← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

التفاعل والبذل في سبيل الدعوة أذكر للإيجاز المشاركة التي جاءت في هذه المسألة؛ لأنها غنية عن التعليق، يقول الأخ: إن شباب الصحوة يعايشون صحوتهم، يبذلون جهدهم في نشرها، غير منتظرين أجراً من أحد، ولكن المثوبة من الله ، وعلامة صدق الباطن الانفعال الفردي للصحوة والدعوة، فمن أخلص لشيء أعطاه كل ما يملكه، فماله ووقته وجهده وفكرته وكل إمكاناته في خدمة الصحوة والدعوة، وتحت تصرفها، فهو يقدم صحوته على طعامه وشرابه، ويؤثرها على زوجته وأولاده، ويتصورها في يقظته ومنامه، ويبذل لها ماله؛ ليكسب لها الانتشار والبقاء، ويتألف بها الأعوان، ويتعب جسمه ليبلغ بها أبعد الأسباب في النجاح، ويعيش ليحمل هذا الأمر، لا ليكون هو محمولاً عندها، وعندها يصدق ظاهراً وباطناً. فكثير من الشباب يتحدثون في مثل هذه الأمور، لكنهم لا يتحركون في أعماق قلوبهم، ولا يتحركون كثيراً في واقع حياتهم، وهذا للأسف ربما من أثر الواقع العام في مجتمعاتنا العربية، كما يقولون: نحن قوم نجيد الكلام ولا نحسن العمل، وهذه تنعكس آثارها علينا.

стр. 492

تساؤلات ومقترحات وردت بعض التساؤلات عن بعض القضايا التي ذكرت فيما مضى، من ذلك استشهاد عائشة ﵂ بقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب يقول السائل: أليس هذا قولاً محذوراً فيه نوع من النقد والتذمر من الزمان؟ نقول: ليس هذا داخلاً في مثل هذا، بل هو نوع من ذكر فضيلة الزمن السابق، وما وقع من الخلل والخطأ في الزمن اللاحق، وليس فيه تمن للموت، ولا سب للدهر، وإنما هو وصف للحال، وفي الصحيح عند البخاري من حديث أنس ﵁ أنه قال ﵊: (ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه) فوصف الزمان بالشر أو بوقوع الفساد ليس محذوراً، بل هو من التنبيه على ما وقع فيه من خطأ وفساد. وأيضاً سائل سأل عن مسألة بعينها في النص الذي نقلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية من (اقتضاء الصراط المستقيم) فيما يتعلق بمسألة المولد النبوي، وقال: هل يفهم من الكلام أنه إقرار وإباحة؟ قلت فيما مضى في نص كلام الشيخ: إنه ليس له أصل مشروع، وهو مبتدع، لكن كان الاستدلال من كلام الشيخ أنه قد يكون فيه خير وهو بدعة، وكان الكلام أنه لا بد من إزالة البدعة وإحلال السنة، فإن لم يستطع فإزالة البدعة، وإخلاؤها من غيرها، يعني: أن يبقى الأصل من السنة والخير عامراً، أما إن اقتضى زوال الابتداع اليسير مع فوات الخير الكثير فهذا غير صحيح في مراعاة المصالح والمفاسد. فالمولد في ذاته غير مشروع، وليس له أصل من فعل النبي ﵊، ولا صحابته رضوان الله عليهم، ولا سلف الأمة، ولا أعلام الأئمة المعروفين، والمعتبرة أقوالهم. وأخيراً: هناك جملة من المقترحات فيما يتعلق ببعض الموضوعات في الدرس وغيرها، وأشير أيضاً أن بعض مشاركات الإخوة التي وردت ستكون إن شاء الله موضوعات مستقلة؛ فإن كثيراً من المشاركات جاءت حول موضوع القراءة وطلب العلم، وما هو الأولى فيها، وكيف الطريقة في طلب العلم، ومثل هذا إن شاء الله يكون موضوعاً مستقلاً. وكذلك بعض المطالبات والمشاركات سنفرز لها موضوعات إن شاء الله فيما يأتي. ونسأل الله جل وعلا أن يكون هذا الحوار وغيره خيراً ونفعاً وفائدةً، وأن يعيننا الله به على أنفسنا، وأن نتجرد فيه من ذواتنا، ومن أهوائنا، ومن حظوظ أنفسنا؛ لنكون أتبع لكتاب الله ولسنة نبينا محمد ﷺ . وبالنسبة لبقية الأسئلة سنفرد لبعضها مع ما مضى درساً ننتقي فيه بعض هذه الأسئلة المهمة؛ لأنه وردت أسئلة مهمة، لكن يضيق الوقت عنها، وسنجمعها ونصنفها مع بعض الأسئلة الماضية لتكون إن شاء الله في إجابات واحدة. نسأل الله التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 493

العاطفة والدعوة العاطفة جبلة بشرية جبل الله عليها البشر؛ فينبغي للمسلم أن يجعل عاطفته على وفق ما شرع الله ، فلا يتساهل فيها حتى تصير ضعفاً وجبناً، ولا يزيد فيها حتى تخرج عن حدها، وليكن متوسطاً فيها، فخير الأمور أوسطها.

стр. 494

أهمية العاطفة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: أيها الأخوة الكرام! (العاطفة والدعوة) هو عنوان الدرس الثالث والسبعين من هذه السلسلة من الدروس العامة، وينعقد في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر الله المحرم عام أربعة عشر وأربعمائة وألف للهجرة النبوية، وهذا الموضوع من الموضوعات التي رأيت أن كثيراً من شباب الصحوة وأجيال الدعوة يتحدثون عن بعض ظواهره، ويسألون عن بعض مشكلاته وعوارضه، فأحببت أن أطرقه طرقاً يحيط بأصوله من الناحية النظرية والفكرية، ويلم كذلك بمشكلاته من الناحية التطبيقية العملية.

стр. 495

العاطفة فريضة إسلامية الأمر الثاني: أن العاطفة فريضة إسلامية؛ وذلك أن الإيمان مهيمن لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يقبل منك أن تنطق باللسان، وليس هذا في حد ذاته كافياً في وصف الإيمان، فقد بين ذلك الله جل وعلا في شأن أهل النفاق فقال عنهم: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] ولا يكتفي منك أيضاً بمجرد الامتثال بالحركات والأعمال، فإن ذلك قد كان دأب المنافقين أيضاً؛ كما قال : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]؛ فإن الإيمان شرطه أن يستولي على القلب، وأن يضرب أوتاده في أعماق النفس، ولا يرضى إلا أن يكون حاكماً على كل إحساس وعلى كل شعور وعلى كل خفقة قلب، وعلى كل خلجة نفس، فلابد أن تحكم بهذا الإيمان؛ لأن الإيمان يغير الإنسان من داخله، فيغير مشاعره؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) فليس لك أن تحب كما شئت، أو أن تبغض كما شئت، أو أن توافق هوى نفسك، أو أسلوب تربيتك، بل إذا تغلغل الإيمان في قلبك وجدت هذه العواطف؛ ولذلك قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فهذا الحب المرتبط بالله والمحبة المتصلة برسول الله ﷺ ومحبة الأخوة الإيمانية بين أهل الإسلام كلها أمور إسلامية إيمانية من أخص خصائص هذا الدين ومن أعظم أركان هذا الإيمان، ولا يمكن أن نتصور إيماناً أو إسلاماً بدون تحققها الكامل، ولذلك ينبغي أن يعلم العبد المؤمن أن هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن باله مطلقاً. ونصوص الكتاب والسنة في أمر المحبة لله والمحبة لرسوله ﷺ كثيرة في هذا الباب ليس هذا مقام الاستطراد في ذكرها وسردها.

стр. 496

العاطفة فطرة بشرية أهمية العاطفة تتضح من خلال أمرين اثنين: الأول منهما: أن العاطفة فطرة بشرية، والله هو الذي خلق الإنسان وهو العليم به، كما قال جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وكما قال : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]؛ فإنه جل وعلا قد خلق الإنسان قبضة من طين، ونفخةً من روح، وجعل له عقلاً يفكر وعاطفةً تؤثر، وبين عقله وعاطفته أنزل له شرعاًَ يوجه العقل لئلا يشذ، ويحكم العاطفة لئلا تند، وبالتالي فإن طبيعة الإنسان وخصيصته البشرية أن العاطفة جزء أساسي فيه، بل جزء مميز له، فإن الإنسان في حقيقة الأمر مجموعة من العواطف، وكتلة من المشاعر؛ عنده حب متدفق، وقد يعتريه أحياناً بغض لا حد لمنتهاه في الانتصار للنفس، أو في تدبير الكيد لذلك المبغض، وكذلك عنده راحة وطمأنينة، ويعتيره قلق وهمّ، وأحياناً يكون في صورة من الأنس والانشراح، وأحياناً في وقت من التبرم والضيق، وكل هذا نوع من آثار أو صور العاطفة في نفس الإنسان. والحق بأن الإنسان بلا عاطفة كجثة هامدة؛ لأن العضلات والجوارح والمفاصل في الجسم البشري ليست هي التي تعبر عن كنه الإنسان بقدر ما يعبر عنه عقله وعاطفته، لذلك نعرف اليوم بما يسمى بالرجل الآلي أو ما يطلقون عليه الكمبيوتر أو العقل الإلكتروني، فهذا إن تجاوزنا أنه عقل مفكر بهذه التسمية على إقرارنا لها إلا أننا لا نصف هذه الأشياء بأن لها عاطفة، بل هي عقل صرف إن تجاوزنا عن حقيقة العقل الذي يفكر ويغير وليس هو مقيداً تقييداً كاملاً، فالإنسان بلا عاطفة -كما يقولون- كأنه حجر أو كأن قلبه من صخر لا يتأثر، يرى الفواجع فلا يهتز له جسم ولا يخفق له قلب، ويرى المباهج والمناظر الجميلة فلا تفتر شفتاه عن ابتسامة، ولا تجد في عينيه بريق سعادة، إن هذا في حقيقة الأمر كتلة من صخر أو إسمنت ليس فيه أية مشاعر؛ ولذلك قال بعض الأدباء -مع التجاوز عن بعض ما في هذه الكلمة-: (من لم يطربه خرير المياه في الأنهار وحفيف الأشجار فليبك على نفسه؛ فإنه -كما يقولون- حمار. يعني: منعدم المشاعر والأحاسيس. والعاطفة أصلاً هي جزء رئيسي من تكوين الإنسان، وفطرة وجبلةٌ مما جبله الله عليها.

стр. 497

بعض الآثار الإيجابية للعواطف وإذا عرفنا أن العاطفة في أصلها فطرة بشريه وفريضة إسلامية، فلنذكر الآثار الإيجابية للعواطف، أي: ليس على سبيل التفصيل على واقع الأعيان، وإنما في الجملة:

стр. 498

الارتباط والتعلق بالمحبوب الخامس: الارتباط والتعلق: وهذا من أظهر آثار العواطف؛ فإنك إن أحببت الله ارتبطت به، وتعلقت في شأن النبي ﵊ وإخوانك المؤمنين، وشعائر هذا الدين، والارتباط والتعلق أمره بين لا يخفى على أحد، كما قال المحبون من قبل: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار ولذلك وقفوا على الأطلال، ووصفوا الخيام والجمال، وكل ذلك من أثر ذلك التعلق والارتباط، وكما قال قائلهم أيضاً: فلو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياها لقال غبارٌ من تراب نعالها أحب لنفسي وأشفى لبلواها أي: كل شيء يذكر بذلك المحبوب ويصل به يكون به أُنس النفس وقرة العين. وتأمل حديث النبي ﷺ : (حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) فإن الأول هو الفطرة البشرية التي جاء بها هذا الدين، فليس هناك ترهبن ولا تبتل ولا انقطاع عن ملذات الحياة العادية البشرية، والثاني هو أن هناك محبة أسمى وهي التي يتحقق فيها الارتباط بالله ، ولذلك كان يقول ﵊: (أرحنا بها يا بلال). العاطفة المتدفقة تربط كل شيء يذكرها بالمحبوب وكل أمر يربطها به وكل سبب يعلقها به ويجعلها لا تنساه مطلقاً، ولذلك كان للذكر أثر في طمأنينة القلب، وحلاوته في النفس، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره ولم ينسه مطلقاً، حتى إذا رأى الرؤيا في منامه فإذا به يراها متعلقة بهذا الأمر، فإذا أصابه مرض وصار يهذي بما لا يعرف إذا بهذيانه لا يذكر إلا المحب أو الحبيب الذي لا ينساه مطلقاً، ولذلك تجد هذه الآثار واضحة قوية، ولها أمثلة في جانب الخير وأمثلة في جانب الشهوة العادية، أو المتجاوزة للحد، وإن كان كثير من العلماء من أمثال ابن القيم وغيره جعلوا بعض أبيات المحبة التي ذكرها العشاق في المعاني الإيمانية في الصلة بين العبد وربه، واستشهدوا بهذه الأبيات في معاني المحبة الإيمانية بفروعها المختلفة، ولذلك كل هذه الآثار لها شواهدها في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وفي حياة صدر الأمة عندما كان عندهم بذل وتضحية في سبيل هذا الدين، كما قال الشاعر: كنا نقدم للسيوف صدورنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها أزهارا لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ندعو جهاراً لا إله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقدارا ورءوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا لقد كان هذا الحب الإيماني نصرةً وتضحية وبذلاً لهذا الدين، وكان هناك التعلق أيضاً كما جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ رآه مرةً وقد تغير لونه، فقال له: (ما بك يا ثوبان؟! فقال يا رسول الله! ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف ألا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أرآك أبداً، فنزل قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩])، ولذا قال النبي ﷺ : (المرء مع من أحب) وهذا كله دليل وشاهد على صدق تلك المحبة الإيمانية، كما وقع من خبيب بن عدي ﵃ لما جيء به ليقتل أو ليصلب فقيل له: أتحب أن محمداً ﷺ مكانك؟ قال: (والله! ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ وأني جالس في أهلي) فقال أبو سفيان -وكان في ذلك الوقت على الكفر-: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. هذه هي العاطفة الصادقة إذا سارت في المشارب الإيمانية والمناهج الإسلامية.

стр. 499

الرضا والقبول بشرع الله الأمر الثالث: الرضا والقبول بما يأتي من المحبوب: فإنك إن أحببت الله رضيت بقضائه وقدرة، وإن أحببت الله رضيت بأن تمتثل أمره، وأن تجتنب نهيه، وإن أحببت النبي ﷺ قبلت منه كل هدي وإرشاد، وإن أحببت إخوانك المسلمين أفسحت لهم في قلبك، وأعطيتهم من خلاصة مهجتك ومشاعرك ولطفك ولينك وسماحتك ورزقك، وإذا تحقق ذلك قبلت منهم ورضيت منهم بما قد يقع من تقصير، وغضضت الطرف عن بعض هفواتهم، وتجازوت عن بعض ما نبا من كلماتهم وغير ذلك من الأمور. واستمع إلى قصة يوسف ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] ولما كان السجن هو الذي يقيد الحرية ولا تقبل به النفس البشرية كان محبوباً عنده؛ لأن فيه العصمة عما حرم الله ؛ ولأن فيه المهرب من المعاصي إلى الطاعات ومن الخلطة الفاسدة إلى الخلوة الصالحة مع الله ، فلما كان الأمر كذلك: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣]. ونحن نسمع أيضاً في مجال الحب المعروف المشهور أن كل شيء في حبك يهون، وغير ذلك من العبارات التي نحفظها ونعرفها ويقولون له: قد أساء إليك، ويقول: كل إساءة منه مقبولة، قد أعرض عنك، فيقول: ذاك صد الإغراء لا صد الإعراض، وكلما قيل له أمر رضي به وأحسن له التبرير والتماس العذر، فأحرى بك أن تكون مشاعرك إيمانية إسلامية وترضى وتقبل على هذا الأساس المحبة والعاطفة وفق الضوابط الشرعية.

стр. 500

الصبر والثبات الرابع: الصبر والثبات: فكم تجد من تغلغل الحب في قلبه عنده من الصبر والثبات على أمره وعلى ما أحب من دينه وإيمانه ما لا يمكن أن يتنازل عنه أو أن ينكص على عقبيه أو يرتد على أدباره بعد إذ ذاق حلاوة الإيمان وارتبط بأخوة الإسلام، ولذلك كان بلال وخباب وغيرهما يلقون ما يلقون لا يصدهم ذلك عن دين الله، ولو لم يكن لهم ذلك التعلق القلبي لما ثبتوا ولما كانت لهم هذه الصور من الصبر الجميل الذي ثبتهم الله به؛ لأن القناعة الفكرية لا تكفي، فقد تكون مقتنعاً بأمر ما فكرياً لكنك إذا اضطهدت في سبيله من الممكن أن تغير فكرتك أو أن تتنازل عنها أو أن تساوم فيها، لكن إذا خلصت الفكرة من العقل إلى القلب وامتزجت بالمشاعر، فإنه من الصعب أن يكون هناك تنازل عنها بل صبر وثبات عليها.

стр. 501

البذل والتضحية الأمر الثاني: البذل والتضحية: فإن من أعظم آثار العاطفة البذل والتضحية لمن خفق قلبك له بالحب، فإن أحببت الله وأحببت رسوله ﷺ وأحببت هذا الدين فإنك تبذل وتضحي في سبيل هذا الذي أحببته. ونحن نعلم أن العاطفة أمر مشترك؛ فإذا وجهتها وجهةً صحيحة نلت الأجر والخير، وتدفقت عاطفتك في المجال الصحيح، وإلا فإن هذه العواطف أيضاً لها مشارب شيطانية أو شهوانية تسلك بها في غير ما أراد الله لها، فاستمع على سبيل المثال إلى خالد بن الوليد رضي الله وهو يقول: (ما ليلة تهدى إلي فيها عروس أحب إلي من ليلة شديد بردها ألقى فيها العدو فأقاتلهم في سبيل الله . إذاً: هذه المحبة دفعته إلى أن يجد لذته في ذلك البذل وتلك التضحية وتحقيق قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. وهذا البذل هو الذي ظهر في صورة حياة أصحاب محمد ﷺ ، فذاك أنس بن النضر ﵁ يقول: (واها لريح الجنة؛ إني لأجد ريحها دون أحد). والصور في ذلك كثيرة، والصور غير الإيمانية أيضاً كثيرة نراها في حياتنا وفي تاريخ البشرية عموماً؛ ألم نسمع عن المحبين الذين بذلوا أموالهم وتركوا وظائفهم واستهانوا بجاههم كله بذلاً وتضحيةً لمن يحبون؟

стр. 502

قوة التأثير أولاً: قوة التأثير: إن الكلمة وحدها مهما كان لها من شواهد وأدلة، ومهما كان لها من رصف وتنسيق لا تؤدي قوتها ما لم يكن ورائها قلب متحرق ونفس متحمسة يشعر الإنسان بنبض هذه المشاعر في كل حرف من هذه الحروف، فإذا كانت الكلمة حماسية كأنها لهب يتفجر، وإذا كانت الكلمة وعظية كأنها غيث يصيب أرضاً جدباء فيحييها من جديد، ويورق منها ما كان قد غارت عنه مياه الحياة. وإذا تأملت في بعض الأمثلة والمواقف من سيرة النبي ﷺ تجد هذه الصورة بينة واضحة، فقد وصُف ﵊ بأنه إذا خطب كأنه منذر جيش؛ حيث كان يحمر وجهه ﵊، ويظهر أثر انفعاله في هذه الكلمات، وكما في حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا) إذاً: لم تكن تلك الكلمات تأثيرها بمجرد العلم؛ فإن كثيراً من العلم إذا فقد العاطفة لا يؤدي أي تأثير وإلا لكان اتصال الإنسان بالكتب كافياً في أن يقوم سلوكه، وفي أن يوقظ حماسه وهمته نحو الخير والصلاح. وكذلك انظر إلى الموقف الذي كان في يوم حنين، فلما قسم النبي ﷺ الغنائم بين مسلمة الفتح والمؤلفة قلوبهم، ولم يقسم للأنصار رضوان الله عليهم، وجدوا في نفوسهم موجدةً، وقالوا: قد لقي محمد ﷺ أهله وعشيرته. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ جاء إليهم وقال: (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها علي؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ ثم قال لهم: حدثوني بما عندكم قال في آخر الحديث: فبكوا حتى أخضلت لحاهم من الدموع) إذاً: للكلمة سر في العاطفة التي وراءها، وفي القلب الذي يخفق بمعانيه قبل أن ينطق اللسان بكلماتها وحروفها.

стр. 503

أهمية ارتباط العاطفة بالعقل والشرع وعندما نعرف هذه الآثار ينبغي أن ندرك أن العاطفة ينبغي أن يكون لها توجه أو تأثر بأمرين اثنين: العقل، ومن قبله الشرع، فلا بد أن نعرف أمر العاطفة بين الشرع والعقل. إذاً: العاطفة لابد أن تكون مضبوطة بضابط الشرع، فلا حب لمجرد الشكل والمظهر واللون، أو لمجرد الألفة والميل، بل بموجب الأخوة الإيمانية وما سلف أن ذكرناه، والعقل كذلك قد يحتاج أن يحكم العاطفة؛ إذ العقل هو الذي يتلقى الشرع، ويقبل به، ويسلم له، ويكون أقدر على ترجيح المصلحة من العاطفة؛ ولذلك لابد أن تُحكم نزوات العواطف بنظرات العقول. والعقل وحده لا يكون كافياً أيضاً في تفسير الأمور، وإذا أردنا أن نمثل فإننا نقول: للعقل القيادة، وللعاطفة الحيوية، فإنك لو تصورت قافلة فلابد أن يكون العقل هو قائدها، ولكن لابد له من حادٍ يحدو بها في الطريق؛ ليزيل عنها أثر عناء السفر، وليهيج عاطفتها نحو المسير، كما قال الشاعر: إذا نحن أدلجنا وكنت أمامنا كفى لمطايانا بذكراك حاديا فمثل هذا يهيج، ولذلك كان النبي ﷺ يجعل أنجشه يحدو بالإبل، فإذا بها تتأثر بذلك الصوت الشجي، وتسرع وتتحرك، فيقول النبي ﵊ عندها خوفاً من تأثير ذلك الصوت: (رفقاً بالقوارير يا أنجشه!)، هذا كله يفيدنا أن الأمر متوزع؛ فعقل مستقل متجرد عن العاطفة نتيجته قسوة وغلظة وعاطفة منفلتةٌ عن ضابط العقل وخفة وطيش، وكأنما هي طفل صغير تعطيه الأعطية فيضحك، وتمنعه منها فيغضب، وقد تكون الأعطية فيها حتفه، وقد يكون في منعها مصلحته ونفعه، ولكنه لا يميز بعقله، ولذلك يغلب على الطفل أنه مندفع مع عاطفته ببراءة كاملة، وتغلب المرأة عاطفتها أيضاً في مواطن كثيرة، فلا يكون عقلها أحكم لتلك العاطفة ولا أضبط لها. ولذلك في مسألة هذه العاطفة والعقل يقول ابن القيم رحمة الله عليه: إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له. يعني: إذا كان الجسم دولة، وهناك حكومة للدولة، وهناك انقلاب يقع بين العقل والعاطفة، فيقول: إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له. أي: عاد هو مستقلاً عن تأثر الهوى والعاطفة، أما إذا خضع العقل لسلطان الهوى والعاطفة فإنه يعود أسيراً لها، وتكون هي موجهة ومتحكمة في مساره، ولذلك تجد من يسمونه ويقولون عنه: إنسان عاطفي، أي: إنه ليس عنده إلا هذا القلب الذي يخفق محبة وميلاً وليناً إلى آخره، وليس عنده تلك القوة العقلية التي يبرز أثرها حتى تضبط مثل هذه الأمور.

стр. 504

بعض خصائص العواطف وأنتقل أيضاً إلى نقطة مهمة متعلقة بخصائص العواطف، وهي: قضية نمهد فيها لما يأتي من أمر الصلة المباشرة في صورة عملية بين العاطفة وممارسات دعوية: أول هذه الخصائص: أن العاطفة موجهة، بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إني أُحب فلاناً أو أحب شيئاً؛ ولكنني لن أتأثر أو لن تؤثر فيَّ هذه العاطفة، كلا! فطبيعة العاطفة أنها توجه، وأنها تدفع، وأنها تمنع، فليست هي قاصرة لمجرد الصورة الانطباعية، بل هي ذات تأثير موجه ومحرك. الأمر الثاني وهو أخطر هذه الخصائص: أن العاطفة تتأثر بالظروف، أي بالزمان وبالمكان وبالأحوال حال الشخص وحال الآخرين من حوله، فقد ترى إنساناً متعلقاً بآخر متصلاً به محباً له، ثم لا يلبث بعد حادثةٍ أو ظرف أن ينقلب رأساً على عقب، وينقلب الاتصال إلى انقطاع، والمحبة إلى بغضاء، وترى صورة تذكرك قول النبي ﷺ : (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ولذلك من الصعب ضبط هذه العواطف وتربيتها، فليست هي قضية سهلة؛ لأنها متقلبة متأثرة. والأمر الثالث الناتج عن التأثر والتقلب: أنك لا تستطيع أن تثق بعاطفة بمجرد كونها عاطفة ما لم تضبط بالشرع والعقل، فلا يمكن أن تثق بعاطفة؛ لأن العواطف تكون بحكم هذه المؤثرات، فلا يكون للعاطفة استقرار ودوام إلا إذا بُنيت على أساس عقلي، واستندت إلى أحكام ونصوص وأدلة شرعية، فالعاطفة التي لا تسند إلى شرع ولا تكون منضبطة انضباط عقلٍ مستندٍ إلى شرع لا يمكن أن تكون ثابتة، بل طبيعتها التقلب الذي لا يمكن معه أن تطمئن أو أن يكون هناك تلك العلاقات التي يبنى عليها كثير من الأعمال.

стр. 505

حقيقة العاطفة ومقدارها وأخيراً: العاطفة مجهولة لا يعرف كنهها ولا يمكن تقديرها، فلا يمكن أن تقول: إني أحب فلاناً بمقدار نصف كيلو والآخر بمقدار كيلو، ولا يمكن أن تضبط المشاعر بموازين محسوسة، فهي أمر -كما قد يعبر عنه- هلامي، وهذه الجهالة هي سر من أسرار خفائها وصعوبة التعامل معها، فإن لم يكن لنا رجوع إلى الأحكام الشرعية فإن أمر العاطفة يبقى ليس له ضابط، وكما يقولون: ليس لها خطام ولا زمام، ومن هنا جاء أمر خطير، وهو استغلال العواطف. ومن أثر معرفة تقلبها: لماذا يغزونا أعداؤنا أو يؤثرون على وجه الخصوص في شبابنا بهذه العواطف، يلهبونها فتتحمس، ويغرونها فتتقدم؟ ولذلك تجد التأثير السلبي والاستغلال الرخيص لهذه العواطف عبر الصورة المتحركة في التمثيلية أو الفلم، وعبر الكلمة المهيجة في المواقف العاطفية كما يسمونها أو في الأغاني العاطفية وغير ذلك، وترى ذلك في القصص الذي يسمونه أيضاً قصصاً عاطفياً، كل ذلك تجد له استلاباً للعواطف الشبابية عموماً، وعواطف الفتيات على وجه الخصوص، فتجد بعض أولئك لا يتحرك إلا من خلال ذلك التأثير بهذه العواطف.

стр. 506

بعض العوامل المؤثرة على العاطفة ثم تنتقل أيضاً إلى صور أخرى أكثر في التأثير على العواطف من خلال ما يسمى بتحرير المرأة وتبرجها، ومن خلال الأمر الآخر الأخطر وهو الاختلاط، وكل ذلك ما هو إلا استغلال لهذه العواطف، ولذلك تجد كثيراً من هذه البيئات والشباب والشابات تسلط عليهم هذه العواطف وليس عندهم تربية إيمانية ولا توجيه إسلامي، فتجد أن هذه العاطفة ليست فقط تبعدهم عن الدين، بل تدمر حتى حياتهم ومستقبلهم، فتضيع -على سبيل المثال- مستقبلهم الدراسي، وتهدد مستقبلهم الوظيفي، وتقوض بنيانهم الاجتماعي، وكل ذلك كان سببه الانجراف وراء تلك العواطف عندما أُشعل سُعار الإغراء بها. وكثير من المجتمعات تصبح وتمسي وهي تخاطب بنداء الغريزة وتهييج العواطف المتعلقة بالجنس والحب والغرام والهيام، وهذا أيضاً مكمن خطر ينبغي أن نعرف أن له صلة بالدعوة، ومعنى هذا: أن هذه العواطف لابد أن نعرف كيف عالجها وضبطها وأحكم توجيهها الإسلام؛ لأننا لا يمكن أن نعاتب الناس هكذا، ولا يمكن أن نقول: هناك شباب ليس لهم همُُّ إلا الحب والغرام، فنعتب عليهم، ونشجب منهم ذلك دون أن نعرف حقائق الأمور وطبيعة النفس البشرية، فالحب والعاطفة أمر فطري. وثق تماماً أن أهل العلم والإيمان قد تكلموا في ذلك بما يبين أن أصل هذا الأمر قد لا يكون للمرء فيه خيار، وقضية ما يسمى بالحب من أول نظرة أو عبر الكلمة هو أمر أيضاً فطري قد يقع في كثير من الصور والأحوال، وقد ذكر ذلك ابن القيم في بعض كتبه وفي كتاب أخرجه لمثل هذه الأحوال. وأقول: هذه كلها لابد أن نعرف أن لها آثاراً، لابد أن نعرف أن للصورة الحسنة آثارها، وللكلمة اللينة أثرها، وأن نعرف أن لكل عمل وأسلوب في التعامل تأثيره، فكيف يمكن أن تعتب دون أن تعالج؟ لو نظرت -على سبيل المثال في إيجاز سريع- إلى أحكام هذا الأمر في شأن هذه العاطفة على وجه الخصوص لرأيت أن هذا الدين العظيم قد منع الوسائل المفضية إلى إثارة الشهوة والغريزة وإلى تحريك هذه العاطفة دون أن يكون لها مسارها الصحيح، فالنظر قال فيه : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، والسمع قال فيه سبحانه: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. والخلوة قال فيها ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، والشم قال فيه ﷺ : (أيما امرأة خرجت متعطرة ليجد ريحها فهي زانية)، وفي بعض الروايات: (تلعنها الملائكة حتى ترجع)، كل ذلك معرفة بطبيعة النفس البشرية، وأن هذا يؤثر فيها، كما قال بشار: يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقةٌ والأذن تعشق قبل العين أحياناً وكثيرة هي الصور التي تؤثر في هذا الجانب، ونحن ربما نعتب دون أن نعرف حقيقة هذه العواطف، فكيف يمكن لنا أن نتعامل مع شباب في ثورة الشباب؟ وكيف نريد أن ندعوهم وأن نوجههم دون أن نعرف الفطرة البشرية والمؤثرات التي فيها، وأن نحكم التعامل معها؟ فإن مجرد الإنكار لها والغض منها أو الهجوم عليها ليس كافياً في علاجها، بل ربما كان مؤدياً إلى مزيد استحكامها وقوة تأثيرها. لنعلم أيضاً في هذا الصدد أن العواطف هي حركة الحياة، ومن ذلك أن العاطفة أو العواطف باعث على الحركة والعمل، فالإنسان يحب الامتلاك، ويحب أن يكون مؤثراً، وأن يكون له وجود في التغيير الفاعل في حركة الحياة من حوله، ولولا مثل هذه العاطفة لكان الناس ميتين خامدين لا يتحركون إلى عمل ولا إلى منقبة، بل يمكن أن يكونوا أمواتاً في صورة أحياء، والعاطفة هي التي توجد هذا الأمر.

стр. 507

العاطفة باعثة على العلاقة والصلة بين الداعية والمدعو ثم هناك أمر مهم آخر وهو: أن العاطفة باعث على العلاقة والصلة، ولو لم تكن هناك عاطفة لما كان هناك توجه الرجل للمرأة في تكوين أسرة، ولما وجدت تلك الشفقة والرحمة من الآباء والأمهات تجاه الأبناء، ولما وجدت عاطفة التقدير والاحترام من الأبناء تجاه الآباء والأمهات، ولما وجدت عواطف الصلات والمودة بين الناس التي تحكم لحمة الروابط بين المجتمع عموماً بغض النظر عن الناحية الإسلامية التي تزيدها قوة ورسوخاً وإحكاماً وتمكناً، وتعصمها من الخطأ والزلل التي تقع فيه العواصف بمجردها أو بمفردها.

стр. 508

أسباب الخلل والنقص والتجاوز في العاطفة عند الداعية ولكن الصورة التي فيها بعض الخلل أو النقص أو التجاوز هي التي يذكرها بعض الشباب، وهي أنها لها صور معينه أذكر بعضاً منها، وأشير إلى أسباب هذه الصورة: أولاً: التعلق الزائد عن الحد؛ فإن المحبة الفطرية أمر طبعي لا اعتراض عليه، ولكن عدم التيقظ قد يجعلها تزيد إلى أن تكون محبةً عاطفية بحتة، مثل محبة المحبين والعشاق. ثانياً: الخلطة الزائدة؛ فبعض الناس أو بعض الشباب بحكم الدعوة لا يكاد يصبح ولا يمسي إلا وهو مع هذا المدعو؛ بحجة أن يقوم سلوكه أو يدعوه، وقد ذكرت في الأسس المنهجية أن منها: الاستقلالية لا التبعية، الحديث أن من الخطأ أن نكون مثل اللصقة التي لا تنفصم عن الجسم ليلاً ونهاراً، صبحاً ومساءً، فإذا غبنا عنه اتصلنا به، وإذا سافرنا اتصلنا به اتصالاً كأنا لا يمكن أن ننفصل عنه، فهذه الخلطة الزائدة أيضاً سبب من أسباب وجود تلك العلاقة التي قد يكون فيها مآخذ. ثالثاً: عدم وضوح الهدف وقوة التربية عند الداعية؛ فإن هدفك من صلتك بكل إنسان هو هدف إنساني ترجو فيه الأجر لنفسك والخير لغيرك، فإن غاب عنك هذا الهدف تكون كحال الصياد الذي ذهب أن يصيد في البحر وهو يعلم أن هذا مصدر رزقه لكنه عندما ذهب أعجبته زرقة مياه البحر وانكسار الأمواج وانعكاس الشمس في غروبها وظلال الأشجار فجعل ينظر إلى هذه المناظر الجميلة، ويأنس بها، وربما يكتب الأشعار، ويدبج المقالات، ونسي الهدف الذي ذهب لأجله. وهكذا قد ينصرف الداعية -سيما إذا كان في مقتبل العمر وأول الشباب- إلى لطافة وظرف وحسن هيئة وتأنق عند المدعو، فإذا به يعجب بهذا، وينسى ذلك الهدف الذي كان أساس تلك الصلة، ويلحق بذلك عدم قوة التربية في الداعية، بمعنى: أنه ليس عنده التربية التي تجعله يضبط عواطفه، ويعرف كيف يقوم ويسوس الأمور. النقطة الرابعة: النواحي المادية الصرفة، وهذا أمر لابد أن نعرفه بوضوح وجلاء؛ فإن بعض التعلق قد يكون لما عند ذلك المدعو من مال، أو جاه، أو كذلك لما عنده من هيئة حسنة، ولا نعجب من ذلك؛ فإن سلف الأمة قد تكلموا في مسائل قد نعجب منها، أو قد يراها البعض بعيدة عن التصور، أو قد يظنها البعض منطوية على بعض التشدد، وليس من ذلك شيء، إنما هو معرفتهم الصحيحة بطبيعة النفس البشرية عندما كان العلماء يتحدثون -على سبيل المثال- عن الاختلاط أو النظر للأمرد أو كيف يكون جلوسه في مجلس العلم، أو غير ذلك مما ورد من الآثار في شأن وتصرفات سلف الأمة وبعض العلماء، مما يدل على أن الناحية المادية في الشكل والمعنى والمضمون لها أثرها؛ فينبغي للمرء ألا يغفل هذا.

стр. 509

بعض الأمارات التي تدل على فساد العاطفة عند الداعية تجاه المدعو وقد يسأل الشاب ويقول: كيف أميز علاقتي بالمدعو حتى أعرف إن كانت في المسار أو خرجت عن الإطار؟ فأقول: هناك بعض الملامح لعلك إن سألت نفسك عنها وصارحت نفسك بها وجدت الحل الذي يجعلك تنبته إن كنت قد وقعت في بعض الخطأ: أولاً: مدى لزوم استمرار الصلة، فما مدى ما في نفسك من لزوم استمرار الصلة؟ وهل أنت ترى أنه لابد ألا يمر يوم إلا وتراه، وألا تمر ساعة إلا وتتصل به، وألا يكون لك غرض في أن تذهب إلى مكان إلا وتصطحبه وترافقه؟ إذا كان هذا متأصلاً بقوة فاعلم أن هذا مظهر من المظاهر التي قد تعطي مؤشراً للتنبيه من الخطر. ثانياً: عدم النصح في الأخطاء، وهذا معلم بارز، فعندما يخطئ هذا المدعو فالأصل أنك تنصحه، ولا أقول لك: أغلظ له في القول، ولا أقول لك: كن عنيفاً معه، لكن إذا لم تنصح لا تصريحاً ولا تلميحاً ولا بالحكمة ولا بالأسلوب الحسن، بل كان همك أو ديدنك غض الطرف فاعلم أنك قد وافقته في هواه، وأنك قد تغلغل بعض الحب في قلبك، فلم تعد تريد أن تغضبه، أو أن تكسر خاطره، أو أن تجرح مشاعره، أو أن تخالفه في رأي أو قول، فإذا أردت أن تذهب للنزهة في مكان وقال هو مكان آخر قد يكون فيه ما فيه فإنك لا تعارضه في ذلك. ثالثاً: التبرير لكل خطأ أو لكل نقدٍ قد تسمعه من غيرك، إذ لا تكتفي بمجرد إقرارك بأخطائه، بل يقولون لك: إن فلاناً فيه اعتزاز بنفسه أو غرور، فتقول: لا؛ إن الله جميل يحب الجمال، ويقولون لك: إنه يفعل كذا وكذا، فتقول: إن طبيعة بيئته أو ظرفه كذا وكذا، فأنت هنا أيضاً تبرر أموراً كثيرة، ولا بأس أن تلتمس لأخيك الأعذار، لكن كثرة التبرير ودوامه مؤشر من هذه المؤشرات. رابعاً: التأثر بالغيرة من الآخرين، فإنك إن رأيته صحب فلاناً انقبضت نفسك، وإن رأيته كان متأثراً أو معجباً أو مشيداً أو مادحاً بفلان لعلمه أو لحسن بلاغته أو لقوة تأثيره رأيت أن ذلك يشعرك ببعض الضيق أو التضرر، فاعلم أن هذه المؤشرات والصور كلها دلالات على أن المسار قد خرج عن الإطار المطلوب، فاضبط عاطفتك بضابط الشرع، ونظمها وقومها بالعقل الذي تخطط فيه لهذه الدعوة مع هذا المدعو، فتحكم في الأمر، وقل: سأفعل معه كذا، وسأعطيه كذا، وسأسأله عن كذا، وسأعالج فيه أمر كذا من خلال كذا وكذا، ولا تترك الأمر هكذا عبثاً ومجالس فيها ضحك وكلام ينتج عنها مثل هذه المواقف.

стр. 510

عاطفة المحبة بين الداعية والمدعو ثم أنتقل إلى لب هذا الموضوع وهو الذي يتعلق بصور من العواطف وصلتها بالممارسات الدعوية، وربما تنقلب العواطف إلى عواصف أو إلى قواصف في بعض الأحوال. وسوف أتحدث عن عاطفة المحبة على وجه الخصوص في الصلة بين الداعية والمدعو، فنحن نعلم أن المحبة ابتداءً أمر إسلامي إيماني بحيث لابد أن يحب المرء أخاه، ولا شك أنه إذا اتصل بآخر ليوجهه وينصحه ويدعوه إلى الخير فإنه سيكون بينهما ارتباط واتصال أكثر، وهذا يعني أن تكون محبته له أعظم وأكبر، وهذا أيضاً أمر مسلم به. ونحن نعلم أيضاً أن لهذه المحبة عندما تفيض في السلوك والتعامل مع المدعو أعظم الأثر في استمالة قلبه وإقناع عقله وتأثره بالداعية كقدوة يقتدي به في كثير من أحواله وسلوكياته. ونعلم أيضاً أن لهذه العاطفة ولهذه المحبة ما يعين على أن تتقوم نفس المدعو تقويماً عاطفياً، فتتهذب نفسه، ويُكِن الخير للآخرين، ويضمر المحبة، ويلتمس العذر، ويُحسن الظن، فهذه كلها من الآثار الإيجابية للتعامل الأخوي الذي تسوده المحبة الإيمانية والأخوة في الله ، ولكن هناك ما قد نسميه تجاوزاً للحد أو زيادةً عن القدر المطلوب، وهذا لمسته في بعض الأسئلة التي يذكرها الشباب، فيأتي أحدهم ويقول: إن لي صلةً بفلان من الناس أو بأخٍ لي أو بجار، وأدعوه إلى الخير، ولكنني أشعر أن هذه الصلة ليست هي الصلة المطلوبة في الأخوة في الله، وأشعر أن هناك أمراً آخر ليس مندرجاً في هذا الإطار أو تحت هذا العنوان، وقد يجد الإنسان لهذا صوراً أذكر بعضها، لكنني أحب أن أشير أولاً إلى أن وجود المحبة العاطفية البحتة مع الأخوة الإيمانية ليس أمراً معيباً ولا معترضاً عليه؛ فإننا عندما نقول -على سبيل المثال-: إن أصدق وأعظم وأكبر محبة هي الاتباع للنبي ﵊، فلا يعني ذلك: أن نتبعه متجردين من عاطفة الحب، فالمحبة الصادقة أننا لسنا نتبعه ﵊ لمجرد الأمر والنهي، بل هذا أصدق أنواع الإتباع، ونؤيده ونجعل له استمراريته وحيويته وقوته أن قلوبنا تخفق بالمحبة الخالصة العاطفية له ﵊؛ لما له من عظيم الخلال وكريم السجايا والمنزلة العالية عند الله والنعمة والفضل الذي أسداه لهذه الأمة ولكل فرد منها، وذلك عندما تريد من خلال هذه الأخوة أن توجه وأن تنصح فإنك لا يمكن أن تنفصل عن المحبة العادية الفطرية، بل هي قرينة لهذا.

стр. 511

عاطفة الحماسة وأثرها على الدعوة العاطفة الثانية وهي ذات خطب عظيم وكبير وهي: عاطفة الحماسة: وقد سلف لنا في حديث الهجرة وواقع الدعوة كلام يمس هذا الجانب في إطاره العام، فإن الحماسة عاطفة طيبة، وهي عاطفة الغيرة الإيمانية التي امتدحها النبي ﷺ وقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله! إني لأغير منه) وكان النبي ﵊ لا يغضب لشيء إلا أن تنتهك محارم الله فلا يقوم لغضبه ﷺ قائم. هذه العاطفة من النصرة للمسلمين والغيرة على هذا الدين والحمية ضد أعداء الإسلام والمسلمين عاطفة عظيمة جداً، وهي أساس من أساسيات قوة إيمان المسلم، ولكن هذه الحماسة قد تندفع فتطغى ويأتي من ورائها كثير من الأضرار والمخاطر. وقد يقول قائل أيضاً في جانب آخر: لابد أن نضبط العاطفة الحماسية، ولابد أن نقيدها، ولابد أن نروضها، ويبالغ في هذا حتى يئدها ويقتلها، فنقول له: لا، نحن لا نريد للجمرة أن تنطفئ، لكننا نريد أن يبقى فيها بقية الجمر حتى إذا تدحرجت في الوقت المناسب أشعلت تلك الأوراق أو الأخشاب أو الهشيم أو الحصير الذي تلامسه، فتشعله، فيؤدي ذلك الاشتعال إلى المطلوب، لكن تلك الحكمة التي يزعمها بعض الناس ويريدون أن يطفئوا جذوة الحماسة، وأن يجعلوا أجيال الإسلام وشباب الدعوة راكنين إلى الدنيا مطمئنين إلى ملذاتها، يشربون بارد الشراب، ويأكلون طيب الطعام، ولا تتحرك نفوسهم غيرةً ولا غضباً ولا حمية لدين الله، لا في كلمة حماسيه ولا في غيرة إيمانية ولا في إنكار منكر، هذا ليس مطلوباً. وفي الجانب الآخر ليس مطلوباً ذلك الاندفاع الذي يؤدي بالدعوة إلى المخاطر والمهاوي فيما يتعلق بمواجهة الأعداء أو بظروف الضغط والاضطهاد والتعذيب والمطاردة والملاحقة للدعوة والدعاة، فإن للمسلم أموراً كثيرة: أولها: أنه منضبط بضابط الشرع؛ فليس هو متصرفاً بردود الأفعال، وليعلم ما قاله الصحابة في بيعة العقبة للنبي ﵊: لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلةً واحدةً لفعلنا، فقال: (كلا! فإنا لم نؤمر بذلك)، وليعلم كيف روض النبي ﷺ تلك العاطفة المتدفقة في عمر ﵁ يوم الحديبية لما قال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟)، إنها عاطفة صادقة لم ينكرها رسول الله ﷺ ولم يعبها على عمر، ولكنه قال: (إني رسول، وإنه لن يضيعني) فذهب إلى أبي بكر ليرى رجاحة العقل واستقرار النفس، وقال له مقالة النبي ﵊، فقال أبو بكر: (الزم غرزه؛ فإنه رسول الله)، ذلك هو الفرق بين رجاحة العقل وسكون النفس عند أبي بكر؛ فلم تجمح به العاطفة ولو في إطارها المقبول. وتلك العاطفة المتدفقة من عمر ﵁ لم تنطلق من إيثارها، بل رجعت على أعقابها بحكم رسول الله ﷺ ، وإلا فقد وقع في نفوس الصحابة أمر عظيم يوم الحديبية، ولست في صدد ذكر الأحداث، ولكن لما جاء أبو جندل يرسف في قيوده، والمسلمون على بعد خطوات منه، وهو يستنجد بهم ويصرخ، ويريد أن يلتحق بهم، وأن يخرج من هذا الاضطهاد، وهم الذين خاضوا المعارك، وضحوا بالشهداء، ويرون هذا المظهر أمام عيونهم، لكنهم ينضبطون، ويلتزمون حكم النبي ﵊، ويقع في نفوسهم أيضاً أنهم عندما أمرهم ﵊ أن يحلقوا رءوسهم وأن يتحللوا من عمرتهم فلم يستجيبوا في أول الأمر لما كان قد خالط القلوب والنفوس من همّ وغمٍ وكرب وضيق، فلما عمل النبي ﵊ بمشورة أم سلمة فحلق ابتدروا يحلقون، حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً، أو حتى سالت دماء بعضهم رضوان الله عليهم أجمعين. فإذاً: لابد لهذه العاطفة المتأججة في الشباب ألا تستفز، وأن نعلم أن أعداء الدعوة يريدون لها أن تستفز، وأن تخرج عن إطارها، ليشوهوا صورة الدعاة، ويروا الناس أنهم متهورون، وأن تصرفاتهم هوجاء، وليست الحماسة المندفعة في التصرفات، بل في الكلمات؛ فأنت تسمع من الكلمات ما قد يكون أفتك وأخطر وأكثر هولاً من الأفعال؛ لأن الكلمات فيها أحكام، ولنا مع الكلمة جولة -إن شاء الله- كما سأذكر في آخر الحديث.

стр. 512

أسباب الحماسة التي تخرج عن الإطار الصحيح ما أسباب تلك الحماسة التي قد تندفع وتخرج عن الإطار؟ أسبابها: السبب الأول: الدافع النفسي؛ إذ في النفوس حمية لقطف الثمرة وتحقيق الفكرة، فإذا اقتنعت بفكرة فإنني أحب أن تتحقق الفكرة قبل أي وقت آخر، وهذا طبع بشري. السبب الثاني: الحرارة الإيمانية، فالإيمان هو الذي يذكي حماسة القلب والنفس، ويريد لها أن تندفع، ولكن إذا تمعن فليعلم وليتذكر قول الله : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، فليس المسلم بالذي يستجيب للعاطفة دون هذا الضبط. السبب الثالث: واقع أعداء الدعوة الذين يحكمون قبضتهم على كثير من مقدرات المسلمين، وليس في بلاد الكفر فحسب، بل وفي بلاد الإسلام والمسلمين، فأنت ترى القبضة محكمة في إطار الحكم والسياسة، وفي إطار التربية والتعليم، وفي إطار الدعاية والإعلام، فقلَّ أن تجد في كثير من بلاد الإسلام نصرة للدين والدعوة، بل على العكس تجد في كثير من ممارساتها حرباً على الدين والدعوة، وهذا يستفز المشاعر أيما استفزاز؛ إذ كيف نكون في بلد إسلامي وإذا بصحف في تلك البلاد، أو مشاهد في إعلامها تعلن الكفر الصريح دون أن يسمح لمعترض أن يعترض أو لمنكر أن ينكر؟! إن ذلك قد يكون أحياناً أكبر مما تحتمله بعض النفوس التي لم تروض ولم تربَ التربية الكافية. السبب الرابع: الجهل بأساليب الكيد التي يخطط لها الأعداء ويمارسونها؛ فإن لهم أساليب ملتوية وخبيثة يريدون من خلالها أن يوقعوا الدعاة والشباب منهم على وجه الخصوص فيما لا تحمد عقباه. السبب الخامس: كثرة المنكرات التي تواجه الشباب في كثير من الوقائع العملية سماعاً ونظراً وقراءةً وفي كل الصور. السبب السادس: ضعف النفوس عن طول الطريق؛ فإن الطاقات تختلف، فلو تصورت أن الدعوة عبارة عن حمل ثقيل فهناك أصحاب أجسام قوية وعضلات فتية يمكن للواحد منهم أن يحمل ويسير ما شاء الله له أن يسير ولا يتعب، ومنهم من يمشي بعض خطوات أو قليلاً من الطريق ثم يقول: لابد أن أتخفف، وأن أنطلق لأبلغ المراد من غير هذا الطريق. السبب السابع: عدم وجود القدر الكافي من التخطيط الدعوي الذي يستوعب طاقات الشباب، فلا يئد حماسهم، ولا يجعلهم يبردون ويسكنون وتموت نفوسهم وهممهم، كما أنه يجعلهم ينفقون هذه الطاقة في ميادين عملية تحقق إيجابيات للدعوة ولهذا الدين، ويدركون من خلالها أن جولتهم مع الباقين يمكن أن تكون طويلة المدى، وأن تحقق بعض النجاح في جانب ثم في آخر ثم في ثالث، وإذا بالجولة بعد ذلك تتكامل انتصاراتها، وتؤدي ثمرة من الثمار المرجوة. السبب الثامن: عدم الخبرة الكافية والتجربة والنظر في التجارب الواقعية في الحياة الإسلامية، وهناك من سيرة النبي ﵊ دروس كثيرة كلها عبر، لكن في الواقع الدعوي المعاصر دروسٌ كثيرة لما جره الحماس غير المتزن بضابط الشرع ولا بنظر المصلحة على الدعوة والدعاة. السبب التاسع: الغفلة عن سنن الله في طبيعة التدرج وطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وكما يقولون: قد ينتصر الباطل في جولة وجولة، ولكن الجولة الأخيرة ينبغي أن يكون يقيننا أنها للحق، وأن العاقبة للمتقين: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق فلابد أن ندرك أن الأمر في ختامه لهذا الدين، وأن النصر لأهله، والبشارات في ذلك معروفة مأثورة مذكورة؛ فينبغي ألا نخرج عن إطارها. السبب العاشر: وهو الذي أختم به: عدم الفقه في الدين علماً بالشرع وتنزيلاً له على الواقع، فإن بعض الشباب يأخذ النص وينزله إنزالاً بعيداً عما فهمه أهل العلم، بل عما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من العلماء الذين عرفوا أن للأحكام تغيراً بتغير الظروف والأحوال والأشخاص، وأن هناك مراتب للأحكام: فهناك واجبات، وهناك سنن ومندوبات، وهناك محرمات، ودونها مكروهات، فلا ينبغي التسوية هكذا بين الأمور على عجلة دون روية، وهذه أيضاً مشكلة من المشكلات.

стр. 513

الغيرة وأثرها على الدعوة والثالثة التي نختم بها حديثنا بعد المحبة والحماسة: مسألة الغيرة: وهذه للأسف أيضاً مشكلاتها كثيرة، وأعني بها غيرة التنافس في ميادين الدعوة، فإن بعض الدعاة قد يغار أو يغضب من إخوة له يحبون الخير، ويسعون له، ويسيرون في طريقه، ويرغبون الناس فيه، لكن اجتهادهم يخالف اجتهاده، فإذا رأى الناس أقبلوا عليهم دونه أو اقتنعوا بفكرتهم وأسلوبهم دونه إذا به تشتعل في نفسه غيرة هي عاصفة في الأصل قد تكون محمودة إذا أخذناها على غرار التنافس في طور قول الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وهكذا إذا أخذناها على أنها تكامل لا تصادم، وتعاون لا تراشق، وقد أخبر النبي ﵊ بقوله: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكن في التحريش بينكم)، وإذا بهذه الغيرة تتحول إلى نوع من البغضاء أو الشحناء، وتؤدي إلى صور كثيرة نراها في بعض الواقع الدعوي، في صور من الواقع الدعوي لا تخطئها العين. من هذه الصور: التنافر والبعد، ونحن نعلم أن المسلم أخو المسلم، وينبغي أن تربط بين المسلمين أخوة الإيمان، فإذا كان أولئك المسلمون دعاة، فأمر أخوتهم ومحبتهم ينبغي أن يكون آكد وأقوى، فما بالنا نرى عوام الناس من كبار السن من آبائنا وإخواننا الكبار أو أجدادنا وأمهاتها من العجائز في قلوبهم من الصفاء والألفة والمحبة ما نفتقده بين شباب نذروا أنفسهم للدعوة، أو نصبوا أنفسهم للدعوة، أو رفعوا راية الدعوة؟! إنه أمر لا يمكن أن يكون مقبولاً في ميزان الشرع ولا في منطق العقل. والصورة الثانية: مرحلة أخرى وهي: التحذير والتشويه، حيث لا يكتفي بأن ينفر منهم، بل يحذر الآخرين منهم، ويشوه صورتهم، وهذا لا شك أنه فساد في الطوية واختلال في النية، وسأذكر بعض الأسباب التي تبين هذا، لكن هو يشكل صورة لنفسية مريضة لم تتغذ بغذاء الإيمان، ولم تتطهر بطهارة الإسلام. الصورة الثالثة: تجاوز الحدود الشرعية في أمر ذلك التحذير أو النفرة أو التعامل عموماً، فإذا به يستخدم التورية كما يزعم ليصرف الناس عمن يزعم أنه على باطل، ثم إذا بالتورية تغدو كذباً صريحاً، بل يتجاوز الأمر إلى إحكام الكيد وتدبير المؤامرات وتلمس العيب وتتبع الأخطاء، وتجاوزات شرعية ليس لها آخر كما يقولون.

стр. 514

بعض أسباب الغيرة السلبية وأذكر في هذا الصدد الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة: فأول هذه الأسباب التي تحمل على هذه الغيرة: عدم قوة ورسوخ التربية الإيمانية: إذ المؤمن الذي يتربي على خلال الإسلام وآداب هذا الدين يعلم أن أمر المحبة في الله يقضي بألا يكون هناك هذا التنافر وتلك البغضاء، وقد قال النبي ﵊: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) وبدأ في هذا الحديث بقوله (إن الظن أكذب الحديث)، أي: مجرد الظن السيئ الذي تسيء به إلى أخيك؛ فإن هذا الظن يورث في النفس نوعاً من النفرة، ويزرع بذرة من بذور البغض ليس هذا محلها ولا مكانها. الأمر الثاني: عدم استحضار طبيعة الواقع الدعوي: انظر إلى المجتمعات الإسلامية كم ترى فيها من الملتزمين شرع الله! وكم ترى فيها من الدعاة! وكم ترى فيها من العلماء! ترى قلة، وأنت تريد أن تجعل هذه القلة بصنيعك أقل من القليل؛ حيث إنك تفرق صفها، وتشيع الفرقة بينها، وتشوه صورتها، لينفر الناس عنها ومنها، وإذا بك في حقيقة الأمر تسيء إلى الدعوة، ولا تستحضر أمر المواجهة والكيد الذي يحاك ويوجه للدعوة والدعاة على اختلاف اجتهاداتهم وتصوراتهم. إن واقع العصر اليوم يدلنا على أن المسلم يُعادى ويكاد له ويضطهد لمجرد كونه مسلماً ولو كان مسلماً بالاسم، فكيف إذا كان مسلماً يعرف إسلامه، ويلتزم شرع الله ، ويدعو إليه، ويريد أن يحيي موات هذه الأمة، وأن يرفع راية الجهاد فيها؟ فإذا كان الدعاة على هذا القدم فإنهم ألد الأعداء وأعظم الخصوم بالنسبة لمن يحاربون هذا الدين، فإذا كنت أنت بهذه الغيرة المنحرفة تساهم في ضربهم أو تشويههم فإنك كأنما أخذت معول الأعداء لتريحهم من بعض العناء، وعندما سمع بعض السلف أحدهم يجرح أخاً له قال: هل قاتلت الترك؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الروم؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الهند؟ قال: لا، قال: أفيسلم منك أهل الروم، والترك، والهند، ولا يسلم منك أخوك المسلم؟! عجباً لأولئك؛ لم يسلم المسلمون من ألسنتهم، ولم يسلموا أيضاً من التخطيط الذي يبدعون فيه ويبذلون فيه جهدهم لحرب إخوانهم، وهم ليس لهم في مواجهة الأعداء أي جهد يذكر، وبالتالي فهم في هذا يساهمون في هذه الخطورة العظمى. ثالثاً: الأمراض النفسية من الكبر أو حب الذات والأنا أو الغرور: فإن بعضاً من أولئك فيهم علل مستعصية وأمراض سرطانية تحتاج إلى استئصال، وما لم تستأصل فإن نفس الواحد منهم تدفعه وتدعوه إلى مثل ذلك السلوك. ومن ذلك أيضاً وهو سبب مشترك: عدم الفقه والعلم: فتراه يقول: الحق أحق أن يتبع، ويقول: لابد أن أهجره في الله، ويقول: لابد أن يكون هناك مفاصلة. فعجباً كيف توقع الأمور في غير موقعها، وتنزل النصوص في غير ما هي منطبقة عليه؟! فإنك تجد أنه بمجرد اختلافه مع أخيه في رأي واحد أو في مسألة واحده بدعّه أو فسقه، ورأى أن من الواجب الشرعي أن يهجره، بل من الواجب الشرعي أن يحاربه! وهذا فقه سقيم وجهل مركب كما يقال. فهذه بعض تلك الأسباب لانحراف الغيرة عن واقعها الصحيح، وبالجملة فإن هذا الانحراف العاطفي واقع في صفوف الدعوة وشبابها، وإحكامه يكون بالتربية الإسلامية والعلم الشرعي والإدراك الواقعي والقيادة الراشدة؛ ولنعلم أن من تسمع له الكلمة من العلماء والدعاة والخطباء مسئوليتهم مضاعفة، فينبغي ألا يكونوا سبباً في توسيع شقة الخلاف، أو إذكاء نار التباغض أو التحاسد أو غير ذلك، وينبغي أن يعلم كل مسموع الكلمة أن كلمته يطيرها عنه المطيرون، وينقلها عنه الناقلون، ويفهمها عنه الفاهمون وغير الفاهمين، وهو في آخر الأمر يدرك مثل هذا، لكنه للأسف لا يلقي له بالاً. فإذا كان هناك شباب صغار فإن لهم كباراً، ولو توقعنا أنهم أخطئوا فلنا أن نغض الطرف عنهم، أو أن نعتذر لهم بجهلهم، لكنهم إن رجعوا إلى من يستشيرونه أو يقتدون به فوافقهم على خطئهم أو شجعهم عليه عرفنا أن تركيبة عقولهم وأن صيغة تربيتهم مبنية على أساس خاطئ، ويكون الأمر حينئذ أكبر وأخطر، فالصغير أو الجاهل يغتفر منه ما لا يغتفر من غيره. فهذه بعض المعالم والملامح المتعلقة بأمر العاطفة والدعوة، وأسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

стр. 515

الأسئلة

стр. 516

كيفية الإقلاع عن الذنب لمن يتوب ثم يعود السؤال هناك شخص يواقع -نسأل الله السلامة- الزنا، ونذر ألا يفعل، ثم عاد، فماذا يفعل؟ الجواب مطلوب منه أن يقلع عن المنكر بنذر أو بغير نذر؛ فليست المسألة في أنه نذر أو لم ينذر، ولكن مثل هذا الأخ مشكلته أنه لم يكن حاسماً في إقلاعه عن الذنب، ولا مغيراً للبيئة التي تدعوه إليه، ولا كاشفاً لستره عند من يثق به من إخوانه حتى إذا نازعته نفسه عرف أن هناك من يعرف أمره من إخوانه، فيستطيع أن يجابهه، وأن يصارحه، بل ربما أن يصده ويردعه، وقبل ذلك وبعده عليه أن يدعو الله بأن يعصمه، وأن يصرفه عن هذه المعاصي، وأن يقذف في قلبه حب الخيرات وبغض المنكرات.

стр. 517

أهمية استغلال الأوقات في الأمور النافعة السؤال بعض الشباب الملتزمين يطيلون المزاح ومشاهدة التمثيليات المباحة، ولا يكثرون الأذكار ولا يتناصحون، فما توجيهكم. ؟ الجواب هذه من المشكلات الواقعة، وهي كثرة الترخص وقضاء الأوقات فيما لا نفع فيه، وقد ذكر ابن القيم أن مجالس الإخوان على ثلاثة أنواع، ثم مدح منها نوعاً وذم اثنين، ومن الأنواع المذمومة: أن يكون الغرض من تلك المجالس مجانسة الطبع وموافقة الميل وضياع الوقت وتكرار الأحاديث دون أن يكون هناك فائدة، وهؤلاء الإخوة لو استشعروا قيمة الوقت وعظمة المسئولية وخطورة الواقع الذي تمر به الأمة لما كان لهم مثل هذا، ولما ترخصوا، ولو ذكروا سير السلف الصالح لعرفوا كيف تكون الأمور. وأختم هذا بموقف للإمام أحمد: عندما كان في زمن الفتنة والمحنة وجاءه أبو سعيد الواسطي يسهل له، ويقرب له الترخص، وقال له: إن لك أبناءً، وإن لك زوجة، وإن لك كذا، فماذا قال له الإمام أحمد رحمة الله عليه؟ قال له: إذا كان هذا عقلك فقد استرحت. فإذا كان شباب الدعوة أو جيل الصحوة يهمهم ويرضيهم أن يقضوا الأوقات في الكلام والضحك، دون أن يكونوا على قدم جدٍ وعمل ويرضون بهذا فقد استراحوا. وأصحاب العقول المستريحة ليسوا ممدوحين، لأن المجانين هم أعظم أصحاب العقول المستريحة؛ لأنهم لا يفكرون في شيء، ولا يحملون هماً، ولا يلتمسون سبيلاً ولا طريقاً لأي عمل نافع أو صالح. فلذلك أوجه الإخوة من الشباب على وجه الخصوص: أن يربئوا بأنفسهم عن الوقوع في مثل هذه الأمور التي لا تليق بوصف المسلم فضلاً عن الملتزمين، فضلاً عن الداعية، فضلاً عن المجاهد. والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يجعلنا جنداً في سبيله مجاهدين، ودعاةً لدينه مخلصين، وعبادً له مخبتين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 518

الضوابط في التعامل بين الداعية والمدعو السؤال حبذا أن تذكر لنا بعض الضوابط في التعامل بين الداعية والمدعو إذا كان الداعية حسن الهيئة، أو أمرد، أو غير ذلك مما قد يوجد بعض المشكلات لدى بعض الشباب، وقد يتسبب في وجود مخالفات محظورة؟ الجواب قد ذكرت هذا الأمر على وجه الخصوص، وبينت أو نصصت عليه؛ لأنه واقع، فأول علاج: أن نعرف المشكلة، وأن نسلم بوجودها، فالمشكلة التي يقع فيها بعض الشباب أنهم يغالطون أنفسهم، ويلبسون الخطأ ثوباً من الصواب، فيجعلون بعض تلك الممارسات تحت شعار الأخوة في الله، وتحت إطار التلطف الذي يستميلون به قلب المدعو ليؤثروا فيه إيجابياً؛ ليمتثل ويستجيب لأمر الخير والإصلاح، وهذا هو مكمن الخطر، فينبغي معرفة الآتي: أولاً: لابد من معرفة الخطأ والمصارحة فيه. ثانياً: لابد من معرفة الأسباب والامتناع منها، وقد ذكرت منها: كثرة الاختلاط، والتجاوز عن النصح، والتماس الأعذار، والتبرير الدائم، والغيرة من الآخرين، فتفقد نفسك لئلا تقع في هذا المحظور؛ إذ الوقوع يكون له مقدمات وبدايات ثم يستحكم، فإذا أدركته من البدايات سهل أمر العلاج له. ثالثاً: لابد أن يستفيد الإخوة من بعضهم البعض، وأن يكون بينهم مصارحة، وهنا يقع أيضاً لون من ألوان التقصير الذي ينبغي ألا يكون، فداعية يرى أخاه ربما يمارس أو يقع في خطأ في هذا الجانب، فيمنعه الحياء أو الحرج أن يلفت نظره إلى بعض الممارسات التي قد تكون لها بعض المحاذير أو الأخطار، فإن أمر الحياء ينبغي ألا يمنع من إحقاق الحق وإبداء النصح، فلو كان الإخوة فيما بينهم متناصحون لمنع ذلك من وقوع هذا الأمر. والأمر الذي بعده أمر القيادة الراشدة الواعية؛ فإن الأخ من الشباب لابد أن يكون له من يستنير برأيه، ويرجع إليه أو يطلب مشورته، فهذا ينبغي أن يكون دقيقاً بصيراً، وأن يعرف طبائع النفوس، وطبيعة سن الشباب، فلا نغفل مثل هذه الجوانب، ولا يقل أحد: إن الشاب مادام ملتزماً أو مصلياً فمعنى ذلك أنه يعصم من الخطأ أو يعصم من تأثير العواطف والغرائز، فهذا أمر غير مقبول ولا واقع في الجملة، فهذا ربما يشير إلى مثل هذا الأمر.

стр. 519

محبة أهل المعاصي السؤال أحد زملائي في العمل يقول لي: إنه يحبني في الله، وهو تارك للصلاة، وأريد أن أرد عليه، فكيف تكون المحبة لله؟ الجواب معروف أن المحبة لله تكون بضابط الشرع، لكن لا يعني أنه إذا كان عاصياً أنه يبغض بالكلية، بل كما قال أهل العلم يحب في الله لأصل الإيمان ولما هو عليه من الخير، ويبغض بقدر ما هو واقع فيه من المعصية.

стр. 520

الرد على من يستدل بحديث: (ساعة وساعة) في فعل المعاصي السؤال الشباب تميل عواطفهم نحو مشاهدة الأفلام، وسماع الأغاني، وضياع الأوقات، ويحتجون بقول النبي ﷺ : (ساعة وساعة)، فما تعليقكم؟ الجواب ساعة وساعة المقصود بها: ساعة مشروعة وساعة مشروعة، وليس ساعة مشروعة وساعة ممنوعة، وليتها حتى في الواقع العملي ساعة وساعة، ولكنها ربع ساعة وألف ساعة، وكثير من هذه الأمور يعلم قائلها أنه غير محق فيها، وإنما لأنفسهم يمهدون، أو يريد أن يسلي عن نفسه، أو أن يخفف وخز الضمير وتأنيب النفس له على هذه المعاصي، فيريد أن يخفف ذلك ببعض هذه الأعذار، وهذا قد يكون -إن شاء الله- بشارة أو دلالة على أن فيه خيراً ما دام يقول: إن هذه ساعة قد تكون منشطة أو مرفهة، لكن ينبغي أن نعلم أن الضابط الشرعي: أنه لا يمكن قبول شيء ما دام داخلاً في دائرة المنهي عنه أو المحرم.

стр. 521

كيفية دعوة أصحاب المعاصي السؤال لي أخ يصلي بعض الفروض، ويسمع الغناء، وينغمس في بعض المعاصي، فهل ابدأ أدعوه أم أبدأ بشباب الحارة، أم كيف الطريقة التي أدعوه بها. مع العلم أنه أخي الأكبر؟ الجواب المعصية لا تمنع من الدعوة، بل تجعلها آكد وأوجب، فإن المستقيم من الناس والملتزم منهم والمسابق إلى الخيرات حاجته إلى النصح والوعظ أقل، والعاصي هو الذي يحتاج إلى جهد أكبر وأعظم وإلى استعداد وتهيئة، فلابد أن نعلم أنه لابد أولاً أن يشعر الإنسان بخطورة ورداءة وضرر الأمر الذي يمارسه، ثم أيضاً أن نحل محل المنكرات الأشياء المعروفة والخيرة والصلاح؛ حتى لا يبقى هناك الفراغ الذي قد يجعل العاصي يعود مرة أخرى إلى تلك المنكرات. وقد جاء مرة سائل ممن يسمعون الغناء يسأل عن حكم الغناء؟ فأجابه المسئول إجابة فيها بعض الحكمة؛ حيث قال له: هل أنت تقوم في أداء الفرائض والصلوات في الجماعات؟ وهل تؤدي دورك في تجاه أسرتك وأبيك وأمك، وهل تفعل كذا؟ وهل تفعل كذا؟ وهل تفعل كذا؟ ثم قال له: إذا انتهيت من هذا كله وبقي عندك وقت لسماع الغناء فسل عن حكمه، أي: أنك لابد أن توجه إلى وجهة نظر تلفت نظر السامع، وتجعله يشعر برداءة موقفه وممارسته، وأن المأمول منه والمرجو فيه غير ذلك، وأن هناك من الواجبات والأعمال ما ينتظر منه غير الذي هو فيه، حتى إذا قارن هذه المقارنة ربما يصيبه بعض الحياء والخجل من هذا الموقف.

стр. 522

العشر الأواخر بين الأوائل والأواخر لله تعالى نفحات، ومواسم يتعرض فيها لعباده؛ كي يتزودوا منها بالطاعات، ويغسلوا عنهم الآثام والخطيئات، ومن تلك المواسم والنفحات الأيام العشر الأخيرات من شهر رمضان المبارك، وقد كان السلف الصالح أول المسارعين والمسابقين في اغتنام هذه الفرص، والتزود منها بكل وسيلة تمكنهم، حتى ضربوا أروع الأمثلة، وكانوا خير من يقتدى بهم، حتى إن القارئ لسيرهم ليخيل إليه أنه يقرأ قصصاً من نسج الخيال، وما كان ذلك ليخطر له على بال، جعلنا الله من أتباعهم، وحشرنا في زمرتهم.

стр. 523

حال السلف في العشر الأواخر من رمضان الحمد لله جلت عن الوصف عظمته، ووسعت كل شيء رحمته، جعل في شهر رمضان فتحْ أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران، وخص العشر بليلة القدر، وهي خير من ألف شهر، أفاض النعم، وضاعف بفضله الحسنات، ومحا بعفوه السيئات، وأفاض بجوده البركات، له الحمد ملء الأرض والسموات كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، علم التقى، ومنار الهدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فموضوعنا (العشر الأواخر بين الأوائل والأواخر) نتأمل فيما كانت عليه أحوال أسلافنا، ما الذي كان يشغل عقولهم، وما الذي كان يداعب آمالهم، وما الذي كان يشحذ عزائمهم، وما الذي كان يسهر ليلهم، ويضني نهارهم، ويفطر أقدامهم، ويجعل كأمثال ركب المعزى على جباههم، وما الذي كانوا يملئون به الليالي العشر، وما هي الأحوال في أيامنا هذه. علنا ندرك أننا في حاجة إلى أن نسترد عقولنا المغيبة، وأن نرجع نفوسنا اللاهية، وأن نحيي قلوبنا الغافلة؛ لأن في أحوالنا من العجائب ما يستدعي النظر في أفعال أصحابها، وهل لهم عقول أو قلوب في صدورهم. فنريد أن نتأمل هذه الأحوال، وأن نرى بعض تلك المفارقات العجيبة، فنقول: إذا ذهب من رمضان عشرون يوماً يكون قد مضى الثلثان وبقي الثلث، والثلث كثير، وفيه خير وفير، وحسبنا من عشره الأخير أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي تنزل فيها الملائكة بكل أمر، والتي فيها السلام والخير حتى مطلع الفجر. أليس هذا جديراً وحرياً بأن يكون لنا معه شأن آخر كما كان شأن أسلافنا، وكما هو شأن كل مؤمن حي القلب يقظ الفكر حريص على الخير مقبل على الطاعة عالم بما ينبغي لكل حال وزمان بما يناسبه ويلائمه؟! إنه من الجهل والحمق أن تلبس الثياب الخفيفة في وقت الشتاء والزمهرير، وأن تلبس الثياب الثقيلة في وقت الحر الشديد، فكيف بنا نجعل اللهو والصفق في الأسواق والغناء والعبث والشراء وغير ذلك في الأوقات والليالي التي جعلت للعبادات والطاعات وغير ذلك مما نعلم. إنها معارضات لابد من ذكرها ولابد من إعادة القول فيها، ولابد من جعلها دائماً تصب في كل سمع، وتخاطب كل عقل، وتنبه كل قلب ونفس، وإذا تأملنا لوجدنا ما كان عليه أسلافنا، تغلق الأسواق، وتفتح المساجد، ويهجر النوم فلا يكون هناك نيام، وإنما يحيا الليل بالذكر والقيام. كانوا -كما ذكر ابن جرير - يغتسلون في كل ليلة من ليالي العشر، كان يفعل ذلك أيوب السختياني ﵀، وكان يفعله الإمام مالك فيما يرجح عنده أنه من ليالي القدر، فيغتسل ويتطيب ويلبس حلة لا يلبسها إلى العام القادم من شهر رمضان، وكان غيرهم يفعل مثل ذلك.

стр. 524

حال نبينا محمد ﷺ في العشر الأواخر من رمضان تأمل ما كان عليه سيد الخلق ﷺ في العشر الأواخر، فإنا نجد أن العبارات والأحاديث التي رويت في هذا ليس فيها كثير كلام، وليست من الأحاديث الطويلة مطلقاً، ولكنها أوصاف أَجملت وأَوجزت صفة القلب، وحياة الروح، وشغل العقل، وفعل البدن، أوجز ذلك في كلمات عجيبة ذكرها أصحاب النبي ﷺ ، فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ -وقد استأثرت بأكثر ما روي عن العشر وقيامها والاعتكاف فيها- تقول: (كان ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) فهل في هذا الكلام شيء يحتاج إلى شرح وتفسير؟ وهل فيه شيء غامض، أم أنه صورة حية واضحة جلية؟ (إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) هل تسمع في صفة النبي ﷺ في هذه العشر ذكراً للأسواق، أو ذكراً لسحب الجوائز التي يجتمع لها الناس؟ وهل تذكر شيئاً يخبرنا أن النبي ﷺ كان يعتني فيها بأطايب الطعام، أو كان يتفقد فيها بيته ليزينه ويجمله، وينشغل ببعض أحواله وأوضاعه؟ إنها جمل ثلاث (شد مئزره) أي: شمر عن ساعد الجد، وتفرغ للأمر الجلل، وتهيأ لمناسبة الزمان وفضيلته، وللإقبال على الله الذي قد جعل لهذه الليالي من الخصائص ما يضيق المقام عن حصره، بل قد شُغل العلماء بذكر خصائص ليلة القدر، فذكروا لها من الخصائص ما قد يكون كثيراً في العد والحصر. وقولها: (شد مئزره) ذكر أهل العلم أن هذه الجملة كناية لاعتزاله نسائه، وإن كان الصحيح عدم حرمة ذلك للمعتكف إذا قطع اعتكافه، ولكن اعتزال النساء في العشر من الآداب والسنن التي كان عليها النبي ﷺ . شغل أعظم من الشغل الآخر، وهم أكبر من الهموم الأخرى، وتعلق نفسي وقلبي لأعظم من شهوة النساء والنظر في الطعام والشراب، فضلاً عن البحث عن الأكسية والأحذية وغيرها. وقولها: (وأحيا ليله) كان ﵊ يحييه دائماً وأبداً في سائر أيامه، وفي حله وترحاله، وحضره وسفره، فما هي الإضافة ههنا؟ وما الزيادة في هذه العشر؟ قال أهل العلم: كان النبي ﷺ يخلط في الليالي الأولى من رمضان قياماً بنوم، فإذا جاءت العشر الأواخر أحيا ليله كله ﵊، (أحيا ليله) أي: كله من غروب شمسه إلى انبثاق الفجر، ليس هناك مكان ليشغل به هذا الزمان وتلك الليالي المعدودات على أصابع اليد التي ما بين لحظة وأخرى نقول: قد مضت وانقضت وتولت، ولا ندري هل ترجع إلينا أم لا؟ وقولها: (وأيقظ أهله) ليجعل البيوت عامرة بالطاعة والذكر والصلاة، لئلا يجتهد في الطاعات وتخلفه في بيته الشاشات والمسلسلات والتمثيليات، لئلا يكون عليه وزر فيما حمّله الله من مسئولية عظيمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] وقال رسول الله ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فما الذي توصي به أهلك؟ وكيف كان شأن رسول الله ﷺ مع أهله؟ والأحاديث في ذلك كثيرة حتى في غير رمضان وفي غير ليالي العشر، ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فأيقظ امرأته، فإن لم تتستيقظ نضح عليها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحت عليه الماء).

стр. 525

قصص جميلة مع النبي ﷺ في لياليه كان للنبي ﷺ في لياليه المعتادة قصص جميلة مع أزواجه، تقص علينا عائشة ﵂ كثيراً من هذه القصص، فتخبرنا أنها كانت ذات ليلة نائمة، وأنها تقلبت فجاءت يدها على قدمي رسول الله ﷺ منصوبتين وهو ساجد لله . واستيقظت ليلة فإذا بها ترى النبي ﷺ خارجاً، فتتبعه وتظن أنه قد ذهب إلى بعض نسائه غيرها، فإذا به يخرج إلى البقيع ويدعو ويتذكر ويعتبر ﵊، وكان ذلك في آخر حياته كالمودع للأموات. وغير ذلك مما هو معلوم في شأن لياليه المعتادة، فكيف بهذه الليالي الفاضلة.

стр. 526

الاعتكاف حكمه وفضله عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵊ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فالاعتكاف سنة مؤكدة. قال الإمام أحمد: لا أعلم خلافاً بين العلماء في سنية الاعتكاف. وقال ابن العربي: هي سنة مؤكدة. وقال ابن بطال: في مواظبة النبي ﷺ ما يدل على تأكد الاعتكاف. بل قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه اعتكف، وضرب له خباء في المسجد، فاستأذنه بعض أزواجه فضربت لها خباء -أي: لتعتكف-، ثم جاءت الأخرى، ثم الثالثة، فلما رأى كثرة ذلك قال: آلبر تردن؟!) ثم نقض معتكفه، وترك اعتكافه حتى لا يكون ذلك واجباً، ولا يكون هذا الاجتماع من النساء، ثم قضى اعتكافه في عشر أخرى من شهر شوال، وذلك القضاء يدل على تأكد هذه السنة الماضية عن النبي ﷺ ، وفي حديث عائشة ﵂ قالت: (ترك النبي ﷺ الاعتكاف في ذلك الشهر، ثم اعتكف في عشر من شهر شوال) وفي حديث أبي هريرة ﵁: (كان ﵊ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي توفي فيه ﷺ اعتكف عشرين يوماً) وذلك يدلنا على فضيلة عظيمة حيث أراد النبي ﷺ -وقد دنا أجله- أن يستكثر من هذه الفضيلة، وأن يعظم من ذلك الأجر، وأن يكثر من الإخبات والإقبال على الله ، وذلك مؤذن بأهمية هذه العشر، وأهمية سنة الاعتكاف فيها، وما أعجب وأوجز ما قالته عائشة ﵂ في هذا الوصف الجميل الدقيق العجيب: (كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها) وكأنها تقول لنا: قارنوا بشيء معروف. وقد ثبت عنها وعن غيرها من الصحابة صفة لياليه ﷺ ، وأنه (كان يقوم حتى تتفطر قدماه) وأنه ﷺ (لم يترك قيام الليل في سفر ولا حضر) وأنه منذ أن أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] لم يترك ذلك مطلقاً، وإذا ترك القيام لمرضه كان يقضيه في نهاره، فتأمل هذا الوصف الموجز لـ عائشة: (كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها)، بأبي هو وأمي ﵊، فكيف لنا أن نتصور زيادة على مثل هذا الذي ثبت وأثر عنه، وهو بعد ذلك يزيد عليه لأنها ليال فاضلة فيها من الزيادة في الأجر والاختصاص في محو الوزر ما ليس في غيرها مطلقاً، ولذلك كان يخصها النبي ﷺ في هذه الليالي بمثل هذه العبادة، وهي الاعتكاف، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، وإن كان الصحيح جوازه بدون صيام، لكنه في الصوم وفي رمضان آكد وأعظم في الأجر؛ لاجتماع صور العبادة كلها في ذلك الاعتكاف.

стр. 527

الحكمة من مشروعية الاعتكاف لماذا شُرع الاعتكاف؟ إنّ الوقت في اليوم أربع وعشرون ساعة، والليالي عشر، فالمسألة محدودة، فإنْ كان هناك خلط بين أمور دنيانا وأخرانا، وبين مشاغل أحوالنا وأوضاعنا وما نريده لطاعتنا ولعباداتنا، فإن ذلك سيفوت من الخير أكثره. أليست أيامنا في عامنا كلها مشتركة بين أحوال دنيانا وأخرانا؟ أليست كلها مقسومة بحصة أكبر لأمورنا وخاصتنا وأحوال حياتنا وشئون أولادنا؟ أليس القليل منها في نهارنا، وربما اليسير اليسير من ليلنا؟! أفنضن بعد ذلك بليال عشر لا تزيد ولا تنقص عن هذا العدد؟ لذلك كان ﵊ يجعلها خاصة للأمر الذي لا يجمع معه غيره، وهو الاعتكاف، أي: اللزوم والبقاء في مكان خاص -وهو المسجد- بنية العبادة لله ، فيتفرغ من شأن الخلق والخلائق إلى عبادة الخالق ، وذلك من كمال العقل، ومن عظمة الإيمان، ومن حياة النفس والروح، ومن التعلق الصحيح الذي كان لرسول الله ﷺ بربه، وإقباله على طاعته، ورغبته في مثوبته، وحبه لنيل رضاه، ورغبته في أن يكون كما قال ﵊: (أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له وأعبدكم له) ﷺ . قال ابن عمر في الحديث الصحيح عند البخاري: (إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ رأوا ليلة القدر في المنام، فقال ﵊ -وقد أخبروه برؤاهم-: إني أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرياً لليلة القدر فليتحرها فيها) وغير ذلك مما ثبت عنه ﵊ في شأن ليلة القدر. فضائل هذه الأيام والليالي الفاضلة أكثر من أن تحصى، وإيجاز القول الذي ثبت فيها يدل على أن السلف لم يكونوا يحسنون كثرة الكلام مثلنا، ولا يزينون العبارات بالبلاغات كحالنا، وإنما يحسنون أعمال القلوب، وتحليق الأرواح، وسجود الجباه، وتسبيح الشفاه، والإقبال على الله ، فما كان عندهم بهرج كثير، ولا كلام مكرر، وإنما كانت عندهم قلوب خاشعة، ونفوس على الله مقبلة، وعبادة دائمة، ولذلك لم نجد في هذه الأحاديث ولا في تلك الأوصاف كلاماً كثيراً، ولا وصفاً متعدداً، وإنما هو الإيجاز الذي إذا تأملناه بهرتنا معانيه (كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها) كيف يكون هذا الاجتهاد من سيد الخلق ﷺ ؟! وكيف يكون اجتهاداً زائداً وكل أيامه ولياليه كانت اجتهاداً في طاعة الله ؟!

стр. 528

عبرة من قصص السلف أذكر قصة من حياة أسلافنا في حلس البيوت التي اليوم تشكو وتعاني من كثير مما يلهي ويغري ويصرف عن طاعة الله ، امرأة حبيب العجمي -وهو أحد السلف- تقول له في الليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سرت ومضت، ونحن بقينا. هذه امرأة لم تشغل بطعام ولا بشراب، ولا بوصفات إعداد الأطعمة، ولا بالموضات وما ينزل خصيصاً في العشر الأواخر من الملابس والموديلات والموضات، لقد شغلتهم المشاغل الإيمانية، وألهتهم عن هذه الأمور الدنيوية. يا نائم الليل كم ترقدُ قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ وخذ من الليل وأوقاته وِرْداً إذا ما هجع الرُّقَّدُ من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يزهدُ قل لذوي الألباب أهل التقى قَنطَرَةُ الَعْرض لكم موعِدُ ذلك ما يمليه العقل الراشد والقلب الحي والنفس المؤمنة والموسم العظيم والأجر الكثير الذي ينبغي لنا أن نجتهد فيه. نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يصرفنا عن الغفلة واللهو واللغو وفاحش القول وسيئ العمل في سائر الأيام والأحوال، وفي هذه العشر على وجه الخصوص.

стр. 529

ليلة القدر هي الجائزة الكبرى التي لا تقارن بها الدنيا وما فيها العشر الأواخر هي الفرصة الأخيرة، وكما نرى أهل الدنيا وهم يجعلون مواسم وأياماً للجائزة الكبرى، نراها قد ملئت بها صفحات الجرائد، وتتكرر على شاشات التلفاز، وأما الليلة الكبرى والجائزة الكبرى التي لا تقارن بها الدنيا كلها بما فيها فهي بين أيدينا، ولا يفصلنا عنها ونحن في العشر سوى أيام قلائل، ولا يبعدنا عن إدراك خيرها ونيل أجرها وحصول مثوبتها إلا أن نجدد التذكر ونحسن الامتثال (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) اجعل هذه الجمل الثلاث نصب عيبك، فهي جمل موجزة رائعة بديعة تحكي حياة قلب وروح وعبادة ليل، لا يكاد يفتر فيها ﵊ ما بين صلاة وتلاوة وذكر ودعاء، ولا يخرج من مصلاه كما في الصحيح، وكان ربما يدني رأسه إلى حجرة عائشة فترجله، أي: ترجل شعره وهو معتكف في المسجد ﵊، فليس هناك شيء يمكن أن يقال أبلغ وأوجز مما ذكرته عائشة وذكره أصحاب النبي ﷺ . تلك عشر ليالٍ تتحول فيها الأحوال تحولاً تاماً نحو الانقطاع عن الدنيا والانشغال بالآخرة والتفرغ للعبادة، وترك الأحوال المعتادة، وليس هناك ما يقال إلا أن نذكَّر بأن كل ليلة من رمضان لله فيها عتقاء من النار، وقد ورد كذلك أنه إذا كانت الليلة الأخيرة كان من العتقاء مثلما أعتق الله من أول الشهر، ولا تغفل كذلك عن العبادة ليلة العيد التي ينشغل فيها الناس فلا يكادون يذكرون ولا يصلون ولا يدعون ولا يتهيئون لأن يودعوا شهرهم باستيداع مزيد من العمل الصالح في خزائن رمضان. أيها الأخ الحبيب! ونحن نتذكر ونذكر أنفسنا بمثل هذه المعاني نتذكر أيضاً أحوال أمتنا، ولابد لنا ونحن نتذكر الحياة التي نحن فيها من الخير ومن نعمة الله من أن نتذكر من حرموا تلك النعم، ومن يعيشون في كل يوم على صوت أزيز الرصاص، وقصف الدبابات، واشتعال النيران، وعدوان المجرمين الظالمين الغاصبين المعتدين في كل بقاع الأرض بدءاً من فلسطين، ومروراً بالعراق، وانتهاء بالشيشان، وتعريجاً على كشمير وفي غيرها من الجهات التي فيها جاليات مسلمة تضطهد أو تعذب، ولذلك ينبغي ألا نقتصر على الدعاء لأنفسنا ولأهلنا ولديارنا وبلادنا، وينبغي أن يكون لهم حظ من دعائنا، فندعو لأمتنا وإخواننا، ونسأل الله أن يصلح أحوال واقعنا، علَّ الله في هذه العشر المباركة أن يتداركنا برحمته، وأن يجعلها فرجاً لكل من به ضيق، ويجعلها نصراً لكل من له جهاد، ونسأله أن يقوي في هذه الأيام والليالي عزائمنا على طاعته، وهمتنا في طلب مرضاته، وأن لا نشغل عن ذلك بسفساف الأمور. الصوم جُنَّة أقوام من النار والصوم حسن لمن يخشى من النار والصوم ستر لأهل الخير كلهم الخائفين من الأوزار والعار والشهر شهر إله العرش مَنَّ به ربٌ رحيمٌ لثقل الوزر غفار ينبغي لنا أن ندرك هذه الفضائل، وأن نتهيأ لها ولا نشغل عنها، ونسأله الرضوان، والعتق من النيران، ودخول الجنان برحمته فهو الرحيم الرحمن . اللهم! إنا نسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن تسخر جوارحنا في طاعتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم! اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين. اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم! اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم! اجعلنا ممن يشد مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشغل أيامه ولياليه بالذكر والطاعات والدعاء والمناجاة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد. اللهم! املأ قلوبنا بحبك، وأسجِد جباهنا لعظمتك، واجعل أقدامنا سائرة إلى طاعتك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! إنا نسألك أن تجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين. اللهم! امسح عبرتهم، وسكَّن لوعتهم، وفرَّج همهم، ونفس كربهم، وعجَّل فرجهم، وقرَّب نصرهم، وادْحر عدوهم، اللهم أمّن الخائفين، واكسُ العارين، وأطعم الجائعين، وسكنِّ المشردين، وانصر المجاهدين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! اجعل لنا ولإخواننا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعْلِ رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، واجعل الأيام والليالي المقبلة أيامَ ولياليَ نصر وعز وتمكين برحمتك وقدرتك وعزتك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 530

أوضاع المسلمين والموازين الدولية إن الناظر إلى القوانين الدولية ليرى العجب العجاب، فعندما تكون في صالح أعداء الإسلام فإنها تنفذ وبكل صرامة، وعندما تكون هذه القوانين في صالح المسلمين فإنه يكتفى بالشجب والتنديد، وهنا يظهر الكيل بمكيالين، فعلى الأمة إذا أرادت العزة والتمكين والنصر أن ترجع إلى شرع الله قولاً وعملاً واعتقاداً.
следующие страницы →