷺ صحة فعلها- فقال لها: أما إنك لو وهبتيها لأخوالك لكان أعظم لأجرك)، كما في صحيح البخاري.
стр. 2570
حرية المرأة في الحياة الزوجية في الإسلام
стр. 2571
حق المرأة في اختيار الزوج
إن للمرأة حريتها في الحياة الزوجية، فلها حريتها في الاختيار، لا الحرية التي تدعى أو تنادى إليها المرأة اليوم ليقال: إن الإسلام يمنع المرأة من الاختيار، أو أن لأبيها أن يغصبها أو يبيعها لمن شاء؛ ليكتسب من ورائها ولا يكون لها رأي ولا اختيار؛ لكن إن وجد مثل هذا في بعض بيئات المسلمين فإنه ليس من الإسلام في شيء، فإن النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة ﵁ قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن).
لها مطلق الحرية في القبول أو الرفض وليس لأحد أن يكرهها، وانظر إلى التطبيق العملي في هذا الشأن وهو أمر مهم أن يظهر في بيئات المسلمين؛ لأن بعضاً منهم يمارسه بطريقة خاطئة مخالفة لشرع الله : روى البخاري عن القاسم أنه قال: (إن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبد الرحمن ومجمع ابني جارية ﵄ تخبرهما عن هذا التخوف، فقالا لها: لا تخشي فإن خنساء بنت حزام أنكحها أبوها وهي كارهة فرد النبي ﷺ ذلك).
امرأة زوجها أبوها وهي كارهة فجاءت إلى رسول الله تشكو، فأبطل النبي ﷺ ذلك النكاح الذي بني على غير رضا المرأة.
стр. 2572
حق المرأة في رفض من لا تراه صالحاً لزواجها
والتطبيق العملي يظهر أيضاً في صورة أخرى جميلة وجديرة بلفت النظر والاهتمام، تلك الصورة هي قصة مغيث وبريرة مولاة عائشة: (كان مغيث عبداً وكانت بريرة لا تحبه وهو زوجها من قبل، فقالت للنبي ﷺ بعد أن أعتقت: إنها لا تريد مغيثاً، وإنها ليس له في قلبها منزلة وقدر ومحبة من الناحية النفسية، فجعل مغيث يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثاً، ثم التفت النبي ﷺ إلى بريرة فقال لها: ألا ترجعين إليه؟ قالت: يا رسول الله! أتأمرني؟ قال: لا، إنما أشفع يا بريرة، فقالت: فلا حاجة لي فيه).
أي استقلالية أعظم وحرية أظهر من موقف مولاة لـ عائشة زوج النبي ﷺ أمام رسول الله ﵊.
قال ابن حجر في تعليقه وشرحه لهذا الحديث: فيه من الحِكَم واللطائف: أنه يندب للإمام والحاكم أن يشفع بين الناس وأن يصلح بينهم، وفيه وجوب طاعة رسول الله ﷺ ، وفيه حسن أدب بريرة فإنها لم ترد شفاعة النبي ﷺ ، ولكنها قالت: لا حاجة لي فيه.
انظر إلى هذه الصورة العظيمة.
стр. 2573
اشتراط المرأة لما تريده قبل زواجها
ولننتقل إلى صور أكثر وضوحاً وجلاء لهذا الحق العظيم من حقوق المرأة والحرية المهمة من حرياتها، وهو أمر في أعظم بيت من بيوت الدنيا كلها، إنه بيت رسول الله ﷺ : لما توفي أبو سلمة وانقضت عدة أم سلمة ﵂ تقدم رسول الله ﷺ لخطبة أم سلمة المهاجرة للهجرتين والمتقدمة في نصرة الإسلام، قالت: (أرسل إلي ﷺ حاطباً يخطبني إليه فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور -كأنها تذكر بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها أو أن يعرفها الزوج حتى يأخذ بالاعتبار مثل هذه الأمور فيقدم أو يحجم- فلما رجع الرسول إلى رسول الله ﵊ أرسله وقال: أما ابنتها فأدعو الله أن يغنيها عنها، وأما غيرتها فأدعو الله أن يذهب عنها الغيرة).
ثم تزوجها رسول الله ﷺ .
وفي صحيح مسلم قصة أخرى أعظم من هذه وأبلغ في زواج النبي ﷺ الزواج القرآني الذي خلده الله في آيات تتلى، وذلك زواجه من زينب بنت جحش لما طلقها زيد ﵁، يقول زيد كما في صحيح مسلم: أرسلني رسول الله ﷺ إليها، فانطلقت حتى إذا جئت وهي تعجن عجيناً لها، فوقفت فهبتها لما ذكرها رسول الله ﷺ ، فوليتها ظهري وقلت: إن رسول الله ﷺ يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي -أي: حتى أستخير وأصلي وأتخذ القرار بناء على استخارة ربانية- ثم ذهبت ونزلت إلى مسجدها في بيتها ونزل القرآن: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْه﴾ [الأحزاب:٣٧] إلى آخر الآيات القرآنية التي زوج الله بها النبي ﷺ من زينب.
وهذه صورة عملية لاستقلالية المرأة المسلمة وحريتها في الاختيار، حتى في هذا الموقف العظيم الذي فيه رسول الله ﷺ .
стр. 2574
حق المرأة في الرجوع إلى زوجها الذي طلقها
نزلت آيات قرآنية تتلى، وسبب نزولها حفظ حق المرأة وحريتها واستقلاليتها باختيارها ورضاها بزوجها، ففي الحديث الصحيح عن معقل بن يسار: (أن أخته كانت متزوجة فطلقها زوجها وتركها حتى انتهت عدتها ثم جاء يخطبها، فرفض معقل وقال: طلقها ثم تركها ثم جاء يخطبها، فجاءته الحمية أن لا يردها إليه وأن لا يوافق على زواجها) وفي رواية عند غير البخاري ومسلم قال الراوي فيها: (وكان الرجل لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فمنعها أخوها، فأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢]، فدعا رسول الله ﷺ معقلاً وتلا عليه الآية القرآنية -قالت الرواية في الصحيح-: فترك معقل الحمية واستقاد لأمر الله .
فأي حق وأي حرية وأي استقلالية أعظم من هذا للمرأة في أمر هو من أهم شئونها، وهو أمر زواجها وبناء أسرتها.
نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا مستمسكين بشرعنا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وجعلني وإياكم من أهل الذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2575
حرية المرأة في شهود العبادة وضوابط ذلك
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله وخير خلق الله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى التزام شرع الله في معاملة النساء، والتزام شرع الله في هذه الأحكام التي تجاوزها عدد غير قليل من المسلمين، فأجحفوا في حق المرأة، وظلموها من ذات أنفسهم ومن خلال أعرافهم أو قواعد قبلياتهم ونحو ذلك، بأمور وأفعال ما أنزل الله بها من سلطان.
وإن من الحقوق التي تظهر حرية المرأة واستقلاليتها: حرية شهود العبادة: فإن هذا الدين العظيم جعل للمرأة الحق في أن تشهد بعض العبادات من غير فرض ووجوب عليها، ولكن المشاركة لها في بعض الأمور قد ثبتت ثبوتاً متواتراً قطعياً في سنة رسول الله ﷺ ، وذلك كشهود صلاة العيد، فقد كان النبي ﷺ يحض النساء على الخروج إليها حتى تخرج ذوات الخدور من بيوتهن، وحتى يخرج الحيض ويكن في معزل عن المسجد يشهدن الخير مع المسلمين.
وكذلك الخروج إلى الصلوات المعتادة، فإنه ليس من المحرم ولا من المكروه إن لم يكن هناك ارتكاب لمكروهات أو محرمات، فتشهد المرأة صلاة الجماعة مع المسلمين، فقد ثبت ذلك في سنة النبي ﵊، وثبت أن النساء كن يصلين الفجر مع رسول الله ﷺ كما في حديث آية نزول الحجاب.
وكذلك ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄: (أنه قال لامرأة عمر: لماذا تخرجين إلى الصلاة وأنت تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟! فقالت: وما يمنعه أن ينهاني؟! فقال ابن عمر: يمنعه قول رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
فالحكم الشرعي لا يتغير لتغير أفكار بعض الناس أو لسوء تطبيقه، بل ينبغي لنا أن نطبق الحكم الشرعي كما هو، فإن جاءت ملابسات أو ظروف فإنها لا تلغي الحكم الشرعي وإنما يقال: إن ثمة فتنة أو ثمة ضرراً أو ثمة خوفاً لأجله منع هذا الأمر لا لإبطال أصله، فإن بعض الناس قد يكون عنده غيرة أو حماسة، فيجعل المنع حكماً شرعياً كأنه دائم أو كأنه أصلي أساسي.
стр. 2576
مشاورة المرأة والأخذ برأيها في بعض الأمور
من صور الحرية التي أعطاها الله وأبرزها الإسلام في شخصية المرأة: حرية الرأي، ورجاحة العقل، وحسن التدبير والتصرف في الأمور: فليست المرأة كماً مهملاً كما يدعي بعض الناس، أو كما قد يمارس بعض الناس في بعض الأحوال، فإن صوراً كثيرة وثيقة أبرزت لنا مواقف تدل على ذلك في حياة المرأة المسلمة في عهد رسول الله ﷺ .
وحسبنا في ذلك من الأمثلة موقف أم سلمة ﵂ في صلح الحديبية؛ لما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يحلقوا رءوسهم ليرجعوا عن مكة، فشق ذلك على نفوسهم، فدخل رسول الله ﵊ على أم سلمة مغضباً وهو يقول: هلكوا، فلما سألته أخبرها بأمر امتناعهم، فقالت: يا رسول الله! قد دخل عليهم ما تعلم مما يشق على نفوسهم، فاخرج إليهم ثم اؤمر حالقك أن يحلقك، فإن رأوك فعلت فعلوا، فأخذ النبي ﷺ برأيها الحكيم ومشورتها الصائبة، فخرج فحلق، فابتدر القوم يحلق بعضهم بعضاً حتى سال الدم من شدة ما كانوا يحلقون.
فهذا موقف عظيم من هذه المواقف المهمة، ومواقف أخرى تدل على حسن التدبير واللطف مع مراعاة حق الزوج وطاعته.
هذه أسماء مرة أخرى تعرف طبع الزبير بن العوام ﵁: (جاء رجل يستأذن أسماء في أن يبيع في ظل دارها، فقالت: إني أخشى إن فعلت ألا يرضى الزبير، ولكن ائتني إذا كان موجوداً فاطلب طلبك، فجاء والزبير موجود فقال: إني أريد أن أبيع في ظل بيتكم، فقالت: أما وجدت في المدينة إلا داري؟! فقال الزبير: وما يمنعك أن تجعليه يكتسب في ظل دارك؟!) كما في صحيح مسلم.
ففي هذه القصة حسن التدبير والتصرف من غير مخالفة، ومن غير نوع من المصادمة والاختلافات التي يجعلها بعض الناس بينهم بحجة وجود أو طلب الاستقلالية، لم يتحكم الرجل؟! لم تتحكم المرأة؟! إذاً سيبقى هناك نزاع دائم في مثل هذه الأمور.
انظر إلى حسن التصرف في قصة أم سليم ﵂ في شأن زواجها وفي شأن وفاة ابنها: لما جاءها أبو طلحة يخطبها قالت: (إنك رجل كفء ولكنك كافر، فلو أسلمت لتزوجتك، فأسلم فجعل رسول الله ﷺ إسلامه مهرها).
وهذه من الصورة التي تدل على رجاحة العقل، فما طلبت مالاً ولا طلبت شيئاً، وإنما جعلت أمر الزواج سبباً أو أسلوباً من أساليب دعوتها إلى الله .
كان لـ أم سليم ابن مريض فتوفي وزوجها خارج البيت، فجاء إليها في آخر اليوم يسأل عن ابنه فقالت: هو اليوم أسكن منه مما مضى.
كلمة صحيحة في المعنى فهم منها أن الابن قد سكن وهدأ، وهي تعني بالسكون الموت الذي لم يعد له فيه حراك.
ثم أعدت له طعام العشاء وتصنعت له وتزينت حتى غشيها، فلما فعل ذلك قالت له: إن لنا جيراناً أودعهم بعض الناس وديعة فلما طلبوها منهم أبوا أن يردوها، فأنكر ذلك عليهم، فقالت له بعد ذلك: إن ابنك وديعة الله عندك وإن الله قد استرد وديعته! فتلطفت وأحسنت التصرف وأصابت الرأي، فغضب أبو طلحة فمضى في الصباح إلى رسول الله ﷺ يخبره عن هذه القصة التي فيها بعض التورية، فأثنى رسول الله ﷺ على أم سليم، ودعا لهما بالبركة في ليلتهما تلك، فرزقا عشرة من الأبناء طال عمرهم وحسن عملهم، وكانوا من خيرة أبناء الإسلام.
стр. 2577
حرية المرأة واستقلالية شخصيتها
وكذلك مواقف القوة التي تبرز شخصية المرأة المسلمة؛ لأن الصورة التي تظهر الاستقلالية بصورة ممسوخة سيأتي الحديث عنها.
صورة أو مثل واحد أختم به الحديث، في قصة الحجاج الظالم الطاغي حين استحل حرمة البيت الحرام في مكة المكرمة، وقتل عبد الله بن الزبير، ثم أرسل إلى أسماء يدعوها لتأتي إليه، فأبت أن تأتي، فأرسل إليها: لئن لم تأتي لأرسلن من يسحبك بقرونك، فقالت: لا آتيه حتى يرسل من يسحبونني بقروني.
فلما بلغ ذلك الحجاج قال: أين مكانها؟ فأخبر به فلبس نعله ثم جاء إلى أسماء وقال لها: ما رأيت فيما فعلت بعدو الله -يعني: ابنها عبد الله بن الزبير، وكانت امرأة كبيرة في السن تفقد ابنها وقد عمي بصرها ويأتي قاتل ابنها بهذه القوة والغطرسة والجبروت- قالت: رأيت أنك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.
الحجاج الباغي سفاك الدماء الذي كان الناس يرتعدون من سماع اسمه، ثبتت له أسماء، ثم قالت له: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن في بني ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراه إلا أنت)، فأخذ الحجاج نفسه ومضى لا يلوي على شيء من هذه المواجهة للمرأة المسلمة المؤمنة الواثقة.
فهذه أمثلة محدودة مما جعله الله من استقلالية لشخصية المرأة، وحريتها في اعتقادها وعبادتها وتصرفها المالي واختيارها الزوجي، وهذه الحريات كثيرة وفيرة وعظيمة وصالحة نافعة، أما الحريات التي يطالب بها بعض الجهلة من المسلمين وأعداء الإسلام، وهي حرية التبرج، وحرية الممارسة الجنسية وغيرها من الحريات؛ فهي فوضى وليست حرية، ويقولون لنا أيضاً كما سبق أن أشرنا في الموضوعات السابقة: أين حرية المرأة وأنتم تحجبونها تحت حجابها؟ وأين حرية المرأة وقرآنكم يتلى ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]؟ فهي حبيسة البيت قعيدته، إلى غير ذلك مما يقولون مما هو مردود عليهم ولنا فيه حديث.
أسأل الله أن يعصمنا بالإيمان، وأن يقينا شرور أهل الكفر والطغيان، ونسأله أن يجمل نساءنا بالحياء والحشمة، وأن يجعلنا ممن يتبعون أمر رسول الله ﷺ .
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا واجبر كسرنا واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا البركات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وحط عنا السيئات، وكفر عنا الخطيئات، وأقل لنا العثرات، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا واجعلنا من عبادك الصالحين، وانصر جندك المجاهدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك.
اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم استأصل شأفتهم، وفرق كلمتهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك وسخطك ومقتك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والجرحى والمرضى.
اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والنسوة الثكالى، والصبية اليتامى.
اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم عجل فرجهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واحفظ إيمانهم وأعراضهم وديارهم وأموالهم يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.
اللهم وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانة صالحة تحثهم على الخير وتدلهم عليه، وتنهاهم عن الشر وتحذرهم منه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2578
الهوية بين السلبية والإيجابية
نحن بحاجة في هذا العصر -أكثر من أي عصر مضى- إلى معرفة هويتنا الإسلامية حق المعرفة، والتمسك بها، والعض عليها، والسبب واضح في ذلك؛ فإنه ما من أمة إلا ولها هوية تعتز بها، وتقوم على أساسها وتنافح عنها، وترتكز الهوية على ثلاثة أقطاب تدور رحاها عليها، وهي: الدين، واللغة، والتاريخ، فمن أراد الإمساك بزمام الهوية وبقائها فعليه أن يحافظ على هذه الأقطاب الثلاثة.
стр. 2579
العناصر الثلاثة التي ترتكز عليها الهوية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، له الحمد أن شرح الصدور بالإسلام، وطمأن القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وأتم علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، ورضي لنا الإسلام ديناً، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، ختم به الرسالات، وأكمل به الديانات، وجعل شريعته صالحة إلى قيام الساعة.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء -ليلها كنهارها- لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! "الهوية بين الإيجابية والسلبية" حديث كثر تناوله، فهل لكل أمة خصوصية تميزها، وهوية تعرف بها؟ وهل ذلك إن وجد يكون عائقاً في طريق تطورها، ومانعاً من صلتها بغيرها، وقاطعاً لها عما حولها؟ ونحن في هذه الأوقات والأزمان التي لم يعد للمسافات فيها أثر، ولم يعد إمكان لأن يكون هناك انعزال كامل بحال من الأحوال، ينبغي أن نعرف هذه المسألة؛ لأنها في غاية الأهمية لإدراكنا ولأحوالنا في تصوراتنا ومبادئنا، وفي علومنا ومعارفنا، وفي ثقافتنا وحضارتنا، وفي سلوكنا وأعمالنا، من هنا نبدأ بهذه المسألة المهمة.
الهوية لأي مجتمع وأمة لابد أن تكون موجودة بشكل أو بآخر، وهي ترتكز على ثلاثة عناصر: الدين، واللغة، والتاريخ، وما من أمة في قديم الزمان وحاضره إلا ولها دين، ولسان تتحدث به، وتاريخ كان لهذا الدين وتلك اللغة والثقافة والحضارة ارتباط به، ومن هنا تتميز به ويكون سمة خاصة بها، ويشكل لها كثيراً من أسسها وقواعدها وتصوراتها ورؤاها.
ولابد أن ندرك أننا في هذا العصر نحتاج إلى معرفة الهوية وتأكيدها، ومعرفة الجوانب التي نجعل منها إيجابية نافعة في هذه الهوية؛ لأن هناك من قصر فهمه ونظر إليها نظراً مختلاً، فرأى أنها حاجز لا بد أن يزال، وسمت لا بد أن يلغى، ولابد أن يكون الناس كلهم شيئاً واحداًًًًًًًً، ونمطاً واحداً، وهذا إن قاله بعض من نعدهم من الأعداء من غير المسلمين قلنا: إن مقاصدهم بذلك أن ينزعوا ديننا، وأن ينسخوا تاريخنا، وأن يبدلوا كل خصوصياتنا، لكننا إن سمعناه من بعض أبناء جلدتنا، وبعض أبناء ملتنا، أدركنا أنهم ربما كان عندهم سوء فهم، وخلل فكر، وميل هوى، يحتاجون معه إلى مراجعة ومناصحة، ولذلك ليس من النافع أن يكون هناك احتراب قبل أن يكون هناك تعيين وتحديد.
стр. 2580
أهمية الهوية في دين الأمة
إن هوية الأمة في دينها أمر أساسي لا نريد أن نقول: إنه من ذات ديننا وصميم آيات قرآننا وأحاديث نبينا، بل نقول كذلك: إنه من واقع الحياة المعاصرة، وإنا لنسأل ونتساءل: دولة الغصب في الكيان الصهيوني المحتل في أرض فلسطين ماذا تسمي نفسها؟ وما هو شعارها؟ وكيف هي مناهجها؟ وكيف تكون أيام عطلها؟ وما الذي يدور في معاهدها ومحافلها؟ وعمن تدافع؟ ومن تجلب إلى أراضيها؟ إن أي مغفل أو أحمق يدرك أن محور القطب والرحى الذي تدور عليه ديانتها وعقيدتها اليهودية، وإن أمماً أخرى كثيرة -حتى غير الديانات السماوية- تجعل أعيادها، وتجعل تصرفاتها، وإجازاتها، وكثيراً من صور أحوالها الاجتماعية منبثقة من تلك الديانة وتلك العقيدة حتى وإن كانت بشرية كما أشرت، فلماذا يستنكر على أمة الإسلام أن يكون لها مثل ذلك، أو يرى أن ذلك من الضيق في الفكر، أو التحجر في النظر، أو عدم القدرة على التعارف وعلى التواصل مع الآخرين؟!
стр. 2581
العنصر الثاني: اللغة
ثم إذا جئنا إلى اللغة وما أدراك ما اللغة؟! لغة القرآن، لغة الفصاحة والبيان، التي أصبحت اليوم غريبة في ديارها، لا يحسن أهلها أن يقيموا حروفها، وأن يفصحوا في إعرابها، ولا أن يظهروا بلاغتها، وصار كثير منهم لا يكاد يتكلم جملة إلا ويحشر في كلماتها من تلك اللغة أو الأخرى كلمات لا تعود تعرف هل هو من أبناء هذه اللغة أو غيرها؟! وأسألكم: من يتحدث بالعبرية في أنحاء العالم؟ كم عددهم؟ ومع ذلك كل مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم وكليات طبهم لا تتحدث ولا تدرس إلا بها، ولو ذهبت إلى أقصى الشرق في بلاد اليابان لما رأيت أحداً يلتفت إليك، ما لم ترطن برطانته وتتكلم بلغته، ولو ذهبت إلى فرنسا لرأيت أنها تعتز بلغتها وتأبى أن تتحدث بغيرها، وتحرص على حمايتها، ومنع تسرب اللغات الأخرى بحيث تكون هي الأصل في أبناء جلدتها، وانظروا إلى التجمعات الكثيرة العالمية كالجامعات التي نرى فيها أن أظهر سمة فيها هذه اللغات، فما بالنا نقول: لم تتحدثون بالعربية؟ ولم تصرون على الفصحى؟ ولم تريدون أن تجعلوا التعليم في معاهدنا وجامعاتنا بهذه اللغة غير العلمية؟ وبالمناسبة: يغتر بعض الناس باللغة الإنجليزية، ولا يدركون أنها من حيث النسب ليست عالمية، فإن نسبتها دون نسبة اللغة الصينية التي تشكل (١٥%) من سكان العالم كله، ولذلك أقول: هذا المعنى مهم، وسنذكر أهميته في صور كثيرة عظيمة قد يضيق مقامنا عن ذكرها.
стр. 2582
العنصر الثالث: التاريخ
ونحن اليوم انتسابنا بالإسلام يمتد جذوره إلى أبي البشرية آدم ﵇، ويمر بتاريخ الرسل والأنبياء والصالحين والدعاة، ولنا تاريخ ننتسب فيه إلى أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] هذا التاريخ لم ينسخ أو يلغ، لكنه قد يختزل أو يختصر، أو يكتب في المناهج -كما أسلفت من قبل في بعض البلاد العربية والإسلامية- سبعة أسطر عداً وحصراً في سيرة وتاريخ الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ونصف صفحة لا أكثر ولا أقل في سيرة عمر بن الخطاب، ثم يكون لنا من بعد ذلك صفحات وصفحات في تاريخ أمة من شرق أو غرب، وشخصيات من هنا أو هناك، كيف يمكن حينئذ أن يكون لنا لون وطعم ورائحة معروفة؟! وانظروا اليوم إلى كل أمم الأرض كيف تبحث وتنبش عن صفحات تاريخها، بما فيه من أوحال وأدناس وأرجاس، وبمناسبة ذلك: يظن بعض الناس -من أثر ما سلط على الجوانب السلبية في تاريخنا- أن تاريخ أمتنا ليس إلا قتلاً وحرباً وصراعاً، وأنه ليس فيه كثير من المعاني العظيمة التي سجلت في صفحات تاريخ الإنسانية العظمى في ظلال الإيمان والإسلام.
أقول هذا -أيها الإخوة المؤمنون- لأن قضيتنا مهمة في هذه الشخصية الإسلامية والهوية، وهذه البلاد الإسلامية التي تضم الحرمين الشريفين يستنكر اليوم الناس ما يعرف بخصوصيتها أو هويتها، ويقولون: هل نحن جنس من غير جنس البشر؟ وهل نحن من غير نسل بني آدم؟ وهل في عروقنا دماء غير دماء البشرية؟ لنقول: من قال ذلك؟! ولكننا بلد الإسلام، فهل في بلاد أخرى كعبة غير البيت الحرام؟ وهل في بلاد أخرى مسجد لرسول الله ﷺ سوى الذي في المدينة؟ وهل هناك مشاعر مقدسة وبلاد محرمة بتحريم الله وتحريم رسوله ﷺ في أي بقعة من الأرض غير هذه البلاد؟ وهل هناك دولة أو بلد لم يدخل الاستعمار إليه دخولاً كاملاً: عسكرياً وفكرياً ونظامياً وقانونياً وتعليمياً سوى هذه البلاد، وهل هناك أنظمة منصوص عليها في سياسة التعليم والإعلام وغيرها ليس فيها حرف واحد يتناقض مع أصول الإسلام وثوابته، أو مع أهدافه ومقاصده سوى هذا البلد؟ وهل هناك بلد فيها فصل للتعليم بين الذكور والإناث في كل المراحل مثلما في هذه البلاد؟ وهل هناك بلد الأصل أن كل من يعيش على أرضه من أبنائه هم من المسلمين؟ وغير ذلك من الأسئلة، فكيف إذاً تطرح الحقائق وتلغى؟!! وهذه كلمات أقرؤها عليكم لكاتب كتب في إحدى صحفنا قبل يومين لا أكثر ولا أقل، لا نستعدي ولا نصرخ، وإنما ننصح ونراجع، يقول: وبعد مرور ربع قرن من عمرنا، ينبغي أن يكون قد ترسخ في ضميرنا ووجداننا وأذهاننا قناعات فحواها: أنه ليس من الضروري الاحتكام للرؤية الدينية في كل شاردة وواردة تطرأ على حياتنا، ويقول: أختلف معهم -أي: مع الذين يقولون بهذه الخصوصية- في اعتبار الدين -أي دين- مكوناً للخصوصية.
ثم يقول: إن الخصوصية هي: العلمانية الإيمانية، أو العلم الإيماني، أو الإيمان العلمي، ويذكر حينئذ صوراً، فيقول: إننا إذا تحدثنا عن فرنسا ذكرنا الحرية والمساواة والإخاء، وإذا ذكرنا أمريكا ذكرنا حقوق الإنسان والحريات، وإذا ذكرنا كذا وكذا وعدد من بلاد الشرق والغرب، وكأن أمة الإسلام ليس لها إلا الذل والتخلف والسوء والسواد والشنار والعار، ولعلي أظن أنه لم يقصد ذلك، فهو لم يدرك مرامي الكلام وغاياته.
стр. 2583
ماذا نعني بخصوصيتنا الإسلامية ؟
أيها الإخوة المؤمنون! إننا إذا انتبهنا لهذا المعنى نستطيع أن نجد عشرات ومئات من الآيات والأحاديث تبين ذلك، ولكننا في الوقت نفسه ندرك ونعي أن خصوصيتنا الإسلامية لا تعني أننا لا نتصل بالآخرين ولا نعرف كيف نتعامل مع الأمم الأخرى، فإن تاريخ إسلامنا قد دخل وانتصر على الحضارة الفارسية والرومانية واليونانية، وكثير من الحضارات الأخرى، فما دمرها وهدم بيوتها على رءوس أصحابها، وإنما استطاع أن يستوعب أهلها، ويدخل أكثرهم في دين الله أفواجاً، وأن يأخذ حضارتها المادية، فورث العلوم والفكر الحضاري المادي الذي لا يتعلق بالتصورات والعقائد، وبقيت أمة الإسلام أمة متميزة بإيمانها وعقيدتها وإسلامها وأخلاقها ومبادئها وثقافتها، لم تنسخ ولم تذب في غيرها.
بل إن المسلمين الذين خرجوا إلى فجاج الأرض شرقاً وغرباً، والذين أقاموا في بقاع مختلفة من شتى أنحاء العالم هم الذين -في جملتهم- كانوا المستعصين على الذوبان، ولو ذهبتم اليوم إلى بلاد كثيرة لرأيتم كيف ذابت شعوب وحضارات شرقية في تيار الحضارة الغربية، فالصيني أو الياباني الذي يعيش اليوم في أمريكا لا تكاد تعرف منه شيئاً من أصله إلا شحمته ووجهه التي خلقه الله عليه، ولكنك ترى مسلمين ولدوا في تلك الديار ونشئوا فيها، وتعلموا في معاهدها، وتخرجوا من جامعاتها، وقلوبهم مليئة بالإيمان، وصدورهم عامرة بالإسلام، وألسنتهم ناطقة بالقرآن، وجباههم ساجدة في محاريب الصلاة، وهم في أعلى المستويات العلمية في كل المجالات التقنية والطبية والهندسية وغيرها، فهل هؤلاء أيضاً منغلقون وأغبياء وحمقى، ولا يعرفون كيف يأخذون بحضارة هذا العالم المعاصر في جانبها المادي والتقني؟! ينبغي أن نأخذ مبدأ التوسط في معرفة الأمور، فليس كل شيء يقبل كاملاً على علاته أو يرفض كاملاً بكل ما فيه، بل العاقل المنصف، والأريب الأديب الذي يأخذ الحق فيستخلصه من بين براثن الباطل، ويقول: إنه حق وإن جاء من هذا الشخص أو ذاك، أو من هذه الجهة أو تلك، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
نحن أمة الإسلام أمة عمارة الأرض؛ لأن الله خلقنا واستخلفنا في هذه الأرض لعمارتها، فكل ما هو من شأن عمارتها مطلوب منا شرعاً بدين الله ، كما عمر أسلافنا الأرض بالعمارة المادية والمدنية، وأقاموا الحضارة العلمية في أزمنتهم المختلفة في حواضر العالم الإسلامي كلها، حتى في الأندلس وما أدراك ما الأندلس؟! وهي حضارة امتدت على مدى ثمانية قرون ولا تزال مؤلفاتها ومخترعاتها إلى يوم الناس هي الأساس والقاعدة التي تم الانطلاق منها.
وقضية أخرى مهمة: ينبغي لنا ألا نغفل الواقع والتدخلات والضغوط الخارجية، وألا نغفل ما تحدث عنه المتحدثون كثيراً وطويلاً، وهو: أن الفكرة المسماة بالعولمة إنما تريد أن تجعل الناس شيئاً واحداً، لكن أي شيء؟ إنهم لا يريدون شيئاً واحداً مشتركاً، بل يريدون أن تتحدث بلسانهم، وأن تفكر بعقولهم، وأن يخفق قلبك بمشاعرهم، وأن تنزل إلى أرذل وأسفل دركات سلوكياتهم القذرة، ولذلك يقولون: لماذا تحجبون المرأة؟ لماذا تمنعون الاختلاط في التعليم؟ لماذا لا تكون عندكم أسر مثلية فيتزوج الرجل الرجل، والمرأة المرأة؟ لماذا لا تكون عندكم نواد مفتوحة وشواطئ للعراة؟ فذلك موجود عندهم، ويريدون أن يكون في كل الأرض شرقاً وغرباً، فعندما نتحدث عن بعض الأخطاء في واقعنا، أو عن بعض ما يحتاج إلى مراجعة هنا أو هناك، فلماذا لا ننتبه إلى أن حديثنا ينبغي أن يكون مضبوطاً؛ حتى لا يكون مواكباً وموافقاً لما يريده أعداؤنا منا فينبغي أن ننتبه إلى ذلك.
стр. 2584
من صور الانفتاح اللامسئول
واليوم وقد بدأت كثير من صور الانفتاح والدعوات إلى الإصلاح، أصبح الناس يخوضون فيها، ويركضون فيها خيولهم قبل أن يفكروا ويتأملوا، فإن الكلمة التي تكتب أو تقال، وإن الرأي الذي يقدم لابد أولا ً أن يكون فيه الفكر والتدبر والعلمية والمنهجية، ولابد أن يكون ناشئاً من النية الخالصة التي تريد المصلحة العامة، لا الأهواء أو المصالح الذاتية، ولا تصفية الحسابات الشخصية، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨].
وكذلك لا ينبغي أن نقول قولاً ونخالفه ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]، كثيرة هي الأمور التي تطرح أحياناً، فهذه كاتبة -لا أتهم نيتها، ولا نريد أن نعيد الصراخ والهجوم- تكتب عن حديث: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، ثم لا تجد شيئاً من التفسير لتلوي عنقه، فتتجه إلى راوي الحديث أبي بكرة ﵁ لتقول عنه: إنه رجل لا نسب له، وهو كذاب! فتقع في أمر خطير أحسب أنها لا تدرك عظمته وخطورته، إن الصحابة زكاهم القرآن تزكية واضحة صريحة ليس فيها لبس، وأجمعت جماهير علماء الأمة -بلا خلاف معتبر بينهم- أن أصحاب محمد ﷺ كلهم عدول، وأن الطاعن في أصحاب محمد إنما يطعن في القرآن، وفي هدي النبي ﷺ ، بل في شخصه، إذ كيف يكون من أصحابه من هذه سماتهم، وتلك أوصافهم، ثم يكونون هم أعمدته، وهم معاونوه ووزراؤه، وولاته الذين استعان بهم في إقامة دين الله ؟! واستمعوا أيضاً إلى كاتبة أخرى فاضلة تريد أن تقول إنه قد أخطئ أنا ويخطئ غيري من العلماء، والرجوع إلى الحق فضيلة، فتضرب المثل بسيد الخلق ﷺ ، وتعبر التعبيرات التي أحسب أنها أيضاً قضية خطيرة، فالنبي ﷺ معصوم، وهو سيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم أجمعين، فإن تحدثنا عنه كما نتحدث عن أي إنسان فماذا بقي لنا؟ تقول الكاتبة: بل إن الرسول ﷺ لم يسلم من عتاب الله له، ولومه على تصرف أتاه، أو رأي رآه، مع اختلاف لهجة العتاب من بين آية وأخرى، فمن عتاب لطيف تستشهد له بقول الله جل وعلا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣].
وكنت أتمنى أن ترجعوا إلى كتب التفسير لتقرءوا ماذا قال العلماء في مثل هذه المقامات، والإشارة والدلالة على أن هذا العتاب إنما هو إجلال ورفع لمقام النبي ﷺ ، وبيان كرامته ومنزلته عند ربه ومولاه ، ولا يفهم من ذلك ما قد تشي به هذه الكاتبة.
ثم تقول: إلى صورة أخرى -أي: من العتاب- فيها توعد كما في قضية الأسرى، وتستشهد بقول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال:٦٧]، وترى أن في هذا توعداً من الله لرسوله ﷺ ، بل يبلغ الأمر أخطر من ذلك عندما تقول: إن لهجة الخطاب القرآني تعلو فيها نبرة اللوم في قوله جل وعلا: (َ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧].
ثم تزيد فتقول: وتتضح لهجة اللوم، ويكون فيها تجاهل لشخص رسول الله ﷺ ، فلا ترد كلمة نبي أو رسول، ولم تعد صيغة المخاطب هي الصيغة بل صيغة الغائب، وهذا أسلوب معلوم في اللغة العربية أن فيه ما فيه من اللوم، وتستشهد بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢].
وكلنا يعلم أن أهل العلم قد ذكروا أن هذا كان في خلاف الأولى، وأن كل ما رآه النبي ﷺ وأمضاه من الأحكام قد أقره الشرع عليه، وثبتت به الأحكام، وإلا لكان هناك رجوع، فهل رجع النبي ﷺ عما أبرمه في قضية أسرى بدر؟! إن الكتابة المطلقة، وإن الانفتاح الذي تتبدى أروقته، وإن الإصلاح الذي ترفع راياته، ينبغي ألا يكون مندفعاً نخسر معه حقائق مهمة، ونخوض في قضايا تضرنا جميعاً، وأولئك القوم الذين يكتبون، حتى وإن كانوا يظنون أنهم في مواجهة آخرين قد أساءوا في طرحهم أو في تعبيرهم، فليعلموا أن القضية في آخر الأمر قضية ديننا، قضية هويتنا، إن مصالح أمتنا أن تتماسك، وأن تعرف حقائق ما يقويها ويحفظ عليها وحدتها، فهل إذا تخلينا عن ديننا ولغتنا وتاريخنا يمكن أن يكون لنا صبغة واحدة؟ سيتكلم هذا بلغة، وذاك بلغة، وذاك درس في بلاد، والآخر تخرج من أخرى، فسنكون شراذم، ولا يجمعنا ولن يجمعنا لا اليوم ولا غداً إلا دين الله في بلاد الحرمين، ومهبط الوحي.
مع أننا نريد كذلك أن يكون فهمنا للدين صحيحاً، وأن يكون تشبثنا بالخصوصية تشبثاً واعياً، فالخلاف الفقهي ينبغي أن تتسع له الصدور ما دام قائماً على أسس علمية، وفي المجالات والميادين والقضايا التي يسوغ فيها الاجتهاد، فليس هناك أحادية رأي، وليس هناك حجر على من يرى رأياً أو مذهباًَ فقهياً، أو قضية مما وقع فيها اختلاف الأمة في تاريخها كله، ولكن ذلك لا يعني أن يدخل في الاختلاف شيء من غير ديننا كله، أو فكر لم يرد في قرآننا ولا في سنة نبينا، ولا في أقوال علمائنا، ولا في صفحات تاريخنا، فلا يجوز أن يقال: ما دمنا قد رحبنا بالحوار، أو ما دمنا قد فتحنا أبواب الإصلاح، أو ما دمنا قد رأينا ألا نحجر على الآراء، فينبغي أن نترك ذلك كله بدون خطام أو زمام! وأختم هذا المقام لأقول: إنه في كل ديار الدنيا لابد من حدود تؤطر المسموح، وتجعل له شيئاً من الممنوع، وكل دساتير الدنيا تقول: إن التعدي على دستور البلد أو رئاسة الدولة جريمة كبرى يحاكم عليها، ثم إذا جيء إلى دستور الإسلام، وإلى الشرع والحاكم بشرع الله ، كان التعدي عليه أمراً ميسوراً؛ إن هذا لشيء عجاب! نسأل الله السلامة، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وهويتنا وأخلاقنا، وأن يدرأ عنا شرور الأشرار، وكيد الفجار، وأن يحفظ هذه البلاد من كل سوء وشر وضر، وأن يجعلها موئل الإسلام وأهله، وموضع دعوته ونشرها، ورفع رايتها في الآفاق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2585
الاختلاف المسموح والمطروح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إن صبغتنا الإسلامية قضية أساسية مرتبطة بإيماننا وعقيدتنا، وثقافتنا وفكرنا، وتاريخنا وحضارتنا: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨].
ينبغي أن ندرك أن الاختلاف سنة من سنن الحياة كلها، فلن يأتي يوم يكون الأخ فيه مطابقاً لأخيه في كل شيء، لكن الاختلاف تختلف أنواعه، فهناك اختلاف تنوع داخل دائرة واحدة، وقد يكون لنا اختلاف في اجتهاد أو رأي في الدائرة المشروعة السائغة، ولا يعني ذلك أننا قد خرجنا من هذه الدائرة، ولذلك لابد أن نتميز عن غيرنا ممن ليسوا في دائرتنا، والله قد بين ذلك في آيات كثيرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
إذاً: هناك طرق، وهناك ديانات ومناهج، فإذا أخذنا طريقنا فإننا لن نسير في طريق غيره، وذلك يعني أننا نخالف غيرنا، وليس من ضرورة الخلاف أننا نحارب غيرنا دائماً وأبداً، ولكننا نحارب من يحاربنا، ونحارب من يضع الطريق والعراقيل في طريقنا، وفي طريق بيان ديننا وحقائقه، وذلك أمر بين واضح، وتأتينا آيات كثيرة في هذا المعنى كقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
إننا إذا لم نعرف أن هذا الذي عندنا هو الحق، وأننا نؤمن به بناء على يقين قلبي، ومعرفة عقلية علمية، واستقراء تاريخي طبيعي، فإننا حينئذ لن ندرك أن غيره مخالف له، وهذا أمر مهم، والله يقول فيما يتعلق باتباع رسوله ﵊: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
إننا لابد أن ندرك أن قضية الالتزام الإسلامي قضية عقدية، ونستيقن في نفوسنا أن خلاصنا ونجاتنا، وأن ضبط أحوالنا وصلاحها، وحسن علائقنا بغيرنا، تكمن في انطلاقنا من ديننا وارتباطنا به، ومن هنا فإنني أقول: إن كثيراً من القضايا التي تطرح وتثار ما لم تكن لها مرجعية حاكمة في أصولها الجامعة وإطارها العام، فإن ذلك يعني أن الفوضى ستكون هي المثار، ومن هنا ينبغي لنا أن نستحضر أهمية التوسط والاعتدال، فلا نصم آذاننا عن السماع؛ حتى نعرف ما يقال، ونوجه بالحكمة والموعظة الحسنة والنصيحة دون تنابز بالألقاب، ودون تبادل للاتهامات، وفي المقابل لا ينبغي لنا أن نغفل عن خطورة هذه الموضوعات، وأن تموت غيرة النفوس، فخذ المنهج السليم، وخذ الحكمة البالغة، وخذ الطريق الذي يغلب على ظنك أنه يوصل إلى المقصود.
стр. 2586
شهادة الواقع بأن الإسلام خير ما نتحد عليه
وحقيقة الأمر أن هذه الأحوال المعاصرة تقتضي من كل مسلم أن يتنبه ويتيقظ، وأن يحرص على أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه، دينه وإيمانه وإسلامه وأخلاقه، وليعتبر كل أحد بالواقع المعاصر، فإننا لا نريد أن نحاجهم بما في الآيات والأحاديث فحسب -وهي حجة قاطعة- ولكنا نقول: خذوا الواقع، خذوا ما دعوتم إليه وما طرحتموه من أفكار، انظروا إلى أمم وديار إسلامية ما حل بها، وانظروا إلى بلاد غير إسلامية ما حل بها.
أليس في بلاد الإسلام من يعد لبس حجاب المرأة المسلمة قانوناً محظوراً ويمنع أن يلبس في المدارس والمعاهد والجامعات؟! أفلسنا ندرك أن قليلاً من الأمور قد يؤدي إلى كثير منها؟! ولسنا بمبالغين في مثل هذه الأمور، حتى يقال: إن سد الذرائع باب أفضى إلى إغلاق كل اجتهاد وتطوير، ولكننا نقول: خذوا ضابط الشرع، فما خرج عن الشرع فاعلموا أنه ستكون له آثار غير حميدة، والله قد بين لنا ذلك، وبين في شطر آية شقاء الدنيا كلها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
تلك هي الحقائق التي ينبغي أن نتنبه لها، لا سيما ونحن نستقبل الموسم الأعظم الذي يبين هوية الأمة في فريضة الحج العظيمة، ونرى القادمين من بلاد شتى، وأعراق مختلفة، وألوان متباينة، ولغات ليست واحدة، ومع ذلك ما الذي يجيء بهم؟ وما الذي يجمعهم؟ وما الذي يجعل كل أفعالهم تصب في إطار واحد، وفي بقعة واحدة، وعلى هيئة واحدة، في أقوال وكلمات واحدة؟ إنها صبغة الإسلام، فهل هناك قوة أو معنى أو مبدأ ممكن أن يذيب كل الفوارق المختلفة، ويأتي إلى هذه البقاع المقدسة بكل جنس ولون؟! كثير من الناس كانت دياناتهم وديانات آبائهم ليست هي الإسلام، ما الذي جاء بهم؟! إنها قوة الحق في هذا الإيمان، وصفاء المنهج في هذا الإسلام، وصلاحية الشريعة التي تمثلت في آيات القرآن، إنها القوة التي ليس لها مثيل في هذا العالم اليوم، ولن يكون لها مثيل مطلقاً.
فنسأل الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يعلمنا ويبصرنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا سنة نبينا، وأن يجعلنا لآثار الصالحين مقتفين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ينفعنا ويرفعنا يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبيلاً لمن اهتدى، اللهم تول أمرنا، وارحمنا ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبعك رضاك يا رب العالمين! اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب وترضى.
اللهم احفظ بلاد الحرمين الشريفين من كل سوء، اللهم اجعلها بلد الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والهداية والاستقامة، ورغد العيش ورخائه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن ترد عنا كيد الكائدين، وشرور المعتدين، وأن تحفظ بلاد الإسلام والمسلمين من كل سوء وضر وعدوان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن توفقنا لطاعتك ومرضاتك، وأن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2587
أنى اتجهت إلى بلد وجدت إسلاماً
إن الإسلام يدخل بنفسه إلى القلوب فيحييها بإذن الله بعد أن كانت ميتة، وإن الكفر ينزوي يوماً بعد يوم، وما ذلك إلا أن الإسلام موكول حفظه ورعايته وإتمامه إلى الله، وغيره موكول إلى البشر، والمأساة كل المأساة حين لا يعرف قيمة هذا الدين أهله المنتسبون إليه، فيتهافتون على الفسق والفجور تهافت الفراش، ولا مخرج من ذلك إلا بفهم ووعي وإدراك، وعمل وبذل وتضحية، وتعاون من الجميع على الخير ونشره بين الناس.
стр. 2588
المستقبل للإسلام
الحمد لله لا إله غيره ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد جل وعلا، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، له الخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، أسمع الله به آذاناً صماً، وأحيا به قلوباً ميتة، وزادنا وببعثته هدى من بعد ضلالة، ورشداً من بعد غي، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: أنى اتجهت إلى بلد وجدت إسلاماً وأنى يممت إلى قطر وجدت مسلمين! هذا الدين في كل صقع من الأرض له أتباع تخفق به قلوبهم اعتقاداً ويقيناً، وتجسده جوارحهم التزاماً وامتثالاً، ويظهرون محاسنه دعوة واقتداءً، ونجد ذلك تصديقاً لحديث المصطفى ﷺ : (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل)، هذا الدين الذي نجد الدنيا كلها منشغلة به حتى وإن كان انشغال الأعداء حتى وإن كان على سبيل الكذب والافتراء حتى وإن كان على سبيل العدوان والاعتداء؛ فإن هذا الانشغال دليل على عظمة الإسلام، وكل أمر يشغل الناس ولو بالمعارضة دون التأييد فدليل على قوته وأثره وأهميته.
وثمة أديان أخرى أصلها سماوي، وإرثها نبوي، وهي في عقر ديارها اليوم لا يذكرها أحد، أجيالهم الجديدة اليوم لا تعرف شيئاً عن ذلك الدين، ولا عن إرثهم التاريخي، ولا يشهدون أماكن العبادة، ولا يكادون يعرفون شيئاً عن هذا الدين، بل إنهم يصرحون بأنهم لا يعرفون ديناً، ولا يلتزمون عقيدة أو يقيناً بأي شيء من الأشياء، بل إنهم كذلك يهاجمون أحياناً دينهم، ويرونه صورة من صور التخلف أو التقيد وعدم الفاعلية في الحياة.
إن الإنسان ليعجب كثيراً وهو يرى ذلك، وبعض المسلمين ربما ينظر إلى الجانب المظلم، وإلى الجانب الذي يرى فيه هذا العداء المتعاظم، وذلك الكيد الكبار، وتلك المؤامرات المتواصلة، ولا يرى كيف يشرق الإسلام في كل يوم على قلوب جديدة لم تعرفه، فإذا بها تقبل عليه وتعتنقه، ولا ينتبه أيضاً إلى فئام من المسلمين ضلوا في دروب الحياة، وغرقوا في شهواتها، وكل يوم يستيقظ منهم ويعود إلى الذكر من بعد الغفلة وإلى الالتزام من بعد الفتور والتفريط، فئام وجماهير من المسلمين.
إن مستقبل الإسلام قطعاً ويقيناً هو المستقبل الذي سيملأ هذه الدنيا كلها عدلاً وإنسانية، كما سيقيم فيها الخلق الفاضل، والنهج المستقيم، وذلك بقدر الله وقوته، وما اقتضته سنته التي جعلت وجود هذا الدين في هذه الحياة يعتمد على ما يقوم به المسلمون: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فسنة الله لا تحابي أحداً، وسنة الله لا تتغير: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
لو كانت السنة الربانية تحابي أحداً لكان أولى الناس بذلك سيد الخلق محمد ﷺ ، ولكن عندما خالف بعض أصحابه في غزوة أحد أمراً من أوامره دارت الدائرة عليهم، وكانت دائرة مؤلمة، ذهب ضحيتها سبعون من الشهداء، وكان فيها جرح غائر عظيم في نفوس المؤمنين، وجاءت الآيات: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
الإسلام دين عظيم، والمسلمون فيهم عاملون فضلاء، وفيهم غافلون سفهاء، وفيهم معاندون أقرب إلى الأعداء، ويوم ينطبق ما بين أهل الإسلام ودينهم فحينئذ لن تقوم في وجههم قائمة، ولن تستطيع أن تعترض مسيرتهم قوة، وسوف يجددون ما كان من تاريخ أسلافهم، ويعيدون ما مضى من أمجادهم؛ لأن تلك هي سنة الله .
أنتم معاشر المسلمين تملكون أعظم شيء في الوجود، إنه الدين الذي يسير الحياة ويقودها، ويدخل في كل جزئية من جزئيات الحياة، ويؤثر في جميع الأحياء بل وفي غير الأحياء؛ لأنه شامل لكل شيء في الحياة.
نحن أمة الإسلام أمة القرآن المحفوظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، أمة القرآن الذي فيه شفاء للناس: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، شفاء أمراض الحس، وأمراض المعنى، أمراض القلوب، وأدواء النفوس، وضلالات العقول.
كل شيء في كتاب الله، ففيه الهداية التامة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩].
نحن أمة الرسول الخاتم ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، أمة الرسول الذي مثل كل جوانب الحياة، فكان هو المؤمن العابد، وكان هو القاضي العادل، وكان هو الحاكم النزيه، وكان هو القائد الشجاع، وكان هو الزوج الرحيم، وكان هو المربي العظيم، وكان هو الصاحب الوفي، فكل جانب من جوانب الحياة نرى فيه صورة مثلى، وقدوة عظمى لسيد الخلق ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
نحن أمة الإسلام أمة الرسالة الخالدة إلى قيام الساعة، ليس بعد هذا الدين دين، وليس بعد هذه الرسالة رسالة، جعل الله فيها كل ما يصلح الناس في سائر الأزمان والأمكنة إلى قيام الساعة، فما بال المسلمين؟
стр. 2589
صور متناقضة عن المسلمين المقيمين في أقاصي الأرض
دعوني أنقل لكم بعض الصور في بلاد بعيدة من خلال أقليات مسلمة، لنرى أن من قام بالإسلام وعمل به كان له دور وأثر، وأن هناك من ضيع وفرط، وأن الخير في هذه الأمة يزداد ويتضاعف، ويوم يتقلص الشر والفساد والإفساد فسوف تتنزل علينا من رحمات الله ما حجبت بسبب الذنوب والمعاصي والآثام: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، تلك هي سنة الله .
في أقصى شمال الأرض التي في بعض بقاعها ومناطقها تمر بهم أيام ليس فيها نهار أبداً، أو نهار ليس فيه ليل أبداً، ووجدت فيها مسلمين يأتون ليفرغوا أنفسهم وأوقاتهم ويتركوا أهلهم وأعمالهم ليتعلموا دينهم، ويسألوا عن صلاتهم وصيامهم وسائر أوضاعهم.
ورأيت في تلك المجتمعات صوراً أخرى متناقضة، صوراً ممسوخة نسيت دينها، وانسلخت من تاريخها، وتجردت من أصولها، وأصبحت نموذجاً مشوهاً للضياع والتيه.
وفي بلد أخرى مسجد للمسلمين مهدد بالضياع؛ لأنهم لا يملكون تسديد باقي قيمته، وفي الوقت نفسه في تلك البلاد تاجر فاجر يملك الملايين وهو منتسب إلى الإسلام، لا يعرف طريق المسجد، ولا يدري أين موقعه، وتدور الدائرة عليه ويصبح رهين السجن نتيجة لتلاعبه وتحايله! وفي بلد آخر لقيت جمعاً من الناس يفضون بهمومهم، فإذا هي حول تعليم أبناء المسلمين، كيف ينشئون المدارس في الأوقات الإضافية في آخر الأسبوع ليعلموا العلوم الإسلامية واللغة العربية، ليحفظوا الهوية، ويجعلوا الجيل القادم جيل إسلام وطهر ونقاء، وعلى مقربة منهم ببضع خطوات لا أكثر سياح من بلاد الإسلام والمسلمين، يبذرون الأموال في الملاهي وشرب الخمور والعهر والفساد، كأنما الإنسان يرى التناقض العجيب والصورة المتعارضة؛ فيدرك أن سنة الله تمضي بقدر الله ؛ ليكون في ذلك بإذنه جل وعلا خير عاجل غير آجل إن شاء الله.
وصورة أخرى أنقلها لنرى هذا التناقض الذي يكاد يعرفه كل الناس: سائق أجرة مسلم في عاصمة غربية كبرى ركبت وحدثته، فحدثني بغيظ عظيم، وبألم كبير؛ لأنه يجوب الطرقات ويركب معه من بلاد الإسلام والعرب كثير من الناس، ويرى في حالهم وسلوكهم ما يفطر قلبه، ويحير عقله، وأخبرني عن قصة واحدة، قال: ركبت معي امرأتان متحجبتان تغطيان وجوههما، لكنني عجبت من المكان الذي تقصدانه، إنهما تطلبان مني أن أوصلهما إلى مكان هو واحد من الملاهي التي يفعل فيها كل أنواع الفسق والفجور، وعند الدخول لم يكن هناك حجاب ولا غطاء، وكان حارس المكان -وهو أجنبي- يضرب على الظهور ويشجع ويرحب ويقدم.
هذه الصور المتناقضة تبين لنا قضية مهمة، لو أننا استطعنا أن نعرف ما هو السر الذي جعل أولئك عاملين فضلاء مهتمين حريصين على دينهم، ولماذا كان هؤلاء غافلين يقومون بمثل هذه الأعمال ولا يكادون يذكرون أمر أمتهم ولا شأن دينهم؛ لو عرفنا الأسباب واستطعنا أن نعالجها لاستطعنا بإذن الله أن نكثر من الجانب الأول، وأن نقلل من الجانب الثاني.
ولعلي أذكر صورة أخيرة قبل أن أمضي إلى التنبيه على ما نحتاج إليه: في البلاد الغربية وفي بعض العواصم الكبرى منها على وجه الخصوص، من أبرز برامج الصيف في تلك العواصم الغربية: الأغاني العربية، يحضرها مغنون يسافرون من بلاد العرب، وجمهورهم من السياح الذين يسافرون أيضاً، فإنه لن يحضر هذه الأغاني من لا يعرف العربية، فتعجب لماذا تغادرون بلادكم وتنفقون أموالكم لتستمعوا إلى المغنين الذين بدياركم؟! لترى كيف تكون العقول والنفوس إذا شردت وبعدت عن طريق الله !
стр. 2590
أهم القضايا والأمور التي نعالج بها الواقع المر
أمور كثيرة نحتاجها، غير أني أذكر ثلاثة منها هي محور الحديث وجوهره، وهي لب القضية وأساسها:
стр. 2591
التعاون والتكامل
وأخيراً: التعاون والتكامل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، نحن أمة الإسلام أمة الإخاء أمة الوحدة أمة الارتباط: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، والله قد بين لنا أن أعظم منة منَّ بها على رسوله ﷺ هي التأليف بين القلوب الذي يتبعه توحيد بين الصفوف، ويتبعه تكامل في العمل ومواجهة الأعداء، كما أخبرنا الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وكما صور لنا رسولنا ﷺ قضية التكامل بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقوله: (مثل المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى)، وقوله: (المؤمن مرآة أخيه)، أين هذه المعاني والفرقة قد دبت والخلاف قد استشرى، والكل قد أدبر عن أخيه؟ ولكننا نجد هذه الدعوة إلى هذا الائتلاف والانسجام مع وجود وتضاعف العداء بحمد الله تلقى صدىً واسعاً، فقد جعل الله من حكمته ورحمته تسلط الأعداء سبباً في تكتل المسلمين وتقاربهم.
نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا في سبيله ولدعوته باذلين وعاملين، وأن يجعلنا على نهجه وعلى الإيمان به وعلى متابعة رسوله مؤتلفين ومتفقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2592
العمل والبذل والتضحية
الأمر الثاني: العمل والبذل والتضحية: لا يمكن أن تجد ثمرة بدون عمل، ولا نتيجة بدون جهد، تلك سنة من سنن الكون والحياة، من يريد المال ألا يبذل ويتعب، من يريد الرقي في الوظائف ألا يجتهد ويبذل، من يريد تحقيق أي غاية ألا يسعى إليها، وقد يواصل ليله ونهاره: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
لا يغنينا الانتساب إلى الإسلام، ولا يكفينا الانتماء إلى الإيمان، ولا يعفينا من القيام بمهماتنا أننا من بلاد الحرمين أو من هذه البلاد أو تلك، أو أننا من أولئك القوم أو من نسلهم، فقد قال محمد ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد اعملي، فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس اعمل، فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً)، وفي حديث آخر قال: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
إن الانتساب للدين، والانتماء للأمة، لابد أن يكون له حقيقة يصدقها العمل والبذل لا في ذات الإنسان نفسه بل في كل الدوائر، فأنت مسئول عن نفسك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وأنت مسئول عن أهلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وأنت مسئول عن الأمة كلها بما ينبغي عليك من أمر بمعروف ونهي عن منكر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]؛ يوم نفقه ذلك نتذكر ما كان عليه عمر ﵁، يوم كان لا ينام ليله حتى يعس ويتفقد أحوال المسلمين، حتى قال: (لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها).
يوم كانت المسئولية العظيمة تملأ القلوب فتزهد في الدنيا، ويبذل أصحابها قمة البذل والعمل، حتى وقف عقبة بن نافع على شاطئ الخضم والبحر العظيم يقول: والله لو كنت أعلم أن وراءك قوماً لخضتك مجاهداً في سبيل الله، ومبلغاً لدين الله.
يوم تكون قمة الفهم والوعي والإدراك مستقرة في القلوب، تتحرك النفوس بالعمل وتعلو الهمم، ويكون للمسلمين بذل وعطاء عظيم.
стр. 2593
الوعي والفهم والإدراك
أولها: الوعي والفهم والإدراك: أنت أيها المسلم هل تعي دورك؟ هل تفهم رسالتك؟ هل تدرك غاية وجودك؟ هل تعرف تاريخك؟ هل تدرك صورة وصفة أمتك؟ يوم يحصل ذلك يتغير الأمر باتجاه ما يستقر في القلب من مشاعر وعواطف، وما يجول في العقل من أفكار وخواطر، وما تمارسه الجوارح من أفعال وأحوال، إننا معاشر المسلمين نحتاج أن نركز كثيراً على حقيقة إسلامنا وإيماننا، وأن غاية الوجود في الحياة عبادة الله وإعمار الحياة، تلك هي الرسالة التي جاء بها الإسلام: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وإعمار الحياة أن نقود هذه الحياة في تقنياتها وصناعتها، وفي كل جانب من جوانبها باسم الله، وعلى منهج الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ ، فلا يكون في الحياة اقتصاد إلا وهو ملتزم نهج الإسلام، ولا سياسة إلا وهي منضبطة بضوابطه، ولا علم إلا وهو قائم على أسسه العامة، وعلى مراميه ومقاصده الكلية، ويوم يكون ذلك كذلك يتجدد فينا ما كان في أسلافنا، يوم عمروا الكون بالمساجد والمحاريب ومدارس العلم والقرآن، ويوم عمروا الدنيا كذلك بكل المخترعات والعلوم التي سبقوا فيها غيرهم، والتي أسست حضارة اليوم على تلك النهضة العلمية العملية التجريبية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، وفي بغداد، وفي دمشق، وفي حواضر العالم الإسلامي كله.
إن قضيتنا في فهم رسالتنا وإدراك عمقها وشمولها لجوانب الحياة، وأنه لا ينبغي لنا أن نكون أمة إسلام ثم نكون أمة تخلف، وأنه لا ينبغي لنا أن نكون أمة قرآن ونكون أمة جهل، لم تكون نسب الجهل ونسب الأمية في البلاد العربية والإسلامية أكثر من غيرها؟ ولم لا تكون النهضة العلمية والصناعية في البلاد الإسلامية؟ لم نحن في آخر الركب؟ لأننا لم نفقه الدين فقه الحياة المطلوب والمنشود.
كتب أحد المؤرخين الغربيين في عام سبعة وثلاثين وتسعمائة وألف ميلادية -أي قبل نحو سبعين عاماً- يتكلم عن بعض البلاد وعين معها ثلاث دول إسلامية قال: هذه الدول فيها من القدرات والطاقات، ولها من الأعمال والمنجزات ما أظنها ستكون به مثل الدول المتقدمة وتنافسها.
واليوم وبعد سبعين عاماً من هذه المقولة نجد هذه الدول وقد صار بينها وبين تلك الدول بوناً شاسعاً ومسافة هائلة، كانت إحدى هذه الدول هي الدولة الثانية في العالم في تصنيع القطن، واليوم نجد هذه وغيرها في ذيل القائمة، لماذا؟ لأن المسلمين لم يفقهوا حقيقة دينهم وظنوه في جانب من الجوانب، وحتى تلك الجوانب التعبدية والإيمانية أخلوا بها انحرافاً وابتداعاً، أو تقصيراً وتفريطاً، أو أنها كانت صوراً ظاهرة لا حقيقة لها في قلوبهم، ولا أثر لها في نفوسهم، ولا وجود لها في واقعهم، وذلك ما ينبغي أن نلتفت إليه يوم أن ندرك ونعرف غايتنا، ونعرف ما الذي نقدمه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
هل هذه الأمور هي المقدمة في حياتنا؟ هل هي الشاغلة لفكرنا؟ هل هي التي تنقضي فيها أوقاتنا؟ هل هي التي تتعلق بها قلوبنا؟ إذاً: فكيف سنكون عابدين لله، وكيف سنجعل الحياة محراب عبادة وطاعة لله؟ وكيف سنقود الحياة على منهج الله وهدي رسول الله ﷺ ؟ تلك غاية مهمة، ورسالة عظيمة، وفقه أصيل يوم فقهه أصحاب محمد ﷺ ، وعرفوا حق هذا الدين، كان الواحد منهم يسلم في لحظة فيتغير فكره وشعوره وعاطفته وعمله وسلوكه وعلاقاته وصلاته؛ لأنه ينصبغ بصبغة جديدة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨].
يوم يفقه المسلمون حقيقة هذا الدين، ويفهمون غايتهم في هذا الوجود يكونون كما كان أسلافهم، ويجددون ما هو بحمد الله موجود في بعض أفرادهم، وفي جماعات وفئام كثيرة منهم اليوم، ويكون لذلك أثره ونفعه بإذن الله.
стр. 2594
تساؤلات لابد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وإن هذه المعاني التي ذكرتها رغم قلتها ووضوحها وبساطتها إلا أننا جميعاً لا نكاد نخلو من تقصير فيها، ولعلي أختم بهذه التساؤلات لأثيرها في كل ذهن، وأحييها في كل نفس، في الوعي والإدراك والفهم: هل تبيت وأنت تحمل هماً لأجل الإسلام والمسلمين؟! هل تستيقظ وفي فكرك أحوال الأمة وينشغل بالك بكيفية علاجها، أم أنك تمر بك الأيام والليالي وأنت تضرب في هذه الأرض، وتأكل من نعيم الله، وتملأ بطنك، وتنام ملء جفنيك وكأن أمر هذه الأمة لا يعنيك؟ إن كنت كذلك فما فقهت حقيقة ارتباطك، وما عرفت غاية وجودك حق المعرفة.
الأمر الثاني: سل نفسك: ماذا عملت؟ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ [التوبة:١٠٥]، هل عملت ما هو واجب عليك في حق نفسك؟ وهل قمت بدورك ورسالتك وواجبك تجاه أهلك وأسرتك؟ وهل لك دور وإسهام في الأعمال التي تعود على الأمة بالنفع؟ هل تشارك في هذا البرنامج أو ذاك؟ هل تسهم في تلك المهمة أو تلك؟ هل تعمل في تلك المؤسسة أو الأخرى؟ أم أنك إذا انتهيت من عملك وكسبك خلدت إلى راحتك، وشغلت نفسك ببعض من اللهو والعبث الذي لا يليق بمثلك؟ وأخيراً: هل تمد يدك إلى إخوانك؟ هل تغض الطرف عن الأخطاء؟ هل تتجاوز عن بعض الهفوات؟ هل تملأ قلبك بذلك الذي جعله النبي ﷺ سبباً من أسباب دخول الجنة يوم قال: (يدخل عليكم رجل من أهل الجنة)، وكان سبب هذه البشارة أنه يبيت وليس في قلبه غل ولا غش ولا حسد لأحد من المسلمين؟ إننا جميعاً مقصرون! فلعلنا نستدرك ذلك، ونراجع أنفسنا، وتلك هي الانطلاقة الصحيحة؛ لأن الله جل وعلا يقول فيما بينه من سنته الماضية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، نسألك اللهم أن تغير ما بأنفسنا إلى الخير والصلاح والهدى والتقى يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك التوفيق للصالحات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم إنا نسألك أن تملأ قلوبنا بحبك، وأن تنطق ألسنتنا بذكرك، وأن تستخدم جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، وفرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم بقوتك وعزتك يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2595
غداً الاختبارات
العلم أحد ركائز الأمم للسير نحو الأمام، وهو الدفة التي توجه المجتمعات نحو كل فضيلة، وتخرجها من كل رذيلة، والتعليم النظامي المعهود -على ما فيه من مثالب وسلبيات- أمره عظيم، وتبذل الحكومات جهوداً جبارة لإنجاحه، وأهم عامل لإنجاح هذا العمل: الطالب والمعلم، ولكل منهما حقوق وواجبات ومشاكل تنتهي بالاختبارات في نهاية العام الدراسي؛ لتكون النتيجة مقياساً لما أنجز وتحقق من حصيلة علمية طوال العام.
следующие страницы →