Полный текст (2 691 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الاعتكاف حكمه وفضله
عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵊ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فالاعتكاف سنة مؤكدة.
قال الإمام أحمد: لا أعلم خلافاً بين العلماء في سنية الاعتكاف.
وقال ابن العربي: هي سنة مؤكدة.
وقال ابن بطال: في مواظبة النبي ﷺ ما يدل على تأكد الاعتكاف.
بل قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه اعتكف، وضرب له خباء في المسجد، فاستأذنه بعض أزواجه فضربت لها خباء -أي: لتعتكف-، ثم جاءت الأخرى، ثم الثالثة، فلما رأى كثرة ذلك قال: آلبر تردن؟!) ثم نقض معتكفه، وترك اعتكافه حتى لا يكون ذلك واجباً، ولا يكون هذا الاجتماع من النساء، ثم قضى اعتكافه في عشر أخرى من شهر شوال، وذلك القضاء يدل على تأكد هذه السنة الماضية عن النبي ﷺ ، وفي حديث عائشة ﵂ قالت: (ترك النبي ﷺ الاعتكاف في ذلك الشهر، ثم اعتكف في عشر من شهر شوال) وفي حديث أبي هريرة ﵁: (كان ﵊ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي توفي فيه ﷺ اعتكف عشرين يوماً) وذلك يدلنا على فضيلة عظيمة حيث أراد النبي ﷺ -وقد دنا أجله- أن يستكثر من هذه الفضيلة، وأن يعظم من ذلك الأجر، وأن يكثر من الإخبات والإقبال على الله ، وذلك مؤذن بأهمية هذه العشر، وأهمية سنة الاعتكاف فيها، وما أعجب وأوجز ما قالته عائشة ﵂ في هذا الوصف الجميل الدقيق العجيب: (كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها) وكأنها تقول لنا: قارنوا بشيء معروف.
وقد ثبت عنها وعن غيرها من الصحابة صفة لياليه ﷺ ، وأنه (كان يقوم حتى تتفطر قدماه) وأنه ﷺ (لم يترك قيام الليل في سفر ولا حضر) وأنه منذ أن أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] لم يترك ذلك مطلقاً، وإذا ترك القيام لمرضه كان يقضيه في نهاره، فتأمل هذا الوصف الموجز لـ عائشة: (كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها)، بأبي هو وأمي ﵊، فكيف لنا أن نتصور زيادة على مثل هذا الذي ثبت وأثر عنه، وهو بعد ذلك يزيد عليه لأنها ليال فاضلة فيها من الزيادة في الأجر والاختصاص في محو الوزر ما ليس في غيرها مطلقاً، ولذلك كان يخصها النبي ﷺ في هذه الليالي بمثل هذه العبادة، وهي الاعتكاف، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، وإن كان الصحيح جوازه بدون صيام، لكنه في الصوم وفي رمضان آكد وأعظم في الأجر؛ لاجتماع صور العبادة كلها في ذلك الاعتكاف.
стр. 527
الحكمة من مشروعية الاعتكاف
لماذا شُرع الاعتكاف؟ إنّ الوقت في اليوم أربع وعشرون ساعة، والليالي عشر، فالمسألة محدودة، فإنْ كان هناك خلط بين أمور دنيانا وأخرانا، وبين مشاغل أحوالنا وأوضاعنا وما نريده لطاعتنا ولعباداتنا، فإن ذلك سيفوت من الخير أكثره.
أليست أيامنا في عامنا كلها مشتركة بين أحوال دنيانا وأخرانا؟ أليست كلها مقسومة بحصة أكبر لأمورنا وخاصتنا وأحوال حياتنا وشئون أولادنا؟ أليس القليل منها في نهارنا، وربما اليسير اليسير من ليلنا؟! أفنضن بعد ذلك بليال عشر لا تزيد ولا تنقص عن هذا العدد؟ لذلك كان ﵊ يجعلها خاصة للأمر الذي لا يجمع معه غيره، وهو الاعتكاف، أي: اللزوم والبقاء في مكان خاص -وهو المسجد- بنية العبادة لله ، فيتفرغ من شأن الخلق والخلائق إلى عبادة الخالق ، وذلك من كمال العقل، ومن عظمة الإيمان، ومن حياة النفس والروح، ومن التعلق الصحيح الذي كان لرسول الله ﷺ بربه، وإقباله على طاعته، ورغبته في مثوبته، وحبه لنيل رضاه، ورغبته في أن يكون كما قال ﵊: (أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له وأعبدكم له) ﷺ .
قال ابن عمر في الحديث الصحيح عند البخاري: (إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ رأوا ليلة القدر في المنام، فقال ﵊ -وقد أخبروه برؤاهم-: إني أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرياً لليلة القدر فليتحرها فيها) وغير ذلك مما ثبت عنه ﵊ في شأن ليلة القدر.
فضائل هذه الأيام والليالي الفاضلة أكثر من أن تحصى، وإيجاز القول الذي ثبت فيها يدل على أن السلف لم يكونوا يحسنون كثرة الكلام مثلنا، ولا يزينون العبارات بالبلاغات كحالنا، وإنما يحسنون أعمال القلوب، وتحليق الأرواح، وسجود الجباه، وتسبيح الشفاه، والإقبال على الله ، فما كان عندهم بهرج كثير، ولا كلام مكرر، وإنما كانت عندهم قلوب خاشعة، ونفوس على الله مقبلة، وعبادة دائمة، ولذلك لم نجد في هذه الأحاديث ولا في تلك الأوصاف كلاماً كثيراً، ولا وصفاً متعدداً، وإنما هو الإيجاز الذي إذا تأملناه بهرتنا معانيه (كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها) كيف يكون هذا الاجتهاد من سيد الخلق ﷺ ؟! وكيف يكون اجتهاداً زائداً وكل أيامه ولياليه كانت اجتهاداً في طاعة الله ؟!
стр. 528
عبرة من قصص السلف
أذكر قصة من حياة أسلافنا في حلس البيوت التي اليوم تشكو وتعاني من كثير مما يلهي ويغري ويصرف عن طاعة الله ، امرأة حبيب العجمي -وهو أحد السلف- تقول له في الليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سرت ومضت، ونحن بقينا.
هذه امرأة لم تشغل بطعام ولا بشراب، ولا بوصفات إعداد الأطعمة، ولا بالموضات وما ينزل خصيصاً في العشر الأواخر من الملابس والموديلات والموضات، لقد شغلتهم المشاغل الإيمانية، وألهتهم عن هذه الأمور الدنيوية.
يا نائم الليل كم ترقدُ قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ وخذ من الليل وأوقاته وِرْداً إذا ما هجع الرُّقَّدُ من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يزهدُ قل لذوي الألباب أهل التقى قَنطَرَةُ الَعْرض لكم موعِدُ ذلك ما يمليه العقل الراشد والقلب الحي والنفس المؤمنة والموسم العظيم والأجر الكثير الذي ينبغي لنا أن نجتهد فيه.
نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يصرفنا عن الغفلة واللهو واللغو وفاحش القول وسيئ العمل في سائر الأيام والأحوال، وفي هذه العشر على وجه الخصوص.
стр. 529
ليلة القدر هي الجائزة الكبرى التي لا تقارن بها الدنيا وما فيها
العشر الأواخر هي الفرصة الأخيرة، وكما نرى أهل الدنيا وهم يجعلون مواسم وأياماً للجائزة الكبرى، نراها قد ملئت بها صفحات الجرائد، وتتكرر على شاشات التلفاز، وأما الليلة الكبرى والجائزة الكبرى التي لا تقارن بها الدنيا كلها بما فيها فهي بين أيدينا، ولا يفصلنا عنها ونحن في العشر سوى أيام قلائل، ولا يبعدنا عن إدراك خيرها ونيل أجرها وحصول مثوبتها إلا أن نجدد التذكر ونحسن الامتثال (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) اجعل هذه الجمل الثلاث نصب عيبك، فهي جمل موجزة رائعة بديعة تحكي حياة قلب وروح وعبادة ليل، لا يكاد يفتر فيها ﵊ ما بين صلاة وتلاوة وذكر ودعاء، ولا يخرج من مصلاه كما في الصحيح، وكان ربما يدني رأسه إلى حجرة عائشة فترجله، أي: ترجل شعره وهو معتكف في المسجد ﵊، فليس هناك شيء يمكن أن يقال أبلغ وأوجز مما ذكرته عائشة وذكره أصحاب النبي ﷺ .
تلك عشر ليالٍ تتحول فيها الأحوال تحولاً تاماً نحو الانقطاع عن الدنيا والانشغال بالآخرة والتفرغ للعبادة، وترك الأحوال المعتادة، وليس هناك ما يقال إلا أن نذكَّر بأن كل ليلة من رمضان لله فيها عتقاء من النار، وقد ورد كذلك أنه إذا كانت الليلة الأخيرة كان من العتقاء مثلما أعتق الله من أول الشهر، ولا تغفل كذلك عن العبادة ليلة العيد التي ينشغل فيها الناس فلا يكادون يذكرون ولا يصلون ولا يدعون ولا يتهيئون لأن يودعوا شهرهم باستيداع مزيد من العمل الصالح في خزائن رمضان.
أيها الأخ الحبيب! ونحن نتذكر ونذكر أنفسنا بمثل هذه المعاني نتذكر أيضاً أحوال أمتنا، ولابد لنا ونحن نتذكر الحياة التي نحن فيها من الخير ومن نعمة الله من أن نتذكر من حرموا تلك النعم، ومن يعيشون في كل يوم على صوت أزيز الرصاص، وقصف الدبابات، واشتعال النيران، وعدوان المجرمين الظالمين الغاصبين المعتدين في كل بقاع الأرض بدءاً من فلسطين، ومروراً بالعراق، وانتهاء بالشيشان، وتعريجاً على كشمير وفي غيرها من الجهات التي فيها جاليات مسلمة تضطهد أو تعذب، ولذلك ينبغي ألا نقتصر على الدعاء لأنفسنا ولأهلنا ولديارنا وبلادنا، وينبغي أن يكون لهم حظ من دعائنا، فندعو لأمتنا وإخواننا، ونسأل الله أن يصلح أحوال واقعنا، علَّ الله في هذه العشر المباركة أن يتداركنا برحمته، وأن يجعلها فرجاً لكل من به ضيق، ويجعلها نصراً لكل من له جهاد، ونسأله أن يقوي في هذه الأيام والليالي عزائمنا على طاعته، وهمتنا في طلب مرضاته، وأن لا نشغل عن ذلك بسفساف الأمور.
الصوم جُنَّة أقوام من النار والصوم حسن لمن يخشى من النار والصوم ستر لأهل الخير كلهم الخائفين من الأوزار والعار والشهر شهر إله العرش مَنَّ به ربٌ رحيمٌ لثقل الوزر غفار ينبغي لنا أن ندرك هذه الفضائل، وأن نتهيأ لها ولا نشغل عنها، ونسأله الرضوان، والعتق من النيران، ودخول الجنان برحمته فهو الرحيم الرحمن .
اللهم! إنا نسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن تسخر جوارحنا في طاعتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.
اللهم! اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم! اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم! اجعلنا ممن يشد مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشغل أيامه ولياليه بالذكر والطاعات والدعاء والمناجاة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد.
اللهم! املأ قلوبنا بحبك، وأسجِد جباهنا لعظمتك، واجعل أقدامنا سائرة إلى طاعتك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكَّن لوعتهم، وفرَّج همهم، ونفس كربهم، وعجَّل فرجهم، وقرَّب نصرهم، وادْحر عدوهم، اللهم أمّن الخائفين، واكسُ العارين، وأطعم الجائعين، وسكنِّ المشردين، وانصر المجاهدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! اجعل لنا ولإخواننا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعْلِ رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، واجعل الأيام والليالي المقبلة أيامَ ولياليَ نصر وعز وتمكين برحمتك وقدرتك وعزتك يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 530
أوضاع المسلمين والموازين الدولية
إن الناظر إلى القوانين الدولية ليرى العجب العجاب، فعندما تكون في صالح أعداء الإسلام فإنها تنفذ وبكل صرامة، وعندما تكون هذه القوانين في صالح المسلمين فإنه يكتفى بالشجب والتنديد، وهنا يظهر الكيل بمكيالين، فعلى الأمة إذا أرادت العزة والتمكين والنصر أن ترجع إلى شرع الله قولاً وعملاً واعتقاداً.
стр. 531
مقدمة عن حال الأمة الإسلامية وواجب المسلمين نحوها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: فهذا هو الدرس الرابع والعشرون من هذه السلسلة من الدروس، وهو اليوم بعنوان: أوضاع المسلمين والموازين الدولية.
ويأتي هذا الدرس ربما في وقت يتزامن ويتناسب مع كثير من المستجدات والأحداث، التي تحيط بأمة الإسلام في كثير من ديارها وعلى كثير من أبنائها، والذي يلحظ الواقع المعاصر يرى أنه في خلال الأعوام القريبة القليلة الماضية علا صوت الشرعية الدولية، ولزوم احترام القوانين الدولية، ومراعاة مشاعر الأسرة الدولية، ونحو ذلك من المقالات التي تعود في جوهرها إلى لزوم مراعاة هذه الموازين والقوانين التي ترتبط بالأمم المتحدة وفروعها ولجانها ومجالسها.
والذي يتأمل بصورة سريعة يجد أن أوضاع المسلمين على وجه الخصوص، أعني الأوضاع المأساوية التي يصب فيها على المسلمين كل أنواع الأذى والعسف والظلم، نجد أن هذه الموازين إما أنها لا تفي بالغرض الذي يحقق العدالة أو يدفع الأذى، وهذا في كثير من صورها وأحوالها، وأما أنها تحيف وتميل وتكيل بمكيالين، سيما إذا كان الأمر يتعلق بالمسلمين.
وإما على أحسن الأحوال والظروف أنها تكون قرارات وأموراً لا تعدو أن تتجاوز الخطب أو القرارات المطبوعة والمكتوبة التي لا تغير في الواقع شيئاً، وفي حقيقة الأمر ربما لا تساوي المداد الذي كتبت به؛ لأنه ليس لها قيمة تأثيرية تغييرية في الواقع.
وأحوال المسلمين المضطهدين أكثر من أن يحيط بها درس أو محاضرة، بل إن كل قضية من قضايا المسلمين لا تكفيها دروس ولا محاضرات، وحال المسلمين مقارنة بغيرهم في الجملة ربما يعبر عنه قول الشاعر: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر وهذا الذي نراه في واقع الأمر إذا قتل فرد من أمة نصرانية أو يهودية، أو من دولة شرقية أو غربية تقوم له الدنيا ولا تقعد، وإبادة شعوب الإسلام هنا وهناك مسألة فيها نظر، تحتاج إلى التداول وإلى القرارات وإلى غير ذلك من الأمور، وحال المسلمين بالنسبة لكثير من دولهم أيضاً يصح فيها قول شاعر العرب: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود إذ لا يلحظ لهم قوة أو قدرة فاعلة، ولو ضمن هذه الموازين والمقررات الدولية التي يراد لها أن تكون مهيمنة وحاكمة على العالم، والمتأمل أيضاً يجد أن أوضاع الديانات والعرقيات والمبادئ الأخرى غير الإسلامية تشهد نشاطاً عند الملمات والمهمات، وهذا النشاط له دور فاعل تأثيري لا ينتظر المداولات، ولا يستجيب في الغالب للقرارات، بل يجعل لغة العمل والتغيير الواقعي هي اللغة المسموعة، ولذلك في غالب الأحوال يحظى هؤلاء بحوزة حقوقهم، وتكون لهم صورة من الهيبة والاحترام، بعكس من ينتظر الاستجابة للقرارات أو الوصول إلى الحلول وغير ذلك من الأمور، وكما قال الشاعر: كل الشعوب على الطريق توحدت وشعوبنا لما تزل أشياعا كم نستكين إلى الهوان وليتنا نشكو المهانة أو نحس صداعا كل الشعوب تنام ملء جفونها والسقف فوق شعوبنا يتداعى كل الشعوب إلى الشواطئ أبحرت هل يملك الشعب القتيل ذراعا حال الأمة في الحقيقة لا نذكرها تأييساً للأمة وفتاً في العضد وقتلاً لبوادر وبوارق الأمل، وإنما فائدتها على العكس من ذلك أنها توضح الصورة، وتكرس الولاء للإسلام، وتبدي الحاجة الشديدة الملحة لوحدة أمة المسلمين، وتناصر شعوب الإسلام فيما بينها، وأن يكون المسلمون -كما أخبر النبي ﷺ يداً على من سواهم، وأنه يسعى بذمتهم أدناهم، وكما قال ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، أما التبلد والسلبية والبقاء والانحصار في دائرة الأنانية، وعدم التفاعل والارتباط بأمة الإسلام والمسلمين في شرق الأرض وغربها، فهو دلالة على ضعف الإيمان، وعدم وضوح الرؤية والعلم بهذا الدين، بل هو في كثير من الصور وللأسف ربما يمثل صورة من قول الله : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، وينبغي أن يتخلى المسلمون عن هذه الصورة، ولا يكون حالهم كقول القائل: يموت المسلمون ولا نبالي ونهرف بالمكارم والخصال ونحيا العمر أوتاراً وهزلاً ونحيي العمر في قيل وقال لماذا كل طائفة أغاثت بنيها غيركم أهل الهلال ترى الصلبان قد نفرت وهبت يهود بالدواء وبالغلال هبوهم بعض سائمة البراري هبوبهم بعض سابلة النمال هبوهم أي: هبوا إخوانكم المسلمين.
стр. 532
حقوق الإنسان في الأعراف الدولية ونصيب المسلمين منها
حتى نلج إلى صلب الموضوع والقضية، فإننا نستعرض بعض هذه الموازين في نصوصها وقوانينها التي صيغت بها، ثم نرى تطبيقها في الواقع، لنرى حظ المسلمين منها، وهذه الموازين كثيرة جداً، والإحاطة بها يطول أمرها، ولذلك سأقتصر في كل قضية من القضايا على أمثلة محدودة، ربما تزيد في بعض الموازين لأهميتها وكثرة ما ينقضها ويعارضها، وتقل في البعض الآخر؛ لأن الأمثلة فيه قد لا تحتاج إلى ذلك التفصيل.
من أهم هذه الموازين والقوانين التي يكثر الحديث عنها: حقوق الإنسان التي تصم آذاننا في هذه الأيام صباحاً ومساءً، وفي غالب الأحوال لا تكون بالنسبة للمسلمين كما ينبغي أن تكون، أو كما ينص عليها قوانينها.
وأذكر لكم بعض المواد الرسمية في القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان، ثم نرى بعد ذلك تطبيقاته على أوضاع المسلمين.
ينص هذا القانون في مادته الأولى بالنص القائل: يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق.
وفي مادته الثانية يقول: لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات، دون أي تمييز من عنصر أو لون أو جنس أو لغة أو دين، وكذا فيما بين الرجال والنساء.
وفي المادة الثالثة يقول: إن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
وفي الخامسة يقول: إنه لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات الوحشية أو الحاطة بالكرامة.
وأنا أختار بعض المواد، ولا أذكرها كلها.
المادة التاسعة: لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً.
المادة الحادية عشرة: كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً.
المادة الثانية عشرة: لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة، سواء في أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، أو أن يتعرض لحملات على شرفه أو سمعته، وكل شخص يحميه القانون من مثل هذه الاعتداءات.
المادة الثالثة عشر: لكل فرد حرية الانتقال، واختيار محل إقامته داخل حدود أية دولة، وله الحق في الخروج من بلده، كما له الحق في العودة إليه متى شاء دون أية قيود، إلا ما يتعلق بقيود القوانين التي فيها منع بموجب قانون الجريمة أو نحو ذلك.
المادة السابعة عشرة: لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.
المادة الثامنة عشرة: لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، وهذا الحق شامل لحرية تغيير الديانة أو العقيدة وحرية الإعراض عنها.
وسنعرض في آخر الحديث إلى هذه الموازين من حيث النظرة الشرعية، لكننا الآن نجاري هذه الموجة لنعلم أنه حتى هذه القوانين الوضعية التي في بعضها أو كثير منها مخالفة لشرع الإسلام لا تطبق التطبيق الصحيح كما يزعم واضعوها، أو ينادي واضعوها الناس إلى أن يحتكموا إليها.
المادة التاسعة عشرة: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأخبار والأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بدون تقيد بحدود جغرافية وبأية وسيلة.
المادة الثالثة والعشرون: لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية، ولكل فرد دون أي تمييز الحصول على أجر متساو في العمل مع غيره، وله أيضاً الحق في أجر عادل مرضٍ يكفل له ولأسرته عيشه الكريم.
المادة الخامسة والعشرون: لكل فرد الحق في مستوى معيشي كاف يحافظ فيه على الصحة والرفاهية، ويضمن الغذاء والملبس والمسكن والصحة وتأمين المعيشة.
وللأمومة والطفولة حقوق خاصة في هذا أكثر من غيرها، وأن الدول ينبغي أن تكفل هذه الحقوق من الرفاهية، وأن يحصل الإنسان على الحد الأدنى من مستوى المعيشة المقبولة.
المادة السادسة والعشرون: لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم الأساسي مجاناً وإلزامياً، وأن يتيسر أيضاً التعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع دون أي فروق أو تمييز.
هذه بعض المواد فيما يتصل بالمواد الأساسية في قانون حقوق الإنسان المدنية والسياسية، وهناك أيضاً اختيارات أخرى من قانون حقوق الإنسان في الشئون الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
نقتطف منها مادة واحدة وهي: تقر هذه الدول بحق الفرد في المشاركة الثقافية، والانتفاع بالتقدم العلمي، والانتفاع بحماية المصالح المعنوية والمادية الناتجة من الإنتاج العلمي والأدبي الذي يقوم هو بتأليفه.
هذا ما ذكرناه في مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي أول مواد الحقوق المدنية والسياسية يأتي الحق الذي يكثر ترداده كثيراً وهو موضوع حق تقرير المصير: تنص المادة الأولى: على أن لكل الشعوب الحق في تقرير المصير، وحرية كيانها السياسي، ومواصلة حرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ثانياً: لجميع الشعوب تحقيق غايتها الخاصة في التصرف في حريتها وثروتها ومواردها الطبيعية، وجميع الدول الأطراف عليها العمل من أجل تحقيق حق المصير، واحترام ذلك الحق تمشياً مع ميثاق الأمم المتحدة.
وأيضاً نجد أن هذه المواد تكرس ذاك القول الذي ذكر في مسائل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ثم أيضاً بعد ذلك أضيفت قوانين أخرى تتعلق بهذا الباب، ومن أهمها قانونان مهمان: الأول منهما: جريمة إبادة العنصر، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر ديسمبر عام (١٩٤٨م) اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية، ثم أصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول في عام (١٩٦١م) وفي عام (١٩٨٦م) صدقت عليها ستة وتسعون دولة، وأصبحت هذه الاتفاقية معمولاً بها.
وكذلك معاهدة أخرى وهي معاهدة منع التمييز العنصري، وأصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول في عام (١٩٦٩م)، وصدقت عليها مائة واثنان وعشرون دولة، وفي كلتا المعاهدتين كانت إسرائيل إحدى الدول المصدقة على مثل هذه المعاهدة.
стр. 533
حقوق الإنسان في الأعراف الدولية وأوضاع المسلمين في بورما
بمجرد أن نستعرض بعض أحوال المسلمين في بعض المناطق نجد بوضوح الصورة المعاكسة والمغايرة لهذه الإعلانات والمواد والقوانين، أوجز ما يتعلق بأحوال وأوضاع المسلمين في بورما في عشر نقاط؛ حتى تعلموا أن كل هذه المواد بتفصيلاتها وتفريعاتها لا أثر لها في واقع المسلمين في بورما.
بورما بلد إسلامي دخله الإسلام في القرون الأولى من عهد الإسلام، وحكم الإسلام مناطق بورما وبالذات منطقة أراكان نحو خمسين وثلاثمائة عام، وتعاقب عليها ثمانية من ملوك المسلمين، حتى جاءت بعد ذلك البوذية، واحتلت هذه المناطق، وقتلت وشردت، ثم بعد ذلك جاء الاستعمار البريطاني، ثم بعد ذلك ورث تركته وضم المسلمين إلى الحكومة البوذية في بورما، ومارست من جديد التقتيل والتشريد، وهذه الخلاصة نوع من مناقضة ما هو مذكور في هذه النصوص لحقوق الإنسان: أولاً: بموجب قانون المواطنة والجنسية الذي صدر عام (١٩٨٢م) ألغيت الجنسية عن جميع مسلمين أراكان، وأصبحوا -كما هو مذكور في الصحف والمجلات- شعباً بلا وطن، وإلى الآن إخواننا الموجودون هنا في المملكة في مكة وفي جدة وفي غيرها من البرماويين لا يملكون أية جنسية، وليس عندهم أية جوازات، وهذا أحد النصوص التي لم نذكرها وهي: أن لكل فرد الحق في التمتع بجنسيته، ولا يسلب هذا الحق منه مطلقاً.
ثانياً: الحرمان من السفر والانتقال حتى إلى العاصمة التي يحتاج الناس إلى التردد إليها لبعض حاجاتهم.
ثالثاً: وجود الاعتقالات والقتل والتعذيب دون مبرر، والأعداد في هذا مهولة جداً، يكفي أن نقول: إنه قتل في بدايات هذه الفتنة والمحنة التي مرت بإخواننا هناك أكثر من ثمانين ألف مسلم في فترة واحدة لا تتعدى العامين فقط، ولما تجددت النزاعات في عام (١٩٤٧م) قتل كذلك عشرات الآلاف من المسلمين، وأما المهجرون فتبلغ أعدادهم أكثر من (اثنين مليون) مفرقين في كثير من أنحاء العالم في شرقه وغربه.
رابعاً: الإجبار على أعمال الخدمة، وبدون مقابل وبدون أجر، وهذا أيضاً يناقض هذه القوانين.
خامساً: تهجير المسلمين وتوطين البوذيين البورماويين في أماكن سكناهم.
سادساً: نهب الأموال، وحصد المحاصيل، ومنع استيراد المواد الغذائية؛ سياسة تجويع وقتل تعارض جريمة الإبادة الجماعية أو الجنسية كما ذكرناها.
سابعاً: منع المسلمين من ممارسة التجارة بأية صورة من الصور.
ثامناً: الحرمان من الوظائف الحكومية مطلقاً.
تاسعاً: مصادرة أوقاف المسلمين وأراضيهم الزراعية.
عاشراً: إيجاد العقبات أمام التعليم بشتى صوره، وفي شتى مراحله.
ويكفي أن نقول: إنه لا يوجد لهؤلاء المسلمين الذين يبلغ عددهم نحو ستة ملايين، ولا ممثل واحد في البرلمان، ولا في مؤسسة مطلقاً، إضافة إلى حرمانهم من كل هذه الأسباب والحقوق، ومع ذلك لا تجد لهذه القضية حظاً من القرارات الدولية.
стр. 534
حقوق الإنسان في الأعراف الدولية وأوضاع المسلمين في فلسطين
وهناك مثل آخر صارخ جداً يتعلق بأحوال المسلمين في دولة فلسطين السليبة، تجد أيضاً أن الوقائع أكثر من أن تحصى، وتجد أن هذه القوانين مجرد حبر على ورق.
سأفيض هنا قليلاً في بعض الإحصاءات والأرقام المتعلقة بهذا الشأن، فسنجد في فترة زمنية محدودة تبلغ نحو عشر سنوات أنه صدرت في حق إسرائيل نحواً من عشرة قرارات من لجان حقوق الإنسان، وهذه القرارات نوجز ما ذكر عنها في فترات متباعدة، وهي كلها تدين وتشجب وتبدي الأسف وتنظر بعين القلق وما يلحق بذلك، ولا ينفذ من هذه القرارات شيء مطلقاً، بل إننا نجد أيضاً أن الدول الكبرى التي تدعي حقوق الإنسان ونحو ذلك أنها تعارض حتى هذه القرارات الهزيلة بصياغاتها الضعيفة جداً، فمن بين هذه القرارات نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية امتنعت في قرارين عن التصويت، وفي أربعة من هذه القرارات صوتت ضدها، وهذا أيضاً يدل على أن مسألة موازين القوى متعلقة بالعقائد والمصالح، وأنه ليست هناك قضية العدل وتحري إقامة القانون بموجب ما هو منصوص عليه.
وهذه القرارات كما ذكرت تدعو دائماً إلى القضايا المنتهكة بالنسبة لحقوق الإنسان.
الذي قتل من المسلمين الفلسطينيين عشرات الآلاف، أما المشردون فيبلغ عدد المهجرين من الفلسطينيين منذ بداية (١٩٤٨م) إلى اثنين مليون ونصف ما يزالون خارج ديارهم وأرضهم، سواءً الذين لازالوا في المخيمات أو استوطنوا في بعض الديار، أو هاجروا إلى بلاد الشرق والغرب وغير ذلك.
أحب أن أذكر وأشير إلى نص واحد من نصوص هذه القرارات حتى نرى هذه الانتهاكات المذكورة في نصوص قرارات الأمم المتحدة نفسها.
هذا القرار رقم (١٠) في الدورة السادسة والعشرين في (٢٣/ مارس/ ١٩٧٠م) وعنوانه: إدانة خرق إسرائيل المستمر لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، يقول: إن لجنة حقوق الإنسان إذ تذكر المبادئ التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإذ تذكر قرار المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان رقم (كذا) في تاريخ (كذا)، وإذ تذكر قرار مجلس الأمن رقم (كذا) وقراره رقم (كذا) وقرار الجمعية رقم (كذا) وتلخص مضامين هذه القرارات، وإذ تذكر أيضاً قرار الدورة الخامسة والعشرين التي قررت تأليف لجنة لتقصي الحقائق، وإذ تضع نصب أعينها أن الاتفاقية السالفة الذكر ملزمة لإسرائيل، وإذ تعرب عن قلقها العميق بسبب الظروف المتدهورة الخاصة بحقوق الإنسان في المناطق المحتلة، وإذ تشعر بالانزعاج الشديد من التقارير الحديثة عن قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلية بعملية طرد جماعي للاجئين، وقد تلقت ودرست تقرير فريق العمل، وتقرر الآتي: أولاً: تلاحظ بخيبة أمل رفض إسرائيل التعاون مع فريق العمل السالف الذكر الذي ألفته لجنة حقوق الإنسان.
ثانياً: تؤيد النتائج التي انتهى إليها فريق العمل بشأن تطبيق (اتفاقية جنيف) الخاصة بحماية المدنيين في وقت الحرب على كل المناطق المحتلة، وتفيد التقارير على أن هناك انتهاكات لتلك الاتفاقية في المناطق الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي.
ثالثاً: تدين إسرائيل لرفضها تطبيق تلك الاتفاقية وخصوصاً الانتهاكات التالية: - التدمير الكلي والجزئي لقرى ومدن في المناطق المحتلة.
- إقامة مستوطنات إسرائيلية في المناطق العربية الخاضعة للاحتلال العسكري.
- عمليات ترحيل وطرد السكان المدنيين غير القانونية.
- الأعمال القسرية لإرغام السكان المدنيين الخاضعين للاحتلال على التعاون مع السلطات ضد إرادتهم.
- إلغاء القوانين القائمة في المناطق المحتلة.
- كل سياسات وإجراءات العقاب الجماعي.
رابعاً: تأسف على السياسات والأعمال الرامية إلى ترحيل اللاجئين الفلسطينيين.
خامساً: تعرب عن قلقها العميق إزاء استخدام وسائل القسر لانتزاع المعلومات والاعترافات انتهاكاً لنصوص الاتفاقية المعنية.
- سوء معاملة وقتل المدنيين دون أي استفزاز.
- اعتقال الناس بأوامر إدارية لفترات تجدد تلقائياً إلى ما لا نهاية.
- حرمان هؤلاء المعتقلين من أي ضمان خاص في مدة الاعتقال.
- حرمان المتهمين من استشارة محام يختارونه.
- تدمير واغتصاب الممتلكات المنقولة وغير المنقولة.
سادساً: تدعو إسرائيل مرة أخرى إلى التقيد بدقة لتلك الاتفاقية.
سابعاً: تدعو إسرائيل إلى القيام حالاً بالآتي: - إلغاء جميع الإجراءات والكف فوراً عن القيام بأي عمل مناف للقوانين.
- الإحجام عن إقامة المستوطنات.
- أن تكف فوراً عن إجبار سكان المناطق المحتلة التعاون مع السلطات.
- ضمان العودة الفورية للمهاجرين إلى ديارهم.
- الكف فوراً عن ترحيل المدنيين.
تاسعاً: تثني على فريق العمل الخاص على ما قام به، وتقرر أن يستمر في التحقيق في الانتهاكات الإسرائيلية لهذه الاتفاقيات، وتبحث بصورة خاصة عن الدلائل المتعلقة بحالات التعذيب، كالحالات الأخرى لانتهاك الاتفاقية مثل إقامة المستوطنات.
وأخيراً: تدعو إسرائيل لاستقبال فريق العمل الخاص والتعاون معه، وتقرر الاستمرار في إدراج مسألة انتهاك حقوق الإنسان في تلك المناطق في جدول أعمال اللجنة، وتطلب من الأمين العام نشر التقرير، وتطلب أيضاً أن يرفع تقرير فريق العمل الخاص إلى الجمعية العامة.
هذا نص القرار وكله إعراب وتنديد وشجب وأسف وحزن وغير ذلك، ثم نجد أن الذين صوتوا ضد هذا القرار كثير، ومن الدول التي امتنعت عن التصويت على هذا القرار: فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا وغيرها من الدول.
هذا الكلام الذي كما ذكرت لا يعدو أن يكون حبراً على ورق ومع ذلك نجد أن الدول العظمى التي تدعي رعاية حقوق الإنسان وبقوانين نفس الأمم المتحدة وبتقارير خبرائها وبإشرافها المباشر وتحقيقاتها المباشرة، نجد أن كل القرارات التي تقدمت بها لجان حقوق الإنسان لم تلق أبداً أية استجابة لا في قليل ولا في كثير، بل إن إسرائيل تندد بهذه القرارات وتعتبرها نوعاً من الظلم، أو استهلاكاً دعائياً كما ورد في تصريحات كثيرة لهم، حتى إن لجان حقوق الإنسان في تقاريرها السنوية أصبحت لا تستطيع أن تدرج تقرير إسرائيل ضمن التقرير العام، فتفرد لها كتيبات أو كتب خاصة بأحوال حقوق الإنسان في أرض فلسطين.
стр. 535
حقوق الإنسان وأوضاع المسلمين في الهند
لو تأملنا لوجدنا أن الأمر ليس فقط في هذه الدائرة، فإننا نجد الهند على سبيل المثال وفيها أكثر من عشرين ومائة مليون مسلم، ويعتبرون أقلية في مقابل عدد سكان يقرب من ثمانمائة مليون، وهؤلاء أيضاً يسامون القتل والتشريد والاعتقال على الأيدي الرسمية الحكومية، وأيضاً لا تجد إلا بعض القرارات والمناشدات القليل أو كثير من الأسف، وتجد أيضاً أن هذه الممارسات تبلغ حداً يصل إلى اللا إنسانية كما يقولون.
إذ معلوم أحول المسلمين في الهند، وخاصة في أحداث محاولة هدم المسجد البابري وكذلك في الأحداث السابقة في أثام وغيرها حيث استباحت قوى الشرطة وقوى الجيش دماء المسلمين وأعراضهم وديارهم وأحرقتهم ودمرت كل شيء، ومع ذلك ليست هناك أي فاعلية بصورة قريبة أو بعيدة لهذا القانون أو هذه الموازين الدولية.
стр. 536
حقوق الإنسان وأوضاع الدعاة والعلماء والملتزمين في تونس والجزائر
إننا نجد أيضاً حتى في البلاد العربية أن الدائرة تدور على دعاة المسلمين، وعلى من يلتزمون بإسلامهم؛ لا لشيء إلا لأنهم فقط يعلنون الالتزام الكامل التام بهذا الدين، فنجد أن الدائرة تدور عليهم وتمتلئ السجون بهم، على سبيل المثال: في تونس يبلغ السجناء من المسلمين ومن الدعاة أكثر من ثلاثين ألفاً، بل بعض الإحصاءات تبلغ بها إلى نحو خمسين ألفاً من المعتقلين، وليست لهم أدنى حقوق إنسانية مما ذكر في هذه الإعلانات، ومع ذلك لا تجد مثل هذه النداءات والصيحات؛ لأن القضية تدور رحاها على المسلمين، بينما في الأخبار نسمع أن الدول الأوروبية توقف مساعداتها عن ملاوي إلا المساعدات الإنسانية، لماذا؟ قالوا: بسبب أوضاع حقوق الإنسان المنتهكة، وبالتالي لابد من معاقبتها؛ لئلا تنتهك حقوق الإنسان، بينما نجد كثيراً من الانتهاكات التي تصب على المسلمين لا يكون لها أي إجراء عملي لا من قريب ولا من بعيد.
وكذلك بالنسبة لتونس أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً خاصاً عن تردي الأحوال للسجناء من الدعاة والخطباء والأئمة وغيرهم، ومثل تونس بعض الدول الأخرى، مثل الجزائر فأحوال المسلمين فيها سيئة.
стр. 537
حقوق الإنسان وأوضاع المسلمين في سيرلانكا والبوسنة والهرسك
سيرلانكا قتلت قوات التاميل فيها المسلمين في مساجدهم، وانتهبت أموالهم، وهتكت أعراضهم، وبقرت بطونهم، وما أحداث البوسنة والهرسك التي تجري رحاها في هذه اللحظات عنا ببعيد، والمتأمل يرى الصورة واضحة لا تحتاج إلى تفكير.
كل الصور عداء على المسلمين رغم اختلاف المعتدين، في سيرلانكا التاميل، وفي بورما البوذيون، وفي البوسنة والهرسك الصربيون النصارى، وفي الهند: الهندوك، وفي إسرائيل يهود، والمعتدى عليه في كل الأحوال مسلمون يذبحون ويقتلون، ولا يسمع بهم أحد، ولا يكترث لهم أحد، وأكثر ما يمكن أن تقوم به المنظمات الدولية هي إصدار قرارات مثل هذه القرارات التي ذكرت بعضاً منها.
وهذا الأمر كما أشرت أوضح من أن يوضح، والإحصاءات والأرقام كثيرة جداً، حتى إنني لم أستطع أن أختار منها شيئاً، فآثرت الإيجاز والإجمال في هذه القضايا، هذه قضية واحدة من هذه القضايا وهي قضية الموازين الدولية.
стр. 538
ضرورة الانصياع لقرارات مجلس الأمن والكيل بمكيالين
النقطة الثانية التي يكثر الحديث عنها الآن بشكل كبير جداً، هي: ضرورة الاستجابة والانصياع والرضوخ لقرارات مجلس الأمن، ومجلس الأمن في صورته النظامية أو القانونية هو عبارة عن المكتب التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة، يعني: هو الذي يمارس دورها وأعمالها بشكل دائم.
بمجرد النظر في بعض قوانين مجلس الأمن يظهر من خلاله بعض التناقض مع أساس ميثاق الأمم المتحدة، التي تجعل الدول والأمم كلها على مستوى واحد من حق السيادة والتصويت والمركز المعنوي الاعتباري لهذه الدول، بينما نجد أن مجلس الأمن كان في أصل إنشائه يتكون من أحد عشر عضواً، منهم الخمسة الأعضاء الدائمون وهم الدول الكبرى أو العظمى، والآن تهاوت هذه الأسماء والألقاب، ولم يبق في الساحة إلا القوة العظمى التي تنسب إلى الولايات المتحدة في الوقت المعاصر، أما بريطانيا التي كانت لا تغرب عنها الشمس فقد أصبحت الشمس غائبة عنها طول عهدها وعصرها، والاتحاد السوفيتي أصبح أثراً بعد عين، وأيضاً فرنسا تزاحم، والصين في منأىً عن الخارطة السياسية في كثير من الأحوال، وتعاني كثيراً من المشكلات، ويوشك بإذن الله ألا تبقى في الأرض قوة عظمى إلا قوة الإسلام بإذن الله .
مجلس الأمن يقرر أنه لا تعتبر القرارات سارية المفعول إلا إذا صوت عليها تسعة من الأعضاء، بعد ذلك زاد أعضاء مجلس الأمن إلى خمسة عشر عضواً، تسعة من الأعضاء يشترط أن يكون بينهم الخمسة الدائمو العضوية في المجلس، وإذا لم يصوتوا أو امتنعت إحدى الدول عن التصويت فقانونياً هناك إشكال، لكن إجرائياً إذا لم تعترض بصورة واضحة يمكن أن يقر القرار، لكن هناك النظام المشهور وهو حق النقض الذي يسمى (الفيتو)، وهو تدمير وتحطيم وإلغاء لكل قانون، ليبقى قانون القوة أو قانون الهوى هو الذي يحكم.
وعندما يأتي قرار أو تأتي قضية إلى مجلس الأمن، ويتبنى مشروعاً أو قراراً مهما كان هذا القرار عادلاً أو منصفاً أو غير ذلك، ومهما أجمعت عليه دول أو أيدته دول، تأتي واحدة من هذه الدول الأعضاء الخمس الدائمة العضوية: أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أو روسيا أو الصين، فتقول فقط كلمة واحدة: (فيتو)؛ ليسقط كل شيء، وينتهي الاجتماع، ويلغى القانون، ويتحطم كل شيء بكلمة واحدة، ورفعة يد واحدة، وينتهي الأمر! وهذا النقض يكرس هذا الضعف في صميم هذه القوانين فضلاً عن أننا بتجاوزنا لهذا الأمر فإننا نجد فاعليتها ضعيفة جداً.
стр. 539
قرارات مجلس الأمن في كشمير أنموذجاً
أضرب أمثلة وجيزة لضعف قرارات مجلس الأمن: فكشمير كانت مع بقية مناطق شبه القارة الهندية واقعة تحت الاحتلال البريطاني، ثم لما انسحبت بريطانيا ورفعت انتدابها، كان من ضمن القرارات الرسمية في هيئة الأمم المتحدة أن تبقى الهند مستقلة، وباكستان مستقلة، وأن الإمارات التي كانت تسمى بالإمارات الهندية يبقى لها حق الاختيار، إما أن تكون مستقلة أو أن تنضم إلى الدولة التي تريدها إما الهند أو باكستان.
بالنسبة لكشمير كان غالبية سكانها من المسلمين، وهي أرض إسلامية عريقة، دخلها الإسلام منذ عهد مبكر في أوائل قرون الإسلام الأولى، بينما كان الحاكم الموضوع في فترة الانتداب البريطاني وفي فترة التسلط الهندوكي بوذياً، فأراد هذا الحاكم البوذي أن يضم كشمير إلى الهند، والمسلمون -وهم الغالبية العظمى في كشمير- أرادوا أن ينضموا إلى باكستان، فعرضت القضية على مجلس الأمن، والعجيب أن الهند هي التي عرضت القضية وقالت: إن هناك تحرشات تهدد الأمن والسلام العالمي، وفي القانون أن أي دولة تقدم شكوى لابد أن تستند إلى نصوص القانون، وتبين مدى خطورة الأمر الذي ينقض أو يعارض هذه القوانين أو المواثيق المتعلقة بالأمم المتحدة.
لنلاحظ ونتدرج مع هذه القضية كيف سارت؟ في عام (١٩٤٨م) أخبر مندوب الهند في الأمم المتحدة عن وجود هذه المشكلة، ثم شبت الثورة، وبدأ القتال، فمجلس الأمن نادى جميع الأطراف بالامتناع عن كل ما من شأنه الإخلال بالمواثيق الدولية، ثم أعلنت الدولتان استعدادهما لتجميد المسألة.
ثم شكل مجلس الأمن لجنة تحقيق للتحري في القضية، وبذل الوساطة، وإجراء استفتاء للشعب الكشميري؛ حتى يختار حق تقرير مصيره بنفسه كما يقولون، لكن ما بدأت اللجنة أعمالها إلا وقد احتلت الهند ثلثي مساحة كشمير بقوة السلاح وبقوة الواقع مباشرة، وبعد ذلك اختير رجل عسكري أمريكي ليكون مفوضاً دولياً لإجراء الاستفتاء مع لجنة لإقامة هذا الاستفتاء حتى يتم إقراره واعتماده، ولم تنجح اللجنة ولم يتحقق تقدم، ثم في عام (١٩٥١م) و (١٩٥٢م) -يعني بعد ثلاث سنوات من هذه القضية- بدأ بعض التقارب، وكرر مجلس الأمن نداءه بتوقف إطلاق النار، ولكن الهند رفضت.
في عام (١٩٥٣م) أسست الهند جمعية تأسيسية مؤيدة لها، وأعلنت الولاية جزءاً لا يتجزأ من الاتحاد الهندي، وضمتها إليها رسمياً كما ضمت إسرائيل في أوائل الثمانينات الجولان والمناطق الأخرى التي احتلتها في عام (١٩٦٧م).
في عام (١٩٥٧م) -يعني بعد أربع سنوات- اشتكت باكستان إلى مجلس الأمن، وطالبت بسحب جميع القوات الهندية الأجنبية من ولاية كشمير، وضرورة إرسال قوات دولية.
في (٢٤) كانون الأول عام (١٩٥٧م) قرر مجلس الأمن بأغلبية عشرة أصوات عدم الاعتراف بخطوات الهند وضمها لكشمير، وبقاء الحالة الراهنة في كشمير.
بعد ثلاثة أيام من هذا التاريخ أعلنت الهند في عيد استقلالها ضمها لكشمير ضماً رسمياً نهائياً، فيصبح مجلس الأمن وقراراته تحت حذاء الهند عملياً، ثم استخدم الاتحاد السوفيتي حق الفيتو عندما دعا مجلس الأمن لمعالجة الموقف.
ثم في عام (١٩٦٥م) لم يكن هناك أي حل، بل ازدادت المسألة شراسة، وازدادت الحروب، وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات بوقف إطلاق النار.
وفي عام (١٩٦٦م) تم التوصل إلى الاتفاق بتشجيع الاتحاد السوفيتي، وتم توقيعه في طشقند، واستخدم في هذا الاتفاق (دبلوماسية)، بحيث يبقى جو النزاع مستمراً، ولا يزال الوضع حتى الآن متأزماً كما هو، ومتفجراً بين فترة وأخرى، ولم يحصل هناك أي حل.
يقول أحد خبراء القانون الدولي تعليقاً على مسألة كشمير: إن فيها أكثر من درس، منها: أنه خلال أكثر من عشرين سنة من بداية جهود الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم يقدم إلى أقل القليل لإيقاف الفرقاء من قتل بعضهم البعض، وحتى ذلك القليل ما تحقق إلا في وقت متأخر جداً.
وكذلك ظهر تحدي الهند كعضو في الأمم المتحدة لقرارات الأمم المتحدة ومعارضتها لها معارضة مباشرة، دون أن يكون هناك أي إجراء عملي لمعاقبة الهند، أو كما يقال الآن: إلزامها بضرورة الامتثال لقرارات مجلس الأمن، وإلا فإنه ستكون هناك عقوبات إلى آخره.
стр. 540
قرارات مجلس الأمن والقضية الفلسطينية
لو أخذنا مثالاً آخر وهو: القضية الفلسطينية التي تعد مثالاً صارخاً لتجاهل قرارات الأمم المتحدة، وأذكر فقط أنه في خلال عشر سنوات صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة نحو ثمانية وستين ومائة قرار في شأن قضية فلسطين، وصدر من مجلس الأمن في هذه الفترة التي تنتهي بعام (١٩٧٤م) سبعين قراراً، وصدرت تسعة قرارات من مجلس الوصايا، وصدرت أكثر من خمسة عشر قراراً من لجان حقوق الإنسان، وقرار من المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، وقرار من اللجنة الخاصة بحقوق المرأة، وكل هذه القرارات تبخرت وذهبت أدراج الرياح.
نلاحظ في قرارات مجلس الأمن أيضاً أن الضغوط التي تمارسها القوى الكبرى لها أثر كبير في إقرار الأمور، وقلب الموازين، وعدم إحقاق الحق بالنسبة للمسلمين.
فهذا قرار التقسيم برقم (١٨١) إلى آخر القرارات التي ما تزال المطالبة بها مثل قرار (٢٤٢) هذا القرار ينص على أن على إسرائيل أن تنسحب عن أراض احتلت في النزاع الأخير، وهذا السطر الأول من القرار هو الذي يشرق الناس به الآن ويغربون، وكما ذكرت مذكرة الضمانات الأمريكية قبل بدء المفاوضات أن لكل دولة أن تفسر القرار بالتفسير الذي تراه مناسباً لها، وإسرائيل تفسر القرار بأنها انسحبت من سيناء وانتهى الأمر وقد تحقق هذا الغرض.
وأما الأرض مقابل السلام فقد قالت إسرائيل: السلام مقابل السلام وهذا يكفي.
في حرب (١٩٦٧م) في يوم (٥) يونيو، ومع ذلك ما استطاع مجلس الأمن أن ينعقد في نفس اليوم ولا في اليوم الثاني ليصدر قراراً حتى صدر قرار في آخر يوم (٦) يونيو، ثم في يوم (٧) صدر قرار آخر بوقف إطلاق النار، ثم في يوم (٩) صدر قرار ثالث بوقف إطلاق النار، وكلها تتحطم باستمرار إسرائيل وسياسة الأمر الواقع، تقدمت إسرائيل واحتلت سيناء واحتلت الضفة الغربية واحتلت الجولان، ثم بعد ذلك جاء التوقف وجاء حل النزاع، وجاءت المفاوضات والسنوات الطويلة سنة إثر سنة وقرار إثر قرار، وتبقى الأوضاع كما هي حتى الآن، وهذا يؤكد عدم وجود الفاعلية والواقعية.
стр. 541
قرارات مجلس الأمن وقضايا المسلمين عامة
يتأكد لدينا أنه ليس هناك استخدام للمادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على ضرورة إجراء العقوبة وتعليق العضوية، واستخدام العقوبات الجماعية المقاطعة لكل من يرفض الانصياع لقرارات مجلس الأمن، بينما نرى الصورة الأخرى تجاه القضايا الإسلامية نجد أنها ما حظيت بشيء من الاهتمام ولا وصلت إلى أي صورة يمكن أن تكون محقة، أو تقدم وتكرس شيئاً من الحقوق للمسلمين، بينما على العكس من ذلك نجد مثلاً القضية المثارة الآن في ليبيا، أو حتى قضية العراق في أزمة الخليج بغض النظر عن أحقية وجدارة القضيتين نجد كيف كانت كثير من الدول العظمى تسعى وترغب في ذلك، كيف تصعدت المسألة ليس بسبعين قراراً بينما قرارات مجلس الأمن بالنسبة لإسرائيل أظنها تبلغ أكثر من مائة وخمسين قراراً أو نحو ذلك.
أما ما يتعلق بليبيا وأزمة الخليج فهي قرارات محدودة وفي فترة وجيزة ليس على مدى بعيد من عام (١٩٤٨م) وقت قيام دولة إسرائيل وإلى الآن أكثر من أربعين سنة وكل القرارات لم يتخذ حيالها أي قرار إجرائي، بينما كانت هناك عدة قرارات من مجلس الأمن تنص آخر فقرة فيها على أنه في حالة عدم الاستجابة فسوف يتخذ المجلس إجراءات أخرى، وفي القرار الذي بعده يأتي بنفس الفقرة الأخيرة: في حالة عدم الاستجابة سوف يتخذ المجلس إجراءات أخرى، وهكذا يستمر الحال دون أي صورة لهذا الميزان أو لهذه القضية.
стр. 542
التمييز العنصري في الموازين الدولية ونصيب المسلمين منه
النقطة الرابعة: التمييز العنصري الذي صدرت فيه الاتفاقية في الأمم المتحدة أيضاً، نجد أن التمييز العنصري دائماً يكون خاصاً بالمسلمين، سواءً كانوا في بورما أو كما هو الحال الآن في إسرائيل أو في كثير من البلاد مثل الهند ومثل سيريلانكا، إنها تميز المسلمين تمييزاً عنصرياً لا حق له، بل لا جنسية له، بل لا قيمة له في أي معنى من معاني الحقوق؛ بسبب شيء واحد فقط وهو أنه مسلم لا غير، وهذا أيضاً أمر واضح، ومن عجيب قرارات الأمم المتحدة التي تكرس انقلاب واختلال الموازين أن الجمعية قررت في الفترة القريبة الماضية إلغاء القرار الذي أصدرته في عام ١٩٧٥م الذي كان يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ألغي هذا القرار وكأن إسرائيل تخلت عن عنصريتها، ومع أنها ما زالت تزداد في هذه العنصرية وتبالغ فيها، ومع ذلك بمجرد تصويت ثلثي المجلس على أن الأسود أبيض أو الأبيض أسود فإنه يصدر القرار بهذا وإن كان منافياً للحق والعدل، فالقضية باعتبار الموازين والأنظمة والقوانين التي يجعلونها أمامهم.
стр. 543
إبادة الجنس ونصيب المسلمين منه
النقطة قبل الأخيرة: جريمة إبادة الجنس، وهي الآن تمثل واضحة جلية في البوسنة والهرسك، وهي ليس لها من تحليل ولا توصيف قانوني إلا أنها إبادة للمسلمين إبادة كاملة؛ لأنها تشكل كل أنواع البغي، سواءً بالقصف المدفعي أو بالأسلحة الرشاشة أو بالذبح بالسكاكين، كل الصور هي نوع من قتل لكل إنسان، الصغير والكبير، حتى الذين في بطون أمهاتهم بقرت البطون، وقتلت هذه الأجنة في بطون الأمهات، ومع ذلك كانت القوة التي أرسلتها الأمم المتحدة ثلاثمائة فقط من الجنود، انسحبوا قبل أيام قلائل؛ لأن الوضع الأمني قد تردى، فكان لابد من الانسحاب؛ حفاظاً على أرواح جنود الأمم المتحدة، وما يزال القصف والقتل والعسف مستمراً في هذه المناطق الإسلامية، نسأل الله أن يفرج الكرب ويزيل الغم.
стр. 544
حرية الأديان والموازين الدولية
حينما ينظر الإنسان في بعض القضايا يجد أيضاً مسألة حرية التدين التي يذكرونها ويدندنون عليها، نجد أن في بورما يضطر المسلمون تحت التعذيب أن يدخلوا في البوذية، أو في صربيا الآن يضطرون إلى أن يدخلوا في النصرانية، وأذكر تأييداً لهذا خبراً من الدول الديمقراطية الغربية المتحضرة، فهذا الخبر يقول: قررت وزارة الخارجية الألمانية استدعاء سفيرها في المغرب واسمه ويل فرد هوفمان قبل انتهاء مدة خدمته والتحقيق معه؛ بسبب الكتاب الذي يستعد لإصداره باللغة الألمانية بعنوان: الإسلام هو البديل.
لا زال يستعد لإصدار الكتاب ومع ذلك استدعي للتحقيق معه، وبعث وكيل وزارة الخارجية لشئون الشرق الأوسط ببرقية سرية إلى السفير في الرباط حذره فيها من الوضع الخطير الناشئ عن دعوته للأفكار الإسلامية، وتجاهله لوظيفته كممثل لدولة ديمقراطية غربية، وحذر السفير من تأثير معتقداته الدينية على عمله الرسمي، ورفع عنه تقرير من قبل خبير في وزارة الخارجية، وهذه صورة من صور عدم إقرار هذه القضايا إلا فيما يوافق هوى تلك الدول.
وبالجملة نجد أن هذه الموازين في كثير منها لا يجد الإنسان لها صورة مقبولة في الواقع العملي إلا فيما ندر.
стр. 545
حقائق واقعية لابد منها
أقف الآن أمام حقائق واقعية من خلال هذا الاستعراض وهي: أن المسلمين لابد أن يعلموا أن الاحتكام الكامل والاستسلام الكامل لا يكون إلا لشرع الله ، ولا يكون استسلام وقبول لغير حكم الله من القوانين الوضعية؛ وذلك لأنها تتضمن بعض الفقرات التي تعارض الشريعة الإسلامية مثل: حرية التدين، وحرية الزواج رغم اختلاف الأديان، وغير ذلك من الجزئيات التي فيها معارضة تماماً لنصوص الشرع.
النقطة الثانية: أن هذه القوانين رغم أنها تريد أن تكرس العدل وسيطرة القانون وتحقيق المساواة وإقامة الحرية وإشاعة الديمقراطية، إلا أنها في جوهرها وفي نصوصها من التناقض ما يجعلها لا تستطيع أن تفي بهذا الأمر، بل في نفس قوانينها ما يزعزع الثقة بها، فنفس قضية أو قانون حقوق الإنسان يتضمن مادة عما يسمى بقانون الطوارئ يقول: يستثنى من هذه الحقوق ما يكون من انهيار الحالة الأمنية التي تستدعي الدول إلى إعلان حالة الطوارئ مع التأكيد على عدم زيادة الحد بحيث يكون هناك اعتداء على الحريات الشخصية أو غيرها.
قوانين الطوارئ هذه تفتك بالمسلمين في كل بلاد العالم وفي كثير من ديار الإسلام، وفي كثير من ديار العرب للأسف، وكما هو الحال في مصر قانون الطوارئ مستمر له أكثر من ستة عشر عاماً متواصلة، ويجدد مرة بعد مرة، بينما هذا ينقض هذا الأصل كما هو معلوم.
وهذه القوانين في ذاتها ما ينقضها كما أشرنا إلى حق الفيتو في مجلس الأمن.
النقطة الثالثة: أن الناظر يرى في هذه القوانين عند تطبيقها أنها بالنسبة للمسلمين إما أن قضاياهم لا تحظى بالاهتمام، أو أنها بالعكس تحظى باهتمام مغاير ومعاكس، ويكون التمييز ضدهم واستغلال هذه القنوات والقوانين لسلبهم حقوقهم ولإيقاع الظلم بهم، وهذا ظاهر إلى حد كبير.
النقطة الرابعة: أن هذه الصورة التي عرضنا كثيراً منها في حقيقة الأمر تعطل القضايا وتجعل كسبها لغير صالح المسلمين، وتجعل هذه المباحثات والمداولات نوعاً لكسب الوقت، ليتمكن الأعداء كما حصل في الهدنة الأولى والثانية في فترة النزاع أو القتال بين العرب وإسرائيل في عام (١٩٤٨م).
النقطة الخامسة: أنه بعد استقرار الأوضاع لغير صالح المسلمين تكرس هذه الأنظمة صعوبة التغيير، بمعنى: أن استقرار الأوضاع يبقى التغيير لابد له من قرار، والذي يحاول التغيير المباشر في الواقع العملي لوقوف الطرف الآخر باستصدار قرارات أو باستدعاء الأمم المتحدة مرة أخرى.
النقطة السادسة: أنه ليست هناك جدية في الممارسة التغييرية عند صدور هذه القرارات، بل في الغالب الأعم أنها تكتفي بإصدار قرارات خاصة في قضايا المسلمين، وهذا أمر ظاهر.
النقطة الأخيرة: أن القرارات تتأثر تأثراً كبيراً بالميول العقائدية والمصالح الذاتية للدول وخاصة الدول الكبرى، فلذلك إذا لم تكن للمسلمين قوة في دولهم وقدرة على التأثير فإنه لا يرجى من وراء ذلك خير.
стр. 546
حقائق إيمانية
أختم ببعض الحقائق الإيمانية التي لابد من استحضارها في ضوء هذه الصورة، التي فيها نوع من السواد أو الشدة والظلمة.
النقطة الأولى: لابد من وضوح الحقائق الإيمانية القرآنية، كما في قوله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة:١٢٠]، وكما في قوله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢]، وكما قال الله في شأن الكفار جميعاً: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠].
النقطة الثانية من الحقائق الإيمانية: ضرورة تكريس حقيقة الولاء والبراء في ضوء قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
النقطة الثالثة: أن هذه الظروف والأحوال والأوضاع والظلم والموازين المختلة تدفع المسلمين إلى معرفة الحقيقة المهمة، وهي أنه لا قيمة لهم مالم تكن لهم وحدة ومالم يكن لهم نصرة فيما بينهم، وهذا يدفع إلى تحقيق الوحدة الإسلامية ونصرة المسلمين لإخوانهم في كل مكان بشتى الوسائل والسبل، سواءً كانت النصرة المعنوية أو الإعلامية أو بالمال أو بالنفس أو بكل صورة من الصور؛ لأنه ينبغي أن يعلم أنه لن ينصرهم بعد الله أحد إلا إخوانهم المسلمون المؤمنون: كل الشعوب لها سيف تصول به عند الملمات لما يعصف الغضب كل الشعوب لها وزن وقافية لها شراع لها سمت لها أرب ونحن مثل هشيم ضل وجهته فحيثما قلبته الريح ينقلب هذا الوضع الذي يمر بالمسلمين الآن حينما يرون الهجمة الشرسة، حينما يرون العداء للإسلام فيه فوائد منها: أنه يتولد في النفوس شعور بضرورة الالتزام بالإسلام، والتوحد على هذا الإسلام، والتقوي بالوحدة الإسلامية في مواجهة هذا العداء المتكالب.
النقطة الرابعة: معرفة أن القوة اللازمة في هذا الصراع هي قوة الإيمان والعقيدة؛ لأن الآخرين إنما ينطلقون من منطلقات عقائدية، وينبغي أن نلغي فكرة أن الصراعات مبنية فقط على مجرد اختلافات أو مجرد نزاعات أو عرقيات، أكثر هذه النزاعات منبثق من الناحية العقائدية ثم المصالح الذاتية.
النقطة الأخيرة: هذه الأمور تدفع المسلمين إلى ضرورة تكريس العمل على الالتزام بالإسلام والدعوة إليه وإحياء مفاهيمه وربط الناس به، وأن تكون الجولة القادمة بإذن الله هي جولة انتصار الإسلام والمسلمين بفضل تمسكهم بدينهم.
المسلمون ما هزموا إلا بتخليهم عن الدين، ولن ينصروا إلا بتمسكهم بهذا الدين.
وأخيراً أقول: إن بشائر النصر رغم سواد هذه الصورة كبيرة وكثيرة جداً إن شاء الله تعالى، سواءً ما تحقق في أفغانستان، ونرجو أن يتمه الله بفضله، وسواءً الأخبار الجديدة في طاجيكستان التي رفعت لواء الإسلام وبدأت تمارس هذا التطبيق بالقوة بعيداً عن القرارات، وأيضاً بظهور الحركات الجهادية الإسلامية التي ينبغي أن تدعم وتقوى؛ لأنها هي الأسلوب الأمثل في إقرار الواقع، بدلاً من المداولات والقرارات التي رأينا صورتها كما تجسدت وهي صورة هزيلة لا أثر لها في الواقع، وينبغي أن يكون لسان الحال كما قال القائل حينما استفرغ جهده وصبره، وعلم الناس كلهم اليوم خاصة في بعض قضايا المسلمين، مثل: قضية فلسطين أنه لا أمل يرجى من الأقوال والمداولات والمؤتمرات؛ لأنها مرت بها ليس سنوات ولا عشر سنوات بل عشرات السنين ويرى أنه ستستمر هذه السنوات باستمرار هذه الممارسات، ولذلك قال القائل: غص المفاوض صوته فتكلم بلسان نار يا كتائب! أو دم لم يفهم المحتل من خطبائنا فلتفهموا المحتل ما لم يفهم ما أيد الحق المضاع كمنطق تدلي به شفة السلاح الأبكم تتحرر الأوطان بالدم وحده إن الخطابة رأس مال المعدم قد دق ناقوس الجهاد فأنصت ودعا الحمى أبطاله فتقدم من قال إني أعزل وبكفه حجر فليس إلى الكنانة ينتمي هكذا هذه الحركات الجهادية في أريتريا وفي الفلبين وفي غيرها، هي أيضاً نوع أمل جديد لهذا الإسلام ولهذه الأمة المسلمة.
نسأل الله أن يتمه وأن يكمله، وأن الله يفرج الهم والكربة عن إخواننا المسلمين، وأن يجعل العاقبة للمتقين والدائرة على الكافرين والمجرمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 547
الأسئلة
стр. 548
طلب إصدار فتوى للقنوت في الصلوات للمسلمين
السؤال
أيضاً بعض الإخوة يذكرون أن مآسي المسلمين كثرت وخاصة الآن بالنسبة في البوسنة والهرسك، ويذكر الأخ أنه لو ذكر لكبار العلماء بإصدار فتوى أو نداء للقنوت في الصلوات؟
الجواب
الحقيقة أن القنوت كما سبق أن أشرت وحضر ذلك بعض الإخوة في الجمعة الماضية أن النبي ﷺ قنت لأفراد قلائل من المسلمين كانوا يضطهدون في مكة، فأولى وأجدر بذلك هم المسلمون الذين يبادون، وهذا اقتراح حسن إن شاء الله تعالى يعمل به مباشرة بالاتصال الهاتفي أو الكتابة.
стр. 549
أخبار البوسنة والهرسك
السؤال
يسأل بعض الإخوة عن آخر أخبار البوسنة والهرسك؟
الجواب
أخبار الليلة الماضية أن القصف المدفعي متواصل باستمرار وبشدة على سراييفو العاصمة، وما تزال الأوضاع متردية، وأعلن الصرب الموجودون في البوسنة والهرسك نوعاً من تشكيل حكومة في بعض المناطق التي أرادوا أن تكون ملكاً لهم، وجعلوا هناك تقسيمات منها: أن يجعل (١٥%) من هذه البلاد فقط للمسلمين والباقي للصرب، والجزء الباقي للكروات، وهددت هذه القوات الصربية الأمم المتحدة بأنه ينبغي أن تتخذ اللازم نحو الاعتراف بهذا، وللأسف نما إلى علمي أن بعض الدول الإسلامية اعترفت بهذه الصورة الجديدة التي سميت بيوغوسلافيا الجديدة، أما الأوضاع المأساوية فللأسف كما هي، ولذلك ندعو إخواننا للتبرع مرة أخرى، والدعوة اليوم موجهة من لجنة البر للتبرع للبوسنة والهرسك، والصناديق أيضاً عند أبواب المسجد، وهناك أيضاً يذكر الأخ أن قضية الجهاد هي حل أمثل لكثير من قضايا المسلمين، وقد أشرت أن نداءات الجهاد التي بدأت في كثير من بقاع الإسلام، نسأل الله أن يكلل جهودها بالنصر، وأن يقوم المسلمون أيضاً لدعمها ونصرتها بكل سبب ووسيلة.
стр. 550
أخبار أفغانستان
السؤال
بعضهم يسأل عن آخر الأخبار في أفغانستان؟
الجواب
الأخبار الأمنية مستتبة، وليس هناك اشتباكات مطلقاً، وأخبار المفاوضات كثير منها يبشر بالخير بين قادة المجاهدين، وفيها كثير من التقدم والإيجابية، إلا ما نشر في صباح هذا اليوم مما لم أعلم حقيقته بعد، أما ما نشر من الأخبار وما بلغ من الأخبار بالأمس والذي قبله، فإنها كانت تدل على كثير من التقارب في وجهات النظر، وإزالة لبعض خلافات الرأي بين المجاهدين، وهذا إن شاء الله تعالى يحقق الأمر الذي يأمله جميع المسلمين في أن تتفق الكلمة، وهي الآن في صورة شبه إجماعية حتى يأذن الله بأن يتمموا ما أرادوا بعد المجلس الانتقالي والذي من المفروض أن تنتهي مدته بعد نحو أربعة أسابيع.
стр. 551
فوائد الثقة بنصر الله
السؤال
من الدروس لما يذكر الأخ: الثقة بنصر الله ؟
الجواب
هذه الثقة دروسها كثيرة، من كان يصدق أن طاجيكستان التي ظلت تحت الشيوعية أكثر من أربعة وسبعين عاماً، ثم سقطت الشيوعية ورأى الناس أن الحكم الباقي مثل الشيوعية فثاروا عليه، واستطاعوا رغم هذه السنوات أن تبقى روح الإسلام وحب الإسلام والمناداة بالإسلام في نفوسهم، حتى يكون مطلباً عاماً لكل الناس، ثم يقرونه، والأمر أعظم من أن تحيط به قوى الشرق أو الغرب أو القوى العظمى والصغرى، فإن الله بالغ أمره، وهو جل وعلا قد جعل لكل شيء قدراً، لكن لابد للعباد أن يبذلوا الأسباب الإيمانية المعنوية وكذلك الأسباب المادية.
стр. 552
مبشرات في زمن الاستضعاف
السؤال
يريد أحد الإخوة شيئاً من أحاديث البشارات؟
الجواب
قلت في أول الحديث: إن الوضع مأساوي، لكن البشارات موجودة، والنبي ﵊ قد ذكر لنا: (أنه ما من بيت مدر ولا حجر إلا ويدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل)، وأنبأنا النبي ﵊ بفتح قسطنطينية ورومية وقد فتحت القسطنطينية، ويرجى أن تفتح بإذن الله يقيناً في وقت لا يعلمه إلا الله روما عاصمة إيطاليا، والجولة القادمة جولة الإسلام بإذن الله، ولكن كما قال النبي ﵊: (ولكنكم قوم تستعجلون)، والله يريد أن يمحص المؤمنين وأن يميز صفوفهم، وأن يقوي عزائمهم، وأن يرفع من مستوى التزامهم واستحقاقهم لنصر الله .
стр. 553
دور المرأة المسلمة في المجتمع المسلم
السؤال
تجاه ما ذكرت من أحداث وأوضاع ما هو دور المرأة المسلمة؟
الجواب
أهم دور للمرأة المسلمة أن تربي لنا الجيل المسلم، الذي نأمل أن يكون في المستقبل القريب أحد أسباب التغيير الإسلامي الذي يرجح كفة المسلمين، وأن تنأى بنفسها عن التفاهات والسخافات والمحرمات التي يروج لها أعداء الله ليصطادوها ويصطادوا من ورائها الأمة المسلمة والمجتمع المسلم، وأن تساهم بكل ما تستطيع في مجال الدعوة النسوية.
стр. 554
كثرة اختلال الموازين الدولية بالنسبة للمسلمين
السؤال
هنا يستدل على مقاييس أو اختلال الموازين بالنسبة للبوسنة والهرسك وعدم وجود قرارات وإن وجدت فإنها لا تنفذ في مثل هذه القضية التي تتعلق بدولة في قلب أوروبا كما يذكر؟
الجواب
الأمثلة كثيرة جداً، وهذا لا يمكن استقصاؤه وحصره، وأيضاً أسئلة قريبة من هذا المجال في كثير من البلاد الإسلامية.
стр. 555
حقيقة وجود الحركات الجهادية في كشمير
السؤال
هل هناك حركة جهادية في كشمير؟
الجواب
نعم حركة التحرير الكشميرية، وهناك أكثر من منظمة جهادية إسلامية ويحظى بعضها بالدعم من قبل الجهاد الأفغاني كما كان في السابق من الناحية المعنوية والتدريبية إلى آخره.
стр. 556
أوراق عمل
إذا كثرت الأقوال ولم تصدقها الأفعال دل ذلك على الضعف والخور، والفراغ والهزل، وتردت الأوضاع، ولم تتغير مهما تكاثرت الأقوال، وإن المنهج الصحيح هو المنهج العلمي العملي، فهو أفضل طريقة لعلاج الأخطاء، وفي هذه المادة أوراق عمل يجد فيها القارئ بغيته.
стр. 557
أهمية العمل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
(أوراق عمل) هذا هو عنوان هذا اللقاء مع الدرس التاسع والثلاثين، في يوم الجمعة الموافق الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام (١٤١٣)، وهذا الموضوع أحسب أن له أهمية وفائدة جيدة في الناحية العملية، وأول ما أبدأ به هو التنبيه على فوائد العمل، وأعني بالعمل: الخطوات الواقعية الفعلية، إذ القول عمل، والنية عمل، لكني أعني بالعمل: ممارسة الجوارح، والحركة الواقعية في مضمار من المضامير أو ميدان من الميادين.
لماذا نؤكد على أهمية العمل؟ أولاً: لأن القول وحده لا يؤثر، بل من المعلوم أنه إذا كثرت الأقوال ولم تصدقها الأفعال دل ذلك على الضعف والخور، وأشار إلى وجود الفراغ والادعاء، وربما كان سمتاً من سمت المنافقين والفارغين، ولذلك الذي يكثر من الأقوال بلا أعمال يسقط قدره وتذهب مصداقيته عند الناس، سواءً كان هذا القول صادراً من فرد أو من هيئة أو من دولة أو حتى من منظمات تجمع دولاً عديدة، إذا تكاثرت الأقوال بلا أعمال فإن ذلك دليل الضعف، ويبث في النفوس الخور والعجز، وكما قال القائل: غض المفاوض صوته فتكلم بلسان نار يا كتائب أو دم لم يفهم المحتل من خطبائنا فلتفهموا المحتل ما لم يفهم والخطابة كما يقولون: (رأس مال المعدم) ولذلك قال القائل: إن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة من حديد فالعمل هو الذي يؤثر في الواقع بشكل أكبر.
والأمر الثاني: هو أن السؤال الأكبر والحساب الأعظم يتعلق بالأعمال أكثر منه تعلقاً بالأقوال؛ لأن الأعمال هي الشواهد الناطقة، والمعالم الشاخصة، فأنت لا تعرف الإنسان كثيراً بأقواله قدر ما تعرفه بأفعاله، والأعمال هي التي دعانا الله إليها، وندبنا وبين لنا أنها المنظور إليها والمعول عليها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، لم يقل: قل تكلموا ولا انووا، وإن كانت النية مطلوبة والقول مطلوباً لكن تصديق العمل هو الأهم، ولذلك قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٤]، وأيضاً قال جل وعلا: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٣]، فالعمل هو الأساس.
الأمر الثالث وهو أكثر أهمية: أن العمل أبلغ أسلوب لعلاج الأخطاء، فكثيراً ما نذكر الخطأ ونردد القول فيه ونقول: هناك سلبيات وهي كذا وكذا ولا يتزحزح هذا الخطأ، ولا يتغير بهذه الأقوال مهما تكاثرت إلا إن كانت هذه الأقوال أحد طرق العمل ووسائله التي تؤدي إلى التأثير الفعلي، وكما يقال: (بدلاً من أن تلعن الظلام أوقد شمعة)، فإن إيجاد المنهج الصحيح متمثلاً في نموذج عملي متحرك هو أكبر طريقة لعلاج الأخطاء، فلو تصورنا أننا نقوم بالتربية الإسلامية وبإظهار القدوة العملية فإن تأثيرها يكون أعمق بكثير من الخطب القولية والمواعظ المنبرية.
الأمر الرابع: أن العمل أعظم مواجهة لكيد الأعداء، كثيراً ما نذكر مؤامرات وخطط الأعداء، وأنهم يريدون كذا، وهم يتآمرون بالليل والنهار ويدبرون كذا وكذا، وكل هذا القول لا يغني شيئاً ولا يغير واقعاً، لكننا إن أسسنا حياتنا وممارساتنا بأعمال تناهض وتخالف مراد الأعداء فإن هذا يكون أبلغ مواجهة وأعظم صفعة في وجه العدو، الذي يرى أنه يدبر ويبذل وينفق ويخطط لكنه لا يجد استجابة، فهو ينشر بيننا الإعلام الفاسد، والأدب المأجور، والفكر المنحرف ثم يفاجأ بأن الجيل الذي يصعد أو الجيل الذي يظهر في هذه الأيام بإذن الله جيل لا يميل لهذا الإعلام، ولا يتأثر بهذا الفكر، ولا يتعلق بهذا الأدب، بل عنده من منهج الإسلام وتربية القرآن ما يجعل العقول تأبى هذا الإعلام وترفض هذا الفكر.
كيف تبذل هذه الجهود ثم تأتي الثمرات مخالفة؟ ذلك ناتج عن العمل وتركيزه الذي هو أبلغ شيء في مواجهة كيد الأعداء.
الأمر الخامس: العمل يفجر الطاقات، ويشعر النفس بالرضا والارتياح، وبعض الاستشعار لأداء جزء من الواجب، والذي يقول ويبكي ويصيح لا يشعر أنه قد نفس ما في نفسه حتى يرى أنه قد ساهم في علاج الأمر الخاطئ، أو ساهم في جلب الخير المقصود أو المنشود، فالعمل يجعل النفس راضية، ويبرأ العامل ذمته بين يدي الله .
وأخيراً: العمل يقضي على الجدل: فكثيراً ما تدور المجادلات والمناقشات والمحاورات، ويمتد أمدها ويزداد ويعلو الصوت فيها، ولو أن هؤلاء المتجادلين التفتوا إلى العمل لشغلهم التفكير فيه، والممارسة له، والبذل لأجله، عن مثل هذا الجدل، وأنساهم مواضع الخلاف الهامشية، وأعانهم على الاجتماع على الخير، وتوحيد الجهود، والتعاون على البر والتقوى.
ومن هذا المنطلق نريد أن نعرض بعض أوراق العمل التي تجعل المسلم قادراً من خلال هذه الآفاق أن يقدم وأن يساهم؛ لأن المشكلة التي نواجهها ونسمعها كثيراً هي: ما العمل؟ هذه مشكلات ومآسي المسلمين: ما هو العمل؟ هذه المفاسد الموجودة، ما هو العمل؟ هذا القصور الذي نريد أن نتجاوزه ونتلافاه: ما العمل؟ وكل إنسان يظن أن هذا العمل هو كما قيل: وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل يظن أن هذا العمل لا يمكن أن يقوم به إلا جبار من الجبابرة أو عبقري من العباقرة، وأنه يقصر عن هذا ولا يستطيع أن يساهم في مثل هذه الأعمال أو حل هذه المشكلات؛ وذلك لأن تضخيم المشكلات الكبيرة، وتصور أن العمل لابد أن يبدأ من آخر الخطوات لا من أولها، وأن يعالج أعظم المشكلات لا أصغرها؛ هذا الذي يجعل كثيراً من الناس يحجمون عن العمل، ويرون أنهم غير قادرين، ولذلك هدف هذه الأوراق التي سنعرض بعضاً منها هو أن نبين أن بإمكان كل أحد منا أن يقدم ما يستطيع، وأن هذا القليل يتجمع فيصير كثيراً، فإن الجبال من الحصى.
لا تحقرن من الذنوب صغيرة إن الجبال من الحصى وأول الغيث قطر ثم ينهمر ونعلم جميعاً أن الأمر القليل إذا دام وتكاثر من عديد من الأفراد يغدو شيئاً عظيماً، ولو تصورنا أننا طلبنا هنا أو أردنا هنا أن يرفع كل منا صوته بنداء معين لتجلجل المسجد بهذا الصوت، وربما سمعه من هم خارج المسجد، وكان له صدىً كبيراً.
فهل ترى هذا الصوت صدر منك؟
الجواب
لا.
لكن كان لك فيه دور ومشاركة، وهذا هو المطلوب، أن نوسع دائرة المشاركة لكل إنسان على قدر طاقته، فلا يعجز العامي ويقول: لا أستطيع، والذي يستطيع هو العالم، ولا يعجز الشيخ الكبير ويقول: لا أستطيع والذي يستطيع هو الشاب، ولا تعجز المرأة وتقول: لا أستطيع والذي يستطيع هو الرجل، ولا يكون هناك أي إنسان مسلم إلا وله مشاركة ومساهمة بقدر ما يستطيع.
стр. 558
من أوراق العمل: التوعية والتعريف بقضايا المسلمين
أول هذه الأوراق: صور المآسي وقضايا المسلمين كيف يمكن أن نخدمها؟ كيف يمكن أن نقوم بواجب جزئي على أقل تقدير تجاهها، وذلك هو واجب التوعية والتعريف والدعم والتأييد، أذكر في ورقة نقاطاً يسيرة حتى أجعلها بمثابة فتح للأبواب لا أقل ولا أكثر، وسأشير في آخر الحديث إلى بعض المعالم المهمة التي تتعلق بهذه الأوراق.
الدائرة الأولى التي يمكن لكل إنسان أن يقوم فيها بدور وممارسة هي: دائرة الأهل والأقارب والجيران، هذه الدائرة التي تعيش معها سحابة يومك، وتقضي معها معظم وقتك، وتخصها بأكثر حديثك، وتتعامل في أكثر احتياجاتك اليومية مع أهلك وأقاربك وجيرانك، لِمَ لا تجعل حظاً من هذه المعاملة يكون في خدمة قضايا المسلمين، ونقل صور المآسي التي يعيشونها؟ ويمكنك أن تقوم بالتوعية عبر هذه الخطوات:
стр. 559
الحملات التعريفية في القرى والمدن
رابعاً: الحملات التعريفية: وهذه واسعة جداً، يمكن أن نقوم بذلك من خلال الآتي: ١ - أن تكون هذه الحملات في القرى والمدن الصغيرة؛ لأن التعريف والتوعية في المدن الكبيرة واسع، وربما يغطي قطاعات كبيرة، لكن يمكن لبعض الشباب ولبعض المتطوعين أن يزوروا بعض الأماكن القريبة من بلدهم، ويأخذون معهم هذه الأشرطة والأوراق والتقارير، ويتحدثون في المساجد بكلمات قصيرة موجزة حتى يبثوا في الناس هذا الوعي، ويحركوا فيهم المشاعر الإسلامية، ويجعلون لهم طريقاً للمساهمة والمعاونة مع إخوانهم، ومشاركتهم في مآسيهم.
٢ - الحملات التعريفية من خلال المدارس عن طريق تنظيم زيارات لطلبة المدارس للهيئات واللجان الخيرية ومشاهدة الصور والتقارير والوقائع التي تتحدث عن قضايا المسلمين، ويمكن إقامة بعض المعارض داخل هذه المدارس، وهذا يمكن أن يقوم به بعض الطلبة بالتنسيق مع إدارة المدرسة عبر نشاط التوعية أو عبر النشاط الاجتماعي، وهذه كلها فرص متاحة يستطيع أن يقوم بها الطالب الصغير الذي ربما يحتقر نفسه وهو في المرحلة المتوسطة أو في الثانوية، ويرى أنه لا يستطيع أن يقدم شيئاً بينما هذه فرص أعمال متاحة.
٣ - الحملات من خلال المراكز التجارية والمؤسسات والمكتبات، فيمكن وضع ركن صغير في بعض المراكز التجارية، فيه بعض هذه التقارير، وبعض ألبومات الصور التي تبين هذه المآسي؛ ليراها الإنسان وينصرف، وهذا قد قامت به بعض الهيئات الخيرية، وله أثر كبير وجيد.
٤ - استغلال لوحات الإعلان الموجودة في المؤسسات والمراكز بحيث توضع فيها هذه التقارير ذات الأرقام الكبيرة والحقائق الظاهرة؛ ليراها كل إنسان ويقرأها كل عابر، فيكون فيها فائدة كبرى بإذن الله .
٥ - في المحلات التجارية الصغيرة والمكتبات يمكن أن يوضع عند المخرج أو عند المحاسب بعض التقارير والأوراق التي تلخص هذه القضايا، وبالتالي تتوسع دائرة التعريف بهذه القضايا بشكل كبير.
بل أقول: يمكن أن تكون هناك حملات لتعريف غير المسلمين بقضايا المسلمين؛ لأن الكثير من غير المسلمين واقعين تحت تأثيرات الإعلام، وتحت الصورة المشوهة للإسلام، ويمكن من خلال هذه الوسائل وغيرها أن يصل إليهم هذا الصوت.
وهذا نموذج أولي للورقة الأولى التي أرى من خلال هذا العرض أن كثيرين سيدركون أن بإمكانهم أن يقوموا بجزء لا بأس به إن لم يكن بكل هذه الخطوات، كل بحسب طاقته وفي ميدانه، وكل هذه الأوراق إنما المطلوب فيها الجانب العملي والتذكير بأن هناك فرصاً وإمكانات يمكن أن يحقق من خلالها الإنسان شيئاً يرى أنه يخدم به أمة الإسلام.
стр. 560
التعريف والتوعية في دائرة الحي
النقطة الثانية في التعريف والتوعية: دائرة الحي، وتأتي بعد دائرة الأسرة، ويمكن أن يكون هناك تعاون للتوعية والتعريف بصور المآسي وقضايا المسلمين، ومن ذلك خطوات عملية: أولاً: إعداد مركز إعلامي مصغر من خلال المسجد أو غيره، ومن خلال المسجد يكون أفضل، حيث يتوافر فيه: ١ - التعاون والإشراف من قبل الهيئات واللجان الخيرية، وهناك بعض الهيئات تمارس هذا العمل، فتقيم مثلاً في جوار المسجد أو في المكان المناسب خيمة تضع فيها بعض المواد الإعلامية التي تعرف بهذه القضايا.
٢ - تحريك بعض المتطوعين من الشباب والرجال في هذا المركز حتى يتفاعلوا مع هذه القضايا.
٣ - أن يوفر في المركز النشرات والوسائل المرئية والسمعية، حتى يستطيع الزائر أن يرى ويسمع ويقرأ، بكل وسيلة يمكن أن تصل إليه المعلومة.
٤ - توفير التقارير، وجعلها ميسرة ليستفيد منها الأئمة والخطاب والكتاب، ومدهم بالمعلومات من خلال التعاون مع تلك الهيئات.
٥ - تتاح الفرصة للنساء في أوقات معينة أو في أيام معينة تخصص ليكون المركز أو هذا المكان مخصصاً لهن.
ومن خلال هذا كله تجمع التبرعات باسم أهل الحي، وتكون المشاريع باسمهم، وهذا يشجع الناس، فقد تجمع تبرعات لتبني مدرسة في مكان ما من مناطق العالم الإسلامي، ويكون اسمها مدرسة مسجد كذا وكذا أو مدرسة أهل الحي الفلاني؛ ليكون هذا أدعى إلى التنشيط والمساعدة والدفع في عمل الخير.
ثانياً: أشرطة الفيديو والكاسيت: وقد ذكرناها فيما مضى، لكن هنا نقطة مستقلة، ويمكن أن تفيد بشكل أكبر، وذلك من خلال الآتي: ١ - توفيرها لدى التسجيلات وأماكن البيع.
٢ - عرضها بأسعار مخفضة من خلال جمع التبرعات والمساهمات الخيرية.
٣ - استبدال الأشرطة -وهذا مهم-، فبعض المشاريع في استبدال الأشرطة تُعطى الجهة المستقبلة أشرطة للغناء أو أشرطة غير نافعة فتسجل عليها محاضرات، ولو سجلت عليها محاضرات ذات موضوعات متعلقة بقضايا المسلمين لكان هذا أفضل وأولى؛ لأن ذلك أكثر تأثيراً.
٤ - الاستفادة من توزيع هذه الأشرطة في المناسبات إذا توافرت منها الكميات الكافية للتوزيع.
ثالثاً: الممارسة العملية، وهذه لعلها من أبلغ الصور التي يمكن أن يمارسها الكثير من الناس وذلك من خلال الآتي: ١ - تنظيم زيارات لمواقع المآسي التي تقع بالمسلمين عن طريق الهيئات واللجان التي لها نشاطات في تلك المناطق، فأنت تستطيع أن تدعو الناس إلى أن يجهزوا مجموعة منهم ممن يتيسر وقتهم ليذهبوا إلى زيارة المسلمين في الصومال، عن طريق هيئة الإغاثة أو لجنة أفريقيا أو غيرها، وهذا له أكبر الأثر، ولا أظنه أمراً شاقاً أو صعباً؛ فإن كثيراً من الناس يسافر هنا وهناك، ويبذل أموالاً هنا وهناك.
٢ - عند عودة هؤلاء الزائرين يستضافون في المناسبات الاجتماعية في المسجد، أو في دعوة ووليمة في منزل كبير، ويعرفون بالقضايا والمشاهدات التي رأوها؛ لأنهم رأوا، وكما قيل: (ليس المعاين كالمخبر، وليس راءٍ كمن سمع)، والذي يتحدث عما رأى يكون منفعلاً ومتأثراً فينتقل تأثيره إلى الآخرين.
٣ - أن يتدرب هؤلاء الذين زاروا هذه المناطق على صياغة التقارير، ومن أهم النقاط: أن يحددوا مجالات الاحتياج بتفصيل يشمل الناحية المادية والمعنوية والأرقام، بمعنى أنهم يقولون: يحتاج المسلمون في الصومال إلى أطباء، والطبيب يكلف في الشهر كذا وكذا، يحتاجون إلى دواء لمرض كذا، وهذا الدواء يكلف كذا وكذا؛ لأن المحسن إذا عرف حاجة من هذه قال: هذه بسيطة، وهذه أنا أتكفل بها، والآخر يقول: أنا أتكفل بهذه، أما أن تكون قضية عامة، المسلمون مضطهدون وجوعى ومرضى وكذا، فما الذي يمكن أن نساهم فيه إذا بقت القضية عائمة، والخطاب غير محدد؟!
стр. 561
خطوات التوعية والتعريف في دائرة الأهل والأقارب
أولاً: توفير المعلومات الموثقة المنسوبة إلى مصادرها، فعندك قضية مثل البوسنة والهرسك أو الصومال، هناك تقارير، وهناك ملخصات، وهناك مطويات تصدرها الهيئات واللجان الخيرية، يمكنك أن توفر هذه المعلومات حتى تستطيع أن تبثها بين هؤلاء الأفراد.
ثانياً: إعداد المعلومات بصورة جيدة سهلة التوصيل، فبدلاً من أن تعطي إنساناً تقريراً أو كتاباً كالكتاب الصادر عن رابطة العالم الإسلامي عن البوسنة والهرسك في نحو ثمانين صفحة، وهو لن يقرؤه وسيضعه على الرف؛ جهز ورقة فيها خلاصة المعلومات والأرقام والحقائق مما يسهل أن ينتفع به الناس، ويمكن أن تعمل هذا بنفسك، لا تقل: لا أستطيع أن أذهب إلى المطبعة وأطبع.
من قال لك: اطبع؟ اكتب هذه المعلومات بيدك في صورة جميلة، أو استعن بمن يستطيع أن يبرزها بالشكل الأفضل.
ثالثاً: ركز على المعلومات الأكثر تأثيراً وإبرازاً للحقائق والأرقام الكبرى، فكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، والحقائق الكبرى هي التي تلفت النظر، فلو قلت مثلاً: إن هناك خمسة آلاف طفل يومياً يموتون في الصومال، فلا شك أن هذه حقيقة بارزة تلفت نظر أي إنسان مهما كان ساهياً أو لاهياً أو معرضاً أو فاسداً، بل حتى لو كان كافراً، فإن المعاني الإنسانية تهز النفوس وتؤثر فيها.
رابعاً: انتقاء بعض الأشرطة -سواءً السمعية أو المرئية- التي تتعلق بالقضايا الإسلامية، وقم بتوزيعها أو إهدائها بين الأسرة والأقارب، فعلى سبيل المثال لا الدعاية هناك شريط بعنوان: (الجراح)، يتكلم عن قضية البوسنة والهرسك، فيه المعلومات والمقتطفات من الخطب والمحاضرات والقصائد والأبيات بصورة قوية مؤثرة، فإن لم تكن تستطيع الكلام فوزع هذا الشريط لينوب عنك في تبليغ هذه القضية، وهناك شريط مرئي بعنوان: (الجحيم) عن قضية البوسنة والهرسك صدر أخيراً عن هيئة الإغاثة، وهذا الشريط وأمثاله عندما يراه الناس أو تراه هذه الأسرة سيؤثر فيهم تأثيراً كبيراً.
خامساً: استغلال المناسبات الاجتماعية لسماع الأشرطة أو رؤيتها، فكثيراً ما تجتمع الأسرة أسبوعياً، وكثير من الأسر تجتمع في مناسبات من ولادة أو زواج أو قدوم من سفر أو توديع مغادر إلى بلد ونحو ذلك، ويكثر اللغط في هذه المجالس ولا ينتفعون بها، فلو استطاع الإنسان بحكمته أن يقنعهم لمدة خمس دقائق أو عشر دقائق ويشغل جهاز التسجيل أو جهاز الفيديو حتى يسمعوا أو ينظروا فإن القضية تتحول بهم إلى مسار آخر.
سادساً: التعريف بمزيد من المصادر وتزويد الراغبين في التوسع، فلو أن هناك متفاعلاً فسيقول: هل هذا حقيقة؟! فتقول: هذا جزء من الحقيقة، وهناك ما هو أكثر وأكبر يمكن أن تطلع عليه في هذا التقرير، ويمكنك أن تراجع هذه الدائرة، ويمكن أن تتصل بهذا الهاتف، ويمكن أن تشتري هذا الكتاب، ويمكن أن تأخذ هذه القائمة من قوائم الأشرطة المتعلقة بذات الموضوع، وهنا يبدأ التوسع أكثر.
وأخيراً: يمكن أن ترشد هؤلاء الأفراد إلى الهيئات واللجان الخيرية وأماكنها وعناوينها وهواتفها حتى يتصل بها هؤلاء الناس، وينتفعوا بهذه المعلومات، ويقوموا بنشرها والإفادة منها.
أقول هذا وأستحضر مثالاً واقعياً، حتى نرى أن التوعية فيها كثير من القصور، ففي مقابلات للطلبة المسجلين في الجامعة لهذا العام -كما يخبرني بذلك أحد الأساتذة- وهي مقابلات الهدف منها معرفة خلفية الطالب المتخرج من الثانوية الملتحق بالجامعة.
يعني: معرفة مستواه الفكري والثقافي، فسئل أحد الطلاب عن قضية البوسنة والهرسك، فقال: هناك خلاف وصراع بين الصرب والمسلمين، فقالوا له: طيب ما هي القضية؟ فقال -بلهجتنا العامية- (يضّاربوا على سراييفو، هذول يبغوها وهذول يبغوها).
هذا منتهى علمه عن هذه القضية! والآخر عندما سئل عن قضية الصومال دبج كلاماً فقال: (توقف المطر من السماء، وصار الجفاف في الصحراء، ومات الناس من البلاء)، أما أن هناك صراعاً، وأن هناك أطرافاً متناحرة فلا يعلم بذلك.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة تدل على ضعف التوعية بمثل هذه القضايا التي أصبحت أشهر من الشهيرة، أما لو سألته مثلاً عن قضية (كشمير) أو قضية (بورما) فربما قد تكون الإجابة مضحكة، ولكنها تنبئ عن مستوى التوعية لديه، وقد يظن هذه الأسماء أسماء لكتب أو لفواكه، وليس هذا بغريب، فقد سئل أحد الطلبة في مثل هذه المقابلات عن عاصمة البحرين؟ فذكر أنها مسقط! وهذا من الأشياء الواقعية.
стр. 562
الرسائل الضاغطة
ورقة أخرى بعنوان: (الرسائل الضاغطة).
قرأت قبل فترة من الزمن خبراً عن مجموعة في بلاد الغرب من أنصار حقوق الحيوان وليس حقوق الإنسان، وكانت الجمعيات التي تؤسس لرعاية الحيوان تعترض على مؤسسات إنتاج المواد التجميلية؛ لأنها تستخدم عظام وأنسجة بعض الحيوانات في بعض صناعات المستحضرات الطبية أو التجميلية على وجه الخصوص، فعملوا احتجاجاً على هذا العمل، ووقعوا عليه، والملفت للنظر أن هذه الرسالة كان عدد الموقعين عليها نحو مليون ونصف إنسان! وتجد في أخبار أخرى أن بعض القضايا التي يثيرها بعض الجمعيات أو بعض المنتدبين لأمور معينة مثل حماية البيئة أن التوقيعات تبلغ عشرات الملايين، ويذكرون في هذه الأخبار أن هذه التوقيعات كانت في عدد كذا من الأوراق، وتزن كذا كيلو غرام، وهذا ليس في الغالب عبثاً، خاصة في المجتمعات الغربية والمجتمعات الأمريكية؛ فإن هذه مقاييس النبض وإيصال الصوت، لذلك أقول هنا: نريد أن نقف على بعض المجالات والأهداف والوسائل العملية التي يمكن أن ينفع بها المسلمون إخوانهم، ويخدموا قضاياهم من خلال هذا الجانب.
стр. 563
كيفية ممارسة الرسائل الضاغطة في الواقع
كيف يمكن ممارسة أسلوب الرسائل الضاغطة واقعياً؟ يمكن على سبيل المثال ما يلي: أولاً: الاحتياج إلى توفير عناوين هذه الجهات، ولا أظنه صعباً، ويمكنك أن تعرف عناوين المنظمات والهيئات؛ لأنها متاحة.
ثانياً: تحضير صيغ ثابتة وجاهزة؛ لأنه يصعب عليك أن تكتب كل مرة، ومعروف أنك ستجد كثيراً من المقالات تحتاج إلى نقد، فينبغي أن يجهز مجموعة من المتعاونين والمتحابين صيغاً جاهزة، وبمجرد أن يملئوا بعض الفراغات يرسلون بها؛ حتى يصل الخبر ويصل هذا الصوت.
أقول: على سبيل المثال في بعض الخطب في أحد المساجد ذكر خطيب: أنه ينبغي أن يتحرك المسلمون ليسمعوا صوتهم بموجب ما هو واقع في هذا العالم.
قال: وهذه نص برقية جاهزة موجهة للأمين العام للأمم المتحدة، وموجهة لرئيس منظمة المؤتمر الإسلامي، لا عليك إلا أن تكتب العنوان، وتجعلها في المظروف، وترسل بها، فلما عرض هذه الفكرة تخاطف الناس هذه الأوراق وتسابقوا إليها كأنهم يحاربون، وكأنهم في مواجهة لنصرة الإسلام بالسيوف لا بمجرد إرسال الورق، فالشعور بأنك تؤدي مهمة في مثل هذه الأشياء مهم جداً، فيكون الإنسان واقعياً، ولو على الأقل أن يقول كلمة الحق ويبرأ ذمته أمام الله ، فهذا أيضاً نموذج لا يعجز عنه كثير من الناس، وربما يحتاج إلى تعاون لكن لا يحتاج إلى عمل كبير، وربما الفرد والفردين والخمسة أو العشرة يتعاونون في بعض هذه الأمور ويتبادلون الرأي فيها، ويمكن أن يمارسوا مثل هذا العمل.
стр. 564
مجالات الرسائل الضاغطة
مجالات هذه الرسائل عديدة، وسنرى أنها مجالات مهمة ومفيدة، وتحتاج إلى كثير من عمل المسلمين.
أولاً: هناك مقالات ضد الأحكام والشرائع والمظاهر والقضايا الإسلامية، فهذه تحتاج إلى أن يكون هناك ما يعارضها من الرسائل الضاغطة.
ثانياً: مقالات فيها إيجابيات تحتاج إلى تشجيع.
ثالثاً: منظمات حقوق الإنسان التي -على أقل تقدير- لها بعض التأثير، ولها بعض الإيجابيات التي تمارس في واقع الأمر بالنسبة للقضايا التي تقع في هذا العالم.
رابعاً: مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المتعددة التي تتخصص أحياناً في التعليم، وأحياناً في الصحة وغيرها.
خامساً: منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات الإسلامية الأخرى التي لها دور في التعريف أو في خدمة قضايا المسلمين.
سادساً: الجهات التي تصدر عنها المواد التي تحتاج إلى تنبيه، مثل مجلة تصدر شيئاً أو مقالاً أو تتبنى فكراً أو تمارس دوراً غير حسن، أو إذاعة أو جريدة أو نحو ذلك، فيحتاج أن توجه إليها مثل هذه الرسائل الضاغطة.
стр. 565
مضمون الرسائل الضاغطة
للإعانة على التنفيذ العملي أشير إلى مضمون هذه الرسائل بمعنى ما الذي ستقوله في هذه الرسالة؟ وكيف يمكن أن يكون هيكلها العام؟ وسأشير في آخر الأمر إلى صور إيجابية واقعية حصلت بالفعل: أولاً: لابد من التثبت، وإرفاق صور المواد، أو ذكر مصدرها موثقاً بالرقم والتاريخ، فعندما تقول: هناك قضايا للمسلمين صار فيها خلط وكذا وكذا، أو عندما ترسل إلى مجلة أنكم تتبنون كذا وكذا وكذا، لا ينفع الكلام العام، بل لابد أن تكون مثبتاً لهذه القضية، وترفق صورة المقال أو رقم العدد أو رقم وقت إذاعة الخبر أو نحو ذلك.
ثانياً: الاعتماد على الحقائق والأرقام الثابتة، والإسناد إلى المصادر مع البعد عن الأسلوب العاطفي، خاصة أنك تخاطب جهات ومنظمات قد تكون متواطئة ضد المسلمين، فلو تحدثت بلسان العاطفة وقلت: والمسلمون محرومون، والمسلمون مضطهدون وكذا؛ فهذا لا يغني فتيلاً بقدر ما تذكر الأرقام والحقائق الثابتة المعلنة التي لها مصادر محققة وموثقة.
ثالثاً: أن يكون هناك اعتماد على النقاط والإيجاز، فلا تحتاج في هذه الرسائل أن تكتب ثلاثين أو أربعين صفحة، بل صفحة أو صفحتين معتمدة على نقاط محددة.
رابعاً: اعتماد أسلوب المقارنة، مثال ذلك: عندما تقارن بين موقف مجلس الأمن أو الأمم المتحدة في قضية البوسنة والهرسك أو قضية العراق وبين قضايا أخرى مما تهم دول غير إسلامية أو تعنى بمصالح الدول الغربية أو الأمريكية، فهذه المقارنة بالحقائق والأرقام مهمة جداً في مثل هذه المضامين.
خامساً: ذكر الآثار السلبية أو الإيجابية للموضوع بتحديد دقيق يستند إلى الواقع: فتقول مثلاً: هذه القضية لها آثار سلبية وهي كذا وكذا وكذا، وعندما تكتب إلى جهة أو إلى مجلة تنشر صوراً فاضحة تقول: هذا لا يليق، وهذا يضر ويسيء، ويتحقق الضرر منه في كذا وكذا وكذا؛ حتى تكون القضية ذات تحديد واضح تقوم الحجة بها، وربما تؤثر بها.
سادساً: توسيع دائرة الإرشاد إلى المصادر إيجاباً أو سلباً، بمعنى: عندما تكتب عن قضية تقول: هذه حقائق أو كذا، ثم تقول: وقد نشر عن هذه القضية في مجلة كذا عدد كذا، وتوجز وتشير إلى العديد من المصادر لتبين أن الأمر قضية كبيرة، وأن عندك من المعلومات ما هو أكثر من مثل هذا، إضافة إلى كون الأمر إيجابياً، فلو أن كاتباً كتب مقالاً جيداً عن قضية معينة، ألا يستحق أن يشكر، وأن تكتب له عدد من الرسائل حتى يثبت على هذا المنهج، وأن يعطى أيضاً مصادر أخرى لهذا الموضوع، وأن هناك من كتب عنه، وأن ترسل له شريطاً في الموضوع حتى يجد أهل الخير على الخير أعواناً، كما أن أهل الشر يجدون على الشر أعواناً.
وكثيراً ما تكون الحجة عند ممارسة بعض الأعمال الفاسدة أن هذا هو طلب الناس، فمقدم البرنامج يقول: هذه طلبات الجمهور الذين راسلوني، بينما لم يراسله الأخيار، وربما يكونوا أكثر، ولم يرسلوا له ليطلبوا هذا البرنامج أو هذه الفقرة أو منع هذا أو حذف هذا أو نحو ذلك.
وأذكر على سبيل المثال أنه قبل يومين نشر أحد الكتاب المحليين مقالاً في الحياة، تكلم فيه عن أمر قد سبق أن أشرنا إليه، وهو ظاهرة الهجوم على حجاب الفنانات، وعلى توبتهن، فكتب مقالاً جيداً، وفيه أسلوب قوي في تأييد ظاهرة الحجاب، ونقد هذه الهجمة الشرسة، وخاطب فيها المسئول الإعلامي عن هذا الأمر، وطالب بأن تتوقف هذه الحملات؛ لأنها غير منصفة ولا منطقية ونحو ذلك.
فهناك من قرأ هذا المقال فأعجب به، لكن هذا الإعجاب لا يكفي لحصول تأثير، ووجدت طبيباً -ليس خطيباً ولا إماماً- قرأ هذا المقال فأعجب به، فكتب رسالة إلى المسئول -وهو وزير الإعلام في تلك البلد- وأرفق المقال وقال: قرأت هذا المقال ووجدته جيداً ومنطقياً، وإنني أؤيد كاتبه فيما ذهب إليه، وأناشدكم بمثل ما ناشدكم به.
هذا ما كتبه فقط، وأرسل هذه الأوراق ليعبر عن هذه الصورة أو الناحية، ولو أن كل خلل وقع وجد فاعله أن هناك من يقول له أو يرسل له أن هذا خلل، وأن هذا لا يليق، وأن هذا فيه مضرة؛ لكان على أقل تقدير كما يقال: (من لم يستح يخشى أو يخاف)، وهذه أيضاً نقطة مهمة.
سابعاً: استنطاق القوانين والأنظمة بنصوصها أو مضامينها عندما تريد أن تقيم الحجة، فلو جئت لشيء منشور وفيه خلل فتقول: نظام النشر ينص في المادة كذا على أنه لا يصح نشر الصور العارية وكذا وكذا، ولذلك نرجو منكم الالتزام بهذا القانون أو النظام.
نظام وسياسة التعليم تقتضي أن يربط التعليم الطالب بدينه وبولائه للمسلمين، وبرائه من المشركين، وهذه الفقرات أو هذه النصوص أو هذه المادة أو هذا الموضوع لا يتناسب مع هذه السياسة.
قانون الأمم المتحدة في المادة كذا ينص على كذا، لكن الممارسة مخالفة، وهذه أيضاً تعطي قوة لمثل هذه القضايا.
ثامناً: صياغة حيادية، وعرض عقلاني: ينبغي أن تكون صياغة الرسالة وكأنك إنسان محايد لست نصيراً لهؤلاء، ولست منهم وفيهم، وليس بالضرورة دائماً، لكن بحسب الجهة التي ترسل إليها.
تاسعاً: إن كان المرسل إليه جهة إسلامية أو إنساناً مسلماً؛ فإن أسلوب الترغيب والترهيب الإسلامي المعروف في التوجيه يفيد كثيراً في هذا المجال.
следующие страницы →