← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

محظورات الإحرام وهنا أيضاً تذكير آخر يتعلق بمحظورات الإحرام التي ربما يكثر سؤال الناس عنها ويغفل بعضهم عنها، ومن هذه المحظورات: أولاً: قص أو حلق الشعر أو إزالته بأي صورة من الصور: إذا أحرم المحرم وأعلن نيته؛ فإن هذا من محظورات الإحرام. والثاني: هو تقليم الأظافر أيضاً. والثالث: لبس المخيط بالنسبة للرجال، والنقاب والقفازين بالنسبة للنساء. وكذلك تغطية الرأس بملاصق يلاصق الرأس، والتطيب بعد الإحرام، وقتل الصيد، وعقد النكاح، فإن عقد النكاح للمحرم باطل، والمباشرة فيما دون الفرج، والأخير هو النكاح والجماع الذي يفسد ويبطل به الحج، فهذه محظورات الإحرام. فإن قص الشعر أو قلم الأظافر أو تطيب أو قص الرأس أو ما يلحق بهذه، فإن عليه فدية صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة لحديث كعب بن عجرة ﵁ لما آذاه هوام رأسه فقال له النبي ﵊: (لعله آذاك هوام راسك؟ قال: نعم، قال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك -أي اذبح- شاة لله . وأما ما يتعلق بعقد النكاح أو الخطبة فإنها من محظورات الإحرام لكن لا فدية فيها، وإنما يلحق المحرم فيها الإثم، وأما المباشرة فيما دون الفرج فإنه إن أنزل وجب عليه ذبح بدنة، وإن كان دون ذلك كان عليه ذبح شاة أو بدنة أيهما وقع منه؟ وأما الجماع فإنه يبطل الحج، ويوجب عليه بدنة ويوجب عليه أن يحج مرة أخرى بدلاً من هذا الحج الذي فسد. ثم ينبغي أن يتذكر المسلم أن هذه الأمور من المحظورات تذكره بدقة الاستجابة لله ، فإن الناس في هذه الأوقات يكثر منهم السؤال عن تغطية الرأس، أو عن الطيب الذي قد يكون موجوداً في بعض المساحيق أو نحو ذلك، ويحرصون على التوقي والتجنب لكل ما قد يجرح إحرامهم أو يقدح في حجهم، وهم على ذلك حريصون، وعنه سائلون وبه مهتمون معتنون. لماذا؟ لو سألت أحدهم: وما في تغطية الرأس وأي شيء يضر فيها؟ لكنه يقول: إني ألتزم أمر الله، إني أحب وأحرص على ألا أخالف شيئاً من هذه الأمور، وهذا الأمر فيه تعويد وتربية على أن المؤمن ينبغي أن يستجيب لله في دقيق الأمور وجليلها، وصغيرها وكبيرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وهكذا يتعلم المسلم هذا المعنى في كل منسك من المناسك، وفي كل خطوة من الخطوات.

стр. 457

أعمال يوم التروية ثم نمضي إلى الشروع في الحج؛ لأن المحرم الذي أحرم أول أمره إن أراد التمتع فإنه يعتمر بطواف وسعي ثم يحل ثم يحرم مرة أخرى لوقت الحج، وأما المفرد فإنه يحرم لحجه فحسب. فهذا الإحرام يقع في الغالب لمن أراد اتباع السنة في يوم الثامن من شهر ذي الحجة وهو يوم التروية، فيمضي فيه الحجاج إلى منى ليس لهم في ذلك اليوم من عمل إلا المقام بمنى وهو مقام سنة لا واجب ولا فرض، ويصلون فيها الفروض الخمسة قصراً من غير جمع، ويكثرون من الذكر والدعاء والاستغفار والتوبة، وشغل الأوقات بالنافع من الأعمال الصالحات، والتفقه في الأحكام المتعلقة ببقية المناسك في الأيام التي بعده.

стр. 458

الوقوف بعرفة فإذا كان يوم التاسع -وهو يوم عرفات- شرع الحجاج في التوجه إلى عرفات، والسنة أن ينزل بنمرة قبل الزوال، وألا يدخل عرفة إلا بعد الزوال متى تيسر ذلك؛ فإن لم يتيسر فإنه لا بأس أن يدخل عرفات ولو قبل الزوال، لكنه يصلي بعد الزوال صلاة الظهر والعصر قصراً مع التقديم لهما، ويستمع لخطبة الإمام، فإن النبي ﷺ خطب المسلمين في هذا الموقف خطبته العظيمة، وهي خطبة حجة الوداع التي ركز معالم الإسلام العظيمة فيها. وبعد هذا الوقت ينشغل العبد المؤمن في هذا اليوم العظيم الذي تجتمع فيه الحشود وتختلط فيه الأصوات وتتخالف فيه اللغات، ويكون كل المسلمين فيه على زي واحد في صعيد واحد، يبتغون مبتغىً واحداً وهو رضوان الله ومغفرة الذنوب، فينبغي أن يشتغل بالذكر والدعاء، وأن يلح في الدعاء والتضرع ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقد قال النبي ﷺ : (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). يوم عرفة الذي يغفر الله فيه ذنوب العباد. يوم عرفة الذي يباهي الله فيه بهؤلاء العباد ملائكة الرحمن . يوم عرفة الذي يدحر فيه الشيطان ويخزى لما يرى من تذلل العباد وتضرعهم لخالقهم ومولاهم . يوم عرفة الذي يذكر بيوم المحشر ويوم القيامة وانتظار الناس للفصل في يوم القضاء الأعظم بين يدي الجبار . يوم عرفة الذي يتذكر فيه الناس أنه لا مبتغى ولا غاية ولا شيء يشد القلوب، ولا يصرف الألباب، ولا يعلق الأبصار ولا ينطق الألسن إلا هو . يوم عرفة يوم يغتسل فيه العبد من ذنوبه وآثامه بإذن الله، ويغسل بدمعه كل ما سلف، بندم صادق لله، ويغسل عن قلبه كل الآثام والشهوات والشبهات بإخلاص العبودية لله، يوم تغتسل فيه الأمة من كل أسباب الفرقة التي فرقتها من وطنيات وقوميات ولغات وحدود فتجتمع على صعيد واحد لتقول: نحن أمة الإسلام، نحن أمة محمد ﷺ ، نحن أمة التوحيد، نحن أمة الآخرة التي تجعل الدنيا معبراً إليها وحرثاً وزرعاً لها، نحن أمة التضرع والعبودية والذلة لله، نحن أمة القوة المستمدة من الصلة بالله . يوم عرفة يوم عظيم من أيام الله ينبغي أن تشتاق له القلوب، وأن تذرف له الدموع، وأن ترفع فيه الأكف، وأن تسجد فيه الجباه، وأن تتعلق القلوب والنفوس بالله . يوم عرفة ليس يوماً للأكل والشرب، ليس يوماً للحديث والكلام، بل هو يوم من أيام الله ينبغي أن يخرج فيه الإنسان عن كل شيء يصرفه عن تعلقه بالله وتذكره وطلبه وابتغاء مرضاته، وخوفه وخشيته من عقاب الله، وتذكره يوم المحشر العظيم بين يدي الله. يوم عرفة يوم عظيم نسأل الله أن يبلغنا إياه، وأن يغفر لنا فيه الذنوب والآثام، ومن لم يشهد يوم عرفة فإن الله جعل له من ذلك بعض عوض وشيء من عزاء، فإن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب عامين: عاماً قبله وعاماً بعده، فأي فضل عظيم مثل فضل هذا اليوم؟ نسأل الله أن يسهل أمر الحجاج، وأن يتقبل منا ومنهم، وأن يتقبل من كل مسلم يبتغي رضوان الله . أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 459

الدفع إلى مزدلفة والمبيت بها الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والمصلحين والدعاة. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن موسم الحج هو الموسم الأعظم لزاد التقوى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. ما زلنا في هذا الموقف العظيم في يوم عرفة، فإذا غربت شمس ذلك اليوم دفع الناس إلى مزدلفة، ويجب أن يبيتوا فيها إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر سن للحاج أن يكون إلى جوار المشعر الحرام، وأن يتوجه إلى القبلة بالذكر والدعاء والتضرع لله . وأما النساء والضعفة وذوي الحاجات فقد رخص لهم النبي ﷺ أن يدفعوا من منى بعد منتصف الليل إذا احتاجوا إلى ذلك، وأما السنة فهي أن يصلي الفجر بمزدلفة، وأن يدعو ويذكر الله حتى يسفر الصبح جداً، أي: حتى يظهر بياض وضوء الصبح جداً.

стр. 460

الدفع إلى منى يوم النحر ثم يدفع إلى منى فيرمي جمرة العقبة من حصيات يأخذها من مزدلفة أو من منى، فإنه لا اختصاص للمكان بجمع الحصيات ولا يشترط أن يجمع حصيات كل الأيام كما يصنع بعض الناس، وإنما يأخذ سبع حصيات، فإن هذه الشعائر تعبدية وينبغي أن نلتزم فيها بما ورد عن النبي ﷺ ، وفيها أيضاً معان تربوية ينبغي ألا نغفل عنها. فيرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم بعد ذلك يعود فينحر هديه إن كان متمتعاً أو قارناً، أو كان مفرداً وأراد التطوع، ويسن له أن يأكل من هديه ولو قليلاً، لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]. ولا يجوز الأكل مما يذبح فدية لجبر واجب أو لجبر محظور من محظورات الإحرام، فإن الفدية ينبغي أن تكون كلها لفقراء الحرم. ثم يحلق رأسه أو يقصره.

стр. 461

التحلل وطواف الإفاضة ثم يمضي بعد حلقه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج، ويسعى بعده سعي الحج وهو الركن الرابع من أركان الحج، فإن كان قد سعى قبل يوم عرفة فإنه لا سعي عليه؛ لأنه يجوز تقديمه، وأما إن لم يكن سعى فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة، والسعي لا يكون إلا بعد طواف صحيح، سواءً كان هذا الطواف سنة كطواف القدوم ويجعل بعده سعي الحج، أو كان واجباً، أو كان تطوعاً، أو كان ركناً؛ فإن السعي لا يقع إلا بعد طواف صحيح. فإذا فعل ذلك، أي: إذا رمى جمرة العقبة، وحلق أو قصر، وذبح هديه، وطاف طواف الإفاضة فإنه يكون قد تحلل تحللاً كاملاً، أما إذا فعل ثلاثة من هذه الأمور أو اثنين لمن لم يكن عليه هدي أو ذبح فإنه يكون تحلل التحلل الأول الذي يبيح له كل شيء من لبس المخيط والتطيب ونحو ذلك، ويبقى محظوراً عليه معاشرة النساء. وهذا ينبغي أن يتنبه له الناس؛ لأنهم قد يؤخرون بعض الأركان عن يوم النحر، وهذا لا شيء فيه، فإن الأيام الثلاثة كلها موضع للطواف وللسعي ولا شيء في ذلك بإذن الله . وهذه الأعمال ترتيبها: أن يرمي جمرة العقبة، ثم يذبح هديه، ثم يحلق أو يقصر ثم يطوف، وإن قدم شيئاً وأخر شيئاً فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﵊ ما سئل عن شيء قدم أو أخر في يوم العيد أو يوم النحر إلا قال: (افعل ولا حرج).

стр. 462

أعمال أيام التشريق ثم بعد ذلك يبقى له أيام التشريق الثلاثة؛ وليس فيها من عمل من أعمال وأنساك الحج إلا رمي الجمار في كل يوم ثلاث رميات، يبدأ بالصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، ويسن له بعد رمي الأولى أن يتنحى قليلاً وأن يتوجه إلى الكعبة وأن يدعو الله ، وكذلك يفعل بعد الجمرة الوسطى، وأما الكبرى فإنه لم يثبت بعدها عن النبي ﷺ دعاء، وكذلك يفعل في اليوم الثاني، وهو يوم الثاني عشر. وقد رخص بعض أهل العلم عند الزحام الشديد أن يرمي قبل الزوال إذا احتاج إلى ذلك، والسنة الثابتة أن يرمي بعد الزوال؛ فإن أراد التأخر إلى اليوم الثالث فهو أفضل لتعظيم الأجر وزيادة الثواب إن شاء الله ؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]، فإنه يجوز له أن يعجل ويجوز له أن يتأخر، فإذا تأخر ينبغي أن يرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث كذلك، وبذلك يتم حجه بإذن الله ، ويكون أدى الأركان الأربعة وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وسعي الحج، ويكون قد أدى أيضاً الواجبات من المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى ورمي الجمار، وهذه كلها ينبغي ألا يترخص فيها وألا يفعلها على جهل، فإن بعض الناس يرمي مرة واحدة للأيام الثلاثة في مكان واحد، أو يرمي بطريقة مختلفة حيث يبدأ بالكبرى قبل الصغرى وهكذا، فإن هذا كله قد يفسد عليه أداء واجب من واجبات الحج. وينبغي أيضاً أن يتنبه الحاج إلى المعاني الإيمانية والتربوية في هذه المناسك الكثيرة، فإن الذبح والأضحية قد مضى معنا في الجمعة الماضية وفي قصة إبراهيم خلال أسابيع سلفت ما فيها من المعاني التي يتذكرها المؤمن، من أنه ينبغي أن يتذكر استسلامه لله ، وأن أمره كله موكول إلى أمر الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وأن يتذكر أنه ينبغي أن يعود نفسه أن يضحي وأن يبذل كل شيء ما دام في سبيل الله . ورجم الشيطان أو رجم الجمار تذكير واستعانة بالله على حرب الشيطان، متحقق من عداوته إياه، وعارف بترصده له في طريقه إلى طاعة مولاه، فينبغي أن نحقق هذه المعاني كلها، وأن نتذكر وحدة المسلمين.

стр. 463

وصايا أثناء أداء فريضة الحج فينبغي أن نوصي أنفسنا أيضاً، وأن يتواصى الحجاج بأمور كثيرة في أثناء الحج، منها: أولاً: الحرص الشديد على استغلال الأوقات في الطاعات بالذكر والاستغفار أو الصدقة، أو إعانة الحجاج أو خدمتهم أو نحو ذلك، وينبغي ألا تكون الأيام أيام كلام ولغو باطل، أو أيام نوم وكسل؛ فإنها أيام مباركة وأيام موسم طاعة ومغفرة، فينبغي أن يغتنمها العبد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ثانياً: ترك المنكرات، فإن المنكرات في مثل هذه الأماكن وفي مثل هذه الأزمنة وفي مثل هذه الشعائر تكون أقبح ما يكون من العبد المؤمن، فكم ترى قبح الشتم واللعن الذي تراه من بعض الحجاج أو من بعض الموجودين في المناسك، وكم يكون قبح الآثام التي يرتكبها بعض الناس ولو عدوها من المكروهات، كالدخان أو الشيشة أو بعض ما يفعلونه ويرونه ويسمعونه ويمارسونه من أمور فيها نوع من المخالفة لأمر الله . ثالثاً: ينبغي أن يتذكر الجميع الحرص على أداء الفريضة على وفق سنة النبي ﷺ ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلاً، ويأخذ الأهم فالأهم، فإن العزائم مطلوبة بإذن الله والرخصة إنما هي للعذر؛ لأن بعض الناس يحب أن يأخذ الرخص، أو أن يجمع الرخص من كل المذاهب، ومن ترخص -أي: جمع رخص كل مذهب- فقد تزندق، كما قال بعض أهل العلم. ينبغي أن يكون في أمر عبادته جاداً آخذاًَ بالعزائم، فهذه عبادة وطاعة لله، فهذا أمر يطلع عليك فيه الله، وهذا أمر تقدمه لله، فهل إذا أردت أن تقدم لرئيسك في العمل أو لوالدك، أو لنحو ذلك، هل تقدم له مختصراً لما تقدم أو مجتزئاً له أو مسرعاً فيه؟! إنك تحرص على الإتقان والإكمال، فأولى بنا أن نكمل أعمالنا التي نتقدم بها؛ لنيل رضوان الله ، ولإثبات عبوديتنا لله . والأمر الأخير: ينبغي أن يتواصى المسلمون بالتراحم فيما بينهم وترك التزاحم، فينبغي أن يكون المؤمن رءوفاً بإخوانه المسلمين، حريصاً على مصلحتهم، مقدماً لهم الخير، فإن الحج صورة تبرز الأمة الإسلامية بكل محاسنها ومساوئ أهلها عندما لا يكونون متبعين لأمر الله وأمر رسوله ﵊، فإذا رأينا اختلافاً وتنازعاً وشحناء وبغضاء وتفرقاً، فإن هذه هي أدواء الأمة التي تظهر في صفوة من أبنائها عندما يجتمعون في مكان واحد، فينبغي لنا أن نحرص على إبداء روح الأخوة والتآلف، وأن نحرص بالذات على أهل الإسلام من الديار النائية البعيدة، أن نشعرهم بأننا وإياهم أمة واحدة، وأن نرى المسلم القادم من الصين أو من أدغال أفريقيا أو من أقاصي الشرق أو الغرب، فنسلم عليه ونعتنقه ونذكر له ما يعرف من كلمات الإسلام ليذكر وليشعر بهذه الوحدة، فإن موقف الحج موقف عظيم. نسأل الله أن يسهل أمور الحجاج والمعتمرين، وأن يؤمنهم، وأن يجعل حجهم سهلاً ميسوراً، وأن يجعله متقبلاً مبروراً. ونسأل الله أن يعين القائمين على خدمة ضيوف الرحمن، وأن يجزيهم خير الجزاء، وأن يوفق كل عامل لخدمة الإسلام والمسلمين أوفى وأجزل الجزاء، ونسأله أن يصرف كل أسباب العناء والشقاء أو أسباب الفتنة والخلاف عن أمة الإسلام وعن حجاج بيت الله الحرام. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم، اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً خالصاً، ولساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وطرفاً دامعاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا واشرح صدورنا، ونور قلوبنا، وثبت على الحق أقدامنا، واختم بالصالحات أعمالنا، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أنزل رحمتك ولطفك بعبادك المضطهدين والمعذبين في سائر البقاع يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولاتنا لهداك واجعل عملهم في رضاك، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 464

الأرباح والخسائر رأس مال الإنسان هو عمره، فإذا حرص عليه وتاجر به في الأعمال الصالحة فقد أفلح وأنجح، وإن أنفقه في غير ذلك فقد أفلس وخسر خسارة لا خسارة بعدها؛ فيجب على كل إنسان أن يستغل عمره في طاعة الله ، وألا يضيع شيئاً من وقته في غير فائدة.

стр. 465

الوقت رأس مال الإنسان الحمد لله خالق الأرض والسماوات، رازق الخلق والبريات، جعل شهر رمضان محلاً لتنزل الرحمات، وإفاضة البركات، ومضاعفة الحسنات، ومحو السيئات، ورفع الدرجات، وله الحمد ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأرباح والخسائر موضوع حديثنا، ورغم أننا في شهر رمضان، وفي فريضة الصيام، إلا أنني لن أذكر شيئاً يتعلق بذلك، بل سأذكر أموراً، وأجوراً وفضائل أخرى؛ ليلتفت النظر إلى عظمة الأرباح، وكذلك إلى فداحة الخسائر من جهة أخرى. قال يحيى بن معاذ ﵀: الدنيا حانوت المؤمنين، والليل والنهار رءوس أموالهم، وصالح الأعمال بضائعهم، وجنة الخلد أرباحهم، ونار الأبد خسرانهم. ذلك إيجاز من مؤمن عابد عالم يبين أن الدنيا حانوت المؤمنين، فالدنيا كلها ليست شهراً من أعوامها، ولا وقتاً من أوقاتها، ولا حالاً من أحوالها، ولا بلداً من بلادها، إنما الدنيا حانوت المؤمنين، ورأس المال هو الليل والنهار، والأيام والأعوام، وكل لحظة من اللحظات، وكل ساعة من الساعات؛ كلها رأس مال يمكن أن تنفقه وتأخذ كسباً، أو تبدده وتعود بخسران. فما هي هذه البضائع التي نعمل فيها؟ إنها الأعمال الصالحة التي لا تقتصر على زمان، ولا تختص بمكان. ثم النتيجة في الآخرة هي إما الربح: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وإما الخسارة فهي أفدح خسارة وأعظمها: ﴿النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] نسأل الله السلامة. وهذه الكلمات نتبعها بأخرى فيها وصية نجعلها مفتتحاً لحديثنا هذا، هذه الوصية تقول: خذ العمر في أوله، واعمل منه في أفضله، وائت باجتهادك بأتمه وأكمله، واسع سعي من يخاف أن يقطع عن المنزل ويحبس عنه فلا يصل، قبل أن ينقل جلدك -أي: يبلى ويفنى- ويضعف جدك، ويكل زندك، ويحبسك الكبر، ويفنيك الهرم، وتندم، وأنى ينفعك الندم؟ ومن سعى في الشباب وجدَّ في ذلك وجده في الكبر أمامه، وكانت كل نجاة إمامه. وهذه وصية اغتنام للحصول على الأرباح، ولتجنب الخسائر، فإن التسويف والتأخير والتأجيل مظنة فوات الربح، ومظنة انقطاع العمل، ومظنة عروض الشواغل، ومظنة حصول الخسران، نسأل الله السلامة.

стр. 466

العبادة مأمور بها في كل العام وهذه رسالة أخرى بعث بها الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز، رسالة من إمام عالم إلى حاكم عادل، فانظروا ماذا كانت الأقوال فيها، وفي أي شيء كانت الوصايا، كتب له فكان مما كتب، أما بعد: فإنه من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. وقبل أن أمضي في الحديث أقول: تذكروا هذا القول كله بعيداً عن هذا الشهر العظيم، وخارجاً عن إطار هذه الفريضة الجليلة، فإن الحياة أوسع من رمضان، وإن العام أطول منه، وهو في أحد عشر ضعفاً من أضعافه. يقول الحسن البصري: أما بعد: فإن من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع فهو أفضل، ومن حلم غنم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، فإن زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فسل، وإذا غضبت فأمسك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفس. ودخل رجل على الجنيد وهو يصلي وقد أطال صلاته وأطالها والرجل ينتظره، فلما قضى صلاته قال للجنيد: قد كبر سنك، ووهن عظمك، ورق جلدك، وضعفت قوتك، فلو اختصرت! فقال: اسكت! طريق عرفنا به ربنا لا ينبغي لنا أن نقتصر منه على بعضه. فطريق معرفة الله ليس في رمضان، وموسم طاعته ليس مقتصراً على ثلاثين يوماً في العام، فطريق عرفنا فيه مرضاة الله ، وطريق عرفنا به ربنا لا ينبغي أن نقتصر منه على بعضه. قال الجنيد: ومن ترك طريق القرب يوشك أن يسلك به طريق البعد. وقوله: ومن ترك طريق القرب، أي: من الطاعات، بأن يترك المواظبة عليها في سائر الأيام والساعات. وبعد هذه الخواطر الإيمانية، والمواقف الروحية، والتذكرات العلمية، ترى هل نحن الآن نفكر في حياتنا تفكيراً صحيحاً في الأرباح والخسائر؟! تعالوا أنتقل بكم إلى هذا الموسم العظيم الذي نحن فيه، لتروا أموراً ليست مقتصرة عليه، ولا خاصة به، ولذا اخترت ألا أتحدث عن شيء من فضائل الشهر ولا فريضة الصوم، فقد سمعنا وقلنا قبل ذلك وبعده كثيراً فيه، لكنني هنا أحب أن أشير إلى أمور نعرف كثيراً منها، ولكننا في واقع الأمر لا نحرص عليها، ولا نتشبث بها، ولا نستشعر أهميتها، ولا نتذوق لذتها، ولا نتواصى ولا نتعاهد عليها، ولا ينالنا منها حظ أوفر، ولا نصيب أكبر، وهي في هذا الشهر العظيم. فأول ذلك وأعظمه وأوكده الصلاة، ونحن جميعاً نرى أن هذه المساجد تمتلئ بالمصلين، وخاصة في الوقت الذي لا يحتمل فيه العذر، وأن الناس كلهم فيه في بيوتهم، فإما أنهم شهدوا الفجر والصلاة فملئوا المساجد، وإما أنهم ناموا وتخلفوا، فانظر الفجر اليوم، وانظر المساجد وهي تشكو إلى الله قلة روادها، والساعين إليها، والمصلين فيها، والمشائين في الظلم إليها، في غير هذا الشهر الكريم! جاء من حديث أبي هريرة عن رسول الهدى ﷺ أنه قال: (صلاة الرجل تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين درجة؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في صلاته: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) متفق عليه. وهذا الحديث ليس مختصاً برمضان، وهذه الأرباح التي نجنيها اليوم بحمد الله وفضله، ونفرح بها ونسعد، ألا نفكر كم خسرنا منها في غير رمضان! عندما لا تتحرك الأقدام إلى المساجد، عندما لا تصطف الأجساد في هذه الصفوف!

стр. 467

أجور الأعمال مبذولة في رمضان وفي غيره واستمع كذلك إلى كثير وكثير وكثير من هذه الأرباح العظيمة والفضائل الجليلة، التي هي مبذولة من رحمة الله مبسوطة من فضل الله، ليس في وقت ولا في زمان بعينه: جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الهدى ﷺ أنه قال: (من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب له حسنة، ذاهباً وراجعاً) رواه أحمد في مسنده والطبراني وابن حبان في صحيحه. فقوله: (ذاهباً وآيباً) ليس مختصاً برمضان، فما بالك قاعد في بيتك؟! وما بالك لاهٍ في سوقك؟! وما بالك نائم في سريرك وتارك لفريضة ربك، وغافل عن حقيقة ربحك، ومستوجب لعظمة خسرانك؟! نسأل الله السلامة. وهذا عثمان بن عفان يروي عن المصطفى ﵊ أنه قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه) رواه ابن خزيمة في صحيحه، وروى مسلم نحوه. وجاء من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته) رواه ابن خزيمة في صحيحه. إن ربك يفرح بك إذا أتيت إلى بيته، وإذا أقبلت على صلاتك، فهل أنت مستغنٍ عن ذلك، ومقتصر عنه بشهر من اثني عشر شهراً وبأيام معدودات من ضمن مئات من الأيام؟! وانظر كذلك إلى حديث المصطفى ﵊ الذي يقول فيه: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً، -أي: لكثرة الخطى إلى المساجد- من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح)، وليس من هذه كلها شيء مختص برمضان. ونحن -بحمد الله- رابحون في هذا الشهر، فإذا حسبنا أرباحنا وانشرحت بها صدورنا فلتبك أعيننا دماً لا دمعاً على أيام متواليات، وشهور متعاقبات، وأعوام منصرمات، حيث لم يكن لنا فيها شيء من هذا الربح، بل ربما كان الخسران هو الأكثر والأظهر. وقوله ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) رواه عن المصطفى ﵊ ستة عشر صحابياً، فأين الذين يمشون إلى المساجد في الظلم في صلاة الفجر في غير رمضان؟! وهل هم مستغنون عن هذا النور؟ وهل يعتقدون أنهم إذا ربحوا شهراً وخسروا دهراً أن الصفقة في كل الأحوال رابحة؟! وهل يقول بذلك عاقل؟! وهل يرضى بذلك محب لنفسه؟! فمن يقول: إن تاجراً لا يفتح حانوته إلا في الموسم، ثم يغلق بقية الموسم وينام؟! وهل رأيتم أحداً يصنع ذلك؟! وهل في الدنيا طالب لا يدرس إلا شهراً من العام؟! وهل في العالم كله تاجر لا يعمل إلا شهراً في العام؟! وهل يمكن أن يُقتصر في أي عمل على شهر من العام؟! فكيف سيكون حال الناس إذا كان لا يتم علاجهم في المستشفيات إلا شهراً في العام؟! وكيف سيكون حالهم إذا لم تفتح المدارس إلا شهراً في العام؟! وكيف سيكون حال الناس إذا لم تفتح الأسواق إلا شهراً في العام؟ وكيف سيكون حال المؤمنين إذا لم يقبلوا على الله إلا شهراً في العام، وإذا لم يحرصوا على الحسنات إلا شهراً في العام، وإذا لم يتذكروا الفضائل إلا شهراً في العام، وإذا لم يدخلوا إلى المساجد إلا شهراً في العام، وإذا لم يقرءوا القرآن ويلتزموه ويتلوه ويتدبروه إلا شهراً في العام، وإذا لم تخرج أموالهم إنفاقاً في سبيل الله وتقرباً إليه إلا شهراً في العام؟!! وقيسوا على ذلك ما شئتم، وسلوا من الأسئلة ما شئتم، فإن خسائرنا عظيمة فيما نفرط فيه من طاعة الله، ومن الخير الذي ساقه الله سبحانه إلينا، ومن الأجر الذي أتاحه لنا طوال العام، وفي هذا الشهر يزيد بالأضعاف المضاعفة، والله لا تنفد خزائنه. والله جل وعلا عظمته دائمة، وهو مستحق للعبادة والمحبة، وصدق الإنابة، ودوام الذكر، واستمرار الدعاء دائماً، وليس ذلك مختصاً بحال دون حال، قال : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهده الملائكة، كما روى أبو هريرة عن رسول الله ﵊ أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيصعدون إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)، فتكتب الشهادات، وتسجل الأسماء في صحف الملائكة، وترفع إلى رب الأرباب ، فأين سيكون اسمك فيما يأتي من الأيام والليالي في غير شهر رمضان؟ فهل نفكر كم هي خسارتنا ونحن كأنما نركل هذه النعم بأقدامنا، وكأنما نعرض عنها ونعطيها ظهورنا، وكأننا قد صمت أذاننا فلا نسمع تلك الآيات، ولا نعرف تلك الأحاديث، وكأن قلوبنا ليس فيها شيء يبعثها إلى التحبب وإلى العمل بهذه الطاعات؛ رغبة في تلك الأجور، وتأملاً في تلك الأرباح العظيمة. ولو مضينا لوجدنا وراء ذلك شيئاً عظيماً، وهو في أمور كثيرة، ولعلي أخص بعضاً منها؛ لأن التقصير والتفريط فيه في غير رمضان أشهر، وخاصة أداء الصلوات في الجماعات، وخاصة صلاة الفجر، قال ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، فأنت في أمان الله، وأنت في جوار الله، وأنت في حفظ الله ما أديت صلاة الفجر في جماعة، فكيف بك وأنت تخرج من غير أمان ولا جوار ولا حماية من الله، تنتهبك الشياطين، وتفترسك الوساوس، ويحيط بك أبالسة الإنس والجن؛ لأنك لم تأخذ حصناً من طاعة الله، ولم تأخذ وقاية من هذه الصلاة. ومن ذلك الإقبال عند انبثاق الفجر، وعند بداية اليوم، وعند رجوع النفس إلى روحك، فعليك أن تحمد الله على الطاعة، فكيف بك والكدر على وجهك، والثقل في نفسك، والغم على قلبك، في كل صباح؟! لماذا؟ لأن النبي ﷺ أخبرنا فقال: (يضرب الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد؛ يضرب على كل واحدة منها فيقول: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت الثانية، فإذا صلى الصبح انحلت عقده كلها، وأصبح نشيط النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، كيف نهمل مثل هذه العبادات وهذه الأعمال الصالحات، ونقول: إنها تطوعات، وإنها من التطوعات الزائدة عن الفرائض، فرأس المال الأساسي هو في هذه الفرائض العظيمة.

стр. 468

فضل قيام الليل في رمضان وغيره وهنا أمر أحب أن أخصه بهذا الحديث تذكيراً وترغيباً، وهو قيام الليل، وأداء الوتر، وكم ننال في هذا الشهر في هذا الموسم العظيم من الفضل والأجر، وقد أخبرنا النبي ﷺ فيه بفضائل كثيرة، لعل من أشهرها وأجلها حديث أبي هريرة عن المصطفى ﵊ أنه قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا إذا بقي الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟) وجل الناس في هذه الأيام في وقت السحر مستيقظون لسحورهم، أو استعداداً لأداء صلاتهم، أو قياماً بصلاة وترهم، فينالون هذا الوقت الغالي الثمين، ويحوزون الخير العميم من هذه الفرصة الثمينة المتكررة في كل يوم قال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] هذا لا يستوي مع غيره من الغافلين النائمين أو من المستيقظين اللاهين العابثين، نسأل الله السلامة. وروى مسلم عن جابر أن النبي ﷺ قال: (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه). وفي حديث أبي أمامة عن رسول الله ﵊ أنه قال: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم) رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.

стр. 469

فضل الذكر والدعاء والتلاوة في جميع الأوقات ثم انظروا إلى باب آخر وهو باب الذكر، والدعاء، والتلاوة، قال ﷺ : (لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وقال ﷺ : (الدعاء مخ العبادة). والدعاء يجاب أو يدفع عنه به من البلاء، أو يدخر إلى يوم القيامة، وكل ذلك نحن نجني منه أرباحاً عظيمة، نسأل الله أن يقبلها منا في هذا الشهر العظيم، فأين نحن من هذه الأرباح المبسوطة المبذولة المشرعة في كل وقت وآنٍ؟

стр. 470

فضل الإنفاق في سبيل الله في رمضان وغيره ثم أمضي كذلك لذكر فضل وأجر الإنفاق في سبيل الله، قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]، وذلك ليس مختصاً برمضان، لكن رمضان فيه مزيد من فضل الله ، كما قال المصطفى ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقولان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)، فهل نحن نتعرض لهذا الدعاء الملائكي بأن ننفق في كل يوم ولو قليلاً؟ وهل نحرص على أن نقوم بهذه الأعمال الخيرة ونفزع إليها، ونرتبط بها، ونحرص على أن يبقى لنا منها الحظ الأدنى في غير هذا الشهر، فعلينا أن نتفكر في حقيقة دنيانا وفي حقيقة الأرباح والخسائر، وفيما ينبغي أن نحرص عليه في يومنا وليلتنا، وفي كل أيامنا وفي سائر أعمالنا، وذلك ما ينبغي أن نتواصى به. إننا حين نوصي الناس في رمضان بالإقبال على الخير وبالاستكثار من الصالحات، فإن الأمر في هذا هين؛ فالشياطين مصفدة، والناس على الخير مقبلة، وموسم الرحمة عام، لكننا نقول ونحن في هذا الشهر الكريم والموسم العظيم، واللحظات التي تسعد فيها القلوب، وتأنس فيها النفوس، وتشف فيها الأرواح، وتسمو فيها الهمم، وتعلو فتقوى فيها العزائم؛ نقول: انتبهوا لما بعد رمضان؛ لأننا ننتبه إلى أمر ونترك أموراً، ونحن في حقيقة أمرنا إذا فرطنا وقصرنا لم نفقه عظمة ربنا، ولم نفقه معنى العبادة، ولم نتذوق روح هذه الطاعات والعبادات في نفوسنا وقلوبنا وأرواحنا. أسأل الله أن يردنا إليه مرداً جميلاً، وأن يجعلنا من عباده الطائعين المخلصين المقبلين عليه في كل أوقات العام، ونسأله أن يوفقنا في هذا الشهر لحسن الصيام والقيام والإنفاق وصالح الأعمال، وأن يزيدنا فيه من الخير والبر والإحسان؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 471

الإخلاص في الطاعة ولذة العبادة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم ما يقدم به العبد على مولاه، ونحن في موسم التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فلنأخذ زادنا عظيماً وفيراً إلى ما بعد هذا الشهر كذلك. ولعل لي وقفة أخيرة في شأن الأرباح التي نجنيها، ولماذا لا نتعلق بها ونستمر عليها، وهي قضية مهمة لعلنا أن نحرص عليها، وأن نجاهد أنفسنا فيها، وأن نجتهد في تحصيل الأسباب لها. ذلكم أيها الإخوة المؤمنون! هو أمر الإخلاص لله ، وصدق التعلق به، وحقيقة الإقبال عليه حتى نصل إلى المبتغى والمراد والغاية من هذا الإقبال عليه، ومن تلك الطاعة له، ومن صور العبادة التي نجتهد فيها، وهي أن تخلص إلى قلوبنا، فنشعر بالسعادة، وتخلص إلى نفوسنا فنتذوق اللذة، وحينئذ تصبح قلوبنا مشدودة إلى الطاعة، كما أخبر النبي ﷺ في ذكر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: (ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منها حتى يرجع إليها). فانظروا إلى هذا التشوق الذي يذكره لنا المؤمنون الصادقون المخلصون الذين يبينون لنا حقيقة مهمة، وهي أنه إذا خلصت لنا روح العبادة فإنه سيكون لنا بها تعلق وارتباط في كل لحظة وسكنة، وفي كل ظرف وحال، ولذلك سئل أحد الصالحين: ما أفضل عملك؟ فأجاب إجابة حري بنا أن نصغي إليها بقلوبنا فقال: ما أتتني صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها، وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت إذا انصرفت منها أشوق إليها مني حين كنت فيها، ولولا أن الفرائض تقطع لأحببت أن أكون ليلي ونهاري قائماً راكعاً ساجداً! إنه يستعد لها، ويشتاق إليها، وهذا دليل على حب، وتعلق، وهيام، ولذة نفس، وطمأنينة قلب، وراحة بال، وأنس في الإقبال على الله ، يفسره لنا قول المصطفى ﷺ : (أرحنا بها يا بلال!) ويفسره لنا فعله ﷺ حيث كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وتفسره لنا نداءات القرآن كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، وتفسره لنا الصورة المثلى لرسولنا ﷺ عندما قال: (جعلت قرة عيني في الصلاة). ونفهم منها حاله حينما كان يصلي فيقوم حتى تتفطر قدماه ﵊؛ لأنه يشعر بلذة المناجاة، ولأنه لا يشعر بثقل الوقوف، ولا بشدة المعاناة؛ لأن حلاوة المناجاة تغلب شدة المعاناة، فلا يكاد يشعر بشيء، ونحن حالنا -إلا من رحم الله- على غير ذلك، فإن أطال الإمام في آية أو آيتين شكى الناس شكوى عظيمة، وإن صلوا مرة وزادوا رأيتهم وهم يفرقعون أصابعهم، ويتفقدون ركبهم، وينظرون إلى حالهم! فلماذا نحتاج أن نتأمل ونتدبر، ونحن نحتاج أن نعيش في روح هذه العبادات؟ فإننا إن فعلنا كان لذلك أثره الأعظم في استمرارنا فيما يأتي من أيامنا في غير هذا الشهر الكريم، ولعلنا كذلك نتذوق لذة تلاوة القرآن، ونستعذب حلاوة التضرع والانكسار بين يدي الله، ونرى روحاً عظيمة مؤثرة في كل دعوة إلى الله ندعوه بها، ونستشعر أنساً وراحة في كل إنفاق ننفقه، وفي كل سرور على مسلم ندخله. ودعونا نعيش في روح هذه العبادات وهذه الطاعات؛ ليكون أجرنا من الله عظيماً، ومن جهة أخرى لتكون لنا السعادة، وهي جزء من الأجر مقدم للمؤمن، وذلك فيما يشعر به من سعادة نفسه وروحه وأنس قلبه وطربه، كما قال أهل العلم من العلماء العاملين والعابدين: (والله إننا لفي لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك، ثم لم يجدوا إلا أن يجالدونا عليها بالسيوف لفعلوا)! تلك اللذة العظيمة هي لذة الإيمان، ولذة الطاعة، ولذة العبادة، وقد أخبر عنها أيضاً بعضهم فقال: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: لذة العبادة والطاعة والمناجاة.

стр. 472

خسارة من لا يعبد الله ونحن نشعر بهذه اللذة في أيام رمضان، فلنحرص على أن نعيش روح العبادة حضور قلب، وخشوع جوارح، وتفكر عقل، ونزول دمع، وحياة نمارسها في واقع أعمالنا كلها، ونتذكر كذلك كل أمر من الأمور التي نجنيها في هذا الشهر، من إمساك اللسان، ومن إنفاق المال، ومن غيرها مما تعظم به الأرباح. وأريد أن أؤكد مرة أخرى على لونين من الخسائر: الخسارة الأولى: هي أن كل هذا الربح المتاح في غير رمضان إذا لم نأخذ منه حظاً فنحن خاسرون، فإذا كانت الأموال مبذولة، والأرباح سهلة، ثم لم نعمل لها، فنحن قطعاً خاسرون، ونحن بصورة أو بأخرى حمقاء أو مغفلون. وأما الخسارة العظيمة الأخرى: فهي خسارة أصحاب الموسم الذين يخسرون ولا يكسبون، وهم الذين في شهر رمضان وفي فريضة الصيام ثم لا يربحون. ورغم أن كل كلامنا كان عن فعل نحمد الله عليه، ونربح به أجره ومثوبته، إلا أن هناك من هو شقي أو محروم، نسأل الله السلامة، وإلا أننا أيضاً نرى في أنفسنا قصوراً وضعفاً، وتخلفاً وتأخراً؛ فانظروا إلى الصلوات فإنه ما زال التبكير إليها والحرص على إدراك التكبير فيها قليلاً، وانظروا كيف يتأخر الناس ليطعموا من الطعام زيادة لقمة أو لقمتين، ولا يدركون تكبيرة الإحرام في صلاة المغرب؛ فتجد أن أكثر من ثلثي كل مسجد يقومون يقضون الركعات؛ لأجل لقيمات، فهل تلك اللقيمات أفضل أو أعظم من تلك الصلوات والركعات؟! فينبغي أن نوازن. وانظروا إلى يوم الجمعة كيف يبدأ الخطيب والمسجد ليس فيه إلا أقل من نصفه أو أكثر بقليل؟! فأين بقية الناس؟ لعلهم نائمون، أو يبطئون في الخطى كأنما يسحبون أرجلهم سحباً، وقد يقول بعضهم: إن هذه الخطبة قد تطول، أو ذلك الوقت قد يعظم، وكأن وراءنا عملاً أعظم، أو وراءنا مهمات أكبر، ولا أقول ذلك حتى يكون هذا شاهداً على من يسمعه فحسب، بل هو بلاغ لنا جميعاً؛ لنبلغه لأنفسنا ولأهلنا، ولكل أحد من حولنا. والحرمان كثير؛ فإن كثيرين يسهرون ليلهم لا في صلاة، ولا في وتر، ولا في دعاء سحر، وإنما في الأسواق، وأمام الشاشات، وبعضهم لا يدرك هذه الصلوات التي ذكرنا فضلها وأجرها، بل هم نائمون أو مقصرون، وهناك من يلعبون ويلهون، وهناك من يفطرون، وهناك من يشغلون أوقاتهم بالغيبة والنميمة، وهناك وهناك. فإذا برئنا من هذا، وتعرضنا لطاعة الله، وأخذنا هذه الأرباح، فلنتذكر أننا خاسرون من جهة أخرى في غير رمضان إذ لم نقبل على هذه الأعمال الصالحة، ولم نرتبط بتلك الفرائض المفروضة! نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وحسن أقوالنا، وهذب أخلاقنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا. اللهم وفقنا في هذا الشهر الكريم لحسن الصيام، والقيام، والإنفاق، والتلاوة، والذكر، وصالح الأعمال. اللهم عظم بذلك أجورنا، واجعله يا ربنا طمأنينة لقلوبنا، وانشراحاً لصدورنا، وسعادة لنفوسنا. اللهم أذقنا لذة مناجاتك، وأذقنا حلاوة عبادتك وطاعتك. اللهم اجعل طاعتك أحب إلى قلوبنا من الماء على الظمأ يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن توفقنا لطاعتك ومرضاتك، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آتٍ. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم من عتقائك من النار يا رب العالمين، واغفر اللهم ذنوبنا وارحمنا رحمة واسعة من عندك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم ثل قوتهم، واستأصل شأفتهم، وخالف كلمتهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم انصر وأعن وثبت إخواننا المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تخفف عن إخواننا المسلمين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم يا رب العالمين! اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم اجعل لنا ولهم من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم أدم عليها نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ورغد العيش وسعته يا رب العالمين! عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 473

أصداء الحوار مع شباب الصحوة من القضايا المستجدة على الساحة: ظهور الجماعات والأحزاب والجمعيات، فعلى الشباب معرفة الضوابط الشرعية التي ذكرها العلماء في التعامل مع هذه المستجدات، وعليهم أيضاً أن يفقهوا واقعهم وفق كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ حتى لا يقعوا فيما لا تحمد عقباه.

стр. 474

قضايا جديدة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، هذا بعون الله تعالى هو الدرس السابع والعشرون من سلسلة الدروس العلمية العامة، وهو بعنوان: أصداء الحوار مع شباب الصحوة. وهذا العنوان ينبؤ بارتباط موضوع اليوم بالدرس الذي سلف بعنوان: حوار هادئ مع شباب الصحوة، فدرس اليوم رجع الصدى لذلك القول، وللمسائل التي ذكرناها فيما مضى، وقد جاءتني مشاركات عدة حاولت تلخيصها، وضم المتشابه منها بعضه مع بعض؛ حتى تنتظم في جملة قضايا ومسائل، يمكن عند معالجتها وذكرها أن نلم بما أشار إليه الإخوة، وما سألوا عنه، وما طلبوا من القول والتفصيل في المسائل التي عرضوا لها. وقبل أن أذكر تفصيل القضايا، أحب أن أؤكد على أمور مهمة: أولها: أن ما مضى من الموضوع الذي سبق، وهذا وغيره أيضاً إنما الباعث عليه بعون الله تعالى أن نصحو، والخلاصة والغرض هو تقويم المسيرة، والنبي ﷺ يقول: (الدين النصيحة)، ونحن نحتاج بالفعل إلى أن يقوم بعضنا بعضاً، وأن ينصح بعضنا بعضاً، بل هو من واجب المسلم تجاه المسلم، ومن أخلاق المسلم أن يتقبل النصح من إخوانه، بل يسعى إلى طلب النصيحة، وقد كان سلف الأمة وأعلام الأئمة يقبلون النصح، بل يطلبونه من غيرهم. الأمر الثاني: أن المسائل التي ذكرت إنما هي أمثلة للتوضيح، لم يكن المراد منها الحصر، ولا أنها تشمل كل القضايا المهمة التي يحتاج إليها الشباب أو تدور في أوساطهم. الأمر الثالث: أن القضايا التي تم اختيارها أو ذكرها كان الاجتهاد فيها أنها من باب الأهم قبل المهم، وأنها من الأولويات والموضوعات الأكثر ذكراً ووروداً وأخذاً ورداً بين كثير من الشباب؛ ولذلك يعتبر هذا الموضوع تتمة، وقد قسمت ما جاء فيه إلى عناوين رئيسة، وتحتها بعض هذه المسائل: أولها: قضايا جديدة: أي: أن هناك مشاركات وكتابات من بعض الإخوة تعرضت إلى قضايا جديدة لم نذكرها فيما مضى، ومنها: العمل الدعوي الجماعي، ووسائل ثبات الصحوة، وبين علم الشرع وعلم الواقع، وبين الوسائل والغايات. والبند الثاني: تحت عنوان مخاطر ومخاوف، وفيه قضايا مهمة منها: التكفير والتبديع. التنازع والاختلاف. الإسقاط والمصادرة. الحيرة والاضطراب. التعصب والحسد. التزكية والعصمة. البند الثالث: مطالبات وتوجيهات، ينتظم أيضاً جملة مسائل: التعامل والدعوة مع العامة. الدعوة والاهتمام بالأهل. التفاعل والبذل في سبيل الدعوة. وأخيراً: تساؤلات ومقترحات: أي وردت بعض التساؤلات عن قضايا محددة فيما مضى من الدرس الثالث، وبعض المقترحات نذكرها ونختم بها إن شاء الله. وفي الحقيقة هذه المسائل لها أهميتها، وفيها كثير من القول، وسأذكر بعض المشاركات بنصها عند الحاجة إلى ذلك أو خلاصة ما كان من مشاركة الإخوة جزاهم الله خيراً. أول بند: قضايا جديدة:

стр. 475

العمل الدعوي الجماعي أولها: العمل الدعوي الجماعي: فقد كانت كثير من المشاركات تتحدث عن الدعوة إلى الله في إطار الجمعيات الإسلامية، وفي ظل التعاون على البر والتقوى، ومحاولة الاستفادة من الجهود، وضم بعضها إلى بعض، والحرص على الانتفاع بتجربة الآخرين، وإعانة الأخ لأخيه، وتقويته له من هذا السبيل، وكانت كثير من المشاركات تذكر إما مدحاً وثناءً على هذا الجانب، أو قدحاً وذماً له، وكأن غاية الأمر إرادة معرفة قول أهل العلم في مثل هذا، ولذا اجتهدت في جمع بعض فتاوى علمائنا ومشايخنا وأهل العلم؛ لنسلط الضوء على مثل هذا الأمر، لعل في ذلك ما يكشف جلية الأمر، ويزيل بعض الحيرة والاضطراب، وكذلك أتممه بنوع من الفوائد اللاحقة بذلك، فهنا جملة فتاوى أذكر بعضها قراءة ونصاً، وأشير إلى بعضها في مراجعها، وهذه بعض الفتاوى من اللجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والإرشاد، وبعضها متفرقة في أزمنة مختلفة نذكرها بأرقامها وتواريخها أيضاً. فهذه الفتوى برقم (٧٨٣١) في (٣/ ١٢/١٤٠٤هـ)، هذا نصها: السؤال هل الأحزاب السياسية مباح تأسيسها، وعضويتها، أم مندوب إليها، أم مستحب تأييدها أم حرام تأسيسها ومناصرتها؟ أشارت الفتوى إلى فتوى سابقة نصها: الإسلام يدعو إلى الوحدة، وأن يكون المسلمون على قلب رجل واحد يعتصمون بحبل الله، ويهتدون بهدي رسول الله ﷺ قولاً وعملاً، فإن ذلك أقوى لهم، وأنكى لعدوهم، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. لكن الاختلاف ظاهرة كونية، ذلك بأن عقول الناس وأفكارهم قد تباينت، وأن عواطفهم وميولهم قد اختلفت، وأن الأهواء المرذولة والعصبيات الممقوتة قد تسلطت عليهم وتمكنت من نفوسهم، فمزقتهم شر ممزق، فكان اختلافهم سنة كونية لا مناص منها، إلا بحول من الله، فمن كان اختلافهم عن اجتهاد سائغ، وتأويل مقبول، ولم يمنعهم من التفاهم والتآخي بينهم، فأولئك هم أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً، ومن كان اختلافهم عن هوى مضل أو عصبية جاهلية فأولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً. ويجب على المسلم أن يتعاون مع كل الجماعات الإسلامية فيما لديها من حق وصواب، وأن يجتنبها فيما وقعت فيه من خطأ وانحراف، وأن يجتهد في إرشادها، وبيان الحق لها بالحكمة والموعظة الحسنة، عسى الله أن يهديها على يديه سواء السبيل. ومن أراد أن يلتزم جماعة معينة منها، فليلتزم أسعدها بالحق وأتبعها لكتاب الله وهدي رسول الله ﷺ ، وأئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ﵃ أجمعين، مع مخالفتهم فيما علم أنه مخالف للحق، والنصح لهم في ذلك، وبالله التوفيق. هذا القول سنجد أن مضمونه متكرر في هذه الفتاوى التي سأذكر مزيداً منها، إذ القول يرجع الحكم في مثل هذا إلى ما هو مجتمع عليه، فإن كان الاجتماع على الحق والخير والتعاون على البر والتقوى، فإن ذلك محمود لا لذاته، بل لكونه محموداً في أصل الشرع لأمر الله ولهدي رسوله ﷺ ، ثم إن المرء إنما يتعبده الله بكتابه وبسنة نبيه ﷺ ، لا بقول أحد كائناً من كان، ولا بفرقة كائنة من كانت، وإنما ما كان مبنياً على اجتهاد سائغ مقبول في أمر من أمور الخير، وبذل في سبيل الدعوة إلى الله ، فإن الإنسان يسعى ويحرص إلى متابعة الأوسط للحق، والأقرب إلى الصواب، والأسعد باتباع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا تمنعنه الموافقة والمتابعة في هذا الخير الكثير من أن يخالفهم إذا وجد منهم مخالفة لأصل شرعي، وأن يكون همه وحرصه أن ينصح وأن يبذل النصح لمن وافقهم في أصل الخير، حتى يكون في هذا التناصح إكليل للخير وحيازة له. وهذا سؤال واستفتاء لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز وهذا نصه: يقول: في بلد غير هذه في الجامعة هناك جماعتان هما: اتحاد طلبة المسلمين، وجماعة التبليغ، فأيتهما الجماعة التي يريدها الإسلام، هذا مع العلم بأني أرى أن بعضهم أنشط في الدعوة وأسبق فيها؟ فقال فضيلته جزاه الله خيراً: العصمة من الخطأ ومن الانحراف عن الصواب، إنما هي لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، ولإجماع الأمة، أما كل فرد من أفراد الأمة، وكل جماعة على حدتها من جماعات الأمة كجماعة التبليغ، أو جماعة اتحاد طلبة المسلمين، أو جماعة الإخوان المسلمين، أو جماعة أنصار السنة المحمدية، أو الجمعية الشرعية لإحياء الكتاب والسنة المحمدية، إلى آخر ذلك؛ فكل منها ليست معصومة، بل تخطئ وتصيب، ولها محاسن ومساوئ في الأحكام التي تدعو إليها أو تنشرها، وفي طريقة دعوتها إلى ما تعتقده وتعمل به، وتتبنى إرشاد الناس إليه، وحملهم عليه، وعلى كل جماعة من الجماعات الإسلامية أن تتعاون مع الأخرى فيما اتفقوا عليه من الحق، وأن تتفاهم معها فيما اختلفوا على ضوء الكتاب والسنة، عملاً بقوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، عسى الله أن يهدي الجميع إلى سواء السبيل، وعلى كل طائفة من هذه الجماعات أن تنصح للأخرى، وتثني عليها بما فيها من خير، وترشدها إلى ما فيها من خطأ في الأحكام أو انحراف في العقيدة والأخلاق، أو تقصير في العلم والبلاغ بالتي هي أحسن، قصداً للإصلاح، وطلباً لاستدراك ما فات، لا ذماً لها وتعييراً، عسى أن تستجيب لما دعيت إليه، فتستكمل نقصها، وتصلح شأنها، وتجتمع القلوب على الحق، وتنهض بنصرته. اهـ. والمتأمل في هذا القول يرى عليه نورانية الوحي، ويرى فيه فقه الدعوة، ويرى فيه أيضاً العلم بمقاصد الشرع من ضرورة الائتلاف، والحرص على وحدة الأمة، مع النصح لله ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم، ومع الحرص على أنه لا اتباع ولا انقياد بلا تردد وبلا سؤال، وبلا أية مراجعة، إلا لكتاب الله ولسنة نبيه ﷺ ، ولإجماع الأمة المنعقد والثابت. إذاً: باتباع مثل هذه الفتوى وغيرها من فتاوى أهل العلم، يظهر أن الأمر مداره على اتباع الشرع وعلى تحصيل الخير، وعلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وعلى أن الكمال المطلق لا يوجد ولا يتصور وجوده أصلاً إلا في كتاب الله وسنة النبي ﷺ . وأيضاً فيه تعليم وتربية على أهم مقاصد هذا الدين، وهو ألفة القلوب، ووجوب تضافر الجهود، والمودة والمحبة، وأخوة الإيمان في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، والله قد سمى الفئة الباغية إخواناً لبقية المسلمين وإن كانوا قد بغوا عليهم، وذلك كما في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، فسمى تلك الطائفتين: مؤمنتين، وإنما إحداهما خالفت وبغت، أو اجتهدت وأخطأت، أو تنكبت سواء الصراط؛ ولذا من رأى أن وجود الخطأ كاف للمقاطعة بل والمنازعة بل والمحاربة، فإنه ما فقه أصل هذا الدين في عصمة دم المسلم وعرضه وماله، وما فقه أصل هذا الدين في وجوب الاعتصام والتآلف والأخوة، وما فقه أصل هذا الدين في وجوب التناصح والتكامل، وأن المسلم للمسلم كاليدين في حاجة إحداهما للأخرى، وأن المسلم للمسلم كالمرآة ينظر إلى أخيه فيرى فيه عيب نفسه، ويبصر خطأه من تقويم أخيه، وهذا كثير فيما سيأتي أيضاً من الفتاوى والأسئلة. وهذا سؤال وجه أيضاً لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز أذكره لوجازته ووضوحه في هذا الباب، وهذا نصه: السؤال هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية باحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟ قال سماحته: وجود هذه الجماعات خير، لكن عليها أن تجتهد في إفصاح الحق مع دليله، وألا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها، وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينهما، ولا مانع أن تكون هناك جماعات؛ لأنها كلها إن شاء الله تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ثم قال السائل: وبم تنصح الشباب داخل هذه الجماعات؟ قال سماحته: أن يترسموا طريق الحق، ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية، لا بالعنف ولا بالسخرية، بل بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن، وأن يكون الصالحون قدوتهم، والحق دليلهم. وهذا كما أشرت فيه ما فيه من الفطنة والفقه بهذا الدين. وهنا أيضاً سؤال لفضيلة الشيخ صالح الفوزان، ونص السؤال يقول: ما رأي الشرع في بعض مسميات مثل: السلفيين، وجماعة التكفير والهجرة، وأنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية والجهاد؟ فقال فضيلته: قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. ثم قال: هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ التي جاءت في معناها، كلها تحث على اجتماع الكلمة، وأن يكون المسلمون أمة واحدة، وجماعة واحدة، وفي مسمىً واحد وهو أهل السنة والجماعة، أو م

стр. 476

وسائل ثبات الصحوة بعض الإخوة أشار إلى أننا ذكرنا في المرة الماضية بعض وجوه النقد وبعض الأخطاء، ثم يقول: ما هي الوسائل التي يمكن أن تثبت شباب الصحوة على المنهج الصحيح حتى لا يحصل ما يقع الآن، فإن بعض الناس يمضي في الطريق قليلاً ثم ينتكس، أو يمضي في الطريق ثم يشذ إلى انحراف غير مشروع؟ فأذكر في ذلك نقاطاً في موجز لا يتسع المجال لتفصيله أقول: من هذه الوسائل وأهمها: أولاً: صفاء المعتقد ووضوح التصور. ثانياً: الارتباط بالقدوة من العلماء والدعاة، والرجوع إليهم. ثالثاً: التحصن بالعلم ومعرفة الشبهات. رابعاً: وجود المحضن التربوي الذي يزكي النفوس، ويطهر القلوب، ويعوّد على التزام الشرع، والخوف من الله ، والتقوى له. خامساً: العناية بفقه الأولويات والاهتمامات؛ فإن كثيراً مما ورد من الأخطاء إنما يقع من أن الإنسان يقدم ما حقه التأخير، أو يؤخر ما حقه التقديم. سادساً: دراسة التاريخ، واستنباط العظات والعبر، والاستفادة من تجارب السابقين، وسير الأئمة والصالحين. سابعاً: حسن التعامل مع الآخرين، بما هو في شرع الله . ثامناً: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى لا يقع الخطأ والخلل في مثل هذا.

стр. 477

بين علم الشرع وعلم الواقع ذكر بعض الإخوة أن هناك من يقول: إن القول في السياسة أو الاعتناء بمعرفة الأخبار أو نحو ذلك ليس من الدين، وأنه ينبغي لطالب العلم فقط أن يقرأ كتب العلم في العقيدة والفقه والحديث، ولا شأن له بما وراء ذلك، ويذكر هذا الأخ في سؤاله ويقول: أليس هذا هو عين قول العلمانيين الذين يريدون أن يكون المسلم منشغلاً أو مرتبطاً فقط بالأحكام الفقهية، ولا يرتبط بواقع الحياة؟ نقول: نعم، هذه هي تلك، لا فرق بين هذه وهذه، إلا أن هذا القول من مسلم، أو من طالب علم أو من موجه أخطر؛ لأن العلماني أو المستغرب لا يقبل منه الناس، لكنهم يقبلون من الخطيب أو الإمام أو الواعظ أو الداعية، فإن جاء مثل هذا القول من هؤلاء كان أشد خطورة في هذا الأمر. وأحب أن أوجز القول في هذا: فإن علم الشرع مطلوب، ومعلوم أن هناك واجبات عينية على الإنسان المسلم أن يتعلمها من فرائض الله ، بدءاً من المعرفة بالله ، ومعرفة الرسول ﷺ ، وما يتعلق بأركان الإيمان. ثم بعد ذلك معرفة الفروض العينية مثل: الصلوات وأحكام الطهارة، ثم ما يلزمه في وقته كالحج لمن أراده، أو الزكاة لمن وجبت عليه، وكل ما عدا ذلك فرض كفاية من الزيادة في العلم لمن أراد أن يتصدر للتعليم أو الفتوى أو غير ذلك، لكن علم الواقع أمر مهم جداً، وفيه رعاية اختلاف ظروف الزمان والمكان والأشخاص، وقد راعى النبي ﷺ ذلك، فكان السائل يسأله نفس السؤال، وتتعدد إجاباته ﷺ ، وما اختلفت إلا باعتبار اختلاف حال السائل، فذاك يسأله فيقول: (أوصني، فيقول: لا تغضب)، ويسأله الآخر ويقول: (أوصني، فيقول: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وفي مسند الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر: (أن سائلاً جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن القبلة في الصيام فأفتاه بمنعها، وجاء سائل آخر فسأله عن القبلة للصائم فأفتاه بجوازها، فلما سئل النبي ﵊ قال: ذاك شاب لا يملك أربه، وذاك شيخ كبير ليس له في النساء مأرب)، فاختلف الجواب باختلاف حال السائل، وكذلك اختلاف حال الأمة وظروفها، أصحاب النبي ﷺ من الأنصار في بيعة العقبة قالوا للرسول ﵊: (لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلة واحدة لفعلنا، قال: لا، فإنا لم نؤمر بذلك)، حقاً إنه ﷺ يوحى إليه وهو مشرع، لكن على من جاء بعده أن يقتبس منه ويستنبط. وكذلك ﵊ كان يعرف أحوال القبائل وعاداتها وتقاليدها؛ ولذا كان يحرص على إسلام زعماء القبائل؛ لأنه كان يعلم أن الناس تبعاً لقادتهم، وكان يعرف ما عليه أهل كل قوم، وأهل كل قبيلة من بعض العادات ومن بعض الرسوم والأمور التي يحرصون عليها، فكان يعرف كل هذا ويراعيه. بل جعل النبي ﷺ الأمر مقتبساً من غير المسلمين، فقد ورد عند الإمام مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (كنت قد نهيتكم عن الغيلة، وإني رأيت فارس والروم يغيلون ولا يضرهم)، والغيلة: المقصود بها: الجماع في وقت الرضاع، فإنه قد يضر بالرضيع، لكن النبي ﵊ رأى واقع الناس، ورأى ظروف الحال، ورأى أن مثل هذا لا حرج فيه، فلم ينههم عنه ﵊. وكذلك قال في شأن تأبير النخل: (أنتم أعلم بشئون دنياكم). فتتبع أحوال المسلمين، والتعرف على أخبارهم، ومعرفة مكائد الأعداء، لا شك أنه من أكثر ما يدفع به الضرر عن المسلمين، وتجلب به المصالح لهم، والإعراض عن مثل هذا لا شك أنه شطط في القول، وأنه مغايرة ومنافرة في طبيعة الواقع، فإن الإنسان في طبيعة حياته المعتادة في تجارته في وظيفته في عمله يرتبط بالواقع، ويسأل عن الأحوال، ويسأل عن الأسعار، ويسأل عن الوظائف، ويسأل عن الترقيات، ويسأل عن النظم واللوائح؛ ليعرف ما يتجنبه، وليعرف ما يأخذ به لينتفع به، فكيف في حال الدين وفي حال حيازة مصلحة الإسلام والمسلمين؟ هل يبقى لا يفطن إلى هذا ولا ينظر إليه؟ لا شك أن هذا خطأ.

стр. 478

بين الوسائل والغايات الناس يغيب عنهم أمر مهم وهو أن الوسيلة لا تراد لذاتها وإنما تراد لغيرها، أي للمطلب الذي تؤدي إليه، وأضرب مثالاً أبين فيه المقصود في هذا: لو أن شخصين رأيا منكراً، واتفقا على أن هذا منكر، وهما متفقان أنه يجب تغييره، لكن اختلفا في الوسيلة، فهذا يرى التعجل في إنكار المنكر، وذاك يرى التأني، أو هذا يرى أنه يمكن أن يكون التغيير باليد، أما الآخر فيرى أنه يكفي الوعظ لما يعلم من حال هذا، فإذا اتفقا في الغاية وفي أصل الحكم الشرعي ينبغي ألا يكون اختلاف الوسيلة مثار النزاع، بل أحياناً مثار اتهام! فيقول: إن هذا يقر المنكر ويرضى به، وإن هذا يساعد على المنكر؛ لأنه لم ينكره بالطريقة التي يتصورها هو، أو التي يريدها هو، إن لم تفعل مثلما كان يتصور ومثلما يرى أنه الأصلح والأكمل فأنت إذاً لست بمنكر للمنكر، ولست بمريد للخير! فهذا لا شك أنه خطأ، فإن بعض الناس يرى أموراً من الحكمة، ودقائق من مسائل العلم، ومعرفة بحال المنكر، أو بحال الواقع في المنكر، ويرى أنه يريد أن يأخذ أسلوباً آخر، فلماذا يكون هذا الشطط والإباء، مع أن الاتفاق في الغاية حاصل؟! كثير من المشكلات تقع بسبب هذا لا بسبب غيره. فهذه جملة من القضايا التي لم نتعرض لها فيما مضى، وذُكرت في بعض هذه المشاركات.

стр. 479

مخاطر ومخاوف ما ذكره الإخوة في كتاباتهم ينبئ عن شعور طيب، وعن حرص أكيد على الخير لهذه الأمة وشبابها، وعلى خير هذه الصحوة وخير ما فيها، فإن كثيراً من الكتابات كانت تشير إلى بعض الظواهر الخطرة خوفاً على هذه الصحوة وعلى هذا الخير، وأذكر منها كما أشرت في العناوين السابقة:

стр. 480

التكفير والتبديع لا شك أن التكفير والتبديع أكثرها شراً وضرراً وخطراً؛ لأن فيه استباحة دماء؛ ولأن فيه إخراجاً عن الملة؛ ولأن فيه اجتراءً خطيراً ينبغي ألا يقدم عليه الإنسان من غير تثبت وتبين وحرص ودقة وتروٍ؛ ولذلك وقفتي فقط أن أبين أن هذه القضية في غاية الخطورة، وسنجعل لهذه القضية إن شاء الله مواضيع أخرى مستقلة بذاتها. جاء في الحديث عند الشيخين عن النبي ﷺ قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فليست القضية سهلة، إما أن يكون الذي اتهم بالكفر مستحقاً لهذه التهمة، وإما -والعياذ بالله- أن تكون هذه الكلمة والوصمة تعود على قائلها. وفي الحديث الذي في صحيح مسلم: (أنها إذا لم تقع على صاحبها رجعت على قائلها) والعياذ بالله! ولذلك قال ابن حجر: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر. أي: أن التكفير يعود عليه ليس أصل الكفر. ويقول: ابن حجر الهيتمي أيضاً: من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه، أي: رجع هذا الوصف عليه. ولذلك ينبغي أن نستيقن كما أخبر النبي ﵊: (إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله برهان). وينبغي أن نعرف أن هناك أموراً ثلاثة يدفع بها كثير من الأمور ومن أهمها التكفير، وينبغي النظر فيها قبل الحكم بالتكفير وهي: الأمر الأول: التأويل, كأن يقول قولاً كفرياً، لكنه متأول يحتاج إلى بيان وإلى إيضاح. الأمر الثاني: الجهل، كأن يقول قولا ً أو يفعل فعلاً كفرياً وهو جاهل به غير عالم به. الأمر الثالث: الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فلا بد من وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليست القضية سهلة؛ ولذلك الأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك بدليل شرعي، ولا يجوز التساهل بالتكفير أو التبديع أو التفسيق؛ لأن في ذلك محاذير كثيرة أعظمها: الأول: أنه افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم على المحكوم عليه بما ليس صحيحاً. الثاني: أنه يقع عليه ما يتهم به غيره إن لم يكن كذلك؛ ولذلك لا بد من النظر في دلالة الكتاب والسنة، وانطباق القول على هذا القائل المعين، فإن القول قد يكون كفراً، ولكن لا يكفر قائله؛ لأنه عنده بعض الأعذار التي تصرف عنه مثل هذا الأمر، والمسألة في مثل هذا طويلة. ذكر الشيخ الشنقيطي رحمة الله عليه في تفسيره كلاماً نفيساً في مسألة النهي عن تكفير المعين، والتنفير منها، فيقول: اعلم أنك إن مت ولم تقل في فرعون شيئاً لم يؤاخذك الله تعالى بذلك يوم القيامة، أي: ليس مطلوباً منك أصلاً أن تحكم على عباد الله، وأن تعطيهم درجات ومنازل في جهنم، هذا في الدرك الأسفل تتهمه بالنفاق، وهذا مخلد تتهمه بالكفر، وذاك مبتدع يستحق من الله كذا وكذا، الأصل أنك لست مطالباً بهذا، لكنه يكون مهماً في أحيان كثيرة؛ لئلا تتميع الأمور، ولئلا يلتبس الحق بالباطل على الناس، فإن من أشهر كفره، وقال مقالة الكفر؛ ينبغي أن يبين أن هذا القول كفر، وأن المعتقد له مع وجود الشروط وانتفاء الموانع كافر، لكن تكفير المعين أمر آخر، حذر منه أهل العلم، وغالب أهل السنة لا يقولون بتكفير المعين، قال صاحب الطحاوية: ولا ننزل أحداً منهم- أي: من المسلمين- جنة ولا ناراً، وقال الشارح: أي: لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة أو من أهل النار. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: ثم حكم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبته -أي: الشخص المعين قد يقول قولاً فيه كفر، لكن حكم الوعيد يلغى في حقه بتوبته- أو حسنة ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ ، لكنه قد يكون الرجل حديث عهد بإسلامه، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً. يقول: وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم ذروني في البر والبحر، فوالله! لئن قدر الله علي ليعذبني)، هذا الحديث ذكره ابن تيمية في ثلاثة مواضع من فتاواه بتفصيل وتطويل واسع، يذكر فيه أنه لا بد ألا يكون هناك تعجل في التكفير إذ قد يكون استحق التكفير، لكن صرفه عنه صارف، ثم قال: وإني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً تارة وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ بالمسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

стр. 481

التنازع والاختلاف النقطة الأخرى التي معنا مسألة التنازع والاختلاف، وهي قريبة من هذا، لكن هذه أخص، وهي عدم الفقه في مثل هذه الأمور، وهو أن هناك أموراً لا يمكن اجتماع الأمة فيها على قول واحد، بل إن الله جل وعلا قضى -وقضاؤه فيه عدل وحكمة ورحمة- أن أموراً كثيرةً يظل فيها اختلاف، ومن تلك الأمور الاختلاف في المسائل الفقهية الفرعية، وبعض ما ليس معلوماً من الدين بالضرورة، وبعض المسائل الدقيقة التي قال عنها ابن تيمية: ليست أدلتها جلية واضحة، ويقع فيها الاختلاف، ووقع في سلف الأمة، ويقع في حاضر الأمة، وسيقع أيضاً في مستقبل الأمة، فلماذا يكون التنازع والاختلاف فيما هو سائغ فيه الاجتهاد؟ ينبغي ألا يكون هناك تنازع واختلاف إلا فيما يخرج عن المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف صريح القرآن والسنة النبوية المطهرة، أو الذي يأتي ببدعة مكفرة واضحة بينة، وبين له ثم لم يرتدع، وهذا أمره ظاهر بين لا أظن أنه يلتبس، ولكن كثيراً من النزاع والخلاف الواقع هو فيما دون ذلك، وللأسف أنه يقع في مثل هذا التنازع والاختلاف التشهير والتعيير، مع أن الأمر لا ينبغي أن يكون كذلك، وإنك تجد من أثر هذا أن يشهر أو يعير بأهل الخير لمجرد اختلاف في الاجتهاد، وهذا لا شك أنه انتكاس وانعكاس في الموازين كما قال أبو العلاء: إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعيّر قساً بالفهاهة باقل وقال السها للشمس أنت خفيةٌ وقال الدجى يا صبح لونك حائل وطاولت الأرض السماء سفاهةً وفاخرت الشهب الحصى والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل وإن كثيراً من الأمور أحياناً يقع فيها مثل هذا الأمر.

стр. 482

الإسقاط والمصادرة الإسقاط والمصادرة هي أعلى درجات الاختلاف والتنازع دون التكفير، وهو أنه مجرد أن يكون بينه وبين آخر اختلاف يحرص أن يسقطه، وأن يصادر قوله بالكلية، بما فيه من حق وصواب، وبما فيه من حسن وإساءة، وهذا لا شك أنه من البغي والعدوان، وقد سبق في درس الحوار أن ذكرت نصاً لشيخ الإسلام ابن تيمية فيما يتعلق بمثل هذا الأمر، فإنه قد يكون في عمل الإنسان الصائب بعض الخطأ، فيدفع الآخر الذي ينكر هذا الخطأ إلى خطأ أكبر حينما يرد العمل كله بصوابه وخطئه، وهناك بعض الناس أحياناً يجترئ ويعتد بالخصومة، فإذا كان خصماً أو مفارقاً أو مخالفاً لشخص آخر فإنه ينظر أي السبل أسرع في إسقاطه، وأي الطرق أنجح في مصادرة قوله، أو إبطال التفاف الناس حوله، أو إبطال سماع الناس له. ويختلف هذا باختلاف الناس، قد يأتيك شخص ويقول لك: هذا لا يحب العلم، هل أنت ممن يتحرز منه؟ أو يقول: ترى أن بعض الأمور ليست مطابقة للأولى، ومخالفة لما ينبغي أن يكون، فيأتيك من هذا المدخل، فهو ينظر المدخل الذي يناسبك ليصرفك عن فلان أو عن فلان أو عن الكتاب الفلاني، أو عن كذا، ينظر إلى أيسر الطرق دون أن يراقب الله في ذكر الخير والحسنات، وذكر الصواب والإشارة إلى ما يحصل به للمنصوح من الفائدة، فإن الذي استنصحك قد استأمنك وألقى في عنقك أمانة من الله أن تؤدي له القول خالصاً لله، فلا تغشنه في نصيحتك وتأتي له بهذا النوع من الأساليب التي لا يستخدمها إلا من لا خلاق له ولا إيمان عنده، ولا تقوى ولا ورع من أهل الدنيا ومن أهل المناصب ومن أهل السياسة المحضة، الذين همهم أن يغنموا وأن يكسبوا ولو كان ذلك على حساب غيرهم، ولو كان ذلك بغياً وعدوناً، ولو كان ذلك كذباً وافتراءً، ولو كان ذلك تدليساً وتوهيماً للناس، فإن مثل هذا لا شك أنه من أكبر الخطأ والخطر، وكثيراً من مثل هذه الأمور تلتبس على الشباب، فإنه يرى خيراً ويسمع خيراً، ثم يأتيه من يأخذ من بين هذا الخير أمراً معيناً يجعله أساساً وركيزة ليوهم سامعه أو مستنصحه ألا يغرنك هذا الخير، ولا تغرنك هذه الكثرة، ولا تغرنك هذه الإيجابيات، فإنها كلها غير مؤسسة على أمر صحيح، ولا بد أن تبتعد عنها، وأن تنأى بنفسك عنها! فهذا لا شك أنه خطر عظيم ينبغي أن يتوقاه الإنسان.

стр. 483

الحيرة والاضطراب نشأ عن الطعن في الدعاة حيرة واضطراب عند كثير من الشباب، فهو يقول: هذا مخالف، وهذا يقول كذا، حتى إن بعض الدعاة، أو بعض أهل العلم يذكر بعضهم في بعض قولاً. ونقول: من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل لها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وجعل لها إجماع الأمة، وجعل لها من الأئمة الذين في قولهم كثير الصواب، ويقل عندهم الخطأ. وأيضاً جعل للإنسان الدعاة الذين يستعين بهم على معرفة الحق من الباطل، وعلى أن يثبته الله على الصواب. وكذلك ينبغي للإنسان ألا يكون متسرعاً، بمعنى: ألا يأخذ الحكم سريعاً، بل ينبغي له ألا يكون ضيق النفس يريد أن يصل إلى حل مشكلة خطيرة في دقائق وثوان معدودة. وكذلك ينبغي له أن يتجرد من ضعف الشخصية التي تجعله تبعاً لغيره، يقول له: يمين، يقول: نعم، اليمين صحيح، فإذا قال: شمال، قال: الحكمة في الشمال، إذا قال: إلى أعلى، قال: ليس هناك أفضل من مثل هذا! لا يكن أحدكم إمعة، لا تقلد الناس في دينك، بل ينبغي أن تكون -مع توقيرك ومحبتك لمن تثق به- صاحب بصر وصاحب نظر، والإنسان عنده في نفسه وإيمانه ما يكون كاشفاً له من القول الناشئ عن الحسد، أو عن الاختلاف، فيعرف مثل هذا ويكتشفه، قال معاذ ﵁: (إن على الحق نوراً يدل عليه). فليس كل قول ينبغي أن يأخذه الإنسان ويتبعه، والحيرة والاضطراب تزول بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإلى العلماء الذين يستنبطون الأحكام من الشرع، ويبينون مثل هذه الفتاوى التي تصدرنا بها هذا القول، فإن كثيراً من الحيرة والاضطراب تنشأ عندما يجعل الإنسان دينه هبة لكل أحد، فهو يستفتي أي أحد، أو يستفتي من هو أسبق منه بيوم في الاتباع، أو زميله في المدرسة، بل ينبغي أن يرجع إلى الراسخين في العلم الذين عندهم أمران مهمان: غزارة علم، وعمق تقوى لله . فالأمر الأول: يعصم من الخطأ والضلال. الأمر الثاني: يعصم من الانجراف وراء الأهواء والعصبيات، ولا بد أن يجتمع الأمران. والله نسأل أن يزيل عنا أسباب الحيرة بما في نور القرآن ونور هدي النبي ﷺ .

стр. 484

التعصب والحسد التعصب والحسد من الآفات التي تقع من الناس أفراداً وجماعات، وغالباً ما يكون أساس الخلط والوقوع فيها أمران: الأول: عدم الفقه والفهم. الثاني: الانسياق وراء الهوى، ومقتضيات الانتصار للنفس، فإن الإنسان إذا أحب شيئاً تعصب له، وكرس جهده لنصرته، وللدفاع عنه ضد كل ما يناوئه، والله جعل لنا من مثل هذا الأمر عصمة؛ لأنه لا محبة ولا ولاء دائم إلا لما هو مرتبط بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والمؤمن يُحب لما فيه من الخير، وقد يكره أيضاً مع محبتك له لبعض ما فيه من المعصية، فلا تكون المعصية التي فيه داعيةً إلى بغضه بالكلية، بل إن الفاسق والعاصي يجتمع فيه الحب والبغض، بحسب قربه من موافقة الحق، أو بعده ومعارضته له، والذي يتعصب يفوته فقه كثير من مقاصد هذا الدين، ومن أهمها: أن الأمة لا بد أن تكون أمة واحدة، وأن الأخوة الإسلامية أصل أصيل في هذا الدين، وأن أمر التعاون ينبغي أن يكون بين المسلمين ضد أعدائهم، وبين من هو أقل ضرراً وانحرافاً ضد من هو أكثر ضرراً وانحرافاً، وهذا كان دأب علماء الأمة وفقهائها الذين أحسنوا معرفة مقاصد الشريعة، فلا يقودن مثل هذا التعصب إلى مثل هذه الأمور.

стр. 485

التزكية والعصمة بعض الناس يقول: نسمع أحدهم يقول: فلان لا نزكيه على الله، ثم يطنب في مدحه، وفي حقيقة الأمر أنه لا يرد له قولاً، ويوافقه على كل شيء، ولا يسمع إلا منه، ولا يقبل إلا منه. لا شك أن التزكية في الأمر الظاهر مشروعة ومطلوبة، وكذلك مطلوب معرفة العالم والداعية وصاحب الخير، لكن النبي ﵊ هو المعصوم، وغيره كل يأخذ من قوله ويرد، وينبغي ألا يكون هذا الأمر مجحفاً، ولا فيه نوع من المبالغة في مثل هذا الأمر؛ لأن هذا فيه نوع من تقليد المرء دينه الرجال، وأن كل ما قال هذا فهو صحيح. وقد أشرت في الدرس الماضي إلى أن من الأخطاء: المبالغات التي تجعل الناس في حيرة واضطراب، أو التي تجعلهم عند المقارنة والتمحيص لا يجدون هذا التطابق بين القول المبالغ فيه وبين الحقيقة الواقعة، فلا بد أن ننتبه لمثل هذا، وأن نتجنب مسألة التعصب أو التزكية المطلقة. وقفة سريعة ومهمة في نفس الوقت مع بعض الأساليب التي يقع فيها الناس، أو يلبس عليهم أن فيها مسوغات شرعية، فإذا أراد القدح قال: فلان هداه الله، ثم حط عليه حطاً منكراً، أو فلان جزاه الله خيراً وبارك فيه، ثم بعد ذلك كأنه يرى أن مثل هذا القول مسوغاً للذي بعده من القدح، وهذا لا شك أنه من الخطأ الكبير. وأيضاً يلتبس على الناس أحياناً مسألة إحقاق الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، فيستبيح لمثل هذا أعراض الآخرين، ويتعصب ضدهم، وينبزهم بما ليس فيهم، أو بما هو فيهم، لكنه ما استخدم الطريق المشروع في إزالته أو إبلاغهم إياه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: فمن الناس من يغتاب موافقةً لجلسائه وأصحابه وعشائره، وقد ذكر بعض الإخوة عين هذه المسألة، فقال: إن بعض الشباب يجتمعون في مجالسهم ليس لهم هم إلا أن ينتقدوا الآخرين، سواءً من أقرانهم أو من الدعاة أو من العلماء، بل حتى تناولوا بعض علماء الأمة الذين قد أفضوا إلى ما قدموا، وأبلوا في نصح الأمة بلاءً حسناً، وذكر السائل أمثال النووي وابن حجر رحمة الله عليهما. فتجد بعض الناس مجالسهم تفكه بأعراض الناس والعياذ بالله، ودوام النقص الذي لا يلتفت إلى الخير، ولا يبني ولا يوجه إلى العمل، بل هو نوع من الأسباب المفضية إلى قسوة القلب، وإلى انطماس نور البصيرة، وإلى قلة الفقه في الدين، وإلى ذهاب الورع والخشية والتقوى لله ؛ ولذا أشرت فيما مضى إلى ما ذكره ابن القيم في فوائده حيث يقول: إن أعلى الهمم، همة طلب علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن أخس الهمم في طلب العلم تتبع شواذ المسائل، والمسائل المختلف فيها، قال: وقل أن يفلح من أخذ بهذا السبيل. وهذا في العيان وفي الواقع ظاهر، والدليل عليه واضح في كثير من الحالات. ويقول: شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن الناس من يغتاب موافقةً لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون فيه، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس، واستثقله أهل المجلس، ونفروا عنه، فيرى أن موافقتهم من حسن المعاشرة، وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم، فيخوض معهم. ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد، ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضم جنابه. ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقاً. وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه، ومنهم من يرفع غيره رياءً، فيرفع نفسه فيقول: دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه من كيت وكيت، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقد فيه، أو يقول: فلان بليد الذهن، قليل الفهم، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه، فتسأله ما رأيك في فلان؟ فيقول: ليس عنده كذا وكذا؛ ليبين أن عنده غير الذي عند غيره. ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص عنده أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب السخرية واللعب؛ ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزئ به. ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، وهذا كثير، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت! لكن صيغة هذا الكلام يدل على القدح، هذا كلام شيخ الإسلام في مثل هذه الصور التي ابتلينا بكثير منها، نسأل الله العافية!

стр. 486

التعميم في الأحكام من الأخطاء المهمة في هذه القضايا سواء التعصب أو التنازع أو التكفير أو التنفير غير الأمور المهمة التي أشرت إلى بعض منها عند تعليقي على بيان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز التعميم، وهو أكبر خطأ، التعميم في الحكم، فلا يقول: فلان كذا، لا، بل يقول: أهل البلد الفلاني كذا، والجماعة الفلانية كذا، وأهل مسجد كذا فيهم كذا، من قال: إن الناس كلهم على قول ورأي واحد؟! لا يصح التعميم في الحكم، لو قيل: إن أهل هذا المسجد كلهم فيهم خصلة ابتداع، فهذا تعميم خاطئ، ولا يمكن أن يكون كل الناس لهم رأي واحد. إذاً: لا يصح التعميم في مثل هذه الأحكام، سواء كان في الأفراد ككل، أو كان في الفرد الواحد فتقول: فلان فيه جلافة، لمجرد موقف واحد كان في وقته غليظاً أو فظاً أو غاضباً أو كذا، فعممت موقفاً واحداً على سائر حياته! لا يصح هذا. أو فلان لا يعرف، ولا يعلم، جاهل؛ لأنه سئل عن مسألة فقال: لا أعلم. وهذا التعميم من الأخطاء الشائعة وللأسف. وكذلك النظر إلى مرحلة من مراحل الحياة، قد يكون الإنسان في فترة من فترات حياته مسرفاً على نفسه بالمعاصي ثم تاب، فنقول: فلان فاسق، باعتبار أول حاله ولو تاب، ولو أتى بألف دليل ودليل لا يقبل منه! وهذا لاشك أنه مخالف لشرع الله ، ولمقتضى العقول. ومن هذه الأمور: عدم الإنصاف، والتركيز على السلبيات دون الإيجابيات، والله أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء، وأمرنا بالمعاملة الحسنى حتى مع أهل الكتاب: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فكيف لا يكون ذلك لإخواننا في الإسلام؟!

стр. 487

عدم التثبت عدم التثبت هي الآفة الكبرى، يجعل أذنه لاقطة لكل خبر، ويجعله مسلم التصديق، ويحق في بعض الناس قول الله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور:١٥]، وهذا تعبير قرآني فريد، التلقي بالأذن، لكنهم لما أسرعوا في نقله من آذانهم إلى ألسنتهم قال: (تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)، ليس هناك وقت ولا فاصل بين التلقي والإرسال، مباشرة يرسل من غير تروٍ ولا تثبت، وينسى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. وأيضاً هناك أسباب كثيرة ينبغي أن يتنزه عنها الإنسان، منها: اتباع الهوى. الجهل. سوء الظن بالآخرين. الموافقة للأصدقاء وأصحاب الأهواء.

стр. 488

مطالبات وتوجيهات الوقفة قبل الأخيرة: مطالبات وتوجيهات، أذكرها بعناوينها لما ورد في مشاركات الإخوة.

стр. 489

أحسن التعامل والدعوة للعامة إن على الشباب أن يحسنوا التعامل والدعوة للعامة، فبعضهم يذكر أن كثيراً من الشباب إذا رأوا منكراً، أو رأوا تاركاً أو متخلفاً عن الصلاة، أو رأوا عاصياً، لا ينبعثون له، ولا يقومون بأدنى الواجب فيه؛ لأنهم منغلقون على أنفسهم، حريصون على دروس العلم، وعلى حفظ القرآن، ولا يوجهون أحداً إلا بعضهم بعضاً، وربما يستنكف الواحد منهم أن يخاطب العامي، ويراه دون ذلك، أو أحياناً يرى أن غيره أولى. نقول: نعم، قد يكون غيره أولى بالتعليم، لكن تقديم هذا لا يعني إغفال هذا بالكلية. الدعوة لعامة الناس، والحرص على إصلاح المنكرات العامة، والمظاهر العامة، لا شك أنه من أعظم أسباب بقاء الصلاح، وإصلاح الناس من بعد، فإنك إن تركت هذه الأمور والمنكرات والناس على جهلهم؛ لتعلم طلبتك فحسب، أو لتربي تلاميذك فحسب، فبعد ذلك ماذا سيكون؟ سيكون انحراف في المجتمع، وهذا الانحراف قد يؤثر على طلبتك، ويفسد ما تربوا عليه من الخير والصلاح، ولن تجد بعدهم من يكون مؤهلاً لأن ينتفع بالعلم ويستفيد من التربية.

стр. 490

الدعوة والاهتمام بالأهل مسألة كثيرة الشكوى، وهي: تعامل الشباب مع أهلهم وأسرهم وذويهم، فإن خير كثير من الشباب مبسوط وموهوب خارج بيوتهم، وخارج أهليهم، والله قال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وكما يقولون: الأقربون أولى بالمعروف، وكثير من هؤلاء الشباب لا يقيم في بيته درساً، تراه حافظاً للقرآن، مجوداً له، على حظ من العلم، على فصاحة في اللسان، على طلاقة في البيان، أما في بيته فلا يقدم لأهله أدنى الواجب، وهذا لا شك أنه من أكبر الخلل، وأكبر الاضطراب في التصور، وهو أمر تكثر الشكوى منه، ولعل من المناسب أن هذه الشكوى جاءت من نفس الشباب الذين ذكروا مثل هذه العلة، وهذا النقص. وهذا يقع به نوع من الخلل من وجه آخر، وهو أن الآباء والأسر تكون نظرتهم لهذا الملتزم الصالح نظرة غير محمودة، ويكونون معترضين على مثل هذا، بحكم أنهم لا يكون عندهم موازين شرعية في التقويم، فيعتبرون كل عمله ليس فيه خير، ويقولون: كنت قبل ذلك نرى منك بعض الخير، أما حين دخلت في هذا المسلك ما رأينا منك خيراً قط، وهذا لا شك أنه يعتبر من آثار عمل العبد، فأنت كنت سبباً في إيجاد هذا الفهم وهذا القول الخاطئ لأهلك؛ لأنك كنت سبباً في هذا التصور وهذا القول. لذلك ينبغي أن يفقه الإنسان وخاصة الشاب أن أول الناس ببره وبخيره وبعلمه وبصلاحه هم أهله؛ لأن الناس إنما يخالطهم في فترات قصيرة، أما الأهل فإن الإنسان لا يستطيع أن ينفصل عن أهله، عن أبيه، عن أمه، عن زوجته، عن أبنائه، قد يكون مع زملائه في العمل، مع زملائه في الدراسة، ثم تتفرق بهم السبل، أما هؤلاء فإذا ما أصلح ما بينه وبينهم فإنه يبقى دائماً في نزاع وشقاق، ولاشك أيضاً أن هذا من أعظم البر، ومن أعظم إسداء المعروف للأهل.

стр. 491

التفاعل والبذل في سبيل الدعوة أذكر للإيجاز المشاركة التي جاءت في هذه المسألة؛ لأنها غنية عن التعليق، يقول الأخ: إن شباب الصحوة يعايشون صحوتهم، يبذلون جهدهم في نشرها، غير منتظرين أجراً من أحد، ولكن المثوبة من الله ، وعلامة صدق الباطن الانفعال الفردي للصحوة والدعوة، فمن أخلص لشيء أعطاه كل ما يملكه، فماله ووقته وجهده وفكرته وكل إمكاناته في خدمة الصحوة والدعوة، وتحت تصرفها، فهو يقدم صحوته على طعامه وشرابه، ويؤثرها على زوجته وأولاده، ويتصورها في يقظته ومنامه، ويبذل لها ماله؛ ليكسب لها الانتشار والبقاء، ويتألف بها الأعوان، ويتعب جسمه ليبلغ بها أبعد الأسباب في النجاح، ويعيش ليحمل هذا الأمر، لا ليكون هو محمولاً عندها، وعندها يصدق ظاهراً وباطناً. فكثير من الشباب يتحدثون في مثل هذه الأمور، لكنهم لا يتحركون في أعماق قلوبهم، ولا يتحركون كثيراً في واقع حياتهم، وهذا للأسف ربما من أثر الواقع العام في مجتمعاتنا العربية، كما يقولون: نحن قوم نجيد الكلام ولا نحسن العمل، وهذه تنعكس آثارها علينا.

стр. 492

تساؤلات ومقترحات وردت بعض التساؤلات عن بعض القضايا التي ذكرت فيما مضى، من ذلك استشهاد عائشة ﵂ بقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب يقول السائل: أليس هذا قولاً محذوراً فيه نوع من النقد والتذمر من الزمان؟ نقول: ليس هذا داخلاً في مثل هذا، بل هو نوع من ذكر فضيلة الزمن السابق، وما وقع من الخلل والخطأ في الزمن اللاحق، وليس فيه تمن للموت، ولا سب للدهر، وإنما هو وصف للحال، وفي الصحيح عند البخاري من حديث أنس ﵁ أنه قال ﵊: (ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه) فوصف الزمان بالشر أو بوقوع الفساد ليس محذوراً، بل هو من التنبيه على ما وقع فيه من خطأ وفساد. وأيضاً سائل سأل عن مسألة بعينها في النص الذي نقلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية من (اقتضاء الصراط المستقيم) فيما يتعلق بمسألة المولد النبوي، وقال: هل يفهم من الكلام أنه إقرار وإباحة؟ قلت فيما مضى في نص كلام الشيخ: إنه ليس له أصل مشروع، وهو مبتدع، لكن كان الاستدلال من كلام الشيخ أنه قد يكون فيه خير وهو بدعة، وكان الكلام أنه لا بد من إزالة البدعة وإحلال السنة، فإن لم يستطع فإزالة البدعة، وإخلاؤها من غيرها، يعني: أن يبقى الأصل من السنة والخير عامراً، أما إن اقتضى زوال الابتداع اليسير مع فوات الخير الكثير فهذا غير صحيح في مراعاة المصالح والمفاسد. فالمولد في ذاته غير مشروع، وليس له أصل من فعل النبي ﵊، ولا صحابته رضوان الله عليهم، ولا سلف الأمة، ولا أعلام الأئمة المعروفين، والمعتبرة أقوالهم. وأخيراً: هناك جملة من المقترحات فيما يتعلق ببعض الموضوعات في الدرس وغيرها، وأشير أيضاً أن بعض مشاركات الإخوة التي وردت ستكون إن شاء الله موضوعات مستقلة؛ فإن كثيراً من المشاركات جاءت حول موضوع القراءة وطلب العلم، وما هو الأولى فيها، وكيف الطريقة في طلب العلم، ومثل هذا إن شاء الله يكون موضوعاً مستقلاً. وكذلك بعض المطالبات والمشاركات سنفرز لها موضوعات إن شاء الله فيما يأتي. ونسأل الله جل وعلا أن يكون هذا الحوار وغيره خيراً ونفعاً وفائدةً، وأن يعيننا الله به على أنفسنا، وأن نتجرد فيه من ذواتنا، ومن أهوائنا، ومن حظوظ أنفسنا؛ لنكون أتبع لكتاب الله ولسنة نبينا محمد ﷺ . وبالنسبة لبقية الأسئلة سنفرد لبعضها مع ما مضى درساً ننتقي فيه بعض هذه الأسئلة المهمة؛ لأنه وردت أسئلة مهمة، لكن يضيق الوقت عنها، وسنجمعها ونصنفها مع بعض الأسئلة الماضية لتكون إن شاء الله في إجابات واحدة. نسأل الله التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 493

العاطفة والدعوة العاطفة جبلة بشرية جبل الله عليها البشر؛ فينبغي للمسلم أن يجعل عاطفته على وفق ما شرع الله ، فلا يتساهل فيها حتى تصير ضعفاً وجبناً، ولا يزيد فيها حتى تخرج عن حدها، وليكن متوسطاً فيها، فخير الأمور أوسطها.

стр. 494

أهمية العاطفة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: أيها الأخوة الكرام! (العاطفة والدعوة) هو عنوان الدرس الثالث والسبعين من هذه السلسلة من الدروس العامة، وينعقد في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر الله المحرم عام أربعة عشر وأربعمائة وألف للهجرة النبوية، وهذا الموضوع من الموضوعات التي رأيت أن كثيراً من شباب الصحوة وأجيال الدعوة يتحدثون عن بعض ظواهره، ويسألون عن بعض مشكلاته وعوارضه، فأحببت أن أطرقه طرقاً يحيط بأصوله من الناحية النظرية والفكرية، ويلم كذلك بمشكلاته من الناحية التطبيقية العملية.

стр. 495

العاطفة فريضة إسلامية الأمر الثاني: أن العاطفة فريضة إسلامية؛ وذلك أن الإيمان مهيمن لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يقبل منك أن تنطق باللسان، وليس هذا في حد ذاته كافياً في وصف الإيمان، فقد بين ذلك الله جل وعلا في شأن أهل النفاق فقال عنهم: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] ولا يكتفي منك أيضاً بمجرد الامتثال بالحركات والأعمال، فإن ذلك قد كان دأب المنافقين أيضاً؛ كما قال : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]؛ فإن الإيمان شرطه أن يستولي على القلب، وأن يضرب أوتاده في أعماق النفس، ولا يرضى إلا أن يكون حاكماً على كل إحساس وعلى كل شعور وعلى كل خفقة قلب، وعلى كل خلجة نفس، فلابد أن تحكم بهذا الإيمان؛ لأن الإيمان يغير الإنسان من داخله، فيغير مشاعره؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) فليس لك أن تحب كما شئت، أو أن تبغض كما شئت، أو أن توافق هوى نفسك، أو أسلوب تربيتك، بل إذا تغلغل الإيمان في قلبك وجدت هذه العواطف؛ ولذلك قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فهذا الحب المرتبط بالله والمحبة المتصلة برسول الله ﷺ ومحبة الأخوة الإيمانية بين أهل الإسلام كلها أمور إسلامية إيمانية من أخص خصائص هذا الدين ومن أعظم أركان هذا الإيمان، ولا يمكن أن نتصور إيماناً أو إسلاماً بدون تحققها الكامل، ولذلك ينبغي أن يعلم العبد المؤمن أن هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن باله مطلقاً. ونصوص الكتاب والسنة في أمر المحبة لله والمحبة لرسوله ﷺ كثيرة في هذا الباب ليس هذا مقام الاستطراد في ذكرها وسردها.
следующие страницы →