← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

النصر والتمكين لأولياء الله المتقين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم الإيمان والتقوى الثقة بنصر الله، والثقة بوعد الله، وصدق التوكل على الله، وتعظيم اليقين بنصر الله، وإن الإنسان المؤمن لا بد أن يعيد على نفسه مثل هذه المعاني، وأن يمر على ذاكرته هذه المواقف من سيرة المصطفى ﷺ ، وكلنا يعلم أن الحياة واحدة، وأن الموت كأس لا يشرب إلا مرة واحدة: فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا ذلك هو الذي ذكره لنا عملياً أصحاب رسول الله ﷺ في شتى المواقف والمغازي التي جادوا فيها بأرواحهم ونفوسهم في سبيل الله، والتي مروا فيها بأحلك الظروف وأشدها وأصعبها، يوم تألب عليهم الأحزاب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]. ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. ماذا فعلوا؟ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. ماذا فعل الله بعدوهم؟ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]. تلك هي الحقائق الإيمانية القرآنية التي ينبغي أن نعظم اليقين بها، ولسنا في شك من أمرنا، أما أعداء الله وإن عظمت قوتهم، وإن كثرت أحزابهم، وإن توالت وتعاقبت مؤتمراتهم، فإنهم أدحر وأحقر من أن يقفوا أمام المؤمنين الصادقين، ويكفي أن نعرف أن منهم أعداداً من المنتحرين، وأعداداً من الفارين والهاربين، فضلاً عن الجرحى والمقتولين، وكلكم يرى ذلك بأم عينه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. لسنا في شك من كلام ربنا، ومن هذه المقاطع الصادقة قول الحق : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، أي: وليأتينكم من الأمور والأخبار يقيناً ما ليس في أذهان أصحاب الوهن والضعف، الذين يبثون روح الخذلان ولا يبثون روح الإيمان. ينبغي لنا أن نعظم اليقين بنصر الله ، وأن نعلم أن موعوده بالنصر يحتاج أن نحقق شرطه الذي أراده منا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولقد وعد الله رسوله وأعطاه وعده: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١]، فبعد ذلك الصبر العجيب، واليقين العظيم، والتوكل الصادق في يوم الأحزاب، أعطاه الله فتحاً في يوم الحديبية، ونصراً مؤزراً في يوم الفتح، وظهوراً وإخراجاً لأعدائه في يوم خيبر، ثم انتصاراً شمل الجزيرة في يوم حنين والطائف، ثم خروجاً عن دائرة بلاد العرب لمقاتلة الروم في مؤتة، ثم استسلمت الأرض كلها لأصحاب محمد ﷺ ، فلم يمت أبو بكر إلا والجيوش تقرع أبواب فارس والروم، ثم مضى الفاروق وكسب الإسلام انتصاراً في القادسية واليرموك وفي غيرها من المعارك العظيمة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]. فاللهم ثبت إخواننا المؤمنين المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم املأ قلوبنا وقلوبهم بالإيمان واليقين، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة، وأغننا اللهم بفضلك عمن أغنيته عنا يا رب العالمين! أغننا اللهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم قل المعين الناصر، وكثر العدو القاهر، وليس لها من دونك كاشفة، فاكشف اللهم البلاء عن الأمة، وارفع اللهم الكرب والغمة، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا ولإخواننا المسلمين في كل مكان من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم زد إيماننا، وعظيم يقيننا، وثبت أقدامنا، وارفع رءوسنا، وعظم في قلوبنا عزتنا، اللهم إنا نسألك صدق التوكل عليك، وعظمة الإنابة إليك، وشدة الخوف منك، وعظمة الرجاء فيك، اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الإنابة إلا إليك، ومن الخوف إلا منك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك لأمتنا أن تبدلها من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، وألف بين قلوبهم، ووحد بين صفوفهم، واربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم. اللهم يا رب العالمين نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم يا حي يا قيوم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وبهدي نبيك ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل هذا البلد رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تحثه على الخير وتدله عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه يا رب العالمين! اللهم احفظ عليها سلمها وإسلامها، وأمنها وأمانها، وسعة رزقها ورغد عيشها، اللهم اصرف عنا كيد الفجار، واصرف عنا شر الأشرار، واصرف عنا اللهم شر طوارق الليل والنهار، يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم الطف بإخواننا فيما جرت به المقادير، امسح اللهم عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فلم شعثهم يا رب العالمين! اللهم أعزهم بعزك، وانصرهم بتأييدك وحولك وقوتك عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الإسلام والمسلمين، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم نكس رايتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 422

الصفحات الأخيرة من حياة الصديق إنه أفضل مشير، وللحبيب المصطفى ﷺ خير وزير، لقد كانت حياته حافلة بالعطاء والسخاء، والبذل والتضحية، والحزم والشدة في ذات الله، والحب والوفاء في حق المؤمنين إنه أبو بكر الصديق الذي ذاعت سيرته في الآفاق، وانتشر فضله بين الأحباب والأصحاب، ولم ينكر أحد منهم من ذلك شيئاً، وكان على رأسهم علي بن أبي طالب ﵁، الذي شهد له شهادة قطعت عنق كل منافق، وكانت غصة في حلق كل مبغض وفاسق.

стр. 423

شهادة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق الحمد لله عالم السر والنجوى، كاشف الضر والبلوى، مقدر الأقدار، ومقسم الأرزاق،، وكاتب الآجال، أحمده حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، له الحمد جل وعلا كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله رحمةً للعالمين، وبعثه إلى الناس أجمعين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! كنت أقلب بعض صفحات التاريخ أبحث فيها عما يفيد اتعاظاً واعتباراً، فوافيت حدثاً يوافق يومنا وتاريخه، صفحة قبله طويت في تاريخ أمة الإسلام، وفتحت فيه صفحة أخرى في سجلات العظمة الإيمانية، وصفحات القيادة الإنسانية، ذلكم الحدث كان وفاة رجل عظيم من هذه الأمة، وبعده في صباح اليوم الذي يليه كان استقبال الأمة لقائد عظيم آخر. ولا شك أن سير عظمائنا جليلة، غير أن عبر الوفاة كثيراً ما تكون أبلغ إذ مع آخر لحظات العمر، وفي آخر أنفاس الإنسان تتجلى خواطر نفسه، وتظهر حقيقته على وضوح وبينة من غير زخرفة أو بهرجة. ولعلي أبدأ حَدَثنا الذي كان في الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة بهذه الكلمات التي قالها أيضاً عظيم من عظماء أمتنا، يشهد فيها لفقيدنا العظيم بجلائل الخصال، وعظائم الفضائل فقال: (كنتَ أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءاً، وأحفظهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خلقاً وخُلقاً، وهدياً وسمتاً)، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، وجزاك الله عن رسول الله خيراً). ثم قال في شأنه وصفته: (كنتَ أقرب الناس إلى رسول الله، وأحبهم إليه، وصدقته حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] يريد محمداً ﷺ ويريدك، وكنت والله للإسلام حصناً، وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل الذي لا تزعزعه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله. ثم قال في شأنه: (وكنت في نفسك متواضعاً وعظيماً عند الله، جليلاً في الأرض وكبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، والضعيف قوي عندك حتى تأخذ الحق له، اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، ولقد سبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك إتعاباًً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك). أحسب أنكم قد عرفتم أن فقيدنا هو الصديق أبو بكر ﵁، غير أني أحسب أن كثيرين منكم لا يعلمون أن هذه الكلمات الصادقة الناصعة هي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ذلكم العظيم الذي يوجد في وفاته دروس عظيمة وجليلة؛ لأنه كان أعظم رجال مدرسة محمد ﷺ ، وأجل خريجيها، وأكثر الواردين إليها، والناهلين منها، والمنتفعين بها، والممثلين لها، والذين حملوا رايتها، وثبتوا على مبدئها حتى آخر نفس من الأنفاس.

стр. 424

قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب وما فيها من الدروس صفحات التاريخ تحكي لنا اللحظات الأخيرة التي انتهت فيها صفحة أبي بكر، وأشرقت من بعدها صفحة الفاروق عمر ﵁.

стр. 425

استشارة أبي بكر في استخلاف عمر لما ثقل على أبي بكر المرض واستبان له حال نفسه -أي: أنه موشك على الموت- جمع الناس إليه ثم قال لهم: (إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا ميت، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا من بعدي، فقاموا عنه، ثم لم يلبثوا من بعد حتى رجعوا إليه فقالوا: إنا نرى رأيك) أي: فوضنا الأمر إليك، وجعلنا الاختيار والترجيح لك، لما نعلمه عنك من صفاء نيتك، وعظمة إخلاصك وصدقك. فأي شيء فعل أبو بكر ﵁؟ لقد بدأ بالمشاورة رغم أنه قد مال ميله، ورأى رأيه، فطلب إليهم أن يمهلوه وقال: (أمهلوني حتى أنظر لله، ولدينه، ولعباده). لم يكن ينظر لنفسه ولا لحظها، ولا لأهله أو ورثته، لم يكن ينظر إلا لدين الله، ومصلحة عباد الله، ثم بدأ بالمشاورات فاستدعى إليه عثمان بن عفان ﵁، ثم قال له: ما تقول في عمر؟ فقال عثمان ﵁: والله لا تسألني عن شيء من أمر عمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال: وإن كان كذلك! فأوجزها ذو النورين في كلمات؛ لتدلنا على عظمة أولئك الرجال، وصدقهم وإخلاصهم، وتجردهم من حظوظ أنفسهم، وترفعهم عن ميلهم إلى هواهم أو نظرهم إلى دنياهم، أوجزها كلمات خالدة فقال: (هو أفضل من رأيك فيه) وما أبلغ هذه الكلمات! ثم استدعى أبو بكر ﵁ عبد الرحمن بن عوف وسأله ذلك السؤال، فقال: إنك أعلم به، فطلب منه الإفادة، فقال: (علمي أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا خيرٌ منه). تلك الكلمات الصادقة أعقبها أبو بكر باستشارة سيدٍ من سادات الأنصار أسيد بن الحضير ﵁ فقال: (الله أعلم بالخيرة بعدك، فإنه يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خيراً من الذي يعلن، ولن يلي هذه الأمة أحدٌ أقوى منه). فكانت هذه الشهادات الصادقة المخلصة المترفعة قد عقدت عزم أبي بكر على المضي لما رآه من الاختيار لأمة محمد ﷺ ، فرغم ثقل مرضه وشدته، لم يكن له هم إلا في حال الأمة وحسن الاختيار لها.

стр. 426

خطبة أبي بكر وعهده بالأمر إلى عمر ثم احتمل على نفسه ﵁، وطلب في شيء من خفة المرض عليه أن يحمل على المنبر؛ ليخطب الناس ويكلمهم، ويعهد إليهم ويوصيهم، فقام متثاقلاً مريضاً، فحمد الله وأثنى عليه في آخر خطبة له سمعت منه، فقال فيما قال ﵁ وأرضاه: أما بعد: أيها الناس! احذروا الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبوها، فحب كل واحدةٍ منهما تبغض الأخرى، وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يصلح له إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، وأشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور، لا يخور لشيء منها ضده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آتٍ عتاده من الحذر والعلم. أوجز الصديق تلك الخصال التي لابد منها في الرجال ليتسلموا مقاليد الأمور، ويحملوا هم الأمة، ويقوموا بأعباء الدين، ويحرصوا على سياسة الدنيا، إنهم الرجال الذين وصفهم الصديق أبو بكر ﵁ بهذه الأوصاف، ثم أوجزها بأن قال: (إنها ممثلة في الفاروق عمر ﵁. ثم كتب كتابه ووصيته لئلا يختلف المسلمون من بعد قوله، سجله كتابة بخط عبد الرحمن بن عوف ﵁، يملي عليه وهو في مرض موته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت، ولا أعلم الغيب، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]).

стр. 427

دروس من قصة استخلاف أبي بكر لعمر هذه صفحتنا الأولى في عهد الصديق للفاروق ﵄، ووقفاتنا فيها كثيرة. أولها: أن القادة العظام أول ما يشغل بالهم، وأعظم ما يقلق راحتهم هو مصلحة أمتهم، ورعاية شئون رعيتهم، لم يكن أبو بكر في مرض موته يفكر في أبنائه، ولا في أسرته، ولا في أمواله، ولا في ثروته، كان همه هذه الأمة. الأمر الثاني: الصدق التام، والإخلاص الكامل، والتجرد المطلق الذي يكون القصد الأعظم فيه رضوان الله، والهدف الأسمى فيه رعاية مصلحة عباد الله، ذلك أن أبا بكر جمع فكره، وأمضى استشاراته، لا يريد بذلك إلا وجه الله وخير أمة الإسلام. الأمر الثالث: الخبرة بالرجال، ومعرفة أقدارهم، لا بأحسابهم ولا بأنسابهم، لا بأموالهم ولا بثرواتهم، لا بحظوظهم الدنيوية، ولا بسمعتهم بين الناس إلا بما فيه تقوى الله، والقوة في الأخذ بدين الله، والتحمل للمسئولية، والأداء للأمانة، عجم الصديق الصحابة، نظر فيهم وهم أخيار أبرار، وأقمار مضيئة، ونجوم مشعة، فانتقى وانتخب وتخير وتدبر، فجاء بهذا الاختيار العظيم الذي بينه في خطبته لرجل شديد في وقت الشدة، لين في وقت اللين، عادل منصف حريص على أن يضع الأمور في مواضعها، وذلك أمر مهم، وقد أخبر المصطفى ﷺ بأن من علامات آخر الزمان تضييع الأمانة، وعندما سئل عن معناها قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). ولقد كان الفاروق من بعد أبي بكر الرجل المميز في معرفة الرجال، وانتقائهم على أساس إيمانهم وإخلاصهم، وتقواهم وخوفهم من ربهم، وعلى أساس قوتهم وأهليتهم، وكفاءتهم في القيام بمهامهم. ومن بعد ذلك أيضاً درس رابع في المشورة مع وضوح القضية، فكيف إذا كان الأمر ملتبساًَ. فهذا الصديق كان قد مال إلى اختيار عمر، ومع ذلك يستشير هذا وهذا وذاك، ويستطيب نفوس الناس، ويستخرج ما في عقولهم، ثم يعلن، ثم يكتب حتى يحكم الأمر من جميع جوانبه؛ رعايةً لمصلحة الأمة، وسداً لباب الفتنة، ومنعاً لأسباب الاختلاف، وقد كان فعله ﵁ وأرضاه هو الفعل الذي عصم الله به الأمة، وزاد من قوتها وانطلاقتها، بعد أن أخمد حرب الردة، وبعد أن أمضى الجيوش إلى بلاد فارس والروم، استطاع عمر في لحظات من بعد وفاة الصديق ﵁ أن يمضي الأمور دون نزاع، ولا خلاف ولا توقف. ومن بعد ذلك أمر خامس: وهو الصدق في أداء الأمانة والمشورة، كما فعل أصحاب محمد ﷺ وكما قالوها في هذه الكلمات المشرقة المنيرة، ولا يستشار إلا المؤتمن، ولا يؤخذ الرأي إلا من الصادق المخلص، وتلك ومضات كثيرة من صفحةٍ واحدة.

стр. 428

أبو بكر يرد ما أخذه من بيت مال المسلمين مدة خلافته أنتقل إلى صفحةٍ أخرى، في وفاة الصديق ﵁، فقد تقدم أنه عُني بشأن الأمة، فأي شيء كان شأنه ﵁ في حال نفسه وأهله؟! دخلت أم المؤمنين عائشة ﵂ على أبيها في شدة مرضه، وهي ترى ثقل المرض عليه وشدته به، فتمثلت بقول الشاعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تقول: إنه إذا نزل الأمر فلا صارف له، فماذا قال الصديق في مرضه؟ كيف علق المؤمن العظيم على هذه الكلمات؟ وتأملوا ما يقول الصديق لابنته: (ليس كذلك يا أم المؤمنين، وإنما هو كما قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]) ذلك المعنى أبلغ وأقوى، وأصدق وأجرى على لسان الصديق ﵁. ثم قال لها: (يا عائشة! والله ليس أحد من أهلي أحب إلي منك، وكنت قد منحتك حائطاً وإن في نفسي شيئاً منه، فرديه على الميراث، قالت: نعم، فردته). ثم قال ﵁ وأرضاه: (أما إنا لمنذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا أنا مت فاقصدي بها إلى عمر بن الخطاب وأبرأ منهن). هذه الأموال التي بقيت لـ أبي بكر مما كان يصرف له من بيت مال المسلمين أجراً له على تفرغه لأحوال الأمة، فبقي من هذا المال عنده بصفته أميراً للمؤمنين عبد، وبعير، وجرد قطيفة لمسمى الوظيفة، فردها لـ عمر ﵁. فلما جاءت بها عائشة بكى عمر ﵁، وقال: لقد أتعبت من بعدك يا أبا بكر، ثم أخذها لبيت المال، فقال له عبد الرحمن بن عوف: (أتسلب عبداً حبشياً، وبعيراً ناضحاً، وجرد قطيفة لا تساوي خمسة آلاف درهم آل أبي بكر؟ قال: فما القول عندك؟ قال تردها عليهم، قال: والله لا يكون ذلك في ولايتي، ولا يبرأ منها أبو بكر قبل موته، وأردها عليه بعد موته)! وفي رواية أخرى أيضاً أن أبا بكر ﵁ قال: (إن عمر ﵁ لم يزل بي حتى أخذت من مال المسلمين) يعني بذلك أول ولايته، وذلك عندما أراد أبو بكر أن يمضي لعمله ليأكل قوت يومه، فقال له عمر: إلى أين؟ قال: إلى عملي، قال: وأمر المسلمين، ارجع ونكفيك من مال المسلمين بأن تأخذ قوت يومك وطعام أهلك، فيقول: (فإن عمر لم يزل بي حتى أخذت من مال المسلمين، وإنها ستة آلاف درهم -أي: في مدة خلافته- وإن بستاني وحائطي في مكان كذا يفي بها -يعني: يسدد قيمتها- فردوها على المسلمين، فلما جاءت لـ عمر ﵁، بكى مرة أخرى وقال: أما هذه فأنا ولي أمر المسلمين، وأردها على عيال أبي بكر، فهي حق لهم)!

стр. 429

أبو بكر يودع الدنيا صحفة أخرى تبين لنا كيف يودع المرء دنياه، وكيف يستقبل أخراه، وكيف يجتهد على أن يخرج كفافاً من الدنيا، لا يحمل ما قد يكون فيه حساب أو عليه عقاب، بل يبرأ مما هو أقل من ذلك، ليكون أصدق في تبرئه من كل شبهة، أو من كل مال وعرض من الدنيا قد يكون بغير حق. ثم نرى كذلك ما سأل عنه أبو بكر ﵁ في ذلك اليوم الذي قضى فيه نحبه: (أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: هو اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، ثم قال: كيف كفنتموه؟ ثم أوصى بكفنه في أثوابه، قالوا: إن عندك جديداً من الثياب! فقال: الحي أولى بالجديد). وقضى نحبه في يوم الإثنين، الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة، عام ثلاث عشرة للهجرة وهو يعطي الدرس والعبرة في رجل عظيم من أصحاب محمد ﷺ ، نسأل الله أن يجعله في عليين، وأن يلحقنا به مع المخلصين الصادقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 430

أهمية النظر في سير السلف الصالح الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن. وإن من منابع التقوى النظر في سير أولئك الأصحاب المؤمنين الصادقين المخلصين، فإنها تزيد الإيمان، وتعرف بحقيقة الدنيا، وتربط بسيرة المصطفى ﷺ ، وتبين كيف يكون نظر المؤمن إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا، فإن بعضاً من الصحابة عندما أراد الصديق أن يمضي الأمر لـ عمر خافوا من شدته، أن يكون حازماً بما لا يتفق مع سياسة الأمة ضعيفها وقويها، وما قد يتغير من أحوالها، فقال بعضهم لـ أبي بكر ﵃: (ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر فينا مع غلظته؟!) وهو لون من الحديث واللغة من منطلق الإيمان، لم يقولوا له شيئاً يعترضون به على ترجيح عقله أو على نظره أو غير ذلك، قالوا: (ما أنت قائل لربك) أي: هل ترى في ذلك إبراءً لذمتك؟ هل ترى فيه أنك غير مقصر تقصيراً ينالك به شيء من حساب ربك أو عقابه؟ فكان أبو بكر إذ ذاك مضطجعاً في مرضه فقال: (أجلسوني! فأجلسوه فقال: أبالله تخوفونني؟! ثم قال: خاب من تزود من أمركم بظلم، خاب من تزود من أمركم بظلم، لم أكن لأجعل آخر عهدي في أمركم ظلماً، ثم قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، ثم قال للحاضر: أبلغ من وراءك بما قلت) أي: أنه يعمل العمل وهو يوقن أنه إذا سئل عنه سيجيب بنفس الحال الذي هو عليه، يفكر في ذلك ويعد الجواب للسؤال. وهذه ومضات قليلة، من صفحات يسيرة، في آخر يوم من أيام الصديق أبي بكر ﵁، كيف إذا انتقلنا إلى الصديق وهو ينافح عن سيد الخلق ﷺ ، ويدفع عنه كفار قريش ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] فيضربونه، ويحرفون النعال في وجهه حتى يسقط مغشياً عليه، لا يعرف أنفه من وجهه من شدة الورم! كيف بنا إذا كنا مع الصديق والرسول يستأنيه ويستأخره في الهجرة حتى قال له: (الصحبة يا رسول الله؟ قال: نعم يا أبا بكر)؟! كيف بنا والصديق مع رسول الله ﷺ في الغار، والمصطفى يقول: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)! كيف بنا والصديق تتنزل الآيات في شأنه وشأن أهله وابنته! كيف بنا والصديق يقول عنه رسول الله ﷺ تلك الأحاديث العظيمة الجليلة في مناقبه، ومن أعظمها: (ما لأحد علينا خلة، إلا ما كان من أبي بكر فإن له يداً لا تنسى) أو كما قال ﷺ ! لم لا نفتح هذه الصفحات؟ لم لا نقرأ هذه السير؟ لم لا نعيش مع أولئك القوم؟، لا لنرجع إلى التاريخ لا نتغنى به، ولكن لننتفع منه ونغير به واقعنا. أسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا هداة مهديين، واهدنا واهد بنا، واجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا اللهم من ورثة جنتك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة، أحسن اللهم ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تبصرنا بعيوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا، اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ اللهم أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها يا رب العالمين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! امسح اللهم عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناًً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحةً تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 431

الأمة بين عامين حري بنا وأمتنا اليوم تمر بأحلك الظروف وأشدها، وأقسى المواقف وأصعبها: من فرقة صفوفها، وتكالب أعدائها، وهوانها على خصومها، واستهدافها في أصل دينها؛ حري بهذه الأمة أن تكون لها مع المواقف العظيمة في هجرة النبي ﵌ إلى المدينة مراجعات ومحاسبات، وعبر وعظات، تصحح بها المسيرة، وتقوم بها المعوج، وتكمل بها النقص.

стр. 432

الهجرة هي الحدث الأعظم الذي كانت فيه الأمة بين مفترق طريقين الحمد لله، الحمد لله وسعت كل شيء رحمته، ونفذت في كل شيء قدرته، وأحاطت بكل شيء مشيئته، وتجلت في كل قدر حكمته، وعظمت على كل أحد نعمته، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءًً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى ومنار الهدى، أرسله الله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين وجعله سيد الأولين والآخرين، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعه واقتفى أثره ونهج نهجه إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأمة بين عامين، عام اليوم سيمضي، وآخر غداً سيأتي، وتمر الأيام وتتوالى الأعوام والعاقل من يدكر ويعتبر، ومن ينتفع ويستفيد، وما يمر مثل هذه الأيام إلا ويمر ذكر الحدث الأعظم الذي كانت فيه أمتنا بين مفترق طريقين، ليسا متناقضين ولا متعارضين بل هما متكاملان، طريق في الدعوة والإيمان، وطريق في الدولة والسلطان، مفرق الهجرة العظيمة التي غيرت مجرى تاريخ أمة الإسلام وتغير بها مجرى تاريخ البشرية كلها. حري بنا وأمتنا اليوم تمر بأحلك الظروف وأشدها وأصعبها، من فرقة صفوفها، وتكالب أعدائها وهوانها على خصومها، واستهدافها في أصل دينها وصميم معتقدها وأصالة مناهجها، وصبغة هويتها؛ حري بهذه الأمة أن تكون لها في مثل هذه المواقف مراجعات ومحاسبات وعبر وعظات تصحح بها المسيرة وتقوم بها المعوج، وتكمل بها النقص، وما من شك أن حديثنا عن الأمة لا يعفينا كأفراد أن نستمرئ ذلك ونحبه؛ لأنه لا يواجهنا بقصورنا ولا يحدثنا عن أخطائنا ولا يجابهنا بتفريطنا وتقصيرنا كلا وإنما حديثنا عن الأمة حتى تكون المسئولية شاملة لكل أحد، لا نلقي بها على الحكام والأمراء وهم في قمة المسئولية والمحاسبة، ولا نخصها بالدعاة والعلماء وهم في المراتب العالية من ذلك، بل تعم كل أحد صغيراً وكبيراً ذكراً وأنثى كل بحسبه، فكل امرئ مسئول وفي عنقه أمانة، على عاتقة مهمة ورسالة، حملها يوم حملها محمد ﷺ ، وحملها معه الصحب الكرام صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً في أحلك الظروف وأشدها، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، بذلوا لأجل حملها الأرواح والدماء وأنفقوا الأموال والثروات، وأجهدوا الأبدان والطاقات؛ لتعلو كلمة الله .

стр. 433

الهجرة مهدت طريق الدعوة والإيمان والدولة والسلطان وقفات مهمة، أولها: الدعوة والإيمان والدولة والسلطان: معاشر المسلمين! هل إسلامكم ودينكم له غاية في هذه الحياة ليكون صاحب الحكم والسلطان لمجرد القهر والعدوان، أو لمجرد التحكم والتسلط؟ إن ديننا وأمتنا أمة دعوة وإيمان أولاً وآخراً، إن محمداً ﷺ أوجزت آيات القرآن مهمته، وذكرت لنا وصفه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]. رسول الهدى ﷺ ، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليستنقذهم من الشرك إلى التوحيد، لينأى بهم عن الرذائل إلى الفضائل، ليغير مسارهم إلى وجهات شتى في هذه الحياة الدنيا لتكون لهم وجهة واحدة، هي ابتغاء رضوان الله وقصد الآخرة، ولذلك تأملوا في هذا المعنى:

стр. 434

الإيمان والدعوة هي الغاية من بعثته ﷺ دعا النبي ﷺ قومه وقبيلته وأهل مكة سراً وعلانية، جمعاً وأفراداً، سعى بكل الوسائل، فلما ضاقت السبل، وسدت الأبواب، وعتا الطغاة، وتجبر الجاهليون؛ هل ركن ليكون في دائرة نفسه، أم كانت دعوته وإيمانه أعظم شيء في حياته، وهي غاية وجوده ومهمته التي انتدبه الله إليها وابتعثه في هذه الخليقة لأجلها، والتمس ﵊ له ولأصحابه طرقاً يشقون بها المسار لتحقيق دعوة الله وإقامتها في هذه الحياة كما أراد الله ! هيأ لأصحابه سبيل هجرة الأولى إلى الحبشة، ثم الثانية، ثم مضى بنفسه ﵊ إلى الطائف يبتغي قوماً يؤمنون بهذه الدعوة ويحملونها في قلوبهم وعلى أكتافهم ويصبغون بها حياتهم، ويجعلونها الهدف الأسمى والغاية العظمى التي يوظفون لأجلها الطاقات والجهود والأموال، بل ويبذلون من أجلها الأرواح والدماء، فوجد صداً وإعراضاً، فرجع ﵊ لم تلن له قناة، ولم يفتر له عزم، ولم يدب إلى قلبه يأس، ولم يحصل في نفسه قنوط ﵊. كان يحمل بين جنبيه نفساً عظيمة، وهما ً كبيراً هو هم هذه الدعوة والإيمان كيف يغرسه في القلوب، كيف يوصله إلى العقول، كيف يخاطب به كل أذن، كيف يجلي حقيقته لكل عين وبصر وبصيرة؛ ولذلك مضى ﵊ يلتمس المواسم، يمضي إلى القبائل، يعرض نفسه على هؤلاء وهؤلاء، يريد من يجعل الدعوة والإيمان راية حياته، حتى تهيأت الأسباب، وجاء نفر الأنصار الأوائل، وكانت بيعة العقبة الأولى والثانية، ما الذي كان فيها؟ (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم عليه من الله برهان) حديث عبادة بن الصامت في بيعة العقبة. وعندما جاء الصحابة يبايعونه ومقدمهم أسعد بن زرارة ﵁، قال أبو التيهان من الصحابة: تمهلوا أيها القوم، واعلموا أنكم تبايعون رجلاً على حرب الأسود والأحمر وعلى دمائكم وأرواحكم، فانظروا ما أنتم عليه مقبلون، فقالوا: أمط عنا، فوالله لا نقيل ولا نستقيل، (أن تحموني مما تحمون منه نسائكم وأنفسكم وأموالكم) فأعطوا على ذلك بيعتهم، قالوا: فما لنا يا رسول الله إن فعلنا ذلك؟ فلم يعدهم بعرض من الدنيا ولا بحكم ولا سلطان، ولا بملك ولا صولجان، وإنما قال: (لكم الجنة) راية عظمى، إخلاص متجرد، مقصد أسمى من الدنيا وما فيها ومن فيها، لم تتعلق القلوب حينئذ ببعض الدنيا، لم تتعلق بمتعها.

стр. 435

الدولة والقوة وسيلة لنشر الدعوة وعندما وصلت الأمة لتكون الآمرة الناهية والحاكمة في بلاد شتى، لم تنس أنها أمة دعوة وإيمان، فسخرت دولتها وحكمها وقوتها وسلطتها لتكون في سبيل نشر الدعوة وإقامة الإيمان والذود والذب عن حياض الإسلام. فالدولة والقوة ليست غاية في حقيقتها؛ ولذلك ماذا فعل أولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ ؟ أنزلوه في قلوبهم قبل أن ينزل في ديارهم، وأحلوه موضع الروح بين جنوبهم، قبل أن يحل في ديار أو بقاع، وجعلوا الإسلام والإيمان أعظم همهم وأوكد شغلهم، قبل أن ينظروا إلى عرض الدنيا أو إلى أرض يبسطون عليها سلطاناً، أو إلى غنائم يغتنمونها في تلك المعركة أو تلك الغزوة. ذلك معلم مهم في حياة أمتنا، ما الذي أخرج محمداً ﷺ ؟ ما الذي استنفر أصحابه ليخرجوا من مسقط رأسهم وأرضهم ودورهم وبيوتهم وأموالهم وقراباتهم؟ إنه دين الله، إنها دعوة الله، إنها المقصد الأسمى الذي تدور عليه وحوله الحياة، ذلكم هو درس هذه الهجرة العظيمة.

стр. 436

تضحية الصحابة بكل ما يملكون في سبيل نشر الدعوة الدعوة لا بد أن تكون قوية صلبة لا يفتر أصحابها ولا يضعفون، ولا ييأسون ولا يكلون ولا يملون ولا يتوقفون ولا يسكنون، خذوا شرقاً فإن صدت الأبواب فغرباً، وامضوا شمالاً فإن وجدت العوائق فجنوباً، لا بد أن تحملوا دعوتكم وإيمانكم في أعماق قلوبكم، وفي أغوار نفوسكم، وأن تجري مع دمائكم في عروقكم، وأن تكون هي خواطر عقولكم، وكلمات ألسنتكم، يوم ذلك ستكونون أمة محمد ﷺ ، الذين كانوا في ذلك الوقت هم الأمة النموذجية المثالية بوجود القدوة العظمى ﵊، ووجود الصحب الكرام الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه وحمل دينه وتبليغ دعوته. وذلكم درس عظيم لا بد منه، إنهم في سبيل إمضاء هجرتهم لإقامة مجتمعهم وتشييد دولتهم، وقبل ذلك لإنفاذ دعوتهم وإظهار إيمانهم؛ جادوا بكل شيء، ولسنا بصدد ذكر قصص الهجرة فأنتم تعرفونها، فقد فرق بين أبي سلمة وزوجه أم سلمة وابنه عمر بن أبي سلمة، فما صد ذلك أحداً منهم عن أن يمضي لمراد الله ، ولطاعة رسوله ﷺ ، ولإحقاق وإعزاز دينه، وصهيب الرومي خلف ثروة حياته كلها وجهد أيامه ولياليه من المال والثروة ليمضي إلى دعوته وإيمانه، وليلحق بنبيه ورسوله وليعلي أمته ودعوته. وكذلكم كان من بعد آل جحش عبد الله وأهله وأخوه الضرير أبو أحمد، وأولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ ، حتى عندما بلغوا المدينة وأصابتهم حماها واشتد بهم المرض، ورأوا ما هو عظيم في الناحية البدنية، وجسيم في الناحية النفسية، من أرض تركوها وبلاد نشئوا فيها، وأموال خلفوها، إلى أرض ليس لهم فيها موطن ولا عمل ولا مال، فشق ذلك على النفوس، ودخلت أم المؤمنين عائشة ﵂ على أبي بكر وقد اشتدت به الحمى وهو يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وبلال اشتدت به الحمى فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل يتذكرون ديارهم، فدعا النبي ﷺ أن يبارك لهم في المدينة وأن يجعل فيها ضعفي ما في مكة من البركة، وأن ينقل حماها إلى الجحفة، فبرئت الأجساد، وتواصلت المسيرة.

стр. 437

حال الأمة إذا لم تكن دعوتها هي غايتها تلك أمة كانت دعوتها هي غايتها، وذلك هو الذي ينبغي أن تتذكره أمتنا اليوم، وقد فتنت بالعروش واشتغلت بالسلطان وتنافست على الملك، وجعلت ذلك أوكد همها وغاية قصدها، فضلت عن مسارها، وضيعت دعوتها وافتقدت رسالتها، وغيبتها تلك الأحداث كلها لتكون من سقط المتاع، ولتكون في ذيل قائمة الأمم تأثيراً وقيادة وريادة؛ لأنها لم تدرك أنها إنما وجدت في هذه الحياة لتقول: إنها أمة الإسلام ولترفع راية الإيمان، ولتعلم أن كل جدها وجهدها وقوتها وسلطانها وملكها ومالها إنما هو لإعلاء كلمة الله ولإعزاز دين الله، ويوم تفقد غايتها وتتخلى عن رسالتها فلن تكون لها عزتها ولن تعود لها قوتها، ولن تتبوأ في هذه الحياة الدنيا وفي هذه البشرية قيادتها وريادتها كما كان عليه رسول الهدى ﷺ وصحبه الكرام وأمة الإسلام على مدى تاريخها الطويل. وتأملوا ماذا فعل رسول الله ﷺ عندما وصل المدينة، والقلوب متشوقة للقائه، والنفوس متلهفة لتسخر كل جهدها وطاقتها وفق أمره وإرشاده، هل بنى قصر الحكم؟ هل شيد دار الإمارة؟ بدأ ببناء المسجد؛ ليعلق القلوب به وليربط الخلق بالخالق، وليقول لأمة الإسلام: كل أرض تدخلونها، وكل فتح تفتحونه، فابدءوا فيه بأن تؤكدوا صلتكم بالله ، فذلكم هو أساس وجودكم وهو سر قوتكم وهو ضمان وأمان استمراركم بإذنه . ثم ألف بين القلوب وآخى بين المهاجرين والأنصار، فآوى بلالاً، وآخى صهيباً، ونادى بـ سلمان في العالمين، وأخرج النموذج المثالي الفريد الذي ليس في البشرية كلها نموذج مثله، يوم نبذ كل الاختلافات في الأعراق والأنساب والقدرات والطاقات والملكات وجعلها كلها تحت لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم يكن فرق بين أبي بكر التيمي ولا عمر العدوي ولا بلال الحبشي ولا صهيب الرومي، إنما كلهم أهل إيمان فضلهم بتقوى الله، عزهم بالبذل والتضحية لإعزاز دين الله، شرفهم ومناقبهم بحسب ما كان من دعوة الله ، المهاجرون إنما فضلهم بهجرتهم لذلك، الأنصار إنما فضلهم بنصرتهم لذلك، البدريون إنما هم أصحاب فضل وتقدم على الأصحاب لذلك. وهكذا معاشر الإخوة المؤمنين يوم يكون تفاضلنا ببذلنا لدعوتنا وبقيامنا بحق ديننا، يوم تكون المراتب بحسب ما يبذل المرء لدينه ولأمته ولرسالته؛ يومئذ لا يكون فينا ما أخبر به النبي ﷺ من أن يتصدر في الناس الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله! قال: (الرجل التافه يتكلم في شأن العامة)، إنما يتصدر الرجل ويتقدم بحسب ما يكون من بذله لدينه وأمته، الدين هو الهدف والغاية، والدين هو المنهج والطريق ذلكم ما تقرع به الهجرة آذاننا وعقولنا، كلما تجددت ذكراها وكلما انقضى عام وأتى عام.

стр. 438

من دروس الهجرة: التميز والاستعلاء لا التميع والاستخذاء أمر ثان: التميز والاستعلاء لا التميع والاستخذاء: المسلمون في مكة المكرمة كانوا على إيمان في مجتمع كفر، وكانوا على خلق وفضيلة في مجتمع فسق وعهر، كانوا على توحيد في بيئة كفر وشرك، فهل سايروا القوم؟ وهل قالوا: لا قدرة لنا على أن نكون وحدنا شاذين؟ هل قالوا: لا بد أن نراعي الواقع ومقصودهم في هذه المراعاة المجاراة وليست المداراة؟ هل رأينا أو سمعنا في تلك الفترة رغم شدتها وهولها وقسوتها من ارتد عن دينه؟ أم سمعنا ما هو معلوم من قصة بلال الحبشي وهو يصدع في أجواء مكة: أحدٌ أحد، وقصة مصعب بن عمير، وقد منعت عنه الأموال فقاطعته الأم الرءوف وضغطت عليه فما لانت له قناة، ولا تغير له موقف؟ بقي أهل الإيمان متميزين بإيمانهم، مستمسكين بإسلامهم، لم ينجرفوا مع التيار، لم يسيروا ويوافقوا الناس، لم يقولوا: لا نستطيع؛ لأن قضية الإيمان والاعتقاد وثوابت الدين تهون لأجلها الأرواح والدماء، فكيف يكون ذلك التغير أو التبدل؟! ثم ما الذي أخرجهم في هجرتهم؟ إنما أخرجهم أنهم يريدون أن يكونوا مسلمين في كل شيء، أن يطبقوا إسلامهم في القضاء وفي الحكم وفي العلاقات والمعاملات الاجتماعية، لما كانوا في بلاد الكفر ما كانوا يستطيعون إلا أن يقيموا إيمانهم وإسلامهم في ذوات أنفسهم، فأرادوا أن يميزوا أمتهم ومجتمعهم بكل شرائع الإسلام، بكل محاسنه وخصائصه، فكانت هجرتهم ليقيموا الإسلام كاملاً في مجتمع بكل فئاته وطبقاته، وبكل ميادين حياته ومعاملاته، وذلكم هو الذي كان وراء هجرتهم الأولى والثانية إلى الحبشة. لم يكونوا هاربين أو خائفين، لم يكونوا منسحبين أو متخاذلين، حاشا أصحاب محمد ﷺ أن يكونوا كذلك، وإنما كانوا لدعوتهم ولطريقها ملتمسين؛ ولإقامة شريعتهم في كل جوانب حياتهم مبتغين، وذلك الذي ينبغي أن تدركه الأمة اليوم، صبغتهم صبغة أمة إيمان وإسلام، أرادوا أن تظهر في كل شيء بدءاً من أعماق قلوبهم وعقيدتهم المستكنة في نفوسهم، ومروراً بعبادتهم وفرائضهم وشرائعهم، ينشرونها في المساجد التي ينادى فيها للصلاة، ويقيمونها في كل الأحكام التي أقاموها حتى أقام النبي ﷺ فريضة الحج على هدى الإسلام، وأبطل معالم الجاهلية كلها؛ حينئذ أكمل ﵊ كل جوانب الحياة في نموذج متكامل. وما هي صبغة الأمة اليوم؟ إنها مستهدفة استهدافاً عظيماً بدءاً من العقيدة والإيمان، حيث يشكك اليوم في شرائع ثابتة قاطعة وأحكام منصوص عليها بآيات واضحة الدلالة وسنة واضحة المقصد، ثم بعد ذلك تمسخ الهوية حتى نتكلم بلسان غير لساننا ونفكر بعقل غير عقولنا، فما ترون اليوم ما تصنعه وسائل الإعلام: برنامج ينقل لنا حياة من فرنسا، وآخر ينقل لنا صبغة من بريطانيا، وثالث يترجم لنا واقعاً من أمريكا! وكلها كأنما تقول: كونوا على غير ما أنتم عليه، لا يكون لكم لون مميز ولا طعم معروف ولا رائحة مخصصة، كونوا همجاً رعاعاً تتبعون كل ناعق. إنهم يمسخون الهوية في كل جزء من جزئياتها حتى تتعلق القلوب بغير أهل الإيمان والإسلام، فيكونون هم القدوة وهم الأسوة وهم الذين ينظر إليهم بالإعجاب، وهم الذين تسري خلائقهم وسلائقهم في مجتمعنا حتى لا يعود لنا شيء نتميز به. أفلسنا نرى ونسمع ويدور الحديث ويعظم على هذه الأمور المخزية الفاضحة التي لا تنم إلا عن مقاصد سيئة، وإلا عن إرادة للإفساد وانحلال للأخلاق وانحراف في الأفكار، وتميع الأمة وذهاب شخصيتها في كل جوانب حياتها؟ وذلكم أمر تحتاج الأمة فيه إلى مفاصلة؛ لأنها اليوم يراد منها أو يكثر الحديث في بيئاتها ومجتمعاتها: أن تطور -أو في حقيقة الأمر- تغير مناهج تعليمها وتحدث وسائل إعلامها وتطور نظم حياتها الاجتماعية، يقولون لنا: لماذا أنتم منغلقون؟! لماذا لا يختلط نساؤكم برجالكم؟! لماذا والبشرية كلها قد أخذت بهذا؟! فهل يكون الحق ما عليه الكثرة وإن كانت مبطلة مفسدة، والكثرة في كتاب الله مذكورة في الجملة في سياق الذم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦]، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩]، إلى غير ذلك مما تعلمون. فينبغي لنا أن ندرك محوراً ومفصلاً عظيماً في حياتنا هو: تميزنا بصبغتنا وانفتاحنا على واقعنا من دون أن نذوب ومن دون أن نتغير فتنسلخ جلودنا، لن نكون يوماً أصحاب عيون زرقاء وبشرة بيضاء لنكون مثل ذلك الغربي أو ذلك الشرقي، فضلاً عن أن تكون قلوبنا وعقائدنا وإيماننا وهوانا وأمنياتنا وطموحاتنا على ما يعملون له ويروجون.

стр. 439

من دروس الهجرة: التخطيط والإعداد لا التفريط والإفساد وثالثة نقف عندها وقفة وجيزة: التخطيط والإعداد لا التفريط والإفساد: أمتنا اليوم يكثر فيها الحديث عن واقعها المؤلم؛ نحن أمة متخلفة تقنياً، تسمعون ذلك ويكرر عليكم صباح مساء، نحن أمة نلبس ما يصنعه غيرنا، ونركب ونأكل ونسير ونبني حتى كأننا عالة على كل أمم الأرض وليس عندنا ما نستقل به حتى في حياتنا المادية، ونحن، ونحن أين البحوث العلمية؟ أين التطور التعليمي الجامعي؟! أين كذا وكذا لكننا نسأل: هل هذا التلاوم أو هذا البحث يعقبه تخطيط طويل المدى، متشعب الجوانب، ووراءه إعداد وعدة وعمل وجد، حتى نغير هذا الواقع وفق سنة الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. لا بد من عمل، وهجرة الرسول ﷺ لم تأت فلتة عابرة، بل سبقها ما سبقها من محاولات وتجارب، ثم تهيئة كانت فيها دعوة مصعب بن عمير وكانت فيها بيعة العقبة الأولى، وكان فيما بينهما هذه الدعوة، وكان فيها تهيئة الأسباب وخروج الأصحاب وإعداد لهجرة المصطفى ﷺ ، حتى إذا استحكمت الأمور وأتمت عدتها هيأ الله لها أسبابها ويسر لها تحقيق مرادها، فكان الأمر الذي تم هو نتيجة ذلك التخطيط والإعداد والعمل والجد المتواصل. وأمتنا اليوم تتلاوم ونجد أنها ما زالت في مجمل أحوالها لا تأخذ السبيل الحقيقي للتغيير الواقعي والعمل الجاد، أين نحن اليوم وما زال الإعلام لا يقدم لنا في هذه الفضائيات شيئاً يربي الشباب، ولا يعلم الجاهلين، ولا يذكر الغافلين، ولا يبين مواطن الضعف؟! إنما هو صراخ وجؤار أو دعاية وتسويق أو فساد وإفساد، ونرى ونسمع ونعلم من ذلك ما تعلمون، فهذه وقفة مهمة أيضاً فيما بين هذين العامين، نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا وأن يهيئ الرشد والهدى والتقى لأنفسنا. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 440

من دروس الهجرة: التعاون والتكامل لا التناقض والتخاذل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من اقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن. وأمور كثيرة هي التي نحتاج أن نتذكرها فيما بين عام وعام، ونتذكرها في كل وقت وآن، غير أن المناسبات أدعى للتذكير بهذه المهمات. ووقفة سريعة أيضاً مع التعاون والتكامل لا التناقض والتخاذل: إن هجرة النبي ﷺ نموذج متكامل لتوزيع الأدوار، وتقسيم المهمات والأعمال، كيف هيأ النبي لأصحابه أن يتقدموه ويسبقوه؟! كيف استبقى أبا بكر ﵁ ليكون رفيقه وصاحبه في هجرته؟! كيف هيأ أبو بكر ناقته ودابته؟! ثم كيف كانت الأدوار: الشباب كان يمثلهم عبد الله بن أبي بكر، ودوره في الهجرة أنه كان مراسلاً وناقلاً للأخبار، ومؤمِّناً للرسول ﵊ وأبي بكر، والمرأة المسلمة أسماء كانت تأتي بالطعام والزاد، وذلك الذي كان راعياً يمر بالغنم ليعفي آثارها، وذلك الذي كان دليلاً يأخذ بالطريق، والنبي ﷺ يختم الأمر، والصحابة هيئوه هناك، كل ذلك يدل عن أن لكل أحد دوراً، وعلى كل أحد مهمة، لا تقل: لن يصلح ذلك إلا أن يفعله هؤلاء أو هؤلاء، وماذا تفعل أنت؟! لو أن كل أحد فعل واجباً وأدى مهمة، وبادر إلى عظيمة من العظائم، أو مهمة من المهمات التي تنفع دينه وأمته؛ لرأينا حالاً غير هذا الحال. ما بال الناس اليوم وكل ينظر إلى الآخر، وكل يجيد إلقاء التبعة والقصور على غيره فيقول: هؤلاء مفرطون، وهؤلاء عصاة مقصرون، وهؤلاء ضالون ومفسدون، وهكذا، ماذا قلنا عن أنفسنا! أين نحن من واجبنا؟! أين نحن مما افترضه الله علينا؟! ولذلك لابد من العمل، وأن يكون هذا العمل متكاملاً، واليوم أمة الإسلام أقوى ما تكون إذا أخذت بهذا المبدأ، وهي بغيره أضعف: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا كم هي بحاجة اليوم أن تستخدم ما منحها الله إياه من ثروة في مكان وقدرة بشرية في آخر، وتقدم علمي في بلد آخر، ولو كان لهذه الأمة اجتماع على أسبابها الدينية والإيمانية، ومعها أسبابها وقوتها المادية والدنيوية، فلن يقف في وجهها أمم الأرض كلها، ولا أمة عظمى أو دولة عظمى كما يقال، فنحن أمة الإسلام، عندنا الثروة العظمى والقوة العظمى بالإيمان والإسلام والمبادئ والشرائع والآداب والأخلاق، بالثروة والأعداد والقدرات والطاقات، لو أنها اجتمعت وتكاملت وكان بينها تناسق وتنوع لانتصرت. يؤسفنا أن نقول: إن أمماً لا تجمعها عقيدة واحدة ولا لغة واحدة، كالدول الأوروبية يتسع اتحادها لتشمل خمسة وعشرين بلداً، كل منها أو كثير منها له لغة وله ديانة وله نظم سابقة كثيرة، لكنها تجتمع وتأتلف لأنها ترى أن مصدر قوتها في مثل هذا التعاون والتآلف والتكاتف، فيأخذون حينئذ ثقلاً. ونحن أمة الإسلام أمة يتجاوز تعداد أبنائها ألفاً ونصفاً من المليار، وتتوزع في كل أقطار الأرض شرقاً وغرباً، وتملك ثروات الدنيا في معظمها، ثم بعد ذلك إذا هي شذر مذر! نقول هذا على مستوى الأمة، ولكني أذكر أن كل حديث عن الأمة هو حديث عني وعنك، فأين تكاملك وتعاونك مع أخيك؟! مع الذين يمكن أن تؤثر أنت وهم بإقامة عمل خير أو إقامة مشروع نافع، أين نحن؟! كل يغني وحده، كل يعمل وحده، بل كثيراً ما تتناقض أعمالنا، وبعضنا قد ترك العمل وبقي في دائرة طعامه وشرابه وزوجته وأبنائه، ويأتيك بنصوص يستشهد بها في غير موضعها: (عليك بخاصة نفسك)، (اعتزل الفرق كلها)، هذه نصوص إذا عظمت الفتن وكان قرب القيامة، ثم لا يستدل بها على أن تترك العمل، فإن النبي ﷺ قد صح عنه: (إذا قامت القيامة، وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) أي: نبتة النخلة الصغيرة. وأخيراً: لابد من اليقين أن الهداية والولاية هي التي نحظى بها إن نحن قمنا بذلك، كما يسر الله لرسوله في الهجرة أخذ الأسباب، لكن حماية الله وولايته له هي التي سيرته وهيأت له الأسباب، وكلما خرم شيء مما أعده كانت رعاية الله وحمايته، فأمته إذا كانت لا تسير على منهج الله لا تنال هدايته وحمايته وولايته، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وإلا يكن ذلك كذلك؛ لا تكن هداية وولاية، بل يكون تسلط وغواية وضلالة، كما تسلطت الأمم علينا، وكما ضلت مسيرتنا: فمرة ننتمي لتجمع هناك، ومرة ننظم لتكتل هناك، ومرة نسير وراء الشرق، ومرة وراء الغرب، لأننا لم نحظ بهذه الهداية والرعاية والحماية الإلهية، لأننا ابتعدنا عن دين الله . نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهديين. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاءًً وسائر بلاد المسلمين، واصرف اللهم عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بكل خير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه واجعل تدبيره تدميراً عليه. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، زلزل الأرض تحت أقدامهم واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر يارب العالمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اكفناهم بما شئت يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين في كل مكان يارب العالمين، اللهم فرج همهم ونفس كربهم، وعجل فرجهم وقرب نصرهم، وادحر عدوهم وزد إيمانهم وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يارب العالمين، اللهم ثبت أقدامهم، وأفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، ومن عليهم بحولك ونصرك وعزك وتأييدك يارب العالمين. عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، خصوصاً منهم ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 441

الأمة المسلمة بين التميز والتميع يجب على الأمة المسلمة اليوم أن تعرف عدوها معرفة حقيقية، من خلال فهم ما يدبره من مؤامرات ومخططات بشتى الوسائل والأساليب، فلابد أن تصحو من نومها، وتفيق من غفلتها، وتترسم خطى الأجداد في تميزهم وتفردهم، وما كانوا عليه من الفخر بدينهم والاعتزاز به، ومحاربتهم لدعوات التقارب والتميع، لما فيها من الذلة في الدنيا والآخرة.

стр. 442

الأمر بصيام يوم عاشوراء الحمد لله لا إله غيره، ولا رب سواه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، ومن سأله مخلصاً أعطاه، ومن طلب الهداية منه هداه، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، له الحمد كثيراً طيباً كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، الذي أرشد الله به من الغواية، وهدى به من الضلالة، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأمة المسلمة بين التميز والتميع، قضية مهمة في واقعنا المعاصر، هل أمة الإسلام متميزة أو متميعة؟ متفردة أو متشبهة؟ مستقلة أو تابعة؟ مكتفية أو متسولة؟ اليوم والأحوال مضطربة، والرؤى غائمة، والأفكار حائرة، والقضايا متبلبلة؛ يجد المرء المسلم لزاماً عليه أن يؤكد حقيقة تفرد وتميز واستقلال واكتفاء أمة الإسلام؟ أليست هي أمة الكتاب المحفوظ إلى قيام الساعة؟ أليست هي أمة محمد ﷺ الذي بعثه الله ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين إلى قيام الناس لرب العالمين؟ أليست هي أمة الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان؟ إن هذه القضية مهمة ندخل إليها فيما نحن بصدده في هذا الوقت العظيم والأيام المباركة. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (صوموا يوم عاشوراء خالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) وقد ذكر ابن حجر المراد من ذلك فقال ﵀: لما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام، أحب ﵊ مخالفة أهل الكتاب. وقال بعض الشراح: وأقل أحواله الدلالة على الاستحباب. وروى مسلم في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومن التاسع) فمات ﵊ قبل ذلك. قال الشراح: ظاهره أنه كان يصوم العاشر، وهم بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح. وقال النووي ﵀: قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً؛ لأن النبي ﷺ صام العاشر وهم بصوم التاسع. وعند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ (ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر -شهر رمضان). وعند مسلم في صحيحه بيان الأجر العظيم لصوم هذا اليوم العظيم، قال في حديث طويل ﵊: (وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله). وعن حفصة ﵂ أم المؤمنين قالت: (أربع لم يكن النبي ﷺ يدعهن: صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة) رواه النسائي في سننه. ومما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ قدم المدينة فإذا بيهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن ذلك، قالوا: يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فقال ﵊: نحن أحق بموسى منهم) وردت الروايات كما أشرنا بصيام يوم قبله أو بعده، معللاً ذلك ورابطاً إياه بمخالفة اليهود، وهنا مقصد من مقاصد الشرع كما ذكر ابن حجر وغيره من الشراح، فما حكمته وما علته، والأمر عبادة وطاعة، وصيام وقربة، وحمد وشكر لله تعالى؟ إن المقصد هنا تميز أمة الإسلام وتفردها بالكمال، وأنه ما من خير إلا وهي أحق به من غيرها. ومن هنا لما فعلوا هذا الفعل، وذكروه على سبيل الشكر لله ، بين المصطفى ﷺ أن أولئك الذين فعلوا ما فعلوا مع موسى ﵇ من المخالفات والمعارضات التي قد قص الله علينا جزءاً كبيراً منها، وفعلوا مع غيره من الأنبياء ما فعلوا لا يغني عنهم هذا التمسح الظاهر، وهذا السمت المخادع من موافقة في جانب ومخالفة في جوانب أخرى، فأخبر ﵊ أنا معاشر المسلمين أحق بموسى منهم، فنحن نؤمن به ونجله، ونقدره ونعظمه، كغيره من الرسل والأنبياء: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٣٦]، نحن أولى بكل خير وحق وعدل، نحن أمة الإسلام التي أكمل الله لها الدين، وأتم عليها النعمة، ورضي لها الإسلام ديناً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].

стр. 443

الأسباب التي من أجلها خالف النبي ﷺ اليهود في صيام عاشوراء قصد النبي ﷺ مخالفة اليهود لأسباب كثيرة، وحكم عظيمة. منها: ألا يكون لأولئك القوم المتكسبون بدين الله، المتحايلون على شرائع الله مدخلاً لإثارة الشبهات، فإنهم يقولون: إنما فعلوا ذلك موافقة لنا، ومتابعة لنا، وليس عندهم شيء، وما جاءوا به إنما هو من آثار ديانتنا وكتبنا، فيبلبلون العقول والأفكار، ويروجون الشبهات، وذلك ديدنهم، بل بعد هذه الآيات قد أورد الحق قوله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، لأنه لما توجه النبي ﷺ زماناً إلى بيت المقدس، وجعلها قبلته، ثم تحول قالوا مقالتهم: إما أن يكون على حق في الأولى فهو على باطل فيما قصد إليه من التوجه للكعبة، وإما أن يكون على باطل فأي دين هذا الذي يكون فيه الخلل والخطأ؟! فرد الله عليهم أن ذلك أمر الله وهذا حكمه، وجعل ذلك تميزاً وتفرداً لأمة الإسلام. وإذا نظرنا فإنا واجدون حكماً أخرى: منها كذلك: بيان زيادة الفضل والمثوبة والأجر لأمة الإسلام بزيادة العمل الصالح. ومنها كذلك: منع تسرب الأثر السيئ للموافقة؛ لأن طبيعة النفوس إذا وافقت في أمر وآخر وثالث فإنها تميل بعد ذلك إلى موافقة عامة، وإلى تأثر كبير، فقطع النبي ﷺ دابر ذلك. وليس هذا في هذا الوجه فحسب، فقد روى أبو داود في سننه من حديث شداد بن أوس عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (صلوا في نعالكم خالفوا اليهود). وقصد النبي ﷺ مخالفة اليهود والمشركين وغيرهم قصداً كما ورد عنه ﵊: (خالفوا المشركين) في رواية البخاري، وفي رواية مسلم (خالفوا المجوس، أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى)، فقصد المخالفة لبيان التميز والتفرد، وأن الذي وقعت به المخالفة هو الكمال الأتم والأفضل؛ لأنه لا يكون في هديه ﷺ وسنته إلا ما هو الأعظم في تعظيم الله ، والأفضل في عبادته . فإذا كان هذا المقصد بينه رسول الله ﷺ ، ونحن في هذا المقام وفي هذه الأيام نذكر بهذه السنة الجليلة العظيمة بصيام عاشوراء، ويوماً قبله أو يوماً بعده، وقد قال أهل العلم: إن صيام الثلاثة أرجح، وصيام التاسع والعاشر بعده، وإفراد العاشر وحده لمن لم يستطع درجة ثالثة، ولم يرد صيام العاشر والحادي عشر وحده، وإن كان فيه المخالفة؛ لأنه وإن كانت فيه المخالفة فإن القصد الأعظم إنما هو متابعة النبي ﷺ ، وهو الذي قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) ﵊.

стр. 444

وقفات مع آيات تظهر التميز والتفرد نحن قصدنا بيان أمر المخالفة التي تظهر التميز والتفرد، فوقفات مع قليل من الآيات، ولها نظائر كثيرة لمن تأمل وتمعن. يقول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤]، آيات واضحات، (لا تَقُولُوا رَاعِنَا) نهي عن لفظة بكلمة واحدة، ما جلالتها وخطورتها؟ ما أهميتها وعظمتها حتى تتنزل فيها آيات تتلى إلى يوم قيام الساعة؟! (لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)، لم نبدل كلمة مكان كلمة؟ وهل هذا أمر جليل حتى يكون فيه مثل هذا التوجيه المصدر بالنداء الإيماني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؟! استمع معي إلى ابن كثير في تفسيره وهو يجلي لنا ذلك، يقول ﵀: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا -وهذا لفظه بنصه- يعانون من الكلام ما فيه تورية؛ لما يقصدونه من التنقيص عليهم لعائن الله! فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون لرسول الله ﷺ : راعنا، يورون بالرعونة، يقولون: راعنا، ويقصدون الرعونة والطيش والخفة، ينتقصون بذلك رسول الله ﷺ ، ويستهزئون به، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلوون ألسنتهم بذلك طعناً في الدين، فنهى الله عن ذلك. قال ابن كثير: وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم إذا سلموا إنما كانوا يقولون: السام عليكم، والسام: هو الموت، قال: والغرض أن الله نهى عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً. فهذه الكلمة لما كان فيها مدخل موافقة، ومزلة اختلال في المعنى، وإرادة إشاعة من اليهود -عليهم لعائن الله- نهانا الله عنها، وأمرنا أن يكون لنا غيرها حتى نتميز ونتفرد، وحتى نبتعد عن كل شبهة ورذيلة كان عليها أولئك القوم، بدلاً من (راعنا) قولوا: (انظرنا) وهي كلمة لا التباس فيها ولا اشتباه، كلمة مكان كلمة، ومع ذلك أمر الله بها، وتنزلت بها آياته، فما بالكم بما هو أعظم من ذلك وأجل؟! قال ابن عطية في تفسيره عند هذه الآية: نهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سداً للذريعة؛ لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، فمطلوب منا أن نقطع الطريق على كل من يريد الإساءة إلى ديننا وإلى نبينا ﷺ ، ويقصد إلى ذلك بالطرق الملتوية، والأساليب المخادعة. ورد: (أن الفاروق عمر بن الخطاب وقعت في يده بعض صحف من التوراة، فحملها ليقرأ منها عند رسول الله ﷺ ، قال: فرأيت الغضب في وجه رسول الله ﷺ ، واحمر وجهه، ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ويحك والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي). ما أغضبك يا رسول الله من صحف يقرؤها الفاروق الذي أخبرت أنه: (ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غيره)؟ أويخشى على الفاروق أن يتأثر بتلك الكلمات في تلك الكتب؟! كلا، ولكن النبي ﷺ وهو في زمان التشريع، وبيان التأصيل للاعتقاد والمبادئ الإسلامية يقول: إن الكمال المطلق فيما آتاني الله ، وإن الرسل والأنبياء كما أخبر الله قد أخذوا العهود والمواثيق على أتباعهم إن أدركوا يوم محمد ﷺ أن يؤمنوا به ويتبعوه. وأنتقل بكم إلى آية أخرى أكتفي بها عن آيات كثيرة، يقول الحق في هذه الآية العظيمة الجليلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا * مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء:٤٤ - ٤٦] هذا هو وصفهم، وأنتقل بكم إلى بيان معاني هذه الآيات من كلام ابن كثير في تفسيره، يقول ﵀: يخبر ﵎ عن اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله ﷺ ، ويدعون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الآخرين ﵈ في صفة محمد ﷺ ؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا. (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) يودون أن تكفروا بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) وهذا إخبار على سبيل التحذير. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) لا يريدون بكم خيراً، ولا يقصدون بكم حسناً، وهو أعلم بهم ويحذركم منهم. ثم بين وصفهم: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله؛ قصداً منهم وافتراءً، فالذين أولوا وغيروا مراد كلام الله ما بالهم لا يغيرون المواثيق والقوانين وصيغ الاتفاقات والقرارات الدولية التي في كل يوم يصدر لها تفسير جديد وتأويل آخر؟ وذلك لا يستغرب على قوم حرفوا كلام الله . ثم يقول الله جل وعلا: (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) سمعنا قولك -يا محمد- ولا نطيعك فيه، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم. (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع كلامنا ولست بسامع، وذلك على سبيل التنقص والاستهزاء، اسمع ما نقول لا سمعت على سبيل الدعاء، وهذا استهزاء منهم واستهتار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين! بين ما أشارت إليه الآية السابقة: (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) تحويراً وعطفاً للألسنة لتغيير الكلمات. (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ولذلك حذرنا الله من هذا. ثم قال ابن عطية في تفسيره عند هذه الآية: وقال القاضي أبو محمد: هذه الآية تقتضي توبيخاً للمؤمنين على استنامة قوم منهم إلى أحبار اليهود في سؤالهم عن الدين أو في موالاة أو فيما أشبه ذلك. هذه وقفات وومضات مختصرات من آيات يوجد غيرها كثير، تبين أهمية قضية التميز والتفرد، وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن التشبه والتحذير منه: (من تشبه بقوم فهو منهم) وكثرت النصوص والآيات والأحاديث المحذرة من تلك الموافقات هنا أو هناك، بل أخبر النبي ﷺ عما يكون من طائفة من أمته في آخر الزمان: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) أي: فمن غيرهم؟

стр. 445

واقع المسلمين مع كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ هذه آيات الله وكلامه، وهذه أحاديث رسولنا ﷺ وسنته، وهذه المقاصد الواضحة الجلية، والعلل النصية الشرعية؛ أفيترك ذلك كله لألاعيب السياسة، أو لأضاليل الإعلام، أو لمتطلبات الاقتصاد أو لغير ذلك؟! لو تأملنا اليوم واقعنا فأي شيء نرى في تميز الأمة على المستوى العام في جانب السياسة؟! قضية السلام تقول لنا: كونوا كغيركم لا فرق بينكم وبينهم، بل غيروا كلمات ألسنتكم، وعدلوا مناهج دراستكم، وأصلحوا وسائل إعلامكم؛ حتى لا يكون هناك كلمة واحدة، بل ولا مصطلح واحد يؤذي القوم في مشاعرهم، أو يثير -كما يدعون- العنصرية والحزبية ونحو ذلك، وأي شيء يفعله اليهود الغاصبون المعتدون؟ تقوم الدنيا وتقعد، وتفتح المحاكم وتغلق، والعمل سائر كأن لا شيء في هذه الدنيا؛ لأن القوم يعملون ولا يتكلمون، ولأنهم يحسنون الظلم والعدوان ولا يعرفون معاني حقوق الإنسان، وإذا تأملت فإنك تجد مفارقة عظيمة بين ما يقوله أرباب السياسة من العرب والمسلمين في كلام يتبرءون منه من كل مقاومة، ويبرءون إلى الله من كل مخالفة، ويتزلفون ويتقربون بكل موافقة، ويعطونهم كل تنازل ومداهنة، وأما أعداؤهم فلا تسمع منهم إلا مفاصلة، ولا ترى منهم إلا مقاطعة، وهم يعلنون صباح مساء كل ما هو من أصل دينهم، ومن طبيعة حقائق نفوسهم، ومن مصالحهم العليا التي يحرصون عليها ولا يفرطون فيها. أين تميز الأمة المسلمة اليوم في هذا الميدان المهم؟! ولو أردنا أن نفيض لرأينا من السنة في مواقف النبي ﵊، وفي مواقف الصحابة في كل المراحل وعبر تاريخنا، ما يدل على أن الأمة المسلمة لم تكن يوماً تعطي الدنية في دينها، ولا تبيع دينها لتشتري به ثمناً قليلاً، فتوافق من حذرها الله من سلوك طريقهم، وهم اليهود عليهم لعائن الله، الذين اشتروا بدين الله ثمناً قليلاً؛ وباعوا آياته لتحقيق مآربهم وشهواتهم وتسلطهم على الخلق والعباد أجمعين. وإذا جئت إلى ميدان الإعلام وما أدراك ما الإعلام! وهذه الفضائيات المتكاثرة تكاثر الجراثيم والبكتريا، أي شيء تبث علينا؟ هل تريدنا أن نكون أتباع محمد ﷺ ؟! هل تذكرنا بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟! هل تبرز لنا القدوات في مصعب وخالد والمثنى والمقداد؟ ماذا تصنع بنا؟ تأتينا بمسخ من فرنسا، وتأتينا بقبح من بريطانيا، وتأتينا بعهر من أمريكا، ثم تبثه علينا، تريد أن تقول لنا: كونوا كهؤلاء، وصيروا مثلهم، أليس هذا درب واضح من دروب التشبه والموافقة والتشهير والإعلان والإذاعة والإشاعة لتلك الأخلاقيات والعادات والرذائل الاجتماعية عند القوم؟ كيف يجتمع شباب وشابات تحت سقف واحد أياماً وليالي، آكلين شاربين، مع الضحكات والعناقات والقبلات وغير ذلك؟ ثم يزعم أولئك أنهم عرب وأنهم مسلمون، وينفقون أموالاً من أموال المسلمين ومن كسبهم وهم من أهل العروبة والإسلام، نسأل الله أن يهديهم وأن يكفينا شرهم. أي عقل هذا؟ أي فعل هذا؟ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر:٢] كأننا عدنا إلى حال اليهود نحن اليوم، بهذا الفعل نخرب أخلاقاً، وندمر عادات وأعرافاً، ونخترق حقائق الإيمان وثوابت الاعتقاد، ونذيب معالم الفضيلة والحشمة والحياء، بماذا؟ باختيارنا؟! نعم، بأموالنا؟! نعم، وللأسف بتشبهنا واقتدائنا بغيرنا، حتى في الفسق والفجور لم يكن عندهم قدرة أن يكونوا فاسقين إلا على سنن أسيادهم وقدواتهم من أولئك القوم شرقاً وغرباً. ولو جئت في ميادين أخرى لوجدت الأمر كذلك، انظر إلى أحوال الاقتصاد في بلاد الإسلام، والربا ضارب أطنابه في جل بقاعها، والمعاملات المحرمة من القمار الذي يذاع على تلك الشاشات الفضية، والمسابقات المتضمنة للرهان والقمار والمحرمات، أصبحنا كأن لا فرق بيننا وبين شرق ولا غرب، ولا يهود ولا نصارى، ولا مشركين ولا مجوس، أي شيء يريد هذا الإعلام وهذا الاقتصاد أن يجرنا إليه؟! أين أمة محمد ﷺ ؟ أين أمة القرآن الكريم؟ أين أمة السنة المطهرة؟ أين أمة السلف الصالحين؟ أين أمة الأخلاق والفضائل؟ أين أمة المبادئ والعقائد؟ حري بنا أيها المسلمون أن ندرك الخطر وأن نجتنبه، وأن نحذر منه وأن نحذر غيرنا. نسأل الله أن يقينا الشرور والآثار والمفاسد العظام، وأن يمن علينا بالتشبث بنعمة وشريعة الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 446

الوقوف أمام الباطل من ضروريات الدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن. وإن ما ذكرناه -معاشر الإخوة المؤمنين- من قصد المخالفة والتميز والتفرد، وما أشرت إليه من هذه الأحوال المخالفة في واقع أمتنا، لا نذكره تأييساً للنفوس، ولا تقنيطاً لها، لا من رحمة الله ولا من تغيير هذا الواقع، فإن الخير في أمة محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وإننا اليوم مع تعاظم هذه الصور المنكرة، والتيارات الجارفة نرى بحمد الله يقظة في القلوب والعقول تؤدي إلى الاعتصام بدين الله كتاباً وسنة، وإلى التحرز من هذه الموجات التغريبية التي تجر الناس بعيداً عن حياض دين الله ، ولذلك إنما نقول هذا لنبعث الهمة على المخالفة، والقوة في الثبات في مواجهة التيارات التي تذيب وتغير كل خصائص أمتنا؛ لتنزعها وتجعلها مع القوم دون أن يكون لها أي أصالة، ولا أي قوة، ولا أي ثبات، ولا أي قدرة على التأثير الإيجابي في غيرها. ومن جهة أخرى نذكر بها لنحذر من خطر هذه الهجمة، وعدم التهاون فيها، وعدم النظر إليها على أنها ضروب من الأفكار، أو على أنها مشاريع للاستثمار أو نحو ذلك، فإننا لا نحسب أن العاقل المتأمل ينظر إليها إلا ويرى فيها قصداً لإماتة الغيرة، وإضعاف التميز في هذه الأمة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، ثم كذلك لننظر إلى أمر مهم وهو عدم السماح باختلال الموازين، واختلاف المقاييس، فلا نوافق ما يشيع في الإعلام، ولا ما يتردد في أروقة السياسة، عن أولئك النفر الذين ما زالوا هم المعادلة الراجحة في واقع أمتنا اليوم في أرض فلسطين، من الثابتين يوم تراجع غيرهم، ومن القائمين بالحق يوم داهن الناس فيه وتخلوا عنه، ومن المتصدين لإعلاء كلمة الله يوم ترك ذلك كثير من المسلمين، ومع كل مواقفهم العظيمة في وجه اليهود المعتدين الغاصبين الظالمين، في كل مواقف القوة والإيمان والجرأة؛ نرى من يتهمهم بأنهم انتحاريون، وبأنهم يضيعون مصالح الأمة، وبأنهم لا يقدرون ظروف السياسة، وبأنهم لا يعرفون أوضاع الاقتصاد، وبأنهم كذا وكذا، ويتداولون كلمات الإرهاب وغيرها من المصطلحات، فإذا بها تروج بيننا، وتتردد عندنا، ولا نكاد ندرك أهمية مواقفهم وأهمية وضرورة ووجوب إسنادهم وإعانتهم، فإنما هم صف متقدم في وجوه العدو الأكبر الذي يتربص بنا اليوم الدوائر من كل جهة، وعبر كل وسيلة وطريقة من سياسة واقتصاد وإعلام واجتماع وغيره، فينبغي لنا أن ننتبه لذلك، وأن نعرف لأولئك القوم فضلهم وأثرهم، وأن يكون لنا على أقل تقدير بأعماق قلوبنا وصادق دعائنا فضلاً عن نصرتنا بكل حال من الأحوال ما يثبتهم، وما يجعلنا أيضاً نعتز بذلك ونفتخر، ونرى نموذجاً إن كان الآخرون في أقصى الأرض وشرقها قالوا: إن الضغوط قد أجبرتنا على أن نغير أو أن نبدل هنا أو هناك، فما بال الذين هم في جوف المحنة وفي شدة القسوة ثابتون! ثبتوا فثبتهم الله ، ونصروا دين الله فنصرهم، وأصبحوا حجر عثرة تدور الأحداث كلها على مدار وعلى محور هو: كيف يتم التخلص من هؤلاء؟! وكل هذه الأراجيف والأحابيل والألاعيب السياسية والاقتصادية إنما تدور على هذا المعنى. فالله الله في دينكم! والله الله في أمتكم! والله الله في كتاب ربكم! والله الله في سنة نبيكم! والله الله في إخوانكم المجاهدين الثابتين على مواقع الثغور في أرض فلسطين وفي غيرها! نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يارب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم أجمعين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 447

أنسام الإيمان ونفحات الرحمن لقد فرض الله الحج على عباده، وجعله ركناً من أركان الإسلام، فيه يغفر الذنوب والآثام، وبه نتذكر يوم الحشر والزحام، فلزاماً على من أراد الحج أن يتعرف على آدابه وسننه، وأحكامه وأركانه، حتى يقوم بهذه العبادة على أكمل الوجوه، وحتى ينال ثمارها الموعودة، ومقاصدها المرصودة.

стр. 448

وصايا قبل الحج الحمد لله، الحمد لله الذي جعل الحج ركناً من أركان الإسلام، وعملاً تغفر به الذنوب والآثام، وطريقاً موصلاً إلى الجنة دار السلام، ومذكراً بحقيقة الدنيا وما فيها من الزينة والحطام، ومعلقاً القلوب بالآخرة، ومذكراً بيوم الحشر والزحام. أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو جل وعلا أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، نحمده جل وعلا حمداً على كل حال وفي كل آن، فله الحمد في الأولى والآخرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه رحمة للعالمين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله عنا خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هذه أنسام الإيمان ونفحات الرحمن تأتيكم في هذه الأيام المباركة ونحن نستقبل فريضة الحج العظيمة الركن الخامس من أركان الإسلام، ووقفتنا مع إيجاز القول في: حكم وأحكام الحج؛ عل ذلك أن يكون مبصراً ومذكراً ومعلماً لنا ومعيناً على أداء فرضنا.

стр. 449

إخلاص النية وأول ما يذكر قبل الحج وقبل الشروع في أعماله وأنساكه: أولاً: النية الخالصة: فجرد نيتك لله ، وخلص قصدك لمرضاته ، ونق قلبك من شوائب الإرادات الأخرى والنوايا التي لا تكون خالصة لله ؛ فإنه يحب من الأعمال ما كان خالصاً، وكما ورد في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، فجرد نيتك وخلصها لله .

стр. 450

الوصية النافعة لأهله وذويه ثانياً: الوصية النافعة: عليك أن توصي أهلك وذوي قرابتك ومن تخلفهم وراءك في بيتك ومع أهلك بالطاعة وتقوى الله ، والإقلاع عن المعاصي. وأن توصي أيضاً بما يلزمك من إثبات الديون والتعريف بالحقوق ونحو ذلك مما يحسن بالمرء المسلم أن يكون موصياً به في كل وقت، ولاسيما عند السفر أو عند الذهاب إلى مكان بعيد، أو نحو ذلك مما يعرض للناس، فإن الوصية قد أمر بها النبي ﷺ وحث عليها وأوصى بسرعة كتابتها. وهذه الوصية التي توصي بها أهلك مهمة جداً، فإنه من غير المنسجم مع التكامل المطلوب أن تكون ملبياً في عرفات، ورامياً للجمار لحرب الشيطان في منى، وأن تكون مضحياً لله في المشاعر المقدسة، وأنت تخلف في بيتك منكرات ومحرمات، ربما يلحقك بعض إثمها وشيء من وزرها؛ لأنها تقع في أهلك، وأنت الولي عليهم، والمكلف بهم والمسئول عنهم، فإن المسلم ينبغي أن يكون عمله منسجماً متكاملاً، فطاعة هنا ينبغي أن تقابلها طاعة هناك، وينبغي أن يحرص على كل الأمور المعينة على قبول الحج وتمامه، ومن ذلك أن يغير ويمنع كل المنكرات التي باستطاعته أن يمنعها، ومن آكد ذلك ما هو في بيته وفي أهله، والنبي ﷺ يقول: (كلكم راع وكلم مسئول عن رعيته).

стр. 451

النفقة الطيبة ثالثاً: النفقة الطيبة: (فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وإن الكسب الحلال هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم لاسيما في هذه الأعصار التي اختلط فيها الحابل بالنابل، ودخلت شوائب الحرام وكثير من الشبهات في مكاسب الناس، فأولى به أن يحرص على ذلك. وأولى الأولويات في هذا أن يحرص على أن تكون النفقة في أعمال الفرائض وفي أعمال البر والإحسان من الكسب الحلال الخالص الطيب، حتى يكون ذلك مؤذناً بالقبول وألا يرد، كما ورد في الحديث الذي رواه الطبراني -وإن كان فيه ضعف- بأن الذي يحرم ويلبي وقد أخذ نفقته من كسب حرام يرد عليه: (لا لبيك ولا سعديك، نفقتك حرام، ومركبك حرام)، أو كما ورد في حديث النبي ﷺ .

стр. 452

الرفقة الصالحة رابعاً: الرفقة الصالحة: فإنها معينة على معرفة الأحكام، ومعينة على استحضار المعاني الإيمانية التربوية في هذه الشعيرة الإسلامية العظيمة، فإن المرء ينبغي أن يحرص على كل ما ينفعه في هذه الحياة الدنيا، وأن يحرص بشكل أكبر على ما ينفعه في أمور دينه في أثناء حياته الدنيا، وأن يحرص أكثر وأكثر على ما يصح به أداء فرضه والقيام بالواجب الذي لا محيد عنه. فينبغي أن يستعين بعد الله بالرفقة الصالحة التي تعينه وتذكره إذا نسي، وتكون معه إذا ذكر، فتحيي معاني الإيمان في قلبه، وتشحذ عزمه وتقوي همته، وتذكره بالآخرة، وتعرفه حقيقة الدنيا، وينبغي ألا يصحب أهل اللهو والغفلة، فيكون في مواضع الذكرى وإذا بهم يسرحون به في أودية الدنيا، يكون في مواضع التذكر للآخرة وإذا به يغوص في أوحال الشهوات وفي الذكريات مع المحرمات، وغير ذلك من لغو الكلام وباطله مما ينبغي أن يتنزه عنه المسلم في كل حال وآن، وفي مثل هذه الأحوال والأوقات بشكل آكد، فهذه أمور ينبغي تذكرها.

стр. 453

الإحرام وأما أعمال الحاج فهي أولاً: الإحرام: وهو الركن الأول من أركان الحج.

стр. 454

سنن الإحرام والإحرام له سنن ينبغي أن يتذكرها المحرم. منها: الاغتسال لهذا الإحرام، وكذا يسن الاغتسال للمرأة وإن كانت حائضاً أو نفساء كما أمر النبي ﷺ بذلك عائشة ﵂، وكما أمر أسماء بنت عميس وقد ولدت أو نفست، فهذه سنة عن النبي ﷺ . السنة الثانية: التنظف بإزالة الشعر: بنتف شعر الإبط، وحلق شعر العانة، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك من سنن الفطرة الواردة في أحاديث المصطفى ﷺ ، وهي سنة عنه ﵊. السنة الثالثة: التطيب قبل الإحرام؛ لحديث عائشة ﵂ في الصحيح: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل إحرامه، ولحله قبل طوافه ﵊، فإن التطيب قبل عقد النية سنة من السنن، وإن بقي أثر الطيب بعد ذلك فلا شيء فيه، فإن التطيب متى وقع قبل الإحرام فهو سنة لا حرج منه. والأمر الرابع وهو من الواجبات: التجرد من المخيط بالنسبة للرجال، والسنة أن يلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين، فإن هذا سنة، وإن لم يجد الرداء الأبيض فيلبس ما شاء على ألا يكون مخيطاً يفصل على العضو من أعضاء الإنسان، والمرأة لا تدخل في هذا الحكم، بل تلبس المخيط ولا شيء عليها في لبس المخيط، ثم ينبغي لها أن تتنبه لما ورد في حديث النبي ﷺ في الصحيح: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، أي في حال إحرامها لحجها أو عمرتها، والقفازات هي التي تفصل لتلبس في الأيادي، والنقاب هو ما يكون مفصلاً ليكون غطاءً للوجه، وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كنا إذا مر بنا الرجال أسدلنا الخمار على وجوهنا) أي: أنها لا تنتقب ولكن إن اختلطت بالرجال غطت وجهها، ولا شيء عليها وإن مس هذا الخمار وجهها. ثم في أمور الإحرام: النية والإعلان بها سنة في هذا المقام، أن يعلن نيته ويحدد نسكه إن كان متمتعاً أو كان قارناً أو كان مفرداً، وإن كان ذا مرض أو ذا حاجة أو نحو ذلك اشترط في نيته وقال: (فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، ثم بعد ذلك يشرع في التلبية من وقت إحرامه. وهذه جملة من السنن وفي بعضها واجبات. وفيما يتعلق بالإحرام الذي ينبغي أن يكون بالنسبة للقادم بنية النسك حجاً أو عمرة، فينبغي أن يكون عند المواقيت المعروفة، ولا يجوز تجاوز هذه المواقيت من غير إحرام؛ فإن تجاوزها رجع إليها، أو إن أحرم بعدها لزمه في ذلك دم ليجبر ترك إحرامه في ميقاته.

стр. 455

معانٍ عظيمة في الإحرام والإحرام فيه معان عظيمة ودروس جليلة، فإنه ينبغي أن يذكر المؤمن بالتجرد لله ، وينبغي أن يذكر المؤمن بما ينبغي أن تكون عليه حقيقة علاقته بأمور الدنيا وعلائقها، فإنه كما يسهل عليه أن ينزع ثوبه وأن يتجرد لله ، فكذلك ينبغي أن يكون في قلبه وفي نفسه القدرة والعزيمة على أن يتخلى عن الدنيا وقتما يشاء امتثالاً لأمر الله ، وأن الدنيا يمكن أن يتخلى عنها ما دام الأمر في مرضاة الله . ثم يذكره بحقيقة الدنيا وبحقيقة ما ينتهي إليه عندما يموت وينتقل إلى الحياة البرزخية، فإنه لا يخرج من هذه الدنيا إلا بكفن يقارب ويشابه ذلك الإزار أو الرداء الذي يلبسه، فليتذكر المؤمن هذه المعاني العظيمة التي تعرفه بحقيقة الدنيا، وتربطه بالآخرة، وتبين له كيف ينبغي أن يكون فيما يطلبه الله منه من أمور يتجرد عنها، ومن تضحيات يقدمها، ومن سبل يبذلها لنيل رضوان الله ، وتحقق أدلة عبوديته.

стр. 456

محظورات الإحرام وهنا أيضاً تذكير آخر يتعلق بمحظورات الإحرام التي ربما يكثر سؤال الناس عنها ويغفل بعضهم عنها، ومن هذه المحظورات: أولاً: قص أو حلق الشعر أو إزالته بأي صورة من الصور: إذا أحرم المحرم وأعلن نيته؛ فإن هذا من محظورات الإحرام. والثاني: هو تقليم الأظافر أيضاً. والثالث: لبس المخيط بالنسبة للرجال، والنقاب والقفازين بالنسبة للنساء. وكذلك تغطية الرأس بملاصق يلاصق الرأس، والتطيب بعد الإحرام، وقتل الصيد، وعقد النكاح، فإن عقد النكاح للمحرم باطل، والمباشرة فيما دون الفرج، والأخير هو النكاح والجماع الذي يفسد ويبطل به الحج، فهذه محظورات الإحرام. فإن قص الشعر أو قلم الأظافر أو تطيب أو قص الرأس أو ما يلحق بهذه، فإن عليه فدية صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة لحديث كعب بن عجرة ﵁ لما آذاه هوام رأسه فقال له النبي ﵊: (لعله آذاك هوام راسك؟ قال: نعم، قال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك -أي اذبح- شاة لله . وأما ما يتعلق بعقد النكاح أو الخطبة فإنها من محظورات الإحرام لكن لا فدية فيها، وإنما يلحق المحرم فيها الإثم، وأما المباشرة فيما دون الفرج فإنه إن أنزل وجب عليه ذبح بدنة، وإن كان دون ذلك كان عليه ذبح شاة أو بدنة أيهما وقع منه؟ وأما الجماع فإنه يبطل الحج، ويوجب عليه بدنة ويوجب عليه أن يحج مرة أخرى بدلاً من هذا الحج الذي فسد. ثم ينبغي أن يتذكر المسلم أن هذه الأمور من المحظورات تذكره بدقة الاستجابة لله ، فإن الناس في هذه الأوقات يكثر منهم السؤال عن تغطية الرأس، أو عن الطيب الذي قد يكون موجوداً في بعض المساحيق أو نحو ذلك، ويحرصون على التوقي والتجنب لكل ما قد يجرح إحرامهم أو يقدح في حجهم، وهم على ذلك حريصون، وعنه سائلون وبه مهتمون معتنون. لماذا؟ لو سألت أحدهم: وما في تغطية الرأس وأي شيء يضر فيها؟ لكنه يقول: إني ألتزم أمر الله، إني أحب وأحرص على ألا أخالف شيئاً من هذه الأمور، وهذا الأمر فيه تعويد وتربية على أن المؤمن ينبغي أن يستجيب لله في دقيق الأمور وجليلها، وصغيرها وكبيرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وهكذا يتعلم المسلم هذا المعنى في كل منسك من المناسك، وفي كل خطوة من الخطوات.

стр. 457

أعمال يوم التروية ثم نمضي إلى الشروع في الحج؛ لأن المحرم الذي أحرم أول أمره إن أراد التمتع فإنه يعتمر بطواف وسعي ثم يحل ثم يحرم مرة أخرى لوقت الحج، وأما المفرد فإنه يحرم لحجه فحسب. فهذا الإحرام يقع في الغالب لمن أراد اتباع السنة في يوم الثامن من شهر ذي الحجة وهو يوم التروية، فيمضي فيه الحجاج إلى منى ليس لهم في ذلك اليوم من عمل إلا المقام بمنى وهو مقام سنة لا واجب ولا فرض، ويصلون فيها الفروض الخمسة قصراً من غير جمع، ويكثرون من الذكر والدعاء والاستغفار والتوبة، وشغل الأوقات بالنافع من الأعمال الصالحات، والتفقه في الأحكام المتعلقة ببقية المناسك في الأيام التي بعده.

стр. 458

الوقوف بعرفة فإذا كان يوم التاسع -وهو يوم عرفات- شرع الحجاج في التوجه إلى عرفات، والسنة أن ينزل بنمرة قبل الزوال، وألا يدخل عرفة إلا بعد الزوال متى تيسر ذلك؛ فإن لم يتيسر فإنه لا بأس أن يدخل عرفات ولو قبل الزوال، لكنه يصلي بعد الزوال صلاة الظهر والعصر قصراً مع التقديم لهما، ويستمع لخطبة الإمام، فإن النبي ﷺ خطب المسلمين في هذا الموقف خطبته العظيمة، وهي خطبة حجة الوداع التي ركز معالم الإسلام العظيمة فيها. وبعد هذا الوقت ينشغل العبد المؤمن في هذا اليوم العظيم الذي تجتمع فيه الحشود وتختلط فيه الأصوات وتتخالف فيه اللغات، ويكون كل المسلمين فيه على زي واحد في صعيد واحد، يبتغون مبتغىً واحداً وهو رضوان الله ومغفرة الذنوب، فينبغي أن يشتغل بالذكر والدعاء، وأن يلح في الدعاء والتضرع ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقد قال النبي ﷺ : (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). يوم عرفة الذي يغفر الله فيه ذنوب العباد. يوم عرفة الذي يباهي الله فيه بهؤلاء العباد ملائكة الرحمن . يوم عرفة الذي يدحر فيه الشيطان ويخزى لما يرى من تذلل العباد وتضرعهم لخالقهم ومولاهم . يوم عرفة الذي يذكر بيوم المحشر ويوم القيامة وانتظار الناس للفصل في يوم القضاء الأعظم بين يدي الجبار . يوم عرفة الذي يتذكر فيه الناس أنه لا مبتغى ولا غاية ولا شيء يشد القلوب، ولا يصرف الألباب، ولا يعلق الأبصار ولا ينطق الألسن إلا هو . يوم عرفة يوم يغتسل فيه العبد من ذنوبه وآثامه بإذن الله، ويغسل بدمعه كل ما سلف، بندم صادق لله، ويغسل عن قلبه كل الآثام والشهوات والشبهات بإخلاص العبودية لله، يوم تغتسل فيه الأمة من كل أسباب الفرقة التي فرقتها من وطنيات وقوميات ولغات وحدود فتجتمع على صعيد واحد لتقول: نحن أمة الإسلام، نحن أمة محمد ﷺ ، نحن أمة التوحيد، نحن أمة الآخرة التي تجعل الدنيا معبراً إليها وحرثاً وزرعاً لها، نحن أمة التضرع والعبودية والذلة لله، نحن أمة القوة المستمدة من الصلة بالله . يوم عرفة يوم عظيم من أيام الله ينبغي أن تشتاق له القلوب، وأن تذرف له الدموع، وأن ترفع فيه الأكف، وأن تسجد فيه الجباه، وأن تتعلق القلوب والنفوس بالله . يوم عرفة ليس يوماً للأكل والشرب، ليس يوماً للحديث والكلام، بل هو يوم من أيام الله ينبغي أن يخرج فيه الإنسان عن كل شيء يصرفه عن تعلقه بالله وتذكره وطلبه وابتغاء مرضاته، وخوفه وخشيته من عقاب الله، وتذكره يوم المحشر العظيم بين يدي الله. يوم عرفة يوم عظيم نسأل الله أن يبلغنا إياه، وأن يغفر لنا فيه الذنوب والآثام، ومن لم يشهد يوم عرفة فإن الله جعل له من ذلك بعض عوض وشيء من عزاء، فإن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب عامين: عاماً قبله وعاماً بعده، فأي فضل عظيم مثل فضل هذا اليوم؟ نسأل الله أن يسهل أمر الحجاج، وأن يتقبل منا ومنهم، وأن يتقبل من كل مسلم يبتغي رضوان الله . أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 459

الدفع إلى مزدلفة والمبيت بها الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والمصلحين والدعاة. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن موسم الحج هو الموسم الأعظم لزاد التقوى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. ما زلنا في هذا الموقف العظيم في يوم عرفة، فإذا غربت شمس ذلك اليوم دفع الناس إلى مزدلفة، ويجب أن يبيتوا فيها إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر سن للحاج أن يكون إلى جوار المشعر الحرام، وأن يتوجه إلى القبلة بالذكر والدعاء والتضرع لله . وأما النساء والضعفة وذوي الحاجات فقد رخص لهم النبي ﷺ أن يدفعوا من منى بعد منتصف الليل إذا احتاجوا إلى ذلك، وأما السنة فهي أن يصلي الفجر بمزدلفة، وأن يدعو ويذكر الله حتى يسفر الصبح جداً، أي: حتى يظهر بياض وضوء الصبح جداً.

стр. 460

الدفع إلى منى يوم النحر ثم يدفع إلى منى فيرمي جمرة العقبة من حصيات يأخذها من مزدلفة أو من منى، فإنه لا اختصاص للمكان بجمع الحصيات ولا يشترط أن يجمع حصيات كل الأيام كما يصنع بعض الناس، وإنما يأخذ سبع حصيات، فإن هذه الشعائر تعبدية وينبغي أن نلتزم فيها بما ورد عن النبي ﷺ ، وفيها أيضاً معان تربوية ينبغي ألا نغفل عنها. فيرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم بعد ذلك يعود فينحر هديه إن كان متمتعاً أو قارناً، أو كان مفرداً وأراد التطوع، ويسن له أن يأكل من هديه ولو قليلاً، لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]. ولا يجوز الأكل مما يذبح فدية لجبر واجب أو لجبر محظور من محظورات الإحرام، فإن الفدية ينبغي أن تكون كلها لفقراء الحرم. ثم يحلق رأسه أو يقصره.
следующие страницы →