← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

التعاون والتكامل وأخيراً: التعاون والتكامل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، نحن أمة الإسلام أمة الإخاء أمة الوحدة أمة الارتباط: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، والله قد بين لنا أن أعظم منة منَّ بها على رسوله ﷺ هي التأليف بين القلوب الذي يتبعه توحيد بين الصفوف، ويتبعه تكامل في العمل ومواجهة الأعداء، كما أخبرنا الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]. وكما صور لنا رسولنا ﷺ قضية التكامل بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقوله: (مثل المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى)، وقوله: (المؤمن مرآة أخيه)، أين هذه المعاني والفرقة قد دبت والخلاف قد استشرى، والكل قد أدبر عن أخيه؟ ولكننا نجد هذه الدعوة إلى هذا الائتلاف والانسجام مع وجود وتضاعف العداء بحمد الله تلقى صدىً واسعاً، فقد جعل الله من حكمته ورحمته تسلط الأعداء سبباً في تكتل المسلمين وتقاربهم. نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا في سبيله ولدعوته باذلين وعاملين، وأن يجعلنا على نهجه وعلى الإيمان به وعلى متابعة رسوله مؤتلفين ومتفقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2592

العمل والبذل والتضحية الأمر الثاني: العمل والبذل والتضحية: لا يمكن أن تجد ثمرة بدون عمل، ولا نتيجة بدون جهد، تلك سنة من سنن الكون والحياة، من يريد المال ألا يبذل ويتعب، من يريد الرقي في الوظائف ألا يجتهد ويبذل، من يريد تحقيق أي غاية ألا يسعى إليها، وقد يواصل ليله ونهاره: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. لا يغنينا الانتساب إلى الإسلام، ولا يكفينا الانتماء إلى الإيمان، ولا يعفينا من القيام بمهماتنا أننا من بلاد الحرمين أو من هذه البلاد أو تلك، أو أننا من أولئك القوم أو من نسلهم، فقد قال محمد ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد اعملي، فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس اعمل، فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً)، وفي حديث آخر قال: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). إن الانتساب للدين، والانتماء للأمة، لابد أن يكون له حقيقة يصدقها العمل والبذل لا في ذات الإنسان نفسه بل في كل الدوائر، فأنت مسئول عن نفسك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وأنت مسئول عن أهلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وأنت مسئول عن الأمة كلها بما ينبغي عليك من أمر بمعروف ونهي عن منكر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]؛ يوم نفقه ذلك نتذكر ما كان عليه عمر ﵁، يوم كان لا ينام ليله حتى يعس ويتفقد أحوال المسلمين، حتى قال: (لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها). يوم كانت المسئولية العظيمة تملأ القلوب فتزهد في الدنيا، ويبذل أصحابها قمة البذل والعمل، حتى وقف عقبة بن نافع على شاطئ الخضم والبحر العظيم يقول: والله لو كنت أعلم أن وراءك قوماً لخضتك مجاهداً في سبيل الله، ومبلغاً لدين الله. يوم تكون قمة الفهم والوعي والإدراك مستقرة في القلوب، تتحرك النفوس بالعمل وتعلو الهمم، ويكون للمسلمين بذل وعطاء عظيم.

стр. 2593

الوعي والفهم والإدراك أولها: الوعي والفهم والإدراك: أنت أيها المسلم هل تعي دورك؟ هل تفهم رسالتك؟ هل تدرك غاية وجودك؟ هل تعرف تاريخك؟ هل تدرك صورة وصفة أمتك؟ يوم يحصل ذلك يتغير الأمر باتجاه ما يستقر في القلب من مشاعر وعواطف، وما يجول في العقل من أفكار وخواطر، وما تمارسه الجوارح من أفعال وأحوال، إننا معاشر المسلمين نحتاج أن نركز كثيراً على حقيقة إسلامنا وإيماننا، وأن غاية الوجود في الحياة عبادة الله وإعمار الحياة، تلك هي الرسالة التي جاء بها الإسلام: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وإعمار الحياة أن نقود هذه الحياة في تقنياتها وصناعتها، وفي كل جانب من جوانبها باسم الله، وعلى منهج الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ ، فلا يكون في الحياة اقتصاد إلا وهو ملتزم نهج الإسلام، ولا سياسة إلا وهي منضبطة بضوابطه، ولا علم إلا وهو قائم على أسسه العامة، وعلى مراميه ومقاصده الكلية، ويوم يكون ذلك كذلك يتجدد فينا ما كان في أسلافنا، يوم عمروا الكون بالمساجد والمحاريب ومدارس العلم والقرآن، ويوم عمروا الدنيا كذلك بكل المخترعات والعلوم التي سبقوا فيها غيرهم، والتي أسست حضارة اليوم على تلك النهضة العلمية العملية التجريبية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، وفي بغداد، وفي دمشق، وفي حواضر العالم الإسلامي كله. إن قضيتنا في فهم رسالتنا وإدراك عمقها وشمولها لجوانب الحياة، وأنه لا ينبغي لنا أن نكون أمة إسلام ثم نكون أمة تخلف، وأنه لا ينبغي لنا أن نكون أمة قرآن ونكون أمة جهل، لم تكون نسب الجهل ونسب الأمية في البلاد العربية والإسلامية أكثر من غيرها؟ ولم لا تكون النهضة العلمية والصناعية في البلاد الإسلامية؟ لم نحن في آخر الركب؟ لأننا لم نفقه الدين فقه الحياة المطلوب والمنشود. كتب أحد المؤرخين الغربيين في عام سبعة وثلاثين وتسعمائة وألف ميلادية -أي قبل نحو سبعين عاماً- يتكلم عن بعض البلاد وعين معها ثلاث دول إسلامية قال: هذه الدول فيها من القدرات والطاقات، ولها من الأعمال والمنجزات ما أظنها ستكون به مثل الدول المتقدمة وتنافسها. واليوم وبعد سبعين عاماً من هذه المقولة نجد هذه الدول وقد صار بينها وبين تلك الدول بوناً شاسعاً ومسافة هائلة، كانت إحدى هذه الدول هي الدولة الثانية في العالم في تصنيع القطن، واليوم نجد هذه وغيرها في ذيل القائمة، لماذا؟ لأن المسلمين لم يفقهوا حقيقة دينهم وظنوه في جانب من الجوانب، وحتى تلك الجوانب التعبدية والإيمانية أخلوا بها انحرافاً وابتداعاً، أو تقصيراً وتفريطاً، أو أنها كانت صوراً ظاهرة لا حقيقة لها في قلوبهم، ولا أثر لها في نفوسهم، ولا وجود لها في واقعهم، وذلك ما ينبغي أن نلتفت إليه يوم أن ندرك ونعرف غايتنا، ونعرف ما الذي نقدمه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. هل هذه الأمور هي المقدمة في حياتنا؟ هل هي الشاغلة لفكرنا؟ هل هي التي تنقضي فيها أوقاتنا؟ هل هي التي تتعلق بها قلوبنا؟ إذاً: فكيف سنكون عابدين لله، وكيف سنجعل الحياة محراب عبادة وطاعة لله؟ وكيف سنقود الحياة على منهج الله وهدي رسول الله ﷺ ؟ تلك غاية مهمة، ورسالة عظيمة، وفقه أصيل يوم فقهه أصحاب محمد ﷺ ، وعرفوا حق هذا الدين، كان الواحد منهم يسلم في لحظة فيتغير فكره وشعوره وعاطفته وعمله وسلوكه وعلاقاته وصلاته؛ لأنه ينصبغ بصبغة جديدة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨]. يوم يفقه المسلمون حقيقة هذا الدين، ويفهمون غايتهم في هذا الوجود يكونون كما كان أسلافهم، ويجددون ما هو بحمد الله موجود في بعض أفرادهم، وفي جماعات وفئام كثيرة منهم اليوم، ويكون لذلك أثره ونفعه بإذن الله.

стр. 2594

تساؤلات لابد منها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وإن هذه المعاني التي ذكرتها رغم قلتها ووضوحها وبساطتها إلا أننا جميعاً لا نكاد نخلو من تقصير فيها، ولعلي أختم بهذه التساؤلات لأثيرها في كل ذهن، وأحييها في كل نفس، في الوعي والإدراك والفهم: هل تبيت وأنت تحمل هماً لأجل الإسلام والمسلمين؟! هل تستيقظ وفي فكرك أحوال الأمة وينشغل بالك بكيفية علاجها، أم أنك تمر بك الأيام والليالي وأنت تضرب في هذه الأرض، وتأكل من نعيم الله، وتملأ بطنك، وتنام ملء جفنيك وكأن أمر هذه الأمة لا يعنيك؟ إن كنت كذلك فما فقهت حقيقة ارتباطك، وما عرفت غاية وجودك حق المعرفة. الأمر الثاني: سل نفسك: ماذا عملت؟ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ [التوبة:١٠٥]، هل عملت ما هو واجب عليك في حق نفسك؟ وهل قمت بدورك ورسالتك وواجبك تجاه أهلك وأسرتك؟ وهل لك دور وإسهام في الأعمال التي تعود على الأمة بالنفع؟ هل تشارك في هذا البرنامج أو ذاك؟ هل تسهم في تلك المهمة أو تلك؟ هل تعمل في تلك المؤسسة أو الأخرى؟ أم أنك إذا انتهيت من عملك وكسبك خلدت إلى راحتك، وشغلت نفسك ببعض من اللهو والعبث الذي لا يليق بمثلك؟ وأخيراً: هل تمد يدك إلى إخوانك؟ هل تغض الطرف عن الأخطاء؟ هل تتجاوز عن بعض الهفوات؟ هل تملأ قلبك بذلك الذي جعله النبي ﷺ سبباً من أسباب دخول الجنة يوم قال: (يدخل عليكم رجل من أهل الجنة)، وكان سبب هذه البشارة أنه يبيت وليس في قلبه غل ولا غش ولا حسد لأحد من المسلمين؟ إننا جميعاً مقصرون! فلعلنا نستدرك ذلك، ونراجع أنفسنا، وتلك هي الانطلاقة الصحيحة؛ لأن الله جل وعلا يقول فيما بينه من سنته الماضية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، نسألك اللهم أن تغير ما بأنفسنا إلى الخير والصلاح والهدى والتقى يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك التوفيق للصالحات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم إنا نسألك أن تملأ قلوبنا بحبك، وأن تنطق ألسنتنا بذكرك، وأن تستخدم جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، وفرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم بقوتك وعزتك يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2595

غداً الاختبارات العلم أحد ركائز الأمم للسير نحو الأمام، وهو الدفة التي توجه المجتمعات نحو كل فضيلة، وتخرجها من كل رذيلة، والتعليم النظامي المعهود -على ما فيه من مثالب وسلبيات- أمره عظيم، وتبذل الحكومات جهوداً جبارة لإنجاحه، وأهم عامل لإنجاح هذا العمل: الطالب والمعلم، ولكل منهما حقوق وواجبات ومشاكل تنتهي بالاختبارات في نهاية العام الدراسي؛ لتكون النتيجة مقياساً لما أنجز وتحقق من حصيلة علمية طوال العام.

стр. 2596

التعليم كمنظومة متكاملة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها الأحبة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، هذا موعدنا مع الدرس الثامن والعشرين، وهو بعنوان: غداً الاختبارات، وقد جاء توقيت الدرس مناسباً؛ لأنه بالفعل غداً تبدأ الاختبارات، وسيكون الموضوع منقسماً إلى مقدمة، ثم إلى فقرات ثلاث: أولها: ما يتعلق بالطالب، وفيه أيضاً موضوعات: سمات الطالب المسلم، وطريقة المذاكرة ومشكلاتها، والاختبارات، والإجابة على الأسئلة. ثانيها: المدرس ودوره في العملية التعليمية، ووضعه للأسئلة، وتصحيحه لها. ثالثها: ما يتعلق بقضايا متفرقة حول التعليم. ونبدأ بالمقدمة، وأردت من خلالها النظر إلى أهمية قضية التعليم من وجوه متعددة. أولاً: نشرت صحف الأمس أن نحواً من مليونين وأربعمائة ألف طالب وطالبة سيتقدمون لإجراء الاختبارات في يوم غد -بإذن الله ، وإذا حسبت وتصورت هذا العدد، وعرفت أن وراءهم أسراً تنفق عليهم، وإدارات للتعليم تعد المناهج، ومدرسون يدرسون، وسياسة تعليمية، ومتابعة تقويمية؛ لعرفت أن قضية الاختبارات ليست سؤالاً وجواباً، بل هي جزء من قضية كبرى في حياة المجتمع والأمة. ثانياً: العلم ركيزة أساسية في بناء الحياة، وما زال تأثيره ودوره يتضاعف كلما تقدمت البشرية في أسباب الحياة المدنية، وكلما ارتادت آفاقاً جديدة من آفاق الاكتشاف والتصنيع والاستنباط والاجتهاد في حلول مشكلات هذه الحياة، وبالتالي فإنه في ظل هذا السباق نحو تحصيل أسباب الحياة المادية بالسبل والطرق العلمية ليس هناك مكان لأمة متكاسلة لا تدفع أبناءها إلى تحصيل العلم، ولا تحفزهم لنيل قصب السبق فيه، وتجاوز المراحل المعتادة إلى المراحل المتقدمة، ومن هنا تظهر أهمية العملية التعليمية من كل جوانبها، وبجانبها المدني للأمة المسلمة التي تعاني تخلفاً وتأخراً كبيراً في هذا الميدان. ثالثاً: ينبغي أن نعلم أن الارتقاء بالعملية التعليمية ليس أمراً مستقلاً بذاته، بل هو جزء من الارتقاء في جوانب الحياة كلها، فإنه لا يمكن أن ترتقي الأمة في مستواها التعليمي وهي متخلفة أخلاقياً، وهي متأخرة إدارياً، وهي تعاني من فساد أنظمة الحكم، أو تعاني من شظف العيش، فإن جميع جوانب الحياة تتكامل وتتناسق لتؤدي بعد ذلك إلى صورة متقابلة متوازية من الارتقاء والتكامل؛ ولذلك يجب أن نعلم أنه لا ارتقاء في المستوى التعليمي ولا للعملية التعليمية إلا في ظل إصلاح شامل، وتكامل يستوعب جميع الجوانب، ولعل أولها وأبرزها وأهمها: الارتقاء الإيماني الذي يقوم سائر جوانب الارتقاء، ويربطها بالطهر والنقاء، وينظمها في سلك البذل والعطاء، ويعصمها من البغي والاعتداء، فإن العلم المجرد من ضوابط الإيمان وأخلاقياته كثيراً ما يقع به فساد في الأرض، وضرر على الإنسان؛ لأن العلم ما لم يضبط بإيمان وأدب وخلق فإن مضرته كثيراً ما تكون أكثر من منفعته. رابعاً: أن كل هذا العمل -أي: الارتقاء في الجانب التعليمي على وجه الخصوص والجوانب الأخرى كلها- يحتاج إلى إيجاد الفرد الذي هو المقصود الأول والهدف الأعظم في هذا الارتقاء، فنحن حينما نقول: مناهج تربوية دراسات شرعية دراسات علمية جوانب أخلاقية نريد أن يتشكل في هذا الفرد، ولا تتم العملية إلا من خلال هذا الفرد، ولذلك لابد من إيجاد الفرد الذي يتحلى بقابليته للتلقي، واستعداده للتفاعل، وأهليته لتجاوز مرحلة الاجترار إلى مرحلة الابتكار، تكفينا الدهور والسنوات الطويلة المتعاقبة التي ظللنا نجتر فيها أقوالاً قديمة، وعلوماً تأتينا من الشرق والغرب ليس لنا فيها إلا أن نحفظها وأن نكررها ونمارسها بالقدر الذي يسمح لنا به، ويفرض علينا في كثير من الأحيان. خامساً: أهمية التعليم خطيرة جداً، وعظيمة جداً؛ لأن مناهج التعليم هي التي تصوغ الأفكار، وتشكل جيل المستقبل؛ فإنك تجد أن أية دولة وأية فكرة وأي مبدأ أول اهتماماته عندما تفضي إليه الأمور وتصبح مقاليدها بيده؛ هو مناهج التعليم، فإذا جاءت دولة شيوعية فأول قضية تفرغ لها جهدها أن تؤلف وتنشأ مناهج جديدة تخدم الفكرة وتؤصلها وتعرقها وتعمقها في قلوب الناس، وهكذا فلذلك ليست قضية التعليم هي الاختبار أو السؤال، وإنما هي وحدة متكاملة من أساسياتها: السياسة التعليمية، والإدارة التعليمية، والمناهج التعليمية. وكل هذا لا يكفي، بل ينبغي أن يوجد المدرس الذي ينفذ هذه السياسات ويحقق أغراض وأهداف هذه المناهج، ولابد من وجود الطالب الذي يتقبل ذلك ويتفاعل معه، ولذلك فإن عملية التعليم تعد أولى أولويات المجتمع والدولة في أية بقعة من بقاع الأرض، وهي كذلك سبب من أسباب درأ كثير من وجوه القصور والنقص؛ لأن التعليم والعلم مفتاح لكثير من الأبواب، سواءً في أبواب العمل، أو الصناعة، أو التجارة، أو درأ التخلف في صور اجتماعية وعادات وتقاليد وغير ذلك، وكثيراً ما يكون التعليم هو الباب الذي تفتح به هذه المغاليق، وتحل به هذه المشكلات.

стр. 2597

قضايا تهم الطالب في عملية المذاكرة نشرع في ذكر النقاط المتعلقة بالطلاب، والحقيقة أن مسألة التعليم لابد أن يكون هناك موضوع خاص يتحدث حولها، وبحكم التركيز على جانب الاختبارات سنمر على بعض هذه القضايا المهمة، لكنها قطعاً لن تكون شاملة للمقصود في العلاج، والتركيز اللازم للفت النظر إلى كثير من القضايا حول التعليم.

стр. 2598

سمات الطالب المسلم أول قضية بالنسبة للطالب أنبه عليها هي: سمات الطالب المسلم، ولن أسرد كثيراً من السمات، وإنما أجمع وأركز على أربعة منها: أولها: تحديد الهدف والغاية: فليس المسلم هو الذي يخبط خبط عشواء، ويدرس ولا يدري لماذا يدرس؟ ويتخصص في مجال ولا يدري لماذا يتخصص؟ وليس له في ذلك قصد ولا غاية ولا نية ولا توجه، فإن هذا عبث ينزه عنه الإسلام المسلم، ويلفت نظره قول الشاعر: قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل والتعليم يعتبر جزءاً من حياة الطالب المسلم، ويدخل ضمن عموميات المفهومات المستقرة لدى الطالب في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهدفه إرضاء الله ، وتحصيل ما يستعين به على طاعة الله، وخدمة أمة الإسلام، ودفع أسباب الضعف والخور عنها، متمثلة في شخصه، وفيمن حوله، ليس عنده تحديد للغاية فقط، بل إن غايته تشمل مصلحة أوسع من دائرة الأنانية الذاتية، فليست نظرته قاصرة في الحصول على الشهادة، أو التفوق لذات التفوق، بل إنه يكرس ذلك كله إلى أهداف سامية، وغايات تشمل جميع الأمة في مصالحها وشئونها المتعددة، وهذا أول أمر من سمات الطالب المسلم. ثانيها: الجد والإتقان: الجد طريق المجد، والإتقان طريق رضى الرحمن، ليس هناك وقت للخور ولا للتكاسل في حياة المسلم، والطالب أيضاً في هذا المضمار ليس عنده أية كلمات في قاموس حياته التعليمية تقبل الكسل أو الخور أو الرسوب أو الضعف أو نحو ذلك، بل كله جد يستشعر قول النبي ﵊: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، ينبغي أن يتأمل الطالب أنه مفرغ للدراسة، ومهنته المكتوبة في هويته: طالب، وينفق عليه لأجل ذلك، وتبنى له المدارس لأجل ذلك، ويحضر له المدرسون، وتتوافر كل هذه الإمكانات والجهود والطاقات والعقول والسياسات والإدارات لأجل أن يكون هو المستثمر والمستفيد حتى ينعكس ذلك عليه وعلى المجتمع من بعد ذلك، فكيف يخلف الظن في كل هذه الأمور؟! لو كان هذا في الأحوال المعتادة مقبولاً أو العتب فيه خفيفاً أو يسيراً لكنه في ظل أوضاع تأخر الأمة وتخلفها اليوم لا يمكن أن يكون مستساغاً ولا مقبولاً بأية صورة من الصور، فإن الإنسان إذا كان في سباق وعلم أن المتسابقين قد سبقوه في المسير بساعات عدة وهو يريد أن يلحق بهم -لا نقول: يريد أن يسبقهم- فلن يبذل جهده المعتاد أو الطاقة المعتادة المتوقعة، بل المتوقع أن يبذل الضعف، وأن يضاعف الجهد ليستدرك هذا الخلل وذلك الفارق الكبير. ولاشك أن تخلف وتأخر الأمة في جوانب كثيرة يبعث الأسى والألم، ويثير الحزن، ويكثر الحديث عنه في خطب الخطباء، ووعظ الوعاظ، ولكن أكبر قوة وأقوى صورة لتغيير هذا الضعف واللحاق بالركب السائر هي صورة العمل والجد والإتقان، ولذلك حينما نسمع هذه الاستغاثات أو عدم الرضا عن هذا التخلف نسمعه كلاماً كأنه يدور في حلقة مفرغة، والإجابات العملية هي التي ينتظرها الناس، ويؤمل فيها التغيير، وإلا فإننا نستطيع أن نردد مع القائل كثيراً من أسباب التندم والتحسر، ولكن يحتاج الأمر في آخره إلى العمل. ملكنا هذه الدنيا القرونا وأخضعها جدود خالدونا وسطرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا وكنا حين يأخذنا عدو بطغيان ندوس له الجبينا تفيض قلوبنا بالهدي بأساً فما نغضي عن الظلم الجفونا وما فتأ الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرونا وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد كانوا أئمته سنينا وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمونا ترى هل يرجع الماضي فإني أذوب لذلك الماضي حنينا ولن يرجع إلا بالجد والإتقان. ثالثها: الصبر والاستمرار: فإن التعليم وقضيته ليست ثورة عابرة، وليست طفرة حماس عابر، ولا زمن قصير سائر، بل هي صراع حضاري، وبناء أممي، جهاد طويل المسار، متعدد المسالك، تحتاج الأمة فيه من أفرادها وأبنائها إلى دأب واستمرار، فليس المسلم هو الذي يقنع بالدون، بل همته لا ترضى إلا بأعلى المعالي، ولذلك ما يزال كلما اقتبس علماً ووصل مرتبة سعى إلى غيرها، وكان بهذا السعي والتقدم عاملاً من عوامل التغيير المنشود. رابعها: الاستمداد من الله ، وهذه مزية الطالب المسلم؛ أنه يشعر دائماً بالفقر والعجز والحاجة لله ، ولذا يندفع نحو الاستعانة بالله جل وعلا. إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده ويستشعر قول الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، ولذلك تجد الطالب المسلم يستمد من الله دوام الاستعانة به، والحرص على الاستقامة، ولذلك تجد في هذه الأيام بعض الطلاب يحرصون على الاستقامة، ويقبلون على المساجد، ويحرصون على الطاعات؛ لماذا؟ لأن في نفوسهم شعوراً بأن هذا يؤدي إلى التوفيق، ويقول الطالب في نفسه: إن أنا أطعت الله يسر لي الأمر، وسهل لي العسير، ونحو ذلك، وهذا الشعور في حد ذاته محمود، لكن السمة للطالب المسلم الحق هي: دوام الاستمداد من الله ، فلا يفتر، ويعلم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، فإذا كان هذا هو الجزاء في الآخرة فهو كذلك في الدنيا عظيم، بدوام التوفيق والتيسير والتسهيل.

стр. 2599

طريقة المذاكرة النقطة الثانية: فيما يتعلق بالمذاكرة للطلاب، والموضوع كله في نقاط محددة ومركزة؛ لأن الدراسة أصلاً تحتاج إلى مثل هذا التركيز. أولاً: التهيئة للمذاكرة، وتشمل: الاستعداد النفسي بإزاحة المشكلات التي تشوش الفكر، وتزيد الهم، ويحصل بها الاضطراب، وهناك كثير من المشكلات تعترض أحياناً مسيرة الطالب سواءً كانت مشكلات عامة في أسرته، أو مجتمعه، أو مشكلات خاصة، مثل: شعوره بالضعف والقصور، وعدم القدرة على التحصيل الجيد، أو تخوفه من عدم النجاح، أو تذكره لرسوب سابق ونحو ذلك، فلابد أن يهيئ نفسه لتكون مستعدة للتفاعل مع هذه المذاكرة. ثانياً: الاستعداد الجسمي: فلابد من ترك السهر، والبعد عن الإرهاق، وتجنب ترك الطعام، والإقلال منه بشكل خاص في مثل أيام الاختبارات، وسيأتي أيضاً مزيد إيضاح لهذا. ثالثاً: الاستعداد الفكري: بأن يعرف أهمية الاختبارات، وضرورة التفوق والنجاح، وأثر ذلك على أسرته ومن حوله، فهذا أيضاً يجعله متحفزاً للمذاكرة بالشكل الجيد. رابعاً: توزيع الدراسة والمذاكرة وتقسيمها، بمعنى: إذا كان قبل الاختبارات فيوزع المواد على أيام حتى لا يجمع ويخلط في وقت واحد، أو يوزع المادة الواحدة في يوم الاختبار إلى أقسام، وهي مقسمة في الأصل إلى فصول وأبواب، لكنه يقسمها بحسب ما يحتاج إليه ويراه، ولماذا هذا التقسيم؟ الأمر الأول: لأنه يساعد على التفاعل والقبول النفسي: عندما ترى الكتاب ذا الصفحات المتعددة، ويهولك منظره؛ يكون هناك نوع من الهيبة، لكن إن قسمته وقلت: هذا القسم في الصباح، وهذا القسم بعد الظهر، وهذا القسم بعد العصر، تشعر بأن هذه الأقسام فيها نوع من التخفيف، وتهيئة النفس للتفاعل. الأمر الثاني: أنه يساعد على استثمار الوقت، وحسن تنظيمه، فبعض الطلاب يبدأ يذاكر في فصل واحد، وبدون تقسيم للوقت ولا توزيعه، وإذا به أمضى سائر اليوم في ربع المنهج، وبقي له سويعات يريد أن يختم فيها ثلاثة أرباع المنهج! الأمر الثالث: أنه يساعد على معرفة التقدم والتأخر: أي أن هذا التقسيم إذا استخدمه، وجعل الوقت مناسباً للحصة، فقال: هذا الفصل من الساعة الثامنة إلى العاشرة فإنه سيدرك هل أنجزه في هذا الوقت؟ إذاً: السير متحتم، ويعرف إذا تأخر عنه، أما إذا كانت الكمية كلها لم تنجز فإنه قد يفطن إلى التقدم والتأخر لكن في الوقت الضائع كما يقولون. الأمر الرابع: أن هذا يساعد على الحفظ والاستيعاب: فالله قد قال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦]، نزل القرآن منجماً، ومن فوائد تنجيمه: سهولة حفظه واستيعابه شيئاً فشيئاً، والشيء إذا كان متكاثراً يصعب على الإنسان تحصيله. خامساً: البداية بالصعب أو بالسهل: هناك مذهبان في هذه المسألة، ولكل منهما مزايا: إما أن يبدأ بالصعب، لماذا؟ أولاً: لأنه في البداية يكون عنده قوة وتفتح ذهن وعزيمة وهمة، فلا يصعب عليه الصعب. ثانياً: لأنه إذا نجح في معالجة الصعب وحفظه واستيعابه سهل الباقي، مثلما قيل لـ عنترة: كيف اكتسبت هذه الشجاعة؟ قال: كنت أعمد إلى الرجل الجبان الرعديد فأضربه ضربة ينخلع لها قلب الشجاع. فإذا جاء الطالب إلى الفصل الصعب واستطاع أن يتجاوزه فسيكون ما بعده بلاشك أيسر وأسهل، ونفسه وقدرته على تجاوز المصاعب الأخرى أكبر. ثالثاً: هذا في نفس الوقت أيضاً يساعده على استثمار الوقت من جهة أنه إذا قضى وقتاً طويلاً في الصعب فإن الوقت اليسير الباقي سيكفي لتغطية الجوانب السهلة واليسيرة. وغالباً في مسائل الفقه المقارن إذا جاءوا بمذهب الشافعي مثلاً بالأدلة، تقول: ليس هناك قول أرجح من هذا القول، فإذا جاء المذهب الآخر بأدلته جعلك تتردد في أيهما أرجح. المذهب الثاني يقول: يبدأ بالأسهل، لماذا؟ أولاً: إن من فوائد هذه البدايات أنها تشجع الإنسان على الاستمرار، فإذا مضى في الأسهل، وأنهى فصلاً وفصلين وثلاثة، فسينهي ما وراء ذلك. ثانياً: أنه ينشط الذهن، فإن الإنسان إذا بدأ بالصعب واستغلق ذهنه جاء إلى السهل ولم يعد يفهمه، فإذا جاء إلى مسائل معقدة جاء إلى المسائل السهلة بنفسية معقدة فعقدها فلم يعد يفهمها. ثالثاً: الشعور بالتفرغ للأمر الصعب، ودائماً الإنسان إذا كان عنده قضايا يزيح الأسهل الأسهل حتى يفرغ وقته وجهده وطاقته في آخر الأمر للقضية الكبرى، فيكون أيضاً هناك اندفاع نحوها. والمسألة راجعة إلى نفسية الطالب، وإلى ما يراه أنسب وأوفق لطبيعته، ولكن ليس بالضرورة دائماً أن تأخذ المنهج كله، لك أن تبدأ بالأسهل أو الأصعب متفرقاً إذا كانت المادة تحتمل مثل هذا التفريق، أما إذا كانت مترابطة فلابد من مثل هذا الترابط. سادساً: الحرص على الفهم والاستيعاب، وليس على التجاوز والحفظ المجرد، فبعض الطلاب يريد أن ينتهي وكأنه يغرر بنفسه، فلو كان هناك شيء صعب أو مسألة لم يفهمها يتجاوزها، والمهم أن ينتهي، حتى إذا جاء إلى آخر الكتاب قال: انتهيت، والآن أعود إلى ما لم أفهمه لأركز عليه، ويعود ولم يحصل في المرة الأولى شيئاً، وفي المرة الثانية كذلك، مثل الذي ينفخ في القربة المخروقة؛ لأن هذا التجاوز والسرعة لا تساعده على الاستيعاب، ولذلك لابد من الفهم؛ لأن الفهم هو أساس للحفظ والاستيعاب. سابعاً -وهي من النقاط المهمة-: التركيز على النقاط: كثير من الطلاب خاصة في مراحل الدراسة دون الجامعية في مواد التاريخ والحديث والجغرافيا وغير ذلك، الطلاب يقولون: معظم ما في هذا الفصل حشو، وكثير منه يمكن أن يستغنى عنه، وهذا في حقيقة الأمر ليس صحيحاً، وفي نفس الوقت ليس خطأً، كيف؟! نقول: إن كل موضوع يتركز في نقاط، وكل نقطة يحب المؤلف أو الكاتب أن يشرحها، ويزيد فيها، ويستخدم المترادفات، ويطيل النفس في التعبير والتأكيد على المعنى، لكن في آخر الأمر النقطة هي واحدة، فليس كل الكلام حشواً، لكن أيضاً ليست هذه الإضافات حشواً، لكنك أنت يمكن أن تستغني عنها، كيف؟ ما هو المقصود بهذا الاستغناء؟ إذا حدد النقاط عرف أن هذا مثلاً حديث شرحه يتركز في كذا وكذا وكذا، أو أن هذا الحدث التاريخي مثل المعركة تتركز في أنها وقعت بين المسلمين والكافرين في بلاد العراق، وكان عدد المسلمين كذا وعدد هؤلاء كذا، وبهذا تتلخص الحقائق، وبعد ذلك لك أن تقرأ في الكتاب: فكروا عليهم كرة شرسة، أو بعد فترة طويلة، أو بعد حصار، هذا مما تستطيع أن تعبر عنه كما شئت، فلا ترهق عقلك بحفظه، ولا بالتركيز عليه، وتفوتك النقاط، فإذا جئت في الإجابة ذكرت الكر والفر والعناء والبلاء وضاعت النقاط التي عليها الدرجات، وهذا كثيراً ما يقع من الطلبة، فيخرج ويقول: أجبت إجابة وملأت الصفحات، ولكنه ما ذكر نقاط الدرجات، فإذا جاءت الدرجة قليلة أو ضعيفة تذمر وشكى، واعتبر أن هناك من يترصده، ومن يتربص به الدوائر ونحو ذلك. بالنسبة لهذا التركيز يمكن أن يعين عليه بعض الأمور: الأول: لابد عند قراءتك أن تكون ممسكاً بقلمك، وليكن قلم رصاص حتى لا تشوه الكتاب، ثم ضع خطوطاً تحت النقاط المهمة أو الرئيسية كما يعبر عنها. الثاني: ضع عناوين جانبية: بعض الكتب -لا سيما في المرحلة الجامعية أكثر منها في المدرسية- تفتقر إلى العناوين الجانبية، فتجد عنواناً ثم أربع خمس صفحات متتابعات، ويريد الإنسان أن يربط بينها، فكيف يجمعها؟ يضع هو بنفسه عناوين جانبية: أهمية كذا وكذا، فوائد كذا وكذا، العوائق كذا وكذا، حتى يستطيع أن ينظم ويركز هذه القضية. الثالث: الاستعانة بالأرقام: أحياناً لا يكون في الكتاب ترقيم، وأضرب لذلك مثلاً: تجد بعض الكتب الموسوعية لا تهتم بمثل هذه القضايا، فيسرد لك مثلاً ابن حجر رحمة الله عليه في فتح الباري فوائد الحديث منتثرة، فضع تحت كل منها خطاً ورقمها؛ لأنك بالترقيم تستطيع أن تعرف هل استكملت الإجابة أم لا؟ فإذا رقمت فوائد هذا الحديث عرفت أنها عشرة، فإذا كتبت حال الإجابة ثمان فوائد علمت أنه بقي اثنتان، أما من غير الترقيم والتركيز فستكتب بعضها وتقول: أجبت على السؤال كاملاً، وأنت ما زلت مقصراً فيه، فهذا التركيز ينبغي أن يخلص الموضوعات إلى نقاط وعناوين وأرقام حتى تستطيع التركيز والاستيعاب، وإن شئت لك أن تكتب هذا في وريقات بحيث إنك في آخر الأمر تستغني عن الكتاب فلا تحتاج أن تحمله مع ثقله، أو مع كثرة هذه الكتب، وتأخذ هذه الوريقات وفيها النقاط، والحواشي والإضافات والتعبيرات لك أن تبدع فيها وتجتهد؛ إذ ليس فيها خطورة. ثامناً: الحفظ: مهما اعتمدت على الفهم والتركيز فإنك تحتاج إلى الحفظ، لابد من الحفظ في بعض الأمور، وحتى بهذا التركيز لن تستطيع استذكار الأرقام إلا إذا حفظت مضموناتها، وما هي بعض الوسائل المعينة لهذا الحفظ؟ الأمر الأول: تعديد الوسائل: لا تعتمد على وسيلة واحدة؛ لأنه إذا زادت الحواس المحصلة للمعلومة كان الذهن أقدر على حفظها وضبطها؛ فأنت يمكن أن تقرأ وتكتب بعض ما تقرأ؛ فتكون الكتابة -وهي حاسة اليد- أقدر وأقوى في ضبط الحفظ مع القراءة، ولك أيضاً أن تسمع؛ فتسمع سواءً عندما تقرأ بصوت عال، أو عندما يقرأ زميل لك، أو عندما تسمع هذا الدرس في شريط، وسأذكر بعض التجارب حتى في مثل هذه القضايا والوسائل التي تعين على مثل هذا: معروف أن الإنسان إذا سمع خبر يكون تركيزه وحفظه له أقل مما لو سمعه ورآه وقرأه، فإن هذه تكون أكثر، فكلما رأى الإنسان أنه لم يحفظ شيئاً فليستعن مع القراءة بالكتابة، وإذا قرأ وكتب فليستعن أيضاً بالسماع. الأمر الثاني: التكرار: والتكرار -كما يقولون- يعلم الشطار، هذا التكرار هو الذي يستطيع الإنسان به أن يثبت المعلومة. الأمر الثالث: التسميع: لا تعتمد أنك إذا حفظت فقد حفظت، ولكن استرجع ذلك بالتسميع لنفسك أو لغيرك. الأمر الرابع وهو مهم أيضاً: المذاكرة: والمقصود بالمذاكرة مع شخص آخر، تقول له: هذا الموضوع يتلخص في كذا وكذا وكذا، وقال فلان: كذا، والقانون الفلاني ينص على كذا، وقضية الحفظ فيها تفصيلات أخرى لا أظن أننا نحتاج إلى الاستطراد فيها. هذه جملة من الأمور التي تتعلق بطريقة

стр. 2600

مشكلات المذاكرة النقطة الثالثة: مشكلات المذاكرة: ذكرنا طريقة المذاكرة، لكن هناك عوارض كثيرة تعترضها، من أهمها:

стр. 2601

النسيان أولاً: النسيان: يقول الحسن البصري: غائلة العلم النسيان. هذا النسيان من أسبابه: أولاً: المذاكرة عند الإرهاق، يذاكر الطالب ويقول: ذاكرت وتعبت، ولكني ما استطعت أن أحفظ؛ لأنه كان مرهقاً مجهداً، والإنسان كيان واحد: (إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد)، إذا كنت مريضاً في قدمك أو مرهقاً في نومك، سيكون هذا له تأثير على ضعف العقل والذهن. ثانياً: كثرة التنقل من منهج إلى منهج، أو من فصل إلى فصل، قرأ قليلاً ثم انتقل إلى الفصل الآخر قبل أن يتم الأول، أو إلى مادة أخرى قبل أن يتم الأولى، ويخلط من هنا وهناك؛ فلا يصبح عنده إلا كناشات وقصاصات ومتفرقات لا يمكن أن تنتظم في صورة يكون بها حافظاً لهذا المنهج. ثالثاً: عدم المراجعة القريبة الآنية: عندما تحفظ شيئاً لابد من التسميع والمراجعة في وقت قريب، لا تحفظ الآن ثم تراجع بعد شهر، فقطعاً ستكون قد نسيت. رابعاً: الاضطراب والخوف: وهذا لا شك أنه من أعظم الأسباب التي تبدد كل ما يحفظ، ولذلك الإنسان عند شدة الخوف قد ينسى حتى اسمه كما يقولون، فإذا كان الإنسان كثير الخوف دائم الاضطراب يقل مستوى حفظه بشكل كبير. خامساً: عدم التركيز: فهو يريد أن يحفظ الصفحة كما هي، حتى أنه يحفظ ما بين الأقواس، مثل: (انظر شكل سبعة) فهو يريد أن يحفظ هذا، وهذا طبعاً يرهق نفسه، ولا يستخلص ما يحتاج إلى الحفظ. سادساً -وهو مهم-: عدم الربط بين الأفكار لضمان التسلسل: لابد أن تربط بين الفكرة والفكرة، والفقرة والفقرة، حتى تستمر في التسلسل في الحفظ، أما أن تحفظ نقطة ونقطة ونقطة، فإذا أردت أن تربط بينها لا تستطيع، مثل الذي يحفظ القرآن فيحفظ صفحة وصفحة وصفحة ولا يربط بينها، فإذا انتهى إلى آخر آية في الصفحة وقف حتى تعطيه أول آية فيستمر، ويسمع الصفحة كاملة تسميعاً جيداً، فإذا جاء إلى آخر الصفحة وقف حتى تعطيه مرة أخرى، لماذا؟ لأنه لم يربط بين هذه المحفوظات بتسلسل معين، ولك أن تسلسل بطرق شتى، لك أن تربط التسلسل إما بصورة الصفحة، أو بمضمونها، أو بموقف وتداعي الأفكار -كما يقولون- عندما ركز مدرس على هذه المسألة، وعندما ناقشتها مع بعض إخوانك من الطلاب، هناك كثير من الصور للربط، المهم لابد أن يكون هناك ربط. سابعاً: عدم تكثير الوسائل لهذا الحفظ من سماع وقراءة. إلى آخره.

стр. 2602

الملل الثانية: الملل: وهذا له تأثيره بين الناس، بعض الناس بمجرد أن يمسك الكتاب يمل، وبعضهم قبل أن يراه يمل، وهذا الملل مشكلة من المشكلات التي بالفعل تعيق المذاكرة. هناك وصايا سريعة لطرد الملل: أولاً: لا تواصل الدراسة والمذاكرة دون فترات راحة وترفيه، فالذي يواصل كثيراً يصيبه الملل، ومن هنا ركز على الشيء الممل، واجعله في أول الوقت؛ فإن كانت هناك مواد مملة بطبيعتها أو فقرات من المنهج مملة فعجل بها في أول الأمر حتى يسهل هضمها قبل أن تذاكر فترة وتقطع شوطاً فيأتي الممل وقد مللت؛ فتكون المسألة معادلة مركبة وصعبة. ثانياً: يستحسن أن يرفه الإنسان بكتب غير منهجية في بعض الفقرات، وخاصة كتب الأدب والملح والطرائف: أذكر من تجاربي في أوقات اشتداد الاختبارات أني كنت أضع دائماً قريباً مني بعضاً من كتب الأدب والشعر والقصص، فإذا مللت خذ منها فإنها تنشطك، وقد قال ذلك ابن عباس ﵁ حينما كان يذاكر أصحابه في التفسير والفقه، فإذا رأى مللاً منهم قال: أحمضوا علينا بكتب الأدب، أحمضوا بها علينا، والتحميض هو نوع من الترفيه أو الطرفة أو نحو ذلك. ثالثاً: تذكر الهدف الذي تذاكر وتجتهد من أجله حتى يزول عنك مثل هذا الملل، استحضر الثمرة المرجوة، فأنت تريد أن تتفوق أن تنجح أن تتنقل إلى مرحلة أخرى أن تؤدي دوراً مهماً. رابعاً: تنبه إلى أن المسألة وقت قليل، وزمن محدود، وجهد نسبي، فليست الاختبارات ولا فترة المذاكرة ستستمر معك طول أيامك وليلك ونهارك، الإنسان إذا عرف أن هناك مشكلة ستبقى معه وقتاً طويلاً يجثم على نفسه ملل وهم كبير، بعكس إذا عرف أنها أيام وتنتهي. خامساً: انظر إلى ما مضى لتتفاءل: إذا كنت قد أنهيت نصف الكتاب لا تنظر إلى النصف الباقي ولكن انظر إلى النصف الذي قد مضى، وإذا كنت قد وصلت إلى منتصف الاختبارات فانظر إلى ما مضى من الاختبارات، وقل: قد ذهبت الفيزياء، وانتهينا من الكيمياء، وتجاوزنا الرياضيات، وما بقي إلا كذا وكذا، فهذا يساعد على تبديد الملل، والتنشيط للمذاكرة.

стр. 2603

علاج القلق والاضطرابات القلق والاضطراب من المشكلات المتكررة عند كثير من الطلاب، ويحتاج الحديث عنها إلى نقاط: النقطة الأولى: تنظيم الوقت والمذاكرة في جداول بحيث يعرف كل وقت مذاكرة، بزمن محدد، وكميات محددة، فلا يكون عنده نوع من القلق والاضطراب في مثل هذا. النقطة الثانية: الاستعانة ببعض الامتحانات القديمة وحلها، أو وضع بعض الأسئلة وحلها، فالذي يضطرب لماذا يضطرب؟ يذاكر ولكنه يخاف أنه لم يحفظ أو لم يستوعب، ولو جاء على بعض الأسئلة، ورأى حلها؛ لرأى أنها بسيطة وزال عنه بعض هذا القلق والاضطراب. النقطة الثالثة: تذكر التوكل والاعتماد على الله ، واعلم أنك تبذل الأسباب، وأن النتائج بيد الله ، وحينها ستطمئن، ماذا تريد بعد أن ذاكرت وحفظت وكتبت؟ لماذا تبقى مضطرباً؟ تقول: هذا ما علي، والباقي على الله ، واطمئن. النقطة الرابعة: الوضوء والصلاة: وقد ثبت عن النبي ﵊ في شأن الغضب أنه أوصى الغضبان أن يتوضأ ويصلي، والوضوء وتعميم الماء على هذه الأجزاء من البدن -كما ثبت علمياً- يسكن النفس، والصلاة بطبيعتها وما فيها من خشوع وطمأنينة ومناجاة ودعاء تسكن نفس الإنسان، وتجدد النشاط. النقطة الخامسة: أشعر نفسك بالأمان، وتوقع أفظع النتائج، ما الذي سيحدث؟ أقصى شيء أنك رسبت في الاختبار، لم تقم القيامة ولم تتدهور الأمة، فهذه مسألة يسيرة، فأشعر نفسك بالأمان، وأنه لو كانت هناك أفظع النتائج فإنها أمور ميسورة مقدور عليها. النقطة السادسة: البدء بالأسهل بالنسبة للذي عنده قلق واضطراب كبير، فيبدأ بالأسهل ليشعر باستغلال الوقت، وليشعر بأن هذا النجاح الذي يحققه في السهل يزيل عنه بعض هذا الاضطراب.

стр. 2604

عدم النوم وكثرة السهر هذه من أفتك المشكلات، وأذكر لكم قصة واقعية حتى يتنبه الطلاب لمثل هذا: أحدهم كان يأخذ بهذا المبدأ الذي يواصل فيه الليل بالنهار، أو يسهر في الليل حتى يختبر في أول النهار ثم ينام بعد ذلك، وهذا تغيير للفطرة، ونكس للأمور، وتبديل للمعتاد من حياة الإنسان؛ فيضطرب لأجلها، أحدهم كان على مثل هذا الأمر، ثم ذهب إلى الاختبار في اليوم الثاني وهو مرهق، قليل النوم، أحمر العينين، متهالك الجسم؛ فبدأ يجيب في اختبار زمنه ثلاث ساعات، وبعد أن أمضى نصف ساعة وضع يده على خده ليسترخي أو ليرتاح وإذا به ينام، والنوم -كما يقولون- سلطان، عندما يصل جسم الإنسان إلى حد فوق حد المرونة فإنه ينام رغم أنفه، وعلى أقل تقدير يكون الإرهاق يشكل عبئاً عليه، فلا يستطيع أن يركز في إجابته، ويوصي كل المعلمين والخبراء الطلبة أنه في يوم الاختبارات ينبغي أن تزيد في مقدار النوم عن المعتاد، وهذا إذا كنت اتبعت الطريقة التي أشرنا إليها، والتلخيص في النقاط؛ لأن الارتياح النفسي والبدني من أهم الأسباب على التركيز في الإجابة بدلاً من الزيادة في هذا الوقت التي تسبب إرهاقاً في الجسم، وتشتتاً في التفكير، واضطراباً وتوتراً في النفس، وكلها معاول تقوض قدرتك على التركيز والإجابة الجيدة.

стр. 2605

سوء التغذية والكسل من المشكلات: عدم الأكل أو قلته بشكل كبير، وخاصة في الصباح عندما يذهب إلى الاختبار، ونحن لا شك لا نريد منه أن يصنع الولائم، أو أن يذهب إلى العزائم، لكن بعض الطلبة يقلل الطعام كثيراً، وما يعلم أن الطعام هو الذي يحرك الغدد، ويفرز الإفرازات، وينشط العقل، وكل هذه الأمور ينبغي أن تكون في ذهنه. أما الكسل فهو غير الملل، يقول: أنا تعبان، لا أستطيع أن أقرأ، عيني مرهقة، وعقلي مشلول وانتهى، وهذا عارض من العوارض التي ينبغي التنبه لها، وينبغي للإنسان: أولاً: أن يستذكر قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، يستغفر ويدعو الله ويجدد نشاطه. ثانياً: تجنب الأوضاع المساعدة على الكسل: كمن يذاكر في الغرفة المكيفة، وهو متمدد على فراش النوم، ويضع تحت رأسه ثلاثاً من المخدات، ويجعل الستائر مظللة للمكان، فهو بهذا سينام ولو كان في قمة النشاط، وسيجد أنه في هذا الوضع قد أرهق إرهاقاً عجيباً جداً كأنما جاء من معركة، فلابد أن يغير مثل هذا الوضع. ثالثاً: تذكر روح المنافسة بينك وبين زملائك؛ فلا تكسل لأنك ممكن أن تحصل درجة بهذا الكسل، ولكنك إذا ما تنشطت ستزيد درجة أخرى وتنافس، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. رابعاً: تذكر مغبة النتيجة لهذا الكسل: تكسل لساعة أو ليوم وستذهب عليك ثمرة قد تتندم عليها طويلاً. خامساً: استعن بتنظيم الوقت. سادساً: لابد من تغيير الوضع: إذا كنت في هذا المكان تغير إلى مكان آخر، إن كنت في جلسة مسترخية غير هذه الجلسة.

стр. 2606

علاج السرحان آخر مشكلة من مشكلات المذاكرة: السرحان: قد لا يمل ولا يكسل ولكنه يحلق في شرق الأرض وغربها، ويجوب فجاج الأرض، والكتاب بين يديه يشكو من قلة النظر إليه! وهذا يقع كثيراً، وكثيراً ما ينطلق خيال الطلاب في مسألتين اثنتين: أولهما: الإجازة: يتخيل آخر يوم في الاختبارات، وماذا سيصنع؟ وكيف سيلقي بالكتب، ويبتعد عنها، وينام نوماً عميقاً؟ ثانيهما: يسرح في الشهادة، وكيف سيكون التقدير؟ وسينافس فلان، وسيأخذ الدرجة، وإن كان متخرجاً إلى أين سيذهب؟ وإن كان سيتخرج من الأول الثانوي هل سيذهب إلى القسم العلمي أم الأدبي؟ ويتوه في هذه الوديان، وهذه بلا شك قضية خطيرة. ومما يعين على إبعادها: أولاً: القراءة بصوت مرتفع: الذي يقرأ في سره وبعينه يصيبه الكسل والملل والنوم، فأحياناً تحتاج إلى أن تقرأ بصوت مرتفع، والقراءة بصوت مرتفع فيها كثير من الفوائد، على أن تكون في غرفة منفردة، ولا ترفع الصوت كثيراً حتى لا يحصل لك بعض الأمور التي يخشى منها. ثانياً: استشعر أهمية الوقت، فإنك إذا فاتك هذا الوقت ينبغي أن تتنبه إلى أن القضية ليس فيها إمهال. ثالثاً: كن عملياً: هذه الخيالات والأوهام لن تتحقق إلا بالعمل، فلا تسرف وتبني كما يقول: تبني الرجاء على شفير هار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار لا تطلب شيئاً لا تكون مستعداً له عملياً. رابعاً: استعن بوسائل تزيل هذا السرحان، مثل: المذاكرة مع بعض الأصدقاء؛ فإنك تسألهم ويسألونك، أو اتصل بالهاتف لتسأل عن مسألة تجدد النشاط وتمنع أو تقطع حبل هذه الأفكار؛ لأنك إذا اتصلت بفلان ورأيته وقد انتهى من الفصل الذي لم تبدأ فيه عرفت أنك كنت في خيالات وأحلام وبحاجة إلى أن تعود إلى اليقظة. ومن هذه الوسائل: استخدام أمور مذكرة واضحة، كأن يضع عنده لوحة يكتب فيها عناوين لبعض الفقرات حتى إذا سرح عن كتابه يرى أمامه أشياء كثيرة أخرى تعيده إلى الواقع الذي هو فيه. هذا بعض ما يتعلق بمشكلات المذاكرة.

стр. 2607

الاختبارات والإجابة على الأسئلة هذه مرحلة ما بعد المذاكرة، وزوال أسباب المذاكرة فمن يريد أن يجيب ويحصل على الدرجات المناسبة فعليه بما يلي: أولاً: استعن بالله، وابدأ باسم الله، واستشعر الهدوء، وطمئن نفسك؛ لأن الاضطراب لا يفيد. ثانياً: اكتب المعلومات المطلوبة قبل الجواب. أحياناً يجيب الطالب إجابة جيدة ثم لا يكون قد كتب اسمه فتضيع إجابته وقد يرسب، وأحياناً يظن أنه من الممكن الاستدراك، وقد يكون غيرك ترك اسمه مثلك وليس عند المدرسين وقت لينظروا ويقارنوا الخطوط ويرحموك وينظروا، وخاصة في الاختبارات الكبرى، فستضيع ورقتك مع الضائعات بحكم أنها مجهولة الهوية. ثالثاً: اقرأ الأسئلة بتركيز، وضع خطوطاً تحت المطلوب في السؤال، مثل كلمة: اشرح، اذكر باختصار، بتوسع، ثلاثاً من فوائد؛ حتى تعرف ما هو المطلوب؛ لأن مجرد مرور عين الطالب على فقرة وعنوان وهو مدرك له جيداً، يفرحه ويكتب ولا يعرف ما هو المطلوب، هل المطلوب الاختصار بعد أن يكون كتب صفحتين أو المطلوب اذكر وليس اشرح، وقد شرح وشرّح وشرق وغرب؟! رابعاً: اعرف المطلوب الأساسي: هل المطلوب الإجابة على جميع الأسئلة على سؤالين على ثلاثة الإجابة بتوسع؟ أحياناً تكون هناك ملاحظات عامة، يقول لك مثلاً: جميع الإجابات تكون باختصار، أو جميع الإجابات يجب أن تكون بالنص، وفي بعض الاختبارات بالذات في المدارس الشرعية تجده يقول لك: مستشهداً في جميع الإجابات بالأدلة، وإذا لم تقرأ هذه الملاحظة لم تدلل على أي مسألة بالدليل على اعتبار أنه لم يطلب، وهذا أيضاً خطر كبير. خامساً: لا تزد عن المطلوب أبداً، إن كان المطلوب اذكر فلا تشرح؛ لأن الزيادة ضدك في ٩٩%، وقد تكون معك بنسبة ١%؛ لأن الورقة ستذهب إلى مدرس مرهق ومتعب ومرغم بالدوام، وعنده أكوام من الأوراق للتصحيح، وسيكون دوره معك دوراً غير مقبول عندك. سادساً: ركز الإجابة في نقاط، واستعن بالعناوين وتنظيم الفقرات، فإن الشرح المطول قد يطلب منه، فتشرح لكنك ما ضمنت هذا الشرح النقاط المركزة، فشرحت في نقطة واحدة وتركت اثنتين أو ثلاثاً، وهذا لا يكون منك إلا عندما تكون قد ركزت عند المذاكرة على تلك النقاط. سابعاً: أحسن عرض الإجابة، من حيث: وضوح الخط، فصل الإجابات بعضها عن بعض، توضيح الفقرات، الترقيم، أحياناً يكون المطلوب الإجابة عن ثلاثة أسئلة من خمسة، فيكتب إجابة السؤال الأول، والثاني، والثالث، وهو اختار الرابع والخامس والسادس مثلاً، والمدرس الذي يصحح -خاصة في اللجان- عنده نموذج إجابة السؤال الرابع الذي يصححه، وأنت كتبت إجابة السؤال الثالث وهو في الورقة الخامس، فتأتيه الورقة على أنها له فيرميها للآخر، فتكون بهذا قد خسرت هدوء وطمأنينة المصحح بمثل هذه الفقرات أو الأخطاء اليسيرة. ثامناً: لا تغير الإجابة، ولا تتردد، ولا تخلط بين إجابات الفقرات والأسئلة: بعضهم يضع الفقرة (ألف) من السؤال الأول، والفقرة (باء) من السؤال الثالث مع السؤال الرابع، ويبقى كأن المصحح يحتاج إلى دليل حتى يرشده إلى هذه المتاهات في هذه الورقة، واسألوا المدرسين كم يفوت عليك هذا الكثير من الدرجات، ولا تضع أكثر من جواب، بعض الطلاب يجتهد يقول لك: ضع خمس إجابات وسيأخذ لك المدرس الأفضل، بل سيأخذ لك الأسوأ أو سيأخذ لك الأول، وكما يقولون: أنت ونصيبك. تاسعاً: كل هذه القضايا ينبغي أن يتركها الطالب لا لقصد حصد الدرجات، وإنما لأن هذا ليس هو مقصود الاختبار، ولا يليق به أن يخبط خبط عشواء، ويكتب أية إجابة، ويضع أي شيء؛ حتى أن بعض الطلاب إذا كان لا يعرف السؤال فإنه يجيب عن سؤال آخر، يضع سؤالاً من رأسه ثم يجيب، وهمه أن يملأ الورقة! هذا عبث، وتضييع للوقت، واستخفاف بالمصحح، وبمجرد أن يرى المصحح أن هذه الورقة فيها شيء من الاستخفاف أو الاضطراب تسقط من عينه، وتكون معاملته لها معاملة مختلفة. عاشراً: راجع الإجابة مع الأسئلة: أحياناً الطالب يراجع الإجابات من غير المقارنة مع الأسئلة، وما الفائدة بالمقارنة مع الأسئلة؟ ستجد أنك نسيت فقرة أو تنبيهاً في فقرة، أو ربما سؤالاً بالكلية، نعم راجعت الإجابات وهي صحيحة لكن هناك مطلوبات لم تذكرها لأنك ما انتبهت إليها، ولذلك ينبغي أن تنتبه إلى هذه النقطة. حادي عشر: نقطتان ملحقتان: إحداهما قبل الاختبار والثانية بعده: النقطة الأولى: قبل الاختبار: لا تقبل الطالب الذي يأتي إليك بأسئلة قبيل الاختبار: وهذه النقطة مهمة؛ لأنك مستقر ومنظم الفكر؛ فإذا بك تختلط عندك الأوراق في اللحظة الأخيرة، وتفوت عليك دقة التصويب، ولا تصيب الهدف. النقطة الثانية: لا تراجع بعد الاختبار؛ لأن الأمر انتهى، وسبق السيف العدل. ثاني عشر: هناك نقطة بالنسبة لأنواع الأسئلة: أهل التربية يقسمونها إلى الأسئلة المقالية، والأسئلة الموضوعية، والأسئلة التصويبية، والأسئلة الربطية، والأسئلة الاختيارية، والأسئلة التي هي ربط بين فقرة وفقرة، أو الأسئلة التي فيها عدة إجابات تختار منها، أو أسئلة الصح والخطأ، كل هذه أنواع: أولاً: الأسئلة المقالية التي هي اشرح أو يعطيك عبارة ويترك لك الصفحات لتجول فيها وتصول، ركز كما أشرت على النقاط، وليس على الكم. ثانياً: بالنسبة لأسئلة الاختيارات: ابدأ أولاً باستبعاد الاختيارات المرفوضة، وغالباً إذا كانت هناك عدة اختيارات يكون منها واحد أو اثنين مستبعدة لأول وهلة، حتى تنحصر المسألة في دوائر أقل، حينئذ يمكن التركيز في أيهما أرجح، لا تلجأ إلى التخمين إلا بعد انتهاء كل الوسائل والإجابات الصحيحة التي تترجح عندك، أما بعض الطلاب فعندهم قاعدة: اختر رقم واحد في كل الأسئلة، وقطعاً لن يفوتك من الخير نصيب، وكثيراً ما يقع من المدرسين أنهم يركزون الإجابات الصحيحة في فقرة معينة قد تكون هي الفقرة الأخيرة، وأنت اخترت فقرة واحدة على اعتبار أنه قطعاً مرة في الثانية ومرة في الأول ومرة في الأول ومرة في الثالثة فستصيب، وهو لا يجعلها كلها في مكان واحد، مثل الذي يضع البيض في سلة واحدة ويفقدها مرة واحدة، فلا تخمن إلا بعد هذا الجانب. ثالثاً: بالنسبة للربط بين حقل وحقل كما يكون في أسئلة الطلاب بالذات في المدارس، اربط بين الواضحات أولاً؛ لأن أي سؤال من هذا غالباً ما يكون هناك أمور واضحة، ثم تبقى أمور مشكلة؛ هل هذه مع هذه، أو هذه مع هذه؟ ولماذا تبدأ بالسهل؟ أولاً: لأنه واضح ولا شك فيه. ثانياً: حتى يقلل دائرة الاختيارات، وما دام أن هذه الفقرة انتهت من هنا فسيكون الاختيار محصوراً. ثالثاً: حتى تستطيع أن تركز في الترجيح بين أمور محدودة ليست متكررة ولا كثيرة. هذه جملة فيما يتعلق بإجابات الاختبارات. ختاماً: نسيت أن أذكر في خضم الاستعراض: أن الطالب عندما يكون قلقاً أو يحمل الهم عليه أن يذكر أدعية الأرق وأدعية الهم الواردة عن النبي ﵊ وهي محفوظة ومذكورة.

стр. 2608

المدرس ودوره في العملية التعليمية بالنسبة للمدرس أول نقطة ينبغي أن نذكرها: أن المدرس يتحمل في الاختيارات عبئاً أكثر من عبء الطلاب، بينما يقول الطلاب: المدرس الآن يأكل ويشرب وينام ونحن نسهر ونتعب، والمدرسون يقولون غير ذلك، وهما لا أقول: خصمان، لكن فريقان، ربما لو أتيحت فرصة مناظرات موسعة لرأينا عجباً عجاباً فيما بين الفريقين! وأحب أن أركز على العبء الملقى على المدرس، وهو كبير جداً، بل إنه في حقيقة الأمر يعطل ويعرقل العملية التعليمية، فهو يأخذ في المدارس أربعاً وعشرين حصة، وعنده إشراف على الفسحة، وريادة فصل، وتحضير -دفتر تحضير- ممل ومكرر وغير عملي، وليس له هدف، وليس وراءه ثمرة، ويعطيه مرة لزوجته لتكتب، ومرة لصديقه، ومرة يستعين بالتصوير، وأخرى يتحايل على التواريخ، فيبقي دفتر العام الذي مضى حتى يغير تاريخه من غير أن يلحظه الموجه، ثم ابتلي بهذه الواجبات التي أصبحت لازمة؛ فهو يقرأ كراريس وأوراقاً وخطوطاً وخلطاً عجيباً، ومطلوب منه أن يقرأه، وفي الغالب أنه لا يقرأه، ولذلك إذا جاء العبء أحال التصحيح إلى الطلبة، خاصة في الواجبات المعتادة، فيجيب الإجابة النموذجية، ويقول لهم: صححوا، أو يجيب الإجابة النموذجية ويناقشها معهم ثم يجعل على كل ورقة صح تشملها من أولها إلى آخرها حتى ينتهي من هذا العبء، وبالتالي يأتي إلى العملية التعليمية وهو مستهلك، فلا يكون عنده حماس، أو قدرة على العطاء والتفهيم والتركيز والإعادة، ولذلك مجرد أن يطلب منه الطالب أن يعيد الدرس تجده يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، وغالباً ما تكون النفسية غير مهيأة؛ نظراً لمثل هذا العبء الكبير. أيضاً في الاختبارات العبء على المدرس كبير، فهو يحتاج أولاً: إلى وضع الأسئلة، وهنا لابد أن يسأل المدرس نفسه السؤال المهم، وهو: ما هدف الاختبار؟ ولماذا يضع الأسئلة؟ هناك تصورات: التصور الأول: يضع الأسئلة لينتقم من الطلاب، والذي سيضعها بهذه النفسية قطعاً ستكون أسئلة غير عملية وغير نافعة، خاصة في بعض الاختبارات المفتوحة التي ليس فيها لجان تصحيح، فهو يضع أسئلة ولو كانت خاطئة، وفي الجامعة قد يضعون أسئلة فيها أخطاء، ومع ذلك يبقى الطالب هو المخطئ، ويتحمل نتيجة خطأ المدرس أو الدكتور، وكما يقولون: يضرب على أم رأسه مرتين: مرة لأنه لم يعرف الإجابة، ومرة لأنه ما اعترض على خطأ المدرس. التصور الثاني: أسئلة للتخلص، يريد أن يعمل أسئلة يجيب عنها جميع الطلاب، وينتهي من تصحيحها بسرعة، وينتهي هذا العناء الذي ينتظره ويحمل همه، فلا تكون له ثمرة ولا فائدة. التصور الثالث، وهو المقصود المهم: أن الأسئلة مقياس تقريبي لا تحديدي: ليست الاختبارات هي التي تحدد قطعاً ويقيناً الذي فهم والذي أجاد، لكنها مقياس تقريبي جيد، ونسبته في التقويم عالية وليست متدنية، لكن قطعاً قد يخطئ الفاهم، وقد يضطرب أحياناً المذاكر، والاختبار لا يجامل ولا يراعي مثل هذا إلا عندما يكون المدرس يعرف الطالب ويعرف وضعه فيتنبه له. الأسئلة المفروض أن تكون تشتمل في تصوري على ثلاثة أمور: أولها: أسئلة مباشرة وواضحة ليست سهلة، دائماً يقول الطلاب: هناك أسئلة سهلة، والمقصود أن يعبر عنها بأنها أسئلة واضحة ومباشرة، وهذا الوضوح والمباشرة يساعد على نيل جزء من الدرجات، وتشجيع الطالب على إجابة بقية الأسئلة. ثانيها: الأسئلة التي تحتاج إلى نوع من الاستنباط، وشحذ الذهن، وتكون فيها بعض الفقرات غير المباشرة وليست صعبة. ثالثها: وهو ما يكون أقل هذه الأسئلة، وفيه شيء من الدقة والقياس والاستنباط، وليس مباشراً في المنهج، بل قد يكون بعيداً عنه، وهذا لتمييز استيعاب الطالب بشكل عام، وكذلك لتمييز صاحب الذكاء أو الفطنة في مثل هذا العلم أو المادة، وبهذا التنوع تكون هناك مجالات لأن يكون الاختبار مقياساً جيداً إلى حد كبير، ففيه فرصة للضعيف أن يحصل بقدر ما حصل من هذا العلم أو هذه المادة، وأن يجتهد، ويضعف عن بعض هذه الأسئلة، وبقيتها يمكنه أن يجيب عنها. النقطة التالية للمدرس في مسألة التصحيح: ينبغي أن يعلم الطالب أن المدرس أكثر ما يراعي في وضع الأسئلة التصحيح، فهو يضع الأسئلة، وهو يفكر في تصحيحها، فلذلك قد يجعلها منظمة، ومختصرة، أو بطريقة الصواب والخطأ ليسهل عليه التصحيح، ولذلك ينبغي للمدرس أن يراعي في أسئلته التوزيع في الدرجات، بعض المدرسين لا يراعي مصلحة الطلاب، ولا يراقب الله ، يضع على الأسئلة السهلة -مع كثرتها- درجات قليلة، ويضع على السؤال الصعب أكبر الدرجات، فيجيب الطلاب على أربعة أسئلة، والخامس الصعب يتركوه، وإذا به عليه نصف الدرجات! فهذا يفوت على الطالب النجاح أو تحصيل درجة عالية، والأفضل أن يوزع الدرجات على ورقة الأسئلة؛ حتى يساعد الطلبة على إدراك الأهم، ومحاولة اقتناص بعض هذه الدرجات، وحيازة أكبر قدر ممكن منها. ولا شك أن عليه مراقبة الله ، والصبر والاحتمال، وأن يؤدي هذه المهمة متجرداً عن أعبائه، فلا يؤديها إذا كان متعباً فيتعجل، أو إذا كان مكرهاً فيجحف ويظلم، وينبغي عليه أن يتصور أنه في موقع هذا الطالب. وعليه أن يتصور الفصل الكامل بين ما هو فيه وبين الطالب، ما ذنب الطالب إذا كنت أنت مرهقاً أو مجبراً على هذا التصحيح أو كانت لك ظروف خاصة؟! ينبغي أن تفصل بين هذا وذاك.

стр. 2609

قضايا متفرقة حول التعليم والاختبارات

стр. 2610

العلم بين التعليم والتحصيل الأسلوب التعليمي المتبع في المدارس فيه مشكلة، وهو: أن الطالب يدرس من كل بحر قطرة، ويخرج من البحر بلا قطرة، بمعنى: أن هناك كثرة في المواد وتنوعها واختلافها، وليس بينها رابط في سنة واحدة، ومع دوامها غالباً لا يتلقى الطالب الحصيلة المرجوة من هذه المواد، مثلاً: مادة اللغة العربية تدرس في المدارس من السنة الرابعة حتى الثالث الثانوي، أي: تسع سنوات يدرس الطالب نحواً في المدارس، ويتخرج من الثانوي وهو لا يفرق بين الاسم والفعل والحرف، لماذا؟ لأنها تفرقت وتبعثرت ولم تركز، واختلطت معها مواد أخرى، فلم يكن لها جهد مستقل، وقس على هذا بقية المواد، فإنك أيضاً ستجد أنه يأخذ مواداً تستمر معه عدة سنوات، لكنه لا يخلص منها بنتيجة، فمثلاً: مناهج اللغة العربية في هذه السنوات التسع، من الممكن لو أتينا بها كلها، وعقدنا دورة لهذا الطالب ذاته في ستة أشهر أو سنة، سيخرج مستوعباً لهذه المناهج، متمكناً فيها، حافظاً لها. أيضاً: كثرة تشعيب المواد وتفريقها على الزمن المتراخي مع وجود الإجازات، وما أدراك ما الإجازات؟ إنها تعتبر ناسخة أولاً بأول لكل ما تحصل من علم، ويحرص الطلبة على أن يخلصوا عقولهم من كل ما ترسب فيها حتى يأتوا إلى السنة الجديدة بعقل جديد ليس فيه أثر مما مضى، بل -للأسف- بعض المدارس مثل مدارس تحفيظ القرآن مطلوب إلزامياً من المدرسين ألا يسألوا الطلبة عن حفظ العام الذي مضى، والذي يختبر الطلاب في حفظ ما مضى من المدرسين يعاقب على ذلك! وكأن القضية مثل اللوح الذي يكتب فيه ثم يمحى، ثم يكتب فيه ثم يمحى، ولو أردت أن تسترجع بعض ما فيه فإنك ستجد أطلالاً باهتة وبقايا خطوط، فعنده شيء كان يسمى نحواً وقواعد، ومر به شيء كان يسمى الفاعل، وله نائب ينوب عنه أحياناً، وبعض هذه الأمور ليس بينها رابط، وليس فيها تأصيل، وهذه النقطة أجعلها تحت عنوان: العلم بين التعليم والتحصيل، هل نريد من الطالب أن يتعلم وينتهي تعليمه أم نريده أن يحصل العلم؟! هناك مسائل تحصل؛ لأنها تتكرر، فمثلاً: جدول الضرب يحفظه الطالب، ولا يقول: هذا كان في منهج السنة الثالثة أو الرابعة، ولا أسأل عنه الآن، فهو يحفظه لأنه يتكرر معه، واحتاج إليه، وداوم عليه، فصار محصلاً عنده، فهو لا يحتاج فيه أن يرجع إلى كتاب، ولو احتاج إلى الرجوع يرجع رجوعاً سريعاً، فما نسبة ما يأخذه من التعليم إلى ما يقع عنده ويخلص له من التحصيل؟ أعتقد أن النسبة بالتفاؤل ما بين ١٠ - ٢٠%، وأظن أن بعض الطلبة قد يصل تحصيله إلى حد ١% كحد التشبع، يعني كحد أعلى لمثل هذا التحصيل! وهذه نقطة سلبية كبيرة جداً في أسلوب وطريقة التعليم. أما طريقة التعليم السابقة فإن فيها نوعاً من التفريغ للأمر الواحد أو لأمرين معتمدين، مع التركيز، ثم ينتقل إلى غيرها، تجد السابقين أول ما يبدأ الطالب عندهم بحفظ القرآن والذهن متفرغ، والوقت مصروف، والجهد مكرس لهذه القضية، فإذا حفظ القرآن دفع به ليتعلم اللغة العربية أو الفقه مثلاً، يأخذ منهجاً مختصراً يستوعب به كل المادة بإيجاز، ثم يرقى من هذا الكتاب إلى كتاب آخر فيه ذات الموضوعات، لكن فيها مزيد من التفصيل والاستدلال والتوسع، ثم يأخذ كتاباً ثالثاً في نفس الموضوعات بشيء من التوسع، وذكر بعض الاختلاف، وتوسيع المدارك، فهذا التكرار أعطاه قوة في العلم، عندما تكررت عليه المسألة أخذ أفقاً أوسع، وعندما تكررت ثالثة أخذ أفقاً أوسع، فلو جاءته مسألة أصعب لم تمر به كان عنده القدرة على التوسع والاستيعاب والتمكن والاستنباط والقياس ونحو ذلك، وهذه المشكلة من أكبر المشكلات في العملية التعليمية المعاصرة.

стр. 2611

بين الشكلية والواقعية كثيرة هي الأمور الشكلية في مسائل التعليم، فالطلبة إلى حد ما هم والمدرسون صاروا نسخة، فالطلاب ينبغي في كل مادة عنده واجب، ويأخذ هذا الواجب يقرأ السؤال ويجيب من نفس الكتاب، وينقل نفس الكتاب والإجابة، ويُذهب بالدفاتر إلى المدرس ولا يقرأها؛ لأنه يعلم أن الطالب لم يشغل فيها عقله ولم يستنبط، بل مجرد أنه نقلها من ورقة إلى ورقة بشيء من الكراهة والملل، ثم جاءت إلى المدرس فتجاوزها من غير قراءة ولا تصحيح، ثم المدرس مطلوب منه أن يرصد الدرجات، درجات على الواجب، ودرجات على الاختبار الشهري، ودرجات على كذا، فإذا به ينسخ ويقرأ ويصحح، وإذا به في آخر الأمر لم يعد معلماً، بل صار كاتباً ومصححاً! والطالب أيضاً لم يعد طالباً يفهم ويستوعب ويفكر ويسأل ويبدع بل صار كاتباً ناسخاً! وأصبحت الصورة شكلية، ثمانية وثلاثة أرباع، والدرجة من خمسة عشر في الشهر الواحد مقسمة على أقسام، ومبادلة الحسابات على هذا المنوال، وضاعت الزبدة التعليمية في داخل هذه الشكليات التي فيها إرهاق وجهد وتضييع لكثير من الطاقات!

стр. 2612

الاختبارات -كما عبر بعض المدرسين- مسألة استجماع لبعض المعلومات، ثم تتقيأها على ورقة الاختبار، وتخلص نفسك من كل آثارها، وأيضاً المدرس يكون قد انتهى من هذا الأمر، ولم تكن لها ذلك التقويم والتحفيز بشكل أو بآخر.

стр. 2613

التعليم والإبداع ليس هناك في الأساليب والمناهج التعليمية ما يسهل على إيجاد المبدعين والمبتكرين، فليس هناك في غالب الأحوال ربط بين الناحية النظرية والعملية، وليس هناك توسيع في دائرة التعليم خارج إطار المنهج؛ لأن المدرس مرهق ولا يستطيع أن يتوسع، والطالب عنده ألف مشكلة ومشكلة ولا يحتاج إلى مراجع إضافية، بل يريد المذكرات المختصرة، وبالتالي ليست هناك غير عملية تكرارية، وعلى أحسن الأحوال سننتج نسخة واحدة ليس عندها قابلية الإبداع ولا الابتكار، وليس هناك تميز أو احتضان لمن عنده إبداع، بل الذي يسأل المدرس كثيراً سيجبره على السكوت؛ لأنه يشوش عليه؛ ويسأله عما لا يعرف، أو يثير فتنة وبلبلة ويفرق الصفوف وجماعة الطلبة ونحو ذلك؛ لأنه ليست هناك أية صورة من صور استيعاب وتبني مثل هذه الجوانب بشكل أو بآخر.

стр. 2614

استفادات معنوية من الاختبارات للطلبة والمدرسين أولها: أن الطالب يكتشف أن الوقت أكثر منه في الأيام الأخرى، كأن اليوم لم يعد أربعاً وعشرين ساعة بل ربما صار ثمان وأربعين ساعة، فإنك تجده أولاً: يستطيل الوقت، وثانياً: يرى كم ما بين الفجر إلى الظهر؟ من الساعة الخامسة إلى الثانية عشر سبع ساعات، الآن يضيع نصفها في النوم، ونصفها في الكلام، والمشاوير، حينما تلغى هذه العوامل كلها في أوقات الاختبار يشعر الإنسان بالوقت وامتداده، إذاً: لماذا لا يستفيد وينتبه إلى أنه يبدد الوقت وأن الوقت كبير وطويل، ويمكن عمل الكثير في هذا الوقت لكنه هو الذي يفرط. ثانيها: قوة الطاقات: يقرأ ساعات متوالية، ويحفظ صفحات متكاثرة، ويستوعب مسائل دقيقة، بينما في غير أيام الاختبارات إذا قرأ الصفحة لم يحتمل الثانية، وجاءت الضربة القاضية في الصفحة الثالثة أو نحو ذلك، وكذلك في الاستيعاب يظن أنه لا يستطيع أن يحفظ كذا، طاقته موجودة لكنه ما استثمرها وما دربها، وما عمل عملية الاستثمار والتنمية المطلوبة. ثالثها: الوحدة التي تجمع عند وجود العامل المشترك، كل الطلاب الآن متحدون في كثير من السمات، سواءً في الهم والاهتمام، والجد، واستغلال الوقت، وتفريق أو ترك الشواغل، إذاً: كلهم على اختلاف أنواعهم لما كان هناك هدف واحد أو مشكلة واحدة تجمعت الطاقات والجهود، وتشكلت الظروف كلها لتخدم هذا الغرض، والأمة ينبغي أن تتعلم أنها متى رأت مشكلاتها وعرفت أعداءها أن عليها أن تتوحد لمعالجة هذه المشكلات ولمحاربة أولئك الأعداء بدلاً من أن تتفرق في تفاهات وقضايا فرعية وجانبية. رابعها: التعاون؛ فإنك تجد فرص التعاون ترقى بين الطلاب والمدرسين وفئات المجتمع حتى في الأسرة، وبين الأب وابنه، وهذه الروح من التعاون ألجأتنا إليها هذه الظروف التي فيها نوع من الشدة أو الحاجة، فلماذا لا نجعل هذا التعاون أيضاً دأباً وسمة مستمرة في حياتنا دائماً؟ خامسها: حسن التصرف: فإن الطالب والأسرة والمدرس يتعود على أن يضغط الوقت، ويتصرف، ويكيف الظروف، وأن يتخلص من المآزق، فإذا جاءه الضيف يعرف كيف يتخلص منه، وإذا جاءته المشكلة يعرف كيف يصرفها، لماذا؟ لأنه يحتاج إلى الوقت، فإذاً: لماذا لا تكون لبقاً حسن التصرف في كل هذه الظروف التي تمر بك في حياتك ولا تحسن التصرف والتكيف إلا في هذا الوقت فحسب، كما ذكر عن ابن الجوزي على سبيل المثال: أنه كان يأتيه بعض الثقلاء الذين يضيعون عليه وقته، قال: فكنت أعد لهم بري الأقلام، وتجهيز مداد الدواة، فإذا جاءوا يتكلم معهم لكنه يبري قلمه، ويعد مداد دواته حتى لا يضيع وقته، أنت إذا جاءك الإنسان في الاختبارات أو جاءتك المكالمة الهاتفية استطعت أن تتخلص منها بأسلوب حسن في دقائق معدودة؛ لأنك تريد أن تستثمر الوقت، أما في الوقت العادي لو أراد المتحدث أن ينهي المكالمة تقول له: ما زال في الوقت متسع؛ فتجد الإنسان يفوت الوقت، ولا يكون عنده الجد وحسن التصريف للأمور. سادسها: معرفة قيمة الجد وثمرة الجهد: عندما تجد وتجد الثمرة تعرف وتتعلم أن الحياة جد، وأن الذي يريد أن يحصل الثمرة لابد أن يجتهد، وكثير من الأمور نضيعها بسبب الكسل والتراخي وعدم الجد.

стр. 2615

بين اختبار الدنيا واختبار الآخرة النقطة الأخيرة في فقراتنا المتنوعة عن الاختبارات: هناك حاجة ماسة وملحة للربط والاستفادة من هذه الاختبارات وأجوائها باختبارات الآخرة وما يقدم عليه الإنسان، فهل أعددت للسؤال جواباً؟ وهل أعددت للجواب صواباً كما تعد لهذا؟ وهذا موضوع سبق أن تحدثت فيه في خطبة جمعة، وفي محاضرة سابقة بعنوان: لمحة على الامتحانات، ومرة: بين اختبارات الدنيا والآخرة، وفيه مقارنات شتى نطبقها في أمر اختبارات الدنيا ونغفل عنها وننساها في أمر اختبارات الآخرة. نسأل الله أن يوفق الطلاب لأداء الاختبارات والنجاح فيها والتفوق، وأن يجعلوا ذلك عوناً لهم على طاعة الله ، وأن يكونوا أفراداً عاملين لمصلحة وخير هذه الأمة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2616

ما دورنا في مواجهة المآسي ؟ إن الناظر إلى أحوال الأمة الإسلامية اليوم وما تعيشه من مآسٍ مروعة، وجرائم شنيعة في كثير من البلدان، ليعلم شديد البلاء الذي يعيشه إخواننا المسلمون في بلاد كثيرة ومنها بلاد البوسنة والهرسك، فقد تكالبت عليهم القوى الكفرية لتصفيتهم، فدمرت بيوتهم، وشردت أطفالهم، وقتلت رجالهم، ورملت نساءهم، وأحرقت منازلهم ومزارعهم بوحشية ليس لها نظير في عالم الوحوش والغابات، كل ذلك على مرأى ومسمع من الدول الكبرى والمنظمات الحقوقية، والمؤسسات الدولية، فما هو دورنا في مواجهة هذه المآسي؟!

стр. 2617

أحداث البوسنة عبرة وعظة الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، نحمده جعل الدائرة على الكافرين، وجعل سوء العاقبة للظالمين، نحمده جل وعلا هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! قد طلب مني بعض الأفاضل أن يكون حديث اليوم عن المآسي المروعة، والفضائع الشنيعة التي ما انقطعت في بلاد المسلمين، بل تضاعفت وتزايدت، وازداد أوارها، واشتعل لهيبها، وتصاعد دخانها في كثير من البلاد الإسلامية، وأراد أن يكون الحديث عن الهجمة الشرسة الفضيعة التي يلقاها إخواننا في شرقي البوسنة في مدينة (ورازده)، وما يلقاه إخواننا في أرض الإسراء مثوى العديد من الأنبياء من المعاناة والبلاء، ومن شدة الكرب والعناء، وكنت أقدم على ذلك وأحتم، ولسان حالي يقول: وماذا عسانا أن نقول في مثل هذه الأمور؟ وعن أي شيء نتحدث في هذه المآسي ولأي غرض نعيد هذا القول ونردده؟ هل نريد أن نكرر القول المسموع؟ أو نزيد من الصراخ والبكاء والعويل؟ ويثور السؤال الذي يدفع إلى التردد، لماذا نذكر هذه المقالات؟ وماذا عسانا أن نفعل تجاهها؟ وما دورنا في مواجهة المآسي ولسان حال كثير منا يقول: ليس باليد حيلة، وليس هناك مجال لأن نؤدي دوراً أو أن نقوم بمهمة؟ ولكن هذا التردد يزول؛ لأنه يكفينا من هذا الحديث أن نشارك إخواننا في مآسيهم، ولئن بكوا دماءً ودموعاً فلا أقل أن نذرف معهم ولو دمعةً واحدة، ولئن ملئوا الدنيا صراخاً وعويلاً فلا أقل أن نرفع من أعماق قلوبنا لله دعوةً خالصة، فحري بنا أيها الإخوة أن نزيد القول، وأن نكرره في هذه الأمور، عل ذلك أن يحيي موات القلوب، وأن يوقظ غفلة العقول، وأن يحرك ضعف العزائم والهمم، وأن يبعث في القلوب الأمل والثقة في الله . إننا لا نريد أن نجعل الحديث طعنات تغتال الأمل في النفوس، ولا أن نجعل المآسي تحيط بنا لتقعدنا عن العمل، كلا أيها الإخوة، فلقد مر بالمصطفى ﷺ من هذا البلاء الكثير والكثير، ولقد مر بمن جاء بعده من كرام صحابته ومن أئمة هذه الأمة وسلفها ما مر من الأحداث المروعة، ومع ذلك نرى التاريخ ينطق بشواهده وحوادثه على المنهج الذي ينبغي أن نسلكه، وعلى الطريق الذي ينبغي أن نتواصى به. لا شك أيها الإخوة أننا سمعنا كثيراً في الأيام القريبة الماضية عن الجرائم المروعة التي يحار العقل فيها ابتداءً، ولكنه يعرف تفاصيلها وخلفياتها انتهاءً؛ لأن الأمر لم يعد فيه خفاء، بل صار أوضح من الشمس في رابعة النهار، وانظر إلى هذه الأحداث في شرقي البوسنة على مدى أيام وشهور متواليات، وانظر إلى الأخبار الأخيرة التي ذكرت أن القصف توالى حتى صارت القذائف تنزل على المسلمين في تلك الديار بمعدل قذيفة واحدة في كل عشرين ثانية، فاحسب رعاك الله كم قذيفة في الدقيقة والساعة واليوم، لترى كيف تشتعل النار في ديار إخواننا، بل في أجسادهم، بل في أطفالهم وشيوخهم ونسائهم! وانظر رعاك الله إلى النار التي تلتهم الأخضر واليابس، وإلى الرصاص الذي يغتال الصغير والكبير، وإلى الشظايا التي تنطلق من الأرض، والمباني التي تتهدم على رءوس أهلها، وانظر إلى ذلك كله وهو يجري على سمع الزمان كله، وبمرأىً من الأبصار، ينقل إلى كل الدنيا عبر الأقمار الصناعية، والشاشات الفضائية مدعماً بالوثائق الشاهدة الناطقة، وبالتقارير الميدانية الساخنة، وكأن الدنيا كلها قد صمت آذانها، وعميت أبصارها، وماتت قلوبها، وانطفأت كل معاني الإنسانية والفطرة البشرية في نفوسها كأن الناس مسخوا وحوشاً، ليس لها بالبشرية ولا بالإنسانية سبب ولا نسب! وانظر إلى حال العالم وإلى حال القوى التي تسمى كبرى، وإلى المنظمات التي ترفع شعار الأمن والعدالة، فماذا تراها تفعل؟! إنها تشجب وتستنكر، ثم تنذر وتحذر، ثم تتصل وتجتمع، ثم تفكر وتخطط، ثم تريد أن تقرر، وبعد أن تقرر تفكر هل تفعل أو لا تفعل: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود حتى إذا لم يبق حجر على حجر، ولم يبق روح في جسد، ربما تحركت هذه القوى والمنظمات! لماذا؟ لتقوم بدفن الموتى، وتدمير ما بقي من الخرائب، وإطفاء الحرائق التي ظلت مشتعلة. ولئن كان الأمر كذلك في البوسنة على فضاعته لم يمض عليه إلا هذه المدة اليسيرة مدة عامين، فانظر رعاك الله إلى فلسطين المسلمة التي ما تزال مأساتها تمتد عبر السنوات، فقد مضى عليها أكثر من نصف قرن أو نحو ذلك. انظر إليها وفي كل يوم مزيد من القتلى وعديد من الجرحى، وارتفاع في أعداد اليتامى، وتزايد في أعداد الأرامل والثكالى، وما زالت الأحداث تنبئنا بالمزيد، والليالي تحمل في طياتها الكثير والكثير، وكل ذلك نراه ونسمعه، ومع ذلك نرى من يشجبه ويستنكره، فيعجب المرء أي أمر قد بلغ في ديار الإسلام والمسلمين؟ وإلى أي مدىً قد بلغت الخسة والدناءة واللؤم والجرم في هذا العالم المنكود، غربيه وشرقيه، العالم الكافر الذي اجتمع من كل حدب وصوب وعلى كل ملة ودين ليوجه سهامه، ويصوب قذائفه على المسلمين العزل المستضعفين، ثم بعد ذلك يرمون المسلمين بتهم الإرهاب والتطرف والإجرام والترويع للآمنين؟! عجباً لهذه المقاييس المنتكسة، ولهذه الأحوال المنعكسة! والمرء يفكر مرة أخرى، ويعيد السؤال ماذا عسانا أن نزيد عما سمعنا ورأينا، ونسمع ونرى في كل يوم وفي كل آن؟ وهل نريد أن نزيد الجراح جرحاً والصراخ صراخاً؟ إننا نريد أيها الإخوة أن نعرف من هذه المآسي كثيراً من الأمور التي تنفعنا، والتي تبصرنا، والتي تصفعنا لنستيقظ من نومنا، وتدفعنا لنتحرك من عجزنا. إننا أيها الإخوة نتربى بأقدار الله ، فإن الأقدار الربانية تساق للمسلمين حتى يتعظوا ويعتبروا، فإنه ليس شيء في هذا الكون يجري عبثاً، وليس قدر من أقدار الله إلا وله حكمة بالغة يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها، فالدماء التي تسيل، والأرواح التي تزهق، والبيوت التي تحرق، والمساجد التي تهدم، كل ذلك يجري بقدر الله لحكمة بالغة، فانظر رعاك الله إلى ما ينبغي أن تقرأ من وراء سطور هذه الأحداث، ولننظر ما الذي ينبغي أن نخرج به، وأن نعرفه وأن نستيقنه، وأن نتداوله فيما بيننا، وأن نشيعه في مجالسنا؛ حتى ننتفع ونستفيد، وحتى نتحرك ونمضي، ونبذل ونعمل، فقد كثر منا القول والكسل، وكثر منا المراء والجدل، وقل في صفوفنا التحرك نحو العمل.

стр. 2618

الوعي بحقيقة الأعداء الوعي الذي نريد أن يرسخ في أذهان المسلمين من هذه الأحداث يقودنا إلى آفاق واسعة، فالأعداء لم يعد لهم ستار يستر عوراتهم، ولا شعار يغطي على أخطائهم، نريد أن يعرف المسلمون حقيقة أعدائهم بكل تفصيلها، ولئن غفلوا عن آيات القرآن التي أنزلها الله لتعلمهم، فليتعظوا وليعتبروا بالأحداث التي تواجههم. انظر إلى حقيقة الأعداء في ولائهم وتجمعهم، أيقاتل صرب البوسنة وحدهم؟ قد جاء إليهم إخوانهم في الملة والدين ولاءً ونصرةً متطوعين من صربيا الكبرى، ومن (يوغوسلافيا) العظمى، ومن بلاد الروس. إنهم متوالون ومتجمعون، والله قد نبأنا وعلمنا، ولكن غفلنا وجهلنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وإن لم تكونوا مثلهم، وإن لم تفعلوا فعلهم: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)، وأي فتنة أعظم مما نرى؟! وأي فساد أشد مما نسمع ونرى؟! وانظر إلى حقيقة الأعداء في تواطئهم وتآمرهم! أين القرارات؟ وأين نتائج المؤتمرات؟ وأين هيبة المنظمات؟ وأين سمعة الدول الكبرى والعظمى؟ أين كل ذلك؟ إنه يمرغ تحت أقدام ثلة وحفنة من جنود الصرب، أفترى القوي لا يستطيع أن يردع أمثال هؤلاء؟! أفترى العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، أسلحةً تدك أقصى الأرض وأقصاها الآخر تعجز أن تؤدب مثل هذه الحفنة؟! إن الجواب لا يخفى على لبيب عاقل، إنه ذلك التواطؤ والتآمر الذي يبصرنا بحقيقة الأعداء، واحد يضرب، والثاني يشجب، والثالث يؤيد، والرابع يخالف، وتمضي القضية والنار تزداد اشتعالاً، والحرب تزداد نكالاً، وهذا التآمر والتواطؤ جزء من حقيقة الأعداء التي بصرنا بها كتاب ربنا، ونطق بها تاريخنا. وانظر إلى حقيقة الأعداء في إجرامهم وبغيهم، أين حقوق الإنسان؟! أين أنصار المرأة؟! أين حماة الطفولة؟! أين الذين ملئوا العالم ضجيجاً وعجيجاً وهم ينادون بهذه المبادئ الإنسانية، وبهذه المعاني التي خدعوا بها كثيراً من العقول؟! فهل ترى بغياً أشد من هذا البغي؟! وهل ترى إجراماً أفظع من هذا الإجرام؟! وهل ترى انسلاخاً من الإنسانية أشد وأظهر وأوضح وأفضح من هذا الانسلاخ؟! قوم يقتلون الصغار قبل الكبار، يسملون العيون، ويبقرون البطون، ويغتصبون الحرائر، ويفعلون الأفاعيل التي لا يفعلها حتى أخس الحيوانات وأشدها فتكاً. قوم قد ظهر بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنهم هم المجرمون والإرهابيون، والذين تلصق بهم كل نقيصة تتبرأ منها الإنسانية: وحشية كشف الزمان حجابها لا بل أشد من الوحوش وأظلم الوحش يفتك جائعاً ويعف عن فتكاته إذ ما يعض ويطعم الوحش إذا أكل قام عن فريسته، وأولئك يمثلون بالجثث التي قد فارقت أرواحها أجسادها! إنهم قوم قد ظهر بغيهم وإجرامهم، فهل نحن في شك بعد ذلك من هذه الحقائق الواضحة البينة؟

стр. 2619

الوعي بحقيقة الشعارات والمصطلحات التي يروج لها الأعداء حقيقة أخرى مهمة: الوعي بحقيقة الشعارات والمصطلحات التي تروج بين الناس لتخدع عقولهم، ولتخطف أبصارهم، ولتضلل سعيهم، ولتحرف تصوراتهم! إنها القضايا التي يضحكون بها على الناس، ويروجونها بين المسلمين، إنها كما قال الرافعي الأديب: (الألفاظ الكبيرة تصنع للمسلمين ليتلهوا بها، لينشغلوا بها، فما يزالون يكبرون المصطلحات، ويرددون الشعارات، والمسلمون ينخدعون بهذه اللافتات). وينبغي لنا ومن هذه الأحداث أن نعي حقيقة هذه الشعارات، فانظر رعاك الله إلى المناطق الآمنة وهي في كل عشرين ثانية تنزل فيها قذيفة، إنها مناطق آمنة أصبحت في قمة الخوف والذعر والهلع. وانظر إلى قوات حفظ السلام وهي لا تستطيع أن تحفظ نفسها، وانظر إلى القرارات الدولية التي تمرغ تحت أقدام الجيوش الصربية، وانظر بعد ذلك إلى مصطلحات الإرهاب والتطرف، لترى أن الشعارات منعكسة، وأن الأسماء لا تتصل بالمسميات، وأن القضية وراءها ما وراءها. إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل وفاخرت الأرض السماء سفاهةً وفاخرت الشهب الحصى والجنادل وقال السهى للشمس: أنت كسيفة وقال الدجى للصبح وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل فينبغي أن نعرف حقيقة هذه الشعارات.

стр. 2620

الوعي بضرورة القوة والثبات على المبادئ وعي ثالث نحتاجه بحقيقة المبادئ والقوة، فإن الحق بلا قوة كالمتجر بلا باب، فأي تاجر يدع متجره مفتوحاً على مصراعيه، ويريد ألا يجترأ عليه أحد؟! إن اللحم المكشوف يغري بأن يلتهمه الملتهمون، وأن يعدو عليه الغاصبون، وإن الحق بلا قوة كالجسم العاري الذي لا يستر سوءته شيء. إن الأمر يظهر لنا عياناً بياناً. أن كل مبدأ وكل حق لا بد أن تكون له قوة تحميه؛ لئلا تنقلب الألفاظ فيكون الأمن خوفاً، والسلام حرباً، والحماية جناية، ولابد أن ندرك أن الحق لا يرهب أعداءه إلا أن يكون إلى جواره القوة التي يحسبون لها حسابها. من يستدل على الحقوق فلن يرى مثل الحسام على الحقوق دليلا ما أيد الحق المضاع كمنطق تدهي به شفة السلاح الأبكم

стр. 2621

السنن الكونية في أحداث البوسنة أيها الإخوة! ننتقل إلى أمر مهم آخر، وهو: أننا نحتاج من هذه الأحداث أن نعرف سنن الله التي تجري بها أقداره، ويمضي بها مشيئته ، وقد بثها لها لنا في كتاب الله القرآن الكريم، فاعلم هذه السنن وتأمل فيها، ومن هذه السنن:

стр. 2622

سنة الابتلاء سنة الابتلاء، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. هل في الدنيا وفي البشرية أفضل من محمد ﷺ ؟ تجمع الأحزاب من كل حدب وصوب، وأحاطوا بمدينة الرسول ﵊ إحاطة السوار بالمعصم، واجتمعت شدة الخوف مع شدة الجوع مع شدة البرد، والوصف القرآني يصف حال المسلمين بأنه بلغت القلوب الحناجر، وبأنهم زلزلوا شديداً. هذه سنة ينبغي أن ندركها، فإن الطريق إلى مرضاة الله وإلى نصر الله طريق فيه ابتلاء، وتمحيص، فينبغي أن ندرك هذه الحقيقة: أما علمت أن طريق الخلد قد فرشت بالشوك ما فرشت ورداً ولا بسطا

стр. 2623

سنة البلاء سنة البلاء سنة مربوطة بسلوك البشر، فإن الله قد قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]. من أين هذا البلاء؟ من أين هذا العناء؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]، تفقدوا أحوالكم، تفقدوا مجتمعاتكم، تفقدوا بيئاتكم، قارنوها بمنهج ربكم، فإنا نرى خللاً واضحاً، ونعرف السنة، وكيف يجريها الله : فالذنب ذنب بني الإسلام مذ بعدوا عن منهج الله أضحى أمرهم فرطا قد خاصموا الله إذ خانوا شريعته وقل إنتاجهم إذ أكثروا اللغطا تفرقوا شيعاً شتى وأنظمة إذ لم يعد حبلهم بالله مرتبطا أليس هذا حال كثير من بلاد الإسلام إلا ما رحم الله؟ إذاً: فأي شيء نبحث عنه؟ وعن أي سبب نفكر؟ نريد أن نقول: إنهم الأعداء، وهل ينتظر من الأعداء غير العداء؟ لننظر إلى الأسباب في صفوفنا، وإلى الخلل في سلوكنا، فإن سنة الله ماضية.

стр. 2624

سنة قهر الأعداء سنة ثالثة لابد أن تكون منها على ذكر، وأن تكون منها على اعتبار واتعاظ وهي: سنة قهر الأعداء، فالله يمهل للظالم ولا يهمله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ويقول جل وعلا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، وجاء إلى النبي ﵊ بعض صحابته في الفترة المكية، وقد بلغ بهم العناء مبلغاً، واشتد الأذى إلى المنتهى، فقالوا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا، فيقول المصطفى ﷺ : (كان من قبلكم يوضع لأحدهم المنشار على مفرق رأسه فينشر حتى ينقسم إلى نصفين، ومنهم من كان يمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، فوالله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) إن العاقبة للمتقين ولا شك، وإن الدائرة على المجرمين ولا شك، فافقهوا سنة الله هدانا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والله نسأل أن يدفع عن إخواننا المسلمين الأذى، وأن يمن عليهم بالعفو والعافية، وأن يرزقنا وإياهم الصلاح والتقى، والعفاف والغنى. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2625

أسباب النصر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ويلتمس به رضاه، وإن من التقوى أن نشارك إخواننا في مآسيهم، وأن ننصرهم بما نستطيع، ويأتي السؤال الذي ذكرته، ما المطلوب منا؟ وأوجز ذلك في أمور مهمة.

стр. 2626

الرجوع إلى الله أولاً: إننا نريد أن ننصر إخواننا، وطريق نصرهم أن ننصر ديننا، وأن ننصر الله ربنا، وذلك أمر لا بد أن ندركه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، انصروا الله في أنفسكم استقامةً وصلاحاً انصروا الله في بيوتكم طهارةً ونقاءً انصروا الله في بيئاتكم ومجتمعاتكم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر انصروا الله في كل لحظة من لحظات حياتكم في كل حركة من حركات جوارحكم، فهذا هو الطريق إلى النصر، وإن طالت مسافته، ولا طريق غيره: للنصر قانون والله فصله لا تحسب النصر يأتي الناس معتبطا من ينصر الله ينصره فلا أمل في النصر إلا لمن وفى بما اشترط

стр. 2627

الصبر الأمر الثاني: الصبر الصبر، فإن الصبر أمر عظيم نحتاج أن نوطن النفوس عليه، وانظر إلى ما خاطب الله به رسوله ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، صبر معه يقين، فينبغي أن نصبر، وألا يقودنا البلاء إلى اليأس والقنوط، وألا يقودنا إلى أن نخرج عن طورنا وأن ننسى منهج ربنا أخي قد أصابك سهم ذليل وغدراً رماك ذراع كليل ستبتر يوماً فصبر جميل ولن يدمَ بعد عرين الأسود

стр. 2628

العمل والبذل الأمر الثالث: نحتاج إلى العمل والبذل، بكل ما نستطيع، فينبغي أن نعمل لنصرة هذا الدين، ولو بشق تمرة، ولو بقليل من المال، ولو بلسان حسن منطقه؛ لنعلي راية الحق، ولننصر دين الله في كل ميدان من الميادين، هناك فسحة للعمل فأين العاملون؟ وهناك طرق للبذل، فأين الباذلون؟ لئن عجزنا أن نبذل القليل، فنحن عن الكثير أعجز، ولئن لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، وراحتنا ونوم عيوننا، وملء بطوننا، فكيف نريد أن ننتصر لنكون مجاهدين نضحي بأرواحنا؟! إننا نحتاج إلى أن نعمل ونبذل في دائرتنا حتى نظهر هذه التربية في أنفسنا، ولنعلم أن القوة والبذل والجهاد والفداء والتضحية عربون من عرابين النصر، وطريق من طرق العزة عهداً على الأيام ألا تهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدم وطن يقسم للدخيل هدية فعلامَ يحجم بعد هذا محجم

стр. 2629

التضرع إلى الله بالدعاء الأمر الرابع: الدعاء الذي غفلنا عنه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، إننا لم نعد على صلة وطيدة بربنا، لم يعد ندعوه كلما حزبنا أمر، ونفزع إليه كلما أدلهمت في وجوهنا الخطوب، كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. هذا هو هدي القرآن، فأين الدعاء الذي نرفعه إلى رب السماء في الأسحار قبل الفجر؟ أين الدعوات الصادقة أن يوفقنا الله أن يهدينا أن ينصرنا أن يوحد شتاتنا وتفرقنا أن يقوي ضعفنا ويزيل عجزنا؟ إننا نريد ونحتاج أن ندرك أن الدعاء عمل إيجابي وليس حيلة العاجز، فالدعاء استنجد به النبي ﷺ في يوم بدر؛ فنزل النصر، ودعا به في يوم الأحزاب؛ فتفرق الأعداء، والله مجر سنته، وممض حكمته، ومثبت منهجه ، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وادعوا الله وقد قدمتم أسباب البذل والعمل، والاستقامة والصلاح، ينزل الله عليكم النصر من حيث لا تحتسبون، أو نظن أننا سننتصر على أعدائنا بمكرنا وكيدنا، بعقولنا وتخطيطاتنا، بقواتنا وأسلحتنا، خاب إذاً والله سعينا! لابد أن ندرك أننا لن ننتصر إلا بدعاء ربنا بعد أن نبذل الأسباب، ولابد أن نلجأ إلى رب الأرباب فيارب هب لي منك صبراً ورحمةً ويا رب حببني بما فيَّ تكتب ويا رب زدني عنك فهماً لمحنتي وثبت يقيني فيك فالقلب قُلَّب وزدني إحساناً بما أنت أهله وحسن فعالي أنت نعم المؤدب وأنزل على قلبي الجريح سكينة وأحسن ختامي ليس لي عنك مذهب

стр. 2630

الثقة بالله لابد لنا من الثقة بالله، تلك الثقة التي أنطق الله بها موسى ﵇ يوم جاء فرعون من ورائه والبحر من أمامه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال الواثق بالله ، الواثق بنصره الماضي على منهج ربه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، ويوم قال أبو بكر في الغار: والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا فقال النبي ﷺ : (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فنحن نحتاج إلى أن نثق بالله وبوعد الله . وإني على ثقة من طريقي إلى الله رب الثناء والشروق فإن عافني الشوق أو عقني فإني أمين لعهدي الوثيق فالله نسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة! اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا! اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا نادمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية! اللهم فرق كلمتهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم! اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المستضعفين، اللهم رحمتك بالمشردين والمبعدين، اللهم رحمتك بالمعذبين والمضطهدين، اللهم رحمتك بالأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، اللهم رحمتك بالنسوة الثكالى، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم! اللهم زدهم مع الإيمان يقيناً، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء! اللهم اجعل ما قضيت عليهم من بلاء تثبيتاً لهم وزيادةً في اليقين، ولا تجعله اللهم فتنةً لهم في الدين، يا قوي يا عزيز، يا رحمن يا رحيم! اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم، وفرج كربهم، وأزل غمهم، وآنس وحشتهم، وسكن عبرتهم، وسكن لوعتهم، وامسح عبرتهم يا أرحم الرحمين! اللهم كثر الأعداء، وقل النصراء، ولا حول ولا قوة لنا ولا لهم إلا بك يا أرحم الراحمين! اللهم إنه ليس لها من دونك كاشفة، اللهم فاكشف عنا العذاب إنا عائدون، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذه الأحداث للمسلمين عبرةً وعظةً يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين! اللهم احفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
следующие страницы →