← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح أوضاع الأمة إن الأوهام لا تعيش في وجود الحقائق، وإن الظلمات لا تبقى عندما يكون هناك النور والضياء، فينبغي أن نسعى لمثل هذا الأمر والعمل، وأن نشيع الخير والذكر، وتلاوة القرآن، وأحاديث المصطفى ﷺ ، ودروس العلم، ومحاضرات الخير، والدعوة إلى الإصلاح؛ لأن هذا مما يقوي رجوع الأمة إلى دينها واستمساكها بنهج ربها، إنها أعمال كثيرة لا ينفك عنها واجب مسلم مطلقاً، فلا يقل أحد: ليس علي واجب، وماذا أصنع؟ إن إصلاحك لنفسك ولأسرتك، ومنعك للمنكرات في بيتك وفي بيئتك إنما هو تقديم سبب من أسباب النصر الذي يتنزل على المؤمنين، إن العيب فينا؛ إن كثيراً من أحوال المسلمين في كثير من بقاع الأرض هي السبب الأساسي والرئيسي الذي وقع به عليهم هذا البلاء في كثير من بلاد الإسلام والمسلمين، أليست كثير من بلاد المسلمين لا تحكم شرع الله، وتعلن الحرب ببعض المفاسد الظاهرة على الله ، وتتبع في ولائها وبرائها منهجاً لا يرتبط بدين الله ؟! هذه هي الأسباب التي ينبغي أن نعالجها، ولا تقل: لا أستطيع، فإنك تستطيع، فإذا وجد أن أمراً معيناً في نفسك وأهلك عجزت عنه فأنت عما سواه أعجز، فإنها أوهام يحوكها الشيطان في عقولنا لنتقاعس، ولكن الواجب لا يمكن أن يكون بعيداً عن كل إنسان بذاته في نفسه ومن ولاه الله أمرهم، فإذا صلحت هذه الأحوال أوشك -بإذن الله أن تصلح حال المجتمعات والأمة الإسلامية كلها، ولذلك ليست القضية في القوة، وليست القضية في السلاح، ولا في كثرة عدد المسلمين، وإنما هي قوة الإيمان أولاً، ثم قوة التلاحم والتماسك والأخوة الإسلامية والرابطة العقدية الإيمانية ثانياً، ثم بعد ذلك وجود أسباب الإصلاح والعمل الجاد بدلاً مما كانت ولا تزال عليه صور بعض المجتمعات الإسلامية، قال الشاعر: تركنا كتاب الله بحراً ونستقي غديراً كما يسقي من البئر مائح رمينا وراء الظهر سنة أحمد تركنا هداها وهو كالبدر لائح وها نحن نستجدي من الغرب شمعة فلا الغرب معط ولا الشرق مانح مدابغ للتبشير في كل مركز من الوطن المكلوم وهي ذبائح مساجدنا تبكي الشباب من الجفا وغصت بهم دور الخنا والمسارح مدارسنا ماجت بكل ملوث يصاب بعدواه الحجا والجوارح فكثيرة هي مظاهر الانحراف في مجتمعات ودول الإسلام في شرق الأرض وغربها، ولذلك ينبغي أن نئوب إلى الله ، وأن نعمل جاهدين على إقامة الإسلام في نفوسنا، وبيئاتنا، ومجتمعاتنا، وأن نكون عوناً على ذلك بإذن الله ، والفجر -بإذن الله- قادم، وإرهاصاته ظاهرة، ولكنها محن يبتلي الله بها المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم، إنها فتن الابتلاء، قال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] أي: حتى تظهر المعادن الأصيلة، والمعاني النبيلة، وتتميز الصفوف من العناصر الدخيلة، ومن المنافقين وأصحاب الأهواء والمنافع؛ إنها محن تحيي الإيمان بإذن الله، وتدفع إلى الوحدة بإذن الله، وتقود -بإذن الله إلى نصر قريب، أليس الصبح بقريب؟! فهذا هو الأمل الذي ننتظره، والأمل يحتاج إلى عمل، فلابد أن ننظر في الآلام إلى الآمال، ولابد أن تقودنا الآمال إلى كثير وكثير من الأعمال، والله أسأل أن يلطف بإخواننا المسلين في شرق الأرض وغربها. اللهم إنك العالم بالسرائر، والمطلع على الضمائر، اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع الحاكم، بك نعتز عليهم، وإليك نهرب من بين يديهم، مال الناس إليهم، وتوكلنا عليك في إنصافنا منهم عليك، وتوكلنا في إنصافنا منهم عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك، اللهم سدت الأبواب إلا بابك، وانقطعت الأسباب إلا أسبابك، اللهم قل الناصر، وعز المعين، وكثر الظالم، وبغى الأعداء، اللهم فأنزل على المؤمنين نصرك المبين، اللهم ثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم رحمتك بإخواننا المضطهدين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمسلمين المشردين والمبعدين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم، اللهم ثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم ثبتهم على الدين، وارزقهم الإيمان واليقين، اللهم اجعلهم ممن يرضون بقضائك، وممن يثقون بنصرك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تصلح ذات بينهم، وأن تزيل منهم أسباب الشحناء والفرقة والبغضاء. اللهم ألف على الحق قلوبنا، اللهم ألف على الحق قلوبنا، اللهم ألف على الحق قلوبنا، واجمع على نهج الصراط المستقيم آمالنا وأعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفق ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم وفق ولاة المسلمين لكل ما تحب وترضى، اللهم وأبعدهم عما لا تحب ولا ترضى. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك حياة السعداء، وعيش الأتقياء، وموت الشهداء برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء نجاة وعافية، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا الرحمات، وأن تفيض علينا البركات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن ترفع لنا الدرجات، وأن تقيل لنا العثرات، وأن تمحو عنا السيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ودمر الكفرة وسائر أعداء الدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم يوماً قريباً أسودَ، يا قوي! يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نكس وجوههم، وأذل أعناقهم، ونكس راياتهم، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، يا منتقم! يا جبار! يا عزيز! اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! واجعل خير أعمالنا خواتمها يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين.

стр. 352

البدايات والنهايات لكل بداية نهاية، والسعيد من كانت بدايته ونهايته على وتيرة جيدة من الخير والصلاح، فعلى المرء المسلم أن يجتهد في أن تكون بدايته حازمة جادة على طريق الخير والفلاح حتى النهاية، ومن ذلك اجتهاده في اغتنام شهر رمضان، وفي الاستكثار من الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله ، وله في ذلك قدوة حسنة برسول الله ﷺ .

стр. 353

طبيعة البدايات والنهايات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، له الحمد على ما وفق من الطاعات وما صرف من الشرور والسيئات. نحمده ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. ونصلي ونسلم على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: فهذا هو درس الجمعة الرمضاني الأول، يأتي في يوم الجمعة غرة شهر رمضان المبارك عام خمسة وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، وعنوانه: البدايات والنهايات. ونحن في بداية رمضان، وستمر الأيام والليالي ونصل إلى النهاية، كما هو شأن الحياة لكل حي بداية ونهاية. ومقصودنا في هذا الحديث أن نجلي طبيعة البدايات والنهايات، وأن نعرف ما تستحقه البداية وما تتطلبه النهاية؛ لكي نستعد لذلك الاستعداد اللائق واللازم، ودائما تترافق البدايات مع همة وعزيمة، وهذا هو الأصل. فمع بداية العام الدراسي يبدأ الطلاب بداية قوية بنشاط وحيوية وقوة، ثم عند النهايات تشتد العزائم وتتجدد الهمم مرة أخرى باعتبار أن النهايات فيها الخواتيم وفيها النتائج وفيها الثمرات، فلذلك نجد الطلاب يكسلون أحيانا فيما بعد البداية، فإذا قربت النهاية وجاء الاختبار شمروا مرة أخرى عن ساعد الجد، وابتدءوا تدارك ما فات، وضاعفوا من البذل؛ لكي يحققوا أحسن ثمرة وأفضل نتيجة، وعمر الإنسان كذلك قد يكون في مبدئه ومقتبله قوة ونشاط وحيوية، ثم تمر به الفترات، فإذا اقتربت نهاية العمر وقربت الخاتمة تجددت مرة أخرى عند أكثر الناس همتهم في الخير ومراجعتهم للنفس وتصحيحهم للخطأ، وتداركهم للنقص وتوبتهم عن الذنب واستغفارهم لما سلف. وهذه طبائع الأمور حيث تبدأ بقوة، ثم تدرك المرء الغفلة، ويحيط به الكسل، فإذا شارف الوقت على الانتهاء عاد مرة أخرى إلى التدارك، وهنا وقفتنا التي نفصل فيها بعضا من طبائع البداية والنهاية.

стр. 354

كيفية بداية نزول الوحي على النبي ﷺ ولنأخذ في ذلك القدوة المثلى رسولنا ﷺ ، ولنأخذ بعض البدايات لنرى أن البدايات طبيعتها الشدة والصعوبة والقوة، وأن الأمر إذا أردت أن يكون جيداً وأن يكون السير فيه حثيثاً فلابد أن تكون بدايته وانطلاقته قوية؛ لأن كل أمر يبدأ بكسل وفتور، أو يبدأ بتقصير وتفريط؛ فإن مآله إلى انقطاع. وكثيراً ما نرى -كما يقولون- الكتاب من عنوانه، والأمور من بداياتها، فلو جئنا في أول العام وأول يوم في الدراسة لوجدنا أن نصف الطلاب غائبين، فمعنى ذلك: أن هؤلاء الطلاب وهذه الدراسة سيكون أمرها -كما يقال- في خبر كان، لكننا لن نجد ذلك غالباً، بل نجد أن الطلاب منتظمون كلهم أو معظمهم في أول يوم، ثم يحصل بعد ذلك التفريط والتقصير. ولذلك البداية لابد أن تكون جادة، ولابد أن تكون قوية، ومن قدر الله أنه جعل البدايات تكتنفها الصعوبات حتى تتهيأ لها النفوس. وأنقل هنا مثالاً جديراً بالتأمل والتدبر والاعتبار من سيرة المصطفى ﷺ : وذلك في أول مرة نزل فيها الوحي على رسول الله ﷺ ، وقد يظن البعض أو يتصور أن المرة الأولى لابد أن تكون هينة خفيفة، ثم تتدرج بعد ذلك في قوتها وثقلها وصعوبتها، ولكننا نجد الأمر على غير ذلك؛ لأن البدايات الضعيفة لا تؤهل إلى مسيرة قوية. فكيف نزل الوحي على رسول الله ﵊؟ روت عائشة أم المؤمنين ﵂ كما عند البخاري وغيره أنها قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ فكان يتحنث الليالي ذوات العدد في غار حراء حتى نزل عليه جبريل وهو في غار حراء، قال ﵊: فأخذني فغطني - أي: ضمني ضماً شديداً- حتى بلغ مني الجهد -أي: المعاناة والمشقة والصعوبة- قال: ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]) فالرسول ﵊ كان وحده في الغار، وبمجرد قدوم كائن أو إنسان غريب في تلك الخلوة كان كافياً أن يكون مخيفاً، ثم إذا به يخاطبه، ثم إذا به يضمه ويشتد عليه، وليس مرة واحدة ولا اثنتين بل ثلاث مرات؛ لماذا؟ لأن الذي سيأتي ثقيل؛ ولأن الذي سيتلى عظيم؛ ولأن الرسالة جسيمة والأمانة ضخمة والمسئولية هائلة. ولذلك كان لابد أن تكون البداية قوية وفيها شدة؛ لتكون متناسبة مع طبيعة البدء وقوة الانطلاق واستشعار عظمة المسئولية والأمانة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فلا يمكن للقول الثقيل أن يأخذه الضعيف، ولا يمكن للمهمة العظيمة أن يحملها الرجل الضئيل، ولا يمكن للغايات السامية أن يسير فيها الكسالى واللاهون والعابثون. ولذلك كان ﷺ هو الذي اصطفاه الله جل وعلا وهيأه لهذه المهمة وصنعه على عينه، ثم جاءت البداية بهذه القوة والشدة.

стр. 355

كيفية بداية دعوة النبي ﷺ في المدينة وهناك بداية أخرى في حياة النبي ﷺ : وهي بداية استئناف الدعوة الإسلامية وإنشاء المجتمع المسلم في المدينة المنورة. وكانت بدايتها الهجرة، وكانت الهجرة خطباً عظيماً وحدثاً جليلاً وصعوبة كبيرة ومخاطر عظيمة وطريقاً شائكة؛ فقد اجتمع وتآمر كفار قريش على قتل النبي ﷺ ليمنعوه من الخروج إلى المدينة كما هو معلوم، والنبي ﵊ اختار وقتاً في شدة الحر والظهيرة، وخرج واتجه إلى الجنوب بدل أن يتجه إلى الشمال، وبقي في غار ثور ثلاث ليال، وسار وأدركه سراقة بن مالك، ومشى وقتاً طويلاً، وكان الطلب يلحقونه، وكان ذلك بعد أن عانى أصحابه في هجرتهم، فكانت مشقة تلاها بعد ذلك فرج عظيم، وبدء إقامة دولة الإسلام، وإنشاء المجتمع المسلم. وهكذا نرى بدايات كل أمر فيه قوة وشدة وأمانة عظيمة، وكذلكم كان فعله ﵊ عندما وصل المدينة؛ فقد بنى المسجد أولاً، وآخى بين المهاجرين والأنصار ثانياً، وعقد المعاهدات مع اليهود ثالثاً، فأحكم الأمر من أوله، وصحح المسار من بدايته، وأخذ الأهبة على تمامها وكمالها، وهيأ الأمر بكل ما يحتاج إليه من البداية حتى لا ينفرط الأمر، ولا يصبح المراد بعد ذلك بعيد المنال.

стр. 356

حال النبي ﷺ في النهاية وأما إذا جئنا إلى صورة ختام حياة النبي ﷺ ؛ فإنه قد مرت به سكرات الموت ﵊، واشتدت عليه، وكانت تعلوه الرحضاء، وكان يمسح ويقول: (إن للموت لسكرات). وكان ﵊ يلقى من ذلك شدة، وكان في تلك الشدة يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم! لا تجعلوا قبري عيداً)، ما زال متعلقاً بأمانته ومهمته ودعوته ورسالته؛ لم يذكر زوجة ولا ولداً ولا مالاً ولا تركة، وإنما ذكر الدين والعبادة والوصية لأمته ﵊ وهو في أشد اللحظات وأشد الكربات.

стр. 357

أهمية الحرص على فضائل الأعمال في شهر رمضان ونحن اليوم في بداية هذا الشهر، وستمر بنا نهايته إن طالت الأعمار وكتب الله لنا الحياة، وتأتينا في هذه البدايات كل أحاديث وآيات الفضائل والترغيب في هذا الشهر، وبيان أن أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وأن لله في كل ليلة عتقاء، وفيه مضاعة الأجر، وبيان صلة الصيام بالقرآن، وصلة الصيام بالشفاعة، وصلة الصيام بالجنة، وصلة الصيام بالرحمة، وصلة الصيام بصلة الرحم. كل هذه الفضائل تجتمع وتحتشد وتصطف في أول الشهر لتحقق أمرين اثنين أساسيين: أولهما: شحذ الهمة والعزيمة وإثارة الشوق والعاطفة لنيل كل هذه الفضائل والبركات والخيرات التي جعلها الله مختصة بهذا الشهر الكريم. فنحن مع هذه البداية لن نعرج على كل الفضائل ومحاسن الأعمال وصالح الأقوال التي تختص بهذا الشهر الكريم؛ لأنها كثيرة جداً، وهي شاملة للإسلام كله ولأعماله وأركانه كلها؛ فنحن في هذا الشهر نؤدي فريضة الصيام، ونحن نصلي ونؤدي فريضة الصلاة، ونزداد من الصلاة مع الفريضة تطوعات، ونحن أيضاً نزكي ونقصد بزكاتنا شهر رمضان لإصابة الفضل والخير والأجر والثواب، ونحن نعتمر عمرة في رمضان كحجة مع رسول الله ﷺ ، فنحن نأتي بكل الأمور، ونحن أيضاً في هذا الشهر نصل الأرحام، ونطعم الطعام، ونصلي بالليل والناس نيام. كل هذه الفضائل تحتشد أمامنا في البدايات لتقوي العزائم وتعلي الهمم، ولتجعل العزم أكيداً، والحزم جاداً من البداية، أما أن نقول: نبدأ بقليل ثم نكثر ونكثر فكلا، فإن البداية غالباً ولابد أن تكون الأعظم والأكبر، ثم قد يحصل الفتور، ويتداركه الإنسان في الآخر، كما سنذكر. والأمر الثاني: البدء بالقوة والأكثر، والحرص على الأعظم والأكبر: ولست مع من يرى أن الناس فيهم ضعف، وأننا في البداية نأخذهم بالأقل، فمثلاً: الذي يريد أن يختم القرآن ويقول: سأتلو في كل يوم جزءاً، ويأخذ بهذا الحد، فإن قصر عنه بعد ذلك فصار في يوم لا يقرأ جزءاً فما معنى ذلك؟ معناه: أن الشهر سينقضي وهو لم يختم، لكنه لو قال: إنه سيقرأ في كل يوم جزئين، ثم قصر عن ذلك فمرة قرأ جزئين ومرة جزءاً ونصفاً ومرة جزئين إلا ربعاً ومرة جزءاً وربعاً ومرة قصر إلى الجزء فإنه بكل حال سيصل إلى مراده قطعاً. ولو قال: سوف أصلي، وأقل القليل سأبدأ بركعتين من التراويح، ثم أزيد؛ فإنه إن طالت الركعتين سيلتمس الجواز، يعني: يصلي ركعة لو استطاع، لكنه لو قال: أصلي عشراً وقبل الفجر أصلي عشراً أخرى أو كذا فإنه إن قصر يكون تقصيره إلى أقل من ذلك. وهكذا ينبغي أن نفعل؛ لأن طبائع النفوس لا تأخذ بالجد وقتاً طويلاً، فقد تفتر من بعد، فإذا أخذناها بالراحة والقلة في البداية فنحن إلى ما هو أدنى وأقل واصلون ولا شك، فما الذي سيجبر هذا الضعف؟ نحن نبدأ أقوياء ثم نضعف، لكن إن بدأنا ضعفاء فالله يستر على حالنا ومصيرنا. وإذا بدأنا بقوة قد نضعف، فما الذي يدرك ضعفنا هذا؟ ستدركه النهايات، فعندما يقترب الشهر من آخره تأتينا أمور أخرى: أولها: أن هذا الموسم سينقضي، وإذا كنا في الأول نقول: الشهر ثلاثون يوماً، وإذا مضى يومان أو ثلاثة بقي ثمانية وعشرون أو سبعة وعشرون، فنحن إذا كنا في الخامس والعشرين -على سبيل المثال- فلن يبقى إلا خمسة أيام، فالعد التنازلي نهاية السباق، كما ترون المتسابقين يجرون يجرون في أول الانطلاق بقوة، فإذا كان السباق طويلاً نجدهم في وسطه وهم يخففون السرعة، فإذا قربت النهاية ولاحت لهم أطلق كل منهم كل طاقته ليصل قبل غيره، وليحقق المراد الذي لأجله سار تلك المسافة الطويلة، والمحروم منهم من يسقط ويقعد قبل النهاية، فإن كل الذي مضى له من العمل والجري لم يحصل له به أثر ونتيجة. وعندما تأتي النهايات تأتينا أيضاً رحمة من الله ، فقد خصت العشر الأواخر كما نعلم جميعاً بخصوصية فوق الخصوصية الرمضانية، فرمضان كله أجر وفضل، ومع ذلك جاءت العشر بعبادات أخرى خاصة بها كالاعتكاف، وبأجر خاص بها في ليلة القدر، وبأمور فعلية فعلها النبي ﵊ فيها؛ لنجعل مرة أخرى النشاط يعود من جديد والقوة تعود مرة أخرى والهمة ترتفع، حتى إذا جاءت تلك الليالي زاد العمل فيها ليلاً ونهاراً، وانقطع الإنسان عن دنياه وعن مشاغلها، وعن أهله وزوجه؛ ليتفرغ لطاعة ربه ولعبادته ومناجاته ، فكأنه يقول: لم يبق إلا هذه الأيام القليلة والليالي المعدودة من هذا الموسم الذي تضاعف أجره، والعشر زاد فضلها، فكأنه يقول: هذا هو ختام السباق، فيشتد فيه عزمه، وتقوى فيه همته، وينشط في عبادته، ويكثر في كل أنواع الخير تلاوة وذكراً ودعاءً وصلاة وإنفاقاً لكل ما يستطيع. وبين البداية والنهاية يأتي الوسط، فإن كان ضعيفاً كان الأمر هيناً، ولكننا نرى في أحوالنا سوءاً ومخالفة، منها ما أشرت إليه بأن الناس يبدءون بضعف، وإذا بدءوا بضعف فهم إلى الضعف بعد ذلك أكثر، وبعضهم يقول: نبدأ بالتراويح بالأقل فالأقل، ثم نزيد قليلاً فقليلاً، وأنا أتبعه وإن كنت لا أقتنع بذلك؛ لأن الناس يستثقلون في الوسط ما لا يستثقلونه في البداية. ولكن الأمر الأدهى والأمر هو ما يكون من حال الناس في آخر الشهر، فبدلاً من أن يجددوا سيرة القوة وأن يدركوا نهاية المدة وأن يضاعفوا الجهد والطاقة، نجدهم يكثرون اللهو والصفق في الأسواق، وتتواصل الأسواق ليلاً ونهاراً، ويفرغ الناس أحسن وأغلى وأثمن الأوقات وأفضل اللحظات والساعات ليقضوها في التسوق والبيع والشراء وفي أمور أقل ما يقال فيها: إنها تضيع الأعلى وتأخذ بالأدنى.

стр. 358

وصايا لاغتنام رمضان

стр. 359

أهمية المشاركة في أعمال الخير وصية رابعة: استعن بالله في أن تشارك إخوانك في مثل أعمال الخير: فربما تقرأ ختمة لنفسك، وربما تقرأ أيضاً ختمة مع أهلك أو مع بعض زملائك أو مع بعض أهل المسجد، فإن هذا التعاون أحياناً يقوي عزمك، ويجعلك إذا ارتبطت بغيرك حريصاً على الالتزام، ولا يجعل للشيطان أو للنفس وضعفها عليك فرصة في أن تتخاذل أو أن تكسل، وهذا من أسباب الإعانة كذلك.

стр. 360

أهمية الدعاء الأمر الرابع هو: كثرة الدعاء من أول الشهر بكل خير من الأعمال الصالحة التي تريدها لنفسك، وتريد أن تحصل عليها وتأخذ بها وتلتزمها وتؤديها على أكمل وجه بإذن الله . ويقابل ذلك الدعاء لله بأن يجنبك ويخلصك من كل ما تكرهه لنفسك، وما أنت مقر بأنه من صور القصور وألوان الضعف، فهذه فرصة من الفرص العظيمة؛ لأن هناك اختصاصاً في الصيام بالدعاء كما نعلم، فينبغي أن نحرص على ذلك. فإذا بدأنا بهذه البداية القوية يوشك إذا جاءت النهايات أن يتضاعف فيها عملنا، كما فعل رسول الله ﷺ ، وأما أن كانت البدايات ضعيفة فيوشك أن تكون النهايات كذلك. نسأل الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد، ونسأله أن يقوي عزائمنا في طاعته، وأن ينهضنا إلى كل خير وبر وإحسان، وأن يشغلنا في هذا الشهر الكريم بكل أبواب البر والإحسان، وأن يصرف عنا كل أسباب الغفلة والنسيان؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 361

التعرف على فضائل الأعمال في رمضان في هذه البدايات لابد أن نجتهد جميعاً في أن نلم ونقرأ ونستمع إلى جل الفضائل والمحاسن في هذا الشهر، حتى لا يغيب عنا منها شيء، وحتى تكون كل واحدة منها كأنها مسعر حرب في قلوبنا ونفوسنا. فإن وجدنا القرآن وجدنا فضائله في رمضان، وإن وجدنا الإنفاق وجدنا فضائله في رمضان، وإن وجدنا الذكر والدعاء وجدنا فضائله في رمضان، وهكذا إن وجدنا صلة الرحم، فإن رسول الله ﷺ كان أجود ما يكون في الخير في رمضان، فكان أجود من الريح المرسلة، وكان أكثر ما يصلي ﵊ في رمضان، وكان أكثر ما ينفق في رمضان، وكان أكثر ما يتفقد الناس في رمضان، وكان أكثر شيء في كل جانب من الجوانب في رمضان. فينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الفضائل، وأن نقرأها، وأن نستمع إليها حتى تحمسنا وتشجعنا، وحتى نتذكر أخذ كل باب من أبواب الخير. ونحن أحياناً في رمضان نقتصر على بعض الأبواب دون بعض، فالناس يؤدون فريضة الصيام، وهو فريضة الوقت؛ وأكثرهم يكثرون من التلاوة ومن الصدقات، وينسون أن هناك أبواباً من الخير كثيرة. فهناك أبواب الذكر وكثرته، وأبواب الدعاء وخشيته، وأبواب تفقد الناس وصلة الرحم، وأبواب أخرى مختلفة متعددة متنوعة في كل جانب من جوانب الطاعات. والأمر الثاني: أن الذي نأخذه في البدايات هو الأعلى فالأعلى؛ فإن قصرت عنه ذكرت نفسك أنك قصرت فطلبت مرة أخرى العودة إلى ذلك الأعلى، ولا تبدأ بالأدنى؛ فإنك إن دنوت لم تشعر بالدنو، وما تزال تدنو وتدنو حتى تعود إلى حال لا ترضاها لنفسك في مثل هذا الموسم العظيم وهذا الشهر الفضيل.

стр. 362

أهمية الصرامة والشدة في محاسبة النفس ثم أوصي كذلك بعد معرفة الفضائل وبعد الأخذ بالأعلى فالأعلى: أن يكون هناك نوع من الصرامة والشدة في محاسبة النفس، فلا تنزل من الأعلى الذي تحده لنفسك حتى لا ينقص الأمر شيئاً فشيئاً، فإن قررت أن تقرأ جزءاً فلا ترض بجزء إلا آية؛ لأنك إن قبلت بقصور آية قبلت من بعد بتقصير آيتين، وسهل عليك تقصير الثلاث، ولم يكن عندك مانع في تقصير الأربع، ويمر عليك تقصير الخمس وأنت غير مكترث، وهكذا. فحاسب نفسك، وكل نقص عما أردته وعزمت عليه تداركه مباشرة في وقته وآنه حتى لا تسمح لنفسك بأن تهبط وتهبط وتهبط، ثم تضعف وتضعف وتضعف، وهذه أيضاً وصية ثالثة.

стр. 363

الالتجاء إلى الله الله خالق الخلق أجمعين، وبيده مقاليد الأمور ومفاتيح الفرج، ولا يقع شيء إلا بعلمه وحكمته وإرادته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وإن ما يحل بالمسلم خاصة وبالمسلمين عامة هو بإرادة الله ، إما بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وإما تمحيصاً لهم وابتلاء، فمن نزل به هم أو غم أو ابتلاء فليلجأ إلى الله ، وليرجع إلى ربه ومولاه، وليعلم أنه لا يرفع الضر والبلاء إلا الله وحده.

стр. 364

أهمية الالتجاء إلى الله الحمد لله لا مانع لعطائه ولا راد لقضائه، ولا كاشف لبلائه، هو في كل خير يرتجى، وإليه من كل شر المشتكى، وإليه الملتجأ، أحمده هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، دعانا إلى الطاعة والإيمان، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، ووعدنا عند الاستجابة بالجنان، وتوعد عند المخالفة بعذاب النيران. وأشهد أن محمداً عبده رسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين, وختم به الأنبياء والمرسلين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا جميعاً اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الالتجاء إلى الله وسيلة عظمى من وسائل مواجهة المصاعب، وعدة كبرى في مقابلة المصائب، وإن المؤمن الموصول بخالقه ومولاه يعلم أنه إذا أراد إنجاح أمر أو دفع ضر فلابد له من الرجوع إلى خالقه ومولاه، وإن هذه الحياة مليئة بالمصاعب والمصائب، وإن سنة الابتلاء في هذه الحياة الدنيا لأهل الإيمان ولأهل الصلاح والخير من بني الإسلام هي سنة ينبغي أن تقترن عند المؤمنين بصدق الالتجاء، وإخلاص الدعاء، والثقة برب الأرض والسماء، فإن الإنسان المسلم في هذه الحياة يواجه كثيراً من البلايا والرزايا بوصفه فرداً، ربما كان ذلك في نفسه وفي همه وغمه، وربما كان ذلك في رزقه وأثاثه وماله، وربما كان ذلك في بدنه وصحته وعافيته، وكذلك تواجه الأمة الإسلامية ألواناً شديدة من البلاء، وصروفاً عديدة من العناء، وهي كذلك تبتلى ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وليميز الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه في جهنم جميعاً، فهذه سنة من الله ماضية. ونرى اليوم ألواناً من المواجهات التي يواجه بها المسلمون ما يقدر الله عليهم من البلاء، وينسون كثيراً صدق الالتجاء إلى الله ، ويغفلون عن مفتاح الفرج وعن أسباب السعادة والهناء، وعن أسباب السلامة من الشقاء، ذلك أن الصلة بالله قد ضعفت، وأن الإيمان في القلوب قد تضعضع، وأن البعد عن الله قد مضى فيه كثير من الناس شوطاً بعيداً، فلم تعد عندهم حاسية المؤمن الذي لا تصيبه شوكة ولا يعترضه عارض من أمر يسير أو كبير إلا توجه إلى الله، وعلم أن في ذلك ابتلاءً من الله، وأن الفرج والنصر والعافية والصحة والرزق من الله، ونحن اليوم نرى في حياتنا الفردية وفي حياة أفراد المسلمين صوراً كثيرة من هذه الابتلاءات.

стр. 365

كيفية مواجهة المسلم ما يحل به من الهم والغم والمصائب إنك -أخي المسلم- قد يركبك الهم، ويتضاعف عليك الغم، وتضيق نفسك، ويتحشرج صدرك بسبب بعض المشكلات والمعضلات، فاعلم -أخي المؤمن- أنه ليس لها من دون الله كاشفة، وكثير من الناس يمرون بظروف مادية صعبة، فأبواب الرزق في وجوههم موصدة، وأحوالهم المادية صعبة، وربما كانوا في شظف من العيش مع كثرة الاحتياج وقلة ذات اليد، فاعلم -أيضاً- أخي المؤمن يقيناً وواقعاً وسلوكاً ومنهجاً أن الله هو الرزاق، وأنه بيده إجراء النعم، وبيده لحكمة وابتلاء إمساكها، قال : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، فينبغي أن ندرك هذه الحقيقة، وأن نتعامل معها التعامل الإيماني؛ لأننا نرى الأمر أعظم في أحوال الأمة، فعندما نرى أحوال إخوان لنا في البوسنة والهرسك، أو في كشمير، أو في فلسطين، أو في الصومال أو هنا أو هناك نرى صوراً عجيبة من البلاء، ونرى صوراً شديدة من العناء، فينبغي أن تكون درساً عظيماً يسوق الأمة إلى خالقها، ويدفعها إلى الالتجاء إلى ربها؛ لأنه قد علمنا هذه الحقائق في القرآن الكريم، وتجسدت لنا حية ناطقة شاهدة بصدق هذا المنهج في سيرة الرسول الكريم ﷺ ، قال : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٧]، وقال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فلو استقرت هذه الحقيقة في قلب كل مؤمن ورسخت رسوخاً قوياً لما وجدنا ذلك التذمر الذي نسمعه من كثير من الألسنة، وذلك التبرم بالقضاء والقدر، وذلك الالتماس لتفريج الكربات بارتكاب المعاصي والمحرمات، فإذا ضاقت أسباب الرزق لجأ الناس إلى الرشوة، وإلى السرقة، وإلى استخدام الحرام وسيلة لكسب الأرزاق، فإن عورضوا في ذلك قالوا: سدت أمامنا الأبواب، وانقطعت الأرزاق. ونسوا أن الله هو الرازق وهو الوهاب، ونسوا أنهم بذلك يرتكبون ما يستوجبون به سخط الله ، وكم تجد مضطراً قد وقعت به أو حلت به نازلة أو مصيبة يذهب شرقاً وغرباً، ويمر بهذا وذاك، ولا يلتفت قلبه، ولا يتأمل فكره في أن يرفع يديه إلى السماء، وأن يذرف دمعة تذلل وخضوع وتضرع لله القائل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. هكذا يعلمنا الله أن هذا البلاء وأن هذه الأقدار تعظم صلتنا بالله، وتؤكد ثباتنا على طاعة الله وحرصنا على رضوان الله .

стр. 366

أحوال كثير من المجتمعات الإسلامية في مواجهة المصاعب خلل كبير في مجتمعات المسلمين اليوم؛ لأنهم يلتمسون تفريج كرباتهم ومواجهة المصاعب التي تحل بهم أو تواجههم بأساليب وطرق ووسائل بعيدة عن الله ، والله يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠ - ٤١]، حتى الكافر والمشرك عندما يجد أن كل الأسباب انقطعت، وأن كل الأبواب انسدت تستيقظ فطرته، ويتحرك قلبه، ويعلم أنه ليس لها من دون الله كاشفة، فالكافر المشرك في اضطراره يرفع بصره إلى السماء، ويخفق قلبه بالتذلل والخضوع لله ؛ لأن هذه فطرة إنسانية بشرية تنجلي عند هذه المصائب والمصاعب، فما بال المسلم وما بال فئام من أمة الإسلام تمر بهم المصائب والنكبات فما تسوقهم إلى الله، بل تزيدهم بعداً عن الله، وتزيدهم إعراضاً عن الله، وتزيدهم محاربة لله، فإذا ضاقت أبواب الرزق أخذوا الربا، وإذا ضاقت أبواب الرزق ارتكبوا الزنا، وفعلوا كل ما لا يرضي الله ؟! أفيكون حال الكافرين المضطرين خيراً من حال المسلمين فيما يقدر الله عليهم من البلاء؟!

стр. 367

كل وسيلة وسبب هي بقضاء الله وقدره يعلمنا الله أن كل وسيلة وسبب بتقدير الله ، فإذا تعلق العبد بالأسباب على أنها مؤثرة بنفسها ونسي رب الأرباب ومسبب الأسباب لم يقع له قصده، ولم يحقق مراده؛ لأن الله قد قال -كما في الحديث القدسي الشريف-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦]، فاذهبوا إلى شرق الأرض وغربها، والتمسوا النصرة من أعداء الله كافرين مشَرِّقين أو مغَرِّبين فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً، فلن يتغير حالكم ما لم تغيروا حالكم مع الله، ولن يتغير وضعكم ما لم تعودوا وتئوبوا إلى الله، قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦]. وقد قص الله أنباء الأمم من قبلنا وبين لنا أحوالهم في مثل هذه الأمور التي تتكرر عبر الأيام والدهور، كما قال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]، ألم نر في أحوال الأمة ما يصدق هذا الحال؟ فقد نزل بهم البلاء ليلتجئوا إلى الله فزادوا إعراضاً، وغرهم الشيطان فارتموا في أحضانه، وتفرقوا في سبله، وركبوا مناهجه، وساروا في طرائقه إعراضاً عن الله ، كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٥]. إن أحوال الأمة اليوم في أفرادها وفي بعض بيئاتها ومجتمعاتها تعتبر أي نعمة من نعم الله منطوية في ثنايا تلك المحن وفي صور تلك النقم؛ لأن الأمة قد شردت بعيداً عن منهج الله، وغفلت كثيراً عن تذكر الله، فساق الله لها هذه الأقدار، وقدر عليها هذه البلايا؛ حتى تئوب إلى رشدها، وترجع إلى ربها، وترتبط بخالقها، وذلك في أحوال الفرد وأحوال الأمة.

стр. 368

وجوب التعلق بالله ودعائه في جميع الأحوال تذكر -أخي المسلم- حالك كم مرت بك من مشكلة، وكم واجهتك من معضلة، وانظر إلى ما فعلت فيها، هل اتقيت الله في حلها؟ وهل تورعت عن أن يكون في سبيلك إلى دفع الضر عنك أذى لغيرك أو ارتكاب لحرام؟ وهل صدقت في التجائك إلى الله وأخلصت له وتذللت بين يديه، وعرفت ما سلف من تقصيرك، وما سبق من ارتكابك للمحرمات، فجعلت هذا البلاء تجديداً للولاء مع الله ؟ إن الأحوال التي تمر بنا في هذه الأيام وفي هذه الأوقات تذكرنا دائماً بقضية المشكلات وقضية المعضلات التي تواجهنا، وكيف نتخلص منها أو نلتمس لها سبيل النجاة. فانظر إلى هذه الأمثلة القرآنية التي تتنوع في شتى نواحي الحياة، فإن سدت عنك أبواب الرزق أو ضاقت عليك ذات اليد، أو انعدمت حيل التماس الأسباب فيما بين يديك فاستمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] أي: تتضرعون وتلتجئون وتدعون وتبكون حتى تعود لكم نعمه، وحتى تنصرف عنكم نقمه. فكيف تلتمس بنعم الله وباستخدام نعم الله طريقاً إلى معصيته، أو ارتكاباً لما حرم ؟! فإذا نزل بك المرض فارجع إلى الله ، وكم يعاني الناس اليوم من أمراض ما سمعنا بها في الأولين، وأهل التقدم العلمي التكنولوجي الذين يفاخرون ويطاولون ما وصلوا إلى معرفة سببها وكنهها، فضلاً عن أن يعرفوا علاجها ودواءها، وهي بلاء من الله لهذه البشرية لما أعرضت وجحدت وتنكرت وكفرت وأسرفت، وبلغت غاية لم تبلغها الجاهلية الأولى، فإذا مرضت وأخذت بالأسباب فلتكن الأسباب أسباباً، ولا تكن غايات؛ فإن بعض الناس إذا مرض اليوم ذهب إلى الطبيب وهو غير شاكٍ مطلقاً أن الشفاء بيد هذا الطبيب، وربما إذا لم يجد حلاً في ذلك أشار عليه بعض الناس إشارة تتضمن خطراً في مضمونها، ويقولون له: اذهب إلى فلان الطبيب؛ فإنه مجرب، وما من مريض إلا ويشفى على يديه. سبحان الله! فأين الله ؟! وأين تعلقنا بالله؟! وأين صدق التجائنا إلى الله ؟! أفما نرى في هذه الأمراض والأدواء عبراً؟! أفما نرى في فشل الطب في كثير من الأسباب صوراً من هذا العجز البشري الذي ينبغي أن يفتقر به الناس إلى رب الأرباب ؟! قال : ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]، إنها معادلة سهلة واضحة، وقع به الضر، ونزل به المرض وأقعده سنوات، فكان العلاج هو ذلك الالتجاء الصادق والدعاء الضارع والإخلاص الذي أظهره لربه ومولاه، والأدب الذي تكلم به: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، فاستنزل الرحمة من السماء، ورُفِعَ -بإذن الله البلاء، فهذا هو طريق الشفاء. وفي أمر النفس وما يعتريها من الضيق والكرب لمخالفة الناس أو لاستهزائهم، أو لبعض ما يواجهون به الإنسان من المشاكل والعراقيل يقص الله علينا قصة يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]، هذا هو الطريق ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، إنه اعتراف وتذلل وخضوع، ودعاء وابتهال والتجاء، فكانت العاقبة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]. وما أكثر الظلم في هذه الأعصر! وما أكثر المظلومين المقهورين الذين لا يجدون من ينتصف لهم، ولا من يرد عنهم الظلم، ولا من يأخذ لهم حقهم! فينبغي أن لا ينسوا الحكم العدل ، وينبغي أن لا ينسوا قاصر القياصرة، وكاسر الكياسرة، ومغرق فرعون، ألا وهو الله جبار السماوات والأرض، فليستنصروا بالله على من ظلمهم، وليستنصروا بالله على من قهرهم، فقد قص الله علينا قصة نوح ﵇ فقال عنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٤]، هكذا جاءت الاستجابة لما كان العبد على منهج الله، وصدق في التجائه إلى الله . يقول النبي ﷺ لـ معاذ لما بعثه إلى اليمن: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ففي أيدينا سهام نافذة وأسلحة فتاكة نغفل عنها، ونلتمس الذلة والدنية في ديننا، فربما ظلمنا ظالم فتنازلنا لأجل مفاداة ظلمه عن ديننا، أو عن أخلاقنا، أو عن بعض شرفنا وكراماتنا، فأين استعلاؤنا بالإيمان؟! وأين شموخنا بالإسلام؟! وأين ثباتنا على الحق؟! وأين التجاؤنا إلى الله ؟! وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله ليملي للظالم -أي: يمهله- حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم تلا قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]). أفنحن في شك من آيات ربنا ومن أحاديث نبينا ﷺ ؟! ولذلك تنوعت هذه الأسباب، وإذا جاء القهر فهذا هو الطريق، وإذا أرادت الأمة النصر فهذا هو الطريق: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]. كذلك يرسم الله لنا الفرج والنجاة في كل الأحوال التي تمر بنا من ضيق في الصدر، أو قلة في الرزق، أو بلاء في البدن، أو قهر في المعاملة، أو ظلم في المواجهة، أو هزيمة في المعركة، كل ذلك يدفع -بإذن الله- بصدق الالتجاء إلى الله . فاللهم! إنا نسألك أن ترزقنا كمال الإخلاص لك، وصدق الالتجاء إليك، وعظمة التوكل عليك، وكبر الثقة بك يا رب العالمين.

стр. 369

وجوب استمرار الصلة بالله أخي الكريم! أوصيك ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى ملازمتها والثبات عليها في حال السراء والضراء، كما في قول النبي ﷺ في وصيته لـ معاذ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، فينبغي أن نبقى على الصلة بالله، وعلى الطاعة لله، وعلى ابتغاء رضوان الله، حتى إذا جاءتنا المحن ومرت بنا الفتن ينبغي أن تزداد صلتنا بالله، لا أن تخرجنا هذه الفتن أو تلك المحن عن منهج الله ، فنلتمس النجاة بعيداً عن طاعة الله، فإن ذلك أمر لا يمكن أن يأتي بالنجاة، كما قال الشاعر: تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس فمن أخذ طريقاً غير طريق الله فإن مغبته ونهايته في الدنيا قبل الآخرة سيئة، وإن آخرته -والعياذ بالله- شر من دنياه؛ لأنه نسي خالقه وربه ومولاه الذي قدر عليه البلاء ليدفعه إلى صدق الالتجاء ويوجهه إلى إخلاص الدعاء حتى يفرج عنه كربه ويزيل غمه ويوسع رزقه ويرفع عنه مرضه، فإنه بيده الضر والنفع، وبيده العطاء والمنع، فينبغي أن نوقن بذلك حقيقة، وأن تتعلق به القلوب صدقاً، وأن يمارس في واقع الحياة سلوكاً. نقول ذلك لأن كثيراً من الأسباب المادية قد قضت حكمة الله أن تعطل أو تكون ضعيفة هزيلة حتى تعود الأمة عودة صادقة إلى الله . فلنتذكر في أحوالنا الفردية ماذا نصنع إذا مرت بنا ضائقة مالية، أو حلت بنا مشكلة مرضية، أو وقعت لنا مشكلة نفسية، فهل نلجأ إلى الله أو لا؟ وهل نؤخذ بالأسباب؟ وهل نحن نوقن أننا نبتغي بهذه الأسباب فعل ما يرضي الله ، ونرجو منه جل وعلا أن يجعل للأسباب تأثيرها؟ فهل نحن عن ذلك غافلون أم له متذكرون وبه عاملون؟ إن كثيراً من أحوالنا التي تمر بنا تشهد أننا غافلون، فكم يمر بنا كثير من ذلك، ونسمع كثيراً من الأقاويل، ونرى كثيراً من الأفعال، ويروج ذلك ربما في بعض الصور الإعلامية ونحن في غفلة، وإذا سئل أحدنا قال: إنه لم يكن إمامي طريق إلا هذا، ولم أجد سبيلاً إلا فعل هذا، فكيف يمكن أن أحل هذه المشكلة؟ وكيف يمكن أن أبعد هذه الضائقة؟! ونحن قد أشرنا من قبل إلى إن ارتكاب الحرام إن فرج هماً أو وسع ضائقة فذلك ظاهر، ولكن يبقى بعد ذلك في القلب سواد وظلمة، ويبقى في الصدر ضيق وحشرجة، ويبقى في النفس قلق واضطراب، ويبقى في الفكر تشويش وتضليل، ويبقى من بعد ذلك خاتمة سيئة، نسأل الله السلامة. فالالتجاء إلى الله هو قدر هذه الأمة يسوقها الله إليه، نقول هذا لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي فلسطين، وفي كشمير، وفي غيرها من البقاع؛ فإنهم قد انقطعت بهم السبل، وتخلى عنهم العالم شرقه وغربه، وتنكرت لهم مواثيق العدل الزائفة، وتخلت عنهم أنظمة العالم الجائرة، ومع ذلك كان ذلك فيه خير لهم، فليلتجئوا إلى ربهم، وليعلموا أنه إن سدت أبواب الأرض فقد فتحت أبواب السماء، وإن تخلى أهل الأرض فإن الله قد وعد بالنصر لمن نصره، كما قال : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. إن إخواننا في فلسطين وهم يواجهون ظلم اليهود وإجرامهم وتعديهم على أراضيهم وانتهاكهم لأعراضهم، وما يعانيه إخواننا في البوسنة والهرسك من معتقلات واعتقالات وقتل وتشريد، وانتهاك أعراض وغير ذلك من الفظائع والمصاعب الكبرى إنما ذلك سوق للمسلمين ليلتجئوا إلى الله ، ويتضرعوا إليه، ويخبتوا إليه، ويعودوا إلى حسن الصلة به، وإلى تمام الاستقامة على منهجه، ولعل ما يحصل في العالم اليوم على مستوى الأمة الإسلامية هو نوع من المخاض والابتلاء الشديد الذي تدرك فيه الحقائق واضحة، وتتجلى أمامها الموازين على حقيقتها من غير زيف ولا بهرج حتى توقن بالحق الذي علمها الله إياه، والآيات التي جعلها الله قرآناً يتلى إلى قيام الساعة، فغفلنا عنها، وضيعتها الأمة في واقع حياتها، لعل هذه الأحداث تكون سائقة لجميع الأمة الإسلامية أفراداً ومجتمعات ودولاً وأمماً إلى الله . أدعوك يا رب مضطراً على ثقة بما وعدت كما المضطر يدعوك أدرك بعفوك عبداً لم يزل أبداً في كل حال من الأحوال يرجوك فإخواننا في تلك البلاد عجزنا نحن وعجز غيرنا عن نصرتهم، وتخاذل عنهم الأعداء الحقيقيون المدعون للعدالة المزيفون للحقائق، فهنا لجئوا إلى الله فأنزل عليهم فرجاً من عنده، وربما كان هذا الفرج غير ظاهر، لكنه في حقيقته حاصل، ولو تأملت في واقعهم وفي حالهم وفيما انتهت إليه أحوالهم لرأيت في ذلك خيراً كثيراً، فقد ملئوا المساجد، وتحجبت النساء، وكثر الدعاء، وصدقوا الإخلاص لله ، ولكن لكل أمر ثمن، ولكل قدر حكمة، فينبغي أن نؤمن بقضاء الله وقدره، وأن نثق بقوة الله ونصره، وأن نكون على يقين أن العاقبة للمتقين، ينبغي أن نوقن بذلك، وأن يكون ذلك ظاهراً في تصرفاتنا؛ لأننا نرى كثيراً من الناس كلما مرت بهم مشكلات عادية من مشكلات الحياة اليومية تصرفوا تصرفات لا يمكن أن تكون هي التصرفات الإسلامية المطلوبة، والمطلوب من المسلمين جميعاً -خاصة عند الأزمات- أن يجعلوا أملهم في الله تعالى، وأن يصدقوا ربهم لأن يلتجئوا إليه، وأن يتقربوا إليه بأنواع القربات، كقيام الليل، والصدقة، والدعاء، وصلة الرحم، والإكثار من نوافل الصوم خاصة الأيام الفاضلة كيوم عرفة الذي يكفر الله تعالى بصيامه سنة ماضية وسنة لاحقة، وكذلك صيام شهر الله المحرم، ففي الحديث عن النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم:- (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)، فهذا الشهر فيه من الفضائل والأعمال الفاضلة الخير الكثير، ففيه الصيام، وفيه صيام تاسوعاء وعاشوراء أو ما بعده، فإن النبي ﷺ قد ثبت عنه أنه لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن ذلك قالوا: يوم نجا فيه الله موسى ﵇. فقال النبي ﷺ (نحن أحق بموسى منهم، خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله ويوماً بعده) وفي رواية: (صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)، فالكمال صيام التاسع والعاشر والحادي عشر، والوسط صيام العاشر وقبله يوم أو بعده يوم، ولو أفرد العاشر لعذر أو لحاجة فإنه لا حرج في ذلك، لكنه يكون قد خالف السنة، فإن كان ذلك لاضطرار فلا حرج إن شاء الله تعالى. نسأل الله أن يوفقنا للصالحات، وأن يجعلنا من المسارعين إلى الخيرات والمسابقين إلى جنة عرضها الأرض والسموات. اللهم! إنا نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً. اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، ووفقنا لما تحب وترضى. اللهم! اهدنا، واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين. اللهم! أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم! اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم! ثبت لنا على طريق الحق الأقدام، وأحسن بالصالحات الختام برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، ومن أرادنا وأراد المسلمين بخير فوفقه لكل خير يا رب العالمين. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم! رد كيدهم في نحورهم، واجعل بأسهم بينهم، ودمر قوتهم وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم. اللهم! لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار. اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين. اللهم! إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والثكالى واليتامى في كل مكان يا رب العالمين. اللهم! إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فأسكنهم. اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم! عجل لهم فرجهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين. اللهم! اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا ارحم الراحمين. اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانة صالحة تحضهم على الخير وتحثهم عليه، وتمنعهم عن المنكر وتردعهم عنه يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 370

الفتح معالم ومواقف كان فتح مكة حدثاً هاماً في أسبابه ونتائجه ودروسه، ففيه بيان أحوال الكفار في عدم احترامهم للعهود ونقضهم لها، وفيه بيان بعض آثار الحلف بين المسلمين مع غيرهم من الكفار كما أن فيه درساً مهماً عظيماً وهو الإعداد المادي والمعنوي اللازم من قبل المسلمين مع ثقتهم بنصر الله لهم.

стр. 371

مواقف ودروس بين يدي الفتح الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تضاعف الحسنات، وبعفوه تمحى السيئات، له الحمد جل وعلا يسمع من حمده، ويعطي من سأله، ويزيد من شكره، ويطمئن من ذكره، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فنسأل الله أن يتقبلنا في عباده الصالحين، وأن يتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، ونسأله جل وعلا أن يشرح صدورنا لطاعته ومرضاته، وأن يقبل بنا على الطاعات والعبادات دائماً وأبداً في سائر الأيام والليالي؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وحديثنا عن (الفتح مواقف ومعالم) لأننا في هذا التاريخ نستذكر الفتح الأعظم الذي من الله به على رسوله ﷺ يوم أن فتح مكة في العام الثامن من الهجرة النبوية الشريفة في شهر رمضان المبارك، وفي اليوم الثامن كان مبدأ مثل هذا الحدث العظيم. والحق أننا لا نريد أن نمر على تفاصيل هذا الحدث وما جرى فيه من السيرة النبوية العطرة، غير أننا نقف في بعض المواقف التي نستجلي منها معالم الفتح والنصر لأمتنا في عصرنا الحاضر؛ لأن هدي وسنة النبي ﷺ وسيرته هي المعلم الدائم الذي نستنير به في ظلمات حياتنا، والذي نرى فيه معالم الطريق إلى مرضاة ربنا، والذي نأخذ منه المنهج الصحيح لمواجهة الأخطار ومقارعة الأعداء في واقع حياتنا، فإن الله جل وعلا قد من علينا بأن جعل القرآن والإسلام ممثلاً تمثيلاً كاملاً عظيماً في سيرة المصطفى ﷺ ، وأرشدنا إلى ذلك ووجهنا إليه كما في قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. وأرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ عندما كان يبين أن كل شيء في حياته للاقتداء فقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال: (خذوا عني مناسككم) وروي عنه: (إنما أنسى لأسن) وغير ذلك كثير. ونحن اليوم في هذا الواقع الذي تعيشه أمتنا محاطة بأعدائها مخذولة إلى حد كبير من قبل أبنائها، وفيها من التقصير والتفريط إضافة إلى الضعف والهوان ما فيها نحتاج دائماً وأبداً إلى أن نرجع إلى معين السيرة العذب لننهل منه فنروي ظمأ قلوبنا وفهومنا، ونوجه مسيرة حياتنا بإذن الله .

стр. 372

صلح الحديبية هو سبب فتح مكة مواقف شتى في هذا الفتح الأعظم، ولعل أول موقف نشير إليه إشارة سريعة لأنه سابق لهذا الفتح بوقت غير قصير، لكنه مرتبط به وممهد له، ذلك هو أن سبب فتح مكة هو الإخلال من قريش بعهد صلح الحديبية، وصلح الحديبية وضعت فيه الحرب أوزارها بين النبي ﷺ وبين قريش عشرة أعوام، وكان سلماً وهدنة، وهنا لمحة مهمة في جوانب كثيرة، لكننا نختصرها في أن القتال والجهاد بحد ذاته ليس هو الغاية في الإسلام، وإنما هو وسيلة لتحصيل المقصد الأعظم والغاية الكبرى، وهي نشر الإسلام وتبليغ دعوته وإقامة الحجة على الخلق ببلاغه، فإن تم ذلك بغير جهاد فبها ونعمت، وإن صد الكفار وأعرض المعرضون واعتدى المعتدون فإن الجهاد وسيلة من وسائل كسر ذلك الطوق وإزالة تلك العوائق، ومنع الذين يصدون عن سبيل الله من الحيلولة بين الناس وبين الاستماع إلى دين الله ومعرفة شرع الله ودينه. ولعلنا نشير هنا إلى أن الذين دخلوا في الإسلام ما بين الحديبية وفتح مكة -أي: ما بين ذي القعدة من العام السادس إلى رمضان من العام الثامن- كانت عدتهم أكثر من الذين أسلموا قبل ذلك في الأعوام كلها كما هو معلوم في أحداث السيرة، حيث كان الذين جاءوا مع النبي ﷺ إلى مكة في الحديبية أربع عشرة مائة، أي ألفاً وأربعمائة، والذين قدموا معه إلى فتح مكة كانوا عشرة آلاف. وإننا نعلم كذلك أن أجلاء من كبار الصحابة رضوان الله عليهم كان إسلامهم فيما بين الحديبية وفتح مكة، من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم من أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 373

نقض قريش للعهد سبب لفتح مكة الموقف الثاني: هو أن سبب هذا الفتح هو نقض قريش للعهد وممالأتها لبكر على خزاعة الذين كانوا في حلف النبي ﷺ ، فلما نقضوا العهد برئت ذمة النبي ﷺ من الوفاء لهم بعد نقضهم، وجاءت العلة والتحلة لرسول الله ﵊ بأن يتوجه إلى مكة فاتحاً وإلى قريش معاقباً لها على نقضها لعهدها. والفائدة المهمة لدينا هنا في وقتنا المعاصر هي أن أهل الشرك والكفر لا يوفون بذمة ولا يثبتون على عهد، وذلك أمر مطرد، ودلت عليه الآيات، ونطقت به أحاديث السنة، ولإن كان قد يكون ذلك في بعض الأحوال فإن له أسباباً وأعذاراً أخرى لا تتصل بصدق الوفاء بالعهد، ونحن نعني بذلك العهود والمواثيق التي تكون بين غير المسلمين وبين المسلمين كأمة في أمور عظيمة وفي مسائل مهمة. وهذا أمر مهم جداً أن يكون لدى المسلمين فيه بصيرة وبصر وعلم ووعي؛ لأن من الناس من ركنوا إلى غير المسلمين، وأسرفوا في حسن الظن بهم، بل وجعلوا من سماتهم وصفاتهم وأخلاقهم ما عظموهم به على أهل الإيمان والإسلام، وربما بالغوا في ذلك مبالغات عظيمة، والذي يشهد لنا به الواقع اليوم -خاصة من اليهود عليهم لعائن الله كما وصفهم الله في القرآن- أنهم أشهر من نقض العهود، وأكثر من أخلف الوعود، وإننا نرى في واقعنا اليوم وفيما كتبوا من عهود ومواثيق ومعاهدات ومؤتمرات أن شيئاً منها لم يكن له حظ في الواقع، وليسوا هم وحدهم بل كل أعداء الإسلام على حقيقة هذا الأمر، سيما أصحاب الحكم وأصحاب القوة والبطش في هذه البلاد والحكومات غير المسلمة فإنها لا تفي لمسلم بذمة ولا تقيم له عهداً، وقد قال الله في شأن ذلك: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠] أي: حلفاً ولا يميناً ولا ذمة وعهداً. وذلك أمر ينبغي أن يكون راسخاً في قلوب المؤمنين وفي أفهامهم، وذلك يدعوهم إلى أمرين: إلى وفائهم بعهودهم؛ لأن الوفاء بالعهد من سمات أهل الإيمان والإسلام، ولكن -أيضاً- إلى يدعوهم يقظتهم وتنبههم إلى عدوهم، فإن رسول الله ﷺ في سائر مغازيه كان دائم التنبه إلى ما يمكر به أعداؤه، ويرصد تحركاتهم، ويجمع أخبارهم حتى لا يصاب على حين غرة، وحتى لا يعرض أهل الإسلام لفتك الأعداء، وذلك شأن الإمام الذي ينصح لرعيته والوالي الذي يقوم بواجبه ويؤدي حق الله وحق دينه وحق رعيته فيما ولاه الله من أمر.

стр. 374

حكم التحالف مع غير المسلمين فيما لا يتعارض مع الإسلام ومسألة أخرى تنظم في هذا أيضاً، وهي جواز التحالف مع غير المسلمين فيما لا يتعارض مع الإسلام وفيما يحقق مصلحة الإسلام، وفيما لا يقع به مضرة على المسلمين ولا تنازل عن أحكام الإسلام، والنبي ﷺ في صلح الحديبية -وهو الذي كان سبباً لفتح مكة- كانت قد دخلت خزاعة في عهدها مع رسول الله ﷺ ، وكانت حليفة له، وكان النبي ﷺ قد جعل خزاعة عيبة نصحه، أي: يثق بهم لما علم من صدقهم في جوانب تعاملهم معه، فعاهدهم وحالفهم، وكانوا معه ﵊. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون عن ضعف أو ذل أو هوان للمسلمين، ولا ينبغي أن يكون فيه إعطاء دنية في الدين، ولا ينبغي أن يكون ذلك على حساب مصالحهم وتحقيق أمور دينهم، فضلاً عن أن يكون ذلك تغييراً في أساسيات وثوابت من شرع الله ، سواء ثبتت في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ . ونحن نرى اليوم من يحتجون بالآيات القرآنية، لكنهم لا ينزلونها تنزيلها الحقيقي الصحيح، ولا يطبقونها التطبيق العملي الذي كان أنموذجه الأمثل في سيرة النبي ﷺ : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] لكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] والنبي ﷺ قد بين في سيرته مثل ذلك، فهذه مواقف بين يدي الفتح، أي: قبل بلوغه.

стр. 375

موقف قريش بعد نقضها لعهد الحديبية الموقف الثالث هو موقف عظيم يكشف لنا عن مسألة مهمة نحتاج إليها، وهي أن قريشاً عندما وقع منها نقض العهد بإعانتها لبكر على خزاعة ومدها بالسلاح -وفي بعض الروايات أن بعضاً من قريش شاركوا في القتال- علمت أن هذا الأمر سوف يكون سبباً في أن النبي ﷺ ينصر من حالفوه وهم خزاعة، فأرسلت قريش أبا سفيان إلى المدينة ليحول بين ذلك النقض الذي نقضته قريش وبين ما يترتب عليه من نصر النبي ﵊ لخزاعة، فذهب أبو سفيان في مفاوضة يريد فيها من النبي ﵊ أن يعتذر عما وقع، وأن يمدد الصلح مرة أخرى لعشر سنوات قادمة، فلما قدم إلى المدينة أراد أن يستشفع إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه يعلم أن هذا الأمر الذي أحدثته قريش أمر عظيم لا يجرؤ أبو سفيان أن يخاطب فيه النبي ﷺ . فذهب أول ما ذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ يريده أن يكون وسيطاً له حتى يدخل به على الرسول ﷺ ، وحتى يحدثه في أمر الاعتذار عما وقع والتجديد لما مضى من العهد، فأبى علي ﵁، وقال: إن رسول الله ﷺ عزم على أمر لا نعلمه، ووالله لا أكلمه في ذلك. وكان قبل ذلك أو بعده -على اختلاف في روايات السيرة- قد مضى أبو سفيان إلى أم حبيبة بنته، وهي زوج النبي ﷺ ، فلما دخل عليها طوت الفراش عنه، فقال: أرغبت بي عنه، أم رغبت به عني؟ يعني: هل طويت الفراش لأنه لا يليق بي فستأتيني بأحسن منه، أم أنك طويت الفراش لأنه لا يصح أن أجلس عليه؟ فقالت له: إنه فراش رسول الله ﷺ ، وإنك امرؤ كافر، ولما رأى ذلك، قال: لقد أصابك بعدي شر يا بنية! وذهب إلى أبي بكر فرده كذلك، ثم ذهب إلى عمر، وكان خطأ فادحاً من أبي سفيان أن ذهب إلى عمر، وعمر هو من هو في شدته على المشركين والكافرين وعلى أعداء الإسلام أجمعين، فقال له: أتستشفع بي إلى رسول الله؟ والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به. فعلم أبو سفيان أنه لا أمل له في ذلك فرجع. وهنا أمر مهم، هو أن المسلمين على قلب رجل واحد، وأن رأيهم وقولهم مرتبط بقيادتهم التي تمتثل لدينهم وترعى مصالحهم، ولذلك كلهم أعرض عن أبي سفيان، ولم يجد أبو سفيان مدخلاً ينفذ به في المسلمين، بل وجد الأبواب كلها موصدة محكمة، ولم يستطع أن يدخل من عاطفة قرابة مع ابنته، ولا من عاطفة صداقة مع بعض الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ووجد أن الأمر محسوم وأنه لا مجال لشيء من ذلك.

стр. 376

خروج الرسول ﷺ بجيوشه إلى مكة وأما الموقف الرابع فهو من المواقف المهمة أيضاً في واقعنا المعاصر: ذلك أن النبي ﷺ عندما مضى إلى فتح مكة دعا القبائل، وحث المسلمين على أن يخرجوا معهم، فخرجوا في جمع عظيم لم يخرج مع رسول الله ﷺ قبله مثله قط، بل ربما لم تشهد الجزيرة مثله قط، وقد مضى إليهم في نحو عشرة آلاف، وصف القبائل كل قبيلة مع بعضها، وكل قبيلة لها زعيمها ولها رايتها، وعندما جاء إلى فتح مكة وعسكر خارجها، وأضرم جيشه النيران بالليل، وجاء أبو سفيان في حماية العباس بن عبد المطلب، والعباس -أيضاً- ممن أعلن إسلامه فيما بين الحديبية وفتح مكة، والروايات تقول: إنه أسلم قبل ذلك، لكن لم يكن هناك عمل ظاهر من العباس يعلن به إسلامه إلا في هذه الفترة. فجاء بـ أبي سفيان يردفه معه، وكان من فعل النبي ﷺ في ذلك الوقت أن استعرض الجيش، وكان الجيش يمر كتيبة كتيبة، وقد حبس أبا سفيان في بطن الوادي حتى يرى هذا الاستعراض العسكري العجيب، فكانت القبائل تمر وأبو سفيان يسأل: من هؤلاء؟ فيقول العباس: هؤلاء مزينة. من هؤلاء؟ هؤلاء أسلم إلخ، فقبائل العرب كلها قد كان الإسلام قد فشا فيها ودخل في أبنائها، وأبو سفيان ينظر بتعجب وبرهبة وبشيء من التعظيم والإجلال، وهو ما يزال يرى هذه الفرق والكتائب تتابع، حتى مرت الكتيبة الخضراء، وكان جنودها يلبسون الدروع ويلبسون الأقنعة، لا يرى منهم إلا العيون من أحداقها، وكان ذلك قصد من الرسول ﵇، فلما رأى أبو سفيان هؤلاء قال: من هؤلاء؟ قال له العباس: هؤلاء كتيبة المهاجرين والأنصار من جند رسول الله ﷺ . فقال أبو سفيان كلمة عظيمة، قال: والله ما لأحد بهؤلاء قبل! أي: هؤلاء لا يمكن أن يواجههم أحد، فهذا جيش لا يمكن أن يثبت ولا أن يصمد أمامه ولا أن يواجهه أحد، والهدف الأعظم هنا أن النبي ﷺ أراد أن يدخل الرعب في قلوب كفار قريش حتى يهزموا هزيمة نفسية، وحتى لا يقاتلوا ولا يواجهوا، تعظيماً من النبي ﷺ لحرمة البيت، وحفاظاً على حرمة مكة المكرمة. وهنا نستحضر قول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] فامتلاك المسلمين للقوة أمر مطلوب، لا لمجرد الدفاع عن أنفسهم، بل لإرهاب أعدائهم حتى يكون ذلك توطئة لأمور عدة، من أهمها أن لا يفكروا في العدوان على الإسلام وأهله، ولذلك ذكر الفقهاء أن من واجبات الإمام أن يغزو بالمسلمين ولو في كل عام مرة، ومن واجباته تأمين الثغور، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا لم يكن ذلك كذلك تجرأ الأعداء فاعتدوا على بلاد المسلمين، وانتهكوا بيضة الإسلام وأهله. ومن هنا نرى أن النبي ﷺ أراد أن يبين في هذا الموقف أن المسلمين لا تعوزهم القوة، ولكن هنا نقطة مهمة، وهي أن القوة عند أهل الإسلام مأمون شرها وضررها، فلا تستخدم إلا فيما يحقق الخير والمصلحة العامة للخلق، حتى وإن كان فيها قتل وقتال فإنها تقتل الأشرار، وتقتل البغاة، وتقتل المعتدين، وتقتل الذين يجترئون على دين الله ، وتقتل الذين يصدون الناس عن دين الله ، فلماذا نرى في عالم اليوم أن القوة محرمة على المسلمين وأنها مملوكة لغيرهم، مع أن غيرهم قد أثبت الواقع أنه استخدمها في كل ما هو محظور ومحرم، لا في ديننا وإنما في الشرائع والأنظمة التي يقولون: إنها دولية أو عالمية. وهذا كله ثابت في واقع الناس، ولكن حقيقة الأمر أنّ المراد أن لا يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الامتناع من عدوهم ومواجهة خصومهم، فضلاً عن أن يكون ذلك سبباً في إرهابهم لأعدائهم أو قدرتهم على الانتصار عليهم. ونحن نعلم أن النبي ﷺ أخذ بأسباب القوة والقتال في صور شتى، ومنها أنه بعد فتح مكة استعمل في الطائف لأول مرة ما عرف بعد ذلك بالمنجنيق، وهي الآلات التي تقذف الحصى، أو تقذف كتلاً من النيران إلى مسافة تبلغ الحصون التي كانت في ذلك الوقت، فأخذ النبي ﵊ هذه الأسلحة، لماذا؟ لأخذه بأسباب القوة وحصول المقصود والغاية، وهذا أمر مهم، فنحن قد قلنا من قبل: إن الواقع يثبت لنا أن العدوان وأن القتلى وسفك الدماء وانتهاك الأعراض وهدم البيوت وكل المحرمات في الأعراف الدولية -كما يقولون- فضلاً عن الأحكام الشرعية عندنا إنما وقعت بكثرة كاثرة في قديم التاريخ وحديثه، وفي واقع اليوم من قبل غير المسلمين، وإن وقعت من المسلمين فإن نسبة ذلك لا تذكر بالنسبة لما وقع من غير المسلمين، سواء في ذلك العدوان الذي نعلمه لعقود متطاولة في فلسطين، أو العدوان قريب العهد على أفغانستان والعراق، أو العدوان السابق لذلك في البوسنة والهرسك، أو في غير تلك البقاع المختلفة، فإنا واجدون ذلك كذلك واضحاً وبيناً.

стр. 377

الثقة بنصر الله الأمر الأخير الذي نختم به والذي نحتاج إلى أن نتدبر فيه ينقسم إلى قسمين، وكلاهما متعلق بعقيدة المؤمن ويقينه: الأول منهما: الثقة بنصر الله ، واليقين بتحقيق وعده، قال الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] كل هذه الوعود صادقة لا تتخلف، إنما الذي يتخلف فعل المسلمين، فلا تأتيهم حينئذ تلك الوعود؛ لأنهم لم يأتوا بالشروط. ولقد ظل النبي ﷺ يدعو في مكة عشرة أعوام، وظل بعد ذلك يجاهد ويكابد المشاق أعواماً أخرى، وخرج من مكة مهاجراً ومطارداً، وخرج لا يملك شيئاً من الدنيا، وكل المؤشرات المادية كانت في غير صالح المسلمين. ولو قسنا ذلك بالزمن لرأينا أنه ﵊ خرج من مكة مهاجراً طريداً وعاد إليها فاتحاً عزيزاً بعد ثمانية أعوام، فما هي في عمر الزمان؟ إنها مدة قصيرة، وخرج النبي ﷺ لا يملك مالاً ولا يملك سلاحاً، والمسلمون في ذلك الوقت قلة لا يؤبه لها، والأجواء المحيطة بهم والقبائل التي من حولهم كلها على الكفر والشرك. ثم لم يكن النصر في هذا العنصر المادي بقوة المسلمين أو كثرة جيوشهم، بل ما فتحوا مكة إلا بعد أن فتحوا قلوباً كثيرة وعقولاً كثيرة، ودخل في الإسلام من القبائل ومن الناس أعدادٌ هائلة عظيمة، وبعد العام الثامن في العام العاشر عندما حج النبي عليه والسلام حجة الوداع كان معه ما يزيد على مائة ألف نفس من أصحابه الذين حجوا معه. لقد فتح الله على رسوله ﷺ القلوب والعقول قبل أن يفتح البلاد والدور والحصون، ولذلك قال الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]. فنحن -إذاً- لابد من أن نعظم اليقين بنصر الله ، خاصة في هذه الظروف، فبعض الناس اليوم يقول: كيف سينتصر المسلمون؟! أمريكا الدولة العظمى في العالم والأمم المتحدة ضدهم، والأسلحة عابرة القارات! كأن بعض الناس نسوا أن هناك قرآناً يتلى، ونسوا أن هناك سنناً، ونسوا أن هناك قوة عظمى وهي قوة الله القائل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. وفي يوم الأحزاب اجتمع على المسلمين شدة الجوع وشدة الخوف وشدة البرد، وجيش المشركين يحيط بهم من كل جانب، وقريظة نقضت العهد، وأصبح المسلمون محاطين من كل جانب، وليست عندهم حيلة ولا قوة، فما الذي جرى؟ يقين بنصر الله، فكبر النبي ﵊ وبشر أصحابه بالنصر، ثم جاءت الريح فأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وقلعت الخيام، وطردت أولئك الكفرة والمعتدين ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، وبعدها قال النبي ﵊: (اليوم نغزوهم ولا يغزونا)، فلم يكن النبي ﵊ عندما خرج من مكة وهو مهاجر طريد عنده أدنى شك في أنه سينصر بإذن الله، وأن كلمته ستعلو، وأن دينه سينتشر، وأن رايته ستخفق، وأن دولته ستعم بقاع الأرض كلها، كما قال ﵊: (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن ديني سيبلغ ما زوي لي منها). فنحن اليوم في حاجة إلى أن نزيل هذا الوهن الذي سرى إلى النفوس، واليأس الذي تسلل إلى القلوب، واستعظام قوة الخلق ونسيان قوة الخالق، ونقول للذين أصبحوا اليوم يفتون في العضد ويقولون لنا: كونوا واقعيين، فماذا تريدون أن تفعلوا؟ وماذا يفعل هؤلاء الفلسطينيون في فلسطين؟ إنهم يزهقون أرواحهم، ويسفكون دماءهم، ويخربون بيوتهم بأيديهم، ثم لم ينجزوا شيئاً. نقول: سبحان الله! ننسى قوة الله ، وننسى قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وننسى كيف نصر الله رسوله في يوم بدر، وكيف نصر المسلمين في عهد النبي ﵊! بل إلى قريب من عهدنا هذا في حرب رمضان التي انتصر فيها المسلمون على اليهود في أول هذه المعارك. فلماذا نغفل عن ذلك كله؟! درس الفتح يعلمنا أن الدائرة تدور وأن الأيام تتوالى، وأن الأعوام تكر، وأن العاقبة للمتقين، وأن النصر للمؤمنين ولو بعد حين.

стр. 378

النصر ليس مدعاة للكبر الأمر الثاني المصاحب لما سبق أن نصرنا لا يؤدي إلى كبر، وأن نصرنا لا يقود إلى خيلاء، وأن نصرنا لا يؤدي إلى فتنة النفوس بالإعجاب، ولا إلى الطغيان الذي يكون مع المنتصرين من غير أهل الإيمان والإسلام. لما دخل النصارى بيت المقدس عام اثنين وتسعين وأربعمائة من الهجرة قتلوا في داخل المسجد وفي أنحائه نحواً من سبعين ألف نفس، حتى خاضت ركب الخيل في الدماء. وفي يوم دخول التتار إلى بغداد قتلوا نحو ثمانمائة ألف نفس، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف نفس. كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، واستحر القتل بأهل بغداد أربعين يوماً حتى سالت ميازيب البيوت من دماء المسلمين، وحتى بلغ نتن الجيف من أرض بغداد إلى بلاد الشام، وذلك هو طغيان النصر. لكن انظر إلى رسول الله ﷺ يوم دانت له مكة التي استعصى عليه أهلها، مكة التي كان أهلها أشد الناس إيذاءً له، مكة التي كانت مؤلبة ومحرضة عليه للقبائل، ولكل الأعداء الذين سعت قريش إلى أن تجعلهم في صفها ضد رسول الله ﵊، دخل ﵊ مطأطئاً رأسه تواضعاً لله ، وفي بعض الروايات: (حتى مست لحيته ظهر دابته) ﵊، دخل وهو المنتصر لا في نشوة المنتصر، بل في ذلة العابد الحامد لربه ، ولذلك لم تطغ نفسه، فلم يأت بالناس ليقص رقابهم ويسيل دماءهم، بل عفا عنهم، وجاءه من هرب كـ حكيم بن حزام وغيره، وجلسوا بين يديه يلتمسون عفوه فوجدوا نفسه سمحة بذلك، إلا من كان عدواً لله ولرسوله، من اجترأ على دينه أو سب وآذى رسوله ﷺ ، فأولئك بضعة نفر في أعلى روايات السيرة أنهم تسعة أهدر النبي ﷺ دماءهم وأمر بقتلهم ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة. لكن جمهور أهل مكة ما أصاب أحداً منهم من رسول الله ﵊ ضر، ومكة نفسها ما هُدِم فيها بيت، ولا قلعت فيها شجرة، ولا أضرمت فيها نار، تلك هي انتصارات الإسلام، ولعلنا نستحضر يوم السابع والعشرين من شهر رجب في العام السابع والثمانين بعد الخمسمائة من الهجرة يوم دخل صلاح الدين منتصراً إلى بيت المقدس في يوم جمعة، ولعلنا نتذكر الخطبة التي خطبها القاضي الفاضل، وكلها تذكير بفضل الله، وإقرار بنعمة الله، واعتراف بضرورة شكر الله، ولعلنا نعرف صنع صلاح الدين الذي قضى دهراً طويلاً من عمره مرابطاً في جهاده في سبيل الله.

стр. 379

الحج إيمان وإسلام وإحسان الحج شعيرة عظيمة من شعائر الله ، وفي الحج تتجلى مراتب الدين كلها في أبهى صورها وأحسنها، ففيه تتجلى مظاهر الإسلام والإيمان، وتظهر فيه حقيقة الإحسان التي هي أعلى مرتبة في الدين.

стр. 380

عظمة الحج الحمد لله الذي جعل الإيمان أماناً وأمناً، وجعل البيت مثابةً للناس وأمناً، وجعل حجه فريضة، وتعظيمه شعيره، والصلاة فيه فضيلة، له الحمد على ما أفاض من الخيرات، وما ضاعف من الحسنات وما محا من السيئات، وعلى ما جعله لنا من أيام دهرنا من النفحات، وله الحمد ملء الأرض والسموات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الحج إيمان وإسلام وإحسان، ونحن إذ نقترب من تلك الأيام المباركة والفضيلة الجليلة نذكر أنفسنا بجماع هذه الأمور العظيمة، وجماعها الدين كله، كما ورد بذلك حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه الرسول ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه ثم قال: (ذلك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). موسم الحج موسم عظيم لتقوية الإيمان وزيادته، وموسم عظيم لتحقيق الإسلام واستسلامه، ومدرسة كبرى لتعلم الإحسان في معاملة الله واستشعار مراقبته، وأي أمر أعظم عند المسلم من أن يقوى ويزيد إيمانه، وأن يتحقق إسلامه واستسلامه، وأن يكون في رتبة الإحسان في تعامله مع ربه ؟ وكل ذلك يجده المسلم في هذه الفريضة العظيمة والشعيرة الجليلة. إن الحج إيمان؛ لأن هذا الإيمان بما اشتمل عليه من تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح يتجلي بوضوح في هذه الفريضة، بل وكل معاني الإيمان العظيمة من محبة الله، وخوفه، ورجائه، والتضرع إليه، والخضوع له، والاستكانة إليه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وغير ذلك من أعمال القلوب ومشاعر النفوس تتجلى في هذه الفريضة بدءاً من الانطلاق والتوجه إليها، بل بدءاً من معناها، فالحج في لغة العرب هو القصد، والحج في اصطلاح العلماء من أهل اللغة القصد إلى من يعظم. وهو في مصطلح الشرع: قصد مكة والمناسك في زمن مخصوص لأداء مناسك مخصوصة. فعندما ينوي الحاج حجه ويهيئ أمره تنبعث في نفسه وقلبه المشاعر، فقلبه معلق بالله، وغايته مرتبطة برضاه، ومشاعره متوجهة إلى بيته الحرام وإلى حماه ، وذلك مبعث إيمان في قضية التوحيد والإخلاص لله ، قال : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، إنها كلمات موجزة من كلام الحق جل وعلا، فهذه شطر آية تشتمل على المعاني العظيمة إيماناً وإسلاماً وإحساناً، فقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة:١٩٦] أي أنه ليس مجرد أداء، بل هو إتمام وإتقان وإتيان بأركان وواجبات وسنن، مع حضور القلب وتحرك المشاعر وبذل المال وجهد البدن وانتقال من حال إلى حال، كل ذلك ضرب أو لون أو صورة مجتمعة تؤدي معنىً من معاني الإتمام والإتقان المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن اللام لام اختصاص، وهي تدل على أنه ليس من قصد، ولا من نية، ولا من توجه إلى الله إلا ابتغاء رضاه جل وعلا؛ إذ ليس هناك شيء في القلب ولا شعور في النفس يتوجه لغير الله، بل هو محض توحيد كامل، ونبع إخلاص صافً لا يشوبه شائبة رياء ولا توجه أو تعلق بغير الله . وفي الآية الأمر بالإخلاص في النسك، وإتقانه لله بكل شيء، بالمال لله، والجهد لله، والانتقال والتعب لله، والنية والقصد لله، والشعور والعاطفة لله، والدعاء والخضوع لله، والحركة والسكون لله، والدمعة والعبرة لله، كل ذلك لله. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] معنىً إيماني عظيم ينبغي أن يستشعره الحاج وغير الحاج؛ لأن المسلمين جميعاً في هذا الموسم يشاركون -وإن لم يحجوا- في الفضائل التي في العشر الأوائل، وما فيها من ذكر وتذكير ببعض أعمال الحجاج، وما في الموسم كله من هذه المعاني، وتأمل فعل المصطفى ﷺ فيما ورد عنه من حديث أنس ﵁ قال: (حج النبي صلى الله علي وسلم على رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال عند إهلاله: اللهم! حجةً لا رياء فيها ولا سمعة)، رواه الطبراني وسنده صحيح. ليست المظاهر ولا الأشكال، وليست الإمكانيات ولا الأموال هي الميزان، فقد حج سيد الخلق ﷺ على رحل رث وقطيفة قد تساوي أربعة دارهم أو لا تساوي، ثم بين أن المقصد الأعظم هو تجريد القصد لله، وتحرير الإخلاص لله، فقال: (اللهم! حجةً لا رياء فيها ولا سمعة).

стр. 381

تحقق التوحيد في أعمال الحج يذكرنا بتحقيق هذا التوحيد كل عمل من أعمال الحج، فأنت في الحج تقصد بيت الله الواحد، وتطوف حول كعبته المعظمة التي تتوجه إليها، فأنت في الحج لا تدعو ولا تتضرع ولا تتوسل إلا لله الواحد، وأنت لا تنطق بلسانك إلا التوحيد، بل تصدع به وتجعله يتردد في أجواء الفضاء: لبيك اللهم لبيك، (لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، فتأمل هذه التلبية وهي تؤكد نفي كل شريك. وتؤكد التعلق التام بالله توحيداً وإخلاصاً وقصداً وتجرداً، وذلك أمر تتواطأ فيه مشاعر القلب مع كلمات اللسان مع حركات الجوارح في جموع الطائفين والساعين بين الصفا والمروة، والواقفين على صعيد عرفات، والمفيضين إلى مزدلفة، والمقيمين بمنىً، والناحرين والذابحين لهديهم، إذ كل حركاتهم تدل على هذا التوحيد، وتشير إلى هذا الإخلاص، وتحيي في القلب المعاني الإيمانية العظيمة، أليس من أعظم معاني الإيمان محبة الله؟ ألست قصدت بيته وتركت بيتك؟ أليس التوجه إليه وتخليص الدنيا وراءك فيه إعلان أن أمره وقصده أحب إلى نفسك وأعظم في قلبك من كل شيء آخر؟ أليس هذا تحقيقاً للمحبة بمعنىً قلبي يعضده سلوك عملي وتحرك جماعي وظهور لهذا على مستوى الأمة كلها؟ أليس من أعظم المعاني الإيمانية الخضوع والخشوع والتذلل والاستكانة؟ فهل يرى أحد أن مثل هذا يمكن أن يتحقق بأكثر من تحققه في يوم عرفة، يوم يقف الناس بلا رسوم ولا أشكال، بلا مظاهر وبلا مفاخر، يقفون حاسري الرءوس، رافعي الأيدي، ساكبي العبرات، مطأطي الأعناق خضوعاً لله وطلباً لرضاه.

стр. 382

مظاهر الإيمان في الحج إن أعظم مشاعر الإيمان في التذلل والاستعانة والاستغاثة بالله تحيا وتقوى وتعظم وتظهر وتتجلى في القلب في مواقف الحج العظيمة كلها، والتوحيد والإخلاص يتكرر، فعندما ترقى الصفا أو ترقى المروة يأتيك حديث النبي ﷺ عندما كان يكبر متوجهاً نحو البيت ويقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) يجلي هذا المعنى، ويرفع به صوته، ويكرره في ذكره. وجاء من حديث عائشة ﵂ في يوم عرفات أن النبي ﷺ قال: (خير ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير). وورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده قال: (كان أكثر دعاء النبي ﷺ في يوم عرفة: لا إله إلا الله)، إنه التوحيد والإخلاص والإيمان قولاً وحالاً وعملاً، ومظهراً فردياًً، وصورة جماعية على مستوى الأمة، وذلك ما نراه ونشهده ونتذكره ونعتبر به من هذه الفريضة. ومن دلائل الإيمان تعظيم الله ، وتعظيم قدره، وتعظيم ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى. ومن أعظم صور التعظيم الإيماني ما في هذه الفريضة العظيمة، ألست ترى التعظيم في هذا القصد والتوجه؟ فأنت تتوجه إلى مكان، ثم إذا بك محرماً لا تأتي محظورات الإحرام -وإن كانت مباحة قبل إحرامك- تعظيماً لهذه الفريضة، وتعظيماً لله جل وعلا، ثم أنت على صورة من مراعاة الأدب ومراعاة الحرمة في بيت الله وفي الأماكن المقدسة، إنه تعظيم وأي تعظيم! حيث تعظم به الله الذي أمرك بهذا التعظيم، كما في قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ذلك التعظيم الذي نعظم فيه الله في هذه الفريضة هو من أجلى وأعظم مواقف الإيمان، فأنت تعظمه وتستشعر عظمته حين ترى الخلائق والحجاج مجتمعين على صعيد عرفات كلهم بألسنة مختلفة، وبمطالب متعددة، يسألون الله ، فتستحضر الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر ﵁ عن الرسول ﵊ عن رب العزة والجلال، وفيه: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على صعيد واحد فسألني كل وحد مسألته فأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في اليم)، فأعظم بكرم الله وجوده! وأعظم بأسمائه وصفاته ! إنها عظمة متناهية تحيا في القلب وأنت تعيش في تلك الأماكن المقدسة، وفي تلك البقاع المطهرة، وفي تلك المناسك المعظمة التي أمر الله بتعظيمها، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. إن الذي ينقض الحرمة معرض لعذاب الله ؛ لأنه يفسد حقيقةً إيمانية من مقاصد هذه العبادة العظيمة، وهي تعظيم الله بتعظيم ما أمر بتعظيمه.

стр. 383

تعظيم الله بتعظيم حرماته ومقدساته إن من تعظيم الله مراعاة ما حرم الله في هذه البلاد المحرمة في بيت الله الحرام من تنفير الصيد، وقطع الشجر، فلا يجوز أن يفسد في الأرض، أو يفسد في حرم الله، أو يفسد في البلاد التي فيها حرم الله ، أو ينقض أمن الحجاج، أو يثير رعبهم، أو يعتدي على أرواحهم أو أموالهم، أو يجعل شيئاً من ذلك في هذه الفريضة بصورة أو بأخرى، فمن فعل هذا أو شيئاً منه فإنه متعرض لهذا التهديد والوعيد الرباني في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. فالحفاظ على حرمة البيت والحرمين والحفاظ على بلاد الحرمين وحرمتها تعظيم لله ، وتعظيم لحرمات الله ، وإشاعة للأمن الذي جعله الله مزيةً للحرمين الشريفين، ومزيةً للبلاد المقدسة المحرمة، ومزية للشعائر والفرائض التي جعلها فيها، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥]، حتى كان أهل الجاهلية يرى أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يعرض له بسوء تعظيماً لحرمة الزمان والمكان التي أكدها النبي ﷺ في حجة الوداع عندما سأل عن الزمان والمكان والوقت، ثم قال: (ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، إنها حرمة معظمة، يجب أن نعظمها لله ، وفاعل هذا محقق لمعنىً من معاني الإيمان. قال ابن القيم ﵀: لم يقدُر الله جل وعلا حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق عنده أولى من طاعة الله، فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله، وسواه مقدم عنده؛ لأنه المهم عنده. إن تعظيم الله بتعظيم حرمة بيته، وتعظيم شعائره، وتعظيم المشاعر التي قدسها وأمر بتقديسها وأمر أن نطهرها ونعظمها، ولذلك فمن كلام الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: (يا أهل مكة! انظروا إلى بلدكم، ثم قال لهم: أتدرون من كان ساكناً في بلدكم هذه؟ ثم قال: كان فيها بنو فلان فأحلوا حرمتها فأُهلكوا، ثم كان فيها بنو فلان فأحلوا حرمتها فأُهلكوا. ثم عدد بطوناً من الناس، ثم قال: لأن أعمل بعشر خطايا في غيره أحب إلي من أعمل واحدة في مكة). وذلك من تعظيم حرمات الله، ومن استشعار وتحقيق معاني الإيمان، والأمر في ذلك ظاهر بين.

стр. 384

وجوب البراءة من الشرك والكفر والجاهلية ومن تحقيق الإيمان البراءة من الشرك قولاً وعملاً، وهذا القول والعمل جسده لنا رسول الله ﷺ عندما بعث أبا بكر والناس إلى الحج في العام التاسع ليبطلوا قبل حجة المصطفى ﷺ كل مظاهر الكفر والشرك والجاهلية، وأمر أن ينادى في هذه الحجة: (لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)، وكان ﷺ عندما دخل مكة قبل ذلك بعام قد حطم الأصنام، وأزال رسومها، وأبطل كل صورها، وأنهى كل معالم الشرك والكفر، ثم جاء ﵊ في حجة الوداع وقد زالت كل تلك المعالم، وأكد بعد ذلك أن مقتضى التوحيد البراءة من الشرك والكفر والجاهلية، كما بين ذلك في قوله ﷺ : (ألا وإن دماء الجاهلية موضوعة تحت قدميْ، ألا وإن أول دم أضعه دمنا، دم ربيعة بن الحارث. ثم قال: ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، ألا وإن أمر الجاهلية موضوع)، أو كما قال ﷺ فيما صح عنه من خطبة حجة الوداع، إنه إبطال لكل صورة من صور الشرك والتعلق بغير الله، أو التعظيم لغير الله، أو المحبة لغير الله .

стр. 385

تجلي حقائق الإيمان في مشاعر الحج وقد أرسل النبي ﷺ في حجته إلى الناس يوم عرفة من يقول لهم: (كونوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرث من إرث إبراهيم)، وقد كان أهل قريش في الجاهلية يقفون بعرفة وحدهم في غير موقف الناس، ويفيضون في غير مفاض الناس، فأراد أن يبطل ذلك، وأبطله رسول الله ﷺ ، وتنزلت به الآيات القرآنية، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، ليعلن النبي ﷺ حقائق الإيمان ومسلمات التوحيد فضلاً عن ذلك الفعل بالقول وبالمشاعر التي أشرنا إليها، والتضرع والمناجاة والخشوع والسكينة والتذلل من أجل صفات الإيمان، وهي منظورة ظاهرة في هذه الفريضة، بدءاً من الإهلال بالحج والتلبية بها، ومروراً بالدعاء الضارع الخاشع طوافاً وسعياً، وفي موقف عرفات، وفي ما كان عند الإفاضة، فإن النبي ﵊ دعا يوم عرفات حتى غربت الشمس، ودعا بعد فجر مزدلفة حتى أسفر النهار، ودعا بعد رمي الجمرة الأولى والثانية، وكان يدعو بقدر سورة البقرة، فكان يلازم الذكر والدعاء والتضرع ومعاني الخشية والخوف والرجاء والأمل في الله ، وهذه هي المعاني الإيمانية العظيمة التي تجدها متبسطةً متجليةً متزايدةً في هذه الفريضة، وفي هذه المواقف العظيمة. فلله ما أعظم هذه الفريضة التي تحيي الإيمان وتقويه! وتأمل هذا المشهد الوصفي في جزء من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، قال جابر ﵁ في وصف طواف النبي ﵊ عند وصوله إلى مكة: (فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء) ﷺ ، إنها مشاعر الإيمان المتدفقة، إنه ليس عمل بدن وزحام وإرادة انتهاء من الفريضة أو من العمل والنسك، بل هو حضور القلوب، وإحياء معاني الإيمان، حتى إنه ﵊ عند استلام الحجر فاضت عيناه، فكيف به وهو يطوف، وهو يدعو، وهو يقف في عرفات، وهو يمر ﵊ بتلك الأماكن والعرصات؟!

стр. 386

تجلي حقيقة الإسلام في مناسك الحج إن في الحج موسماً عظيماً للتقوى، كما قال : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]، فالحج هو نبع الإيمان، وهو كذلك صورة الإسلام الحقيقية فالإسلام هو الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، بأن تخرج من هواك، وأن تخرج من راحتك، وأن تخرج من أمنياتك وشهواتك ورغباتك إلى أمر الله وطاعته، وإلى هدي رسول الله ﷺ وسنته، كما قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). إن الإسلام استسلام لأمر الله، وإن كان فيه مشقة على البدن، أو فيه ثقل على النفس، أو فيه مغايرة ومخالفة لما في القلب من طبع، وكل ذلك يتجلى في حقيقة هذه الفريضة في قصة الخليل إبراهيم ﵇ في الموقفين العظيمين الجليلين: يوم جاء بزوجه وابنه الرضيع إلى الصحراء القاحلة الجرداء التي لا ظل فيها ولا ماء، ولا إنس ولا بشر، وتركهم وقفل عائداً، فكيف طاوعته نفسه؟ وكيف لم يخالفه قلبه؟ وكيف لم تدركه رحمته؟ وكيف لم تنازعه شفقته؟ إنه كان بشراً، وكان كذلك يحمل صفات البشر، لكن أمراً كان أعظم من ذلك كله في نفسه هو أمر الله، إنه استسلام ومضي مع هذا الأمر وإن خالف كل شيء في الحياة، فمضى ﵇، فاستوقفته زوجه قائلةً -وهي المؤمنة المسلمة-: آلله أمرك بذلك؟ فيهز رأسه دون أن يلتفت أن: نعم. فقالت: إذن لن يضيعنا. فمضى تاركاً أهله، إلا من قليل ماء وتمر، وتبقى المرأة ومعها رضيع، ليس لها حول ولا طول، لكن الإيمان العظيم، والإسلام التام، والاستسلام المحض جعل تلك القلوب تفيء إلى أمر الله، وتطيع أمر الله، ولا تلتفت إلى شيء سواه، فسعت بين الصفا والمروة، تبحث وتؤدي الواجب، وتأخذ بالأسباب، ويأتي الجواب في مكان آخر، وتأتي النعمة والفضيلة والفرج في مكان آخر، كانت تطوف بين الصفا والمروة وتفجرت زمزم من جهة أخرى، ثم بعد ذلك صار الناس والأفواج يأتون، وبهذا تحقق نداء الله تعالى لإبراهيم حين قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، وتحقق دعاء الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، كل ذلك تحقق لما كان الاستسلام لأمر الله. ولما بلغ إسماعيل السعي رأى الخليل أنه يذبحه، كما قال حاكياً عنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، ولم يقل: أضربك. ولا: أهجرك. بل ((أذبحك)) فجاء الاستسلام والإسلام: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، ومضى المؤمنان المسلمان لأمر الله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٧]، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، كل هذه المعاني ينبغي أن تتجلى في هذه الفريضة. ونحن نقف في عرفات في اليوم التاسع لأن الله أمر، ونرجم الحصيات سبعاً وليست عشراً أو دون ذلك لأن الله أمر، ونبقى هذه الأيام على وجه الخصوص، ولا نخرج من عرفات إلا بعد الغروب لأن الله أمر، ولا نذهب إليها إلا في ذلك اليوم لأن الله أمر، وكل ذلك نقول: إننا فيه مستسلمون لأمر الله. إنه تدريب عملي على حقيقة الاستسلام وبذل كل شيء لتحقيق هذه العبودية، فالمال يُبذل، والأهل والأولاد يسخرون إن جيء بهم، أو يقطعون ويهجرون إن تركوا خلفه، وكل شيء لا يحول ولا يمنع من أن يمضي المسلم لتحقيق إسلامه واستسلامه ومضيه لأمر الله، وأمر آخر في ذلك، وهو المتابعة والموافقة الدقيقة لرسول الله ﷺ عندما قال: (خذوا عني مناسككم)، فالأقدام تلو الأقدام، والحركات خلف الحركات، والأوقات مراعية للأوقات، والصورة هي الصورة، حيث يحج الناس اليوم كما حج محمد ﷺ من قبل أربعة عشر قرناً، دون اختلاف في شيء من الأمور مطلقاً، فأمة إسلام تسير وفق أمر الله، وتتابع هدي رسول الله، فما بالها في غير هذا الأمر من شئون الحياة، وفي غير هذه البقاع من بلد الله تخالف أمر الله، وتهجر أمر الله، وتتبع الأهواء، وتقدم الآراء، بل قد توافق الأعداء، وتسير على إثرهم مخلفةً وراءها حقيقة إسلامها في استسلامها لأمر الله واتباعها لهدي رسول الله ﷺ ؟!

стр. 387

حقيقة الإحسان في الحج في الحج يوجد الإحسان، وهو مراقبة الله، فلا يكاد المرء يجد صورة يتحقق فيها المسلم المؤمن باستشعار مراقبة الله والحياء منه كما يكون في هذه الفريضة. فما أجلى وما أظهر هذه المعاني المهمة التي هي قوام الدين! إنه إيمان وإسلام وإحسان في هذه الفريضة لمن حجها ولمن أداها، ولمن تدبر فيها وفي معانيها. نسأل الله أن يعظم إيماننا، وأن يحقق إسلامنا، وأن يرفعنا إلى درجة الإحسان، وأن يجعلنا نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا. اللهم! ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم! ألهمنا ذكرك، وأعنا على شكرك، ووفقنا لطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا -اللهم- ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم! اجعل طاعتك أقوى عندنا وأعظم من أهوائنا، ومن شهواتنا، ومما نحتاج إليه في دنيانا. نسألك -اللهم- أن تعظم أمرك ونهيك في قلوبنا، ونسألك -اللهم- أن تجعلنا لهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم! فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وزلزل -اللهم- الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! رد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم! اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم! أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين في أرض العراق وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين، وثبت -اللهم- أقدامهم، ووحد رايتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأخلص نيتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم! احفظ على بلاد الحرمين أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها يا رب العالمين. اللهم! لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم! يسر للحجاج حجهم، اللهم! بلغهم مقاصدهم في يسر وأمن وأمان وسلام يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك أن تيسر لنا أمورنا، وأن تقضي حوائجنا، وأن تحسن ختامنا، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. والحمد لله رب العالمين.

стр. 388

الهول الأكبر كثيراً من الناس ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوا أنه القوي الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومما يدل على قوته وعظمته سبحانه ما يحصل من زلازل وكوارث عظيمة، فيجب على المسلم أن يقف مع ذلك ويتأمل فيه، فإن لذلك دلالات وأسباباً، ومن ذلك أن الله يبين لعباده عظيم قدرته وقوته، وأن المخلوق مهما عظم وقوي فإن الله أعظم وأقوى، ويجب أن نعلم أن هذه الزلازل والكوارث إنما هي بسبب الذنوب والمعاصي، فلنتب إلى الله ولنرجع إليه.

стр. 389

الزلازل المدمرة والأمواج المهلكة الحمد لله له جنود السماوات والأرض، لا يعجز قدرته شيء في السماوات ولا في الأرض، له الحمد هو القوي المتين، أمره بين الكاف والنون، إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على ما أفاض من النعم، وما صرف من الشرور والنقم، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وأرسله إلى الناس كافّة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوب غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديث الناس عن الهول العظيم، والزلازل المدمرة، والأمواج المهلكة، صورة مرعبة وهول مفزع، وأمر ليس لأكثر الناس به عهد سابق، أمر من الأمور الكونية القدرية التي لها عندنا معاشر المؤمنين فقه خاص ينبغي أن نؤكد عليه، وأن نذكر به، ليس وقوفنا مع الأمواج العاتية التي تبلغ ارتفاعاتها من عشرين إلى أربعين متراً فيما وقع، وفيما هو من الناحية العلمية تصل إلى نحو مائة متر في الارتفاع، وهذا معناه أن ارتفاعها يبلغ ارتفاع مبانٍ تصل إلى عشرات الأدوار. ثم فوق ذلك تدخل إلى اليابسة متجاوزة حدودها التي أمسكها الله عنها طوال الأيام والأعوام التي لم يكن الناس يلتفتون إلى ذلك ولا يعتبرون به، تدخل إلى عمق اليابسة حتى وصلت في بعض المناطق إلى ثمانية كيلو مترات، وتضرب بقوة عاتية وتحمل صخوراً يصل وزنها إلى عشرين طناً، وتغمر الأرض بمائة طن من المياه لكل متر مكعب في الأماكن المواجهة لها، فهل يصدق الناس هذا لولا أنه كان رأي العين! ولولا أنه خلف وراءه أكثر من عشرين ومائة ألف قتيل في الإحصاءات القريبة، وعدداً مجهولاً من المفقودين، وأكثر من خمسة ملايين من المشردين، ومئات بل آلاف الملايين من الأموال والخسائر، هل حصل ذلك خلال عقد كامل؟ إنه حصل في سويعات من يوم أو يومين، ويمتد الهول إلى أماكن بعيدة في جنوب شرقي آسيا ليصل إلى جوانب من إفريقيا، ليقطع طولاً من المسافات شاسعاً، إذ إن هذه الأمواج تصل سرعتها إلى ثمانمائة كيلو متر في الساعة مقارنة بذلك سرعة الطائرات النفاثة، وهذه صورة مبسطة مما ينبغي أن تنقشع به الغشاوة عن الأعين، وأن يجلي كدر وصدأ القلوب من جديد، عندما تعم الغفلة وتضرب بسكونها وإلفها وعاداتها، فلا يلتفت عقل، ولا تنظر عين، ولا يتدبر قلب. إن هذه الحقائق قد سمعها الناس جميعاً، وربما عند بعضكم من تفصيلاتها أكثر مما قلت ومما قد أقول، لكن ما وراء ذلك؟ ما الذي ينبغي أن نلتفت إليه ونستفيد منه، ونحن قد سلمنا الله جل وعلا من كل هذا الهول العظيم، والخطب الجسيم، والدمار الكبير؟ فلننتبه! وإليكم هذه الوقفات:

стр. 390

عظيم قدرة الله تعالى أولها: الانتباه إلى قدرة الله: فقدرة الله لا يعجزها شيء، قدرة لا يستطيع الخلق أن يتصوروها، ولا أن يعرفوا مدى حجمها، ولا أن يحيطوا بآثارها وما قد ينجم عنها، وذلك في حس المؤمن له آثار كبيرة، إن علمت أنه جل وعلا رب الأرباب، وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، وأنه كما قال جل وعلا: ﴿وللَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤]، وأنه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وأنه كما قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فما بالك تستمد القوة من غير قوة الله؟! وما بالك تخضع وتخاف وتذل لقوة الخلق والبشر؟! وأين هذه القوة؟! لو كانت على هذه السواحل الطائرات الحربية، والدبابات المدمرة، فهل ستقف أمام هذه القوة العاتية من زلزال في ثوان معدودات أو دقائق قليلة؟! ومن أمواج ماء البحر الذي نركبه ويركبه الناس كل يوم؟! ثم انظر وتأمل ما الذي يجري في واقع المسلمين وواقع الأمة اليوم، وقد خضعت الرقاب، وذلت الأعناق، وسلمت الديار؛ خوفاً من قوة تسمى: قوة عظمى، ولله جل وعلا القوة العظمى قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] هو الذي بين لنا حقائق ذلك في كتابه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤]. إن الذين ركنوا إلى قوى الأرض ما قدروا الله حق قدره، وما أيقنوا أن الله هو القوي العزيز: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤]. ونموذج قرآني واحد أقدمه ليكشف عن بعض هذه القوة عند قوم كانوا جبابرة في الأرض، وكانوا قد سخروا وذللوا كثيراً من أسباب الأرض حتى نحتوا الجبال، وجعلوا بيوتهم وقصورهم في أعماقها وبطونها، قوم كانوا يرون أنه ليس هناك من هو أقوى منهم، ولا من هو أقدر على مواجهتهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٥ - ١٦]. مستكبرون، مغترون بقوتهم، يقولون بلسان الكفر والفجور: من أشد منا قوة؟! كل قوى الأرض تخضع لنا، ونحن قادرون على البطش بها، وعلى الانتصار عليها، وينسون الذي خلق، والذي مكن من الأسباب، وأنه جل وعلا قادر على قهرهم، فأرسل عليهم واحداً من جنده في أيام وأحوال عارضة، فانتهى أمرهم، ودخلوا في سجل التاريخ مع الهالكين، لم يحتاجوا من قوة الله إلا إلى نزر يسير لا يستطاع تقديره من قلته. وهكذا نجد القرآن يخبرنا بذلك ويبينه لنا لكننا نحن لا نلتفت ولا ننتبه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، وسيد الخلق ﷺ يقول: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، تذكروا كل جبابرة الأرض، تذكروا كل قوى الطغيان في قديمها من عهد فرعون ومن كان معه وبعده، وفي حديثها من الدول العظمى التي سقطت من قريب، بعد أن كان ذكر اسمها يخلع قلوب الضعفاء والجبناء. وانتبه إلى هذه القوة العظيمة لتوقن أنها في أي لحظة من اللحظات قد يصيبك أثر منها، وقد يحل بك بلاء منها، فأين أنت من النجاة إلا بعصمة الله ورحمة الله، ويوم كان ابن نوح عند الطوفان غره عقله، وظن أن الأسباب المادية تنجيه، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] وجاء الجواب ﴿ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣]، وانتهى به الأمر إلى أن غمر الماء الجبال العالية، وغمر كل شيء، فلم يبق ولم يذر، ولم ينج إلا النفر الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، وكانوا قلة قليلة. ذكر بعض أهل التفسير أن الذين آمنوا مع نوح واتبعوه في أقل رواية اثنا عشر رجلاً وفي أكثرها أربعون رجلاً، فانظروا إلى رحمة الله كيف استثنت قلة قليلة وأهلكت كثرة كاثرة كافرة فاجرة عاتية باغية ظالمة، وما ذلك على الله بعزيز.
следующие страницы →