Полный текст (2 691 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تجلي حقيقة الإسلام في مناسك الحج
إن في الحج موسماً عظيماً للتقوى، كما قال : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]، فالحج هو نبع الإيمان، وهو كذلك صورة الإسلام الحقيقية فالإسلام هو الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، بأن تخرج من هواك، وأن تخرج من راحتك، وأن تخرج من أمنياتك وشهواتك ورغباتك إلى أمر الله وطاعته، وإلى هدي رسول الله ﷺ وسنته، كما قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).
إن الإسلام استسلام لأمر الله، وإن كان فيه مشقة على البدن، أو فيه ثقل على النفس، أو فيه مغايرة ومخالفة لما في القلب من طبع، وكل ذلك يتجلى في حقيقة هذه الفريضة في قصة الخليل إبراهيم ﵇ في الموقفين العظيمين الجليلين: يوم جاء بزوجه وابنه الرضيع إلى الصحراء القاحلة الجرداء التي لا ظل فيها ولا ماء، ولا إنس ولا بشر، وتركهم وقفل عائداً، فكيف طاوعته نفسه؟ وكيف لم يخالفه قلبه؟ وكيف لم تدركه رحمته؟ وكيف لم تنازعه شفقته؟ إنه كان بشراً، وكان كذلك يحمل صفات البشر، لكن أمراً كان أعظم من ذلك كله في نفسه هو أمر الله، إنه استسلام ومضي مع هذا الأمر وإن خالف كل شيء في الحياة، فمضى ﵇، فاستوقفته زوجه قائلةً -وهي المؤمنة المسلمة-: آلله أمرك بذلك؟ فيهز رأسه دون أن يلتفت أن: نعم.
فقالت: إذن لن يضيعنا.
فمضى تاركاً أهله، إلا من قليل ماء وتمر، وتبقى المرأة ومعها رضيع، ليس لها حول ولا طول، لكن الإيمان العظيم، والإسلام التام، والاستسلام المحض جعل تلك القلوب تفيء إلى أمر الله، وتطيع أمر الله، ولا تلتفت إلى شيء سواه، فسعت بين الصفا والمروة، تبحث وتؤدي الواجب، وتأخذ بالأسباب، ويأتي الجواب في مكان آخر، وتأتي النعمة والفضيلة والفرج في مكان آخر، كانت تطوف بين الصفا والمروة وتفجرت زمزم من جهة أخرى، ثم بعد ذلك صار الناس والأفواج يأتون، وبهذا تحقق نداء الله تعالى لإبراهيم حين قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، وتحقق دعاء الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، كل ذلك تحقق لما كان الاستسلام لأمر الله.
ولما بلغ إسماعيل السعي رأى الخليل أنه يذبحه، كما قال حاكياً عنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، ولم يقل: أضربك.
ولا: أهجرك.
بل ((أذبحك)) فجاء الاستسلام والإسلام: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، ومضى المؤمنان المسلمان لأمر الله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٧]، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، كل هذه المعاني ينبغي أن تتجلى في هذه الفريضة.
ونحن نقف في عرفات في اليوم التاسع لأن الله أمر، ونرجم الحصيات سبعاً وليست عشراً أو دون ذلك لأن الله أمر، ونبقى هذه الأيام على وجه الخصوص، ولا نخرج من عرفات إلا بعد الغروب لأن الله أمر، ولا نذهب إليها إلا في ذلك اليوم لأن الله أمر، وكل ذلك نقول: إننا فيه مستسلمون لأمر الله.
إنه تدريب عملي على حقيقة الاستسلام وبذل كل شيء لتحقيق هذه العبودية، فالمال يُبذل، والأهل والأولاد يسخرون إن جيء بهم، أو يقطعون ويهجرون إن تركوا خلفه، وكل شيء لا يحول ولا يمنع من أن يمضي المسلم لتحقيق إسلامه واستسلامه ومضيه لأمر الله، وأمر آخر في ذلك، وهو المتابعة والموافقة الدقيقة لرسول الله ﷺ عندما قال: (خذوا عني مناسككم)، فالأقدام تلو الأقدام، والحركات خلف الحركات، والأوقات مراعية للأوقات، والصورة هي الصورة، حيث يحج الناس اليوم كما حج محمد ﷺ من قبل أربعة عشر قرناً، دون اختلاف في شيء من الأمور مطلقاً، فأمة إسلام تسير وفق أمر الله، وتتابع هدي رسول الله، فما بالها في غير هذا الأمر من شئون الحياة، وفي غير هذه البقاع من بلد الله تخالف أمر الله، وتهجر أمر الله، وتتبع الأهواء، وتقدم الآراء، بل قد توافق الأعداء، وتسير على إثرهم مخلفةً وراءها حقيقة إسلامها في استسلامها لأمر الله واتباعها لهدي رسول الله ﷺ ؟!
стр. 387
حقيقة الإحسان في الحج
في الحج يوجد الإحسان، وهو مراقبة الله، فلا يكاد المرء يجد صورة يتحقق فيها المسلم المؤمن باستشعار مراقبة الله والحياء منه كما يكون في هذه الفريضة.
فما أجلى وما أظهر هذه المعاني المهمة التي هي قوام الدين! إنه إيمان وإسلام وإحسان في هذه الفريضة لمن حجها ولمن أداها، ولمن تدبر فيها وفي معانيها.
نسأل الله أن يعظم إيماننا، وأن يحقق إسلامنا، وأن يرفعنا إلى درجة الإحسان، وأن يجعلنا نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا.
اللهم! ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم! ألهمنا ذكرك، وأعنا على شكرك، ووفقنا لطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا -اللهم- ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.
اللهم! اجعل طاعتك أقوى عندنا وأعظم من أهوائنا، ومن شهواتنا، ومما نحتاج إليه في دنيانا.
نسألك -اللهم- أن تعظم أمرك ونهيك في قلوبنا، ونسألك -اللهم- أن تجعلنا لهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم! فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وزلزل -اللهم- الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! رد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم! اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين في أرض العراق وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين، وثبت -اللهم- أقدامهم، ووحد رايتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأخلص نيتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم! احفظ على بلاد الحرمين أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها يا رب العالمين.
اللهم! لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
اللهم! يسر للحجاج حجهم، اللهم! بلغهم مقاصدهم في يسر وأمن وأمان وسلام يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك أن تيسر لنا أمورنا، وأن تقضي حوائجنا، وأن تحسن ختامنا، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 388
الهول الأكبر
كثيراً من الناس ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوا أنه القوي الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومما يدل على قوته وعظمته سبحانه ما يحصل من زلازل وكوارث عظيمة، فيجب على المسلم أن يقف مع ذلك ويتأمل فيه، فإن لذلك دلالات وأسباباً، ومن ذلك أن الله يبين لعباده عظيم قدرته وقوته، وأن المخلوق مهما عظم وقوي فإن الله أعظم وأقوى، ويجب أن نعلم أن هذه الزلازل والكوارث إنما هي بسبب الذنوب والمعاصي، فلنتب إلى الله ولنرجع إليه.
стр. 389
الزلازل المدمرة والأمواج المهلكة
الحمد لله له جنود السماوات والأرض، لا يعجز قدرته شيء في السماوات ولا في الأرض، له الحمد هو القوي المتين، أمره بين الكاف والنون، إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على ما أفاض من النعم، وما صرف من الشرور والنقم، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وأرسله إلى الناس كافّة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوب غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديث الناس عن الهول العظيم، والزلازل المدمرة، والأمواج المهلكة، صورة مرعبة وهول مفزع، وأمر ليس لأكثر الناس به عهد سابق، أمر من الأمور الكونية القدرية التي لها عندنا معاشر المؤمنين فقه خاص ينبغي أن نؤكد عليه، وأن نذكر به، ليس وقوفنا مع الأمواج العاتية التي تبلغ ارتفاعاتها من عشرين إلى أربعين متراً فيما وقع، وفيما هو من الناحية العلمية تصل إلى نحو مائة متر في الارتفاع، وهذا معناه أن ارتفاعها يبلغ ارتفاع مبانٍ تصل إلى عشرات الأدوار.
ثم فوق ذلك تدخل إلى اليابسة متجاوزة حدودها التي أمسكها الله عنها طوال الأيام والأعوام التي لم يكن الناس يلتفتون إلى ذلك ولا يعتبرون به، تدخل إلى عمق اليابسة حتى وصلت في بعض المناطق إلى ثمانية كيلو مترات، وتضرب بقوة عاتية وتحمل صخوراً يصل وزنها إلى عشرين طناً، وتغمر الأرض بمائة طن من المياه لكل متر مكعب في الأماكن المواجهة لها، فهل يصدق الناس هذا لولا أنه كان رأي العين! ولولا أنه خلف وراءه أكثر من عشرين ومائة ألف قتيل في الإحصاءات القريبة، وعدداً مجهولاً من المفقودين، وأكثر من خمسة ملايين من المشردين، ومئات بل آلاف الملايين من الأموال والخسائر، هل حصل ذلك خلال عقد كامل؟ إنه حصل في سويعات من يوم أو يومين، ويمتد الهول إلى أماكن بعيدة في جنوب شرقي آسيا ليصل إلى جوانب من إفريقيا، ليقطع طولاً من المسافات شاسعاً، إذ إن هذه الأمواج تصل سرعتها إلى ثمانمائة كيلو متر في الساعة مقارنة بذلك سرعة الطائرات النفاثة، وهذه صورة مبسطة مما ينبغي أن تنقشع به الغشاوة عن الأعين، وأن يجلي كدر وصدأ القلوب من جديد، عندما تعم الغفلة وتضرب بسكونها وإلفها وعاداتها، فلا يلتفت عقل، ولا تنظر عين، ولا يتدبر قلب.
إن هذه الحقائق قد سمعها الناس جميعاً، وربما عند بعضكم من تفصيلاتها أكثر مما قلت ومما قد أقول، لكن ما وراء ذلك؟ ما الذي ينبغي أن نلتفت إليه ونستفيد منه، ونحن قد سلمنا الله جل وعلا من كل هذا الهول العظيم، والخطب الجسيم، والدمار الكبير؟ فلننتبه! وإليكم هذه الوقفات:
стр. 390
عظيم قدرة الله تعالى
أولها: الانتباه إلى قدرة الله: فقدرة الله لا يعجزها شيء، قدرة لا يستطيع الخلق أن يتصوروها، ولا أن يعرفوا مدى حجمها، ولا أن يحيطوا بآثارها وما قد ينجم عنها، وذلك في حس المؤمن له آثار كبيرة، إن علمت أنه جل وعلا رب الأرباب، وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، وأنه كما قال جل وعلا: ﴿وللَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤]، وأنه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وأنه كما قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فما بالك تستمد القوة من غير قوة الله؟! وما بالك تخضع وتخاف وتذل لقوة الخلق والبشر؟! وأين هذه القوة؟! لو كانت على هذه السواحل الطائرات الحربية، والدبابات المدمرة، فهل ستقف أمام هذه القوة العاتية من زلزال في ثوان معدودات أو دقائق قليلة؟! ومن أمواج ماء البحر الذي نركبه ويركبه الناس كل يوم؟! ثم انظر وتأمل ما الذي يجري في واقع المسلمين وواقع الأمة اليوم، وقد خضعت الرقاب، وذلت الأعناق، وسلمت الديار؛ خوفاً من قوة تسمى: قوة عظمى، ولله جل وعلا القوة العظمى قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] هو الذي بين لنا حقائق ذلك في كتابه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤].
إن الذين ركنوا إلى قوى الأرض ما قدروا الله حق قدره، وما أيقنوا أن الله هو القوي العزيز: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤].
ونموذج قرآني واحد أقدمه ليكشف عن بعض هذه القوة عند قوم كانوا جبابرة في الأرض، وكانوا قد سخروا وذللوا كثيراً من أسباب الأرض حتى نحتوا الجبال، وجعلوا بيوتهم وقصورهم في أعماقها وبطونها، قوم كانوا يرون أنه ليس هناك من هو أقوى منهم، ولا من هو أقدر على مواجهتهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٥ - ١٦].
مستكبرون، مغترون بقوتهم، يقولون بلسان الكفر والفجور: من أشد منا قوة؟! كل قوى الأرض تخضع لنا، ونحن قادرون على البطش بها، وعلى الانتصار عليها، وينسون الذي خلق، والذي مكن من الأسباب، وأنه جل وعلا قادر على قهرهم، فأرسل عليهم واحداً من جنده في أيام وأحوال عارضة، فانتهى أمرهم، ودخلوا في سجل التاريخ مع الهالكين، لم يحتاجوا من قوة الله إلا إلى نزر يسير لا يستطاع تقديره من قلته.
وهكذا نجد القرآن يخبرنا بذلك ويبينه لنا لكننا نحن لا نلتفت ولا ننتبه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، وسيد الخلق ﷺ يقول: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، تذكروا كل جبابرة الأرض، تذكروا كل قوى الطغيان في قديمها من عهد فرعون ومن كان معه وبعده، وفي حديثها من الدول العظمى التي سقطت من قريب، بعد أن كان ذكر اسمها يخلع قلوب الضعفاء والجبناء.
وانتبه إلى هذه القوة العظيمة لتوقن أنها في أي لحظة من اللحظات قد يصيبك أثر منها، وقد يحل بك بلاء منها، فأين أنت من النجاة إلا بعصمة الله ورحمة الله، ويوم كان ابن نوح عند الطوفان غره عقله، وظن أن الأسباب المادية تنجيه، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] وجاء
الجواب
﴿ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣]، وانتهى به الأمر إلى أن غمر الماء الجبال العالية، وغمر كل شيء، فلم يبق ولم يذر، ولم ينج إلا النفر الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، وكانوا قلة قليلة.
ذكر بعض أهل التفسير أن الذين آمنوا مع نوح واتبعوه في أقل رواية اثنا عشر رجلاً وفي أكثرها أربعون رجلاً، فانظروا إلى رحمة الله كيف استثنت قلة قليلة وأهلكت كثرة كاثرة كافرة فاجرة عاتية باغية ظالمة، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 391
هول الزلازل الدنيوية يذكر بأهوال يوم القيامة
الأمر الثاني: أن هذا الهول الذي نذكره، وهذا الخطب العظيم الذي لا نكاد أن نتصوره، لا يعد شيئاً أمام الهول الأكبر الذي ساق الله لنا بعض أخباره، وأخبرنا الرسول ﷺ عنه في أحاديثه مما يشيب لهوله الولدان، فكيف نغفل عن ذلك وإذا جاء مثل هذا وجدنا خوفاً كبيراً، وذهولاً مثيراًً، وعجزاً تاماً، وحيرة كاملة.
كلنا رأى كيف انخلعت القلوب، كيف طاشت العقول، كيف اضطربت الدول، كيف ماج العالم كله أمام هول واحد من أهوال الدنيا، فكيف بهول نهاية العالم وانتهاء هذه الحياة كلها وطي صفحتها؟! كيف بهول القيامة؟! كيف بهول الحشر؟! كيف بهول النشر؟! كيف بهول البعث؟! كيف بهول الوقوف بين يدي الله؟! كيف بهول المرور على الصراط؟! كيف بهول تكاثرت فيه الآيات وتعددت فيه الروايات؟! سبحان الله كم يسوق الله جل وعلا لنا العبر، وكم تذكر الآيات ذلك الهول ووصفه بصور تنخلع لها القلوب المؤمنة، وتجفل منها وتتذكر وتتعظ بها: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً﴾ [الطور:٩ - ١٠] قال السعدي في تفسيره: وذلك لعظم أهوال القيامة، وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة، والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة، فكيف بالآدمي الضعيف؟ ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:٨ - ١٠] قال ابن كثير: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] أي: ذهب ضوءها، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٩] أي: انفطرت وتشققت، ووهت أطرافها، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:١٠] أي: ذهب بها فلا يبقى لها أثر ولا عين.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧].
وإذا مضيت وجدت الآيات في كل هذه الصور كثيرة وعظيمة، وهولها هائل، ومن أبلغ ما جاء فيها ومما ينبغي استحضار تذكره وتدبره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] هول تنصرف فيه الأم الحنونة عن ابنها الرضيع، هول يجعل الأرحام تقذف ما فيها، هول لا يسأل فيه أحد عن أحد: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
وأم المؤمنين عائشة ﵂ -كما صح عند البخاري وغيره- تستمع إلى الرسول ﷺ وهو يقول: (يبعث الله الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، فقالت أم المؤمنين: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ -فطرة الحياء والإيمان أنطقتها- فقال ﷺ : إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك) إنه أمر لا يبقى فيه للعقل انصراف إلى شهوة، ولا تفكير في لذة، إنه هول صوره حديث المصطفى ﷺ عندما قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
وهاهو ﷺ يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله تعالى).
ألسنا نقرأ هذه الآيات؟! ألسنا نعرف المعاني والدلالات؟! فأين التذكر والاتعاظ والاعتبار؟! أين الإيمان الذي ضعف في القلوب؟ أين اليقين الذي تزعزع وتضعضع في النفوس؟ أين استحضار ذلك كما كان حاله ﷺ عندما قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وأحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور) الأمر أعجل من أن تبنى الدور وأن تؤثث القصور، وأن يتزاحم على الدنيا أهل الدثور.
وقديماً قال بعض الحكماء: لو تأمل الإنسان في حاله لبنى داره على شفير قبره.
تلك صورة من الهول الدنيوي الأرضي العابر تذكر المؤمنين بالهول الأخروي الذي ينبغي أن يهيئوا أنفسهم له، وأن يستحضروا دائماً هوله ليزجرهم عن المعاصي والسيئات، وليدفعهم إلى الطاعات والقربات، وليجعلهم دائماً في خوف من سخط جبار الأرض والسماوات، فإذا كان حدث واحد زلزل العالم كله، وقضى على الآلاف المؤلفة من الأرواح، وشرد الملايين من البشر، فأي هول يمكن أن يقارن بعد ذلك بالهول الذي جاءت به الآيات، وذكره رسول الله ﷺ ؟! إنه لحري بنا أن نجعل هذه الحقائق في قلوبنا، وأن نتلو الآيات، وهي بالمناسبة من السور التي يكثر تلاوتها في الصلوات: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] فإننا قد نسمعها في كل يوم، أو على أقل تقدير في الأسبوع مرة أو أكثر، فأين القلوب المتعظة؟ وأين العقول المتدبرة؟ وأين الأحوال المتغيرة؟ وأين الاستقامة والإنابة التي ينبغي أن نلتفت إليها وننتبه إلى حقائقها؟!
стр. 392
وجوب تذكر نعمة الله علينا
وثالثاً: تذكر نعمة الله.
تعلمون أن أولئك القوم ناموا يوم سبتهم لا يلتفتون إلى شيء، وكانوا متنعمين وطاعمين وشاربين، فأصبحوا وهم في هول الكارثة، وأنت أيها الأخ المسلم في هذه الديار لم تصب بشيء، فهل نبقى متفرجين ومتناقلين للأخبار وربما ضاحكين وعابثين؟! أليست القنوات ما تزال تبث الرقص والغناء، وتأتيك نشرة الأخبار بالموت وبعده بالأرداف المهتزة، والصدور المترجرجة وغير ذلك؟! أليس هذا تناقضاً؟ كان الواجب علينا الاعتراف بنعمة الله، والشكر والحمد على نعمة الله، ولعلي هنا أستحضر الحديث العظيم الذي رواه سهل بن سعد عند الترمذي في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)، هذه هي الثروة العظمى، لو أن واحداً من أولئك الذين أصيبوا قلت له: ماذا تريد لقال: لو كنت نائماً وليس عندي من الدنيا شيء إلا الأمن والأمان وإلا صحة الأبدان، وإلا كسرات من خبز يقوم بها صلبي؛ لكان ذلك خيراً.
ونحن بحمد الله بتنا آمنين في أسرابنا وبيوتنا وعند أهلينا، وبحمد الله لنا صحة في أبداننا، وليس عندنا قوت يومنا فحسب بل أيامنا وشهورنا، بل ربما أعوامنا، فأين نحن من شكر نعمة الله، خاصة عندما نراها قد سلبت من قوم مؤمنين مسلمين أو كفرة غير مؤمنين؟ أليس أولئك قد حرموا ذلك؟ أليس أمنهم قد أصبح مهدداً بأرض ترجف من تحتهم، وماء يغمر بيوتهم وديارهم؟! أليست الآن أعظم خطورة يتحدث عنها هي خطورة الأمراض والأوبئة التي يخشى أن تفتك بأكثر مما فتكت به تلك الأمواج والفيضانات؟ أليست الأقوات والأرزاق والأثاث والرياش كلها قد انتهت إلى لا شيء في لحظات؟ ولو رأينا وسمعنا بعض ما كان في هذه الأحداث لرأينا عجباً وسمعنا هولاً، أين نحن من شكر نعمة الله ونعمه علينا متوالية؟! أين نحن من شكر هذه النعم بالعمل ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أين نحن من قصد السبيل الصحيح إلى حفظ النعم وزيادتها؟ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
أين نحن من تذكر هذه النعمة؟ إننا لو تصورنا اليوم أن واحداً من قرابتنا المباشرين في تلك الأماكن، أليس شعورنا سيكون مختلفاً؟ ألسنا سنشعر بالخوف بقدر أكبر؟ ألسنا سنحس بالمأساة بصورة أعمق؟ ألسنا سندرك الهول بحجم أكبر؟ فما بالنا ونحن في بيوتنا وديارنا لا نتذكر هذه القدرة، ولا نتذكر هول يوم القيامة، ولا نستحضر النعمة العظيمة؟
стр. 393
عظيم نعمة الأمن والأمان
وهنا وقفة لا بد منها: نعمة الأمن والأمان، ونعمة رغد العيش وصحة الأبدان، فهي من أعظم نعم الله على عباده.
ولعلنا لابد أن نشير إلى ما تحدثنا عنه مراراً: إن القتل والتفجير والتدمير الذي يجري إنما هو نقض لهذه النعمة، وكأنما يفعل هؤلاء ما يناقض حمد الله جل وعلا وشكره على نعمته، ولئن كان هذا الفعل ينبثق من تكفير فقد علمنا حكمه، ولئن كان ينبعث من مواجهة أو رد فعل فلا يجوز بحال أن يكون سبباً في قتل الأرواح فضلاً عن ترويع الآمنين، وفضلاً عن اختلال أوضاع البلاد والعباد، فهذا كله من الأمور المحرمة التي هي خرق لأعظم نعمة من نعم الله وهي نعمة الأمن والاستقرار.
ونحن في شهور الحج العظيمة، وفي قرب من الفريضة الجليلة، وفي أمان البيت الذي جعله الله أماناً للناس حتى يؤدوا عبادتهم وهم في أمن على أرواحهم وأموالهم وأنفسهم، وكذلك ساق الله النعم؛ ليكون الناس منصرفين إلى عبادتهم، وقد يسر الله لهم أرزاقهم.
نسأل الله أن يذكرنا بنعمه، وأن يوفقنا لشكرها، وأن يجعلنا ممن يستحضرون نعمه ويخافون من عذابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 394
الذنوب والمعاصي سبب الكوارث والمصائب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد:
стр. 395
وجوب أخذ العظة والعبرة من هذه الكوارث
أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن أعظم درس من هول هذه الحادثة لهو الاعتبار بأثر الذنوب والمعاصي، وهو أمر يطول الحديث فيه، ويأتينا بعض المسلمين وبعض من المتحدثين بلسان عربي مبين ليقولوا لنا: إنكم معاشر الدعاة المتدينين تربطون كل شيء بالمعاصي والذنوب، وهناك حقائق علمية وهناك قوانين أرضية تقول لنا: إن هذا حصل بسبب كذا وكذا، وإنه وقع هنا لأجل كذا وكذا، وأنتم تربطون كل شيء بالذنوب والمعاصي، فهل هذه هي أراضي الذنوب والمعاصي فحسب؟ وأين هذه الكوارث من ذنوب ومعاص أخرى؟ فنقول لهم: إننا لا نلتفت إلى هذه الأقوال، ونلتفت إلى قول رب الأرض والسماوات، وإلى كلام أهل العلم، وإلى بيان رسول الله ﷺ قبل ذلك، ونعرف باختصار شديد أن مثل هذه الأحوال هي عقوبات للمذنبين، وابتلاء للمؤمنين، وعبرة للناجين، ففيها من كل وجه فائدة قد تكون مختلفة عن الأخرى، وهذا قول أوجز به -لئلا أطيل عليكم- من كلام الشيخ ابن باز ﵀ قال: إن للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المضرة بالقلب والبدن والمجتمع، والمسببة لغضب الله تعالى وعقابه في الدنيا والآخرة ما لا يعلم تفصيله إلا الله ، فهي تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في الماء والهواء والثمار والمساكن: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠].
وإن فيما يقع من هذه الكوارث عظة وعبرة، والسعيد من وعظ بغيره، وبالجملة فإن جميع الشرور والعقوبات التي يتعرض لها العباد في الدنيا والآخرة أسبابها الذنوب والمعاصي.
وإن من علامات قسوة القلوب وطمسها والعياذ بالله، أن يسمع الناس قوارع الأحداث، وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت، ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم مغترين بإمهال الله لهم، عاكفين على اتباع شهواتهم، غير عابئين بوعيد، ولا منصاعين لتهديد، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٧ - ٨]، كما أن الاستمرار على معاصي الله مع حدوث بعض العقوبات دليل على ضعف الإيمان أو عدمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧].
إن من الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل، وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا من أسباب غضبه ونقمته، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، وقد بينت الآيات هولاً عظيماً فيما يجري به قضاء الله وقدره من العذاب والهول بحسب ما يكون من الذنب والمعصية، وحسبنا نموذج واحد يذكره لنا رسول الله ﷺ فيما صح عند البخاري أن النبي ﷺ قال: (بينما كان رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)، وروى البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض).
والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩]، وذلك تذكير وعظة وعبرة نحتاج أن نتذكرها، وأن نوقن أنه ما وقع عقاب إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، فأقلعوا عن الذنوب وارجعوا إلى التوبة، عل الله أن يديم علينا نعمته.
ومن المهم أن نذكر أن كثيراً من هذه المناطق التي أصابتها هذه الكارثة هي من الشواطئ الساحلية السياحية التي بعضها معروف بأنه من أشهر أماكن الفسق والفجور والدعارة المعلنة على مستوى العالم، والله جل وعلا قد بين كل أنواع العذاب رابطاً إياها بالذنوب: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
والابتلاء أمره مهم، وخطبه عظيم، والتذكير بذلك من الأمور المهمة، ودعك ممن لا يرون ذلك، ويفسرون بالماديات، ويظلون غارقين بالمعاصي والسيئات.
стр. 396
فضل الشهادة في سبيل الله على الموت في اللهو والعبث
وأخيراً: مسألة أحب أن أنوه بها، وهو الموت وفجأته.
يقولون كما قال أهل الكفر: لم تغامرون؟ لم تعرضون أنفسكم للخطر؟ لم تجاهدون في سبيل الله وقد تموتون وتقتلون؟ لم تفعلون هذا وذاك؟ فجأة الموت كما بينها الحق في نداء لأهل الإيمان لئلا يكونوا كغيرهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٦ - ١٥٨].
كم هم الذين يقولون لنا مرة إثر مرة: لم يعرض أولئك الناس أنفسهم للموت والقتل؟ ونسوا قول الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أولئك قوم لم يذهبوا لقتال ولا جهاد ولا يعرفونه ولا يخطر ببالهم، ذهبوا إلى الشواطئ لكي يسبحوا ويلهوا ويلعبوا ويعبثوا، فجاءهم الموت إلى ديارهم، وبعضهم قادم من مسافات هائلة تاركاً وراءه أرضه ودياره.
فهذا خالد بن الوليد الذي لقي الموت مئات من المرات في ساحات الجهاد، ومات على فراشه وهو يقول: ما في جسمي موضع شبر إلا وفيه طعنة سيف أو ضربة رمح، وهاأنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
تحية للأبطال الشهداء، وللمقاومين المجاهدين للأعداء في كل مكان، ولئن قتلتم أو متم فإن ذلك فيه مغفرة ورحمة خير من الدنيا وما فيها، وليخسأ الذين ما زالوا يعيشون في ذنوبهم خوفاً ورعباً، ويعظمون قوة غير الله ، حتى كان منهم ما كان.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب.
اللهم إنا نسألك أن تنطق ألسنتنا بذكرك، وأن تملأ قلوبنا بحبك، وأن تسخر جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تجعلنا ممن ينصر الإسلام والمسلمين.
اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم خالف بين كلماتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم سلط عليهم جند السماوات والأرض يا رب العالمين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية يا قوي يا عزيز يا متين! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم وفقنا للصالحات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر لنا ما مضى وما هو آت.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم اصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 397
القدس قضية الأمة
لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على أعدائها، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، ويشهد لذلك ما قيضه الله من الانتفاضة في فلسطين، فهي تحمي مقدسات المسلمين، وتكبد العدو الخسائر في مختلف المجالات، رغم ضعف إمكانياتها المادية.
والناظر بعين البصيرة، والمهتدي بالحق يوقن أن الجولة لصالح المؤمنين، وأن الله محيط بأعدائهم، ومنتقم منهم ولو بعد حين.
стр. 398
المقاومة في أرض الإسراء قلب الأمة النابض
الحمد لله الكبير المتعال ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدى وإليه المرجع والمآل، له الحمد وعد بالدفع عن عباده المؤمنون، وبشر بالنصر جنده المجاهدين، وكتب بالقطع أن العاقبة للمتقين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وكما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، والذي بعثه الله رحمة للعالمين، وأرسله كافة للناس أجمعين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً وأسمع به آذاناً صماً.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعنه، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا هذا نجدد به حديثاً سلف؛ لأنه لابد أن يكون حاضراً في الأذهان حياً في القلوب لما له من ارتباط وطيد بحقائق الإيمان والإسلام من جهة، وبوحدة المسلمين ورابطة المؤمنين من جهة أخرى؛ ولأنه كذلك يمثل قضية الوجود الإسلامي الإيماني في مواجهة العدوان الإجرامي الظلمي؛ ولأنه من جهة رابعة يمثل محور الصراع بين الحق والباطل، وبين الشر والخير، وبين المعاني والقيم الفاضلة، وبين الأضاليل والجرائم الفظيعة.
حديثنا هو عن أرض الإسراء، وعن قلب أمتنا الإسلامية النابض بالمقاومة والجهاد، في مرور الذكرى الرابعة للانتفاضة الجهادية المباركة.
ولا شك أن حدثاً مثل هذا لا يكون قد مر على الآذان والأذهان مرور الكرام، ولم يُربط بحقائق الإيمان، ولم يُستدل عليه بآيات القرآن، ولم يكن له صلة واضحة بما كانت عليه سيرة وسنة المصطفى العدنان ﷺ .
стр. 399
أهمية النظر إلى الجانب المشرق
كثيرة هي الأمور التي تمر بنا وننظر إلى جانبها المظلم دون المشرق وإلى حقائقها الدنيوية المادية دون حقائقها الإيمانية المعنوية.
فكم نحن في حاجة إلى أن تكون قلوبنا حية بالإيمان فلا تفقه إلا فقهه، ولا تزن إلا بميزانه، ولا تنظر إلا بعينه، بدلاً من أن نكون مستسلمين لذلك الكم الهائل من الزحم الإعلامي الزائف الذي ليس -في مجمله- مرتبطاً بالإيمان والقرآن والإسلام إن لم يكن محايداً وبعيداً عن ذلك، وهو يرجف بالقول الذي يعارضه ويلقي بالتهم التي تنقضه.
ومن هنا فإن حديثنا هذا وإن كنا قد انقطعنا عنه فترة من الزمن؛ فإنه جدير دائماً وأبداً أن لا يرتبط بخطبة أو محاضرة أو حادثة؛ فإنه فعل اليوم المتكرر في كل ساعة ودقيقة وثانية.
стр. 400
خطأ النظر المتشائم نحو المقاومة الفلسطينية
إننا نسمع أنه قد جرت هذه المقاومة الويلات والنكبات على أبناء فلسطين، وأوصلتهم -كما يقول بعض المحللين من أبناء العرب، بل من أبناء فلسطين- إلى ارتفاع نسبة الفقر من خمسة عشر وعشرين بالمائة قبل هذه المقاومة الجهادية إلى أربعين وخمسين بالمائة، وأوصلتهم إلى أرواح أزهقت، وبيوت هدمت، وأسر شتت، وغير ذلك، ثم إنها أوجدت الذارئع والأسباب والمبررات للعدو؛ لكي يجد مسوغاً عالمياً ومنطقاً دولياً فيما يقوم به من الإجرام والعدوان! ولست أدري ما سبب تكرر مثل هذا القول عبر السنوات المتتالية، ولم يعد أحد يفقه مثل هذا القول ويقبله إن كان حي القلب يقظ الضمير، راشد العقل عالي الهمة، حراً في نفسه لا يقبل الذل والضيم.
стр. 401
المقاومة والجهاد مصدر التفاؤل والعزة
стр. 402
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
لننظر في هذا المقام إلى الجانب الآخر، ولأبدأ ببعض الومضات من الحقائق القرآنية التي تكشف لنا صوراً أخرى غير ذلك الوهم المسيطر على قلوب الدنيويين، والمتاجرين من السياسيين، وعلى الغافلين الراكنيين إلى حياتهم.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، إنها شطر آية، ولكن حقيقتها ثابتة، فأين ما نراه اليوم لننتقل إلى أرض العزة والقوة والمقاومة والجهاد، في زمن فيه غلب على كثير من المسلمين الذلة والخنوع والخوف والاستسلام.
ولننظر لماذا حقق أهلنا إخواننا في فلسطين معادلة غريبة شاذة لا تفهم إلا بمقياس الإيمان، ومن أين جاءوا بهذه الشجاعة والقوة والبطولة؟ وكيف تسنى لهم هذا الثبات رغم قوة البطش وشدة العدوان وتوالي الجرائم، ومع ذلك يقفون برءوس مرفوعة وصدور مشرعة وأقدام ثابتة، وكلمات تعبر عن معاني القوة والعزة؟ إنها الآية القرآنية والسنة الربانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
لقد وقع هناك تغير حقيقي يظهر في صور شتىً، بدءاً من الارتباط بالقرآن حفظاً لآياته وتلاوة لها وتدبراً لمعانيها، ومروراً بتربية المساجد التي تعلقت بها قلوب الشباب قبل الشيب والصغار قبل الكبار، وانتهاءً إلى التربية العظيمة للأمهات الفاضلات المربيات المجاهدات.
وقد سمعت خلال الأيام الماضية ورأيت مقابلات مع ما فيها من حزن وألم، لكن فيها عظمة واستعلاء: فهذه أم فلسطينة كان لها سبعة أبناء لم يعد عندها واحد منهم مطلقاً؛ فواحد منهم قتل شهيداً، وستة في الأسر، وهي تقول: بقيت مفردة، لكني لا أضعف ولا ألين، بل أفتخر وأعتز بهم.
ثم تلتفت إلينا وإلى الجميع لتقول: أين المسلمون؟ وأين العرب منا؟ بل تلتفت إلى من هو أدنى إليها وأقرب منها فتقول: أين المسئولون عنا في بحثهم عن معاناتنا ووقوفهم إلى جانبنا؟
стр. 403
بطولات إيمانية للانتفاضة الفلسطينية
ثم لننظر إلى القدوات التي صارت تعلو هناك وترتفع، إنها ليست قدوات المغنين والمغنيات أو الراقصين والراقصات، أو اللاعبين واللاعبات، إنها قدوات الاستشهاديين والاستشهاديات، إنها قدوات يتحدث بها اليوم الصغير في سن السادسة والسابعة من عمره.
لقد أصبحت البطولة شغفاً عظيماً وأملاً كبيراً وروحاً تسري في الدماء والعروق، لقد صار القوم على غير ما نحن عليه في ترفنا وغفلتنا وانشغالنا بدنيانا واستسلامنا الضعيف الخانع لواقعنا، ورضوخنا وذلتنا لهينمة وهيمنة أعدائنا.
لقد كسروا الطوق البشري، وتعلقوا بالطوق الرباني؛ لقد نظروا إلى الحقائق في ضوء الإيمان فعرفوا أن الظواهر لا تغني شيئاً، وأن الحقائق وراء هذه الظواهر تكشف أن العاقبة للمتقين، وأن جندنا لهم الغالبون، وأن ذلك يُرى رأي العين لمن كان في قلبه يقين راسخ وإيمان صادق.
إنها كذلك تمر عبر إسلامية النظرة في كل أمر من الأمور، فليس هناك من الأسباب المادية ولا من الحقائق الدنيوية ما يمكن أن يفسر به شيء من ذلك، ولذلك هم يفسرونه بالمعاني الإيمانية والسنن الربانية، وذلك ما نراه في واقع ذلك التغيير.
ننظر إلى كثرة الناس في المساجد ودروس العلم ومسيرات البيارق في المسجد الأقصى، وعناية الناس بالعمل الخيري وتكاتفهم وتعاطفهم مع كل شهيد يستشهد كيف يخلف في أهله، فرغم شدة الظروف وقسوتها وعظمة الفقر وسعته، لقد تغيرت الصورة إلى صورة لن نقول إنها نموذجية؛ لكنها تحقق حداً من المعاني الإيمانية والإسلامية في صدق الإيمان وفي قوة اليقين، وفي التعلق بالله والارتباط بمنهجه، وفي الاقتداء بسيرة النبي ﷺ ، حتى تجددت عندنا معانٍ غائبة في واقع حياتنا من إيثار الآخرة على الدنيا ومن التضحية والفداء في ميادين المعارك والجهاد، وذلك أمر ينبغي الالتفات له.
стр. 404
آثار العمليات الاستشهادية على اليهود
стр. 405
يخربون بيوتهم بأيديهم ويهاجرون منها
وفي مقابل ذلك أيضاً جاء التغير عند القوم الذين يعادونهم من شذاذ الأرض وأفاكيها، وهم اليهود عليهم لعائن الله، لقد كانت أجيالهم الأولى أشد ارتباطاً بعقيدتها منهم وأكثر تضحية، وجاءت الأجيال المتتالية والمهاجرون الذين وعدوا بالنعيم والترف والثراء فتغيروا ولم يعد حالهم كحالهم الأول، وجاء ذلك أيضاً بسنة الله كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، يخاطبنا الله فيقول: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) أي: يا أصحاب العقول! انتبهوا والتفتوا إلى الحقائق.
إنه أمر عجيب، فهذا جيش هو الخامس في العالم، وأمامهم من حيث الناحية المادية والعددية فئة قليلة، فهي لا تملك من أسباب القوة المادية شيئاً يذكر بالمقارنة مع عدوها، ولكن ما هي النتيجة؟ انظروا إلى هذه الآيات تصف لنا حال فئة من اليهود في عهد النبي ﷺ بعد أن نقضوا العهود، وطعنوا المسلمين في ظهرهم، وأرادوا ارتكاب الجريمة العظمى بمؤامرتهم على قتل المصطفى ﷺ ، وقد بنوا الحصون، وعندهم الأموال الطائلة، فهذه الآيات تصف ما كانوا عليه من أوهام الدنيا التي يعيشون فيها، بل إن القرآن يخاطب أهل الإيمان: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر:٢]، أي: ما كان أحد يتصور ذلك؛ لما كان لهم من مقام طويل ومال وفير وعدد غفير ومجتمع مترابط منعزل عن غيره، قال سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢]، أي: أنهم أخذوا أسباب القوة المادية بأعظم وأعلى صورها، ولكن: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:٢].
إن قدر الله غالب، وإن سنته ماضية، وإن نصره لعباده متحقق، وإن العاقبة للمتقين، ذلك ما تكشف عنه هذه الحقائق.
стр. 406
النتائج الإيجابية للعمليات الجهادية
ونحن ننظر إلى المواجهة غير المتكافئة فماذا نرى؟ يأتينا كثير من الناس ليرينا الجانب المظلم، ويقول: كم قتل من أبناء فلسطين! وكم هدمت من بيوتهم! وكأنه يمكن للناس أن يأخذوا حقوقهم من غاصبيها، وأن يستعيدوا كرامتهم من مهينيها دون أن يدفعوا ضريبة، ولكن يكفيهم أن يجلسوا على الطاولات، وأن يعقدوا المؤتمرات، وأن يأكلوا أشهى الوجبات، ثم يصدروا البيانات، وفي آخر الأمر يحققون الانتصارات.
فمن من المغفلين يصدق أن هذا يمكن أن يقع في واقع الحياة؟ وكيف استطاع أولئك الشذاذ المجرمون المغتصبون لهذه الأرض أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ لقد بذلوا أموالهم، وسفكوا في أول الأمر دماءهم، وتعاظمت معهم المعونة من قبل أوليائهم وحلفائهم، ولابد أن نوقن بأنه لا يمكن أن يكون تغيير ذلك بغير ذلك.
لكننا ننظر إلى الجانب الآخر، إلى جانب العدو الذي تكبد خسائر لم يتكبد مثلها في الحروب التي خاضها كلها مع جيوش ودول كاملة ومنظمة، يكفينا أن نشير إلى بعض الإحصاءات المذكورة خلال هذه الفترة القصيرة، لقد وقعت ثلاث عشرة ألف وخمسمائة عملية جهادية منوعة، أوقعت في اليهود ألفاً وسبعة عشر قتيلاً وأكثر من خمسة آلاف جريح، وأوقعت فيهم بعد ذلك ما هو أفظع وأنكى وأشد.
إنه ما أشارت إليه الآية: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢]، إنهم يعيشون خوفاً دائماً وهلعاً فضيعاً أقض مضاجعهم، وأذهب نومهم، وملأ العيادات النفسية بالمراجعين منهم.
стр. 407
مقياس النصر على اليهود واعترافهم به
إن قضايا النصر لا تبدو في صورها المادية النهائية، بل هي في الحقيقة متدرجة، تبدأ بالقلق والخوف، ثم تمر بالحيرة والاضطراب، ثم تنتهي إلى الخور والاستسلام، وتلك المراحل هي التي تمر بها كل معركة ومواجهة.
ولننظر إلى حالهم وواقعهم، ولننظر إلى الحقائق والأرقام، وقد سئل بعض اليهود فأجاب بما لا يجيب به بعض أبنائنا من العرب والمسلمين؛ حيث قيل له: ولكنكم تقتلون منهم أكثر مما يقتلون منكم، فقال: إن الأعداد في مثل هذه المواجهة غير موضوعية، لقد قتل من الأمريكان خمسون ألفاً وقتلوا من الفيتناميين ثلاثة ملايين، وخرجوا خاسرين، وقتل من الفرنسيين بضعة آلاف وكان شهداء الجزائر نحو مليون، ولكنهم كانوا منتصرين.
وهكذا فإن القضية ليست قضية الأعداد والأرقام، ولكنها قضية القوة المعنوية والثبات، وما يوجد من طمأنينة تراها رغم كل هذا الهول في نفوس إخواننا الذين تركوا تعلقهم بالناس وربطوا حبالهم برب الناس، إنهم لم يعودوا ينتظرون اليوم منا حتى دعماً مادياً، وقد انقطع ذلك إلا ما رحم الله.
ولم يعودوا ينتظرون منا اليوم دعماً سياسياً، ولم تعد هناك إلا البيانات والبيانات، فلم يعودوا ينتظرون أن يقف أحد إلى جوارهم في خندقهم.
ولذلك ننظر إلى هذه المعاني، وننظر إلى قادة كبار عند الأعداء وهم يقرون بأن المعضلة كبيرة.
стр. 408
الأثر الاقتصادي للعمليات
أما الاقتصاد اليهودي فهو في تدهور مستمر، وأما البطالة فهي في زيادة مطردة، وأما السياحة فقد صارت أثراً بعد عين، وأما الأمن فإنه لم يعد متوفراً في أي شبر من تلك الأرض وأي بقعة منها، ولذلك نرى هذه الصورة واضحة تؤيدها اللفتة القرآنية الثالثة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، لقد جرح هنا وجرح هنا، وقتل هنا وقتل هنا، لكن هنا إيمان واحتساب وأجر وتكفير سيئات، كما قال ﷺ الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب، حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفر الله بها عنه من خطاياه)، وذلك ما يؤمن ويوقن به إخوننا، وإذا كان هنا قتيل وهناك قتيل، لكن هذا شهيد وذاك إلى جهنم وبئس المصير.
فاليقين لابد أن يكون راسخاً في نفوسنا وقلوبنا بموجب آيات ربنا وأحاديث نبينا ﷺ ، وتلك قضية واضحة ظاهرة في قضايا الألم الذي يشعر به الطرف الآخر والعناء الذي يقاسيه والخوف الذي يسيطر عليه، حتى إنه قد ارتفعت نسب المراجعين للعيادات النفسية بنسبة خمسين في المائة في كل عام عن الذي قبله، وزادت نسبة البطالة بنسبة (٤.
١٨%) في كل عام عن البطالة في العام الذي قبله، وزادت نسب أخرى كثيرة أوجعت العدو، ولولا ما يلقاه من دعم ويصب له من مال، ويقع له من خيانات وتقدم له من معلومات؛ لكان الأثر أكبر وأعظم، ولكنها إرادة الله .
وهاهم يعترفون بذلك، والأرقام تشهد به، والحقائق تدل عليه، لقد أصبحوا -كما يقول بعضهم- في دائرة دموية مفرغة لا يمكن الخروج منها، وصار الناس لا يخرجون من بيوتهم خوفاً من العمليات الاستشهادية، والجمهور متعب ومرهق ومتشائم، وإسرائيل وقوتها لا تستطيع أن تفعل شيئاً.
стр. 409
الصدمات النفسية عند اليهود من جراء العمليات
إن طريقة مواجهة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للانتفاضة لم تخفق فقط، بل إنها أدت إلى انتقال العمليات الاستشهادية إلى فصائل لم تتبنها من قبل، وحصلت إسرائيل على عكس النتائج التي راهنت على تحقيقها.
تلك أقوالهم في صحفهم ومن قبل خبرائهم.
والروح المعنوية مختلفة تماماً، فخمسون في المائة زيادة في استهلاك المهدئات والأدوية النفسية، وفي كل حادثة من تلك الحوادث والعمليات الجهادية يصاب أربعة أضعاف المصابين بما يعرف بالصدمة والخوف والهلع، ويراجعون المستشفيات، ويحملون في الإسعافات كما يحمل الذين أصيبوا بالجراحات.
إن معدل الخوف في اليهود رصد من خلال دراسات علميه في أشهر ثلاثة متتالية قبل هذا العام وكانت النسب هكذا (٥٧ %) ثم (٦٨ %) ثم (٧٨ %).
والمال معبود اليهود، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦].
فهذا المال وهذا الاقتصاد الذي يضعف ويشتد ضعفه يؤذن بأمور كثيرة لصالح إخواننا في أرض فلسطين، وكأننا نرى في ذلك ما قاله الله : ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧]، فإله اليهود كان عجلاً من ذهب، ويوشك هذا أن يتفجر فلا يبقى حينئذ أمر يبقيهم في ديارهم أو أرضهم، كما سنذكر، وكما هو واقعهم في هذه الوقائع.
ونرى من جهة أخرى كيف هي النظرة التي تتغير عالمياً وكيف أصبح الرأي العام العالمي، وكيف تنظر الشعوب اليوم وتتكشف لها الحقائق، ويتكلم من كان صامتاً بأمور تكشف هذه الحقائق عن اليهود وظلمهم وبغيهم رغم ما يعارض به كل معترض ومنتقد في كل بقعة من الأرض.
وهذه حادثة وقعت قبل مدة من إطلاق الصواريخ على اليهود، حيث تقول إحدى الساكنات في مستوطنة مغتصبة من هذه المغتصبات: نحن ندرس بجدية فكرة هجر هذه البلدة، وكنا في السابق نقول: هذا بيتنا ولن نتركه، أما الآن فنحن نفكر بالأولاد والتعليم والعمل، لقد تغير كل مجرى حياتنا؛ نحن نعيش في رعب دائم، فلا ندري متى سيسقط الصاروخ الثاني، وأين؟
стр. 410
تطور الانتفاضة الفلسطينية
وعجيب هذا الأمر! لتنظروا كيف هي رعاية الله؟ وكيف يستطيع أولئك في ظل الظروف الأمنية والإرهابية والعدوانية أن يصنعوا صاروخاً حتى ولو كان صغيراً، وقد أطلقت نحو خمسمائة صاروخ خلال هذه الفترة من الانتفاضة فأقضت المضاجع.
فانظروا إلى التطور العجيب الذي هو بالمقياس الواضح توفيق وإعانة من الله ! إنها انتفاضة من الحجر إلى مسدس، أو إطلاق نار إلى الصواريخ والقدرة على تدمير الدبابات الاسرائلية المحصنة، وذلك يدلنا على تحقيق موعود الله في قوله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
إن من كان مع الله فالله معه، وإن من اعتمد على الله فإن الله جاعل له مخرجاً وفرجاً، ومثبت قلبه ومطمئن نفسه، وجاعل له في كل مواجهة ما يعينه بها ويثبته فيها، وهذا أمره واضح وكثير.
стр. 411
حاجة الأمة إلى التعاون مع الفلسطينيين
إننا لو مضينا مع هذه الحقائق لوجدنا أننا نحن الضعفاء الذين نحتاج إلى قوة، ونحن الذين نحتاج إلى أن نراجع معاني العزة في نفوسنا، ونحن الذين نحتاج إلى أن ننظر إلى الآيات القرآنية وأن نقرأ السيرة النبوية، وأن نعيد مرة أخرى ارتباطنا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فيجب أن نفقه الدنيا وحقائقها في وضوء القرآن وثوابته؛ إن الإرجاف الإعلامي اليوم جعلنا على صور لا نريدها لأنفسنا، فصرنا مكانه لم يعد يعنينا شيء ولم نعد نلتف إلى القضية بقضها وقضيضها كما شغلنا عن ذلك بأمور أخرى كثيرة.
وأحياناً ننظر إلى الجانب الذي تكرسه بعض وسائل الإعلام العربية والإسلامية من أن أولئك قوم قد هدمت بيوتهم وأزهقت أرواحهم وأسر آباؤهم فما بالهم يصنعون ذلك؟ ولماذا يختارون الطريق الشاق؟ ولماذا يسيرون في هذه الأشواك وليس هناك قدرة على النصر؟ ولماذا لا يتوقفون؟ ولماذا لا يؤثرون حياتهم الدنيا على هذا الجحيم الذي لا يطاق؟ فنحن نقول ذلك واليهود المعادون يقولون غيره، ويقولون: إن المقياس لصالح أخذ الأرض ضد المغتصبين والمحتلين.
وأحياناً نكتفي بالحوقلة، وننسى أن نكون معهم بقلوبنا ودعائنا ومالنا وكل جانب من الجوانب، فعلينا أن نبقي هذه المعاني حية، فإنها محور الصراع.
نسأل الله أن يثبت إخوننا في أرض الإسراء، وأن يفيض على قلوبهم اليقين، وأن يثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، وأن يوفقنا وإياهم لنصر الإسلام والمسلمين.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 412
دعوة إلى ترك التثبيط واليأس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإنه لابد لنا أن نحقق إخوتنا الإيمانية لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وأن نحقق رابطتنا الإسلامية لقوله ﷺ : (المسلم أخو المسلم).
ولابد لنا في الحقيقة أن نحقق ذاتيتنا وعقيدتنا بالنظر والتأمل والتدبر وفق حقائق القرآن وثوابت الإيمان، دون أن نتأثر بهذه الوقائع وما يتلوها من الأوهام والتحليلات.
ولعلي أشير أيضاً إلى جانب آخر: وهو أن الذين يكثرون القول علينا من المآسي والنكبات التي حلت بإخواننا، ويبدون حزنهم على ذلك أو تأثرهم به، ثم يدعون إلى ترك المقاومة، وكأن تركها سيجعل العدو يقدم الورود بدلاً من الرصاص، نقول لهم: بدلاً من ذلك اجعلوا هذه المأساة محركة للآخرين، فأين نحن من بيوت هدمت؟ أين نحن من أسر لم يعد لها عائل لأن عائلها أسير أو شهيد؟ وأين نحن من نصرة إخواننا؟ بل أين الدول العربية؟ وأين الجيوش، وأين السياسات؛ وأين القيادات؟ فلمَ لا يقال ذلك؟ ولماذا يكون الحل هو عند أولئك الضعفاء الذين لا يملكون شيئاً من أسباب الحياة الدنيوية والمادية سياسية أو مالية أو عسكرية؟ ولمَ لا يكون لنا تواصل وصلة نحقق بها الأخوة الصادقة، ونحقق بها الرابطة الإيمانية الوثيقة، ونوقن بأن النصر مع الصبر، وأن سنة الله الماضية، وأن الله جاعل للمتقين فرجاً ونصراً، وأن الله يدافع عن الذي آمنوا؟! واعلموا كذلك أن بعضاً منا ممن نفسه قصير قد يقول: لقد طال الأمر، وتوالت السنون، وتجاوزت نصف قرن! ونقول مرة أخرى: لقد بينت لنا آيات القرآن شدة الأمر وصعوبته وطوله، وأنه مرهون بسنة الله ، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فنحن نوقن بهذا القرب، ولا نعرف أمده ولا مدته، لكن الناظر رأي العين فضلاً عن فقه القلب ويقينه، يرى أن الأمور سائرة في طريقها المحتوم، وأن العاقبة للمتقين.
стр. 413
عاقبة الظلم وخيمة
كلنا يوقن بأن عاقبة الظلم والعدوان في سنة الله وخيمة، كما أخبرنا الحق بذلك في قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، وكما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
وكما قال المصطفى ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ولكنه برهان لابد أن يقدم من أهل الإيمان، وثمن لابد أن يدفعه أهل الإيمان، وأهلنا هناك يدفعونه ويلقون أجره من الله دنيا وأخرى.
ولعلنا نجتهد أن ندفعه بكل وسيلة، وذلك بتحقيق انتمائنا لإسلامنا، والتزامنا بديننا، وترابطنا مع إخواننا، وتصحيح مفاهيمنا، وتسجيل وجهات نظرنا بما يتفق مع قرآننا وهدي نبينا ﷺ .
نسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبهدي نبيه ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم أنطق ألسنتا بذكرك، واملأ قلوبنا بحبك، وسخر جوارحنا في طاعتك، واستخدمنا لنصرة دينك، واجعلنا مسخرين في نصر الإسلام والمسلمين برحمتك وعونك وتأييدك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس اللهم رايات الكفرة والمعتدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم اللهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، وزلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين؛ اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم انصر وأعن وثبت إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي العراق وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، ووحد كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم يا أرحم الراحمين! اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم احفظ لبلاد الحرمين أمنها وأمانها وسلمها وإسلامها يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليها يا سميع الدعاء.
عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] , وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 414
الروح المعنوية عند الملمات
النبي ﷺ قدوة يجب أن نقتدي به في كل شيء، ومن ذلك ما كان يلاقيه في الخطوب والكروب، فهاهو في غزوة أحد حين اشتدت به الملمات لم يتزعزع عن دينه، ولم يرضى بالدون وإن كان هو المغلوب، بل علم الصحابة كيف تكون الروح المعنوية عالية سامية مهما كان الخطب، فصلوات الله وسلامه عليه، وإذا كان الإنسان ينظر إلى المستقبل بإيمان ويقين، فإنه يعلم أنه وإن غلب أو اضطهد فإن العاقبة للمتقين، وأن الغلبة والتمكين لا تدوم إلا لعباد الله الصالحين.
стр. 415
دروس في قوة الروح المعنوية من غزوة أحد
الحمد لله الناصر المعين، القوي المتين، وعد بالنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم على إيمانهم الاستخلاف والتمكين، وجعل العاقبة للمتقين، وكتب الدائرة على الكافرين ولو بعد حين، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
له الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بعثه الله رحمة للعالمين وأرسله إلى الناس أجمعين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز من بعد ذلة، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 416
الاستعلاء بالإيمان
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! بعد تعاظم الظلمة ينبثق الفجر، وبعد اشتداد العسر يأتي اليسر، وفي كل ملمة من الملمات ينزل فيض من الرحمات! ذلك ما ينبغي أن يستقر في نفوس المؤمنين، وأن يكون في قلوب المسلمين، وقد اشتد الخطب، وعظم الكرب، وتضاعف العدوان، وتعاظم الخذلان.
وننتقل لنأخذ الدرس الأعظم، والمدد الأكبر، من القدوة المثلى، في السيرة العظمى لرسول الله ﷺ ، ننتقل زماناً إلى يوم السبت والأحد الخامس عشر والسادس عشر من شهر شوال عام ثلاثة من الهجرة النبوية الشريفة، وننتقل في المكان إلى جوار مدينة المصطفى ﷺ ، وإلى ظلال جبل أحد، وساحة المعركة التي قادها محمد ﷺ .
وننتقل تحديداً إلى جانب الملمة وإلى الشق الثاني من المعركة يوم كانت الدائرة على المسلمين، واستدار خالد بن الوليد بقوة من الجيش، وأطبق المشركون على المسلمين من جانبيه، فاضطربت الصفوف، وطاشت بعض العقول، وشج وجه النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وسال الدم على وجهه الشريف، وهو يقول: (كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم).
وصرع أسد الله وأسد رسوله، ومضى إلى الله شهيداً بحربة وحشي، وقطعت يدا مصعب بن عمير، واندق الرمح في صدره، وخر لوجهه صريعاً شهيداً، ومضى إلى الله سعد بن الربيع وعبد الله بن عمرو بن حرام وثلة من أصحاب رسول الله ﷺ .
وكان الخطب عظيماً، والحدث جسيماً، والحزن ممضاً، والكرب في النفوس قد بلغ مبلغه، ورسول الله ﷺ يستعلي بإيمانه، ويظهر شجاعته، ويلتف حوله قلة قليلة من أهل الإيمان يفدونه بأرواحهم، يجعلون صدروهم وظهورهم دروعاً له، ويعظم الكرب، ويشتد الخطب، ثم ينجلي شيئاً ما غبار المعركة.
стр. 417
إظهار العزة بالإيمان وقت اشتداد الكربة
ونقف هنا وقفات مع سيد الخلق ﷺ ، لنرى كيف يبعث الروح المعنوية العالية في وسط الملمات وكيف ينير ضوء الأمل في وقت الشدة والكرب كيف يقوي ويعمق جذر الإيمان في النفوس؛ لتثبت الأقدام وترتفع الجباه، ويعظم الثبات بإذن الله ، وأمة الإسلام اليوم أحوج ما تكون إلى هذه الروح المعنوية، وإلى تعظيم الثقة بخالقها، وإلى ترسيخ اليقين في نفوسها في كل أحوالها، وفي سائر أقطارها، وفي أرض العراق وفلسطين على وجه الخصوص، وغيرها من ساحات الجهاد والفداء التي تعاظمت فيها قوى الشر والطغيان، وتألبت فيها الأحزاب، وعظمت البلية، وازدادت الرزية، وأثخن المسلمون بالجراح، ومضى منهم إلى الله شهداء! فأين إيماننا؟ وأين بالله يقيننا؟ وأين صدق توكلنا على الله؟ ذلكم ما ننظره في هذه المحنة الشديدة، واللحظات العصيبة التي ألمت برسول الله ﷺ ، ورأى رأي العين تلك الصور المحزنة المؤلمة التي قدرها الله ، وجاءت صولة وجولة للكفر، وانتشى أهله، وتعاظم افتخارهم، وظنوا أنهم قد بلغوا من الإيمان وأهله مبلغاً.
روى البراء في تصوير ذلك الحدث أن أبا سفيان قائد المشركين الذي انتشى لتلك الجولة، وافتخر بتلك الصولة، أشرف على المسلمين بعد القضاء المعركة وهو يصيح بأعلى صوته: (أفي القوم محمد؟ ورسول الله يقول: لا تجيبوه، فيقول أبو سفيان: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فيقول الرسول الكريم ﷺ : لا تجيبوه، أفي القوم عمر بن الخطاب؟ فيسكت الرسول ﷺ ، ويعظم غيظ الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ لافتخار الكفر وأهله، فيقوم وقد ملأ الغيظ قلبه، والعزة نفسه، بعد أن قال أبو سفيان عند الصمت: إن هؤلاء القوم قتلى فلو كانوا أحياء لأجابوا! فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله! قد أبقى الله عليك ما يخزيك.
فقام أبو سفيان وقال: اعل هبل، فقال ﷺ : ألا تجيبونه؟ قالوا: بم نجيبه يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فيقول أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فيقول المصطفى: أجيبوه، بم نجيبه؟ فيقول: الله مولانا ولا مولى لكم، فيقول أبو سفيان: الحرب سجال يوم بيوم بدر، فينطق عمر فيقول: لا سواء، قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة).
تحدث العلماء في هذه الحكمة النبوية يوم قال: (لا تجيبوه) قالوا: لأن غيظ المشركين ما زال متقداً، وحماسهم للقتال ما زال مشتعلاً، فأراد أن يطفئ جذوة حماسهم، فلما استتم قوله، وظن أنه قد بلغ مراده لم ينه النبي ﷺ عن إجابته، وابتدر له عمر بحميته وعزته، فجاء الجواب جملة بعد أن كان السؤال مفرقاً؛ ليكون رداً حاسماً، وإخراساً تاماً، وإذلالاً عظيماً، كما قال ابن القيم: كان الصمت إذلالاً له وتحقيراً لشأنه، وكان الجواب كبتاً له وإظهاراً لعزة الإيمان والإسلام.
وأما حينما تحدث أبو سفيان عن المبادئ والقيم، عن الدين والعقائد، عن المحاسن والمآثر، لم يرض النبي ﷺ أن تعلو للكفر كلمة، ولا أن يظهر له مبدأ، ولا أن ترفع له راية يظن بها أن فيه خيراً، فلما قال: اعل هبل، جاء
الجواب
الله أعلى وأجل.
لنا العزى ولا عزى لكم! الله مولانا ولا مولى لكم! ذلك ما أراد النبي ﷺ أن يظهره من عزة مبادئ الإيمان.
ولئن استشهد من الصحابة سبعون، وجرح سيد الخلق ﷺ ، ولئن نزفت الدماء؛ فإن الإيمان والعزة في النفوس لم تزل متربعة لم تزل في الدماء جارية لم تزل تنبض بها العروق وتخفق بها القلوب ولذلك أعلنها رسول الله ﷺ على هذا النحو الذي ليس فيه وهن في النفس، ولا يأس في القلب، ولا تشكك في النهج، ولا ضعف في الإيمان، ولا زعزعة في اليقين بحال من الأحوال.
стр. 418
الدعاء واللجوء إلى الله وقت المحنة
الموقف الثاني: وهو عظيم، ولعل كثيرين منا لا يعرفوه، ولم يمر بهم، فلنقف معه: روى الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي من حديث عبيد الله بن رفاعة الزرقي قال: (لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، صلى النبي ﷺ الظهر جالساً من شدة ما أصابه في المعركة، وصلى الصحابة خلفه جلوساً، ثم قال ﷺ : استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفاً فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسالك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة -أي: يوم الفقر والفاقة- والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا نادمين ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة والذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق)، رواه الإمام أحمد والبزار في مسنده، ورجال أحمد رجال الصحيح.
درس عظيم في أن كل ملمة إنما تفريجها بالالتجاء إلى الله، وكل كرب إنما تنفيسه بالدعاء الخاشع الخاضع لله، وكل كسرة أو نكبة أو هزيمة إنما استمداد النصر من الله، وكل ضيق في النفس أو هم في القلب إنما تفريجه بحسن الثناء على الله، وعظمة الالتجاء إلى الله، في ساحة المعركة وغبارها لم ينقشع بعد، وقف على مشارف قبور الصحابة رضوان الله عليهم من الشهداء، وقال: (استووا! خلوا بيني وبين ربي أثني عليه).
وانظروا إلى هذا الدعاء الخاشع، والثناء العظيم، ابتدأه الرسول الكريم بحمد الله، فالحمد له أولاً وآخراً، فلا يحمد على مكروه سواه ، والحمد لله على كل كرب، وعلى كل غم وهم، فإن فيه خيراً، وإن من ورائه فرجاً، وإن من بعده يسراً، وإن في إثره نصراً.
إذا ثبت الإيمان في القلوب، وعظم اليقين في النفوس.
(اللهم لك الحمد كله)، ثم يثني الثناء الذي يبين أن لا أحد له من الأمر شيء؛ فلا قابض لما بسط، ولما مانع لما أعطى، ولا مبعد لما قرب ، هو الذي يقدر الأقدار، وهو الذي جعل الأيام دولاً بين الناس، وهو الذي اقتضت حكمته أن يدال المؤمنون وأن يدال عليهم، هو الذي جعل ذلك في شأن خير خلقه ﷺ ، فكانت وقعة أحد وكسرتها، وكان الذي جرى حتى دمي الوجه الشريف ﷺ ! ثم ينتقل النبي ﷺ في دعائه إلى القضايا المهمة العظيمة: أن يحفظ الله الإيمان والإسلام، وأن يقي من الفتنة والانحراف، فإن أعظم نصر هو أن يبقى الإيمان قوياً في القلوب، والإسلام ظاهراً في واقع الحياة، وإن هدمت البيوت فوق رءوس أصحابها، وإن أزهقت الأرواح في بيوت الله، وإن قتل الصغار والنساء والشيوخ، فإن الإيمان والإسلام هو الأولى أن تعظم العناية به، وأن يعظم الخوف عليه، وأن يكثر الحزن، وذلك إذا ضعف في قلوب الناس إيمانهم، وإذا ذهب من واقع حياتهم إسلامهم، وإذا تشككوا في وعد ربهم، وإذا انسلخوا من نهج نبيهم ﷺ .
أما إن ثبتوا فقد ثبتهم رسول الهدى بمثل هذا الدعاء العظيم الذي أوجز في آخره الدعاء على الكافرين والمشركين والمعتدين، إنهم أقل وأدحر وأصغر من أن يطيل الدعاء عليهم، فإن رجز الله وسخطه وغضبه إن أصابهم منه أقل القليل لم تبق منهم باقية، ولم تقم لهم قائمة، والله قد قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، وتلك الوقفة الثانية التي أراد النبي ﷺ أن يعلم فيها أصحابه وأمته من بعده كيف تواجه الخطوب، وخاصة خطوب القتال، وبعض ما قد يكون من جولات فيها كسرة أو هزيمة.
стр. 419
إذكاء الروح المعنوية في الملمات
ثم لننظر إلى المثل الأعظم الذي ضربه النبي ﷺ عندما لقن المسلمين درساً عظيماً هو لهم أولى الدروس في وقتهم هذا، وفي محنتهم العصيبة التي يمرون بها الآن، إنه درس إبقاء الروح المعنوية في الملمات.
هذا حديث ابن عباس يرويه الطبراني بسند صحيح يقول فيه: (لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد، وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، يا شر ما صنعتم، وأرادوا أن يرجعوا).
كانوا يفكرون أنهم لم ينتصروا انتصاراً حقيقياً، فلم يقتلوا القيادة، ولم يأسروا نساءً ولا رجالاً! (فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فندب الناس أن يخرجوا، وانتدبوا للخروج إلى لقاء عدوهم حتى بلغوا حمراء الأسد، فبلغ ذلك كفار قريش فرجعوا ومضوا إلى مكة وهم خائفين).
وروى البخاري من حديث عائشة ﵂ في كلامها لـ عروة بن الزبير ﵁ قالت: (يا ابن أختي! كان أبواك الزبير وأبو بكر ممن انتدب لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون وخاف أن يرجعوا فقال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً كان منهم أبو بكر والزبير، وفيهم نزل قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ)) [آل عمران:١٧٢ - ١٧٤]، في أولئك النفر الذي كانوا طليعة القوم).
أما كتب السيرة فتجمع أن منادي رسول الله ﷺ نادى بأهل أحد، أن لا يبقى منهم أحد حتى يلحق برسول الله ﷺ ليلحقوا بعدوهم، وقال (لا يتبعنا أحد لم يشهد أحداً).
فجاء جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام واستأذن أن يكون مع رسول الله وقال: (يا رسول الله! خلفني عبد الله -يعني: أباه- على بنيات له، وإني أريد أن أشهد معك، فأذن له رسول الله ﷺ .
وخرج المسلمون عددهم ثلاثون وستمائة رجل ما تخلف منهم رجل واحد، خرجوا والجراح تنزف دماءً، خرجوا والأرجل مصابة، والأيدي مقطعة، والجراح ما زالت عميقة غائرة، خرجوا يحملون في صدروهم إيماناً عظيماً، وفي قلوبهم عزة قعساء، خرجوا خلف رسول الله ﷺ يأتمرون بأمره، ويسيرون وراءه لا يتخلفون عنه، يلتزمون أمر الله، وهدي رسوله ﷺ .
روى ابن إسحاق في السيرة صورة من صور ما جسرى للصحابة الذين كانت جراحهم عظيمة وغائرة، قال ابن إسحاق يروي عن رجل من الأنصار من بني عبد الأشهل: (شهدنا أحداً أنا وأخ لي، فرجعنا حين رجع الناس، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج وطلب العدو، قلت لأخي: أتفوتنا غزاة مع رسول الله ﷺ ؟ قال: والله ما لنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جرحاً منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون).
قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله ﷺ الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، ثلاثة أيام بلياليها ينتظر عدوه أن يرجع، فلم يرجع، وكان ﵊ يأمر بالنيران فتضرم، قالوا: فكان يضرم خمسمائة نار حتى عظمت هيبة المسلمين في نفوس المنافقين واليهود داخل المدينة، وفي نفوس قريش التي جرت أذيال خيبتها إلى مكة، وفي نفوس العرب من حول المدينة جميعاً.
إنها الروح المعنوية والهيبة الإيمانية التي أراد رسول الله ﷺ أن لا يكون لها في نفوس المؤمنين أثر سلبي، لئلا تضعف العزائم، ولئلا يدب اليأس، ولئلا يسري الوهن: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
стр. 420
ترك الجهاد إلقاء باليد إلى التهلكة
إن حمقى اليوم من المغفلين ينظرون إلى مثل هذا الحدث الذي قد يكون له مشابه اليوم فيقولون: إنه ضرب من النزق، وصورة من التهور، ولون من إلقاء النفس إلى التهلكة.
عجباً كيف يكون الاعتزاز بالإيمان والثبات على الإسلام وإظهار العزة والقوة لأعداء الله صورة سلبية مذمومة؟! وعجباً لنا عندما لا نتأمل في واقع الأمر وفي معاني الآيات على فقه أصحاب محمد ﷺ .
حديث عظيم رواه الترمذي بسند حسن تعليقاً على قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، يرويه صحابي جليل من أعظم الصحابة المجاهدين الذين امتدت قبورهم حتى وصلت إلى آخر بقاع الأرض لتعلن عزة الإيمان وقوة الجهاد، يقول: (كنا في الصف في قتال الروم، وخرج من المسلمين رجل فحمل على الروم حملة، فقال بعض الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة -فنطق الصحابي الجليل الذي تربى في مدرسة محمد ﷺ ، وأخبر خبر اليقين، وبين البيان الشافي الذي ليس بعده بيان- فقال: كنا مع رسول الله ﷺ ، وجاهدنا معه، حتى إذا نصر الله رسوله ﷺ رجعنا إلى أهلنا وديارنا وزرعنا؛ فنزل قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة رجوعنا إلى ديارنا، وإقامتنا في زرعنا، وتركنا الجهاد).
ذلك هو الفقه الإيماني الثابت عند أصحاب محمد ﷺ ، ولذلك ننظر إلى غزوة أحد في شقها الأخير، وفي جانبها الذي قد يكون هو المظلم، لننظر إلى عظمة القائد الأعظم ﷺ وهو يعلي من القوة المعنوية، ويعلي من العزة الإيمانية في الرد على أبي سفيان، وفي التضرع إلى الله، وفي الخروج العملي الذي يظهر القوة والهيبة الإيمانية.
كم نحن في حاجة -معاشر المؤمنين جميعاً في كل بقاع الأرض- إلى أن ننزع من نفوسنا حب الدنيا وكراهية الموت، وأن ننزع من نفوسنا الضعف والاستعظام لقوة الأعداء، فإنهم أرذل وأحقر من أن يقارنوا بشيء أمام قوة ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، والذي قال: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، والذي قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
تلك هي آيات الله، وتلك هي سنن الله، وتلك هي وعود الله، ونحن لسنا في شك من ديننا، ولا من وعد ربنا، فاللهم اجعل لنا من بعد العسر يسراً، واجعل لنا من بعد الهزيمة نصراً، واجعل لنا من بعد الكرب تفريجاً يا رب العالمين! أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 421
النصر والتمكين لأولياء الله المتقين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم الإيمان والتقوى الثقة بنصر الله، والثقة بوعد الله، وصدق التوكل على الله، وتعظيم اليقين بنصر الله، وإن الإنسان المؤمن لا بد أن يعيد على نفسه مثل هذه المعاني، وأن يمر على ذاكرته هذه المواقف من سيرة المصطفى ﷺ ، وكلنا يعلم أن الحياة واحدة، وأن الموت كأس لا يشرب إلا مرة واحدة: فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا ذلك هو الذي ذكره لنا عملياً أصحاب رسول الله ﷺ في شتى المواقف والمغازي التي جادوا فيها بأرواحهم ونفوسهم في سبيل الله، والتي مروا فيها بأحلك الظروف وأشدها وأصعبها، يوم تألب عليهم الأحزاب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].
ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
ماذا فعلوا؟ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
ماذا فعل الله بعدوهم؟ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥].
تلك هي الحقائق الإيمانية القرآنية التي ينبغي أن نعظم اليقين بها، ولسنا في شك من أمرنا، أما أعداء الله وإن عظمت قوتهم، وإن كثرت أحزابهم، وإن توالت وتعاقبت مؤتمراتهم، فإنهم أدحر وأحقر من أن يقفوا أمام المؤمنين الصادقين، ويكفي أن نعرف أن منهم أعداداً من المنتحرين، وأعداداً من الفارين والهاربين، فضلاً عن الجرحى والمقتولين، وكلكم يرى ذلك بأم عينه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
لسنا في شك من كلام ربنا، ومن هذه المقاطع الصادقة قول الحق : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، أي: وليأتينكم من الأمور والأخبار يقيناً ما ليس في أذهان أصحاب الوهن والضعف، الذين يبثون روح الخذلان ولا يبثون روح الإيمان.
ينبغي لنا أن نعظم اليقين بنصر الله ، وأن نعلم أن موعوده بالنصر يحتاج أن نحقق شرطه الذي أراده منا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولقد وعد الله رسوله وأعطاه وعده: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١]، فبعد ذلك الصبر العجيب، واليقين العظيم، والتوكل الصادق في يوم الأحزاب، أعطاه الله فتحاً في يوم الحديبية، ونصراً مؤزراً في يوم الفتح، وظهوراً وإخراجاً لأعدائه في يوم خيبر، ثم انتصاراً شمل الجزيرة في يوم حنين والطائف، ثم خروجاً عن دائرة بلاد العرب لمقاتلة الروم في مؤتة، ثم استسلمت الأرض كلها لأصحاب محمد ﷺ ، فلم يمت أبو بكر إلا والجيوش تقرع أبواب فارس والروم، ثم مضى الفاروق وكسب الإسلام انتصاراً في القادسية واليرموك وفي غيرها من المعارك العظيمة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
فاللهم ثبت إخواننا المؤمنين المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم املأ قلوبنا وقلوبهم بالإيمان واليقين، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة، وأغننا اللهم بفضلك عمن أغنيته عنا يا رب العالمين! أغننا اللهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم قل المعين الناصر، وكثر العدو القاهر، وليس لها من دونك كاشفة، فاكشف اللهم البلاء عن الأمة، وارفع اللهم الكرب والغمة، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا ولإخواننا المسلمين في كل مكان من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم زد إيماننا، وعظيم يقيننا، وثبت أقدامنا، وارفع رءوسنا، وعظم في قلوبنا عزتنا، اللهم إنا نسألك صدق التوكل عليك، وعظمة الإنابة إليك، وشدة الخوف منك، وعظمة الرجاء فيك، اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الإنابة إلا إليك، ومن الخوف إلا منك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك لأمتنا أن تبدلها من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، وألف بين قلوبهم، ووحد بين صفوفهم، واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم.
اللهم يا رب العالمين نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم يا حي يا قيوم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وبهدي نبيك ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل هذا البلد رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تحثه على الخير وتدله عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه يا رب العالمين! اللهم احفظ عليها سلمها وإسلامها، وأمنها وأمانها، وسعة رزقها ورغد عيشها، اللهم اصرف عنا كيد الفجار، واصرف عنا شر الأشرار، واصرف عنا اللهم شر طوارق الليل والنهار، يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم الطف بإخواننا فيما جرت به المقادير، امسح اللهم عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فلم شعثهم يا رب العالمين! اللهم أعزهم بعزك، وانصرهم بتأييدك وحولك وقوتك عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الإسلام والمسلمين، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم نكس رايتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 422
الصفحات الأخيرة من حياة الصديق
إنه أفضل مشير، وللحبيب المصطفى ﷺ خير وزير، لقد كانت حياته حافلة بالعطاء والسخاء، والبذل والتضحية، والحزم والشدة في ذات الله، والحب والوفاء في حق المؤمنين إنه أبو بكر الصديق الذي ذاعت سيرته في الآفاق، وانتشر فضله بين الأحباب والأصحاب، ولم ينكر أحد منهم من ذلك شيئاً، وكان على رأسهم علي بن أبي طالب ﵁، الذي شهد له شهادة قطعت عنق كل منافق، وكانت غصة في حلق كل مبغض وفاسق.
стр. 423
شهادة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق
الحمد لله عالم السر والنجوى، كاشف الضر والبلوى، مقدر الأقدار، ومقسم الأرزاق،، وكاتب الآجال، أحمده حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، له الحمد جل وعلا كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله رحمةً للعالمين، وبعثه إلى الناس أجمعين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! كنت أقلب بعض صفحات التاريخ أبحث فيها عما يفيد اتعاظاً واعتباراً، فوافيت حدثاً يوافق يومنا وتاريخه، صفحة قبله طويت في تاريخ أمة الإسلام، وفتحت فيه صفحة أخرى في سجلات العظمة الإيمانية، وصفحات القيادة الإنسانية، ذلكم الحدث كان وفاة رجل عظيم من هذه الأمة، وبعده في صباح اليوم الذي يليه كان استقبال الأمة لقائد عظيم آخر.
ولا شك أن سير عظمائنا جليلة، غير أن عبر الوفاة كثيراً ما تكون أبلغ إذ مع آخر لحظات العمر، وفي آخر أنفاس الإنسان تتجلى خواطر نفسه، وتظهر حقيقته على وضوح وبينة من غير زخرفة أو بهرجة.
ولعلي أبدأ حَدَثنا الذي كان في الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة بهذه الكلمات التي قالها أيضاً عظيم من عظماء أمتنا، يشهد فيها لفقيدنا العظيم بجلائل الخصال، وعظائم الفضائل فقال: (كنتَ أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءاً، وأحفظهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خلقاً وخُلقاً، وهدياً وسمتاً)، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، وجزاك الله عن رسول الله خيراً).
ثم قال في شأنه وصفته: (كنتَ أقرب الناس إلى رسول الله، وأحبهم إليه، وصدقته حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] يريد محمداً ﷺ ويريدك، وكنت والله للإسلام حصناً، وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل الذي لا تزعزعه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله.
ثم قال في شأنه: (وكنت في نفسك متواضعاً وعظيماً عند الله، جليلاً في الأرض وكبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، والضعيف قوي عندك حتى تأخذ الحق له، اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، ولقد سبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك إتعاباًً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك).
أحسب أنكم قد عرفتم أن فقيدنا هو الصديق أبو بكر ﵁، غير أني أحسب أن كثيرين منكم لا يعلمون أن هذه الكلمات الصادقة الناصعة هي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ذلكم العظيم الذي يوجد في وفاته دروس عظيمة وجليلة؛ لأنه كان أعظم رجال مدرسة محمد ﷺ ، وأجل خريجيها، وأكثر الواردين إليها، والناهلين منها، والمنتفعين بها، والممثلين لها، والذين حملوا رايتها، وثبتوا على مبدئها حتى آخر نفس من الأنفاس.
стр. 424
قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب وما فيها من الدروس
صفحات التاريخ تحكي لنا اللحظات الأخيرة التي انتهت فيها صفحة أبي بكر، وأشرقت من بعدها صفحة الفاروق عمر ﵁.
стр. 425
استشارة أبي بكر في استخلاف عمر
لما ثقل على أبي بكر المرض واستبان له حال نفسه -أي: أنه موشك على الموت- جمع الناس إليه ثم قال لهم: (إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا ميت، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا من بعدي، فقاموا عنه، ثم لم يلبثوا من بعد حتى رجعوا إليه فقالوا: إنا نرى رأيك) أي: فوضنا الأمر إليك، وجعلنا الاختيار والترجيح لك، لما نعلمه عنك من صفاء نيتك، وعظمة إخلاصك وصدقك.
فأي شيء فعل أبو بكر ﵁؟ لقد بدأ بالمشاورة رغم أنه قد مال ميله، ورأى رأيه، فطلب إليهم أن يمهلوه وقال: (أمهلوني حتى أنظر لله، ولدينه، ولعباده).
لم يكن ينظر لنفسه ولا لحظها، ولا لأهله أو ورثته، لم يكن ينظر إلا لدين الله، ومصلحة عباد الله، ثم بدأ بالمشاورات فاستدعى إليه عثمان بن عفان ﵁، ثم قال له: ما تقول في عمر؟ فقال عثمان ﵁: والله لا تسألني عن شيء من أمر عمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال: وإن كان كذلك! فأوجزها ذو النورين في كلمات؛ لتدلنا على عظمة أولئك الرجال، وصدقهم وإخلاصهم، وتجردهم من حظوظ أنفسهم، وترفعهم عن ميلهم إلى هواهم أو نظرهم إلى دنياهم، أوجزها كلمات خالدة فقال: (هو أفضل من رأيك فيه) وما أبلغ هذه الكلمات! ثم استدعى أبو بكر ﵁ عبد الرحمن بن عوف وسأله ذلك السؤال، فقال: إنك أعلم به، فطلب منه الإفادة، فقال: (علمي أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا خيرٌ منه).
تلك الكلمات الصادقة أعقبها أبو بكر باستشارة سيدٍ من سادات الأنصار أسيد بن الحضير ﵁ فقال: (الله أعلم بالخيرة بعدك، فإنه يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خيراً من الذي يعلن، ولن يلي هذه الأمة أحدٌ أقوى منه).
فكانت هذه الشهادات الصادقة المخلصة المترفعة قد عقدت عزم أبي بكر على المضي لما رآه من الاختيار لأمة محمد ﷺ ، فرغم ثقل مرضه وشدته، لم يكن له هم إلا في حال الأمة وحسن الاختيار لها.
следующие страницы →