← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أين يمضي بنا الفساق لو سرنا وراءهم لو تأملنا فإن هذه الحقيقة الواعظة قوية في تأثيرها، جاءت في كثير من المواقف فأدت دورها، وأثرت تأثيراً عظيماً حتى فيمن كان من الطغاة أو المتجبرين، أو كان من الأثرياء المسرفين، فإن حقيقة نهاية الحياة، وإن المرد إلى الله حقيقة عظيمة لو أننا نوقن بها حقاً، ونحسن عرضها والتذكير بها لوجدنا خيراً كثيراً. ألسنا نسمع ونقرأ قصة مؤمن آل فرعون وهو مؤمن واحد في بيئة كافرة، ومع طاغية جبار، كان يجابههم بهذه الحقيقة ويذكرهم بها: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢]. قولوا ذلك للناس، قولوا لكل من يعصي: إنما ندعوك لخيرك، إنما نكلمك لمصلحتك، إنما يحرقنا حبنا لك، وغيرتنا عليك، وإشفاقنا عليك، ورغبتنا في أن نسلم من سخط الله وغضبه! ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، إلى أين تريدون أن تقودوننا إذا سرنا وراء الفسقة والفجرة فضلاً عن الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ؟! أين سنمضي إذا سرنا وراء مذاهب الأرض من شرق أو غرب؟ أين سنمضي وراء السلوكيات المنحلة المنحرفة، والفنون الماجنة الداعرة؟! ما الذي سنصل إليه؟! هل سنحقق قوة لأمتنا؟ هل سنتقدم بين الأمم في العلم؟ هل سنقود الأمم بقوة سواعدنا وأسلحتنا، أم أننا سنهز الوسط، ونجيد الرقص، ونكثر الغناء؟ حتى أصبح لكل عدد من مواطني العرب في بلاده عدد كاف من المغنين أو المغنيات أو الراقصين والراقصات. لابد أن نقول: ما لنا ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، إلى المصير الذي لا فائدة فيه ولا نفع في الدنيا، ولا يكون موضع أمل بنجاة ورحمة في الآخرة، نسأل الله من فضله. ثم يمضي قائلاً: ((لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) [غافر:٤٣] هذه حقائق القرآن الواعظة المذكرة، نسأل الله أن تنزل من قلوبنا منزلاً في الادكار والاعتبار، ومنزل القبول والعمل بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 632

من لوازم التقوى الغضب لحرمات الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى أن تتغير القلوب والنفوس امتعاضاً وغيرة وحمية لكل ما لا يرضي الله ورسوله ﷺ ، وأن يكون الإيمان حياً في القلوب من خلال هذه الغيرة الإيمانية، والحمية الإسلامية، وإلا يكن ذلك، فربما يأتي علينا زمان نتفقد فيه قلوبنا فلا نجد فيها من الإيمان إلا نزراً يسيراً؛ لأنه قد قال ﷺ : (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ولأنه قال: (وذلك أضعف الإيمان). ولئن رضينا وسكتنا، فإن أموراً من الضرر تعود علينا، وإن صوراً من الخطر تحل بنا، أعظمها موت القلوب، وذهاب الغيرة، وعدم استشعار إنكار المنكر، والتباس الحقائق؛ حتى يعود المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، نسأل الله السلامة. ولعل ختامنا دائماً وأبداً، وتذكرينا أولاً وآخراً، وما نريد أن نعيه ونعقله في كل وقت وآن، هو كلام الله : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٤ - ٤٧]. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا، وأخلاقنا وأمننا، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الشر والفساد، وانشر رحمتك على العباد، وانشر في الأمة علم الجهاد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فأحصهم عدداً، واقتلتهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله خلفة لهم في الدين، واجعل اللهم لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء، اللهم يا أرحم الراحمين احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها، وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون!

стр. 633

الحرب بين الحقائق والمبادئ والمواقف الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، ومن ذلك الصراع بين الإسلام والكفر؛ فإن الكفرة أعداء الإسلام يحاربون الإسلام ليلاً ونهاراً، ويكيدون له بشتى الوسائل والطرق، ويستخدمون معه أخبث الأساليب وأشنعها، ويستخدمون فيه كل أنواع الأسلحة، لذا كان لزاماً على جميع المسلمين الوقوف في وجه هذا العدوان الغاشم، والتيقظ لمخططاته وأهدافه، والحذر من الوقوع في مكره وشباكه.

стр. 634

دور المنبر الحمد لله لا إله غيره ولا رب سواه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، ومن سأله أعطاه، له الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، حمداً كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، المرسل إلى الناس أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: "الحرب بين الحقائق والمبادئ والمواقف" موضوع يهمنا جميعاً الحديث عنه؛ إذ اليوم لا حديث للناس إلا هذه الحرب الجائرة الظالمة، فهي شاغلة وسائل الإعلام، وهي موضوع حديث الناس في مجتمعاتهم. ومنبر الجمعة لا يغيب عن ذلك، مع أنه أنزه من الألاعيب السياسية، وأصدق من الأضاليل الإعلامية، وأرفع من المساومات الاقتصادية المالية، وأشمل من النظرات الجزئية، وأحكم من الاندفاعات العاطفية، وأقرب إلى النصوص الشرعية، وألصق بالمصالح المرعية، فحديثه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يحوز هذه الصفات المهمة، وألا تكون رغبات الناس في حديث عاطفي، أو اندفاع وارتفاع صوتي، وكأنما نحن مرة أخرى لا نعي الدروس، ولا نفقه الحقائق، ولا نعتصم بالمبادئ.

стр. 635

حقائق حرب الغرب على العراق ونبدأ بالحقائق؛ لأن معرفتها أساس فيما يبنى عليها من الأحكام، وخاصة أن الصور مضطربة، وأنها مزيفة، وأنها مغلفة بأطنان من الأكاذيب والأحابيل السياسية والمغالطات الإعلامية. فحرب أمريكا وبريطانية ومن لف لفهما على العراق حقيقتها هذه الجوانب التي نوجزها، والحديث والمقام يقصر عن الاستيعاب: فهذه الحرب فيها مخالفة قانونية، وقد أصموا آذاننا بالشرعية الدولية والقوانين العالمية والمرجعية الدولية وغير ذلك، فأين هي اليوم من أفعالهم التي يعلم الجميع أنهم قد فشلوا في أن يجدوا لها مظلة أو نسباً أو سبباً أو رابطاً بمجلس الأمن أو بمواده المختلفة أو غير ذلك؟! ويزعمون كذلك أن هناك دولاً عديدة تؤيد هذا المسار، وتقتنع به، وتشارك فيه، ولم نسمع أسماءها، ولم نعرف من أحوال من هو معروف منها إلا أنه سار بعصا الإرهاب الأمريكي، أو فرحاً بالعطاء الموعود من أمريكا. ثم نرى بعد ذلك ما يزيفونه ويغيرونه ويلبسونه على الناس جميعاً، وحتى على شعوبهم وجنودهم كذلك؛ فهذا جنرال أمريكي يخاطب جنوده فيقول: إن أسماءكم ستكتب بالذهب في لائحة الذين ساعدوا العراق على العودة إلى الأمم المتحدة!

стр. 636

مخالفة الدول المحاربة للعراق وأفغانستان للقوانين والأعراف الدولية وأظننا لا نحتاج إلى إفاضة في الأحاديث التي ربما تسمعونها في المقالات والمداولات والمحاورات السياسية، ولكنني أنتقل في ومضات سريعة إلى عهد قريب وليس بعيداً؛ لنرى أن هذه الدول التي ترغي اليوم وتزبد في هذه الناحية القانونية، أنها قد خالفتها مراراً وتكراراً. وما قالوه عن حق النقض -وهو حق من حقوق الظلم والبغي- قد استخدمته أمريكا أكثر دولة في العالم وأعلى نسبة لصالح دولة البغي والكيان الصهيوني الغاصب في أرض الإسلام، حتى مجرد ألفاظ فيها إدانات وكلمات كان الفيتو لها بالمرصاد، حتى في لجان تقصي الحقائق أو البحث عن الوقائع كان لها ذلك الفيتو بالمرصاد. وقريباً من ذلك أيضاً نرى الصيغة القانونية العجيبة الفريدة التي ليس لها مثيل في العالم، وذلك في الأسرى الذين أسرتهم أمريكا ولم توجه لهم تهمة، ولم ترفع لهم حقاً قانونياً، ولم تشرع لهم حقاً إنسانياً، ثم تقول بعد ذلك: إنها ترعى القوانين، وإنها إنما تهدف إلى مثل هذه الرعاية! وهذه الحرب جريمة إنسانية؛ لأن الذي سمع أو قرأ بعضاً مما يقولونه عن الأسلحة وآثارها الإنسانية والبشرية وآثارها على البيئة والأرض والجو والبحر، يعلم أن طغيان القوم وإجرامهم بالغ مبلغاً لا تتصوره كثير من العقول، ولا تكاد تدركه، وقد قال ذلك خبراء منهم بألسنتهم، ومن قوادهم ومشاركيهم في هذه الجوانب العسكرية، وأن الأرض تتأثر بما يكون من هذه الأسلحة التي فيها جوانب الإشعاعات، ليس لمدة عشرات ولا مئات ولا آلاف من السنين، بل أكثر من ذلك! ويقولون بعد هذا كما يصرح هذا الجنرال الأمريكي: نقوم بكل جهد لكي نضمن أمرين: أقل دمار جماعي شامل! وهذا من فضل الله أن تعبيراتهم تدينهم، فهو يقول: أقل دمار جماعي شامل. إذاً: ثمة دمار جماعي شامل، وهو يهدف إلى تقليله! ثم يقول: الأمر الثاني: أن يقدر العراقيون على الدخول في عصبة الأمم متى استطاعوا، ويقول: نريد تفادي وقوع خسائر بشرية، وليس عندنا شيء ضد شعب العراق، مشكلتنا مع النظام. ولا نناقش هذا، ولا ندخل في تكذيبه، ولكننا نقول: استدعوا الأحداث القريبة، ما الذي جرى في أفغانستان؟! وأين ذهبت القنابل الذكية، ألم تقع فوق رءوس الناس وهم في الاحتفالات والأعراس؟! ألم تقع الأخطاء حتى قتلوا من جنود الحلفاء ما قتلوا؟! ألم تكن كمية القنابل التي ألقيت باعترافهم أكثر مما ألقي في الحرب العالمية الأولى والثانية؟! ثم بعد ذلك كلنا سمع وعلم ماذا جرى من استخدام لأسلحة اليورانيوم في بلاد المسلمين في البوسنة والهرسك، وحرب الخليج التي سبقت، وما زال آثار الأمراض والتشويهات الخلقية حتى في بعض جنودهم فضلاً عن أبناء العراق، والأجنة المشوهة والأطفال المشوهين من آثار هذه الجرائم العظيمة للدولة العظيمة في طغيانها وبغيها.

стр. 637

الغرب والديمقراطية المزعومة

стр. 638

مخالفة الغرب للديمقراطية ثم هي أيضاً حرب مخالفة للديمقراطية، فالديمقراطية -الدين الجديد الذين يبشرون به- ما هو؟! وأين هي الديمقراطية من هذه الجموع الحاشدة، ليس في بلاد العرب، لكنها في بلاد أوروبا وأمريكا، وهي تعارض وتقول: إن الديمقراطية التي هي رأي الشعب قد سحقت ومحقت وأحرقت على أصوات هدير المدافع وقصفها ونيرانها! ونعلم أن بعض الدول المشاركة نسبة المعارضين فيها من الشعب تزيد على (٨٥%)، وبالأمس القريب تعتقل الشرطة الأمريكية المتظاهرين ضد الحرب، وأعجب منه أنهم اعتقلوا اعتقالاً احتياطياً -كما يزعمون- المتقدمين لطلبات اللجوء في أمريكا؛ لأنهم يشكلون خطراً، فكان من ضمن الاحتياطات اعتقالهم، وقد قال المسئول: إنه اعتقال مؤقت ومعقول وحذر! ولا نعلق على ذلك. ونعود مرة أخرى إلى أفغانستان، فأين ديمقراطيتها، وأين عمرانها بعد خرابها، وأين مساعداتها الاقتصادية، وأين رخاؤها ورغد عيشها، وأين انضباط أمنها واستتباب أحوالها؟! إن العاقل يفكر في واقع منظور مرئي ومسموع، وقد أهين رئيسها في معقل البلد الذي جاءت به، حتى اضطروا إلى الاعتذار له؛ لأنه عومل معاملة مهينة مشينة، ثم ما الذي صنعوه؟! وما الذي يصنع هناك؟! لم نسمع إلا عن جمعيات نسائية، وصوالين تجميل نسائية، ومسرح للثقافة كما يقولون، وغير ذلك من المجلات وغيرها، وهذا هو الذي يقدمونه نموذجاً لما يريدونه!

стр. 639

حقيقة الديمقراطية التي يريدها الغرب في الإسلام ونحن نقول: ماذا يريدون بالديمقراطية التي يبشرون بها؟! إنها حرية المرأة وفق نظامهم الانحلالي، وذلك من أولى وأول مقاصدهم، وحرية الأديان على مذهبهم الكفري؛ وماذا وراء ذلك؟! وراءه إصلاح سياسي على قاعدة أساسية، وهي: عدم تحكيم الشريعة الإسلامية. ومع ذلك قد يكون في قولهم بعض صدق، لكنه حق يراد به باطل، فقد يستغلون ظلماً واقعاً وأوضاعاً مختلة في بلاد عربية وإسلامية، لكن ما عندهم أشد وقوعاً، وأعظم وأفظع جرماً، وأبعد وأعمق خطراً، حتى ندرك الأمور، فلا يعني إقرار ما هم عليه من ذلك أن غيره صالح صلاحاً كاملاً، لكنه لابد من جمع الأمر من جوانبه كلها.

стр. 640

حقيقة الديمقراطية التي يريدها الغرب في الإسلام

стр. 641

بغي الغرب واستعلاؤهم وعدوانهم على بقية الأمم والشعوب والكنيسة الرئيسة قد منعت الحرب وعارضتها ووصفتها بأبشع الأوصاف، فلا ندري على أي شيء يحاربون، فلا دينهم رجعوا إليه، ولا قوانينهم التزموا بها، ولا إنسانيتهم راعوها، ولا ديمقراطيتهم طبقوها، ثم بعد ذلك يقولون: إن هذا حق مشروع، وإنه عمل ممدوح، وإنها غاية ستكون وردية اللون وضيئة القسمات مشرقة الأضواء، فمن يصدق هذا؟! لا أحد يصدق هذا إلا إذا صدقنا أن الذئب يرعى الغنم ويسوسها ويغذيها ويحميها، ويمنعها مما يضرها ويؤذيها. وهي كذلك صفقة تجارية واضحة المعالم لمزيد من عقود الأسلحة ومزيد من عقود الإنشاء وغير ذلك. وهي الإرهاب بعينه، وهي الاستغفال بعينه، ولكن ذلك له أيضاً جذور فكرية، فإن القوم في تكوينهم الفكري والعقلي وحضارتهم المعاصرة قائمون على الاستعلاء، والنظرة الدونية للأمم والشعوب، وإن روجوا غير ذلك فإن حقيقة ساستهم وقيادتهم كذلك. فهذا الرئيس الأمريكي السابق روز فيلت يقول: بالحرب فقط يمكننا اكتساب الرجولة اللازمة للفوز في الصراع الذي يسود الحياة! ويقول: إن أعظم فضائل الإنسان تولد في الحرب، وإن السلام الدائم يؤدي إلى الترهل والفساد والانحلال. إنهم منشئون على هذا البغي والعدوان والهيمنة والسيطرة والتحكم، وذلك في فكرهم، وما صدام الحضارات وصراعها عنا ببعيد، يقول جنرال عسكري بالأمس القريب: سيكون عنصر المفاجأة في هذه الحرب من خلال الهجوم بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، من حيث السرعة والدقة، والخطط التي لدينا الآن لم ير أحد مثلها قط. إنه غرور وعنجهية ونوع من التعالي الذي يدلنا على حقيقة المنطلقات الفكرية للحرب. وكما قلت: إن مقامنا ليس مقام تحليل لهذه المعاني، ولكنه بيان للحقائق، فكل الذي يقال في أكثره هراء وكذب، لا نكذبه نحن بأقوالنا، ولا ندحضه بآيات كتاب ربنا ولا بأحاديث رسولنا ﷺ ، وهي التي تقيم الحق والعدل والإنسانية وكل المعاني الفاضلة على الوجه الصحيح، ولكننا نقولها بقوانينهم وبشرائعهم، ونقولها من واقعهم القريب قبل البعيد، وما أدراك ما البعيد؟! فمن الذي دمر تلك المدن في اليابان بالقنابل الذرية؟! ومن الذي قتل في حربه ثلاثة ملايين في أرض فيتنام؟! ومن ومن إلى غير ذلك.

стр. 642

حقيقة حزب البعث وهذه أمور وحقائق تقابلها حقائق أخرى لابد من معرفتها؛ فإنه لابد من نظرة شاملة، نعم، إنه عدوان إرهابي ليس له أساس قانوني، لكنه في الوقت نفسه، وفي المقابل لا نحتاج إلى أن نغفل عن أن البعث في عقائده كفر صريح، وأن قيادته قد كان لها تاريخ قريب غير بعيد في ذات الجرائم قتلاً وتدميراً واضطهاداً وتعذيباً ونفياً وتشريداً. فلسنا إذ ندافع عن العراق ندافع عن هذا البعث بكفره، ولا عن أولئك المجرمين ببغيهم وعدوانهم، لكن الآخر أخطر من الأول، وكلاهما وبال، ولكننا ندرك الحقائق من الواقع، وليس من قضايا العاطفة، وليس كذلك من الغوغائية التي تقول: إننا نفدي فلاناً أو فلاناً، ولا فداء إلا للدين، ولا إزهاق للأرواح إلا لإعلاء راية الله وصد عدوان المعتدين على حرمات الله ، وذلك أمر واضح، ويقوله كثيرون من أبناء العراق، ونعرفه نحن ويعرفه جميع الناس مما جرى في الفترات الماضية والعقود المتعاقبة، كما نعلم جميعاً بما لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل.

стр. 643

المقارنة بين خطر الديمقراطية الغربية والقومية العربية فإذا عرفنا هذه الحقائق اعتدلت النظرات، ولم نكن إما مع هؤلاء أو مع هؤلاء، بل نحن مع المبدأ والحق الذي ينبغي أن يكون، ولابد أن نعرف المفاسد والمصالح وأوزانها ومقاديرها. فإن ديمقراطية أمريكا مسح لأصول ديننا من جذورها، وتغيير لمقومات مجتمعاتنا من أساسها، وانحراف تريد أن تشيعه كما هو شائع عندها وعند مثيلاتها، فهم يريدون دوماً أن يكون في بلادنا مثل الذي في بلادهم مما يزعمونه من حرية المرأة، وحرية الأديان، وانفتاح الفكر والمناهج؛ ليهدموا كل ما هو أصيل في حقوقنا. وأستحضرها هنا مقالات جاهلية وإسلامية تبين لنا أموراً ينبغي معرفتها: في وقعة حنين كان مع الرسول ﷺ بعض مسلمة الفتح، وكان في أول المعركة ما كان من جولة كانت على المسلمين، وإذا بـ صفوان بن أمية وهو حديث عهد بإسلام يضطرب أمره، ويأتيه من يقول: بطل سحر محمد، فلنكن مع القوم الغالبين، فقال وهو إذ ذاك في أول إسلامه: لئن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من ثقيف أو هوازن. أي: إن حكم محمد بالنسبة لهم وهو من قريش، أولى عندهم من أن يكون المتسلط عليهم أجنبياً أنأى وأبعد. وقالها ابن عباد يوم جاء ابن تاشفين في أواخر عهد الأندلس لينصر أهل الإسلام، فقيل له: يا ابن عباد! إن انتصر ابن تاشفين أخذ ملكك، فقال: لأن أكون ذنباً في الحق أحب إلي من أن أكون رأساً في الباطل! ولا بد أن يعي المسلمون مواقفهم، وأن يزنوا كلماتهم، وأن يعرفوا مبادئهم، فـ المعتمد بن عباد يقول: لأن أكون ذنباً في الحق أحب إلي من أن أكون رأساً في الباطل. وحسبك بها كلمة قالها في ظرف عصيب؛ وكان ملكه مهدداً، وكانت دولته إلى زوال، لكنه آثر أهل الإسلام والإيمان، وآثر أن يكون ذيلاً في الحق على أن يكون رأساً في الباطل. هذه بعض الحقائق.

стр. 644

ذكر بعض المبادئ الثابتة التي تراعى في النظر إلى الأوضاع الحربية

стр. 645

وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة أما المبادئ فقد أسلفنا الحديث عنها مراراً وتكراراً فيما سبق؛ لتكون واضحة في العقول والأذهان، راسخة في النفوس والقلوب، حاكمة للمواقف والمنطلقات، فلعلنا نستحضر ذلك: وأول ذلك وأهمه: أن مرجعنا الأساسي وشريعتنا العظمى هي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليست من قوانين الأمم المتحدة، ولا من أنظمة أمريكا ولا غيرها.

стр. 646

وجوب مراعاة مصالح الأمة الإسلامية الأمر الثاني: أن المصالح الشرعية للأمة الإسلامية هي المرعية، وليس المصالح دنيوية، أو مصالح جزئية؛ فإن ذلك كما نعلم قد ضيع كثيراً من مقدرات المسلمين، ومن كلمتهم وهيبتهم، ومن قدرتهم على استقلاليتهم وبناء ذاتيتهم، ولابد أن نعرف ذلك وأن نعيه.

стр. 647

أهمية النظر إلى مآلات الأمور والأمر الثالث: النظرة المستقبلية مع عدم إغفال الواقعية الآنية. فإن النظر إلى أمر قريب يفقد الناس معرفة الحقائق الكبرى، والجرائم العظمى، والمؤامرات الخطيرة، فإن هذه القضية كما نسمع وتسمعون لا تتعلق بتحرير شعب العراق، فمن يحرره؟! ولأجل ماذا؟! هل هو لأجل سواد عيونهم، ولأجل الإخلاص المتناهي لهم، ولأجل الحرقة على أوضاعهم والرعاية لمصالحهم؟! لا يصدق ذلك أحد، بل ما وراء ذلك من تسلط وهيمنة وتغلغل وما يتبعه مما لا يعلم إلا الله مداه.

стр. 648

شمولية القرآن الكريم إن حديث المبادئ يطول ويطول، ونحن مرجعنا كتاب الله، قال الله وقال رسول الله ﷺ ، وفيهما غنية وكفاية، كما قال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وكما قال سلمان: (وعلمنا رسول الله ﷺ كل شيء، حتى إنه ما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ترك لنا منه خبراً). وقد أسلفنا القول عن ثبات وحفظ القرآن الكريم وحفظ السنة في مجملها، وثبات ذلك في التطبيق العملي في سيرة المصطفى ﷺ ، فما بالنا لا نرجع ولا نعتصم بذلك، ونلتفت إليه، ونجعله معولنا الأساسي؟! وندرك حينئذ به كل هذه الحقائق، ونكشف به كل تلك الدقائق، ونستطيع -بإذن الله مع الاعتقاد الإيماني واليقيني والالتجاء إلى الله ، أن يكون لنا حال أفضل ومواقف أظهر وأوضح وأثبت وأصح بإذن الله .

стр. 649

بعض المواقف والأحكام التي تجب معرفتها وإلى بعض المواقف التي لابد من معرفتها، ويكثر الحديث عنها: هذا عدوان سافر واضح من أمة لا تدين دين الإسلام، وفي صورة لا يشك عاقل أن فيها ضرراً على الإسلام وأهله، ولا يقولن لك أحد غير ذلك، ولا يخبرنك أحد بغيره، كما اضطربت بعض المواقف وتراجعت، وتغيرت وتبدلت، وقالت: إن الحملات الصليبية فترة تاريخية، ولا يشك عاقل أنها كانت لمصالح سياسية، ولم تكن حرباً دينية، وقال من قال في تراجعاته ومحاوراته: إنه ليس هناك فرق بين الشرائع السماوية في رعايتها للسلام وحرصها عليها. ونحن نعرف ما عند اليهود عليهم لعائن الله في توراتهم المحرفة وتلمودهم الحاقد من دعوة صريحة للعنصرية والهمجية والعدوانية، ثم يقال غير هذا ويروج فيه الأحاديث والأقاويل والبيانات، وهذا من المخاطر الكبيرة. وثمة أمر آخر لابد من معرفته، ولعلي أقف هذه الوقفات الشرعية مع هذه المواقف فيما إذا غزيت هذه البلاد الإسلامية، فهي إسلامية وإن قلنا: إن البعث في عقائده كفر؛ فإن البلد بلد إسلام؛ فتحه المسلمون، ورووه بدمائهم، وكان وقفاً إسلامياً، وجل أهله مسلمون، وكثير منهم -وخاصة في الآونة الأخيرة- رجعوا إلى الله ، فلا يقال: إنها بلد لا يصدق فيها أنها بلد إسلام فلا تنطبق عليها تلك الأحكام.

стр. 650

حكم مظاهرة ومعاونة أعداء الإسلام ثم أمر المظاهرة لأعداء الإسلام والمعاونة والمشاركة لهم ليس فيها شيء من شبهة ولا قليل من خلاف، فإن النصوص فيها واضحة، وإن أقوال الأئمة والعلماء فيها قاطعة، فمظاهرة ومناصرة غير المسلمين على المسلمين لا تتفق مع أحكام الدين، بل هي مناقضة له، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، فمن أعان على أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل فإنه يخالف حكم الله ومراد الله الذي اقتضاه والذي أراده ، وهذا أمر مهم لابد من معرفته كذلك، وهو الذي نحمد الله عليه ألا يكون لنا في ذلك لا اعتقاد ولا ميل أو هوىً نفسي فضلاً عن مشاركة عملية. نسأل الله أن يعيذنا من الشرور والآثام، وأن يصرف عنا الفتن والمحن، وأن يرد الذين كفروا بغيظهم من غير أن ينالوا خيراً، ونسأله أن يدرأ وأن يرد كيدهم في نحورهم، وأن يعيذنا من شرورهم. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 651

وجوب جهاد الكفار الغزاة ومن الأحكام إذا غزي المسلمون في عقر دارهم: أنه يجب عليهم الجهاد لصد هذا العدو، كما ذكر العلماء قاطبة في أقوالهم سرداً وإقراراً للإجماع، ومن ذلك قول ابن عبد البر ﵀: والفرض في الجهاد ينقسم إلى قسمين: أحدهما: يتعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار؛ وذلك بأن يحل العدو بدار الإسلام محارباً لهم؛ فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الديار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً، وشباباً وشيوخاً، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر. وقال النووي ﵀: وإن دخلوا بلدة يتعين على أهلها -أي: الجهاد- وأما غير أهل تلك الناحية فمن كان منهم على دون مسافة القصر فهو كبعضهم، حتى إذا لم يكن في أهل البلدة كفاية وجب على هؤلاء أن يسيروا إليهم مع مراعاة قدرتهم على الدفع. وكما قالوا في الاستشهاد بذلك بقول الله ﵎ في القرب والجوار: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، وكما في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣].

стр. 652

خدمة الحرب على العراق لليهود الغاصبين في أرض فلسطين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه. وإن هذه الحرب الدائرة والأعمال الجائرة ينبغي ألا تغفلنا أو تنسينا صلتها الأساسية في انبعاثها وأسبابها وفي مآلاتهها وغاياتها بقضية الإسلام والمسلمين الأولى في أرض فلسطين، فلا يخفى على كل عاقل أن هذا كله في مصلحة اليهود الغاصبين، بل إنه من أساسه وانبعاثه إنما كان لأجلهم ولأجل تمكينهم، ولأجل بقائهم على قوتهم ومعهم الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهم الذين يرفضون التوقيع على الاتفاقيات، ولم يصل إليهم أحد من التفتيش، ولم يذكر أحد أنهم يحتاجون إلى تفتيش. وهذه الحرب من أهدافها أن ينشغل الناس، ويمكن لليهود من انتهاز الفرصة وقيامهم بأمور قد يكون فيها تهجير وضرب وترحيل لإخواننا المسلمين من أرض فلسطين، وغير ذلك مما هو معلوم. ونحن نعلم أنه خلال شهر قتل اليهود سبعة وثمانين من إخواننا في فلسطين ولا أحد يتكلم، ولا أحد يذكر شيئاً، ونعرف ما عندهم من الجرائم والمخالفات للقوانين الدولية ولقرارات مجالس الأمن وغير ذلك، وما التمكن من العراق إلا طريق لزيادة تمكينهم، وزيادة إضعاف قوة العرب والمسلمين، والإرهاب والخلخلة لأوضاع المجتمعات والدول العربية والإسلامية بما يجعلها مضطربة حائرة، أو خائفة مترددة، أو مستسلمة ذليلة، حتى لا يبقى هناك أي قدرة على مواجهة أولئك اليهود الغاصبين، ويكون ذلك مزيداً من القوة والتمكين لهم على حساب الإسلام والمسلمين. ولو أننا تمعنا لعرفنا الروابط، ولرأيناها واضحة جلية، ولذلك نحن نعلم قول الله : ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [المائدة:٥١]، وقد بين الله لنا أنهم: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، ونحن نعلم قول الله جل وعلا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، كل ذلك مما ينبغي ألا نغفل عنه ولا ننساه، ولا نغفل عما يجري هناك، فإنه مركز الدائرة وقطب الرحا ونقطة الالتقاء والصراع الحقيقي، وكل الطرق تؤدي إلى روما كما يقولون، وأزعم أن كل القضايا التي تحاك ضد المسلمين لها من قريب أو بعيد صلة بالمواجهة الحقيقية الشاملة بين الإسلام وأعدائه في أرض الإسراء.

стр. 653

توجيهات مهمة للمسلمين في ظروف الحرب

стр. 654

وجوب الصدق في التوبة والعودة إلى الله والأمر الثالث: الصدق في التوبة والأصالة في العودة والأوبة: لقد مضت أحداث سابقة وقال الناس: إن فيها عظة وعبرة، ورجعوا إلى الله في الحرب الماضية، وامتلأت المساجد، وراجع الناس أنفسهم، ثم كرت الأيام وعادت حليمة لعادتها القديمة كما يقولون، ورجعت وسائل الإعلام في أكثر البلاد إلى نشر الفسق والفجور واللهو واللعب والطرب، وستأتي هذه الكارثة ونرى شيئاً من التحول، ثم ماذا من بعد؟! نعود مرة أخرى، إننا إن لم نصدق الله في توبتنا، وإن لم نخلص في أوبتنا، وإن لم نصحح مسارنا، فإن سنة الله لا تحابي أحداً، وإن سنة الله ماضية، وقد مضت على رسول الله ﷺ ، فلقي ما لقي من العناء والأذى بما وقع من عشيرته وبما وقع له في حياته ﵊ مما مضت به سنة الله الماضية، وهذا أمر مهم. ولعلنا قد ذكرنا من قبل إعلان التوبة، وإظهار الاستقامة، وصحة الأخوة، وكثرة الالتجاء والتضرع بالدعاء لله ، وليس هذا موضوع حديثنا.

стр. 655

أهمية الحذر من الإرجافات والشائعات والأمر الرابع وهو المهم: الحذر من الإرجاف وترويج الشائعات، وكثرة تداول الرؤى والمنامات: إن ديننا لا يبنى على الرؤى والمنامات، وإسلامنا ليس فيه هذا التعلق ببعض الأخبار من الغيبيات، بل إسلامنا كما قال الله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، إسلامنا دين عمل ينبني على أدلة واضحة من كتاب الله وسنة رسول الله. والشائعات تكثر، والمرجفون يزدادون في مثل هذه الفتن والمحن، فأخرسوا كل مرجف، واقطعوا دابر كل شائعة، واجعلوا الأمور توفر الأمن والأمان والثقة والتآلف والتآزر فيما بين الأمة. ويعجب المرء من هذا الإرجاف الذي تمارسه بعض الصحف الذائعة الشائعة وهي تملأ الصفحات بصور الأسلحة وقدرتها المدمرة، ولا ترى إلا الإعلانات التي تقول: في يومين وفي ثلاثة، وحتى لو صح ذلك فما الفائدة في أن ننشره في الناس حتى يستسلموا، فلندعهم حتى يستبشروا، وحتى يترقبوا الفرج من عدو الإسلام والمسلمين، وينتظروا الأمن والرخاء والحرية والحقوق الإنسانية من هذا الذي سردنا بعض تاريخه قريباً غير بعيد! واستمعوا إلى هذه العناوين في بعض هذه الصحف ولا أريد أن أطيل عليكم: هذا عنوان يقول: (أول ضحايا الحرب العراقية توقف دوري كرة السلة في بلد معين؛ لأنه يوجد في هذه الفرق في تلك البلاد لاعبون أمريكيون اضطروا للسفر بناءً على نصائح سفارتهم)! هذه أول الضحايا، انظروا كيف نرى أو يرى إعلامنا، أو يذكر هذا في خضم هذه الأزمة القاتلة! ومسابقة ملكة الجمال في بلد عربي تتواصل، ودعاياتها تملأ الصحف، وفيها صور النساء وأسماؤهن، وفوق هذه الدعايات ترى أسماء الأسلحة، وترى عناوين الحرب، وذلك لا يقدمنا ولا يجعلنا نطمئن إلى أحوالنا، إذا كان هذا ما قد نميل إليه أو ما قد يروج بيننا. نسأل الله السلامة، وأن يصرف الفتنة، وأن يعصم من المحنة. اللهم إنا نسألك أن تنزل بأعداء الإسلام والمسلمين سخطك، وأن تحل بهم نقمتك، وأن تشد عليهم وطأتك. اللهم فرق جموعهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، اللهم اجعل الدائرة عليهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم في أنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد، اللهم إنهم قد أفسدوا في البلاد، اللهم فصب عليهم سوط عذاب، إنك يا ربنا لهم بالمرصاد. اللهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار؛ يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ اكشف البلاء عن الأمة، وارفع اللهم الغمة. اللهم قد قلَّ المعين الناصر، وكثر العدو القاهر، وليس لها من دونك كاشفة، اللهم اكشف البلاء، وارفع العناء. اللهم اللطف بإخواننا المسلمين فيما تجري به المقادير، اللهم اللطف بإخواننا المسلمين في أرض فلسطين وفي العراق وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم إنهم ضعفاء فقوهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم إنهم مستضعفون فانصرهم، يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً فاجعل دائرة السوء عليه، اللهم عليك بهم أجمعين، لا ترفع اللهم لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم أقر أعيينا بهزيمتهم، واشف صدورنا بذلهم، اللهم أذهب ريحهم، وأفشل خططهم، وأبطل كيدهم، واحبط مكرهم، واجعلهم اللهم عبرة للمعتبرين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وسلط عليهم جنداً من جندك يا رب العالمين! اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وبسنة نبيك ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتدين. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وألف اللهم بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك. اللهم استخدمنا في نصرة دينك، وسخر جوارحنا لطاعتك، واجعلنا ساعين في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك، واصرف عنا الشرور والسيئات ما مضى منها وما هو آتٍ، واغفر اللهم لنا ما سلف منا وما هو آتٍ، وضاعف اللهم لنا الحسنات. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إن قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطواتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم ألف بين قلوبهم، واقذف في قلوبهم الإيمان واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، برحمتك وعزتك يا رب العالمين! اللهم لطفك ورحمتك وعونك لعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى والمحاصرين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم مشردون فسكنهم، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والشيوخ الركع، والأطفال الرضع، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 656

وجوب الوحدة والحذر من الفرقة الأمر الثاني: الحرص على الوحدة والائتلاف، والحذر من الفرقة والاختلاف: فنحن أحوج ما نكون إذا اجتمعنا وائتلفنا على هذه الجمل الثابتة حتى نتوحد ونجتمع وننسى خلافاتنا، بما فيها الاختلافات والآراء الاجتهادية الفقهية في المسائل العلمية وفي المواقف العملية التي ينبغي أن تذوب؛ لأننا في مواجهة خطر أكبر وعداء أشمل وصورة ماحقة تستهدف الإسلام وأهله من الجذور ومن الأسس، فلا ينبغي أن نبدع هذا أو نفسق هذا وخاصة في مثل هذه الظروف، بل لابد أن يكون التكاتف والتلاحم بين الجميع رعاة ورعية وحكاماً ومحكومين، وإن وجد خطأ فثمة ما هو أعظم من هذا الخطأ، وإن وجد تقصير فثمة ما هو أخطر من هذا التقصير. ولابد أن نكون على وعي وبصيرة، وعلى موازنة بين المصالح والمفاسد، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس المسلم من يعرف الشر من الخير، ولكنه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين. فإن الشرور كثيرة، والخير صوره متنوعة، قد تأخذ أدنى شيء منه وتترك ما هو أعظم، وقد تأخذ من الشر ما هو أعظم وتترك ما قد يحتمل مما هو أدنى، فينبغي أن نعرف ذلك، وأن نحرص أيها الأحبة الكرام! في زمن الفتن والمحن على تراص الصفوف وتلاحمها؛ فإن أعظم هدية تقدم لأعدائنا أن نفرق صفوفنا، وأن نزيد تقطيع أوصالنا، فيأكلوننا لقمة سائغة، كما قال العربي من قبل: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض! إنهم لا يفرقون بين مسلم في هذه البلاد ومسلم في بلاد الشام أو في بلاد اليمن، إنه لم يعد ثمة تفريق بين من يسمون متطرفين أو إرهابيين، وبين مسلم قد يصفونه بأنه مسالم موادع، فالكل في شرعتهم من حيث الحقيقة سواء، وإن بدءوا بهذا فالثاني من بعده، وإن بدءوا بتلك الديار فربما تكون تلك بعدها، فينبغي ألا نجعل فرصة لأعدائنا بمزيد من التشتت والتفرق والتشرذم والتنابز بالألقاب، بل احرصوا على هذه الألفة وهذه المحبة، ولا يكون ذلك إلا بتلك الجمل الثابتة في اعتصامنا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 657

الاعتصام بالكتاب والسنة مصدر العزة والكرامة ولا بد كذلك أن ننبه إلى أمور مهمة وإلى جملة من التوجيهات نحن في أمس الحاجة إليها: الأمر الأول: يجب الاعتصام بالجمل الثابتة والأحكام القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وأما ما فيه اجتهاد واختلافات فأمره معروف عند أهل العلم، ولكن ثمة جمل ثابتة وحقائق قاطعة ليس فيها خلاف، وهي العواصم من القواصم، وهي النور من الظلمة، وهي معالم الطريق التي تعصم من الانحراف والزيغ والضلال بإذن الله، فتواصوا بها، واعتصموا بها، وعضوا عليها بالنواجذ؛ فإنها وصية رسول الله ﷺ كما في حديث العرباض بن سارية: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، أي: تمسكوا بها؛ لأنه ثمة كثير من الصوارف التي تصرف عنها. وللأسف أننا نسمع أمراً يخالف ذلك يقترن بحقيقة مهمة، وهي أن كثيراً من صحفنا وإعلامنا يهول في حجم أعدائنا؛ حتى يبث الرعب في القلوب، وحتى يسري اليأس إلى النفوس، وكأن أولئك القوم قد ملكوا أعنة الأمور، وأصبح بيدهم تدبير الكون وتصريفه والعياذ بالله، وكأنه لا قوة حاكمة ولا تقدير سابق ولا قضاء مبرم من الله ، فيفتون في العضد، ثم يقولون من باب التدرج: ماذا يمكن أن نصنع؟ وأي شيء يمكن أن نقول؟ والذي يقول هذه المقالات لا يدرك الحقائق، ولا يعرف الواقع. سبحان الله! نحن ندرك الواقع ونعرفه، لكن إدراكنا لا يعني أن نترك كتاب الله وراء ظهورنا، ولا أن نخلف سنة رسول الله ﷺ دبر آذاننا، بل نقول بما فيهما وإن كنا لا نستطيع إنجاز ذلك أو القيام به في هذا الوقت، لكن تغييره هو الأخطر، والشك في حقيقته هو الأكثر ضرراً والأعظم خطراً؛ لأننا إذا شككنا في ذلك فإننا قد تركنا شيئاً مما نستند إليه ونضع أقدامنا عليه، وبالتالي تغيب عنا الرؤية الصائبة، ويغيب عنا موضع القدم الثابت الراسخ الذي يجعلنا قادرين على أن نقف ونحن نعرف أين نقف، وأن ننظر ونحن نعرف إلى من ننظر، وأي شيء نرى أمامنا، أفإن قالوا كلاماً معسولاً أو غيروا أو أرهبوا وأرغوا وأزبدوا نتغير عن هذه الجمل الثابتة والحقائق القاطعة في كتاب الله الذي قال عنه سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وفي سنة طاهرة مشرفة مبرئة من العيب والنقص لسيد الخلق وأكرم الرسل ﵊؟!

стр. 658

إذا لم تستح فاصنع ما شئت لقد نزع الحياء عن كثير من أبناء أمتنا، وانسلخوا منه حتى مارسوا الشهوات والقبائح، وصاروا يلهثون وراء المحرمات، ويجاهرون بالمعاصي والسيئات، وإذا نزع الحياء وفقد تغيرت الحياة، وفسد الناس والمجتمعات، وضاقت الأنفس العفيفة، وتفطرت الأكباد الطاهرة النظيفة، فإلى الله المشتكى!

стр. 659

منزلة الحياء في الدين الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور النهار على الليل ومكور الليل على النهار، نحمده ، كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، حمداً نكون به من الشاكرين الذاكرين، فهو أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى وفي الآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغواية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده فجزاه الله خير ما جازى به نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم لاتباع سنته وحشرنا يوم القيامة في زمرته. أما بعد:

стр. 660

الحياء فضيلة في كل الشرائع لما تجمل القوم بلباس الحياء صحت لهم تلك الأخلاقيات، ولذلك لم يكن الحياء والأمر به في شريعة الإسلام وفي هدي محمد ﷺ فحسب، بل أخبرنا ﵊ بأن هذه الخصلة هي قرينة الإيمان، وكما أن الإيمان منذ أن خلق الله آدم وأتبعه بالرسل والأنبياء، فكذلك الحياء باق ممتد على مدى التاريخ، منذ أن وجد التوحيد والإيمان، ومنذ أن أنزلت الكتب وأقرت الشرائع؛ ولذلك كان أمراً ممتداً عبر تاريخ البشرية كلها في أوامر الله وشرائعه، كما صح عن المصطفى ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، وأصح التفسيرات وأرجحها عند العلماء أن من فقد الحياء فإنه حينئذ لا يكون عنده عاصم من اقتراف المعاصي وارتكاب المحرمات، ومن التجرد من كل معنى من معاني الخلق والفضيلة، بل حقيقة الأمر أن الذي يفقد الحياء يقتل فطرته ويتجرد من اللباس والزينة، ويبدو الإنسان منه عارياً، فإذا نزع الحياء فإن العورة تبدو وتنكشف، وإن الزينة والستر والتجمل يذهب إلى غير رجعة، ولذلك: يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء أي: يبقى العود في الشجرة ما بقي الغطاء الذي يغطيه ويستره، والذي يزينه ويجمله، ولذلك يصدق قول القائل: إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام فإنه إذا نزع الحياء فقد ضعف الإيمان في قلوبهم، وماتت الغيرة في نفوسهم، وانعدمت الفضيلة من قواميسهم، وأصبحوا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.

стр. 661

صورة من تطبيق الحياء فهذان هما التابعيان الجليلان: مسروق والأسود جاءا إلى عائشة ﵂ ليسألاها عن المباشرة والقبلة للصائم، فلما جلسا إليها خجلا منها، ثم قاما من مجلسهما ومضيا، وانصرفا حياءً أن يسألا عائشة ﵂ رغم أن المسألة علمية، فلما مضيا قليلاً رجع أحدهما إلى الآخر وقال: جئنا لنسأل عن أمر من أمر الدين ثم أرجعنا الحياء، فعادا مرة أخرى إلى عائشة ﵂ وقالا لها: يا عائشة إنا أتينا نسألك عن شيء فاستحيينا منك، فقالت: سلوا، وفي رواية أن هذه الواقعة -كما هي في مسند الإمام أحمد - وقعت لـ أبي موسى الأشعري فقالت له: (سل ما شئت فإنما أنا أمك) فسألوا حينئذٍ وأجيبوا. لكن انظروا إلى هذا الحياء الذي جمل الأئمة والعلماء! والذي صبغ الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. وأم سلمة ﵂ كانت عند النبي ﷺ ، فجاءت امرأة من الأنصار لم يكن للمهاجرين بها عهد، كما ذكر بعض الصحابة، فقالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي ﷺ : نعم إذا هي رأت الماء، فقالت: أم سلمة ﵂: لقد فضحت النساء) أي: أنك جئت بسؤال واضح مباشر، كأنها رأت في نفسها أن مثل هذا قد لا يسأل عنه بمثل هذه المواجهة، وإن كان تقديم الصحابية أيضاً يدل على حيائها وأدبها، عندما قالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت).

стр. 662

الحياء من شعب الإيمان هذا الحياء قرين الإيمان، وقد أخبر النبي ﵊ بأنه خصلة من خصال الإيمان، وخصه بالذكر من بين سائر الأخلاق حينما قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، ثم قال: (والحياء شعبة من الإيمان). لم يكن هذا التخصيص عبثاً منه ﷺ ، بل لأن حقيقة الإيمان مرتبطة بهذا الحياء، ولذلك كان النبي الكريم ﵊ أشد حياءً من العذراء في خدرها، رغم أنه ﵊ كان يجيب السائل، ويعاتب المخطئ، ويقوم الذي يعتدي على حقوق الآخرين، إلا أن حياءه لم يكن يفارقه في لحظة ولا في حركة ولا في سكنة، فجمل حينئذ خلقه، وصدق وصف الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. فلما تحلى بزينة الإيمان، وتوج خلقه بتاج الحياء، أسر القلوب، واستمال النفوس، وصار الناس يتأثرون بهديه وسمته وفعله أكثر مما يتأثرون بقوله، فضلاً عما يتأثرون بزجره أو وعيده أو بعقابه الذي يمضيه في حكم الله عليه، وصبغ النبي ﷺ ذلك المجتمع الإيماني الرباني بصبغة الحياء، فإذا بك تعيش في عهد النبوة لا تسمع كلمة نابية، ولا ترى فعلاً يخدش الحياء، بل عند الحاجة الملحة يظل الحياء زينة ووقاراً.

стр. 663

الحياء والإيمان قرينان أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا اليوم عن فقدان الحياء وآثاره في حياة الأمة، ذلك الحياء الذي أخبر عنه النبي ﷺ فيما صح عنه أنه شعبة من شعب الإيمان، وروى الحاكم في مستدركه عن النبي ﷺ أنه قال: (الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر)، كما أن الإيمان حلية يتحلى بها العبد المؤمن، وهو العاصم بإذن الله جل وعلا من الوقوع في المعاصي، ومن التعدي على حرمات الله، فللحياء هذه السمة: إذ هو يمنع صاحبه الذي تحلى به والذي تزين به من أن يأتي المحرمات، بل يمنعه من أن يأتي الأمور المستقبحة التي لا تليق بمقامه وإن كانت في بعض الأحوال مباحة لغيره، ذلكم الحياء الذي عرفه أهل العلم بأنه خلق يبعث على فعل الجميل، وترك القبيح، والتوقي من الأدناس وما يعاب عند الناس، الحياء الذي بوجوده يكون للمرء سورة حسنة، عفة في اللسان، وغض في البصر، ولين في المعاملة، وتوق من المعاصي، واجتناب لكل أمر مرذول حقير. هذا الحياء بين لنا النبي ﷺ في الصحيح من حديث عمران بن حصين عنه ﵊ أنه قال: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، وفي بعض الروايات الأخرى: (الحياء خير كله)، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء)، قال بعض الشراح: أي: أنه كان يلومه على ما كان عنده من بعض الحياء الذي يمنعه من المشاركة أو ربما يجعله انطوائياً أو انزوائياً، فقال له النبي ﷺ : (دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).

стр. 664

انسلاخ كثير من المجتمعات المسلمة عن الحياء وتعالوا بنا في جولة تصدق حديث النبي ﷺ ، ونحن به مؤمنون مصدقون، ولكنها نبوءته ﵊. تصدقه من وراء هذه القرون والسنوات المتتابعات، يقول ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). فانظروا إلى الذين يتجاوزون الحدود والحرمات، وانظروا إلى الذين يتجاوزون الأعراف والتقاليد، وانظروا إلى كل تجاوز فإنه لا يكون إلا بنزع للحياء أو بتقليل منه، ما بالنا لا نقول في مجتمعات أخرى، بل في مجتمعنا وبلادنا أرض التوحيد وبلاد الحرمين، في البلاد التي ترفع راية الشريعة وتطبيقها، ما بالنا نرى الحياء وقد آذن بالرحيل، وقل في سلوك الناس أقوالاً وأفعالاً وأحوالاً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، حتى كأن هذه الكلمة وهذا المعنى لم يكن وارداً في دين الله ، ولا في هدي محمد ﷺ ، ولم يكن وصية عبر التاريخ والقرون وعبر الشرائع التي أنزلها الله ؟! المرأة تخرج متهتكة متبرجة متعطرة متزينة، قد داست حياءها قبل أن تخرج من بيتها، وقتلت أنوثتها قبل أن تتزين بهذه الزينة، وخالفت أمر الله ، وضربت عرض الحائط بقول الحق جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ما بالها تمشي في الطرقات مشية يستحي أن يمشيها الرجال؟! ما بالها تخاطب الرجال في الأسواق، فيستحي الرجل ويطأطئ رأسه وتقول له: ما بالك تستحي كأنك امرأة؟!

стр. 665

صور من قلة الحياء وانظروا إلى صور أخرى نراها وكم هي عجيبة لم تكن ترى في مجتمعاتنا، فإذا أنت ترى شاباً وهو رافع صوت ذلك المسجل بالأغاني الغربية الماجنة إلى أقصى حد، وإذا به يطوف الشوارع ويجوب الطرقات يزدهي ويفتخر بدلاً من أن يخجل من هذا الأمر ويستتر، وذلك لانقلاب الموازين، فإذا قال له إنسان: قلل من هذا الصوت على أقل تقدير، فإنك واجد سيلاً من الشتائم ينبئ عن سوء الباطن، وقلة الحياء، وانعدام الأدب. وربما تجد -وهذا من أعجب العجب- أن هناك من ينصره ويؤيده، ومن يدعو إلى الحفاظ على الحريات، وأن يكون لكل إنسان ما أراد! وكأنه ليس عندنا آيات قرآنية، ولا أحاديث نبوية، ولا عندنا شرع ودين، ولا حلال ولا حرام. وانظر كذلك إلى صور أخرى أقذع وأفظع فيمن يجترئون على حدود الله، ويستهزئون بدين الله، فهذا يسطر مقالاً يتهكم فيه بالمتدينين وذاك يكتب قصيدة يهزأ فيها ويسخر -عياذاً بالله- من رب العالمين، وكل ذلك مبعثه وأساسه موت الحياء وانعدامه، وترى من يكتب إلى هذا اليوم بعد أن عقل الجهلاء وبعد أن عقل حتى المجانين، ويقول لنا: إن الطبيعة تخلق، وإن الطبيعة رقمت اللوحة الجميلة، وإن الطبيعة فعلت كيت وكيت وتمر كتابته في الأوساط ولا يتحرك لأجله أحد. ومليئة هي الوسائل التي تصدح صباح مساء بكل رقيع من القول، وبكل اجتراء على دين الله ، وإنما هذا أيضاً هو من فقد الحياء، وصورة من صوره البغيضة النكدة التي استشرت في مجتمعات المسلمين نسأل الله السلامة. وهذه الفظاعة التي أذكر تدرجها إنما هي بحسب تأثيرها وانتشارها، فكاتب الصحيفة تأثيره أكثر من هذا الشاب الذي يجوب الطرقات، فلا يسمعه ولا يراه إلا بضعة نفر، وهذه الصور إنما هي نماذج وإلا فإننا نجد أكثر من ذلك وأكثر.

стр. 666

صورة من قلة الحياء عند قادة الأمة وهذه صورة تتعلق ببعض الساسة والزعماء والقادة الذين يتكلمون باسم الإسلام وهم ألد أعدائه، ويدافعون عنه بالألسنة ويقتلونه بالأيدي، أولئك الذين تصدروا وكانوا سبة في جبين التاريخ، وكانوا هماً وغماً وبلاء على المؤمنين في كثير من ديار الإسلام، بل في كثير من ديار العرب، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا الحياء، فهم يتكلمون ويعلمون أنهم كاذبون، ويعلمون أن الذين يسمعونهم يعلمون أنهم كاذبون، ولكن من فقد الحياء فإنه لا يعود عنده تمييز، ولا يعود عنده فرق بين حق وباطل، ولا بين أمر لائق وغير لائق، وكما أخبر النبي ﵊: (إذا بليتم فاستتروا)، ولكن الذي يفقد الحياء يجاهر ويعارض ويفضح ويكشف نفسه أمام الناس، وهذه صورة مرت بنا كثيراً ونراها، وهي يصدق عليها قول النبي ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وصنعوا ما شاءوا وخرج الناس، ووجدت في ديار الإسلام نوادي للعراة، ووجد في ديار الإسلام نداء بالكفر، ووجد في كثير من بلاد الإسلام كل ما لا يخطر على عقل وبال، كل ذلك بسبب انعدام الإيمان وذهاب الحياء. اللهم إنا نسألك أن تجملنا بالحياء، وأن تسترنا وأن تعظم في قلوبنا الإيمان برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 667

فقد الحياء تدريجياً ما هذه الصور التي قتلت كل معنى جميل، وكل خلق فاضل، وأماتت كل صورة مشرفة وضيئة في حياتنا؟! لما انسلخ الحياء انسلخ الإيمان وضعف توقير أمر الله ، أليست هذه صورة نشهدها كل يوم ونراها قد كانت خطوة فخطوة فخطوة، ولا نعلم إلى أين تنتهي الخطوات؟ (نظرة فسلام فكلام فموعد فلقاء) هذا هو الذي كان، ما كنا نرى ذلك قبل سنوات قلائل، ما كنا نرى هذه الصور وهذه المشاهد وهذه الأمور التي تجعل الحليم حيران، أين غيرة الرجال؟ أين إيمان أولياء أمور هؤلاء النساء؟! وأين ركنا المرأة التي تتميز بهما عن الرجل الحياء والأنوثة؟ فقدت حيائها فتبرجت، وفقدت أنوثتها فاسترجلت، ولم يعد المرء يفرق اليوم بين رجل وامرأة، وأصبح كثير من الناس ينشرون الصور ويروجونها في أوساطهم ويلتمسون لها المعاذير، ويقولون: هذه حاجة وهذا لا بأس به، ونقول: اسمعوا لقول الله جل وعلا في خطاب خير نساء الأمة أزواج النبي محمد ﷺ ، يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، نهي لأزواج النبي ﷺ وهن من هن إيماناً وأدباً وحياءً وعلماً وخشية لله جل وعلا، والمخاطبون هم أصحاب النبي ﷺ أشد الناس حرصاً على الطاعة، وأبعد الناس عن المعصية، ومع ذلك يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: لا تلن الكلام ولا تتكسرن فيه، ولا تملنه يمنة ويسرة، فضلاً عن الضحكات والحركات، فضلاً عن الإشارات والغمزات. لقد فقد الحياء في مثل هؤلاء النساء، وفقدت الغيرة من أولياء أمورهن، وصارت صورة تنذر بويل كبير، وخطر عظيم؛ لأنها لا تخص أصحابها بل تقتحم أنظار الناس رغم أنوفهم، وتقتحم قلوبهم رغم أنوفهم، وتغير في نفوسهم رغم أنوفهم.

стр. 668

الآثار الوخيمة المترتبة على فقدان الحياء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى مراقبة الله جل وعلا، وإن خلاصة الحياء هي تلك المراقبة التي تجعل الإنسان دائماً يستشعر حياءه من الله، كيف أمده بالنعمة، وكيف أمره ونهاه ثم هو يتجاوز الأمر والنهي ويجحد النعمة ويرفض الشكر.

стр. 669

المجاهرة بالمعاصي الأثر الثاني: المجاهرة بالمعاصي: وهذه المجاهرة وخيمة الآثار، وخطيرة العواقب؛ لأنها تجرئ الذي لم يكن جريئاً، وتشجع الذي كان متردداً، وتنزع الحياء عمن كانت عنده بقية من الحياء، كثير من الناس فيه بعض الخير، وفيه خير وإيمان، لكنه يرى هذا وقد اعتدى وذاك وقد أسرف، ويرى أولئك وهم يفتخرون بمعاصيهم، ويجاهرون بمحادة الله ورسوله، ولا يأبهون بأوامر الله فضلاً عن أن يأبهوا للبشر ولأذواق الناس أو اعتراضهم يمنة أو يسرة.

стр. 670

فساد الذوق العام وانقلاب الموازين الأثر الثالث: فساد الذوق العام وانقلاب الموازين: وهذا يحصل بالتدرج، فإذا أذواقنا الإيمانية وحسنا الإسلامي يختل وينعدم ويرتكس وينتكس، وإذا بك في هذه الأزمان والأعصر ترى صوراً لم تعد منكرة، بل صار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وماتت الغيرة في النفوس، وفسدت الأذواق، وصرنا في أول الأمر نقول: الوجه، ثم الشعر، ثم النحر، ثم الذراع، ثم الساق، والله أعلم ما يأتي من بعد ذلك. وفي كل مرة نرى أن الذي مضى أمر هين والخطر فيما يأتي، ثم إذا بالذي أتى يصبح في خبر كان، ويصبح أمراً ماضياً، وإذا به يصبح لا بأس به، وإذا بالأذواق تختلف، وإذا بموازين الشرع وقيمه تتغير وتتبدل، وهذا من أخطر الأمر وأسوئه.
следующие страницы →