Полный текст (2 691 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
شريعة الحجاب وتحرير المرأة
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان، وأكرمنا بالإسلام، وشرفنا ببعثة المصطفى ﵊، وبين لنا الشرائع وفصل لنا الأحكام.
أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، أحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله والحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا على حين فترة من الرسل وانطماس من السبل، فهدى به من الضلالة، وبصربه من العمى، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً عمياً، وآذاناً صماً، وبلغ ﵊ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
стр. 597
الحجاب مصلحة للمرأة والمجتمع
أيها الإخوة المؤمنون! حجاب المرأة المسلمة أحد الأمور التي تثار حولها الشبهات، ويدعى زوراً وبهتاناً أنه من صور تقييد المرأة المسلمة، وإلغاء شخصيتها، وحجب عقلها وفكرها إلى آخر ما يقال ويشاع ويذاع في مثل هذا الأمر، فهل حجاب المرأة المسلمة حرية أو قيد؟! وهل فيه مصلحة لها ولبنات جنسها وللمجتمع كله، أم فيه ما قد يذاع أو يقال من هذه المشكلات أو المضار؟ فلننظر ما وراء الحجاب، ولسنا بصدد تفصيل الأحكام، ولا بصدد ذكر اختلاف الفقهاء، وإنما ننظر إلى الحكم والأسرار، حتى ندحض بوقائع العصر ما يقال من الأوهام وما يحاك من الأباطيل؛ لأن بعض أبناء المسلمين قد فتنوا في قلوبهم، وضللوا في عقولهم، وانحرفوا في سلوكهم في هذا الشأن المهم من شئون المرأة والأسرة والمجتمع، وصور لهم أن هذا ضرب من الحرية، ولون من التقدم، وصُورة من صور التفاعل والمشاركة الاجتماعية النافعة، والواقع يشهد بغير هذا، كما سنذكر بعضاً من الصور.
الحديث إلى المرأة المسلمة، إلى وليها: أباً، وزوجاً، وأخاً، وإلى المجتمع المسلم الذي أكرمه الله وأنعم عليه، وجعل فيه سمة الطهارة والنقاء والصفاء، وجمله بالعفة والحياء؛ حتى لا تذهب هذه النعم، وحتى لا ينكص على عقبيه ويعرض عن شرع الله، ويضرب صفحاً عن هدي رسول الله ﷺ .
وحينما ننظر إلى الحجاب لا نراه تشريعاً وحيداً، وإنما هو مع جملة من التشريعات الأخرى تتحقق به المصالح والمنافع، وهكذا شرع الإسلام لا يعطي حكماً واحداً منفرداً عن بقية الأحكام؛ لأن تشريعه كامل شامل؛ ولأن المصلحة ترتبط أجزاؤها بعضها ببعض؛ فلا يمكن أن نأخذ حكم الإسلام في اقتصاد ونتركه في اجتماع، أو نأخذه في اجتماع ونتركه في سياسة؛ فحينئذٍ لابد أن يقع الاضطراب والاختلال، ولن تتحقق سائر المصالح والمنافع، ومن ثمّ فإن تشريع الحجاب جاء ضمن تشريعات الإسلام التي تضبط المجتمع رجالاً ونساءً، ولسنا بصدد التفصيل، لكن الإسلام قد شرع قبل ذلك وفي هذا الإطار وفي هذه الأحكام كثيراً من الآداب والتشريعات المهمة، منها ما في قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
وهناك أمور وواجبات دعي إليها المسلمون والمسلمات حتى مع وجود بعض الدواعي التي قد تنصرف فيها الأبصار إلى العورات، فجعل الإسلام ستاراً واقياً من التقوى الشاملة التي دعي إليها المؤمنون، كما قال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]، وجاءت الأحكام بمنع النظر المحرم، ومنع سماع الآثام، كما في قوله : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وجاء النهي عن الخلوة التي فيها الشيطان يفرخ ويبيض ويقع منه ما يقع، كما قال المصطفى ﷺ : (ألا لا يخلون رجل بامرأة، قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت).
فالتشريعات كلها متكاملة، والسياجات والحصون كلها متماسكة، فإن هد جانب، وإذا وجدت ثغرة في جانب، فإنما ذلك من خلل الملتزمين بهذا الدين، أو المؤمنين به.
стр. 598
الحجاب تحرير من الأمراض النفسية
فلننظر إلى هذا الحجاب لنرى فيه صورة مشرقة من صور الحرية، والمنافع والمصالح للمرأة المسلمة في ذاتها، ولبنات جنسها، ثم للمجتمع الإنساني المسلم كله.
فالحجاب تحرير للمرأة من الأمراض النفسية؛ لأن الدراسات أثبتت أن المرأة في أول سن البلوغ سواء في سن العاشرة أو في الثانية عشرة أو ما بعدها بقليل أو كثير، أعظم ما يشغل بالها، وأكثر ما تلتفت إليه هو منظرها، وجمالها، وحسنها؛ لأنها قد ركبت على طبيعة فيها حب التجمل والتزين، كما قال : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، هذه الفطرة تدفعها إلى أن تفكر وأن تتقي كل شيء يضر بهذا الجمال، أو بنظرة الناس إليها في جمالها وحسنها، وتخشى أعظم ما تخشاه ما قد يؤثر في هذا الجانب.
ونحن نعلم جميعاً أن هذه السن فيها كثير من التغيرات الجسمية التي قد يقع فيها بعض الصور من الحبوب التي في الوجه، أو التغيرات التي في الجلد، أو غير ذلك، فإذا كانت المرأة ليست محجبة، فإن هذا يشكل عبئاً كبيراً على نفسيتها، وكآبة عظيمة في تفكيرها، وقد أثبتت الدراسات في المجتمعات الغربية - وهذه دراسة على المجتمع الأمريكي- أن الفتاة في سن الثانية عشرة تصاب باكتئاب نفسي، وتكون عرضةً للأوهام والأمراض النفسية أكثر من الفتى؛ لهذا الجانب.
فالفتاة تنظر إلى مثيلاتها، فقد يكون من قدر الله عليها أنها ليست على نصيب من الجمال عظيم، أو أن الله ابتلاها بعاهة في منظرها أو في هيئتها، أو أنها قد أتاها من التغيرات الجسمية ما يظهر على وجهها، أو غير ذلك من الأمور، فتبقى في حيرة واضطراب.
وهناك صورة من التنافس بين الفتيات في إبراز صور الجمال، ظناً -بطبيعة الفطرة- أن هذا أمر لابد منه، ولابد من التبارز والتنافس فيه، وهذا أمر حتمي في واقع المجتمعات التي لا تتخذ الحجاب؛ فإن الفتاة في هذا السن تجد نفسها ملزمة بذلك، فتصرف من وقتها وتفكيرها فيما تعالج به هذه التغيرات الجسدية ونحو ذلك.
أما المرأة المسلمة فحجابها يجعل الدميمة والجميلة وذات العاهة في وجهها وغيرها، والتي لم يعطها الله حظاً من جمال مثل غيرها، ولا فرق بينها وبين غيرها، فيعصمها من هذا الاضطراب النفسي، ويحذرها من هذه الحيرة والقلق النفسي الذي يقع به كثير من المشكلات للفتيات.
стр. 599
الحجاب تحرير من الأعباء المالية
الحجاب من وجه آخر تحرير من الأعباء المالية؛ لأن المجتمع الذي تتبرج فيه المرأة تجد نفسها أيضاً مضطرة -صغيرة كانت أو كبيرة- إلى أن تبدل وتغير في الملابس أشكالاً وألواناً، وأن تنفق الأموال على أدوات التجميل صفرة وحمرة وخضرة وزرقة إلى آخر الألوان التي يبتكرها أولئك القوم؛ ليشغلوا بها النساء، ويستنزفوا أموالهن.
وكذلك جددوا لهن من هذا صوراً كثيرة لا تنتهي فيما أحسب، فجعلوا صبغات للشعر، فيوم شعرها أحمر، ويوم شعرها أصفر ويوم كذا وكذا، حتى جاءوا إلى العيون فجعلوا عيوناً زرقاء، وأخرى خضراء، والمرأة التي تتبرج وتذهب إلى العمل أو تخرج إلى الشارع ستكون مضطرة بطبيعة فطرتها ومنافستها أن تغير وتبدل وتجدد وتشكل في هيئتها ومنظرها، وأن تخرج من مالها أو من مال زوجها وتصرف المال في هذا الصدد وهذا السبيل أكثر مما تنفقه في كثير من الأحيان على طعامها أو شرابها أو مصلحة بيتها أو أبنائها، ولا يمكن لك أبداً أن تجد امرأة تعمل وهي متبرجة -أي: لا تأخذ بالحجاب ولا تلبسه- لا يمكن أن تراها على هيئة أو لباس أو لون أو شكل واحد، بل إن في الصباح لها ضرباً من الألبسة والألوان، وفي المساء كذلك، لكن الحجاب يحررها من ذلك.
لا يمنع الإسلام تجمل المرأة؛ لأنه طبيعة في فطرتها، ومطلوب منها بطبيعتها أن تتجمل لزوجها، وأن تتجمل فيما بين النساء في مناسبات الأفراح أو الأعياد، وكان الأمر كذلك في مجتمع المسلمين الأول، والصحابيات اللائي عشن مع رسول الله ﷺ في ذلك المجتمع الطاهر، لكن هذا الضرب من التبرج هو الذي يفرض هذه الأعباء التي يحرر الحجاب المرأة المسلمة منها.
стр. 600
الحجاب تحرير من الاعتداءات الأمنية
الحجاب تحرير من الاعتداءات الأمنية، وهذا باب واسع عظيم؛ فإن التبرج بما يبديه من العورات وما يظهره من المفاتن، وما يبرزه من صور الإغراء والإغواء، يجعل المرأة كالفريسة التي تتعرض لافتراس الذئاب عاجلاً أو آجلاً، فإن منعوا من ذلك خوفاً من أمن أو شرطة أو نحو ذلك ربما انتهزوا فرصة في وقت آخر، وإن منعهم من ذلك حياء في ظرف فلن يمنعهم في ظرف آخر! ونضرب مثالاً: عندما تدخل إلى زيارة حديقة الحيوان تجد فيها الحيوانات داخل الأقفاص مغلق عليها أبوابها؛ لأنها لو تركت لافترست الإنسان الذي يتجول ويزور تلك الأسود والوحوش الكاسرة، والمرأة عندما تخرج متبرجة فإنها تكون عرضة للافتراس ولا شك بطبيعة الفطرة الإنسانية، وطبيعة تحطيم الحواجز من الحياء والأعراف وغير ذلك، وطبيعة ضعف أو فقدان الوازع الديني من الناس؛ لكثرة هذا التبرج، فحينئذٍ يقع هذا الاعتداء عليها بصور كثيرة مختلفة، لعل أبرزها وأشهرها في مجتمعات الغرب، والحضارة الغربية اليوم فيها أكبر صور الاعتداء المتمثلة في الاغتصاب، وهذه المجتمعات ليس فيها عندهم عيب، ولا حرام، ولا حد لحشمة ولا شيء من ذلك، ومع ذلك يقع الاغتصاب! والذي يتصور أنه لا يقع إلا عند وجود الكبت الذي يدعي أدعياء الإسلام من المتأثرين بالغرب أن الكبت سببه هذا الحجاب، ويقولون: انزعوا الحجاب حتى يزول الكبت، وحتى يصبح هناك تطبيع في العلاقات بين الجنسين.
فالغرب قد طبعوا العلاقات وأزالوها وألغوها، ثم إذا بنا نجد الإحصاءات تقول: تقع في كل نصف دقيقة جريمة اغتصاب في أمريكا، وإن (٩٠%) من جرائم الاغتصاب لا تبلغ إلى الجهات الأمنية وهذا يعني: أن هذا العدد ينبغي أن يضاعف تسع مرات، فإذا كان في كل دقيقة تحصل جريمتا اغتصاب؛ فإنه عندما نضاعف العدد تسع مرات سيكون في كل دقيقتين ثمانية عشر جريمة اغتصاب، وفي كل دقيقة تسع جرائم اغتصاب في مجتمع ليس فيه حرمة لزناً ولا لشذوذ ولا لشيء من هذا أبداً! وقد أجيزت هناك جمعيات كثيرة لتقاوم هذا العنف وهذا الاعتداء الذي سلب المرأة حريتها وأمنها واستقرارها، وحصلت هناك إحدى المظاهرات العظمى ضد الاغتصاب، وعقد يوم كامل للمناقشات والمحاورات حول هذه الظاهرة، وقيل في تعريف الاغتصاب كلام أنقله؛ لنرى أن بعض ما يقع للقوم قد عصمنا الله منه، وأكرمنا الله فيه بشرع محكم.
قالوا: إن المرأة تغتصب حتى بمجرد نظرة إعجاب في الشارع من أحد المارة، وعليه فإن جميع النساء ضحايا الاغتصاب الجنسي! والنبي ﷺ قد أخبرنا أن: (العين تزني وزناها النظر)، وعندما سئل عن نظر الفجاءة قال: (اصرف بصرك ولا تعد)، وفي حديث علي: (إنما لك الأولى والثانية عليك).
فهذا لون من الألوان، وهناك ما هو أكثر من ذلك، ولهذا فإن المرأة المتبرجة في تلك المجتمعات تخشى أن تسير وحدها منفردة، حتى ولو كان لها ضرورة في الليل فإنها تخشى أن تخالط بعض الأماكن أو أن تلم بها، فأية حرية تكون في ظل هذا الخوف والإرهاب الذي سلط عليها؛ بسبب من عملها وتبرجها؟ ثم كذلك عندما ننظر إلى هذه الاعتداءات الأمنية نجد أن واقع القوم يشهد بحكمة تشريع الإسلام، ونعمة ما عند المسلمين من الأحكام.
فالشرطة البريطانية في إحدى المدن بعد كثرة جرائم الاغتصاب والاعتداء على النساء بصور مختلفة، وزعت إرشادات أمنية على النساء في كتيب، وذكرت فيه اتباع الإجراءات الأمنية التي تقي النساء من الاعتداءات، فماذا جاء في هذا الكتيب؟ وماذا جاء في هذه الإرشادات؟ إن من أهمها وأكثرها وأبرزها أهمية: ألا ترتدي المرأة الملابس الفاتنة القصيرة التي تكشف عن كثير من أجزاء جسدها! وهذا لم نأت به من عندنا، ولم نعطهم آيات من قرآننا، ولم نذكر لهم أحاديث من سيرة نبينا ﷺ ، وإنما شعروا بأن هذا سبباً من الأسباب، وأخذوا به، أو أرادوا أن يأخذوا به، لا لدين ولا لتشريع، وإنما لمقتضيات أمنية بحتة صرفة كما يقال.
والمرأة المسلمة المتحجبة في أمن من الاعتداء عليها بالنظر أو الاجتراء عليها بالقول، فضلاً عن الاعتداء عليها باليد أو الاعتداء عليها بالاغتصاب، ومجتمعات المسلمين ما بليت بالجرائم التي نسمع بها في بعض بلاد الإسلام إلا عندما وجد التبرج، وكثر الاختلاط، نسأل الله أن يحمينا وأن يعافينا.
стр. 601
الحجاب تحرير من فقدان المرأة للفرص العلمية والعملية في الحياة
والحجاب أيضاً تحرير من فقدان المرأة للفرص العلمية والعملية في الحياة: وقد يعجب الإنسان عندما يسمع مثل هذا الكلام، ولكني أيضاً أقول وأبين هذا من واقع المجتمعات التي ينظر إليها بعض المسلمين على أنها المجتمعات التي يراد لنا أن نقتدي بها: إن المرأة عندما تتبرج تبقى بصورة بارزة ينظر إليها الرجال، ومهما غلفت هذه اللقاءات بأغلفة مختلفة من العمل أو التعليم أو غيره، فإن النظرة التي فطر عليها البشر بين الرجال والنساء هي التي تطغى عندما يحصل استمرار الاختلاط ووجود التبرج، فهناك أربعون مليون امرأة في أمريكا -كما جاء في بعض الدراسات- يتحرش بهن رؤساؤهن في العمل تحرشات جنسية! فهذا عمل، وهذا ميدان للإنتاج، فما الذي يدخل هذا الجانب؟ إنه طبيعة الأمور وفطرتها التي لا يمكن أن تتغير.
وفي إحدى الشركات البريطانية واسمها شركة (أركليز كارز) عممت الشركة على الموظفات تعميماً داخلياً، جاء في هذا التعميم: عدم ارتداء النساء للملابس المثيرة، وجاء في نفس هذا التعميم: أن هذا يشغل العاملين من الرجال؛ لنظرهم إلى النساء، وكلامهم عنهن، وانشغال مجموع العاملين بمثل هذه الأمور، مما يضيع مصلحة العمل! فهذا أيضاً لم يأت به قرآن ولا سنة، وإنما جاء عندهم مصلحة العمل والوظيفة كما يقال.
стр. 602
الحجاب تحرير من المشكلات الصحية
في الحجاب تحرير من المشكلات الصحية التي لن نتطرق فيها إلى الأمراض التي تنشأ عن الحرية الإباحية الجنسية، وما فيها من البلايا والإيدز وغيره من الأمراض، وإنما حتى على مستوى الحجاب، وترك الحجاب، والتبرج الذي يقع على الشواطئ وغير ذلك: أثبتت الدراسات أن النساء اللاتي يتعرضن للشمس على شواطئ البحار والأنهار مما نعرف صورته ونعف عن ذكره؛ أنهن أكثر تعرضاً للإصابة بسرطان الجلد أكثر بثلاث عشرة مرة من غيرهن من النساء.
وأثبتت الدراسات أيضاً أن المرأة التي تكشف أجزاء من بدنها طوال الوقت وفي سائر الأحوال والظروف المناخية والعملية، أنها أكثر عرضة للتشوهات الجلدية من غيرها، فالمرأة المحجبة بهذا قد حرصت وقد حفظت نفسها من هذه المشكلات بإذن الله .
أضف إلى ذلك ما يقع من المتبرجات من الإسراف في أدوات التجميل، ولها آثارها الصحية على الجلد وغيره، مما يطول ذكره ولا ينتهي أمده فيما يعقد من الدراسات والأبحاث الطبية.
стр. 603
الحجاب تحرير من فقدان شخصيتها النسائية
وفي الحجاب أيضاً تحرير للمرأة من فقدان شخصيتها النسائية: وهذا أمر في غاية الأهمية؛ فإن المرأة طبعت في أصل فطرتها على الحياء، وعلى الرقة، وعلى الحنان، فإذا جاء هذا التبرج، وتركت الحجاب، وتركت البعد عن مجتمعات الرجال انهار سد الحياء، وإذا نزع الحياء فلا تأمل من وراء ذلك إلا كل شر؛ فإن النبي ﷺ قد قال فيما صح عنه: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فإذا نزع الحياء من المرأة صارت أكثر فحشاً من الرجل.
والحياء والدلال في المرأة سبب فطري من أسباب الانجذاب بين الرجل والمرأة، وعمران الكون والحياة بتكوين الأسرة، فالمرأة عندما تختلط ينزع منها الحياء، وتنزع منها الرقة، والحنان، والهدوء، وطبيعة المرأة التي هي نوع من أنواع السكن، ونوع من أنواع التكامل مع قوة الرجل وصلابته، فحينئذٍ يحصل ما يحصل في تلك المجتمعات من وجود الشذوذ بين الرجال والرجال، والنساء والنساء، نسأل الله السلامة! ونجد أيضاً أن هناك النظرة التي لا ينظر فيها إلى المرأة من جهة عقلها ولا فكرها ولا شخصيتها، وإنما ينظر فيها إلى مفاتنها وإلى ما تبرزه في تبرجها، فنحن نرى أن الوظائف إذا شغرت عند أولئك القوم ليس بالضرورة أن تكون المؤهلة هي الأولى في ذلك، بل كثيراً ما ينظر إلى شكلها وإلى هيئتها وإلى لونها، وإلى تجاوبها في المقابلة أو استعدادها لأن تكون مرنة في العمل مع رؤسائها، ونحو ذلك؛ هذا جانب.
وهناك جانب آخر: فإننا نرى مجلات النساء ومجلات المرأة ماذا تبرز لنا؟ هل تبرز لنا المرأة المخترعة؟! وهل تبرز لنا المرأة المفكرة؟! إنها تبرز لنا أكثر ما تبرز الصور الفاتنة على الأغلفة، وتبرز لنا مساحات واسعة من صفحات موضات الأزياء، وصفحات أوسع من صفحات أدوات التجميل، فجعلوا شخصية المرأة منحصرة في هذا الجانب الذي لا يشرف المرأة أن تكون اهتماماتها وأن يكون تفكيرها في هذا الجانب.
فمن هنا يحررها الحجاب من أن تكون النظرة إليها، والنظرة منها لهذا الجانب وحده، وهو جانب الجمال والفتنة وما يتعلق به؛ لأن الإسلام نظر إلى المرأة نظرة شخصية متكاملة لها عقلها وفكرها ورأيها وقدرتها على التربية، وحسن سياستها لأسرتها، وحسن رعايتها لزوجها، فليست المرأة هي هذه المفاتن وهذه الإغراءات فقط، وهؤلاء هم الذين يتهمون بهذا، ولا يتهم به الإسلام الذي يدعون أنه عندما يمنع المرأة من التبرج أو يلزمها الحجاب أنه لا ينظر إليها إلا أنها عورة، وأنه لا ينظر إليها إلا من النظرة الجنسية، بل أولئك هم الذين يستحقون هذا الوصف، وهذا دليل القول عليهم من واقع مجتمعاتهم، ومن واقع ما يدعون إليه نساء المسلمين، ومن واقع ما وقعت فيه مجتمعات المسلمين عندما دخلت إلى هذه الميادين.
стр. 604
مقارنة بين نساء اليوم ونساء السلف
فماذا ترى في اهتمامات المرأة المسلمة التي فتنت اليوم بما فتنت به إلا من رحم الله؟! إنها تشتري المجلات بالأثمان الغالية؛ لتنظر إلى هذا الزي أو إلى هذا اللون أو إلى ما تتحدث به الممثلة الفلانية، أو ما تقول به الرياضية الفلانية، إلى غير ذلك، فجعل الاهتمام في هذا الجانب، واهتمام نساء المسلمين في عهد رسول الله ﷺ لم يكن كذلك، ورد في صحيح البخاري ومسلم: أن أبا بكر ﵁ قال لـ عمر: (انطلق بنا فلنزر أم أيمن، وقد كان النبي ﷺ يأتيها ويقيل عندها في بيتها، فلما جاء أبو بكر وعمر ودخلا عليها بكت، فقالا: ما يبكيك يا أم أيمن؟! قالت: والله ما أبكي على شيء، إلا أني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فبكيا)، فانظر إلى المرأة المسلمة ما الذي كان يحزنها، وانظر إلى المرأة المسلمة ما الذي كانت تفكر فيه! وهذه أم حرام بنت ملحان ﵂ لما ذكر النبي ﷺ ما يكون في مستقبل الزمان، وأن المسلمين سيغزون أهل الكفر على البحر، قالت: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم)، فدعا لها النبي ﷺ ، فركبت البحر في الغزو جهاداً في سبيل الله، ونصرة لدين الله .
ومفاخر نساء الإسلام اليوم قد تجدها منصرفة إلى جانب: فلانة ماذا صنعت، وبأي أثواب أتت من شرق أو غرب، وفلانة ماذا صنعت من جمال شعرها، أو من تغيير وجها إلى غير ذلك! وأما مفاخر نساء الإسلام في عهد رسول الله ﷺ فقد كانت غير ذلك، فهذه زينب أم المؤمنين ﵂ تفاخر بقية أزواج رسول الله ﷺ فتقول: (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات)، وهذه أسماء بنت عميس هاجرت الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، ولما افتخر عمر ﵁ بصحبة النبي ﷺ وشهود المغازي في بدر وأحد التي لم يشهدها أهل الحبشة، ذهبت إلى رسول الله ﷺ وقالت: إن ابن الخطاب يزعم كذا وكذا وكذا، فقال لها رسول الله ﷺ : (وإن لكم أهل الهجرتين لأجرين)، فافتخرت بذلك، قال الراوي: فجعل أصحاب الهجرة يردون إليها يسمعون منها حديث رسول الله ﷺ .
إذاً: هذه صور وومضات سريعة مما يعطيه الحجاب للمرأة المسلمة من أمن نفسي، ومن وقاية صحية، ومن حفظ لأمنها وعرضها، وغير ذلك من المصالح، نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعصمنا بشرعنا، وأن يلزمنا هدي نبينا محمد ﷺ .
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 605
ذكر بعض أحوال نساء السلف في الحشمة والتستر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى لنساء المسلمين التزام الحجاب، والتزام شرع الله بالبعد عن الاختلاط بالرجال، فهذه عائشة ﵂ تثني على نساء الأنصار وتقول: (نعم النساء نساء الأنصار؛ لما نزلت آية الحجاب ابتدرن إلى مروطهن فشققنها، فاتزرن بنصفها، واعتجرن بنصفها الآخر، فما جاء الفجر إلا وكأن على رءوسهن الغربان).
وهذه امرأة -كما ورد في الصحيح- تأتي إلى رسول الله ﷺ فتقول: (يا رسول الله! إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي، فقال لها ﵊: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت ولك أجر، فقالت: يا رسول الله! أصبر، ولكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها الله ألا تتكشف)، فصبرت على المرض، ولم تصبر على التكشف في حالة هي معذورة فيها؛ لأنها ليست باختيارها، وليست بقدرتها أن تمنعها، فأرادت أن تحفظ عورتها، وألا يتكشف شيء منها، وصبرت على المرض وعلى المعاناة ابتغاء أجر الله .
فهذه صور من صور كثيرة كانت في مجتمعات المسلمين عبر التاريخ الإسلامي؛ نذكر بها نساءنا وأخواتنا في مجتمعات المسلمين ممن قد فقدن هذه الحشمة وتلك العصمة والحماية التي منحهن الله إياها.
стр. 606
الحجاب تحرير للمرأة من هدم أسرتها
ومن أعظم الفوائد وأسباب التحريم: أن الحجاب تحرير للمرأة من هدم أسرتها: وهذا أمر مهم ينبغي أن تفطن له المرأة المسلمة؛ فإن التبرج الذي قد تفعله المرأة الشابة الصغيرة التي لم تتزوج بعد، سبب من أسباب هدم الأسر، فهذه المرأة التي تتبرج سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، قد يلتفت إليها نظر رجل متزوج آخر، وقد تكون عنده مشكلات أسرية، وحينئذٍ ينسج الشيطان نسيجه، ويعمل عمله، فتقع حينئذٍ لقاءات محرمة آثمة، ويقع حينئذٍ ما قد يقع؛ بسبب أن الأسرة فيها بعض المشكلات.
وفي الجانب الآخر أيضاً يرى الرجل أو ترى المرأة أن هذه لذة ليس وراءها تعب ولا مسئولية.
فلتعلم المرأة التي تتبرج أو تدعو للتبرج أن لها أخوات أخريات سيتبرجن، فسيكون من أثر تبرجهن فساد لزوجها، أو فساد لابنها! ولو تبرجت ابنتها فسيكون من ذلك الشاب أو ذاك فساد لابنتها! فالمسألة ليست متعلقة بالمرأة وحدها، وليست متعلقة بالمتبرجة وحدها.
ورحم الله الأديب الرافعي عندما تحدث عن هذا الأمر، حيث قال: كأن المرأة المتبرجة في المجتمع كالنار الموقدة في الحفرة، فهل نحذر الناس منها ونمنعهم من القرب منها، أم نقول: لهم مطلق الحرية أن يدخلوا إليها؟! وهذا هو فقه الاجتماع الذي ذكره في هذا الباب.
والمسألة في هذا الجانب من أهم المسائل التي ينبغي أن تنظر إليها المرأة لمصلحتها أولاً وأخيراً.
стр. 607
أهمية حذر المرأة من التبرج والسفور وأسباب الفتنة
وهذا الذي نراه في المجتمعات التي وقع فيها التبرج من مجتمعات المسلمين، فالمرأة التي تنادي بالتبرج أو تفلسف التبرج أو تدافع عنه، باتت اليوم تشكو منه؛ لأنه سرق منها زوجها، وأفسد عليها ابنها، وربما ضيع عرض ابنتها!! لأن هذه الفوضى لا يمكن أن تسمى حرية، بل هي جديرة باسم الفوضى؛ ولذا سيكون لها مثل هذه الآثار الوخيمة.
وينبغي أن ندرك أن قضية المرأة وكشف العورات والتبرج هو أعظم أعمال الفتنة الشيطانية، فقد قال النبي ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، وليس ذلك نقصاً في النساء أو عيباً فيهن، ولكن عندما يخالفن أمر الله تقع الفتنة للرجال، فيقع الفساد في المجتمع، ويقع الضرر أكثر ما يقع على المرأة نفسها، فالمتبرجة الشابة قد ينظر إليها الشاب ويطري جمالها، ولكن لنزوة في النفوس وحاجة، فإذا أُخذت الحاجة منها، وإذا سُلبت أعز ما تملك، وإذا تقدمت بها السن أو اعترضتها الأمراض، أو تشوه منها جمالها، فلا ينظر إليها أحد، ولا يعطف عليها رجل؛ لأنه ليست له عندها غاية ولا مبتغىً.
فينبغي أن تدرك المرأة هذه الحقيقة، والله قد قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧].
قال بعض أهل التفسير: سميت العورة سوءة لأنه يسوء الإنسان أن تُكشف، وأن تظهر.
وهذه هي الفطرة السليمة، ودعك من القوم الذين سابقوا الحيوانات في حيوانيتهم؛ فإنهم ليسوا من البشرية ولا من الفطرة السوية في شيء، ولذلك وصف نزع اللباس وكشف السوءة بأنه هو العمل الشيطاني الأول، ولذا قال سبحانه: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧]، وأعمال أبالسة الإنس تدل على هذا، ولسنا بصدد أن نذكر ما هو في الصحف والمجلات والإعلانات، حيث يعلن -مثلاً- عن الكفرات أو عن المعدات الثقيلة التي تحفر أو تهدم أو تبني، ويوضع مع هذا الإعلان صورة المرأة! ولا رابط بين هذا وهذا مطلقاً إلا المتاجرة بأعراض النساء ومفاتنهن، وجعلت المرأة بهذا سلعة، فالحجاب يحفظها من أن تكون مهانة، وأن تبقى -بإذن الله مصانة، وأن تكون لها العزة والكرامة في دين الله .
نسأل الله أن يجمل نساءنا بالحياء، وأن يسترهن بالحجاب، وأن يحفظ علينا ديننا، وأن يحفظ عوراتنا، وأن يؤمن روعاتنا.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وطرفاً دامعاً، وعلماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، يا أكرم الأكرمين ويا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وقرب فرجهم، وعجل نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدا، يا قوي يا عزيز، يا منتقم يا جبار! اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.
اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانةً صالحةً تدلهم على الخير، وتحثهم عليه، وتحذرهم من الشر، وتمنعهم منه يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 608
الحج وتطهير الحرمين
لقد خص الله عشر ذي الحجة بخصائص وفضائل، حيث جعل فيها ركناً من أركان الإسلام ألا وهو الحج، كما أنه تجتمع فيها كثير من الطاعات من صيام وذكر وصدقة وطواف وتلبية ونحر وهدي وغير ذلك، وهذا يدلنا على عظمة هذه الأيام.
وكما خص الله ﵎ ذلك الزمن بتلك الفضائل فقد خص أيضاً مكة بفضائل دون غيرها من الأماكن، فإليها يفد الحجاج والمعتمرون من مشارق الأرض ومغاربها، ولها فضائل غير ذلك، لذا كان لزاماً أن تطهر تلك البقاع الطاهرة من الأرجاس والأنجاس والأدناس.
стр. 609
فضائل عشر ذي الحجة
الحمد لله الذي جعل الإيمان أمناً وأماناً، والإسلام سلماً وسلاماً، وأحكام الشريعة صلاحاً وأماناً، والخروج عنها ضنكاً وضيقاً، نحمده شرع الحج إلى بيته الحرام، وألزم بتطهيره من الذنوب والمعاصي والآثام، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، ونحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبدُ الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافةً أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! ها نحن نستقبل أيام شهر ذي الحجة، ونلج إلى موسم فضل عظيم، وأجر عميم، وفريضة جليلة، وأنوار وفضائل وبركات وخيرات عظيمة، أفاضها الحق علينا، وخصنا -معشر أمة الإسلام- بها، وجعل فيها من الأجور ومضاعفة الحسنات، ومن التكثير ومحو السيئات، ومن الجمع والاجتماع وظهور الخيرات ما لا يكون في غيرها من الأيام والليالي.
أيام عظيمة وموسم كريم أظهر الحق صوراً كثيرة من فضيلته وأجره وأهميته ونفعه، فأقسم للتعظيم وبيان الأهمية لهذه الأيام بها، فقال جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، وهي عشر ذي الحجة على ما ذهب إليه جمهور العلماء.
وفي ذلك روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (العشر عشر ذي الحجة، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر) رواه الإمام أحمد والطبراني والبزار والحاكم وصححه.
وفي الحديث العظيم من رواية الصحابي الجليل ابن عباس عن رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري وغيره.
فما أعظم هذا الأسلوب النبوي البليغ الذي يهيج النفوس إلى الطاعة، ويبعث القلوب ويعلقها باغتنام هذه الأوقات الفاضلة والمواسم الخيرة (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر) صيغة التفضيل المطلقة، صيغة تدل على عظمة كبيرة ومحبة جليلة من الرب الخالق المالك لمزيد العبادة له وشديد الحرص على التقرب إليه في أيام هي من أيام الله وموسم هو من مواسم فرائض الله جل وعلا، وفي مكان وزمان تشهد فيه جموع غفيرة من أمة الإسلام أداء المناسك في أفضل بقاع الأرض كلها، في الحرمين الشريفين والمناسك المقدسة، ويزيدنا ذلك في آيات الله وأحاديث رسوله ﷺ ما يدل على أهميتها وفضيلتها.
قال ابن حجر: فيها اجتماع فضيلة الزمان والمكان بالنسبة للحجاج.
ثم قال: وفيها اجتماع العبادات من الصيام والصدقة والصلة والحج والعمرة والإنفاق والنحر والأضحية ما لا يجتمع في غيرها من العبادات في سائر الأيام، وهي فضائل بعضها فوق بعض.
ومن هنا كان تصرف أسلافنا، فهذا سعيد بن جبير ﵀ كان إذا دخلت عشر ذي الحجة اجتهد في العبادة حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم في ليالي العشر.
وقد وردت أحاديث فيها إشارة إلى صيام هذه الأيام، وبرز في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ كان يصومها، والتاسع من هذه الأيام ثابت بالحديث الصحيح صيامه لغير الحاج.
وكذلكم نجد في فضيلة هذه الأيام ما اختصت به من الذكر والتهليل والتكبير لعموم المسلمين، والتلبية للحجاج والمعتمرين، مما ينبغي أن ينشغل به المسلمون في مثل هذه المواسم العظيمة.
стр. 610
خصائص بلاد الحرمين الشريفين
في تلك الأيام تفد الوفود وتلبي النداء جموع من المسلمين من كل بقاع الأرض، إنهم ليسوا من بلد واحد، بل من بلاد شتى، ولا من عرق واحد، بل من أعراق مختلفة، ولا من لغة واحدة، بل من لغات متباينة، إنهم يأتون من كل حدب وصوب، أي شيء يقصدون؟ يقصدون وجه الله، ويتوجهون إلى بيت الله، ويؤدون فريضة الله، لم يأتوا إلى مكة لجمالها أو لخضرتها، لم يأتوا إلى تلك الديار ليأكلوا من طعامها أو شرابها، أو ليسكنوا في دورها وبيوتها، ليس لهم مقصد حرك قلوبهم وهممهم وأضناهم في مشقتهم وسيرهم وسفرهم، وبذلوا في ذلك من أموالهم ومن عرق جبينهم إلا غرض واحد فقط، وهو تعظيم بيت الله وأداء فريضة الله.
وانظر معي -أخي المسلم- إلى التاريخ القرآني تذكره لنا آيات ناطقة شاهدة ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦].
ذكر أهل التفسير أن هذا الأمر لإبراهيم الخليل ﵇ فيه دلالة عظيمة على اختصاص هذه البقاع بتوحيد الله ، ونفي الشرك، والأمر بالطهارة العامة، بحيث لا يكون هناك شيء لغير الله، ولا معصية لله، ولا حكم لغير حكم الله، تطهير شامل لهذه البقاع المقدسة والبلاد الطاهرة، فيأتي المسلم من بلاد الإسلام وقد وقع فيها ما وقع من أمور كثيرة واختلالات عظيمة وانحرافات كبيرة يأتي إلى هذه البلاد فيرى قبلة الإسلام ورمز التوحيد، وجموع المسلمين وهي تلبي: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) ثم يرى في هذه البقاع المقدسة شعائر الإسلام الظاهرة، فقبل أن يؤذن المؤذن تغلق المتاجر أبوابها؛ ليتوجهوا لأداء صلاتهم وفريضة ربهم، فهذا الذي ينبغي أن يراه في هذه البلاد من إعلاء وإعلان شريعة الله التي أمر بها إبراهيم الخليل ﵇، وجددها محمد ﷺ في سلسلة بينهما من رسل الله وأنبيائه، وتأمل الآيات فإن فيها كثيراً من الدلالات ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، وفي الآيات: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨].
قال أهل التفسير: أي: من منافع الآخرة والدنيا، يأتون ليغسلوا قلوبهم، ويتطهروا من ذنوبهم، ويجددوا إيمانهم، ويؤكدوا عهدهم وعقدهم على التزام دين ربهم وإعلاء شريعته والتزام أوامره واقتفاء سنة نبيه ﷺ .
وفي الآيات: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠].
قال أهل التفسير: ((ومن يعظم حرمات الله)) أي: يعظم ما حرم الله فيستعظم ارتكابه، ويجعل في نفسه من الخوف من ذلك والورع عنه والبعد ما يجعله أبعد ما يكون عن مقارفة الإثم أو الإقرار به، أو ارتكاب المعصية أو المخالفة، فضلاً عن المطالبة بشيء مخالف لشرع الله، أو إقامة وإقرار شيء مناقض لشرع الله ، وذلك ما ينبغي أن يكون خصيصةً لهذه البلاد التي يفد الناس إليها، يريدون أن يروا فيها الإسلام الكامل الذي قد تنتقص بعض صوره في أحوالهم وبيئاتهم.
إننا ينبغي علينا أن ندرك أن قلوب المسلمين قد تعلقت بهذه البلاد، بالحرمين الشريفين، وبصبغة الإسلام الظاهرة، وراية شريعته المعلنة، وإلا فهل تظن أن الذين يقيمون في هذه البلاد لا يريدون إلا رزقها وأجرها؟ إن بعضاً منهم -وهم كثر ليسوا قلة- من أصحاب الشهادات العالية، وبعضهم كانوا يعملون أطباء ومهندسين في بلاد الشرق والغرب في أحسن وأرقى المستويات المعيشية، تركوا ذلك كله خلف ظهورهم، واسأل أحدهم: لم جئت إلى هذه البلاد؟ إنه يريد أن يتنفس هواءً نقياً طاهراً غير ملطخ برجس الآثام والمعاصي، وليس مضللاً بتشريع يناقض شريعة الله، إنهم يقولون لك: قد كبر أبناؤنا وبناتنا، ولا نريد أن يدخلوا في جحيم الاختلاط والتبرج والفسق والفجور.
إنهم يقولون: نريد أن نفيء إلى ظلال نسمع فيها صوت الأذان يدوي خمس مرات ويهرع الناس ويتركون وراءهم دنياهم، ويتركون أعمالهم رسمية وأهلية ليعلنوا مظاهر الإسلام، وهم يرون في بعض بلادهم أن الجمعة تقام وإلى جوار أبواب المساجد من يشربون الدخان، ومن يسمرون ويلعبون ويضحكون، كأنه لا خطيب يسمعون صوته، ولا فريضة يؤدون واجبها، ولذلك نجد أن المسألة في هذا المعنى مهمة جداً.
стр. 611
دعوة إلى المحافظة على خصائص بلاد الحرمين الشريفين
إن بلاد الحرمين الشريفين لها خصائص عظيمة هذه الخصائص متعلقة بوجود الحرمين الشريفين ووجود هذه الفريضة، هل يحج الناس إلى مكان آخر؟ فهل يحج المسلمون إلى بلد آخر؟ هل يقصدون موطناً آخر؟ هل في الدنيا كعبة غير التي في مكة؟ وهل هناك مثوىً لرسول الله ﷺ غير الذي في المدينة؟ وهل هناك بلاد من بلاد الإسلام ينبغي أن تكون أعظم صورة وأقرب صورة إلى الامتثال الكامل للإسلام من هذه البلاد؟ إن الناس قد فقدوا ذلك في بعض بلاد الإسلام والمسلمين، وكلنا يعلم ذلك، بل إن من بلاد المسلمين بلاداً فيها أحسن وأشهر مصانع الخمور في العالم، وإن من بلاد الإسلام بلاداً فيها تصاريح رسمية للبغاء والفسق والفجور، وتدفع فيها الضرائب للدولة، وإن في بلاد الإسلام والعرب بلاداً تمنع الحجاب للمرأة المسلمة في المدارس والمعاهد والكليات، بل في الشوارع والطرقات، أفليس من حق المسلمين على أقل تقدير أن يجدوا بلاداً هي موطن الإسلام طاهرةً خالصةً من تلك الأرجاس والأنجاس؟ أفليس هذا أمراً بدهياً؟ أفلا ترى معقل النصرانية في الفاتيكان خالصاً لها ولنوع الكنيسة التي تتبناها لا يشاركها فيها غيرها؟ وغير ذلك كثير.
إننا -ونحن نتحدث عن هذه الأيام العظيمة، وعن هذه المناسك الجليلة- لا شك نشعر أنه حديث مؤلم محزن، فهذه المزايا العظيمة وهذه الخصائص المهمة التي هي مهوى أفئدة قلوب المسلمين من القادمين المرتحلين حجاجاً ومعتمرين، ومن المقيمين الذين - وإن ضاقت معايشهم وإن تعسرت أحوالهم- لا يزالون مرابطين يريدون أن يتنفسوا -كما قلت- هواءً نقياً، يريدون أن يروا كلمة الإسلام العالية.
وليس حديثنا حديث مزايدة ورفع أصوات، وليس حديث مبالغة وتهويل، بل هو الأمر الحقيقي الذي إن لم ندرك خطورته يوشك أن نعض أصابع الندم في وقت لا ينفع فيه الندم، أفتبقى بلاد الإسلام الوحيدة على ما فيها من خير عظيم هدفاً لنقض هذا الخير ولنزع هذه الخصوصية، وللنداء المتكرر بأنه لا ينبغي لها أن تكون شاذةً عن العالم كله، ولا أن تكون مقيدةً -كما يزعمون- بهذه الأحكام الشرعية، وكلنا سمع الأنباء والأخبار التي تعلقت بشأن المرأة وحجابها ومشاركتها واختلاطها، وأهميتها -كما يقولون- في التنمية وغير ذلك.
وكلنا عرف بعض هذه الأمور التي أرادوا منها -كما يصرح أصحابها- أن ينقضوا تلك الخصوصية، وأن يخترقوا تلك المعاقل المحصنة بحصون الإسلام المتينة، حتى وقع ما وقع من أمور فيها إظهار للمخالفة السافرة لهذه الأحكام الشرعية الظاهرة، ليس في دائرة ما قد يكون مختلفاً فيه عند الفقهاء اختلافاً معتبراً، بل فيما هو مجمع عليه أنه محرم ولا شك في حرمته من السفور بظهور الشعور وغيرها، ولذلك هذه المسائل ربما يقال: إن الوقوف عندها إنما هو مبالغة ليست في محلها.
ولكني أقف قبل أن أسترسل وقفةً مع غيظة إيمانية نحمد الله على بقائها ونسأله دوامها، وهي فيما كان من موقف المفتي العام الذي نبه وأنكر وشدد وحذر من الانفلات الذي يراد أن يمرر بسياسة الأمر الواقع في شأن المرأة المسلمة ونزع حجابها وإقرار اختلاطها، وزعمهم أن ذلك ليس فيه شيء من معارضة الإسلام، وكان مما ذكره حفظه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا أمرٌ يتعلق بحديثنا هذا، حيث قال: وإني إذ أنكر هذا الأمر أشد الإنكار وأبين حرمته وأحذر من عواقبه الوخيمة ليزداد ألمي من صدور مثل هذا التصرف المشين في بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية التي دأب ولاة الأمر فيها على القيام بالشرع لا يخافون في الله لومة لائم، وعلى حمل الرعية على ذلك، وهم -ولله الحمد- لا يزالون يسيرون على هذا الطريق المستقيم.
ثم يستشهد بكلمة للملك الراحل عبد العزيز يقول فيها: أقبح ما هنالك من الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها.
ويزيد المفتي العام كلمة رائعة من كلام ابن القيم ينقلها، وهي قوله: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد الأمور العامة والخاصة.
стр. 612
المرأة بين المفهوم الإسلامي والمفهوم الغربي
ووقفة هنا نذكر فيها من أرجف في هذه المسألة بقول أو فعل أو دفاع، ولست أنقل هنا آيات وأحاديث في شأن الحجاب وغيره من الأدلة، فنحن في غنية عن ذلك؛ لأن الأدلة الظاهرة الواضحة لا تحتاج إلى مثل هذا التفصيل، ودائرة الاختلاف الفقهي المعتبر واضحة معلومة، وما وراءها من المحرمات التي لا يشك في تحريمها ظاهرة، ولكني أنقل لك بلسان أعجمي غير مبين، ومن كلام أهل الكفر الذين ربما جعل بعضنا بعضهم قدوة لهم، وفي المسألة ذاتها.
فهذا كاتب أمريكي شهير يكتب مقالة يقول فيها: على حائط مكتبي صورتان: الأولى: صورة امرأة مسلمة تلبس البرقع، وبجانبها صورة متسابقة جمال أمريكية لا تلبس شيئاً سوى ما يستر العورة المغلظة.
ثم بدأ يتحدث عن الصورتين -حتى لا نشك في أنه مسلم أو أنه تأثر وتسمم فكره بما عند المسلمين من هذه الأفكار- يقول: لست خبيراً في شئون النساء المسلمات، وأحب الجمال النسائي كثيراً، مما لا يدعوني للدفاع عن البرقع هنا، لكني أدافع عن بعض من القيم التي يمثلها البرقع لي.
يقول: بالنسبة لي يمثل البرقع تكريس المرأة نفسها لزوجها وعائلتها، هم فقط يرونها، وذلك تأكيد لخصوصيتها.
تركيز المرأة ذات الصورة منصب على بيتها وعشها حيث يولد أطفالها وتتم تربيتهم، فهي الصانعة المحلية، هي الجذر الذي يبقي على الحياة، وروح العائلة، فهي تربي وتدرب أطفالها وتمد يد العون لزوجها، وتكون ملجأً له.
إنه يرى في هذا بعضاً من وجوه الإيجابية في نظره، ويصرح بها، والعقلاء من أهل الإسلام يعرفون حقيقتها.
يقول: إن هذا يمثل خصوصية العائلة، يمثل رعاية الزوج، يمثل تربية الأبناء.
ويزداد الأمر إيضاحاً عندما ينتقل إلى الصورة الأخرى من بنت بلده وبنات جنسه اللائي يراهن صباح مساء في واقعه.
يقول عن الأخرى: تختال عارية تقريباً أمام الملايين على شاشات التلفاز، وهي ملك للعامة، تسوق جسمها إلى المزايد الأعلى سعراً، وتبيع نفسها في المزاد العلني كل يوم.
في أمريكا المقياس الثقافي لقيمة المرأة هو جاذبيتها، هي تشغل نفسها وتهلك بظهورها، تتعلم لتكون محبوبةً إذا مارست الجنس، تحرير المرأة خدعة من خدع النظام العالمي الجديد، خدعة قاسية أغوت النساء الأمريكيات، وخربت الحضارة الغربية.
لو قال هذا مثلي أو مثلك -أخي القارئ- لوصف بأنه متحجر الفكر، إرهابي النظرة، ضيق الأفق، سقيم العقل، فكيف وهذا كاتب مشهور اسمه هنري ماكود.
ويقول آخر في تحقيق أجراه في بعض مناطق السعودية في صحيفة سائرة شهيرة، جاء وعنده خلفياته عن الحجاب، وعن المرأة المكبلة الغبية التي تكون في البيت أدنى من الخادمة وأحقر من الحيوان كما يصور له ذلك الإعلام في بلده، جاء ليقول: لغز الحجاب الذي يثير حفيظة الغرب غير مطروح التساؤل هنا في السعودية، الحجاب لم يقف حائلاً أمام تطور المرأة هنا، فالسعوديات مؤهلات للتعامل مع أحدث برامج الحاسوب والإدارة ونظريات التعليم، بل إن القطاع الواسع من النساء السعوديات المتعلمات يدافعن عن الحجاب كمنظومة تحكم علاقة المرأة بالرجل في إطار أوسع.
ثم يقول وتأمل معي كلام من ليس على ديننا- يقول: وبالرغم من انفصال التعليم بين الطلاب والطالبات فإن تعليم البنات يخرج آلاف الطالبات الحاصلات على شهادات جامعية، بل إن بعض النساء يدرن أعمالهن الخاصة بأنفسهن.
ثم في تحقيقه يسأل امرأة أمريكية عاشت هنا عقداً طويلاً من الزمان، فتقول له: إن النظرة الغربية والتأطير السلبي الذي يحيط بحجاب المرأة المسلمة غير صحيح، أعتقد أن المرأة هنا تأخذ دورها الطبيعي، ودون ضجة أو تغييرات حادة شبيهة بتلك التي تحدث في الدول الغربية وأمريكا.
ثم يسأل في تحقيقه بعض النساء المتعلمات المتحضرات من بنات بلدنا فتقول: نحن نعتقد أننا نعرف عنكم وعن الأخلاق المتفشية بينكم إلى الحد الذي يجعلني أقول: لو سألتني: هل أريد هذه الحرية الغربية فإن إجابتي ستكون في ثلاث كلمات: لا ثم لا ثم لا.
إن الدين هو الذي يملي، هو الذي يضبط، وهو الذي يحكم تصرف الإنسان، ومن كان مخلصاً في دينه التزم الضبط الذي يحرك مساره.
ثم يقول الكاتب بعد خلاصة تحقيقه: النساء هنا يشعرن أن النظام الأخلاقي الإسلامي يحفظ للمرأة كرامتها من التعرض للمشاهد التي تخدش الحياء.
وينقل عن سيدة متعلمة قولها هنا: لا مظاهر فاحشة، ولا اختلاط بين المرأة الأجنبية والرجل إلا في أضيق نطاق، نحن سعيدات بهذا بلا شك.
وهذا -كما قلت- نحن في غنىً عنه، لكنا نرسله لمن يقولون بغير هذا، ويوم أن تحدثت امرأة حاسرة عن شعرها أمام مجمع من الرجال وصف خطابها وكلامها بأنه خطاب تاريخي، ولست أدري أين هي العقول التي يقولون: إنها كبيرة؟! هل هذه التي تجعل كلمات من امرأة في حدث عارض هامشي خطاباً تاريخياً أو غير ذلك؟! وانظر -أيضاً- إلى خلاصة لكاتب كتب يقول: (كل مولود يولد على الفطرة.
أي: والفطرة هي السليقة بطبيعتها، فلو ذهبت إلى الغابة ورأيت الحيوانات لرأيت الاختلاط فطرة طبيعية فيما بينها، ليس هناك غابة للإناث وغابة للذكور.
ثم ينتقل ليقول: إن الإنسان كرمه الله بالعقل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فيختلف الإنسان عن الحيوان في أن الفطرة واحدة في الاختلاط، ولكن عقل الإنسان يجعله منضبطاً؛ لأن الإنسان حيوان بهيمي بطبيعته، فهو لذلك على الفطرة ينبغي أن يكون مختلطاً رجاله ونساؤه، ثم العقل بعد ذلك يضبط هذه الغرائز ويحكمها.
وهذا القائل دكتور أكاديمي وأستاذ جامعي.
ثم يقولون عنكم -معاشر المحبين للدين الملتزمين به الناطقين بحججه من الآيات والقرآن-: إن عقولكم صغيرة وإن حججكم واهية.
стр. 613
أراجيف حول المرأة في صحفنا المحلية والرد عليها
أنتقل إلى ذكر كلمات محزنة مؤلمة منشورة في صحافتنا المحلية آنياً وقبل فترات مختلفة، وأذكر بأن لا ننسى ما قاله الأمريكان أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء والشعور الشقراء.
يقول أحدهم في صحافتنا المحلية: علينا -إذاً- تحرير المرأة من كثير من القيود والعادات، وكثير منها ليس لها أصل شرعي.
وكثير من هؤلاء صاروا من مفتي الديار، وأحدهم ربما لا يحسن تلاوة آيتين أو ثلاث من القرآن.
ثم يقول: هل يجوز أن تبقى المرأة تابعة للرجل بعد أن حررها الإسلام من قيود الجاهلية، وأعطاها حق تطليق نفسها، وبذلك تكون العصمة في يدها؟ وهذا فقه حديث أظنه يضاف إلى ما سبق من فقه الأئمة الأربعة.
ويقول آخر: التوسع في مجالات عمل المرأة يقتضي تغيير القيم الاجتماعية البائدة التي تسيطر على بعض العقول، وتغيير هذا يستدعي المجابهة والمواجهة.
ويقول: إن الحساسية في التعامل مع المرأة في المجتمع السعودي لا يكون إلا بالمواجهة.
أحسب أن في مثل هذه الكلمات ما يدلنا على خلل في الفهم، وعلى شهوة في النفوس، وعلى أمور كثيرة يحتاج هؤلاء فيها إلى مراجعة أنفسهم، ونحن قد تعودنا أن لا نستخدم الصراخ ورفع الصوت؛ فإن القضايا تحكم بميزان الشرع، وينظر إليها العقلاء بما هي عليه من واقعها وخطورتها.
ثم أيضاً لسنا في مقام الاتهام لهذا أو ذاك، لا رمياً له بكفر والعياذ بالله، ولا وصفاً له بفسق دائم أو فجور عام، ولكننا نقول: بيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن فعلتم ما يخالفها قلنا لكم: ارتكبتم محرماً واقترفتم إثماً وتعديتم على دين الله -وهو أعظم شيء عند كل مسلم ومؤمن- واعتديتم على نظام هذه البلاد وخصوصيتها التي قد فقدت في كثير من بلاد الإسلام، حتى أصبح في كثير من بلاد الإسلام المنكر معروفاً والمعروف منكراً، فهل يراد أن نسير خلف هذه المسيرة التي قد أوقعت أصحابها في مهاو كثيرة وشرور عظيمة في بلاد الغرب وفي بلاد الإسلام كذلك؟! ثم نقول: إن هذا يناقض قول الأغلبية كلها، ولإن قلتم بالديمقراطية فخذوا رأي الناس، وخذوا رأي النساء المسلمات في هذه البلاد، كم ستجدون من هذه الأصوات؟ ستجدونها شاذة ناعقة تغرد في غير سربها، وتأتي بلحن نشاز يفسد ما عليه الغالبية العظمى من نساء الإسلام في هذه البلاد، نسأل الله أن يحفظها ويسلمها، فلماذا تتركون الديمقراطية في هذا الشأن وتجعلون لآحاد من الناس أن يقولوا: إن هذا هو المطلوب وهذا هو المرغوب؟! إذاً لا بد أن ننتبه إلى أن هذه القضايا قد وقعت في بلاد أخرى بدأت بمثل ذلك أو أقل من ذلك، وانتهت إلى ما تعلمون وترون وتشاهدون وتعرفون بأنفسكم، سواءٌ أكان ذلك في ديار ترجعون إليها أم في بلاد تزورونها.
نسأل الله أن يجعل بلاد المسلمين طاهرةً مطهرةً مقدسةً خالصةً للإسلام وأهله، ليس فيها ما يناقض شرعه، لا في حكم ولا في نظام ولا في واقع ولا في طبيعة اجتماعية، ولا في أي جانب من جوانب الحياة.
ونسأل الله أن يحفظ بلاد الحرمين، وأن يجعلها مهوى أفئدة المؤمنين، وأن يحفظ ولاة أمرها لإقامة شرع الله فيها، وأن يسخرهم للوقوف في وجه كل من يعارض ذلك أو يناقضه.
стр. 614
الفطرة تدعو إلى فصل النساء عن الرجال
لقد ابتدأت حديثي بفضيلة الأيام العشر، وذكر فريضة الحج، ولم يعكر صفو ذلك إلا ضرورة الحديث عن هذا الأمر وتعلقه بهذه البلاد مهوى أفئدة المسلمين، ومن هنا نقول لكثير من القائلين بهذا القول والمرجفين فيه، أو العاملين له والساعين إليه، أو المغررين به والمتأثرين به، نقول: إن جئتم إلى القرآن والسنة فلا تتعبوا أنفسكم؛ لأن أدلتها لا تسعفكم فيما تمضون إليه، بل هي على خلاف ما تريدون، وإن جئتم للواقع في بلاد كثيرة -مثل ما وقع من اختلال في بلادنا من قليل أو كثير- فإن المآسي والجرائم والمشكلات وتفكك الأسر وغير ذلك إنما هو من أثر هذا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، والعجيب العجيب أن واقع غير المسلمين يدلكم كذلك على هذا، وأن كثيراً من مواقف المسلمات من أهل الديار الغربية هنا وهناك من ذوات البشرة البيضاء والعيون الزرقاء والشعور الشقراء هن ملتزمات بحجابهن، وتدخل المحاكم لئلا تتصور في بطاقة بغير حجابها وتكسب الحكم؛ ونحن هذا هو نظامنا وهذا هو شأن بلادنا، ونقول: أنريد محاكم حتى ننقض ذلك؟ عجباً لهذه المخالفات والتناقضات العجيبة، ولو رأيت وقرأت وتابعت لرأيت هولاً عظيماً فيما يجره الاختلاط والسفور من البلايا والمصائب العظيمة، وإن كثيراً من غير المسلمات أيضاً يدعين إلى الحشمة وإلى التستر دون أن يطالبن بإسلام، وربما بعضهن لا يعرفن الإسلام، لكنهن يعرفن أن هذا الفجور جر عليهن الجرائم والعدوان، وجعلهن سلعة رخيصة، أما سمعت عن عارضة أزياء أسلمت وتحكي قصصاً فيما كان من شأن حياتها السابقة قبل إسلامها وبعده.
أما عرفت أن الفلبين -وهي بلد لا تدين بالإسلام- قررت في بعض ولاياتها أن تخصص عربات خاصة في القطارات للنساء لا يركبها الرجال؟ لماذا هم معقدون؟! لماذا هم متخلفون؟! لست أدري هل هم مسلمون.
قضايا كثيرة ينبغي أن تثار، وفي غيرها من البلاد كليات وجامعات يزداد عددها تفصل الطالبات عن الطلاب؛ لأن القضية قضية فطرة فوق كونها قضية دين وإسلام وإيمان.
وأخيراً أؤكد الخطورة بأن هذا ديننا، فإن لم نغر على ديننا، وإن لم نتحرك، وإن لم نتألم، وإن لم نبك ونحزن لأجل هذا فكيف بنا بعد ذلك؟! وانتبه إلى أن الإدمان إنما هو من الكأس الأولى، وإلى أن الترخص في قليل يقود إلى كثير، وليست هذه مبالغات أكررها مرات ومرات؛ لأن الواقع يشهد بها، واقعنا وواقع غيرنا أظهر فيه الأمر وأشهر، فالله الله في هذه البلاد المقدسة، والله الله في الإيمان والإسلام الذي هو فريضة الله علينا ليس لنا فيه خيار ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، أفليس ما يقال ويطالب به مما هو مخالف للإجماع فيما حرم الله في قضايا المرأة تقدماً بين يدي الله وبين يدي رسوله؟ أليس عدم استسلام وإيمان وقبول لحكم الله وشرعه؟ فليحذر هؤلاء على أنفسهم، وليخشوا على إيمانهم، وليلتفتوا إلى أمور قد يعضون هم قبل غيرهم أصابع الندم عليها.
نسأل الله أن يحفظ إيماننا وإسلامنا وبلادنا المقدسة وأحكامنا الشرعية وآدابنا الاجتماعية.
اللهم! رد عنا كيد الكائدين، وفسق الفاسقين، وخبث الخبثاء، يا رب العالمين.
اللهم احفظ نساءنا وجملهن بالحياء والحشمة والحجاب والزينة البعيدة عن الفتنة، اللهم! إنا نسألك أن تحفظ نساءنا من رجس الأرجاس ومن دنس الأدناس ومن هذه الدعوات الفاسقة الفاجرة.
نسألك -اللهم- أن تحفظ مجتمعنا من فتنة النساء على غير منهج وشريعة الله .
نسألك اللهم أن تحفظ إيماننا، وأن تقوي إسلامنا، ونسألك -اللهم- أن تجعلنا من أهل الغيرة على دينك والحمية في نصرة شريعتك.
نسألك -اللهم- أن تجعلنا في كل أحوالنا لا نرضى إلا بما ترضى، ولا نغضب إلا عما لا ترضى، يا رب العالمين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانةً صالحةً تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وأحسن ختامنا، واجعل عاقبتنا إلى خير يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 615
الهجرة وأزمة الأمة
إن المتصفح لسيرة النبي ﷺ وصحابته قبل الهجرة وأثناءها وبعدها ليعجب من ثبات أولئك الرجال على الدين، وتضحيتهم بالمال والنفس والأهل لأجله، بينما لو نظر إلى واقع الأمة اليوم لرأى البون شاسعاً والفرق واسعاً؛ لأن أولئك عزُّوا بالإيمان واليقين، أما المسلمون اليوم فقد ذلوا وهانوا حين تركوا دين ربهم، وطلبوا العزة والنصرة من عدوهم وهو الذي أذلهم وأهانهم.
стр. 616
صور من ثبات الصحابة قبل الهجرتين إلى الحبشة وفي أثنائها
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعم نواله، وعظم عطاؤه، له الحمد جعل العزة في الإيمان، والقوة في الإسلام، والعاقبة للمتقين، والدائرة على الكافرين، له الحمد كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فدروس الهجرة وواقع الأمة موضوع مهم نحتاج إليه، ونحن ما زلنا في أفياء هذه الهجرة وظلالها، ولعلنا نقف وقفات سريعة عابرة فيما قبل الهجرة، وفي أثنائها، وفي أوائل ما بعدها لننظر في هذه الهجرة نظراً اعتبارياً يعيننا على فهم حقائق واقعنا، وعلى أن نبث في نفوسنا وقلوبنا من يقيننا وإيماننا ومن قدرتنا وقوتنا ما يزيل ذلك الوهن وينفي ذلك الضعف، ويمحو تلك الذلة التي تخيم على أمة الإسلام إلا من رحم الله.
صورة من الثبات على الدين، عندما قبل المسلمون الأوائل دعوة سيد الخلق محمد ﷺ ، ودخلوا في الإسلام، وأيقنوا بالإيمان واجهوا عداء قريش وأذاها وصلفها وعنادها، فأي شيء كان منهم لنرى كيف كان أثر الدين في حياة المؤمنين وما مكانته عند المسلمين؟! كلنا يعلم تلك الرمضاء المحرقة في بطحاء مكة من وهج الشمس وهي تسطع على بلال تحت الصخر يعذب ويضطهد ويؤذى أشد الإيذاء وهو يهتف: (أحد أحد) لا يقبل أن يعطي الدنية في دينه، ولا أن يغير معتقده، ولا أن يساوم على إيمانه، وصهيب وما أدراك ما صهيب! وخباب وما أدراك ما خباب! بقي أثر السياط على ظهره إلى يوم وفاته بعد عقود من الزمان، كان يجلد حتى يختلط لحمه بجلده بدمه، حتى بلغ به الأمر مبلغاً، فجاء يشكو إلى النبي ﷺ : (ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟) فيثبت الإيمان ﷺ ، ويرد الأمر إلى ضرورة القوة في الدين والثبات عليه حيث يقول: (إنه كان فيمن كان قبلكم من يوضع المنشار في مفرق رأسه فينشر حتى يفلق إلى نصفين لا يصده ذلك عن دينه، وإنه كان فيمن كان قبلكم من يمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه، والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
فنزل الإيمان راسخاً في القلوب، وسرى الإسلام مع الدماء في العروق، فثبت ذلك الإيمان، حتى جاءت الهجرة من بعد، ليست فراراً من المواجهة، ولا خروجاً من الثبات على الدين، ولكنها تأكيد لأولوية الدين في حياة المسلمين.
جاءت هجرة الحبشة الأولى والثانية، ولسنا بصدد سرد السيرة، ولكننا نشير إلى الومضات التي تبين أنه لا دنية في الدين.
لما جاء عمرو بن العاص -وكان إذ ذاك رسول قريش- ليرد المهاجرين إلى مكة، وجاء إلى النجاشي بما جاءه من الهدايا والتحف، فطلب النجاشي العادل الطرف الآخر ليستمع بعد أن أساء عمرو القول وشوه السمعة وبث الفتنة وأشاع الخلاف، فجاء جعفر بن أبي طالب مع بقية أصحابه المهاجرين، فأي صورة كانوا يمثلون؟ كانوا يمثلون صورة إيمان وإسلام مجتمِعِين متوحِدِين، ليس بينهم افتراق آراء، ولا تباين أهواء، ولا تعارض مصالح، جمعوا كلمتهم، واختاروا محدثهم، وأيقنوا بأنه لابد من أن يكون لهم موقفهم، فماذا قال جعفر ﵁؟ إنه كان يريد أن يحافظ على مصلحة المسلمين، وأن يبقي على وجودهم، وأن يوفر أمنهم، وأن ييسر رغد عيشهم، لكنه لا يمكن بحال من الأحوال هو ومن معه أن يكون ذلك كله على حساب إيمانهم، أو على حساب إسلامهم.
فجعل حديثه إعلاناً بمساوئ الجاهلية وإظهاراً لمحاسن الإسلام، فقال رغم حرصه على أسلوب يحفظ به للمسلمين مصالحهم: أيها الملك -لم ينكر ملكه، ولم يغفل عن أن يعطيه قدره الذي فيه حق من جهة وفيه مراعاة مصلحة من جهة أخرى-! كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منَّا -وأفاض في وصف النبي ﷺ نعلم نسبه وشرفه وعلو قدره وحسن خلقه، فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار وعدد من محاسن الإسلام ما عدد، ثم انظر إلى لغة السياسة الإسلامية الإيمانية! قال: فلما قهرونا -أي: كفار قريش- وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
فهل في هذا نفاق سياسي؟! وهل في هذا دنية دينية؟! إنها حنكة مع إظهار الإسلام وإعلان دعوته وإظهار محاسنه، ومع الوقوف على المبدأ الحق دون ذوبان ولا تنصل من حقائقه ومبادئه، وكان في ذلك موقف حكيم، دفع عنهم الأذى ولم يوقعهم في حرج من إيمانهم وإسلامهم، فهل اكتفت الجاهلية ومبعوثها الداهية عمرو بن العاص ﵁ الذي كان على شركه إذ ذاك؟ قال: والله لآتينهم الغداة بما يبيد خضراءهم.
وغدا على النجاشي ليقول فتنة وتأليباً وتشويقاً واستعداء، فقال: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً.
فهو يعلم عن النصرانية أنها تقول: عيسى هو الله، أو ابن الله، أو الروح القدس.
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وجاءت هذه المعضلة والطامة المشكلة والمعجزة المحيرة المربكة لوجودهم وأمنهم وعيشهم ورغدهم ودينهم وعقيدتهم.
فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى؟ فأي شيء يقول جعفر؟ وأي بيان يظهر المسلمون؟ هل يبدلون أو يغيرون؟ هل يحافظون على دينهم أم على حياتهم يحافظون؟ قالها كلمات واضحة: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
لا دنية في الدين، لا مساومة في العقيدة، لا تغيير في الإيمان والإسلام، أي شيء جرى لهم؟! أي مصيبة حلت بهم؟! أي نكبة نزلت عليهم؟! لم يحصل من ذلك شيء؛ لأن من كان مع الله كان الله معه.
قال النجاشي: والله ما عدا ما قلتم فيه عودي هذا.
فنخرت البطارقة، قال: وإن نخرتم.
ثم قال لهم: أنتم شيوم بأرضي.
أي: أنتم سالمون لا يعتدي عليكم أحد؛ لأنكم أهل مبدأ وأهل يقين وأهل عزة وأهل وضوح، لا أهل ذوبان وذلة وترخص والتماس عرض من الدنيا بضياع الدين، نسأل الله السلامة.
стр. 617
صور ونماذج من تضحية النبي ﷺ وأصحابه في الهجرة إلى المدينة
جاءت الهجرة الكبرى، وجاء الإذن الرباني من الله جل وعلا للمصطفى ﷺ بعد أن تهيأت الأسباب، وبعد أن أدى الجهد منه ومن أصحابه رضوان الله عليهم، فأي شيء كانت الهجرة؟! وأي درس كان أعظم فيها؟ إنه التضحية بكل شيء من أجل الدين، فكلنا يعلم هجرة أبي سلمة ومعه أم سلمة ومعهما ابنهما سلمة، يمضي تاركاً وراءه دنياه، ومخلفاً وراءه حياته الأولى ومراتع صباه وذكريات شبابه، يمضي إلى الله وإلى رسول الله وإلى مرضاة الله وإلى طاعة الله وإلى التزام دين الله وإلى إعلاء راية الله، فيأتي أهل زوجته فيقولون له: هذه نفسك قد غلبتنا عليها، أما ابنتنا فلا تمض معك.
فأخذوا زوجته، فجاء بنو أسد أهله بعد أن مضى فقالوا: هذه زوجه ابنتكم أخذتموها، أما ابننا فنأخذه.
فأُخذ الابن في جهة والأم في جهة، والأب يرى زوجته تؤسر وابنه يقهر، فهل يصده ذلك عن المضي إلى مرضاة الله؟ وهل يضعف يقينه بالله؟ وهل يستسلم لظروفه وما تجري به في هذه الحياة؟ كلا، بل يمضي إلى الله مهاجراً، ثم تمت له هجرته، وألحق الله به زوجه وابنه من بعد.
وصهيب وما أدراك ما صهيب؟! ترك غنيمة الحياة الدنيا كلها، وثمرة جهده وتجارته وصناعته، يخرج مهاجراً فيحيطون به قائلين: جئتنا صعلوكاً لا مال لك وتخرج من بين أيدينا تاجراً ثرياً؟ فقال لهم: أرأيتم لو أعطيتكم مالي أكنتم تاركي؟! قالوا: نعم.
قال: فإنه في مكان كذا وكذا.
فتركوه وذهبوا بماله كله، بدنياه كلها، بأيامه ولياليه وجهده وشقاء عمره، فهل حزن لذلك؟ وهل مضى كسيف البال؟ أو رجع مشدوداً إلى المال؟ مضى إلى الله ، فاستقبله سيد الخلق ﷺ وهو يقول: (بخ بخ! ذاك مال رابح)، وتتنزل الآيات: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، بيعة وصفقة رابحة.
وعبد الله بن جحش وزوجه وأخوه عبد بن جحش -وكان أعمى ضريراً لا يرى، وكان شاعراً- وأهله كلهم خرجوا جميعاً، لم يبق منهم أحد، خلفوا وراءهم الديار، وقطعوا العلائق، وانبتوا عن الأرض ليسموا إلى ما هو أعظم وأعلى، وهو شأن الدين والإيمان واليقين.
مر عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل فرأى عتبة هذه الديار وقد خلت من أهلها، والريح تخفق فيها يباباً، نظر إلى من تركوا الدنيا، إلى من تركوا الديار، نظر متأملاً متعجباً، ونظر كذلك بفطرة إنسانية حزيناً ثم قال: وكل دار وإن طالت سلامتها يوماً ستدركها النكباء والحوب فقال أبو جهل للعباس: ذاك ما فعل ابن أخيك، فرق جماعتنا وشتت شملنا.
وذلك هو حال الطغاة المجرمين، يفعلون الجريمة، ثم ينسبون الإجرام والإرهاب إلى المظلومين ويتهمونهم به، كما نرى في واقعنا اليوم.
أما أبو بكر -وما أدراك ما أبو بكر! - فقد جعل وقته وعمره وماله وثروته وأهله وبنيه وداره وأرضه وروحه ونفسه جعلها كلها تضحية في الهجرة، فقد حبس نفسه لصحبة النبي ﷺ أربعة أشهر، هيأ ماله، وعلف راحلتيه، وترك زوجه وأبناءه، وترك داره وأخذ كل ماله ومضى مخاطراً بروحه ونفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، حتى جاء الموقف العظيم، ووقف المشركون على فم الغار، وإذا بـ أبي بكر شفقة ورحمة يقول: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم موضع قدمه لرآنا.
فينطق اليقين والثبات والإيمان على لسان سيد الخلق ﷺ : (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) وتتنزل الآيات تصف هذه المواقف العظيمة: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
فمن يحزن والله معه؟ ومن يضعف والله يعينه؟ ومن يذل والله يعزه؟ ومن يخاف والله يؤمنه؟ ذلك درس التضحية العظمى في هذه الهجرة، تضحية لأجل الدين تقول لنا: إن الأولوية في حياة المسلمين التضحية لأجل الدين.
كان محمد ﷺ في مكة سيد ساداتها وشريف أشرافها، وذا الذروة العليا في أنسابها، وقد جاءته قريش وقالوا له: إن كنت تريد مالاً جمعنا لك مالاً حتى تكون أكثرنا مالاً.
عرضوا عليه دنياهم كلها فركلها برجله، واستعلى عليها بإيمانه ويقينه وإسلامه ﵊، فلم تكن حياة المسلمين رغبة في الدنيا ولا سكوناً إليها ولا طلباً للسلامة، ولو كان ذلك كذلك لعاشوا مسالمين هانئين موادعين، وحسبهم في ذلك أن ينكفئوا إلى دورهم، أو أن يؤدوا شعائرهم، لكنه الإيمان والإسلام أولى الأولويات في حياة المسلمين.
ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة، لكن الهجرة أمر آخر، إنها إكراه رجل آمن في سربه ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وأمواله والنجاة بشخصه فحسب، وإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو في نهايتها، لكنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش.
стр. 618
ذكر أعظم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية
قال أهل العلم: من دروس الهجرة درسان عظيمان.
نذكرهما ولا نقف عندهما طويلاً؛ لأننا نريد من بعد أن نذكر بهذه الدروس كلها في محور واحد نربطه بواقعنا المؤلم المحزن المؤسف في كثير من أحواله.
الدرس الأول: وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام: خلاصة هذا الدرس أن الدين وإقامة شعائره وإظهارها ورفع رايته هو الغاية العظمى والأولوية الكبرى التي عليها تدور حياة المسلمين، فلأجلها يتركون الأرض والديار، ولأجلها يقطعون الصلات والعلاقات، ولأجلها يبذلون الأموال والنفقات، ولأجلها يجودون بالأرواح في الساحات، ذلكم هو الدرس العظيم والفقه المستنبط من الهجرة.
الدرس الثاني: وجوب نصرة المسلمين من بعضهم لبعض: وجوب نصرة المسلمين لبعضهم مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناًَ.
قال الإمام أبو بكر بن العربي ﵀: إذا كان في المسلمين أسرى أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى فينا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك.
هذا فقه من هذا الإمام ليس فقه استنباط ودليل، لكنه قبل ذلك فقه إيمان ويقين، فقه استعلاء ومعرفة للحقائق الإيمانية.
وعندما مضى النبي ﷺ إلى المدينة هل وضع رحاله ليرتاح؟! هل ترك أذى مكة لينعم برغد العيش في المدينة؟ هل خرج من بين الأعداء ليأنس بالحياة بين الأصحاب؟ أي شيء صنع رسول الله ﷺ منذ أول لحظة وطئت أقدامه الشريفة مدينته المنورة؟ لقد عمد إلى بناء المسجد لربط المسلمين بالله، وعمد إلى المؤاخاة لربط العلائق بين المسلمين، وعمد إلى المعاهدة مع اليهود لتنظيم العلاقة مع غير المسلمين.
فمن لقي بالمدينة؟ لقي اليهود عليهم لعائن الله.
ولننظر إلى كلام علمائنا وأئمتنا لنعرف فقههم الإيماني والعلمي، فهذا ابن القيم ﵀ يصف اليهود -عليهم لعائن الله- بقوله: هم الأمة الغضبية، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت وهو الربا والرشا، أخبث الأمم طوية، وأردأهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداء والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عنده النصيحة، بل أخبثهم أعقلهم، وأحذقهم أغشهم، أضيق الخلق صدوراً، وأظلمهم بيوتاً، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم طوية.
أليس هذا القول اليوم -في زعمهم- هو عين التعصب والعنصرية؟! أليس هذا هو جوهر العنف والإرهاب؟! فماذا يقول اليهود عمّا ليس في أقوال علمائهم، بل في المسطور في كتبهم بما حرفوه، إنهم يقولون: إن أمم الأرض كلها كلاب يجوز لليهود قتلها، وأموالهم حلال يجوز لهم سلبها، ونساؤهم حلال يجوز استمتاعهم بهن.
ولا يجرؤ أحد أن يقول: إن ذلك إرهاب وعنف، فأي شيء جرى لأمة الإسلام؟ عند المواقف الأولى انتصر النبي ﷺ في بدر فغلا الحقد في قلوبهم، وجاشت البغضاء في نفوسهم، وظهرت أساليب الغدر والكذب والكيد والمكر على ألسنتهم، ثم تفاعل ذلك كله فظهر في تصرفاتهم.
فهذه امرأة مسلمة دخلت إلى سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ، وجاء بعض سفلة اليهود يريدونها أن تكشف وجهها فأبت بإيمانها، فعمدوا إلى طرف ثوبها فعقدوه بأعلاه، فلما قامت انكشفت عورتها، فجعلوا يتضاحكون ويستهزئون ويسخرون، موقف واحد في أمر عارض لامرأة واحدة، فأي شيء جرى؟ صاحت مستنجدة، فانتدب لها مسلم من غير عقد مؤتمر ولا مشاورات سياسية، ولا بحث في القوانين الدولية، بل مضى ينتصر لها، وعمد إلى الصائغ فقتله، فاجتمع عليه اليهود فقتلوه، فأحاط بهم رسول ﷺ وحاصرهم وأجلاهم من بعد، وأخذ من أموالهم ما أخذ ﵊، وخرجوا أذلة صاغرين، يوم كان المؤمنون كذلك عزوا وارتفعت رايتهم وعظمت هيبتهم وقويت شوكتهم، وكانت لهم في دنيا الناس كلمتهم، أفليست هذه دروساً مهمة؟ أفليست هذه صوراً حية؟ أفليست هذه صفحات ينبغي أن ننقشها على قلوبنا، وأن نجريها مع الدماء في عروقنا، وإلا بقينا أذلة صاغرين، وإلا بقينا تافهين مغيبين، وإلا بقينا تحت ذل وقهر الغلبة والظلم الذي يسلط على المسلمين.
نسأل الله أن يرفع وأن يكشف البلاء عن الأمة، وأن يعيدها إلى العزة، وأن يخلف عليها في دينها استمساكاً بكتاب الله واعتصاماً بسنة رسول الله ﷺ .
стр. 619
دروس الهجرة وواقعنا المعاصر
إن الهجرة تأكيد للزوم الثبات على الدين، وإعلان لإظهار أولوية الدين في حياة المسلمين, وبيان أن التضحية تكون بكل شيء لأجل إعلاء الدين، إذا فقهنا ذلك ونحن ننظر إلى واقعنا اليوم فماذا نرى فيه؟! نرى عجزاً عربياً، ووهناً إسلامياً، وخزياً سياسياً، وصورة مشوهة، وحقائق الإسلام غائبة، ومرتكزات العقيدة واهية، ولذلك نرى ما نرى من هذه العجائب والغرائب ونحن نعرف ونسمع أن هذه القوات الباغية الغازية الظالمة العادية قد أعلنت بما ذكرته بألسنتها أنها حرب صليبية، وأيدت وأكدت أنها تريد أن تكون لها الهيمنة العسكرية السياسية، وأظهرت أنها تريد أن تستولي على الموارد الاقتصادية، وبينت أنها تريد أن تهيمن على ما وراء ذلك من الأوضاع الاجتماعية والمناهج التعليمية والنظم السياسية والأوضاع كلها، وبعد ذلك نقول ما نقول، ونسمع ما نسمع من هذه العجائب التي لا شك أن فيها معارضة يقينية ظاهرة واضحة لثوابت الإيمان والإسلام، ولحقائق آيات القرآن، ولمعالم حياة النبي ﷺ وسيرته العطرة.
ولذلك نقول: إن الكفر وأهله أهل بغي وعدوان، فليس لهم في قلب مؤمن محبة ولا موالاة، وليس لهم في عمل مسلم نصرة ولا محاباة، وإلا أنكر ذلك الإيمان في قلبه، أو نقض الإسلام في حقيقته؛ لأن هذا نطقت به الآيات، وظهرت به حقائق الإسلام جلية واضحة.
ثم من بعد ذلك نرى ما نرى من دروس الهجرة في هذا التلاحم الإيماني والتناصر الإسلامي والأخوة التي نصت عليها آيات القرآن، ونرى من وراء ذلك أن يكون الدين هو رائدنا وغايتنا الأولى، فمن كان مستمسكاً به ورافعاً له حقاً لا كذباً، وصدقاً لا ادعاءًَ، وواقعاً لا زوراً كان من أهل الدين مع أهل الدين، وكان من أهل النصر لأهل اليقين بإذن الله ، ولذلك ينبغي لنا أن نكون على بصيرة من أمرنا، وعلى بينة من حقائق ديننا، وأن نعتصم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، والنظر في أقوال الأئمة من العلماء الصادقين الذين كانوا أهل إيمان ويقين قبل أن يكونوا أهل فقه في الدين.
ومن بعد ذلك نتواصى بالثبات على ذلك، ونتناصر ونتعاهد على البقاء عليه، وعلى إشاعته فيما بيننا، وأن نلجأ إلى الله ونعتصم به، ونتضرع إليه، ونبتهل ونذل بين يديه، وكذلك نترك المعاصي والمحرمات، ونبتعد عن المنكرات والمخالفات، ولعل ذلك كله في جملته هو من درس الهجرة، فإن الهجرة هي كما أخبر النبي ﷺ في الصحيح عنه حيث قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) وإنما هاجر النبي ﷺ ليقيم شعائر الدين، وليجد الأرض التي يعلي فيها راية الله ، وعندما لم يجد ذلك في مكة التمسه في الطائف فلم يجده، وذهب أصحابه إلى الحبشة فلم يثبت دينهم، حتى يسر الله له هجرته المباركة، فأقام دولة الإسلام، وأنشأ وأقام العزة الإيمانية والوحدة الإسلامية، ثم جاءت هيبة هذا الدين وقوته، وظهرت من بعد ذلك -أيضاً- سماحته ورحمته بالأمم، فإن الإسلام كان أرحم بكل الأمم من أديانها ومن حكامها، وكذبوا وخدعوا عندما يقولون غير ذلك.
نسأل الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبهدي نبيه ﷺ مستعصمين، ونسأله أن يجعلنا لآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم! لا تغير علينا ديننا, ولا تسلب منا إيماننا، اللهم! لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم! إنا نسألك الثبات على الدين، والاستمساك بالحق، والعصمة من الفتنة يا رب العالمين.
اللهم! اجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، اللهم! اجعل في قلوبنا محبة المؤمنين ونصرتهم يا رب العالمين، وازرع في قلوبنا بغض الكافرين والبراءة منهم يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا أوثق بما عندك مما في أيدينا، واجعلنا -اللهم- أفقر الفقراء إليك وأغنى الأغنياء بك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة برحمتك يا رب العالمين.
اللهم! لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولا تجعل من المؤمنين للكافرين ظهيراً يا رب العالمين.
اللهم! ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، وأعنا -اللهم- على طاعتك ومرضاتك، ووفقنا للصالحات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر -اللهم- لنا ما مضى وما هو آت، واجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وتوفنا عليها وابعثنا عليها يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك لأمة الإسلام والمسلمين وحدة من بعد فرقة، وعزة من بعد ذلة، وأمناً من بعد خوف يا رب العالمين.
اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والأسرى والمسجونين والمحاصرين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله -اللهم- فتنة لهم في الدين.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء رايتك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم، اللهم! ارفع رايتهم، اللهم! قو شوكتهم، اللهم! سدد رميتهم، اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، اللهم! أنزل عليهم نصرك المبين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! عليك بالبغاة الطغاة، اللهم! عليك بالمعتدين الغاصبين، اللهم! اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلل في صفوفهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم! رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم يا رب العالمين، اللهم! اكشف البلاء عن الأمة، وارفع -اللهم- الغمة يا رب العالمين، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ومكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبعك رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! ارحمنا برحمتك، وتولنا برعايتك، وأحسن خاتمتنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
وصل اللهم وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 620
الحقيقة الواعظة
لو استشعر العبد كل ما سيحصل له عند قدومه على الله سبحانه من حساب وعقاب، واستشعر الحقيقة الواعظة التي أرقت مضاجع المؤمنين، وأذابت أكباد العارفين، لما تجرأ على الله وحرماته فانتهكها، ولما أدمن على المعاصي واستمرأها، ولما تلذذ بالشهوات المحرمة وجاهر بها، ولكننا في جهل وغفلة عما سيقع، وكأننا لسنا المعنيين، ولا بذلك مخاطبين.
стр. 621
بعض صور الفساد التي نعيشها اليوم
الحمد لله الغفور التواب، ذي الطول شديد العقاب، وعد الطائعين بالثواب، وتوعد العاصين بالعقاب، أحمده ملء الأرض والسماوات، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال في كل آن.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 622
نشر الصور الفاضحة والدعوة إلى محاربة الشريعة
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! صور كثيرة نراها ولا تسرنا، ونمر بها ونقع فيها أحياناً، ونلتفت إلى وجود الخلل فيها، وكثيراً ما نفكر في أننا استنفذنا كثيراً من وسائل إصلاحها، وأنها لم تبلغ في نفوس فاعليها مبلغها، ولم تؤثر في قلوبهم التأثير المنشود.
وسؤالنا: عندما نرى صور الفساد والإفساد فما الذي نملكه إزاءها؟ قد نعجز أن نغيرها بأيدينا، وليست لنا سلطة ولا سطوة، ولا يرهبنا أولئك المفسدون، بل قد يكون حالهم من التمكن والظهور ما يرهبون به من يريد أن ينكر عليهم، ولذلك قد نرى أن كلامنا لهم، واعتراضنا عليهم، وتعريضنا بهم ليس بالغاً مبلغه.
وهنا نفكر كثيراً، وقد جال بخاطري مثل هذا وأنا أفكر في الصور الكثيرة التي تتوالى علينا وتؤلمنا وتحزننا، فماذا عسى أن نملك، وما الدواء الذي يمكن أن نعرضه لعل فيه شفاء تلك القلوب المريضة، والنفوس السقيمة؟ ما الحقيقة التي إذا عرضناها قد تبدد ظلمات الطريق، وتصوب المسار؟ جال بخاطري ذلك وأنا أرى ذلك الإعلان الذي ضم صورة لفتاة حاسرة عن شعرها ووجهها، مصافحة لأجنبي عنها، وفوق هذه الصورة آيات من كتاب الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء:٧] ونص حديث لرسول الله: (إنما النساء شقائق الرجال) وتعريض يفهمه كثير من الناس كذلك بشريعة الله عندما يقال: إننا نلتزم في هذا شريعة الله، وإننا نقدم من خلال هذه الصورة للفتاة نموذجاً للتربية الإسلامية على منهج الله.
جال ذلك بخاطري وأنا أرى المسابقات المتكررة وأقرأ عنها كثيراً، وترون إعلاناتها، وهي مسابقات الفنون والنجوم، ويقدم فيها من بلاد الحرمين على وجه الخصوص فتيات سافرات غير محجبات، يغنين الحب والغرام والهيام، ويتراقصن ويتمايلن على أنغام الموسيقى، وأرى وأسمع ذلك، وترونه وتسمعونه ربما وهو يتكاثر، وكأن أسلحتنا في المقاومة لم تجد نفعاً، فما عسى أن نقول في مقامنا هذا؟!
стр. 623
الذنب المتعدي أعظم إثماً
إن خطابنا لأنفسنا أولاً ولجميع المسلمين ثانياً، وهو خطاب يوجه خصوصاً لكل من أسرف على نفسه في الفساد والإفساد، ذلك أن المفسد في ذات نفسه أمره وضرره قد لا يتعداه إلى غيره، غير أن الذي يروج الفساد وينشره ويبثه، ويموله ويصرف عليه، ويحسنه ويزينه؛ ذاك من يتحمل وزر غيره، وينال من السيئات كل ما قد يكون من أفعال من يتأثرون به لأن: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً) قالها الصادق المصدوق ﷺ وقال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]، سعى في الأرض ليفسد فيها، ما عسى أن نملك له؟! ما عسى أن نواجهه به؟! تلك هي القضية.
стр. 624
التذكير بالموت والرجوع إلى الله
стр. 625
مرجع الإنسان إلى الله الذي يحصي عليه أعماله
وهنا أقول: إن حديثنا اليوم عن الحقيقة الواعظة التي تعظ كل قلب فيه بقية خير، وفيه أثر إيمان، وفيه حقيقة إسلام، الحقيقة التي لا ينبغي أن يغفل عنها أحد مطلقاً، وهي أن كل حي إلى موت وأن مردنا إلى الله، وأن الوقوف بين يدي الله، وأن الحساب فيه شهود من الجلود والأيدي والأرجل: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
هذه الحقيقة نسوقها لأنفسنا أولاً، ولأولئك الذين أسرفوا على أنفسهم وعلى غيرهم في الفساد ثانياً: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٠ - ٦٢].
هل هناك أبلغ من حقائق القرآن؟ هذه حقيقة واضحة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠].
كل يوم تقبض نفسك وتموت موتة صغرى بنومك، فمن الذي يبعثك؟ من الذي يحييك؟ من الذي يرد إليك روحك فتنطلق؟ (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، يعلم ما تلفظ من كلمة، وما تنظر من نظرة، وما يخطر في عقلك من خطرة، وما يجول في قلبك من نية، وما تتحرك إليه من خطوة، وما تمد إليه يدك في حركة أو سكنة، (ويعلم ما جرحتم بالنهار)، ما النتيجة؟ سيئول الأمر إليه، وتقف وحيداً بين يديه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، ماذا ستقول يا من يروج الفساد والإفساد في ذلك الموقف العظيم؟! ماذا ستقول يا من تنفق الأموال والملايين لأجل نشر الفسق والفجور والعري والفساد؟! ما الذي ستقوله؟ قد تقول لنا أقوالاً، قد تكتب لنا آيات، قد تمتنع عنا بما لديك من قوة أو سلطان، فماذا أنت فاعل في ذلك الموقف؟
стр. 626
الله يمهل الظالم ولا يهمله
تأملوا هذه الآيات: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:٦١] لا يقع شيء في ملكه إلا بقدره، يمهل ولا يهمل، فكثيراً ما يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفتله كما أخبر المصطفى ﷺ ، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
ثم تأمل: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١]، أي: ملائكة تسجل كل صغيرة وكبيرة، وكل كلمة وحركة، وتأتي يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، واسمع التصوير القرآني الفريد المؤثر: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
بكى محمد بن كعب، فقيل: ما يبكيك؟ قال: لا أدري ما صعد اليوم من عملي! وقال الحسن البصري ﵀: أدركت أقواماً يدعون ما لا بأس به مخافة أن يكون فيه بأس، ولقد أدركت أقواماً يأخذون ما فيه بأس رجاء ألا يكون فيه بأس.
стр. 627
المجاهرة بالمعاصي عتو على الله
ولقد رأينا من يفعل المحرم الذي لا خلاف في حرمته، وذلك قد يكون، لكنه اليوم يطلب أن يعلن المحرم على رءوس الأشهاد، يبيت يستره ربه بالليل، ويهتك ستر الله عليه في النهار، وقد قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) أي: الذين يجاهرون بالمعصية.
ثم يزيد فوق ذلك أن يستخدم الآيات والأحاديث، وأن يروج الفساد بإنفاق المال الذي آتاه الله إياه! أنا وأنت كلنا مقصرون مفرطون، وقد نرتكب المحرمات، والمعاصي، وكلنا ذاك الرجل، إلا أن الأمر يختلف عندما نقر بها، وعندما نصر عليها ونسهلها، وندعو إليها، ونرغب فيها، وننفق عليها، ونسعى إلى أن يقبلها الناس، تلك قضية أخرى، وتلك مصيبة عظمى، فاروق الأمة عمر بن الخطاب قال كلمات موجزة لا تزيد عن ثلاث: (كفى بالموت واعظاً) فانتفع الناس بها، وذلك لما كانت القلوب حية، وكانت النفوس نقية، وكانت العقول ذكية، وكان الإيمان في القلوب حياً، واليقين في النفوس راسخاً، والنور في البصائر مرشداً.
أما اليوم وقد قست القلوب، وتكدرت النفوس، وضلت العقول؛ فكأن الموعظة لم تعد تجدي نفعاً، ولم تعد تبين حقاً، نقل القرطبي في تفسيره في موضع هذه الآية عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: ومن الناس من يعيش شقياً جاهل القلب غافل اليقظة فإذا كان ذا وفاء ورأي حذر الموت واتقى الحفظة إنما الناس راحل ومقيم فالذي بان للمقيم عظة (الذي بان) أي: ذهب وولى ومات وانتهى.
ذلكم قاله أهل الإيمان، ورددوه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار:١٠].
قال السعدي في تفسيره: أما لو علموا حلم الله عليهم، وعفوه ورحمته بهم وهم يبارزونه بالشرك والكفران، ويجترئون على عظمته بالإفك والبهتان، وهو يعافيهم ويرزقهم؛ لانجذبت دواعيهم إلى معرفته، وذهلت عقولهم في حبه، ولمقتوا أنفسهم أشد المقت، حيث انقادوا لداعي الشيطان الموجب للخزي والخسران، ولكنهم قوم لا يعلمون! ولكنهم قوم لا يعلمون!
стр. 628
وعظ المجاهرين بالوقوف بين يدي الله
الحقيقة الواعظة: أن الموعد الله، وأن المرد إلى الله، وأن الوقوف بين يدي الله ليس هناك من شفيع ولا حميم يطاع، ليس هناك مجال لشيء يخفى، ليس هناك جزء من المسئولية يستثنى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] على كل صغيرة وكبيرة، كل شاردة وواردة، كل سر وإعلان، كل خفي وظاهر بين يدي الله مكشوف، فلا تخفى عليه خافية: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٣٠].
هنالك تختبر وتعلم كل نفس ما أسلفت من الأعمال والأقوال، كل ذلك مبسوط منشور: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] كل ذلك ظاهر: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] حتى النوايا الخفية كلها جلية ظاهرة بين يدي الله .
فما أنا قائل وما أنت قائل؟! وما غيرنا من كل حي قائل في تلك المواقف العصيبة العظيمة؟ تدنو الشمس من رءوس الخلائق حتى تكون قدر ميل، فيعرقون فيبلغ عرق بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، وبعضهم إلى كتفيه، وبعضهم يلجمه العرق إلجاماً، من لك بظل تستظل به ما لم يكن عمل صالح، من لك بمحام يدافع عنك ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]؟ ورد (أن النبي ﷺ نام في حجر عائشة، فذكرت الآخرة فبكت، وجرى دمعها على خدها، وسقطت دمعة على رسول الله ﷺ ، فاستيقظ وقال: ما لك يا عائشة؟! قالت: ذكرت الآخرة، فسألت: هل تسألون عن أهليكم يوم القيامة؟ فقال ﷺ : أما في ثلاثة مواقف فلا يسأل أحد عن أحد أبداً، وذكر ﵊: يوم توزن الموازين، ويوم توزع الكتب، ويوم يجوز الناس على الصراط).
تفكر أيها المؤمن في ذلك! رسول الله ﷺ يخبر حبيبته أم المؤمنين عائشة ﵂ بذلك، فما الذي نملكه لكل أحد يخالف؟! لا نملك إلا هذه الحقيقة لعلها تقع في قلبه موقعاً، لعلها تحيي في نفسه مواتاً، لعلها تنير في فكره وفي مسيره طريقاً، لعلها تقوم معوجاً، وتكمل نقصاً، وتستدرك فائتاً، نسأل الله لنا ولأمة الإسلام الهداية والتقوى، والعودة إلى طريقه ومرضاته.
стр. 629
اعملوا فسيرى الله عملكم
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، ليس ثمة شيء إلا عمل تقدمه بين يديك، ونية خالصة، وموافقة لشرعه، ومتابعة لسنة رسول الله ﷺ ، وأما إن كان غير ذلك فالأمر خطير، قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: قال مجاهد: هذا وعيد ليس إخباراً.
فليس مجرد إخبار بأننا ستعرض أعمالنا، ونرد إلى ربنا، ولكنه وعيد من الله تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎، وعلى الرسول ﷺ ، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وكما قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠].
قال ابن كثير: وقد يظهر الله ذلك للناس في الدنيا، وذكر أن الإمام أحمد روى حديثاً عن النبي ﷺ قال فيه: (لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة؛ لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان)، فكيف بمن يظهر ولا يخفي، ويعلن ولا يسر، ويفتخر ولا يستتر، نسأل الله السلامة!
стр. 630
استنكار الصالحين على المجاهرين
قال المراغي في تفسيره: وسيرى الله عملكم خيراً كان أو شراً، فيجب عليكم أن تراقبوه في أعمالكم، وتتذكروا أنه عليم بمقاصدكم ونياتكم، فجدير بمن يؤمن به أن يتقيه في السر والعلن، ويقف عند حدود شرعه، ثم ذكر أمراً مهماً، قال: وفي الآية إيماء إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان تلي مرضاة الله ورسوله.
وفي حديث أنس ﵁: (أنه مرت جنازة فأثنى الصحابة على صاحبها خيراً فقال ﷺ : وجبت، ثم مرت جنازة فذكروا صاحبها بشر فقال: وجبت، فقال عمر: يا رسول الله! ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض)، عندما ينكر المؤمنون، ويغضب الصالحون يقولون لنا: ما لكم ولنا؟ ما قيمة قولكم، ما الذي يزنه رأيكم؟ ولا ندعي لأنفسنا شيئاً غير أن أهل الإيمان والإسلام والصلاح، إن انقبضت نفوسهم، وأنكرت قلوبهم، ونطقت ألسنتهم؛ فإنما ينكرون منكراً أنكره الله جل وعلا، وحذر منه، ونهى عنه رسول ﷺ ، فقولهم إلى ذلك القول مستند، ومنه مستمد.
ومن هنا ذكر ابن القيم عن العلماء أنهم موقعون عن الله وعن رسول الله ﷺ ، كيف لا يأبه بقول المؤمنين المسلمين الغيورين إذا أنكروا إذا احتجوا إذا أدوا سخطهم، كيف يهدر ذلك كله؟ حتى في عصر الديمقراطية التي يزعمونها، أليس الرأي للأكثرية؟! أليس القول للأغلبية؟! فما بالها تداس بالأقدام؟! وما بال أصواتها تكمم بالأكمام؟! ما بالنا ونحن كأنما خرست ألسنتنا وعميت أبصارنا، فلا ننطق بكلمة ولا نخط اعتراضاً، ولا نبدي انزعاجاً؛ لماذا وذلك صورة ودليل على حياة الإيمان والإسلام في القلوب من جهة، وهو كذلك إعلان وإظهار لشعائر الإسلام عموماً وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصاً، وهو كذلك تكثير للخير، وتغليب لسواده، وتقليل للشر وحصر له في موطنه حتى لا يستشري ويعم، نسأل الله السلامة.
стр. 631
أين يمضي بنا الفساق لو سرنا وراءهم
لو تأملنا فإن هذه الحقيقة الواعظة قوية في تأثيرها، جاءت في كثير من المواقف فأدت دورها، وأثرت تأثيراً عظيماً حتى فيمن كان من الطغاة أو المتجبرين، أو كان من الأثرياء المسرفين، فإن حقيقة نهاية الحياة، وإن المرد إلى الله حقيقة عظيمة لو أننا نوقن بها حقاً، ونحسن عرضها والتذكير بها لوجدنا خيراً كثيراً.
ألسنا نسمع ونقرأ قصة مؤمن آل فرعون وهو مؤمن واحد في بيئة كافرة، ومع طاغية جبار، كان يجابههم بهذه الحقيقة ويذكرهم بها: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢].
قولوا ذلك للناس، قولوا لكل من يعصي: إنما ندعوك لخيرك، إنما نكلمك لمصلحتك، إنما يحرقنا حبنا لك، وغيرتنا عليك، وإشفاقنا عليك، ورغبتنا في أن نسلم من سخط الله وغضبه! ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، إلى أين تريدون أن تقودوننا إذا سرنا وراء الفسقة والفجرة فضلاً عن الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ؟! أين سنمضي إذا سرنا وراء مذاهب الأرض من شرق أو غرب؟ أين سنمضي وراء السلوكيات المنحلة المنحرفة، والفنون الماجنة الداعرة؟! ما الذي سنصل إليه؟! هل سنحقق قوة لأمتنا؟ هل سنتقدم بين الأمم في العلم؟ هل سنقود الأمم بقوة سواعدنا وأسلحتنا، أم أننا سنهز الوسط، ونجيد الرقص، ونكثر الغناء؟ حتى أصبح لكل عدد من مواطني العرب في بلاده عدد كاف من المغنين أو المغنيات أو الراقصين والراقصات.
لابد أن نقول: ما لنا ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، إلى المصير الذي لا فائدة فيه ولا نفع في الدنيا، ولا يكون موضع أمل بنجاة ورحمة في الآخرة، نسأل الله من فضله.
ثم يمضي قائلاً: ((لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) [غافر:٤٣] هذه حقائق القرآن الواعظة المذكرة، نسأل الله أن تنزل من قلوبنا منزلاً في الادكار والاعتبار، ومنزل القبول والعمل بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 632
من لوازم التقوى الغضب لحرمات الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى أن تتغير القلوب والنفوس امتعاضاً وغيرة وحمية لكل ما لا يرضي الله ورسوله ﷺ ، وأن يكون الإيمان حياً في القلوب من خلال هذه الغيرة الإيمانية، والحمية الإسلامية، وإلا يكن ذلك، فربما يأتي علينا زمان نتفقد فيه قلوبنا فلا نجد فيها من الإيمان إلا نزراً يسيراً؛ لأنه قد قال ﷺ : (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ولأنه قال: (وذلك أضعف الإيمان).
ولئن رضينا وسكتنا، فإن أموراً من الضرر تعود علينا، وإن صوراً من الخطر تحل بنا، أعظمها موت القلوب، وذهاب الغيرة، وعدم استشعار إنكار المنكر، والتباس الحقائق؛ حتى يعود المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، نسأل الله السلامة.
ولعل ختامنا دائماً وأبداً، وتذكرينا أولاً وآخراً، وما نريد أن نعيه ونعقله في كل وقت وآن، هو كلام الله : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٤ - ٤٧].
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا، وأخلاقنا وأمننا، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الشر والفساد، وانشر رحمتك على العباد، وانشر في الأمة علم الجهاد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فأحصهم عدداً، واقتلتهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله خلفة لهم في الدين، واجعل اللهم لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء، اللهم يا أرحم الراحمين احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها، وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون!
стр. 633
الحرب بين الحقائق والمبادئ والمواقف
الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، ومن ذلك الصراع بين الإسلام والكفر؛ فإن الكفرة أعداء الإسلام يحاربون الإسلام ليلاً ونهاراً، ويكيدون له بشتى الوسائل والطرق، ويستخدمون معه أخبث الأساليب وأشنعها، ويستخدمون فيه كل أنواع الأسلحة، لذا كان لزاماً على جميع المسلمين الوقوف في وجه هذا العدوان الغاشم، والتيقظ لمخططاته وأهدافه، والحذر من الوقوع في مكره وشباكه.
стр. 634
دور المنبر
الحمد لله لا إله غيره ولا رب سواه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، ومن سأله أعطاه، له الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، حمداً كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، المرسل إلى الناس أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: "الحرب بين الحقائق والمبادئ والمواقف" موضوع يهمنا جميعاً الحديث عنه؛ إذ اليوم لا حديث للناس إلا هذه الحرب الجائرة الظالمة، فهي شاغلة وسائل الإعلام، وهي موضوع حديث الناس في مجتمعاتهم.
ومنبر الجمعة لا يغيب عن ذلك، مع أنه أنزه من الألاعيب السياسية، وأصدق من الأضاليل الإعلامية، وأرفع من المساومات الاقتصادية المالية، وأشمل من النظرات الجزئية، وأحكم من الاندفاعات العاطفية، وأقرب إلى النصوص الشرعية، وألصق بالمصالح المرعية، فحديثه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يحوز هذه الصفات المهمة، وألا تكون رغبات الناس في حديث عاطفي، أو اندفاع وارتفاع صوتي، وكأنما نحن مرة أخرى لا نعي الدروس، ولا نفقه الحقائق، ولا نعتصم بالمبادئ.
стр. 635
حقائق حرب الغرب على العراق
ونبدأ بالحقائق؛ لأن معرفتها أساس فيما يبنى عليها من الأحكام، وخاصة أن الصور مضطربة، وأنها مزيفة، وأنها مغلفة بأطنان من الأكاذيب والأحابيل السياسية والمغالطات الإعلامية.
فحرب أمريكا وبريطانية ومن لف لفهما على العراق حقيقتها هذه الجوانب التي نوجزها، والحديث والمقام يقصر عن الاستيعاب: فهذه الحرب فيها مخالفة قانونية، وقد أصموا آذاننا بالشرعية الدولية والقوانين العالمية والمرجعية الدولية وغير ذلك، فأين هي اليوم من أفعالهم التي يعلم الجميع أنهم قد فشلوا في أن يجدوا لها مظلة أو نسباً أو سبباً أو رابطاً بمجلس الأمن أو بمواده المختلفة أو غير ذلك؟! ويزعمون كذلك أن هناك دولاً عديدة تؤيد هذا المسار، وتقتنع به، وتشارك فيه، ولم نسمع أسماءها، ولم نعرف من أحوال من هو معروف منها إلا أنه سار بعصا الإرهاب الأمريكي، أو فرحاً بالعطاء الموعود من أمريكا.
ثم نرى بعد ذلك ما يزيفونه ويغيرونه ويلبسونه على الناس جميعاً، وحتى على شعوبهم وجنودهم كذلك؛ فهذا جنرال أمريكي يخاطب جنوده فيقول: إن أسماءكم ستكتب بالذهب في لائحة الذين ساعدوا العراق على العودة إلى الأمم المتحدة!
следующие страницы →