← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حال النبي ﷺ في العشر الأواخر الواقع الذي نسترشد منه والهدي الذي نقتدي به هو هدي رسولنا ﷺ ، وهذه العشر كانت لها مزية خاصة عند رسول الله ﷺ ، كما روت عائشة في الحديث المشهور قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله، وأحيا ليله، وشد المئزر) وهذه الثلاث لا أود أن أطيل في شرحها، لكن كل واحدة منها له جانب فيه دلالة من الدلائل. فقولها: (أيقظ أهله) فيه إشارة إلى أن الواجب المنوط بكل واحد منا لا يتعلق به وحده، ولا يقتصر عليه وحده، بل يشمل الدائرة الأوسع، وأقربها وأولاها الأهل، فقد ورد عند أبي داود في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (رحم الله امرأ قام من الليل فأيقظ أهله، فإن لم تستيقظ نضحها بالماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحته بالماء) وذلك دليل على أن الذي يجمع بين الزوجين والذي يجمع بين الأهل إنما هو التواصي بطاعة الله والحرص عليها، وهذه مسألة مهمة، وكثيراً ما نرى الرجال يملئون المساجد بالصلوات والاعتكاف، ونرى في الوقت نفسه أبناءهم يملئون الأسواق باللهو والعبث، فأين هم من أبنائهم؟! أو نرى زوجاتهم يملأن الأسواق في أمور لا تحمد، أو في أمور هي دون المطلوب، فأين أزواجهن عنهن؟! وذلك هو ما يشير إليه هذا الحديث التي عبرت فيه عائشة ﵂ عن فعل النبي ﷺ . وقولها: (وأحيا ليله) قال العلماء: إن الرسول ﵊ كان يحيي ليله منذ بعثته، ومنذ أن نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] والنبي ﵊ عندما أخذ بهذه السنة فهي في حقه فريضة لن يتركها، وكان لا يترك ﵊ قيام الليل في سفر أو حضر، إلا ما ثبتت به السنة، كليلة مزدلفة وغير ذلك، فما معنى قولها: (أحيا ليله)؟ كان النبي ﷺ في رمضان يحيي ليله فصلى بصلاته أناس، وهكذا في الليلة الثانية وفي الليلة الثالثة، ثم لم يخرج إليهم في الليلة الرابعة، وصلى وحده لئلا تفرض عليهم، قال أهل العلم في بيان ذلك -كما أشارت إلى ذلك بعض الروايات-: إنه ﷺ كان في رمضان وسائر الأيام يخلط ليله قياماً بنوم، فيصلي وينام، لكن في هذه العشر كان لا ينام الليل مطلقاً، وهذه هي المزية، أي أنه كان يحيي الليل كله، وسنته ﵊ في غير هذه العشر أنه كان ينام ويستيقظ، كما قال ﵊: (من رغب عن سنتي فليس مني) وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، ثم ينام سدسه في آخر الليل قبل الفجر لينشط ﵊ لصلاة الفجر. وقولها: (وشد المأزر) شد المأزر هنا كناية تشتمل على أمرين، وذكر العلماء أن أحد هذين الأمرين هو اعتزال النساء اعتزالاً كاملاً، مع أنه في ليل رمضان يجوز مباشرة النساء، كما قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] لكن النبي ﷺ حين اعتكف في المسجد وتفرغ للطاعة والعبادة اعتزل النساء، ومن مبطلات الاعتكاف ومفسداته معاشرة الأزواج، بل حتى ما دون المعاشرة. ومن جهة أخرى يقال في كلام العرب: شمر عن ساعد الجد أو شمر عن المئزر. إذا جد واجتهد وبلغ الغاية القصوى في البذل والعمل، وهذا مقصود أيضاً في هذا الباب من أبواب الخير التي ندبنا إليها بفعله رسول الله ﵊.

стр. 317

اعتكاف المرأة في المسجد في رمضان وقد اعتكف النبي ﷺ واعتكف نساؤه أيضاً، وهذا فيه مشروعية اعتكاف المرأة المسلمة، والخلاف واقع بين أهل العلم، والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد إذا كان فيه مكان يناسب اعتكاف المرأة، ولا يكون فيه شيء مما يضرها أو يضايقها، وقال بعض أهل العلم: إن اعتكافها في بيتها أفضل باعتبار أن الاعتكاف سنة، والسنن عموماً -بل أداء الفريضة- للمرأة في بيتها مشروع ومندوب كما هو معلوم.

стр. 318

المكوث في بيت من بيوت الله بنية الاعتكاف والعبادة وثمة مسائل نشير إلى بعضها أيضاً في شأن الاعتكاف، فمن ذلك نية المكث في بيت من بيوت الله بغرض العبادة، وهذا له شروط أساسية: أولها: النية، والثاني: أن يكون الاعتكاف في المسجد، فلا يعتبر الماكث في بيته للطاعة والعبادة -وإن كان يفعل مثلما يفعل في المسجد- أنه معتكف؛ لأن الاعتكاف في المسجد هو مظنة القيام بالفرائض التي لا تكون في بيته أو في أي مكان، فكيف سيؤدي فرائض الصلوات؟ وكيف سيحافظ على مسألة اجتماع المسلمين وتوحدهم وتجمعهم على تعبدهم وطاعة ربهم ، وكذلك فيه اللزوم؛ لأن العكوف في المكان هو اللزوم والإقامة، بمعنى أن النية والبقاء في المسجد وعدم الخروج منه هو تتمة شرط الاعتكاف؛ لأنه اعتكاف على وجه خاص ثبت عن رسول الله ﵊، فلا يخرج إلا لحاجة، والحاجة قضاء الحاجة أو طعام وشراب لابد له منه، ويقتصر على القليل منه؛ لأن بعض الناس يعتكف ويخرج للطعام والشراب فيغيب الساعات ويذهب إلى هذا المكان وإلى ذلك المكان، أو يذهب ويخرج لأي غرض فيأخذ منه أعلاه لا أدناه، فيكاد يكون قد قصر كثيراً في اعتكافه، بل قال العلماء -على خلاف بينهم-: إنه لا يخرج لشهود أو لتشييع الجنائز؛ لأن تشييع الجنازة سنة، وهو -أيضاً- في سنة، وهي مؤكدة بفعل النبي ﷺ ، وغيره من غير المعتكفين سيشيعون. فهذه مسألة مهمة.

стр. 319

بعض الأمور التي يتم بها الاعتكاف من الأمور المهمة التي يتم بها الاعتكاف والتي هي من دلائل لزوم المسجد ترك البيع والشراء، فلا يبيع ولا يشتري؛ لأن هذا محظور في المساجد، وهو -أيضاً- في الاعتكاف محظور بوجه آخر. ومنه اعتزال النساء، ويدخل في هذا كل ما يتصل بتحقيق العكوف واللزوم على العبادة والاقتصار عليها، ولذلك قالوا: من المكروه أن يتحدث في أمور الدنيا وأن ينشغل بها، وذلك أمر معلوم فيه هذا المعنى، بل قد قال بعض أهل العلم: إنه في الاعتكاف يترك إقراء القرآن -يعني: تعليم القرآن- ودروس العلم، فلا ينشغل إلا بالطاعة الذاتية التي يقوم بها بنفسه من الدعاء وتلاوة القرآن والذكر والصلاة، ويستكثر من ذلك، وينشغل بنفسه مع ربه، ولا ينشغل مع الناس فيما قد يكون من الأمور التي هي معروفة ومعهودة، وهذا الأمر فيه دلالة على هذا المعنى. وحكم الاعتكاف أنه سنة مؤكدة مستحبة، وليس واجباً قطعاً؛ لأنه فعله النبي ﵊ وواظب عليه وتابعه عليه نساؤه وأهل بيته ولم يأمر به.

стр. 320

الشروط المطلوبة في المعتكف والمعتكف لابد له من شروط، منها: أن يكون مسلما ومميزاً، وأن يكون في أثناء أدائه للعبادات حريصاً على الطهارة، خاصة الطهارة من الحدث الأكبر؛ لأنه لا يجوز له اللبث والمكث في المسجد إلا إذا كان على طهارة، واشتراط المسجد هو الصحيح؛ لحديث عائشة عن النبي ﷺ : (أنه كان يدخل إليها رأسه وهو معتكف فترجله) ولو أن الخروج من المسجد لمثل هذه الحاجة جائز لفعله النبي ﷺ .

стр. 321

شروط المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف والمسجد الذي يصح فيه الاعتكاف اشترط له أكثر العلماء أن يكون مسجداً تقام فيه الجماعات؛ لأنه لو كان مسجداً من المساجد التي على طريق السفر أو لا يصلى فيها الجماعة فإنه لا يعتبر فيه الاعتكاف ولا يعتد به؛ لأن المعتكف لم يؤد الجماعة، ولأنه نوع من الترهب أو صورة من صور اعتزال المسلمين، لذلك لابد من أن تصلى فيه الجماعة، وبعض هذا قد دلت عليه بعض أحاديث النبي ﷺ كما وردت به بعض كتب السنة.

стр. 322

مدة الاعتكاف في العشر الأواخر وفي غيرها المدة المخصصة للاعتكاف في العشر الأواخر تبدأ من مغرب يوم العشرين، فقد كان النبي ﷺ يدخل في ذلك الوقت إلى معتكفه، فلا يخرج إلا إذا دخل شهر شوال، أي: إذا رؤي هلال شوال وثبت انتهاء رمضان. فهذه هي العشر التامة الكاملة. أما مدة الاعتكاف في أي وقت من الزمان فكثير من العلماء قالوا: لابد من أن يكون الاعتكاف يوماً وليلة. أي أن أقله يوم وليلة. وأجاز بعضهم أنه يعتكف أي وقت متى نوى ذلك، بمعنى: لو أنه دخل إلى صلاة الظهر ونوى أن يبقى في المسجد إلى صلاة العشاء فهو في هذا معتكف، وهذا على خلاف بين العلماء كما ذكرنا. والعلماء الذين قالوا بأن أقله يوم وليلة إنما قصدوا اليوم والليلة لأن التفرغ ولزوم العبادة لابد من أن يكون له صورة واضحة، وذلك في أنه قطع أمره وحياته وتفرغ للعبادة، فيوم وليلة يكون قد عطل عمله وعطل صلته بأهله، فيوم وليلة يصدق فيه مثل ذلك.

стр. 323

رحمة الله أمة الإسلام بليلة القدر وأما بالنسبة لليلة القدر فوقفتنا الأخيرة معها بعد أن ذكرنا الاعتكاف، ففي ليلة القدر عدة أمور: أولها: رحمة الله ومنته على أمة محمد ﵊ بأن جعل لها ليلة هي خير من ألف شهر، وقد ورد حديث عن النبي ﷺ أنه: (أري أعمار الناس قبله -أي: الأمم السابقة- فكأنه تقاصر أعمار أمته، فرأى أنهم لم يبلغوا من العمل ما بلغته أمم سابقة، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر) روى هذا الحديث الإمام مالك في موطئه.

стр. 324

ارتباط الخير بصلاح العباد والأمر الثاني أن الله جعل تنزل الخير مرتبطاً بصلاح العباد، ورفعه مرتبطاً أيضاً بما يقع منهم من الخلل، وقد صح أن النبي ﷺ خرج إلى الصحابة وكان اثنان قد تلاحيا -أي: تخاصما- وعلت أصواتهما في المسجد، فقال ﵊: (كنت أريت ليلة القدر -يعني: تحديدها على وجه التخصيص- فتلاحا فلان وفلان من الناس فرفعت) أي: رفع تعيينها. وهذا ينبهنا إلى أن ما نقع فيه من المعاصي والأخطاء يصرف عنا بقدره من رحمة الله ونعمته، فلنحذر من ذلك.

стр. 325

الحكمة في إخفاء تعيين ليلة القدر الأمر الثالث: إخفاء ليلة القدر حكمته ظاهرة، وهي أن يبقى الناس يجدون في الطاعات، ويتحرون الليالي والأيام في العشر كلها بغية تحديد ليلة القدر، ولو كانت محددة لتفرغ الناس في ليلة القدر وعملوا كل ما عندهم من جهد وطاعة، وربما كسلوا وفتروا في بقية الأيام والليالي، فالله من رحمته أن جعل خفاء ليلة القدر تنشيطاً لعباده في عبادته؛ حتى يعظم أجرهم ويزداد فضله عليهم، وهذا أيضاً واضح.

стр. 326

تحديد ليلة القدر هناك أحاديث دلت على أن ليلة القدر في العشر الأواخر، وأنها في الوتر من العشر الأواخر قطعاً، وأما ما ورد بعد ذلك فهناك أحاديث كثيرة ورد فيها ما يشير إلى أنها في ليلة الثالث والعشرين، أو الخامس والعشرين، أو الحادي والعشرين، أو السابع والعشرين، وقد ورد الحديث عن النبي ﵊ من رواية ابن عمر ﵂ قال: (إن رجالاً من أصحاب النبي ﵊ أُروا ليلة القدر في المنام -يعني: رأوا أن هذه هي ليلة القدر- فقال ﵊: إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) وهذا حديث صحيح رواه الخمسة إلا الترمذي. وقال ﵊ -أيضاً- في حديث آخر من رواية عائشة: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) وهذا عند البخاري ومسلم. وفي رواية ابن عباس قال ﵊: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى)، وغير ذلك مما ذكره ﵊ في هذا. وقد ورد -أيضاً- في بعض آثار الصحابة أن بعضهم غلب أو رجح أنها في ليلة السابع والعشرين، كما جاء عن أبي بن كعب ﵁.

стр. 327

فضل ليلة القدر وهكذا نجد في نعمة الله في ليلة القدر أنه جعل أجرها وثوابها خيراً من ألف شهر من جهة، ومن جهة أن الله يغفر فيها من الذنوب والخطايا ذنوب العام كله، وذلك بفضله ما اجتنبت الكبائر، كما ورد في حديث رسول الله ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وهذا فضل من الله عظيم.

стр. 328

أهمية الجد والاجتهاد في العشر الأواخر وهنا أنتهي إلى مسألة التوجيه والتوصية والتذكير: أولاً: اعقد العزم والنية على أن تكون هذه العشر الأواخر غير العشرين التي سبقت من رمضان، أي: غيرها في العمل والجد والاجتهاد وتفريغ الأوقات. الأمر الثاني: اعقد النية على أن تكون هذه العشر الأواخر خيراً من العشر الأواخر بالنسبة لك في رمضان الذي مضى، فحاول أن تزيد وأن تفعل وأن تهيئ من الأسباب ما لم يكن في رمضان الذي مضى بالنسبة لك. الأمر الثالث -وهذا أؤكد عليه كثيراً-: فرغ نفسك للعشر، وليس بالضرورة الآن التكلم عن الاعتكاف، ومعنى ذلك: أن ما تريد شراءه فاشتره قبل العشر، وما تريد قضاءه فاقضه قبلها، وبعض أشغالك أنجزها حتى لا تزاحم العشر؛ لأنها عشر في العام فقط، فهي عشرة أيام من ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، ومع ذلك نزاحمها بشراء حذاء أو بشراء ثوب، وكأن الأيام قد قلت، وكأنه لا يصلح الشراء إلا في هذه الأيام، وليس هذا لك وحدك، بل لك ولأهلك جميعاً. وأظن أننا جميعاً نتفق على أن الإجماع منعقد بلا خلاف على أنه يجوز الشراء في غير العشر الأواخر، وهذا أقوله على سبيل المداعبة، لكنه صحيح؛ لأن بعض الناس حاله كأنه لا يجوز أن يشتري إلا في العشر الأواخر أو في ليلة العيد، كما نسمع من بعض الناس، ولذلك يكثر أهل الأسواق من مواصلة العمل إلى قبيل الفجر أو إلى الفجر، ويكثر زحام الناس في الأسواق في هذه العشر، وهذا -والعياذ بالله- من سوء العمل ومن سوء الحال، نسأل الله السلامة. ففي الوقت الذي تفتح فيه أبواب الرحمة والمغفرة ويدعونا رسولنا ﵊ بسنته للطاعة وغير ذلك نحن نعرض عن هذا كله، أو بعضنا يعرض عن هذا كله، ويكون على غير هذه الحال!

стр. 329

أهمية الحرص على الاعتكاف بقدر الاستطاعة الأمر الرابع: لنحرص على الاعتكاف ولو لمدة لا تشمل العشر كلها؛ لأن بعض إخواننا لديهم أعمال ووظائف لا يستطيعون أن يتركوها، وهم موظفون ليسوا أصحاب أعمال وأرباب أعمال حتى يفرغوا أنفسهم، لكن أقول: افعل أحد أمرين: الأول: اعتكف ولو لم يبق إلا يومان من آخر الشهر؛ حيث إن بعض الشركات تعطي إجازة آخر يومين أو آخر ثلاثة أيام، فاحرص على أن تعتكف ولو يومين أو ثلاثة لتنال أجراً، وما لا يدرك جله لا يترك كله. الأمر الثاني: من لم يستطع فليعتكف في كل يوم أكثر الوقت الذي ليس في عمله، فليخرج من عمله إلى المسجد، وليبق في المسجد إلى اليوم التالي، بمعنى: أن يبقى في المسجد -مثلاً- من بعد الظهر أو العصر عندما ينتهي عمله فيعتكف ويصلي التراويح، ويبقى في المسجد إلى الفجر، ويأكل ما تيسر له من السحور، ويصلي الفجر، ثم ينام قليلاً، ثم يذهب إلى عمله، فكأنه معتكف؛ لأنه في ضرورة في العمل الذي يجب عليه أداؤه لأصحاب العمل، وهذه صورة على أقل تقدير من الناحية الإيمانية والتعبدية يحصل فيها خير كثير؛ لأن بعض الناس يجد فرصة للاعتكاف ويبقى في بيته، وبالتالي يبقى كحاله في سائر أيامه في غير العشر، وهذا ما لا ينبغي أن يكون عليه الإنسان.

стр. 330

أهمية محاسبة النفس في العشر الأواخر الأمر الأخير الذي أحب أن أشير إليه أن عليك أن تهتم بجانبين اثنين في هذه العشر وعند الاعتكاف: جانب المراجعة والمحاسبة الإيجابية، أي: أن تقول: ما مضى فات وإن شاء الله تعالى سيغفر. وتهيأ لمزيد من البذل والعمل بشكل أفضل بإذنه . والأمر الثاني: أن يأخذ الإنسان لنفسه حظاً من هذه العشر فيما يتعلق بحال نفسه في قلبه ونفسه وفي روحه وفي حال أمته فيما يمكن أن يبذله وأن يعمله لنصرة هذا الدين ونصرة هذه الأمة بكل حال من الأحوال، فلعل بعض هذه الخواطر والتأملات تكون نافعة لنا ومذكرة. نسأل الله كما بلغنا أول الشهر أن يبلغنا العشر، وكما وفقنا فيه للقيام والصيام أن يوفقنا لمزيد من الطاعة والعمل والبذل، وأن ييسر لنا ما يتيسر وما نوفق له من الاعتكاف وكثرة الطاعة والعبادة، وأن يجعل هذه العشر عشر ختام يغفر بها الذنب، وتقال بها العثرة بإذنه ، وأن نكون فيها من العتقاء من النار. ونسأله أن يجعلنا ممن يوافي ويوافق ليلة القدر ويعظم له الأجر ويمحى عنه الوزر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم وسلم- على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 331

بين العزائم والهزائم يا لله ماذا تفعل الهمم العالية بأصحابها! وإلى أي مقام توصلهم! فمازال أصحاب العزائم القوية يترقون من منزلة إلى منزلة حتى وصلوا إلى محبة الله ورضوانه، وهذه غاية ما يتطلع إليه ذوو النفوس الزكية، والعزائم الأبية، إلا أن هذه العزيمة لا يتحصل عليها المرء إلا إذا كانت لديه نية صادقة، وقطع عن نفسه كل العوائق التي تعوقها.

стр. 332

النفس بين قوة العزيمة ومرارة الهزيمة الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، وطمأن القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، له الحمد أن وفقنا بالإسلام إلى الطاعة، وهدانا بالإيمان إلى الاستقامة، وأمدنا من اليقين بالقوة، ووفقنا بالإسلام إلى العزيمة الصادقة والهمة العالية. له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وعلى صحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 333

أين الخلل أيها الإخوة المؤمنون! في مثل هذه الأيام من كل عام يدور بالخواطر والعقول، ويجيش في المشاعر والنفوس، ويتغير إلى حد ما في واقع الأحوال والأعمال شيء في واقعنا العام، وفي حال كل فرد منا، فنحن مع هذا الموسم العظيم، والفريضة الجليلة، والأيام المباركة، والعبادات الصالحة، نعزم عزائم وننوي نوايا ونجدد عهوداً، ونحدث في عقولنا ونفوسنا صوراً مشرقة وضيئة لصفحات قادمة جديدة، ولا أظن أحداً منا لن يمر به مثل ذلك، سواء من حج وعظم أمله في مغفرة ذنوبه، وبداية صفحة جديدة، أو من لمن يحج واغتنم ذلك الموسم العظيم، والعشر الفاضلة، بصيام وقيام وذكر وإنفاق وطاعة وأضحية وتقرب إلى الله . لكن السؤال هنا: كم من همة علت ثم سفلت؟ وكم من عزيمة أبرمت ثم نقضت؟ وكم من صحيفة جديدة فتحت ثم أغلقت؟ ما القصة إذاً؟! هل نحن نكذب؟! وعلى من نكذب؟! هل نكذب على أنفسنا؟! فمثل هذا غباء، أم نكذب على الخلق؟! فإن هذا هو عين الرياء، أم نكذب -عياذاً بالله- على الله؟! فإن هذا هو محض الافتراء. ما القصة إذاً؟! لا أظن أحداً عندما عزم تلك العزائم ونوى تلك النوايا كان كاذباً، بل كان في أعظم لحظات صدقه، وأصفى لحظات تجرده، وأصدق لحظات إخلاصه، ما الأمر إذاً؟! هل نحن جاهلون لا نعرف وجوب الفرائض أو لا نعرف حرمة المنكرات؟! هل نحن لا نعرف فضيلة الأعمال في الصفوف الأولى أو في الصلوات أو في الإنفاق والزكوات! هل منا أحد يجهل هذه الأصول العامة التي تحرك إيمان القلوب، وتبعث همم النفوس، وتمضي الأعمال في واقع الحياة؟ أظن أن أكثرنا -إن لم يكن كلنا- لا يجهل مثل ذلك، فأين المكمن والخطر؟ وأين الداء والمرض؟ وما بالنا نمضي ثم نتوقف؟ ونتقدم ثم نقهقر؟ سؤال أعتقد أنه الآن وضح في أذهانكم، وتشوقنا جميعاً إلى أن نبحث عن إجابته، وإلى أن نعرف العلة، وهنا سنعرف الأمر، والفرق بين العزائم والهزائم. كيف تمضي العزائم إلى آفاقها السامية، وإلى ذراها العالية، ولا تعود هزائم تضعف بها الهمم، ويتضعضع بها اليقين، وتزوي بها شمعة الإيمان في القلوب. هنا أمر مهم، وهنا مكمن خطر عظيم، أحسب أنه بالنسبة لنا هو الداء الدوي، ومكمن والخطر الخفي، إنه ضعف العزيمة والإرادة، إنه الكسل والخور والعجز، إنه الاستسلام للضعف والراحة والدعة، إنه الركون إلى الدنيا والاغترار والانشغال بها، إنه قطعاً ليس جهلاً؛ فنحن بحمد الله نعرف الأحكام الأساسية، من واجبات ومحرمات ومن فضائل الأعمال وما يقابلها من رذائل المنكرات، إذن فهنا وقفتنا المهمة بين العزائم والهزائم.

стр. 334

كمال الإنسان بهمة ترقيه وعلم يهديه يقول ابن القيم ﵀: كمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: ١ - همة ترقيه. ٢ - وعلم يبصره ويهديه. علم تقع به البصيرة، وتتضح به طريق الهداية، لكن ذلك لا يكفي، فإن الطريق واضحة، وإن المعالم ظاهرة، لكن العزائم ضعيفة خائرة، والهمم باردة فاترة، فلا تبعث حينئذٍ قوة للحركة ولا عزيمة للمضي، ومن هنا لابد من همة ترقي بعد علم يهدي. وهنا كذلك يبين ابن القيم ﵀: أن الهمة مبدأ الإرادة، وأن أعلى الهمم في باب الإرادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف على مراده الديني الأمري، فمن فعل ذلك فإنه يريد الله ويريد مراده، وحينئذٍ تحصل الفائدة الأولى وهي التوجه الصحيح إلى الغاية المنشودة. ومبدأ كل طريق تسلكه أن تعرف الغاية التي تنتهي إليها، والطريق الموصل إلى هذه الغاية، ومن هنا فإنه لابد لنا أن ننتبه إلى ذلك، ونحن ندرك تماماً أن إيجاز القول في هذا جاء في كتاب الله في آيات كثيرة، من أظهرها قول الحق في بيان حقيقة هذه الحياة كلها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. إذاً لابد أن نوجه الغاية، ونحدد المسار الواضح في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، تلك هي الغاية: محبة الله وطلب رضوانه، وتلك هي الطريق التي رسمها سيد الخلق ﷺ ، فنحن نترسم خطاه، ونتبع سنته، ونعرف طريقته، ونترسم منهجه، وندرك كيف عالج أدواء القلوب، وأمراض النفوس، وضلال وزيغ العقول، وانحراف المشاعر والعواطف، واختلال العلائق والروابط. ثم أمضي مرة أخرى لنرى المكمن الذي نتحدث عنه، وهو ضعف الهمة والعزيمة، ذلك أنّا إذا بدأنا شيئاً لم نمش فيه خطوات حتى نتوقف أو نتراجع، إن هذه المسألة متعلقة أولاً بالبواعث النفسية القلبية، بالإيمان واليقين، بالمحركات والعواطف الإيمانية شوقاً إلى الله، وصدقاً في التعامل معه، وقوة في الثقة به والاعتماد عليه والتوكل عليه، تلك هي المشاعر الأولى.

стр. 335

مدى أثر النية في استنهاض الهمة يقول الغزالي ﵀: (النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحداً، وهي حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل، العلم يقدمه لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه، وكل عمل لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة، لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلابد وأن يعلم، ولا يعلم ما لم يرد، فلابد له من إرادة، ومعنى الإرادة: انبعاث القلب إلى ما يراه موافقاً للغرض إما في الحال وإما في المآل). ذلك فهم دقيق، إن خفايا النفوس والقلوب تكمن في هذا الأمر، فإن صدق الإيمان، ورسخ اليقين، وخلصت النية، وجدت الهمة والعزيمة المرتبطة بالغاية الصحيحة، وهي رضوان الله ، والمؤسسة على العلم الصحيح من كتاب الله وهدي رسوله ﷺ ، فحينئذٍ اكتملت أسباب المسيرة الصحيحة بهمتها العالية، وعزيمتها الماضية، ومنهجيتها الواضحة، كما كان على ذلك رسول الهدى ﷺ ، وصحابته الكرام. نحن نرى في سيرهم، وفي سير كل المؤمنين إلى عصرنا هذا فكيف نرى الشوق إلى طاعة الله، كيف نرى الصبر والثبات على دين الله، كيف نرى الهمة والعزيمة في طاعة الله، أين وقود ذلك؟ إنه هذه المشاعر الإيمانية التي مبعثها القلب، بدءاًً من همة تتوجه نحو الله ورضوانه، وإرادة تريد الإقدام في إنفاذ الأمر واجتناب النهي، حتى يكون لنا ذلك السمت الذي يتقدم ولا يتأخر ولا ينقص، ونسأل الله أن يعيننا عليه، والإنسان قد يصاب بالعجز إذا ضعف يقينه، ولكنه إذا تعلقت نفسه وأيقنت بمقابلة ربها في الآخرة اختلف الأمر. كيف تنفق المال وتتخلى عنه إذا عظم يقينك بأنك تلقاه يوم القيامة أضعافاً مضاعفة؟! كيف تترك راحتك وتقوم ليلك وتضني جسدك إذا علمت أن ذلك يكون لك خيراً في دنياك وأخراك؟! إذا عرفت الأجور والثواب، إذا عرفت البركة والتوفيق، إذا عرفت الهدى والتسديد، إذا عرفت كل هذه الثمرات تحركت همتك وانبعثت، ولذلك ينبغي لنا أن نعلق القلوب بالآخرة حتى نصل إلى مرتبة الإيمان كما كان الصحابة، لقد جادوا بأنفسهم وأرواحهم طلباً لحياة خالدة لا تنقطع، تركوا نعيم الدنيا لنعيم لا ينفذ. وكان سيد الخلق ﷺ يبيت اليوم واليومين والثلاثة ولا يوقد في بيته نار، وكان لو شاء لدعا أن يحيل الله له الصفا والمروة ذهباً، ولكنه قال: آكل يوماً وأجوع يوماً؛ لأن ما عند الله أعظم، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل:٩٦]، يوم نحرر هذه المعادلة تحريراً علمياً ونترجمها إلى شعور نفسي يستولي على القلب والنفس، فحينئذٍ يكون انطلاق عظيم بإذن الله . ثم ننظر كذلك إلى أمر الدعاء والاستعانة بالله ، فإن الإنسان ليس له من أمر يحققه إلا بعون الله : إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

стр. 336

عوائق في الطريق ولنعرف العوائق في آخر كلمة في هذا المقام، إنها كما أوجزها ابن الجوزي ﵀ بقوله: (رؤية الهوى العاجل، والتسويف بالتوبة، ورجاء الرحمة). ورجاء الرحمة ليس فيه شيء، لكنه دون معرفة العقوبة، رؤية الهوى العاجل، أي: رؤية الشهوة واللذة بمشاعر الهوى والمحبة، فإنها تعمي البصر والبصيرة عن الأخطار والأضرار في تلك المعاصي. إن الشهوة تدعو إلى ممارسة الفاحشة بالزنا عند من ينظر إليها بالهوى، فلا يراها إلا جمالاً مشرقاً، ولذة جميلة، وهوى ومحبة رائعة، لكنه ينسى حينئذٍ -وقد غشي على بصره- الأضرار النفسية والقلبية والشرعية والعقوبات، وكأنه لا يعرفها مع أنه يعرفها. لذلك فإن رؤية الهوى العاجل خطر، فانظر في كل شهوة ولذة إلى ما وراءها، وإلى صورتها الحقيقية في دين الله ، بل وفي واقع حياة الإنسان وفطرته السوية. ثم كذلك تسويف التوبة وتأخيرها، فإنه لو حضر العقل لحذر من آفات التأخير، فربما هجم الموت قبل التوبة. وأخيراً بالنسبة لرجاء الرحمة فالمقصود به مع نسيان العقاب، والله جل وعلا قد بين أنه هو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، فالله الله ونحن في هذه الأيام المباركة، وبعد هذه الفريضة العظيمة، وهذا الموسم الجليل، وقرب انتهاء عام وابتداء عام أن نجدد النية والعزيمة، ونصدق الله في أن نغير أحوالنا إلى الأفضل والأحسن، وأن نقوي عزائمنا وهممنا، وأن نعزم على ألا نستسلم لضعفنا وكسلنا، وأن نحيط أنفسنا وإيماننا بسياج منيع مباعدةً للمعاصي والمنكرات، والترفع والتورع عن الشبهات، بل وكثير من المباحات. أسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يحفظ إيماننا ويزيده ويعظمه، وأن يرسخ يقيننا ويثبته، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يوفقنا للطاعات، وأن يصرف عنا الشرور والسيئات. اللهم إنا نسألك أن تأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن تلهمنا الرشد والصواب، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا اللهم من الظلمات إلى النور. اللهم اجعل لنا من نور الإيمان ما يكشف الشبهات، واجعل لنا من محبة الطاعات ما يقوي العزائم والهمم، واجعل لنا اللهم من معرفة مغبة وأثر الذنوب ما يصرفنا ويبعدنا عنها يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وأمح أوزارنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين، اجعل لهم اللهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم استر بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه، واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد: الله صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام أصحاب الحضوة الرفيعة والمقام الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين. اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

стр. 337

بين يدي الحملة الوطنية إن الحملات الدعائية والإعلامية والثقافية ضد الإسلام وأهله قد بلغت مبلغها، فحاربت الفضيلة، ونشرت الرذيلة، ولا مخرج من هذا كله إلا بالالتزام بشرع الله، والتأدب بآداب الشرع الإسلامي الحنيف، وعلاج الأمراض والمشاكل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص والتعاون والالتزام بالشرع.

стр. 338

وقفات في معالجة الأمراض وحل المشاكل الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعم نواله، وظهرت حكمته، واتسعت رحمته، له الحمد ، لا رادّ لقضائه، ولا مانع لعطائه، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، نحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد جل وعلا ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! كلنا يسمع في هذه الأيام عن حملة عامة ومؤتمر كبير حول قضية الإرهاب، وأعلم أن كثيرين من الناس يقولون: قد سمعنا كثيراً، وكان مما سمعنا مبالغات وخلط في بعض الأمور، وإن ثمة حاجات أخرى كثيرة نحتاج فيها إلى العلم والبصيرة، وهذه وقفات بين يدي هذه الحملة. ولا شك أن رسالة المسجد أوسع وأشمل، بحيث تعنى بكل ما تحتاجه الأمة، وما يجد في واقعها، وما يكون مسبباً لأي عارض أو مشكلة فيها، وكما أسلفت من قبل فإن لسان المنبر أصدق قولاً، وأخلص قصداً، وهو من جهة أخرى أنأى عن مغالطات إعلامية، أو مزايدات سياسية، أو ضغوطات اقتصادية، أو غير ذلك. ولعلنا -ونحن ندلي بهذه الوقفات- نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم من جهة، ونافعة لنا جميعاً ولأمتنا من جهة أخرى، فإن ما سأذكره يصلح أن يكون نبراساً لنا ولكل فرد منا في حياته العامة، وفي معالجته لمشكلاته ونظرته إليها.

стр. 339

المصارحة والمناصحة لا المزايدة والمبالغة وأول ما أبدأ به: المصارحة والمناصحة لا المزايدة والمبالغة: فإننا في أوقات المحن، وفي ظروف الفتن نحتاج إلى مصارحة ليس فيها مغالطة، وإلى مناصحة ليست مغطاة بالمجاملة، إذ في مثل هذا يتجلى موقف الإخلاص، ويظهر موقف الثبات، وتتجلى أحياناً صور غير مرغوب فيها، وليست بنافعة في واقع الحال من المزايدة والمنافقة والمجاملة في غير موضعها؛ لأن المسلم في أول الأمر وآخره إنما ينطلق من إخلاصه لله، وابتغائه لرضوان الله، وموافقته لنهج رسول الله ﷺ ، وقصده للمصلحة العامة للمسلمين، وذلك ما ينبغي أن يكون، وذلك ما نعلمه من ديننا، وما أوصى به النبي ﷺ في حديثه العظيم الذي يحفظه أكثر الناس: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم). سمت دائم، وصفة غالبة، وخصيصة ظاهرة لمجتمع الأمة الإسلامية، قوم يتناصحون بالحق والصدق والعدل، وبالأسلوب الذي فيه الحكمة، ومراعاة الظروف والأحوال، لا يغشون كما قال الحسن: المؤمنون بعضهم لبعض نصحة، والمنافقون بعضهم لبعض غششة، يغشون ولو بنفاق، ويغشون ولو بمغالطات ومزايدات ومبالغات، وذلك ما لا يكون من المسلم. ولعل لنا وقفة مع حديث جليل عظيم رواه غير واحد من أهل السنن من رواية ابن مسعود ﵁، ومن رواية أبي الدرداء، ومن رواية زيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة بألفاظ مختلفة متقاربة: عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الهدى ﷺ أنه قال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم) وفي رواية أخرى: (لا يغل عليهن صدر مسلم، مناصحة أولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم) وفي رواية الدارمي: (والنصيحة لكل مسلم). وهذا حديث عظيم في علاج كل قضية تعرض لك حتى ولو كانت فردية في دائرتك أو أسرتك: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم) أي: إذا وجدت لديه لم يدخل إلى قلبه حقد ولا خيانة، فلا يكون حينئذٍ منتصراً لنفسه، ولا معتدياً على غيره، ولا خائناً لدينه أو أمته، ما هي هذه الثلاثة يا رسول الهدى؟ قال: (إخلاص العمل لله) وذلك هو سبب النجاة، فإن الإخلاص طريق الخلاص، وإن التجرد مطية التقرب، وإن أحداً يشرك في عمله غير الله يحرم من التوفيق شيئاً كثيراً، وقد ورد حديث قدسي عن رب العزة والجلال أنه قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فمن أراد غير وجه الله من ظهور إعلامي، أو لفت نظر لبروز شخصي، أو منافقة ومداهنة لمصلحة يقصدها، فذاك لا يوفق لعلاج وحل أشكال، كما أنه في غالب الأحوال يحرم من التوفيق والهدى والبصيرة؛ لأن الإخلاص هو المؤشر والقائد الذي يسدد الأعمال، ويصوب الأقوال، ويسدد الآراء بإذن الله ، وهو الذي يجرد الإنسان من هوى نفسه وحظها؛ ليكون حينئذ أقرب إلى إصابة الحق، وإدراك الصواب بإذنه جل وعلا. والنصح لولاة أمر المسلمين، وذلك لأن هذا معقداً من معاقد الخير والصلاح في الأمة، وتلك المناصحة بأساليبها الشرعية، وبطرائقها التي سرى وجرى عليها أئمة المسلمين، ومن خلال من يحسن ذلك ويتقنه من أهل العلم، ومن أهل الحل والعقد، لكنها قضية مهمة، حتى من تسلم منبراً كهذا أو غيره من المنابر عبر الصحافة أو الشاشات أو الإذاعات يجب عليه أن يخلص في قوله، وأن يسدي النصح كاملاً بأسلوبه الصحيح، ومنهجيته الشرعية المنضبطة، فإن أحداً سيما في أوقات يكون فيها بعض الإشكال أو الفتن أو المحن لا يحتاج إلى مزيد من المغالطات أو المجاملات بقدر حاجته إلى وضع النقاط على الحروف، وإلى بيان الحق بالأسلوب المعتدل المتوسط، الذي كان يقول به رسول الله ﷺ ، فكان يعرض في وقت يحسن فيه التعريض، ويصرح في وقت يصلح فيه التصريح، ويعالج الأمر بكل ما يؤدي إلى حصول المقصود ومنع المفاسد. ونلحظ كذلك من بعد ما أوصى به النبي ﷺ : (ولزوم جماعتهم) وهنا لا نقول همسة، بل صرخة لكل من يرى اعوجاجاً ويريد تقويمه، أو خطأً ويريد تصويبه، فليدرك أنه لا ينبغي أن يخرجه نقده ولا نصحه ولا ظنه بأنه يأمر بمعروف أو ينكر منكراً، وأن ذلك ينبغي أن يكون منضبطاً بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج عنها، وعدم شق صفها، وعدم إثارة البلبلة والفتن فيها، فإن رأى أن منكراً ينكره، أو قولاً يقوله قد يحصل به مثل ذلك، وتعظم به الفتنة، وتكبر به الشقة، ويستعدى به أعداء الإسلام على أهل الإسلام، فإن إمساكه عن ذلك النهي عن المنكر هو الواجب الشرعي في حقه، لأنه إذا عظمت المفاسد وقلت المصالح يجب الإمساك عن ذلك الفعل. وإن المؤمن لا يندفع مع دوافع طبعه، ولا مع ردود فعله، ولا مع عواطف نفسه، إن أخذته الحمية أو الغيرة الإيمانية والإسلامية فليعلم أنه منضبط بضابط الشريعة الإسلامية، وكم كان من مواقف الصحابة والسلف رضوان الله عليهم ما أمسكوا به عن أمور كانوا يرون أن إنفاذها موافق للشرع، لكنه في وقت وحال معين قد يكون مترتباً عليها أعظم مما يراد من المصالح فتركوه، بل إن رسول الهدى ﷺ قد سن ذلك وشرعه، وبينه كما في الصحيح عند البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : (لولا أن قومك حديثو عهدهم بإسلام لنقضت الكعبة، وأعدت بناءها على بناء إبراهيم، وجعلت لها بابين) وقد بوب البخاري على هذا الحديث: باب ترك الأمر مخافة أن يؤدي إلى ما هو أعظم منه، واستنبط ذلك ابن حجر وغيره من العلماء، فإن الرسول ترك ذلك لأنه سيؤدي إلى أمر أعظم من تحقيق تلك المصلحة. وغير ذلك قد قال به أهل العلم كالإمام أحمد في أحاديث الأئمة، وكالإمام مالك في أحاديث الصفات، وكالإمام محمد بن الحسن في الغرائب، أمسك بعضهم حتى عن رواية الأحاديث لعامة الناس إذا كان الوقت يسبق فيه إلى الأذهان أفهام خاطئة، وقد ذكر الشاطبي ﵀: أن ذكر القول في غير موضعه مما يترتب عليه الفهوم والأعمال الخاطئة ضرب من ضروب البدع، واستشهد بقول علي ﵁ في الصحيح: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وقول ابن مسعود ﵁ عند مسلم في الصحيح: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). وهذه كما قلت صرخة لا همسة لكل من تحمله الغيرة والحمية على الإسلام وأهله أن يعرف أن الأمر ليس باختياره، وأنه لا بد أن ينضبط بهذا الضابط، وهذا الضابط يجمع الأمة ولا يفرقها، ويوحدها ولا يضعفها، ويجعل الإصلاح من داخلها وليس من خارجها، ومن شق عصا الطاعة وفرق الجماعة فإن الخلل في فعله والضرر من إصلاحه أعظم، وتترتب عليه من المفاسد ما الله به عليم.

стр. 340

الرفق والحكمة لا العنف والشدة الثاني: الرفق والحكمة لا العنف والشدة: فإن معالجة الأمور تقتضي ذلك، وإنه ليس ينفعنا أن نعظم الصراخ، وأن نجدد الهجوم على من نرى خطأه، وإنما كيف نتأتى للأمور من طرقها السليمة والصحيحة، فإن الرفق مظنة الحكمة، وإن الحكمة مع الرفق يمكن أن تكشف نوراً تكون به البصيرة، وتعرف به الحقائق، وتلتمس وتكتشف به الأسباب، وأما الفورة والحماسة مع السرعة والشدة غالباً ما تفوت كثيراً من هذه المصالح، وكثيراً مما نحتاج إليه في مثل هذه المواقف، والله جل وعلا قال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، وذلك بعد أن بين الحق أنه من ظلم فله الحق أن ينتصر لنفسه، لكن الآية ختمت بذلك، وقال السعدي في تفسيره معلقاً: صبر على ما ينال من أذى الخلق، وغفر لهم بأن سمح لهم عما يصدر عنهم. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] أي: من الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزم والهمم وذوي الألباب والبصائر، فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه ومغفرته، ومقابلته بالإحسان أشق وأشق، ولكنه أنفع في الوقت نفسه. وهذا المعلم الأعظم الذي هو قدوتنا المثلى ﵊ يدخل عليه بعض اليهود ويسلمون عليه سلاماً مغموساً فيه حقدهم، فيقولون: (السام عليك -بدلاً من السلام عليك، ويقصدون: الموت لك- فيرد المصطفى ﷺ بقوله: وعليكم، ثم إذا بـ عائشة بعد خروجهم تبدي غيظها وتتكلم، فيطالبها الرسول ﵊ بالهدوء والرفق، فتقول: يا رسول الله! ألم تسمع ما يقولون لك؟! فيقول: يا عائشة! أما سمعت ما قلت لهم؟ قلت لهم: وعليكم) وكان هذا من هدوئه وحكمته ﷺ ، ثم قال في هذا الحديث لـ عائشة: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله). وفي رواية البخاري أيضاً من حديث عائشة: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)، وعند مسلم من رواية عائشة أيضاً: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)، والحديث عند الترمذي أيضاً من رواية أبي الدرداء: أنه ﷺ قال: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير)، وذلك يدلنا على أن الرفق والأناة مفضية إلى القدرة على التركيز والإدراك والتفكير الصائب المتزن الذي يقع به بإذن الله الوصول إلى الحق والصواب. وجاء من حديث عائشة عند مسلم أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، كأمر المدرس مع تلاميذه إن أخطئوا وأراد تقويمهم، فإن أخذ بالرفق والحكمة كان ذلك زيناً له، وسمة تزيده إجلالاً واحتراماً عندهم، فإذا طاش واندفع مع دواعي طبعه فإن ذلك يظهره في صورة غير محمودة لمعلم ومربٍ لتلاميذه، ومثل ذلك في الأب مع أبنائه، ومثل ذلك في المسئول مع مسئوليه، ومثل ذلك في الراعي مع الرعية، فإن الرفق عظيم يعالج الأمور ويحسمها. ولا يعني الرفق ترك العقوبات لمن استحقها واستوجبها، فإن النبي ﷺ وهو قدوتنا جمع بين هذا وهذا، فكان يرفق، ولكن إذا بلغت الحدود وأقيمت الشهادات أنفذ حكم الله ، وقبل ذلك كان يقول: (ادرءوا الحدود فيما بينكم، فأيما حد بلغني فقد وجب)، قبل أن تصل إلى الحاكم الشرعي في أمور من المعاصي ربما لا تعظم بها المفاسد، يمكن أن يكون الوعظ والتذكير والتوبة كافية في ذلك، أما إذا بلغ الأمر إلى الحاكم فإنه لابد أن يقيم الحكم، وأن ينفذه؛ لأن حكم الله لا بد من إنفاذه، وذلكم أمره ظاهر وبين.

стр. 341

المرجعية والواقعية لا الفوضوية والمزاجية ومسألة ثالثة مهمة: المرجعية والواقعية لا الفوضوية والمزاجية: إننا عندما نتناول أي شأن من الشئون ونحن أمة إسلام، ونحن في بلد فيه منبع الإسلام ومهبطه، ونحن في بلاد الحرمين على وجه الخصوص؛ لا ننطلق إلا من مرجعية ثابتة، وهي مرجعية إسلامنا وديننا، كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، ودستورنا ينص على ذلك ويقدمه، فلسنا معنيين بأن نوافق من في شرق الأرض وغربها إذا كان قولهم يخالف صراحةً كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإذا أردنا أن نتحدث عن الإرهاب ونعرفه فلن نعرفه من مصادر شرقية أو غربية، بل ننظر إلى ما بين أيدينا من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وننظر إلى تاريخ أمتنا لنعرف كل شيء من خلال هذا المنطلق الصحيح، وأن ننظر إلى الواقع كما هو، دون أن نتأثر بالمبالغات والمغالطات، وحينئذ يتوفر لنا ما لا يمكن أن يتوفر لغيرنا، تتوفر لنا العصمة في أمرين اثنين: عصمة النصوص الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعصمة إجماع الأمة إذا اجتمعت على أمر تستنبطه من كتاب ربها وسنة نبيها، فإن أمة محمد لا تجتمع على ضلالة، ولكننا إن أخذنا من هنا وهناك، ويأتينا كاتب ليقرر علينا شيئاً تقرره دوائر غربية أو شرقية فإن ذلك لا يكون مظنة إصابة الحق ومعرفته، بل كثيراً ما يختلط بما يختلط به من أمرين اثنين واضحين: أن القوم لهم منطلقات ومرجعيات ليست مثل التي لنا من جهة. وأن لهم أهواء وأغراضاً ومقاصد تخالف وتعارض مصالحنا من جهة أخرى. وذلك ما ينبغي أن نفطن إليه، وأن نحرص عليه، ولا يأتينا أحياناً من يبعد به الأمر فنجده وهو يعارض ويخالف أموراً قد ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يدرك أنه قد أتى أمراً عظيماً، وارتكب خطراً كبيراً؛ لأننا إذا وصلنا إلى ألا نلتفت إلى هذه المرجعية العاصمة، فإن أمراً خطيراً يقع في خلالنا، ويجوس في ديارنا. وبعد العصمة الكمال، فإن الكمال في شرع الله ، كما قال الحق جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فنحن بحمد الله لدينا في كل أمر أسس وأصول وقواعد وضوابط تجعلنا من خلال نظرنا فيها، ومن خلال اجتهاد أهل العلم فيها على قدرة وبصيرة أن نصل إلى الحق في كل جانب من الجوانب. نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 342

التعاون والتكامل لا التناقض والتآكل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن. وإن من الأمور التي نذكر بها أيضاً في هذا المقام: أمر التعاون والتكامل لا التناقض والتآكل؛ فإننا في هذه المسألة نحتاج إلى المدرس في مدرسته، وأستاذ الجامعة في جامعته، وخطيب المنبر في مسجده، وكاتب الصحافة في صحيفته، ومقدم البرنامج في إذاعته أو قناته. فإذا حصل التكامل وشيء من تبادل الأدوار في ذلك حصل بذلك خير كثير، وإذا كان التراشق بالتهم متبادلاً، أو هذا يبني وذاك يهدم أو العكس، فإن أموراً من الخير كثيرة تفوتنا، وإنه ينبغي لنا في حقيقة الأمر أن نتبصر ونستبصر، وأن نتبادل الرأي والفكر، والمعلومة الصحيحة، بعيداً عن مناهج قد تؤدي إلى شيء من الاختلاف والخلاف فيما بيننا، وإننا دائماً وأبداً نحتاج في ذلك إلى ما ذكرناه في الحديث الأول: إخلاص النية لله، والصدق والمناصحة، والحرص على الألفة والوحدة والجماعة، فإن وجد ذلك وجدنا أننا يمد بعضنا يده إلى الآخر، ويمكن أن يتنازل عن شيء مما قد يكون في ذهنه أو رأيه إذا رأى أن غيره أرجح، أو ربما يكون أصوب، أو ربما يكون مثله أو أدنى منه لكن في تقديمه مصلحة، أو ربما يكون الرأي عندي صحيحاً لكن الناس لا يقبلونه مني وقد يقبلونه من ذاك، فليقل به غيري؛ فإن إصابة الحق وإرادته هي الأولى والأكمل. ونحن نعلم أننا بحمد الله في مجتمع إسلامي، والناس فيه يصغون بقلوبهم قبل آذانهم لمن يتحدث إليهم بلسان الدين، وبآيات الله، وبسنة رسوله ﷺ ، فإذا مزج مع ذلك بما هو منشور وشائع من أقوال وحكم وآراء مختلفة فإن ذلك يزيد إلى الخير خيراًَ، ونحن نعلم أن لسان المتحدث باسم العلم والدعوة والخطابة لسان تصغي إليه القلوب والآذان، فمن هنا ينبغي لنا أن نخلص في ذلك، وأن نجتهد في إصابة الحق في البحث وتحريه، والنظر في الأدلة ومراميها ودلالاتها، ومعرفة الواقع وإشكالاته وحقيقته، وذلك ما نهدف إليه بإذن الله .

стр. 343

الدقة والتخصيص بعيداً عن الفوضى والتعميم وثمة نقطة أخرى أيضاً تتعلق بأمر الدقة والتخصيص بعيداً عن الفوضى والتعميم، فإنه إن وجد خطأ من أستاذ واحد أو معلم، فهل من الحكمة أن نقول: إن المعلمين فاسدون أو مخطئون؟ وإن وجد سطر في كتاب واحد فيه ملاحظة فهل من الحكمة أن نقول: إن الكتاب كله خاطئ؟ إن بعض ما ينشر في وسائل الإعلام من التعميم يفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، وهو مخالف للطريقة الصحيحة، والمنهجية الصائبة، وإن الله في كتابه عندما ذكر الكفرة والفجرة كان يستثني, وذلك الاستثناء منهج يدل على أن الحكم لا يعمم في كل أحد، فإن الناس يختلف بعضهم عن بعض، فإذا وجد خطيب أخطأ في طريقة عرضه لموضوع ما وجدنا من يشن الهجوم على الخطباء، ويطالب بأن يكفوا عن الحديث في هذه الموضوعات، وألا يخوضوا فيها، سبحان الله! فأي خوض إذاً يكون؟ وبماذا يتحدثون؟ ومن يخطب في الناس؟ ألا يتحدث الخطيب عن أمورهم وشئونهم وهمومهم وحاجاتهم؟ ألا يتحدث عن واقعهم ومشكلاتهم وما يحصل في مجتمعهم؟! وذلك كذلك كما أخبرت به من قبل في غير ما حديث. ثم إننا في هذا التعميم يحصل لنا استعداء وشيء من المواجهات، ومن ثم فإن كل خطيب رأى خللاً لا ينبغي أن يشن الحملة على كل أحد من منبره، إننا في وقت نحتاج فيه إلى التروي، وإلى الرفق الذي ذكرناه، وإلى التكامل والتعاون، وإلى أن نكون مخلصين لله أولاً، ومناصحين لأمتنا جميعاً من حكامها إلى محكوميها، وإلى كل فرد منا فيما بيننا، ومحتاجين أيضاًَ إلى اللحمة والوحدة والألفة؛ لأننا في وقت نعرف وندرك يقيناً أن أعداء الإسلام يتربصون الدوائر بالمسلمين عموماً، وبهذه البلاد خصوصاً، ويريدون أن يجوسوا خلال الديار بواسطة الإصلاح المزعوم، من خلال إصلاح اقتصادي يحول بين الناس وبين الالتزام بشرع الله ، أو إصلاح اجتماعي يراد به تحلل المرأة واختلاطها بالرجال على أي وجه من الوجوه. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يلزمنا كتابه، وأن يثبتنا على نهج رسوله ﷺ . اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم أحسن ختامنا، وتجاوز عن سيئاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وامح أوزارنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أفض علينا الخيرات، وأنزل علينا الرحمات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وامح عنا السيئات، برحمتك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، واغتصبوا بلاد المسلمين، وانتهكوا حرماتهم يا رب العالمين، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وخذهم اللهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم اشف فيهم صدور قوم مسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين والمضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج كربتهم، اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 344

آلام وآمال وأعمال إن الناظر إلى أحوال الأمة الإسلامية اليوم تعتريه الآلام والآمال؛ تعتريه الآلام لما يحل بالأمة من قتل وتشريد وانتهاك وإذلال، وتعتريه الآمال لما يراه من عودة كثير من المسلمين إلى دينهم، وانتباههم من غفلتهم وسباتهم، لكن هذا لا يكفي، بل لابد من العمل لهذا الدين، والعودة إليه عودة صحيحة، فإنه هو الطريق الوحيد لعزة الأمة وكرامتها.

стр. 345

الانتفاضة الفلسطينية آلام وآمال الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، فهو جل وعلا أهل الحمد والثناء، وله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، نحمده جل وعلا حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغواية. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا جميعاً اتباع سنته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! قد عزمت على أن أتحدث عن الانتفاضة الجهادية المباركة في أرض فلسطين المسلمة، من جوار المسجد الأقصى مسرى رسول الله ﷺ ، لأن ذكرى هذه الانتفاضة المباركة قد قضت خمس سنوات من الجهاد والسير في مناوأة أعداء الله، وهي تستقبل في هذه الأيام عامها السادس ثابتة الخطا، سائرة على المنهج، واثقة بنصر الله . وتذكرت تلك الصور والمآسي والمصاعب التي يعاني منها أبناء الأقصى من اليهود عليهم لعنة الله، وتلك الجرائم والفضائع التي تعبر عن الحقد الأسود، وعن الجريمة المستقرة في النفوس، وعن طبيعة تلك القلوب والأفكار والعقول التي أخبرنا الله عنها بوصف موجز بليغ دقيق في معناه فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] وقدموا على المشركين؛ لأنهم أبلغ عداءً، وأكثر حقداً، وأسوأ ممارسة ضد الإسلام والمسلمين؛ ولذلك لا تمر هذه الذكرى حتى يستحضر المسلم صوراً من المعاناة الشديدة القاسية التي يلقاها إخواننا في تلك الأرض المقدسة الطاهرة صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء، أطفالاً وشيوخاً، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، إنها معاناة لا تتوقف لحظة من اللحظات، ولا ثانية من الثواني، تلك المعاناة التي تكسر فيها الأطراف والعظام بالأحجار، تلك المعاناة التي تشمل مئات الآلاف من السجناء والمعتقلين، ومئات الآلاف من الأطفال الذين يحصدهم رصاص الغدر والعدوان، والنساء اللائي أجهضن في حملهن، واللائي اعتدي على أعراضهن، وغيرها وغيرها من الصور التي نسمعها دائماً، بل التي نراها في أحيان كثيرة ماثلة أمام العيان، فنجد هذه الصور الفضيعة التي تشمل كل ألوان الحرب من تضييق في الرزق، ومن حرمان من العمل، ومن إبعاد عن الأرض، ومن تفريق للأسرة، ومن تهجير وتغريب، ومن سجن وتعذيب، وكل هذه الصور التي تمر بإخواننا هناك حصادها كبير جداً، وآثارها ضخمة جداً، إن هذا الحصاد كما تجمله بعض هذه الأرقام يشكل صورة ينبغي للمسلم ألا ينساها، لقد قتل أكثر من ألف وثمانمائة وخمسين نحسبهم شهداء عند الله ، (١٥%) منهم من الأطفال دون سن الرابعة عشر، وأكثرهم ما بين الرابعة عشر والعشرين من الشباب الذين في ريعان الزهور، لقد باعوا أنفسهم وأرواحهم لله، ونذروا وقتهم وجهدهم للدفاع عن دين الله، وبذلوا كل جهدهم للدفاع عن مقدسات المسلمين وعن كراماتهم، ثم إن هناك مائة وثلاثين ألفاً من المعتقلين، ومائة وأربعين ألفاً من الجرحى والمعاقين، وألفين وتسعمائة وخمسين بيتاً هدمت وهجر أصحابها، وثلاثة وستين ومائة من المبعدين، وغير ذلك من ألوان التضييق النفسي والحربي بكل صورة من صورها، ونعلم أن الذي يمارسها هم اليهود الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.

стр. 346

حقد الهندوس على المسلمين وقد كان العزم أن يستفيض الحديث عن هذه المآسي، وعن هذه الآلام، ولكن بدأ في الأفق غبار تراب يتصاعد، ودخان لهب جديد في أرض من بلاد الله فيها مائة وعشرون مليون مسلم، إنها أرض الهند التي سمع الناس وتناقلت الأنباء خبر هدم مسجدها الأعظم والأقدم المسجد البابري الذي له أكثر من ثلاثمائة وخمسين سنة، والذي أسس على التقوى وعلى الإسلام، وما تزال الدوائر الهندوسية تتربص به الدوائر منذ عام خمسة وثمانين وثمانمائة وألف، أي: منذ أكثر من مائة عام وهم يسعون لهدمه، ثم هدموه على مرأى ومسمع من كل الدنيا، وهي تشهد ذلك بأنظارها عبر الشاشات، وتسمعه بآذانها عبر الإذاعات، ولكن لا ملب ولا مجيب! إنها صورة أخرى من الآلام المحزنة، ومن المآسي المفزعة التي تصب على المسلمين، وقد يكون الخبر عند كثير من الناس أنه مسجد هدم وانتهى الأمر، ولكنها عداوة أصيلة دائمة يتشابه فيها الهنود مع اليهود؛ لأن الكفر ملة واحدة، قال : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ولذلك لم تكن هذه الجريمة إلا إحدى أكبر الجرائم التي يمارسها أولئك الكفرة ضد أبناء الإسلام والمسلمين في تلك الديار. إنها حقائق وجرائم كثيرة، فقد تم قبل ذلك هدم نحو ثلاثين مسجداً في (عليغره) في الهند، ونحو عشرة مساجد أخرى في حيدر أباد، وقتل في هذه المشكلات وفي هذه الجرائم مئات من المسلمين، وهكذا في هذه المؤامرة الأخيرة التي وقعت، فقد تضافرت فيها قوات الشرطة الهندية التي كانت تتفرج على مائة ألف من الهندوس المتعصبين الكفرة المجرمين وهم يعملون معاولهم في هدم المسجد وقبابه حتى تركوه أثراً بعد عين، وما تركوا فيه لبنة على لبنة، والشرطة تنظر إليهم! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل القضية أوسع؛ فالاضطرابات والاعتداءات على المسلمين مع هذا الحدث مستمرة متوالية، وقد قتل ألف من المسلمين في (بومباي) وحدها، وحرق نحو مائة طفل مسلم في ولاية (بوجراد) في الهند أيضاً، واعتدي على مصانع المسلمين ومتاجرهم في منطقة (محمد علي روس بومباي)، وما تزال السلطات الهندية تفرض حظر التجول حتى لا يتحرك المسلمون ولا يخرجوا من بيوتهم، وحتى يتمكن أعداؤهم من كسر متاجرهم وتدميرها وحرقها، والصراخ يعلو، والصرخات تتوالى، والجرائم تتابع، والدماء تنزف، والرقاب تقطع، وتشكل هذه المأساة صورة يعاني منها مائة وعشرون مليون مسلم يشكلون أقلية في تلك البلاد الكفرية. ومع ذلك عندما علت هذه الصورة تنامى إلى الأسماع أزيز الطائرات أفواجاً إثر أفواج، ثم مشاهدة الجنود أرتالاً إثر أرتال من القوى الأمريكية والغربية التي جاءت لإنقاذ البلد العربي المسلم الإفريقي الذي يشكل المسلمون فيه نسبة مائة في المائة، هذا البلد الإفريقي الذي يعد وحيداً في كونه لا يوجد فيه غير المسلمين، وتهبط هذه القوات وقد استبطن في الأرض ليس آلافاً ولا عشرات الآلاف بل مئات الآلاف ممن حصدتهم المجاعة، وحصدهم رصاص البغي والاختلاس والعدوان على مرأى من الدول العربية والإسلامية، وعلى مدى عام كامل وأكثر، فليست أيام قليلة، ولا أشهراً عديدة، بل أكثر من عام كامل والمأساة تتكرر، ويبلغ القتلى والموتى مئات الألوف، ويبلغ المرضى أكثر من ذلك، ويبلغ المهاجرون أكثر من ذلك، وتتجسد أمامنا صورة أخرى من صور المآسي التي تمر بالمسلمين في كثير من الديار، ولن تنسينا هذه المآسي معسكرات الاعتقال، وقنص الأطفال، واغتصاب النساء، وذبح الرقاب وحزها، وتهجير المسلمين في أراضي البوسنة والهرسك.

стр. 347

الفرج مع الكرب إنها آلام وآلام وآلام شديدة فضيعة، ولكن هل نذكر هذه المآسي لنذرف الدمع، وحق لنا أن نذرف بدل الدموع دماء؟ وهل نذكرها لنرفع الصرخة والبكاء أو لنلطم الخدود؟ إنما نذكرها لنحيي الإيمان في القلوب، ولنعيد أنفسنا إلى منهج الله ، ولنعرف حقيقة أعداء هذا الدين، ولنستيقن بقول الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فهل نوقن بهذه الآيات التي نتلوها كثيراً ولا نتدبر ولا نتأمل في معانيها إلا قليلاً؟ وهل نؤمن بأن نصر الله يوشك أن يأتي به إذا تحققت في الأمة شروط هذا النصر؟ إنه ينبغي لنا ألا يدب اليأس في قلوبنا؛ لأنه: ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ولا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة، ولذلك كلما اشتدت قبضة الظلم، وكلما علت راية الكفر والطغيان، كلما كان ذلك مؤذناً بإذن الله بفجر يوشك أن ينبثق بعد هذا الليل الطويل؛ فإن الله قد وعد، ووعده الحق، وقد ذكر سنته، وسنته لا تتخلف، فقال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ويقول الله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] ولكنه لا ينصر إلا أولياءه، ولكنه لا ينصر إلا أتباعه، ولكنه لا ينصر إلا دعاته، ولكنه لا ينصر إلا من يجاهدون في سبيله، ولكنه لا ينصر إلا من يخلصون له، ومن يخضعون لعظمته وجبروته، ومن يتبرأون من كل حول وقوة إلا حول الله وقوته. إن هذه الآلام الفضيعة القاسية يكمن فيها نفسها كثير من الآمال المشرقة الوضيئة التي تلوح في الأفق، فهذه الآمال تبعث الحيوية في النفوس المؤمنة والعزيمة في القلوب المسلمة؛ إنها آمال حقيقة ليست مجرد أوهام، وليست مجرد أحلام نداعب بها العواطف والخيالات، ولكنها آمال صادقة، فانظروا إلى أرض فلسطين اليوم فسترون أن مساجدها تكتظ بشبابها وشبانها، وانظروا إلى أطفال الحجارة فستجدون أنهم يحملون حجارتهم بيد ومصاحفهم باليد الأخرى، لقد خرج إلى الساحة اليوم أصحاب الأيادي المتوضئة، والجباه الساجدة، والشفاه المسبحة. واسمعوا إلى الصيحات: إنها: الله أكبر، الله أكبر، خيبر خيبر يا يهود! جيش محمد سوف يعود! لقد تغيرت لغة الكلام، لقد تغيرت صورة العمل، لقد تغيرت قبل ذلك أهواء النفوس وحقائق الإيمان في القلوب، إنها أوبة صادقة إلى الله ، إنها أمثلة مشرقة ترى فيها الطفل الصغير وهو يلقن الأمة كلها درساً في الثقة بنصر الله، وفي المضي على منهج الله، وفي الجهاد في سبيل الله ؛ ليلقن المتخاذلين والمتكاسلين والخائفين والواهمين درساً عملياً تتحدث فيه الأفعال دون الأقوال، إنها مدرسة تنبئ أن جيل القرآن وأبناء المساجد هم الذين سيكون على أيديهم بإذن الله تنزل النصر ورجوع العزة وديمومة الوحدة لهذه الأمة الإسلامية بإذن الله . وهكذا في أرض الهند التي يعاني كثير من المسلمين فيها من الجهل، لكنهم جعلوا صدورهم فداءً لمساجد الله وبيوت الله ، خرجوا يحمون مقدسات المسلمين، لكنهم ظلوا رغم هذه الهجمات الشرسة التي ينادي فيها الهندوس بإعادة تسعمائة مسجد إلى معابد هندوسية، والتي هدموا فيها عديداً من المساجد، والتي مارسوا فيها كثيراً من الجرائم، والتي يسعون فيها بالقوة لتغيير المسلمين وصدهم عن دينهم، مع ذلك يثبتون ثبات الجبال الرواسي، وتنتشر فيهم -بحمد الله- حركة علمية طيبة، وتبدأ فيهم روح عزة إسلامية قوية؛ إنها المحنة التي تنتج في أفنائها وفي أعطافها المنحة الربانية؛ إنها المنحة التي يصل فيها المسلمون إلى حد الضعف الشديد الذي يستشعرون معه صدق حاجتهم لله ، ويرون أنه لا سبيل لهم ولا نجاة إلا أن يعلنوا الصلح مع الله، وإلا أن يسألوا النصر من عند الله . وهكذا صور أيضاً تتكرر في أرض البوسنة والهرسك التي كان أبناؤها خمسين عاماً تحت الشيوعية الحمراء في تغريب وتجهيل وحرب، ثم إذا بهم مع ذلك -من فضل الله يأوبون اليوم إلى دين الله، وتتحجب نساؤهم، ويصلي رجالهم، ويدعو مجاهدوهم، وإذا بهذا النبض الإسلامي يتكاثر ويتعاظم في كل موقع محنة، وفي كل مكان مظلمة تقع على المسلمين؛ لأن هذه سنة الله .

стр. 348

الآمال المشرقة في الأحداث المؤلمة في هذه الصورة المشرقة آمال عظيمة نراها في هذه الصحوة الإسلامية والأوبة الإيمانية التي جعلت الناس يقبلون على الخير، ويساهمون في بناء المساجد وإعمارها، ويبادرون إلى الإغاثة والإعانة، ويحيون مع المسلمين في كل مكان، ومع آلامهم وآمالهم تتجاوب أصداء صرخات الهند وصرخات البوسنة وصرخات فلسطين فإذا بها تملئ آذان المسلمين في كل مكان، وإذا بها تحيي قلوبهم، وتبين لهم حقيقة العداء في هذه المعركة التي تدور رحاها على المسلمين لا لشيء ولا لسبب ولا لجرم اقترفوه إلا لشيء واحد بينه الله بقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] إلا لأنهم مسلمون موحدون؛ فإذا كنت مسلماً فسترى العذاب وسوف تواجه العجب العجاب، ولأنك مسلم ستموت غماً وهماً واضطهاداً واضطراباً، وستسأل كل أهل الأرض عدلاً وتنتظر الجواب ولا جواب! يسوءك أن ترى الطاغوت يعلو ويحني المسلمون له الرقابا لأنك مسلم ستزور سجناً وتنهبك السياط به نهابا إذا قرعت يمناك باباً سمعت الفحش يسرع والسبابا وسوف تعض من ألم بناناً وسوف تشف من جوع ترابا فإما أن تكون كما أرادوا وإما أن ينزلوا بك العقابا إنها قضية واضحة؛ قضية الحرب على الهوية الإسلامية؛ فإنه يشرق الأمل عندما تتحقق هذه الهوية في القلوب، وينطلق بها الصغار قبل الكبار في مواطن وبلاد الإسلام شرقها وغربها، فالطفل أوقد جمرها في أرض فلسطين، كما قال الشاعر: الطفل أوقد جمرها يا معشر والنسوة انطلقت أسوداً تزأر قد أقسم الشعب اليمين مجاهداً الله فوق الظالمين وأكبر كل المساجد والمآذن أقسمت حتى الحجارة رددت والمنبر قسماً ونور الحق في جبهاتنا قسماً لباكية تأن وتزأر قسماً لنار الثأر في أحشائنا ولكل طفل في الظلام يهجر قسماً لأرض قد سرى لها أحمد قسماً لقدس يستغيث ويجأر والميت المذبوح يسلخ جلده والعين تفقأ والعظام تكسر والشيخ يُسحب في الشوارع باكياً ودم العذارى صارخاً يتفجر لأحطم الكف التي عاثوا بها وأزلزل القدم التي تتبختر فالشعب يا شامير مرٌّ لحمه والشعب يا رابين حقداً يقطر هات الهراوي والبنادق واضربوا رأسي وصدري والسواعد كسروا والله لو سملوا العيون بخنجر والله لو هدموا البيوت وأنذروا بعيون طفلي سوف أبصر موطني وبكف شبل سوف ينبت خنجر هيهات أن ننسى فلسطين التي باتت تعشعش في القلوب وتحضر يا أمتي هذي فلسطين التي جرحت وراحت في الدجى تعصر لا تتركوها للدخيل فإنها تستصرخ الثوار أن يتحرروا إنها الآمال التي ينبغي أن نتفاعل معها، وأن نتأثر بها، وأن نؤدي دورنا فيها؛ فإن الآلام وحدها لا ينبغي أن توقفنا، ولا أن تقف عثرة في طريقنا، وإن الآمال وحدها ينبغي ألا تكون أحلاماً وأوهاماً، بل ينبغي لهذه الآلام ولتلك الآمال أن تعقبها الأعمال، فإنه لا يكفي الأمل ولا يغني الألم، بل لابد من العمل؛ فالله نسأل أن يوفقنا لنصرة دينه، وأن يحققنا باتباع سنة نبيه ﷺ ، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 349

العزة والمستقبل للإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الشعور بمآسي المسلمين والتألم بآلامهم، ومشاركتهم في آمالهم، ونصرتهم فيما يقومون به من جهاد وعمل في سبيل الله ، وإن هذه الآمال التي تنطلق هي آمال صادقة حقيقة يؤكدها وعد الله ، ويخبرنا بها رسول الله ﷺ في قوله: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار) ويخبرنا ﵊ في قوله: (ما من بيت مدر، ولا شعر إلا ويدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل؛ عزاً يعز الله به الإسلام والمسلمين، وذلاً يذل به الله الكفر والكافرين) إنها نصوص وإنها دلائل قطعية تأتينا من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، فلا يتسرب اليأس إلى نفس المؤمن الصادق والمسلم الحق، ولا يفت في عضده عداء المعتدين، ولا كيد الكائدين، ولا مؤامرات المجرمين؛ لأنه مع الله ، ونحن نرى اليوم -بحمد الله- هذه الأوبة والجيل الذي نذر نفسه لله ، ونرى بادرة عظيمة، وأملاً مشرقاً في راية الجهاد التي ترفع في أنحاء مختلفة من ديار المسلمين، ترفع لينطوي تحتها كل من يحب الله ورسوله، وكل من يريد أن يدافع عن دين الله، وكل من يسعى لرفع راية الله، وكل من يريد أن يمنع العدوان على حرمات الله ، إنها راية الجهاد قد حملها الصغار والكبار، وسار بها النساء والرجال، إنها راية الجهاد التي انطلقت في أفغانستان، وتنطلق اليوم في كشمير، وترفع في البوسنة، وما تزال وما يزال نبضها قوي في فلسطين، ويحدثنا عنها حال الإنسان المسلم الصادق وهو يرى في هذا الجهاد ما أخبرنا به النبي ﷺ ، عندما ذكر فضيلة الجهاد وأجره الذي لا يعادله أجر، وبين أنه يكون خاصاً بالمجاهد الجاهد، والمجاهد الجاهد هو الذي يلتذ بالجهاد، ويعشقه ويحبه، ويتوق إليه ويشتاق إليه، وحاله كما قال الشاعر: وحبي للجهاد يفوق حبي لأوطاني ونصر الدين همي ومرضاة الإله ببذل روحي ومرضاة الإله تزيل غمي ومرضاة الإله بحرب كفر وبغض الكفر في لحمي ودمي

стр. 350

كيفية المخرج من الآلام والمآسي التي تمر بالأمة الآمال المشرقة ينبغي أن تعقبها أعمال، وقد يقول قائل: تكثرون من الحديث عن المآسي، ولا يكون هناك حديث عن المخرج والعمل؟ فأقول: كل بيده عمل، وكل في عنقه واجب، وكل مناط به مسئولية، وأول ذلك وآكده ذلك النداء القرآني العجيب الفريد الذي لو تحقق في الأمة لما كانت على هذه الحال من الذلة والضعف والهوان، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، إنه تحرير الإيمان وتجريد الإخلاص، وتعظيم التقوى في القلوب لله ، فهل نحن على صدق في إيماننا؟ وعلى يقين من إيماننا؟ وعلى التزام بإسلامنا؟ قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فهل القلوب متآلفة؟ وهل النفوس متآخية؟ وهل تحقق في الأمة قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]؟ وهل تحقق قول الرسول ﷺ في وصف المسلمين ووحدتهم: (يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم)، وقوله: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) إنه لابد لنا أن نعلن الصلح مع الله ، وأن نبذل كل ما في وسعنا لنستنزل نصر الله ، إنه إعلان صادق للإيمان الحق واليقين الراسخ بوعد الله ، وتأكيد لحقائق هذا الإيمان بالولاء والبراء الشرعي، إنه ولاء لعباد الله المؤمنين وعداء للكفرة من أعداء الدين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] إنها المسألة المهمة التي تميز المسلم وتبعث فيه عزته، وتبين له أصالته حتى لا يكون تبعاً لشرق ولا لغرب، ولا ذنباً لقوي ولا صاحب سلطان، وإنما عزته بإسلامه، وإنما قوته بإيمانه، وإنما استنجاده واستغاثته بالله ، ثم إعلان لاستقامة المسلم على تقوى الله ، تلك التقوى التي تقتضي منه أن يأتي بأوامر الله ، وأن يجتنب نواهيه، فطهروا البيوت من المحرمات، وطهروا الألسنة من الأقوال الفاحشة، وطهروا الآذان من السماع المحرم، وامنعوا العيون من النظر الآثم، وطهروا الأموال من الكسب الخبيث، وأصلحوا أحوالكم يصلح الله حالكم؛ إنها معادلة لا يمكن أن تتخلف، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. إنها النعمة التي منَّ الله بها على رسوله ﷺ حينما ألف بين قلوب أصحابه مهاجرين وأنصاراً، وأوساً وخزرجاً، وعبيداً وأحراراً، وأغنياء وفقراء، فكلهم كانوا قلباً واحداً، ونفساً واحدة راضية، وأمةً واحدة متماسكة، فينبغي أن نملأ القلوب بالحب للمؤمنين، والمودة لهم، وإحسان الظن بهم، والتماس العذر لهم، والرغبة في الخير لهم، والسعي لكل ما من شأنه أن يؤلف بين القلوب، ويوحد بين الصفوف، وينبغي أن نعلن الحرب على المفاسد الاجتماعية الأخلاقية المحرمة، وينبغي أن ننكر المنكر، وأن نأمر بالمعروف بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالأسلوب الذي يحقق حصول الخير وانتفاء الشر بإذن الله . ثم لابد كذلك أن نحيي هذه المعاني الإيمانية في كل مجلس وفي كل لقاء ومع كل أحد، وأن نجعل ألسنتنا لاهجة بذكر الله ، وبذكر حكمة الله ، وسنة الله ، وأن نذكر أخبار المسلمين ومآسيهم وأحوالهم لكل من حولنا، فنحن نجلس المجالس الطويلة وليس فيها إلا القيل والقال، والغيبة والنميمة، والتحدث عن الأموال والعقارات والسيارات، وكأنه لا شيء يشغلنا، وكأنه لا همَّ نحمله، وكأنه لا جرح ينزف في نفوسنا وفي أبداننا، وكأننا نغفو ونلهو ونلعب ولا ندري ما يحاك حولنا، ولا ما يدبر لنا، ولا ما يحل بإخواننا، فلماذا لا نتحرك هذه الحركة حتى نبقي معنى الإيمان حياً في القلوب، وحتى نبقي معنى النصرة للمسلمين حياً في النفوس، وحتى لا يركن الناس إلى الدنيا، وحتى لا يغفلوا فيحق قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]؟! فينبغي أن نسعى بالعمل؛ لأن حال الأمة اليوم هو من أعظم أسباب هزيمتها وضعفها وهوانها وغياب كلمتها: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود فهذه الحال ينبغي أن تغير، ولا تغير إلا بتغيير القلوب والنفوس، فعلينا أن نبدأ بالإخلاص والإيمان الصادق، وأن نبدأ بالعمل الخير الصالح، وأن نهجر المفاسد والمعاصي، وأن نكون ألسنة دعوة، وأن نكون نماذج حق تمتثل هذا الدين، وأن نساهم بعد ذلك ببذل أموالنا وببذل جهودنا لنصرة إخواننا المسلمين في كل مكان، بل حتى ببذل أرواحنا، وبالمشاركة الشعورية والمعنوية؛ فإن هذا مما يحيي معاني الإيمان والإسلام في الأمة، ومما يسر إخواننا الذين يلاقون العذاب والاضطهاد في كل مكان، ولابد مع ذلك كله أن نحيي معاني العلم الشرعي الذي يبصر الإنسان المسلم بحقيقة ما يحتاج إليه في هذه الدنيا، ويعرفه الأحكام التي ينبغي أن يتبعها، ويعرفه الأحوال التي ينبغي أن يكون عليها، كما يعرفه الحقائق التي تدلس عليه، والأوهام التي تلقى في طريقه، فإنه إن كان عالماً بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ميز بهذا بين الحق والباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].

стр. 351

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح أوضاع الأمة إن الأوهام لا تعيش في وجود الحقائق، وإن الظلمات لا تبقى عندما يكون هناك النور والضياء، فينبغي أن نسعى لمثل هذا الأمر والعمل، وأن نشيع الخير والذكر، وتلاوة القرآن، وأحاديث المصطفى ﷺ ، ودروس العلم، ومحاضرات الخير، والدعوة إلى الإصلاح؛ لأن هذا مما يقوي رجوع الأمة إلى دينها واستمساكها بنهج ربها، إنها أعمال كثيرة لا ينفك عنها واجب مسلم مطلقاً، فلا يقل أحد: ليس علي واجب، وماذا أصنع؟ إن إصلاحك لنفسك ولأسرتك، ومنعك للمنكرات في بيتك وفي بيئتك إنما هو تقديم سبب من أسباب النصر الذي يتنزل على المؤمنين، إن العيب فينا؛ إن كثيراً من أحوال المسلمين في كثير من بقاع الأرض هي السبب الأساسي والرئيسي الذي وقع به عليهم هذا البلاء في كثير من بلاد الإسلام والمسلمين، أليست كثير من بلاد المسلمين لا تحكم شرع الله، وتعلن الحرب ببعض المفاسد الظاهرة على الله ، وتتبع في ولائها وبرائها منهجاً لا يرتبط بدين الله ؟! هذه هي الأسباب التي ينبغي أن نعالجها، ولا تقل: لا أستطيع، فإنك تستطيع، فإذا وجد أن أمراً معيناً في نفسك وأهلك عجزت عنه فأنت عما سواه أعجز، فإنها أوهام يحوكها الشيطان في عقولنا لنتقاعس، ولكن الواجب لا يمكن أن يكون بعيداً عن كل إنسان بذاته في نفسه ومن ولاه الله أمرهم، فإذا صلحت هذه الأحوال أوشك -بإذن الله أن تصلح حال المجتمعات والأمة الإسلامية كلها، ولذلك ليست القضية في القوة، وليست القضية في السلاح، ولا في كثرة عدد المسلمين، وإنما هي قوة الإيمان أولاً، ثم قوة التلاحم والتماسك والأخوة الإسلامية والرابطة العقدية الإيمانية ثانياً، ثم بعد ذلك وجود أسباب الإصلاح والعمل الجاد بدلاً مما كانت ولا تزال عليه صور بعض المجتمعات الإسلامية، قال الشاعر: تركنا كتاب الله بحراً ونستقي غديراً كما يسقي من البئر مائح رمينا وراء الظهر سنة أحمد تركنا هداها وهو كالبدر لائح وها نحن نستجدي من الغرب شمعة فلا الغرب معط ولا الشرق مانح مدابغ للتبشير في كل مركز من الوطن المكلوم وهي ذبائح مساجدنا تبكي الشباب من الجفا وغصت بهم دور الخنا والمسارح مدارسنا ماجت بكل ملوث يصاب بعدواه الحجا والجوارح فكثيرة هي مظاهر الانحراف في مجتمعات ودول الإسلام في شرق الأرض وغربها، ولذلك ينبغي أن نئوب إلى الله ، وأن نعمل جاهدين على إقامة الإسلام في نفوسنا، وبيئاتنا، ومجتمعاتنا، وأن نكون عوناً على ذلك بإذن الله ، والفجر -بإذن الله- قادم، وإرهاصاته ظاهرة، ولكنها محن يبتلي الله بها المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم، إنها فتن الابتلاء، قال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] أي: حتى تظهر المعادن الأصيلة، والمعاني النبيلة، وتتميز الصفوف من العناصر الدخيلة، ومن المنافقين وأصحاب الأهواء والمنافع؛ إنها محن تحيي الإيمان بإذن الله، وتدفع إلى الوحدة بإذن الله، وتقود -بإذن الله إلى نصر قريب، أليس الصبح بقريب؟! فهذا هو الأمل الذي ننتظره، والأمل يحتاج إلى عمل، فلابد أن ننظر في الآلام إلى الآمال، ولابد أن تقودنا الآمال إلى كثير وكثير من الأعمال، والله أسأل أن يلطف بإخواننا المسلين في شرق الأرض وغربها. اللهم إنك العالم بالسرائر، والمطلع على الضمائر، اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع الحاكم، بك نعتز عليهم، وإليك نهرب من بين يديهم، مال الناس إليهم، وتوكلنا عليك في إنصافنا منهم عليك، وتوكلنا في إنصافنا منهم عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك، اللهم سدت الأبواب إلا بابك، وانقطعت الأسباب إلا أسبابك، اللهم قل الناصر، وعز المعين، وكثر الظالم، وبغى الأعداء، اللهم فأنزل على المؤمنين نصرك المبين، اللهم ثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم رحمتك بإخواننا المضطهدين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمسلمين المشردين والمبعدين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم، اللهم ثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم ثبتهم على الدين، وارزقهم الإيمان واليقين، اللهم اجعلهم ممن يرضون بقضائك، وممن يثقون بنصرك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تصلح ذات بينهم، وأن تزيل منهم أسباب الشحناء والفرقة والبغضاء. اللهم ألف على الحق قلوبنا، اللهم ألف على الحق قلوبنا، اللهم ألف على الحق قلوبنا، واجمع على نهج الصراط المستقيم آمالنا وأعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفق ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم وفق ولاة المسلمين لكل ما تحب وترضى، اللهم وأبعدهم عما لا تحب ولا ترضى. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك حياة السعداء، وعيش الأتقياء، وموت الشهداء برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء نجاة وعافية، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا الرحمات، وأن تفيض علينا البركات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن ترفع لنا الدرجات، وأن تقيل لنا العثرات، وأن تمحو عنا السيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ودمر الكفرة وسائر أعداء الدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم يوماً قريباً أسودَ، يا قوي! يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نكس وجوههم، وأذل أعناقهم، ونكس راياتهم، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، يا منتقم! يا جبار! يا عزيز! اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! واجعل خير أعمالنا خواتمها يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين.

стр. 352

البدايات والنهايات لكل بداية نهاية، والسعيد من كانت بدايته ونهايته على وتيرة جيدة من الخير والصلاح، فعلى المرء المسلم أن يجتهد في أن تكون بدايته حازمة جادة على طريق الخير والفلاح حتى النهاية، ومن ذلك اجتهاده في اغتنام شهر رمضان، وفي الاستكثار من الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله ، وله في ذلك قدوة حسنة برسول الله ﷺ .

стр. 353

طبيعة البدايات والنهايات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، له الحمد على ما وفق من الطاعات وما صرف من الشرور والسيئات. نحمده ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. ونصلي ونسلم على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: فهذا هو درس الجمعة الرمضاني الأول، يأتي في يوم الجمعة غرة شهر رمضان المبارك عام خمسة وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، وعنوانه: البدايات والنهايات. ونحن في بداية رمضان، وستمر الأيام والليالي ونصل إلى النهاية، كما هو شأن الحياة لكل حي بداية ونهاية. ومقصودنا في هذا الحديث أن نجلي طبيعة البدايات والنهايات، وأن نعرف ما تستحقه البداية وما تتطلبه النهاية؛ لكي نستعد لذلك الاستعداد اللائق واللازم، ودائما تترافق البدايات مع همة وعزيمة، وهذا هو الأصل. فمع بداية العام الدراسي يبدأ الطلاب بداية قوية بنشاط وحيوية وقوة، ثم عند النهايات تشتد العزائم وتتجدد الهمم مرة أخرى باعتبار أن النهايات فيها الخواتيم وفيها النتائج وفيها الثمرات، فلذلك نجد الطلاب يكسلون أحيانا فيما بعد البداية، فإذا قربت النهاية وجاء الاختبار شمروا مرة أخرى عن ساعد الجد، وابتدءوا تدارك ما فات، وضاعفوا من البذل؛ لكي يحققوا أحسن ثمرة وأفضل نتيجة، وعمر الإنسان كذلك قد يكون في مبدئه ومقتبله قوة ونشاط وحيوية، ثم تمر به الفترات، فإذا اقتربت نهاية العمر وقربت الخاتمة تجددت مرة أخرى عند أكثر الناس همتهم في الخير ومراجعتهم للنفس وتصحيحهم للخطأ، وتداركهم للنقص وتوبتهم عن الذنب واستغفارهم لما سلف. وهذه طبائع الأمور حيث تبدأ بقوة، ثم تدرك المرء الغفلة، ويحيط به الكسل، فإذا شارف الوقت على الانتهاء عاد مرة أخرى إلى التدارك، وهنا وقفتنا التي نفصل فيها بعضا من طبائع البداية والنهاية.

стр. 354

كيفية بداية نزول الوحي على النبي ﷺ ولنأخذ في ذلك القدوة المثلى رسولنا ﷺ ، ولنأخذ بعض البدايات لنرى أن البدايات طبيعتها الشدة والصعوبة والقوة، وأن الأمر إذا أردت أن يكون جيداً وأن يكون السير فيه حثيثاً فلابد أن تكون بدايته وانطلاقته قوية؛ لأن كل أمر يبدأ بكسل وفتور، أو يبدأ بتقصير وتفريط؛ فإن مآله إلى انقطاع. وكثيراً ما نرى -كما يقولون- الكتاب من عنوانه، والأمور من بداياتها، فلو جئنا في أول العام وأول يوم في الدراسة لوجدنا أن نصف الطلاب غائبين، فمعنى ذلك: أن هؤلاء الطلاب وهذه الدراسة سيكون أمرها -كما يقال- في خبر كان، لكننا لن نجد ذلك غالباً، بل نجد أن الطلاب منتظمون كلهم أو معظمهم في أول يوم، ثم يحصل بعد ذلك التفريط والتقصير. ولذلك البداية لابد أن تكون جادة، ولابد أن تكون قوية، ومن قدر الله أنه جعل البدايات تكتنفها الصعوبات حتى تتهيأ لها النفوس. وأنقل هنا مثالاً جديراً بالتأمل والتدبر والاعتبار من سيرة المصطفى ﷺ : وذلك في أول مرة نزل فيها الوحي على رسول الله ﷺ ، وقد يظن البعض أو يتصور أن المرة الأولى لابد أن تكون هينة خفيفة، ثم تتدرج بعد ذلك في قوتها وثقلها وصعوبتها، ولكننا نجد الأمر على غير ذلك؛ لأن البدايات الضعيفة لا تؤهل إلى مسيرة قوية. فكيف نزل الوحي على رسول الله ﵊؟ روت عائشة أم المؤمنين ﵂ كما عند البخاري وغيره أنها قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ فكان يتحنث الليالي ذوات العدد في غار حراء حتى نزل عليه جبريل وهو في غار حراء، قال ﵊: فأخذني فغطني - أي: ضمني ضماً شديداً- حتى بلغ مني الجهد -أي: المعاناة والمشقة والصعوبة- قال: ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]) فالرسول ﵊ كان وحده في الغار، وبمجرد قدوم كائن أو إنسان غريب في تلك الخلوة كان كافياً أن يكون مخيفاً، ثم إذا به يخاطبه، ثم إذا به يضمه ويشتد عليه، وليس مرة واحدة ولا اثنتين بل ثلاث مرات؛ لماذا؟ لأن الذي سيأتي ثقيل؛ ولأن الذي سيتلى عظيم؛ ولأن الرسالة جسيمة والأمانة ضخمة والمسئولية هائلة. ولذلك كان لابد أن تكون البداية قوية وفيها شدة؛ لتكون متناسبة مع طبيعة البدء وقوة الانطلاق واستشعار عظمة المسئولية والأمانة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فلا يمكن للقول الثقيل أن يأخذه الضعيف، ولا يمكن للمهمة العظيمة أن يحملها الرجل الضئيل، ولا يمكن للغايات السامية أن يسير فيها الكسالى واللاهون والعابثون. ولذلك كان ﷺ هو الذي اصطفاه الله جل وعلا وهيأه لهذه المهمة وصنعه على عينه، ثم جاءت البداية بهذه القوة والشدة.

стр. 355

كيفية بداية دعوة النبي ﷺ في المدينة وهناك بداية أخرى في حياة النبي ﷺ : وهي بداية استئناف الدعوة الإسلامية وإنشاء المجتمع المسلم في المدينة المنورة. وكانت بدايتها الهجرة، وكانت الهجرة خطباً عظيماً وحدثاً جليلاً وصعوبة كبيرة ومخاطر عظيمة وطريقاً شائكة؛ فقد اجتمع وتآمر كفار قريش على قتل النبي ﷺ ليمنعوه من الخروج إلى المدينة كما هو معلوم، والنبي ﵊ اختار وقتاً في شدة الحر والظهيرة، وخرج واتجه إلى الجنوب بدل أن يتجه إلى الشمال، وبقي في غار ثور ثلاث ليال، وسار وأدركه سراقة بن مالك، ومشى وقتاً طويلاً، وكان الطلب يلحقونه، وكان ذلك بعد أن عانى أصحابه في هجرتهم، فكانت مشقة تلاها بعد ذلك فرج عظيم، وبدء إقامة دولة الإسلام، وإنشاء المجتمع المسلم. وهكذا نرى بدايات كل أمر فيه قوة وشدة وأمانة عظيمة، وكذلكم كان فعله ﵊ عندما وصل المدينة؛ فقد بنى المسجد أولاً، وآخى بين المهاجرين والأنصار ثانياً، وعقد المعاهدات مع اليهود ثالثاً، فأحكم الأمر من أوله، وصحح المسار من بدايته، وأخذ الأهبة على تمامها وكمالها، وهيأ الأمر بكل ما يحتاج إليه من البداية حتى لا ينفرط الأمر، ولا يصبح المراد بعد ذلك بعيد المنال.
следующие страницы →