Полный текст (2 691 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
صورة من قلة الحياء عند قادة الأمة
وهذه صورة تتعلق ببعض الساسة والزعماء والقادة الذين يتكلمون باسم الإسلام وهم ألد أعدائه، ويدافعون عنه بالألسنة ويقتلونه بالأيدي، أولئك الذين تصدروا وكانوا سبة في جبين التاريخ، وكانوا هماً وغماً وبلاء على المؤمنين في كثير من ديار الإسلام، بل في كثير من ديار العرب، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا الحياء، فهم يتكلمون ويعلمون أنهم كاذبون، ويعلمون أن الذين يسمعونهم يعلمون أنهم كاذبون، ولكن من فقد الحياء فإنه لا يعود عنده تمييز، ولا يعود عنده فرق بين حق وباطل، ولا بين أمر لائق وغير لائق، وكما أخبر النبي ﵊: (إذا بليتم فاستتروا)، ولكن الذي يفقد الحياء يجاهر ويعارض ويفضح ويكشف نفسه أمام الناس، وهذه صورة مرت بنا كثيراً ونراها، وهي يصدق عليها قول النبي ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
وصنعوا ما شاءوا وخرج الناس، ووجدت في ديار الإسلام نوادي للعراة، ووجد في ديار الإسلام نداء بالكفر، ووجد في كثير من بلاد الإسلام كل ما لا يخطر على عقل وبال، كل ذلك بسبب انعدام الإيمان وذهاب الحياء.
اللهم إنا نسألك أن تجملنا بالحياء، وأن تسترنا وأن تعظم في قلوبنا الإيمان برحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 667
فقد الحياء تدريجياً
ما هذه الصور التي قتلت كل معنى جميل، وكل خلق فاضل، وأماتت كل صورة مشرفة وضيئة في حياتنا؟! لما انسلخ الحياء انسلخ الإيمان وضعف توقير أمر الله ، أليست هذه صورة نشهدها كل يوم ونراها قد كانت خطوة فخطوة فخطوة، ولا نعلم إلى أين تنتهي الخطوات؟ (نظرة فسلام فكلام فموعد فلقاء) هذا هو الذي كان، ما كنا نرى ذلك قبل سنوات قلائل، ما كنا نرى هذه الصور وهذه المشاهد وهذه الأمور التي تجعل الحليم حيران، أين غيرة الرجال؟ أين إيمان أولياء أمور هؤلاء النساء؟! وأين ركنا المرأة التي تتميز بهما عن الرجل الحياء والأنوثة؟ فقدت حيائها فتبرجت، وفقدت أنوثتها فاسترجلت، ولم يعد المرء يفرق اليوم بين رجل وامرأة، وأصبح كثير من الناس ينشرون الصور ويروجونها في أوساطهم ويلتمسون لها المعاذير، ويقولون: هذه حاجة وهذا لا بأس به، ونقول: اسمعوا لقول الله جل وعلا في خطاب خير نساء الأمة أزواج النبي محمد ﷺ ، يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، نهي لأزواج النبي ﷺ وهن من هن إيماناً وأدباً وحياءً وعلماً وخشية لله جل وعلا، والمخاطبون هم أصحاب النبي ﷺ أشد الناس حرصاً على الطاعة، وأبعد الناس عن المعصية، ومع ذلك يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: لا تلن الكلام ولا تتكسرن فيه، ولا تملنه يمنة ويسرة، فضلاً عن الضحكات والحركات، فضلاً عن الإشارات والغمزات.
لقد فقد الحياء في مثل هؤلاء النساء، وفقدت الغيرة من أولياء أمورهن، وصارت صورة تنذر بويل كبير، وخطر عظيم؛ لأنها لا تخص أصحابها بل تقتحم أنظار الناس رغم أنوفهم، وتقتحم قلوبهم رغم أنوفهم، وتغير في نفوسهم رغم أنوفهم.
стр. 668
الآثار الوخيمة المترتبة على فقدان الحياء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى مراقبة الله جل وعلا، وإن خلاصة الحياء هي تلك المراقبة التي تجعل الإنسان دائماً يستشعر حياءه من الله، كيف أمده بالنعمة، وكيف أمره ونهاه ثم هو يتجاوز الأمر والنهي ويجحد النعمة ويرفض الشكر.
стр. 669
المجاهرة بالمعاصي
الأثر الثاني: المجاهرة بالمعاصي: وهذه المجاهرة وخيمة الآثار، وخطيرة العواقب؛ لأنها تجرئ الذي لم يكن جريئاً، وتشجع الذي كان متردداً، وتنزع الحياء عمن كانت عنده بقية من الحياء، كثير من الناس فيه بعض الخير، وفيه خير وإيمان، لكنه يرى هذا وقد اعتدى وذاك وقد أسرف، ويرى أولئك وهم يفتخرون بمعاصيهم، ويجاهرون بمحادة الله ورسوله، ولا يأبهون بأوامر الله فضلاً عن أن يأبهوا للبشر ولأذواق الناس أو اعتراضهم يمنة أو يسرة.
стр. 670
فساد الذوق العام وانقلاب الموازين
الأثر الثالث: فساد الذوق العام وانقلاب الموازين: وهذا يحصل بالتدرج، فإذا أذواقنا الإيمانية وحسنا الإسلامي يختل وينعدم ويرتكس وينتكس، وإذا بك في هذه الأزمان والأعصر ترى صوراً لم تعد منكرة، بل صار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وماتت الغيرة في النفوس، وفسدت الأذواق، وصرنا في أول الأمر نقول: الوجه، ثم الشعر، ثم النحر، ثم الذراع، ثم الساق، والله أعلم ما يأتي من بعد ذلك.
وفي كل مرة نرى أن الذي مضى أمر هين والخطر فيما يأتي، ثم إذا بالذي أتى يصبح في خبر كان، ويصبح أمراً ماضياً، وإذا به يصبح لا بأس به، وإذا بالأذواق تختلف، وإذا بموازين الشرع وقيمه تتغير وتتبدل، وهذا من أخطر الأمر وأسوئه.
стр. 671
فساد الحياة كلها
الأثر الرابع: أن هذا لا يفسد الذوق العام فحسب، بل إن انعدام الحياء يفسد الحياة كلها: وذكر ابن القيم أن الحياء مشتق من الحياة، وكما قال الله : ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] أي يتركونهن فلا يقتلونهن، فالاستحياء: هو الإبقاء والترك وعدم القتل، وإذاً: فمعنى الحياء هو ترك المعاصي، فإذا هزم الحياء فسدت الحياة كلها، فإذا بك لا ترى صغيراً يوقر كبيراً، ولا ترى ابناً يبر أباً، ولا ترى ابنة تسمع أماً، ولا ترى تلميذاًَ يوقر أستاذه، وإذا بالحياة كلها تفشل، وإذا بالأخلاق تتبدل، وإذا بالصورة تعافها النفس، وإذا بها ظلمات في القلب، وضيق في الصدر، وأسن في النفوس، وخلل في العقول، وظلمة في الأبصار والبصائر، وكل مناحي الحياة تفسد.
ألسنا نرى اليوم آباء يصرخون من عقوق الأبناء؟ ما وقع ذلك إلا بسبب فقد الحياء.
ألسنا نرى اليوم معلمين يشكون من طيش التلاميذ، ومن سوء أدبهم، ومن قلة حيائهم؟ ألسنا نرى مدير الدائرة يشكو من لامبالاة موظفه؟ ألسنا نرى الرعية يشكون من الحاكم والحاكم يشكو من عدم مبالاة الرعية؟
стр. 672
قلة التعظيم لله ولرسوله ﷺ
ولننظر إلى الآثار الوخيمة والخطيرة، والمدمرة والقاتلة في فقدان الحياء في أي مجتمع، وخاصة في مجتمع المسلمين.
الأثر الأول: قلة التعظيم لله ولرسوله، ولأمر الله ولأمر رسوله ﷺ : إن هذه الصور إنما هي إغفال وتجاهل لآيات القرآن وأحاديث النبي ﵊، وهي دليل على ضعف الإيمان، وذهاب الوازع الديني، وعدم الارتباط بالتشريع من قريب ولا من بعيد، وهذا هو الذي يجرئ الناس على اقتراف المنكرات، وعلى التعدي ليس على الحرمات، بل على رب الأرباب ، وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الأخيار الصالحين من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وتجد سيلاً من الشتائم والاعتداء الذي ليس فيه أدب ولا حياء على كل صاحب التزام وصاحب خلق، وصاحب حياء وإيمان، وسيحصل مزيد ومزيد من هذا الاجتراء والاستهانة بدين الله ، كلما زاد هذا التيار الذي يقتل الحياء ويئد الإيمان.
стр. 673
فقدان الحياء موت للمجتمع
إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام فإنه الموت الذي دونه كل صورة من صور الحياة الظاهرة، لكنها كما قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، إنما يعيشون في بهرج من الحياة، يأكلون يشربون يركبون السيارات يبنون المباني والعمارات يتزينون بالزينة؛ ولكنهم مجردون عن حلية الإيمان، وعن زينة الحياء، فيصبحون كأنهم أموات في صورة أحياء.
وما قيمة مجتمع تموت فيه الفضائل، وتقتل فيه الأخلاق، وتنعدم فيه الأذواق، وحينئذٍ لا يبقى هناك مقياس أبداً، تنعدم المقاييس فلا يصبح هناك شيء يسمى عيباً، ولا يعود هناك شيء يسمى مخالفة للأدب، ولا شيء يسمى مخالفة للذوق العام.
ولذلك نرى اليوم في الصحف والمجلات أموراً عجيبة، يختلفون في بعض الأفلام - هذه الأفلام الماجنة- هل تجيزها الرقابة أو لا تجيزها، والذي يختلفون عليه من الفظائع والكبائر، بل من أنكر المنكرات الذي لا يقرها عقل ولا دين ولا فطرة، ومع ذلك تجد النزاع والحوار على صفحات هذه المجلات بصورة مقززة تدل على انعدام الحياء، وهذه الصور -كما أشرت- تفسد كل شيء في حياة الناس، فهذا أثر هذا الإفساد العام.
وقد أخبر الله تعالى أنه جعل الحياة في الاستجابة لأمر الله ولأمر رسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، حياة القلوب، حياة الأخلاق، حياة المبادئ، حياة النظافة، حياة الطهارة، حياة التعامل الرفيع، حياة الحضارة المؤدبة! كل ذلك لا يكون إلا بالإيمان وما في هذا الإيمان من خصال؛ ولذلك عندما سرت هذه المنكرات أصبح الأب لا يستحيي أن يشاهد في منزله أفلام الفيديو مع أبنائه وبناته، ويرون فيها المشاهد الفاضحة، لا يتغير وجهه ولا يتمعر، وحدث عندنا نوع من الانحلالية والإباحية التي تسري في المجتمع سرياناً خطيراً.
ولعل قائلاً يقول: قد بالغت وأكثرت، وقد هولت فيما صورت، ولكنني أقول: معظم النار من مستصغر الشرر وأول الغيث قطر ثم ينهمر وأكرر فأقول: إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام.
الحياء الذي ذهب من صغارنا وكبارنا، ورجالنا ونسائنا، وتلاميذنا ومعلمينا، هذه الصورة تنذر بخطر عظيم، ولذلك نكرر حديث النبي ﷺ : (الحياء خير كله)، وقوله ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
وكم رأينا من الأمور التي صنعت وفعلت عندما فقد الحياء! شيء يشيب لهوله الولدان! فاللهم إنا نسألك أن لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم زينا بزينة الإيمان، وحلنا بحلية الحياء، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وخلقاً فاضلاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت ومغفرة بعد الموت برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم مكن في مجتمعاتنا لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وأقم في الأمة علم الجهاد، اللهم من سعى في مجتمعنا بالفساد فاشغله بنفسه، واجعل دائرة السوء عليه، اللهم رد كيد أعدائنا في نحورهم، اللهم إنه من بني جلدتنا من يسعون لنشر الفساد، اللهم فقنا شرورهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وأحبط مؤامراتهم، ودمر مخططاتهم، يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تحفظ علينا إيماننا، وأن تحفظ علينا إسلامنا، وأن تحفظ علينا أخلاقنا، وأن تحفظ علينا حياءنا، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بالإسلام قائمين، وأن تحفظنا بالإسلام قاعدين، وأن تحفظنا بالإسلام نائمين، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وعلى هدي نبيك محمد ﷺ سائرين، ولآثار أصحابه مقتفين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك الطهارة الظاهرة والباطنة، اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل، اللهم إنا نسألك أن تجنبنا سائر الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين، اللهم عليك بالطغاة والمتجبرين، اللهم عليك بالكفرة والملحدين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، دمر قوتهم، واستأصل شأفتهم، ونكس رايتهم، اللهم أذل أعناقهم، وسود جباههم، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود قريباً، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم يا قوي يا عزيز، يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم رحمتك بالفتية اليتامى، والنسوة الثكالى، اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم رحمتك بعبادك المستضعفين، اللهم رحمتك بالمشردين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمسلمين والمضطهدين، اللهم فك أسرهم وأطلق سراحهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم.
اللهم سكن لوعتهم، وامسح عبرتهم، وأقل عثرتهم، اللهم اجمعهم على الحق، اللهم ثبتهم على الإيمان، اللهم صبرهم على قضائك، اللهم واجعل لهم فرجاً قريباً، اللهم يا أرحم الراحمين من عدى واعتدى على عبادك المؤمنين فأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين، اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر منهم ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 674
الإيمان والأمان في مواجهة الحرب والعدوان
الإيمان صبغة جديدة ينصبغ بها صاحبها، فتكون له صورة وهوية تخالف كل ما سبقها، وتتحدى كل ما يعارضها، وتنشئه نشأة جديدة قاعدتها وأساسها التوحيد والإيمان، فيختلف عن كل الناس في أحواله وآماله وطموحاته وأفعاله.
стр. 675
حقيقة الإيمان
الحمد لله لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من دعاه، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو جل وعلا المحمود على كل حال وفي كل آن، وهو أهل الحمد والثناء؛ فله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، المرسل إلى الناس كافة أجمعين، خاتم النبيين والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته، ونسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا البيت من بيوته على غير مصالح تجمعنا، ولا أرحام تقربنا؛ أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إخواناً على سرر متقابلين، ونسأله أن يشرح صدورنا بالإسلام، وأن ينور قلوبنا بالإيمان، وأن يهدي بصائرنا بالقرآن، وأن يرد عنا وعن المسلمين كيد الكائدين، وأن يدفع عنا شرور المعتدين، وأن يسلم ديار المسلمين، ويحقن دماءهم، ويحفظ أعراضهم وأموالهم، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.
يتجدد بهذا درس متقطع رقمه: السابع والسبعون بعد المائة، وعنوانه: (الإيمان والأمان ومواجهة العدوان).
إننا ونحن نعيش هذه الظروف العصيبة، والتكالب الرهيب، والعدوان الظالم، نحتاج إلى مثل هذه الوقفات، والحق أن الخواطر كثيرة، والمشاعر متداخلة، والواجبات والتنبيه والتوجيه حاجتنا إليه ماسة ومتشعبة، وحسبنا -بمشيئة الله تعالى- أن نذكر هنا ما عسى أن يكون الأهم، وما سأذكره إنما أذكر خلاصته وأسسه معرضاً عن كثير من التفاصيل والتشعبات التي يستحق معها كل قسم من أقسام حديثنا وموضوعنا أن يفرد في محاضرة خاصة به، ولعلي أشير الإشارات التي ألخص بها مقصود حديثنا بعون الله.
سنبدأ بوقفة مع حقيقة الإيمان، ثم نعرج على أثر الإيمان في الأمن والأمان، وننتهي ونخلص إلى أثر الإيمان والأمان في مواجهة العدوان.
стр. 676
الإيمان قول واعتقاد وعمل
فإذا لم يكن الإيمان نطق اللسان فحسب، ولا هو اعتقاد الجنان وحده، ولا عمل الأركان، فما هو؟ إنه مجموع ذلك كله، ومن ثم قال أهل العلم في تعريفه: إنه اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وهذا الجمع لا شك أنه يحتاج إلى تأمل؛ إنه حينئذ يصور لنا شمول هذا الإيمان، وعمقه وانتظامه للإنسان في كل خصائصه، وانعكاسه من بعد على كل تفاعلاته وأحواله؛ فإن هذا الإيمان هو اعتقاد القلب، وخفقة القلب بالمشاعر والعواطف، وهو كلمات اللسان وضبطها بخواطر العقل والفكر، وممارسات الجوارح.
وإذا أردنا أن نعمق هذا المعنى ونوضحه، فالأمثلة فيه كثيرة، لكنني أشير إلى المعنى وأضرب مثالاً واحداً فأقول: إن الإيمان صبغة جديدة ينصبغ بها صاحبها، فتكون له صورة وهوية تنقض كل ما سبقها من الصور، وتخالف كل ما يعارضها من الهويات، وتنشئه نشأة جديدة قاعدتها وأساسها التوحيد والإيمان الحق لمضمون لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فيختلف عن كل الناس في سائر أحواله وأقواله وكلماته، وآماله وطموحاته وأعماله وأفعاله، وعلاقاته وصلاته، وولائه وبرائه، ومحبته وبغضه، وكل شيء؛ لأن هذا الإيمان يغير فيه -إذا كان صادقاً وحقيقياً- كل شيء، ويجعله منضبطاً بهذا الإيمان، فمنه ينطلق وإليه يرجع، وفي ضوئه يقيس، وعلى هداه يسير، فيحكم الإيمان حينئذ كل شيء في حياته بدءاً من داخله وانتهاء بأعماله وبعلاقاته كذلك.
стр. 677
قضية الإيمان أعظم قضايا الكون
الإيمان أمره مهم وعظيم؛ لأن قضية الإيمان هي القضية الكبرى، والمسألة العظمى في حياة البشرية كلها؛ فلأجلها خلق الله الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، ونصب الموازين، وجعل الحساب والثواب والعقاب، وخلق الجنة والنار.
قضية الإيمان هي قضية الوجود الدنيوي وما بعد الوجود الدنيوي، هي قضية الحياة الدنيا وما وراءها في الحياة الأخرى قضية تتعلق بالإنسان في أعماق نفسه، وسويداء قلبه، وخواطر عقله، وكلمات لسانه، وأفعال جوارجه، وطموحات نفسه؛ لأنها تتناول الإنسان في علاقاته وصلاته ومعاملاته وتشريعاته وفي سائر جوانب حياته المختلفة، وسائر ظروفه وتقلبات حياته وأحواله المتنوعة، ومن ثم فإنها القضية الكبرى التي لابد من العناية بها، والتعلم لحقائقها، والتذكير بثوابتها، والإشاعة لمعانيها، والتقوية لها في النفوس والقلوب؛ لأنها محور الحياة وجوهرها، وكما قلت: لعل هذا يكون موضوعاً كاملاً قائماً برأسه، ولكنا نشير إلى المهم منه.
стр. 678
الإيمان ليس مقتصراً على مجرد العمل أو النطق أو التصديق
الإيمان ليس مجرد نطق اللسان وإعلان الشهادة فحسب، فإن الله جل وعلا قد نفى ذلك بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فأثبت إعلانه للإيمان ونفى حقيقته عنه، وليس الإيمان كذلك هو قناعة العقل بصحة البرهان وقوة الحجة على وجود الله أو وحدانيته؛ فإن ذلك قد كان ظاهراً جلياً لكفار قريش، ولم يكن عندهم شك في صدق محمد ﷺ ، ولا نقص في البراهين والأدلة على ثبوت نبوته، ومع ذلك كفروا وجحدوا، وقد أخبر الحق بذلك فقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤]، فقد كانت عندهم الحقائق في درجة اليقين من حيث وضوح الأدلة، وقيام الحجة؛ ومع ذلك جحدوا، والجحد هو الإنكار بعد المعرفة، لماذا؟ ظلماً وعلواً.
وقال : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، وقصها وبينها أبو جهل -عليه لعنة الله- عندما قال: كنا نتنافس وبنو هاشم الشرف والسيادة، فإن كانت لهم السقاية كانت لنا الوفادة، وإن كان لهم كذا كان لنا كذا، حتى إذا تساوينا وتجاثينا على الركب قالوا منا نبي، فمن أين لنا بنبي؛ فوالله لا نصدقه الدهر كله! فليست القضية مجرد قناعة العقل دون تسليم القلب بحقيقة هذه المعرفة الإيمانية، وليس الإيمان كذلك هو مجرد العمل أو القيام بأداء الفرائض مجرداً؛ فإن المنافقين -كما نعلم- خلت قلوبهم من الإيمان، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويشاركون أهل الإيمان في صلاتهم، وربما يخرجون أموالاً من زكاة وغير ذلك، ونفى الله عنهم الإيمان كما بينته آياته جل وعلا في مثل قوله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]، وأخبر أنهم يتخذون ما ينفقون مغرماً، إلى غير ذلك مما هو معلوم.
стр. 679
نموذج لتأثير الإيمان وتحويله لجواهر الرجال
هذا مثال نضربه من القرآن، قصه الله علينا في قصة موسى ﵇، وما كان منه مع بني إسرائيل، والقصة نقف فيها عند المواجهة التي كانت بين موسى داعية الإيمان، وفرعون داعية الكفر والطغيان: استعان فرعون بالسحرة، وأراد أن يكونوا وسيلة له لإبطال الحق، وإطفاء نوره، وتشويه صورته، وصرف الناس وصدهم عنه، فماذا قال للسحرة يوم جاء بهم، وأرادهم أن يقوموا بهذه المهمة؟ وقبل ذلك نريد أن ننظر إلى هؤلاء السحرة صورتهم، أفكارهم، أقوالهم قبل وبعد الحدث الذي وقع، لننظر فعلاً إلى التغير لندرك به حقيقة الإيمان.
جاء السحرة إلى فرعون، وأول شيء قالوه وخطر لهم وتعلقت به نفوسهم: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١]، ذلك كان مطلبهم ومطمعهم، وهذا هو أملهم وأمنيتهم.
لم يسألوا: هل القضية حق أو باطل، عذاب أو ظلم؟ هل تترتب عليها مفسدة أو مصلحة؟ هل يتضرر بها أحد أو ينتفع؟ لم يكن ذلك يعنيهم في شيء؛ لأنهم ليست لديهم مبادئ ولا قيم ولا مرتكزات ولا معتقدات بل كانت أهواؤهم تقودهم، وخضوعهم لفرعون وعبوديتهم وذلتهم له تسيرهم، ولذلك قالوا هذا القول، فقال لهم فرعون: نعم، وإنكم لمن المقربين.
أي: سيزيدهم فوق العطاء المادي عطاء معنوياً بأن يكونوا من أصحابه وخلصائه والمقربين منه.
ثم وقعت الواقعة، وألقوا عصيهم وحبالهم، فسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وكانوا هم صفوة السحرة، وأعلم العلماء بالسحر، وليس أحد أقدر منهم عليه، وفي لحظة واحدة ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون.
وفي هذه اللحظة عرف أولئك أن هذا ليس بسحر، وأنها ليست قوة بشر، وأدركوا من واقع خبرتهم هذه الحقيقة، فمباشرة وصفت آيات القرآن ما الذي وقع ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢٠ - ١٢٢]، وذكر هارون هنا مثير للسؤال؛ لم ذكروا هارون وهو لم يذكر في تلك المواجهة، ولم يلق عصى مع موسى ولم يكن له في هذا شأن مذكور؟ أرادوا أن يقولوا: قد آمنا بالمعتقد والمبدأ لا بالصورة الظاهرة والعمل الملموس، فنحن أدركنا الحقيقة والمفهوم الذي وراء ذلك، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢].
لنرى كيف أصحبت مواقفهم؟ وكيف تغيرت كلماتهم؟ وما هي الآن طموحاتهم وآمالهم؟ فرعون كان مجرد ذكر اسمه من قبل تنخلع له القلوب وتصطك له الركب، وتدور الأعين في محاجرها خوفاً وهلعاً.
هذا فرعون الذي يعرفون بطشه وجبروته وطغيانه قال: ﴿فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، افعل ما بدا لك فلا خوف في قلوبنا منك، ولا شيء يردنا عما أخذنا من الإيمان والاعتقاد، لماذا؟ لأن الأمر قد اختلف، والتصور قد اتسع، والإيمان قد ثبت ورسخ، فنحن لم تعد حياتنا هي الدنيا بل أصبحت أعظم من ذلك، فافعل ما تشاء، فإن ما تفعله لا يتجاوز هذه الدنيا وما فيها من الأسباب التي قد يكون بعضها ميسراً لك.
ثم قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، كانوا يريدون المال، واليوم يقولون: أملنا وطموحنا، وأعظم ما تتعلق به قلوبنا وتشرئب إليه أعناقنا: أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول السابقين إلى الإيمان والإسلام.
لقد اختلفت مقالتهم ومشاعرهم ومواقفهم، وظهرت قوتهم، وتجلى ثباتهم، ما الذي تغير، وما الذي طرأ واستجد؟ ليس إلا الإيمان، حينئذ نقول: فرق ما بين هذا وذاك في لحظات الإيمان الذي أنشأهم نشأة جديدة، وصبغهم صبغة جديدة حولتهم في كل جانب من جوانب حياتهم ظاهرها وباطنها، فإذا بهم حينئذ ينشئون ويقفون ويتكلمون ويواجهون بغير ما كانوا عليه من قبل.
هذه صورة موجزة لحقيقة الإيمان، وأجلى منها وأوضح وأكثر أمثلة ما فعله رسول الله ﷺ ، إذ جاء إلى العرب وهم في جاهلية جهلاء، وعماية ظلماء، وفي كل ما هم فيه من سخف عقولهم وهمجيتهم، وانغماسهم في الباطل وغير ذلك، ولم يغير فيهم شيئاً من اقتصاد ولا سياسية ولا اهتمام، وإنما جاءهم بهذا الإيمان والإسلام فأنشأهم نشأة أخرى، وصاغ منهم أمة فريدة لا نظير لها في تاريخ البشرية والإنسانية.
стр. 680
أثر الإيمان في الأمن والأمان
ننتقل إلى جوهر مهم في موضوعنا، وهو: أثر الإيمان في الأمن والأمان، ونحن نعلم أن الظروف العصيبة تصيب الناس في مكاننا وأماكن مختلفة، لكن أعظمها وأشدها خطراً: أن تصيب يقينهم وإيمانهم، حينها ستسلب أمنهم وأمانهم؛ فلننظر أثر الإيمان القوي الصحيح الراسخ في الأمان، ونذكر ذلك في نقاط أربع:
стр. 681
حرية الإرادة وقوة المواجهة
ما الذي يضعف الناس إلا خوفهم؟ ما الذي يجعلهم يغيرون مواقفهم ويبدلون آراءهم، فيكونون مع هذا ثم يصيرون مع ذاك، وربما يخونون أمتهم، ويبيعون أهلهم، ويضحون ببلادهم، أي شيء ذلك؟ إنه لأمرين اثنين: الأول: خوفهم على الحياة.
الثاني: خوفهم على الرزق.
إذا هدد بحياته غير موقفه ومنهجه، ومتابعته وولاءه وبراءه، فما الذي يعصم من ذلك؟ ما الذي يؤمن الأمة لئلا تخترق من داخل صفوفها، ومن أن يكون من بين أبنائها من هو عدو لها وممالئ لعدوها؟ إنه الإيمان، وذلك لأن الإيمان حرية عظيمة، فهو يوحد الإنسان وقلبه واعتقاده وكل شيء في داخله في أمر واحد معلق بالله ، إنه لا يخشى ولا يرجو ولا يذل ولا يسأل ولا يستعين إلا بالله كل أمره معلق بالله، والناس وقوى الدنيا كلها لا يلتفت إليها ولا يكترث بها، ولا تنال من عزمه ويقينه وتصميمه وإيمانه مطلقاً، وغيره على عكس ذلك.
стр. 682
يقظة الضمير واستشعار المراقبة
إن الأمن الذي يفرض بقوة العساكر، أو دقة المراقبة، أو دوام المتابعة؛ أمن هش ضعيف مهما بلغت أسبابه؛ لأنه لا يمكن أن يراقب كل أحد، ولا أن يتابع كل شخص، ولا أن يعرف ما في خفايا القلوب وطوايا النفوس، لكن الأمن الحقيقي هو الذي ينبع من داخل النفس، ويردع صاحبه عن المحرمات والمنكرات، والعدوان على الحرمات، ويدفعه إلى القيام بالواجبات وأداء المهمات، والمسارعة إلى الخيرات.
هذا الإيمان هو مملكة الضمير الحية التي عندما غرسها النبي ﷺ في أمته وأصحابه لم يكن في ذلك المجتمع من المفاسد والمنكرات والجرائم إلا ما يعد على أصابع اليد أو اليدين؛ دون أن يكون في زمانه ﵊ بطاقات ممغنطة، أو كاميرات تصوير، أو شرطة تجوب الشوارع والطرقات، ولا شيء من ذلك، ومع ذلك ما هي الجرائم التي وقعت؟ وما هي الاعتداءات التي تحققت؟ كيف اكتشف؟ عندما وقعت بعض هذه المحرمات والفواحش هل اكتشفتها المتابعات الأمنية، أو توصلت إليها الأدلة الجنائية، أم أن الذي أخرجها إلى حيز الوجود الحس الإيماني، واليقظة الشعورية، والمراقبة لله ، والخوف منه ؟ إذا أحيينا الإيمان في القلوب فقد نشرنا الأمان في المجتمعات، فهذا ماعز الأسلمي جاءت قصته في الصحيح: في لحظة غفلة الهوى واستزلال الشيطان، وضعف النفس، وإغراء الشهوة، وقع في جريمة الزنا، ولم يره أحد، ولم تنظره عين، ولم تضبطه شرطة، فأي شيء وقع؟ تحرك الإيمان في قلبه ندم يعتصر نفسه أسى، ويقطع قلبه ألماً، يندفع إلى رسول الله ﵊ مقراً معترفاً: (يا رسول الله! إني زنيت فطهرني، فيعرض عنه الرسول ﵊، لعله أن ينصرف؛ فيأتيه قبل وجهه ويكرر، فينصرف عنه النبي ثانية وثالثة ورابعة وهو يعيد اعترافه، فيقول ﵊: لعل به شيئاً، أي: لعله شارب للخمر ولا يدرك ما يقول، فاستنكهوه، قالوا: يا رسول الله! ما به من بأس، قال: لعلك قبلت، لعلك فاخذت، حتى أقر، فأمر النبي ﵊ برجمه فرجم)، هل يسجل التاريخ مثل هذا في غير وجود الإيمان؟ وهل يمكن أن يظهر مثل هذا في غير بيئة الإيمان؟ وأبلغ من هذا وأظهر: قصة المرأة الغامدية: جاءت إلى النبي عليه الصلاة السلام تقر بما أقر به ماعز -وحديثها في الصحيح كذلك- فأعرض عنها رسول الله ﵊، قالت: (يا رسول الله! لعلك تعرض عني كما أعرضت عن ماعز؛ فإني حبلى من الزنا، فقال ﵊: اذهبي حتى تضعي حملك)، وذهبت دون كفالة حضورية، أو بصمات وصور، أو متابعة، ورجعت بعد تسعة أشهر كاملة.
ما الذي أعادها وقد كان بإمكانها أن تهرب؟ ﴿فرجعت ومعها غلامها رضيع، فقال لها ﵊: اذهبي حتى ترضعيه فتفطميه.
فذهبت به حولين كاملين، ثم رجعت وهي مصرة ومعها غلامها في يده كسرة خبز دليل على فطمه، فأمر بها النبي ﵊ فرجمت، فوقع بعض دمها على بعض الصحابة فلعنها، فقال ﵊: لا تلعنها، فإنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم).
هذا هو الإيمان، نحن نقول: عمقوا الإيمان في النفوس حتى يشيع الأمن في المجتمع، وتشيع الرحمة، وينتشر الخير، ويعم السلام الحقيقي، لا السلام المفروض بقوة الأسلحة وبكثرة الشرط.
стр. 683
سكينة النفس وطمأنينة القلب
إن الذي تتضح رؤيته الفكرية، يعرف الإجابة عن الأسئلة العظمى: من أين جئنا، وإلى أين سنذهب، ولماذا خلقنا؟ نحن نعرف لماذا خلقنا، وما هو دورنا في هذه الحياة، وما يكون بعد هذه الحياة، ونعرف كذلك أن الكون كله مسير بأمر الله، وأنه لا ينفذ فيه شيء إلا بقضاء الله، ولا يغير ولا يدبر شيء في هذا الكون إلا الله، فنفوسنا حينئذ مطمئنة، وسكينتنا مستقرة، وقلوبنا ليست في حيرة ولا شك ولا خوف ولا هلع.
ونحن نعلم أن تقلبات الظروف والبلايا والرزايا والمحن والفتن تحيط بالناس، فإن لم يكن عندهم يقين راسخ، وإيمان ثابت؛ فإن ذلك يصيبهم بجزع يجعلهم ينكصون على أعقابهم، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، وقد وصف الله ذلك بأنه الخسران المبين، ولذلك نبقى على هذه الطمأنينة والسكينة؛ لأنها هي التي تفيض هذه المعاني النفسية الباطنية القلبية في الإنسان المؤمن، يقول الحق جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
والله بين أن اليقين والإيمان هو الذي يجعل الإنسان ثابتاً في وجه المشكلات، فكم من الناس تحل به نكبات أو مشكلات فينزلها على إيمانه، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويردد: إنا لله وإنا إليه راجعون، يلهج بـ: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإذا به يشعر بالطمأنينة والسكينة، وتتبدد أمامه تلك المخاطر، ويتيسر أمامه العسير، ويصغر في ناظريه العظيم بما يفيض في قلبه من السكينة والطمأنينة، وغيره مرتجف مضطرب متحير متشكك خائف جزع متراجع متخاذل؛ لأنه يفتقد قوة إيمانه ويقينه، ولو أردنا أن نفيض في الأمثلة لوجدنا عجباً في سيرة النبي ﵊، وفي سيرة أصحابه رضوان الله عليهم، وهذا أمر مهم وخاصة في وقتنا وظروفنا هذه.
في غزوة الأحزاب بين الله الكرب العظيم، والخطب الجسيم، والهول الفظيع الذي حل برسول الله ﵊ وصحابته، فقال جل وعلا: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].
ماذا قال أهل الإيمان في هذه الحادثة العصيبة والمحنة الرهيبة؟ قالوا كما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً * مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣].
والمواقف كثيرة فيما بعد، ففي أحد كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، إنما يطمئن النفوس والقلوب ويسكنها هذا الإيمان فلا تضطرب ولا تجزع بإذن الله.
стр. 684
لا يستعجل المؤمنون النصر
قد يقول القائلون -وهذا يقال الآن- هؤلاء المسلمون المؤمنون ما بالهم لا ينصرون هؤلاء الكافرون المعتدون ما بالهم يسيطرون ويمد لهم في أسباب العدوان أو أسباب القوة والهيمنة والسيطرة؟! كأن بعض الناس ربما يخالط عقله ويخامر نفسه شيء من الاضطراب والحيرة والشك أو التبديل والتغيير، والله يقول على لسان رسوله ﵊: ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، أي: إن كانت عندكم أفكار قد اضطركم إليها أو قذف بها إليكم واقع معين؛ فإن الثوابت هي التي تحكم عليه والتي تضبطه.
وقد جاء أن خباب بن الأرت ﵁ قال لرسول الله ﵊: (ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟) وقد بلغ الأمر مبلغه في البلاء والإيذاء الذي حل به وببعض الصحابة رضوان الله عليهم؛ فأخبرهم النبي ﵊ بحال من كان قبلهم ممن تعرضوا للعذاب الشديد، ثم قال ﵊: (والله ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، لم يجبهم إلى عواطفهم، ولم يوافقهم على ضرورتهم، وإن كان يدعو لهم ﵊، لكن المنهج واضح، والرؤية جلية ليس فيها غبش، وليس في أجزائها شيء من الاضطراب مطلقاً.
ولذلك نحن لن نؤمن أبداً بالديمقراطية الغربية التي يبشرون بها، ولن نغير أبداً في أسس بناء حياتنا الاجتماعية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله لنوافق ما يقولونه من أفكار في تحرير الشعوب، أو حقوق الإنسان، أو حرية المرأة على مناهجهم المختلة، وتصوراتهم الفاسدة، ومناهجهم الزائغة؛ لأننا لسنا في شك من ديننا، بل نحن على بصيرة.
وهذا أمر مهم: فإن الأمن الفكري والثقافي هو صمام الأمان الأول، وخط الدفاع الذي إذا سقط كان الاضطراب فيما جاء بعده كما نرى ممن يتقاذفون هذه المقالات، ويروجون هذه الشائعات، ويزينون هذه المفتريات والمبتدعات؛ لأنهم ليسوا على بينة من أمرهم، كما قال الله هنا: ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، وكما قلت: ليس حديثنا مستفيضاً في كل نقطة، وإنما هي ومضات.
стр. 685
الإيمان نور للبصيرة ورشد للعقل
إن الإيمان يورث رشد العقل، ونور البصيرة، فيصبح المؤمن على بينة من أمره، يعرف الحق من الباطل، ويعرف الحق معرفة جلية واضحة لا يلتبس فيها معه غيره من الباطل، ثم يثبت على ذلك لأنه يرجع إلى أصل أصيل، وركن ركين، وأساس متين مرتبط بما لا يتغير ولا يتبدل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا يسمونه اليوم (بالأمن الثقافي والفكري)، لا تتبدل أفكارنا، ولا تتغير تصوراتنا حتى وإن عظم القائلون بما يخالفنا، وإن أكثروا منه ونوعوا أساليب عرضه، وتفننوا في الإغراء به، ولئن شددوا أو أرهبوا في ضرورة التزامه؛ فإن ذلك عند أهل الإيمان لا يغيرهم مطلقاً، ولا يمكن يوماً من الأيام أن نغير شيئاً مما هو ثابت قاطع في حقائق الإيمان من آيات القرآن وهدي المصطفى العدناني ﷺ .
ولعلي أشير إلى معنى تتجلى به هذه الحقيقة في آية من كتاب الله : ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧].
تأملوا أيها الإخوة في هذه الآية؛ فهي تحمل وضوح وبيان منهج سديد ليس من أفكار عقولنا، ولا من اجتهاد علمائنا، ولا من مجامع فقهائنا، كلا.
بل هو من الله ، فهو معصوم كامل لا نقص فيه، صحيح لا باطل معه، ثابت لا شك يعتريه مطلقاً، ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾، إن كذبت الدنيا كلها وخالفت فلا يعني أن نعود لنراجع، أو نبحث لنصحح، أو نجتمع لنرى هل هذا ما زال عاملاً وفاعلاً وصحيحاً أم أننا -كما يقولون- نحتاج إلى إعادة النظر في مناهجنا وثوابتنا وغير ذلك؟ ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.
стр. 686
أثر الإيمان والأمان في مواجهة العدوان
إن من لم يخف الله خاف كل أحد سواه، ومن لم يذل لله ذل لكل أحد سواه، ومن لم يستعن بالله استعان وطلب معونة كل أحد سواه، ونرى ذلك واضحاً جلياً في واقع حياتنا، ولعلنا عندما نستحضر الأمثلة في ذلك ندرك حقيقة الأمر.
стр. 687
كعب بن مالك ورسالة الروم إليه
وكذلك التحرر من الخوف على الرزق، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، أفإذا أعطانا غيرنا أو منعنا بدلنا؟ أفلا نرى المواقف اليوم وهي تباع وتشترى بالدرهم والدينار، أو بالجنيه والدولار، أفلا نرى ذلك الضعف والاختراق الأمني الخطير في صفوف الأمة الإسلامية منشؤه عدم وجود هذا الإيمان.
كعب بن مالك ﵁ من المخلفين الثلاثة، الذين قوطعوا ومنع الناس من الحديث معهم، قال عن نفسه: (حتى ضاقت علي نفسي، وضاقت الأرض بما رحبت).
عندما كان هذا التغير في هذا الفرد علمت الدولة العظمى بذلك، وكانت تعلم أن الصف متماسك، ولكنها قالت: لعل هذه لبنة يمكن الاختراق من خلالها، ولعل هذا الغاضب على أهله وقبيلته أو عشيرته وأهل ملته؛ لعله أن يكون مهيئاً لينتقل إلى صفوفنا، وليكون من أوليائنا، ولنجعله سهماً ورمحاً نطعن به في خاصرة أعدائنا، قال كعب بن مالك: فإذا رجل من الأنباط يسأل عني، فأشاروا إلي، فأعطاني رسالة فيها: قد علمنا أن صاحبك قلاك -أي: هجرك- ولم يجعلك الله بأرض مضيعة، فالحق بنا نواسك.
أي: تعال إلينا وسوف نعطيك ونعطيك ونقدم لك والذي يبيع موقفه يباع كما باع، والذي يذل لا يلقى شيئاً من دنياه ولا أخراه، وهذه قضية مهمة لعلنا نجعلها في أولى الأولويات في قضية الآثار الإيمانية، وللشافعي ﵀ مقالة جميلة يقول فيها: أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبراً همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة قهراً
стр. 688
الفضل بن دكين وفتنة المال
من كان يوقن بذلك فإنه لن يبيع نفسه بدرهم ولا ديناراً، فهذا الفضل بن دكين من علماء الإسلام، عند فتنة خلق القرآن كان ممن يدرسون ويأخذون أجراً من بيت المال، فلما دعي إلى هذه الفتنة امتنع منها، قالوا: إذاً نقطع عنك عطاءك؛ فأي شيء صنع؟ قال: ما دنياكم التي عليها تحرصون إلا كزر قميصي هذا، ثم خلعه ورمى به في وجوه القوم.
هذه قوة تستعصي على أي انجذاب أو تغيير أو تمييع أو استمالة.
وكذلك فعل بأحد السلف في فتنة خلق القرآن وقطع عنه رزقه، وكان كما قال الذهبي في ترجمته: وكان في بيته أربعون نفساً -يعني: أسرته ومن يعولهم- فلم يفكر كيف سيأكلون؛ أو كيف سوف يؤمن حياتهم؟ لأن يقينه بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، قال الذهبي في السير أنه قال: فما جاء الليل إلا وطارق يطرق، ففتحت فإذا رجل شبهته بسمان قال: وإذا به يدفع لي كيساً فيه ألف دينار، ثم يقول: ثبتك الله كما ثبت هذا الدين، وإذا كان آخر كل شهر كان مثل ذلك، ومن يتق الله يرزقه من حيث لا يحتسب.
وهذه قضايا إيمانية مهمة في أحوالنا الملمة نحتاج إلى أن نتأملها ونتدبرها.
стр. 689
حبيب بن زيد ومسيلمة الكذاب
ونعرف في هذا أمثلة كثيرة، لعلي أختم بمثال حبيب بن زيد ﵁ يوم بعثه الرسول إلى مسيلمة الكذاب، فكان يقول له: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيعيد عليه مسيلمة ويريده أن يقول: وأن مسيلمة رسول الله، فيقول: لا أسمع، فيكرر عليه، فيقول: لا أسمع، فيبدأ بقطع أعضائه؛ فيقطع أذنه ويجدع أنفه، حتى قطع أوصاله وأسلمت روحه إلى بارئها وهو لم يغير موقفه، ولم يبدل، ولم يكن ذلك الذي يمكن أن يساوم على دينه، ولذلك كانت قوة الإيمان حرية لا يستطيع أحد أن يملك بها شيئاً تغير به معتقدك: قد تملك سوطاً يكويني وتهز القلب بسكين لكن سلطانك لن يرقى لذرى إيماني ويقيني وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 690
عبد الله بن حذافة وملك الروم
ولعلنا نتذكر الموقف العظيم الذي يجمع بين هذا وذاك، كقصة عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ الذي كان مأسوراً عند الروم، فجاء به ملكهم وقال له: أترجع عن دينك وأعطيك شطر ملكي؟ قال: لا.
وأعطيك كل ملكي؟ قال: لا.
ولو أعطيتني الدنيا وما فيها.
فأراد أن يأتيه من جانب آخر: جاءوا بقدر كبير مملوء زيتاً ثم أشعلوا تحته ناراً، حتى صار الزيت مغلياً، ثم أتوا ببعض أسرى المسلمين يغمسونهم في هذا الزيت فيدخل أحدهم لحماً ويخرج عظماً، وعبد الله ينظر، وبعد واحد واثنين وثلاثة دمعت عينه ﵁، فأخبر الملك، فقال: عليَّ به! ظن أنه قد لان وهان وذل وتابع وغير وبدل، فلما جاءه قال: فيم بكاؤك؟ قال: لقد علمت أن لي نفساً واحدة تغمس في هذا القدر فتزهق في سبيل الله، وودت لو أن لي بعدد شعر رأسي أنفساً تزهق كلها في سبيل الله.
لقد كان يفكر في ميدان آخر، وكانت مشاعره غير ما يفكر به أولئك الدنيويون الخائفون الجبناء الأذلاء، ولذلك قال بمقال قطري بن الفجاءة ﵁: أي يوم من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر
стр. 691
موقف أنس بن النضر في أحد
إن حقيقة الإيمان ترسخ أنه لا أحد ينفع ولا يضر ولا يقدم ولا يؤخر إلا الله، قال النبي ﷺ لغلام صغير وهو ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، من يستطيع أن يؤثر على من هذا إيمانه ويقينه؟ من يستطيع أن يؤثر على من يؤمن ويوقن بقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]؟ أنس بن النضر ﵁ لم يشهد بدراً، فقال: لئن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع، وهذا قول يمكن أن أقوله أنا وأنت، لكن إنما يتبين صدق القول عند الفعل.
جاءت غزوة أحد وشارك فيها أنس بن النضر، ووقع ما وقع لالتفاف ابن الوليد ﵁، واضطراب المسلمين، ووقوع القتل فيهم، وإذا بـ أنس حينئذ يقول: (واها لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد)! كأنما يشم رائحتها، كأنما قضايا الإيمان تجلت، وكأنما هي حقيقة منظورة ملموسة، وليست مجرد غيب غير معروف ولا ملموس، ثم انطلق يلتمس الموت ليعانقه، ويخترق صفوف الكفار والمشركين ويقاتل، وتتخطفه السيوف، وتتناوله السهام، وفي صحيح البخاري: (لم يعرفه أحد إلا أخته بشامة أو بنانة له، قال: وفي جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ليس فيها واحدة في ظهره)، فهل كان هذا يخشى الموت؟ هل مثل هذا يمكن أن يساوم على دينه؟
стр. 692
وصايا وتوجيهات في الأزمات تجاه العدو الكافر
سنذكر المهم من المسائل والتوجيهات التي يحتاجها المسلم في هذه المصيبة والملمة التي نسأل الله أن يكشفها عن الأمة، وأن يفرج عنها بإذنه .
ثمة أمور أيها الإخوة الأحبة ننبه عليها ونتواصى بها.
نريد أولاً الجوانب المتعلقة بالجهة الإيجابية، أعني بالعمل، وقبل ذلك لابد من معرفة الحقائق، وبينهما لابد من الاعتماد والارتكاز على المبادئ، إن المواقف لا تبنى على المصالح، وإن الأحكام لا تؤخذ من الأهواء، وإنما ترجع إلى الأصول الثابتة، والجمل الجامعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أول الحقائق: معرفة حقيقة أعدائنا، وهذا أمر مهم، فإن أمريكا وغير أمريكا ليس عداؤها ومواجهتها لأمة الإسلام في هذا العدوان على العراق بل هو أعظم من ذلك وأشمل وأوسع، ولا بد أن ندرك هذا، وأن نعرف من التاريخ الحديث قبل القديم هذه الحقائق، ولعلنا نشير إشارات سريعة إلى بعض ما يدل على ذلك ويوضحه ويكشفه حتى نكون على بينة من أمرنا.
هذه القيادة المعاصرة للقوة العظمى -كما يسمونها- صرح رئيسها عند توليه مقاليد الحكم قبل أن تحدث الأحداث التي جعلوها مبرراً للحرب؛ يقول في حديثه: إن لأمريكا زمن القوة العسكرية التي لا منافس لها، وطريق الأمل الاقتصادي والنفوذ الثقافي، إنه السلام الذي يأتي بعد الانتصار الساحق.
هذا هو المفهوم، وهذا هو التوجه.
وفي وثيقة السياسية الخارجية التي اتخذها هذا الرئيس أيضاً، والذي قدمها بين يدي حكمه: إنها يمينية من حيث الأيدلوجية -أي: العقيدة- ببعديها السياسي والديني تسعى لتحقيق مصلحة قومية عليا كونية، اقتصادياً وثقافياً، وتتجاوز كل تحرك أمريكا من أجل هذا على مدى القرون الماضية، إنها الحركة التي تعكس كياناً إمبراطورياً يسعى للوجود في كل بقعة من بقاع الأرض.
وفي تصريح لمدير مكتب التخطيط للسياسة الخارجية الأمريكية يقول: الهدف الأمريكي للسياسية الخارجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين هو: إدماج بلدان ومنظمات أخرى في الترتيبات التي ستدعم عالماً يتسق مع المصالح الأمريكية.
وغطرستهم وطغيانهم واضح في كل ما هو معلن مما يحتاج أن نكشفه ونقرأه، وأن نعرف به إستراتيجية الأمن القومي التي عرضت على الكونجرس الأمريكي، تقول: أمريكا ستعمل على حسم المعركة مع العالم الإسلامي، وأمريكا لا زالت مستمرة للحصول على دعم المجتمع الدولي، إلا أننا لن نتردد في اتخاذ خطوات من جانب واحد إذا لزم الأمر، وسنشن حرب أفكار لننتصر في المعركة.
ويقول نائب وزير الدفاع: ينبغي منع أي قوة معادية من السيطرة على مناطق يمكن لثرواتها أن تجعل هذه القوة قوة عظمى، كما ينبغي تثبيط عزيمة الدول المتقدمة إزاء أي محاولة لتحدي زعامتنا، كما علينا التنبه والتوقع لأي بروز يحتمل منافسة لنا على مستوى العالم.
стр. 693
مخاطر الاغتيالات
من أعظم وأخطر الاغتيالات الموجودة الآن في الساحة: اغتيال التدين الذي إذا ذهب واغتيل سفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، وفشت الفاحشة وأعلن بها والعياذ بالله! وإن أعظم خطر قاتل للتدين والورع هو خطر القنوات الفضائية، فهي التي سلبت الحياء، وأمرضت النفوس، وأضعفت الإيمان، فكانت بئس المعول، ولم تثمر لنا إلا المر والحنظل.
стр. 694
حرمة اغتيال النفوس ومفاسدها
الحمد لله جعل الإيمان عزاً وأماناً وجعل الإسلام فخراً وسلاماً، له الحمد أحسن إلينا بشريعته، وأكرمنا بطاعته، وجملنا بالتزام أحكامه، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كثيراً طيباً مباركاً دائماً ما دامت السماوات والأرض.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه وكان أبعدنا عنه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! مخاطر الاغتيالات، حديث يهمنا كثيراً، وبادئ ذي بدء: ليس حديثي مركزاً ولا مقصوراً على الاغتيالات بمعناها الذي تعرفونه، بما تشتمل عليه من قتل الغيلة، لأن الاغتيال في معناه إلحاق الشر أو القتل أو الضر بالإنسان خفيةً أو خدعةً، وكلنا يعلم هذه المخاطر من هذا المعنى المعروف، والأحداث التي جاءتنا قريباً في العاشر من هذا الشهر، وليس حديثنا عن هذا لأن حكمه معلوم، فإن القتل بغير حق حرام من أعظم الكبائر في دين الإسلام، وإن المفاسد التي تترتب على ذلك عظيمة لا تكاد تخفى على أحد، ولها أثر وخيم، وضرر كبير لا تخطئه العين.
فكل قتل بغير مسوغ وسبب شرعي ظاهر فهو من أعظم المحرمات، والقتل العشوائي الذي لا يفرق بين كبير ولا صغير، ولا رجل ولا امرأة، ولا صالح ولا طالح، هو قطعاً مما يعلم أنه ليس له في الحل والمشروعية مكان ونصيب، إذ لم يكن مقصوداً به أعداء الله من الكفرة والمحاربين المعتدين، وهناك مفاسد عظيمة ليس هذا حديثنا فيها، ومقامنا عنها، ولكننا نذكرها تمهيداً لما نريد الحديث عنه، ومنها: ترويع المسلمين، وإشاعة الخوف في قلوبهم.
وورد عن النبي ﷺ : (أن من كان معه سهام ودخل إلى مسجد، فليأخذ بنصال سهامه لئلا يؤذي أو يروع المسلمين)، فكيف ومثل هذا القتل والاغتيال يجعل كل أحد يرى أنه قد يكون هو الضحية في ذلك؟! فلا يكاد أحد يأمن على نفس وروح، ولا على مال وملك، ولا على عرض وشرف.
وفيه مفسدة أخرى وهي الاستهانة بالدماء، وهي من أعظم ما حرم الله وعظم شأنها، حتى قال النبي ﷺ : (إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء).
الدماء وما أدراك ما الدماء، كل شيء يهون بعد الإيمان والاعتقاد الصحيح، قال ﷺ (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).
وهذا القتل العشوائي الكبير الواسع كأنما يجرئ الناس على هذا الفعل، ويجعل النفس رخيصة لا قيمة لها، وذلك ليس من أحكام الإسلام، ولا من مقاصده، بل هي على النقيض من ذلك، وفيها مفسدة حصول الفتنة والاضطراب، وحيرة الآراء، وتبلبل الأفكار، واختلاف الظنون، وحصول كثير من هذه الأمور العظيمة التي تضطرب بها الأحوال، إضافة إلى إفادة أعداء الإسلام والمسلمين، فإن التفريق ليس بحاصل على وجه يدركه العاقل، بحيث يكون تمييزاً تاماً وكاملاً بين مسلم وآخر، ثم هو من جهة أخرى إضعاف لمواجهة الكفرة المعتدين المحتلين، لأن كل جهد يصرف في باب غير بابه، وفي أولوية غير أولويتها لا شك أنه يؤثر، وهذا أمره ظاهر بين، ولذا لا أفيض فيه.
стр. 695
اغتيال التدين والورع
ومقصدي الأعظم هو نوع آخر من الاغتيالات لا يقل خطراً ولا يستهان به ضرراً، ولا يغفل عنه فتكاً، إذ هو اغتيال ينفذ إلى سويداء القلوب، وإلى أعماق النفوس، إنه اغتيال يجتث أصول وجذور التدين من قلوب المؤمنين، وهو إلى ذلك ينزع عنهم ما يجملهم من الأخلاق الفاضلة والقيم السامية، فيمسخهم حتى يصيروا كالبهائم والحيوانات، لا تعرف في حياتها إلا شهوة بطنها وفرجها.
ذلكم الاغتيال الذي يسري بين صفوفنا، وتتشربه عقولنا، ويتسرب إلى نفوسنا، ويجوس بين ديارنا، ويختطف أبناءنا وبناتنا، ويغزونا في عقر دارنا، ويجري على ألسنتنا، ولا تخطئه عيوننا، ولا أسماعنا، أفلا ترون أنه أشد خطراً من قتل تزهق به النفس مرة واحدة؟! وقتل الروح والبدن أعظم من قتل الإيمان والخلق، فإن الإنسان بلا إيمان ولا أخلاق ليست له قيمة في دنياه، وليس له في الآخرة إلا جهنم وساءت مصيراً، ثم لا يرتقب منه إذا تجرد من إيمانه وخلقه، إلا كل فساد وضرر وخطر، ليس على نفسه فحسب، بل على البشرية كلها.
стр. 696
تعريف الورع وفضله في الدين
أولاً: اغتيال الورع والتدين: أيها المؤمنون! أيها المسلمون! يا أتباع محمد ﷺ ! يا من تستضيئون بضياء آيات القرآن، وتسترشدون بهدى رسول الله ﷺ ! إن أعظم ثروة تملكونها، وأغلى قيمة تنطوي في صدوركم وقلوبكم هو ذلك الإيمان الذي يشع بالتدين والخوف من الله، والمراقبة له، والحياء منه، والرغبة والشوق إليه، ذلكم المعنى العظيم الذي يتحقق به الورع.
ومن جميل ما في لغة العرب أنهم يقولون: إن الورع هو الكف عن المحارم والتحرر منها، وقال المناوي ﵀: الورع ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق.
وقيل في معناه: تجنب الشبهات ومراقبة الخطرات.
وقيل: ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
وأجمع وأوجز ابن القيم فقال عن الورع: هو ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.
يوم تعمر القلوب بالإيمان، وتصفو وتسمو وترتفع، فيكون أدنى محرم بل أيسر ما فيه شبهة، بل ربما ما فيه حل، تبتعد عنه طلباً للكمال، وسمواً إلى مرضاة الرحمن ، فلا تجد إلا بصراً غاضاً عن الحرام، ولساناً كافاً عن الآثام، وجوارح متزينة بزينة التقوى، متحلية بحلية الإيمان.
ولذلك انظروا إلى كلام علمائنا وأئمتنا وهم يجلون لنا هذا المعنى العظيم في التدين والورع، فيقول الراغب: إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب وهو في ترك المحارم، ومندوب وهو في ترك الشبهات، وفضل وهو في ترك بعض المباحات، هذا التدين والورع والمراقبة التي نكاد اليوم نفقدها إلا من رحم الله.
استمعوا إلى حديث حذيفة بن اليمان وهو يروي عن رسول الهدى ﷺ كلمات من جوامع كلمه، يقول فيها ﵊: (خير دينك الورع) رواه البزار والطبراني والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
وكلكم يستمع ويذكر الحديث المشهور عن وابصة بن معبد ﵁، قال: (جئت أسأل النبي ﷺ عن الإثم، فقال: جئت تسأل عن الإثم؟ قلت: يا رسول الله! ما جئت إلا لذلك، فقال: ﵊: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس) رواه الإمام أحمد وجود المنذري إسناده.
أي قلب هذا الذي نستفتيه اليوم وهو اليوم يكاد يفتي في المحرمات المقطوع بها بأنها حلال زلال، أصفى من الماء؟ وأي صدور تلك التي تضيق بالمنكرات، وقد أصبحت في كل حركة وسكنة، وفي كل لحظة وثانية، وفي كل مكان حتى في عقر البيوت؟
стр. 697
منهج الإصلاح في القرآن والسنة
لقد وضع الشرع الحكيم للإصلاح منهجاً قويماً، بحيث لو طبق الإصلاح وفق هذا المنهج لانتشر العدل والأمن والرخاء والطمأنينة والسكينة، وللإصلاح منطلقات وضوابط، ومن أهم منطلقاته الإيمان بالله ، والتقوى والاتباع، وله أيضاً حقيقة، وهي: منع الظلم والبغي المتفشي في المجتمع بالطرق السليمة الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 698
أهمية منهج الإصلاح في القرآن والسنة
الحمد لله خلق الخلق، ووهب الرزق، وقدر الأقدار، وكتب الآجال، أحمده جعل القرآن هداية وعصمة، والسنة سلامة وحكمة، وجعل الاستمساك بهما نجاة من كل فتنة، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى ومنار التقى، معلم البشرية وهادي الإنسانية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجعلنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بصرنا من العمى، وأرشدنا من الغواية، وكثرنا الله من بعد قلة، وأعزنا الله به من بعد ذلة، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن منهج الإصلاح في القرآن والسنة موضوع يهمنا جميعاً، ونفتقر إليه كثيراً، فيه النور الذي يبدد الظلمات، والعصمة التي تمنع من الفتنة، والحكمة التي تمنع من الطيش، ولا شك أننا -معاشر المؤمنين- نوقن بأن الخير كله والهدى كله والصلاح كله مستودع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفيهما جمع كل متفرق، وتأليف كل مختلف، وفيهما بيان كل حق، ودحض كل باطل، ومن هنا فإن المؤمن الحق والمسلم الصادق ينبغي عليه أن يحقق واقعاً لا قولاً، وأن يجتهد فهماً وتطبيقاً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإننا في عصر اضطربت فيه الآراء، واختلطت فيه الأهواء، وتكاثر فيه الأعداء، ولا شك أن ذلك كله موجب ودافع إلى العود إلى المنبع الصافي الذي لا تشوبه شائبة، وإلى المنهج الكامل الذي لا يعتريه نقص، وإلى المسلك المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 699
الإصلاح مبدؤه وأساسه وضوابطه وحكمه
الإصلاح من الذي يؤهل له؟ ومن الذي ينبعث إليه ويندب إليه؟ أول الإصلاح ومبدؤه هو الإيمان بالله ، والاستسلام لحكمه وشرعه، فنحن نوقن أنه لا صلاح ولا إصلاح لأحوال الخلق أجمعين ولأحوال المسلمين بخاصة إلا من منطلق الإيمان وحكم الإسلام، وغير ذلك لا بد أن يكون فيه قصور ونقص واضطراب واختلاف؛ لأن الله جل وعلا هو خالق الخلق، وهو العالم بما يصلح شئونهم ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ومنطلق الإيمان هو أول هذه المنطلقات وأساسها: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام:٤٨]، ولو مضيت وتأملت آيات القرآن لوجدتها تربط بين الإيمان والإصلاح، وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقاً عليه؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح بغير المنطلق الإيماني والمنهج الإسلامي ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٣٥] لا ينبعث إلى الإصلاح إلا من اتقى الله وعمر قلبه بخشيته وتقواه؛ لأن ذلك عاصم له بإذن الله من أن يخوض فيما لا ينبغي الخوض فيه، وأن يقترف ما يحرم وما يحول بينه وبين التحقق بتقوى الله جل وعلا، ثم إننا كذلك نلمح الأمر في كلتا الآيتين بذكر الرسل والأنبياء قبل ذكر الإصلاح، وذلك فيه إشارة إلى منطلق مهم، وهو أن المنطلق للإصلاح مع الإيمان والتقوى هو اتباع الرسل والأنبياء صفوة الله من خلقه صلوات الله وسلامه عليهم، فنحن هنا نقرأ قوله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥]، ثم يأتينا من بعد ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام:٤٨]، ويأتينا كذلك ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [الأعراف:٣٥]، وأظهر من ذلك -أيضاً- ما كان بين موسى وهارون ﵉ عندما عهد موسى إلى أخيه قائلاً: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢].
إن السير على آثار النبوة واقتفاء منهج السنة التي جاء بها رسول الله ﷺ عصمة من كل فتنة، وأمان من كل خوف، وحق لا يداخله -بإذن الله شيء من الباطل، ورسول الهدى ﷺ يعلمنا ويبصرنا فيقول: (العلماء ورثة الأنبياء) والوارث إنما يأخذ إرثه ممن ورثه، فلا حظ ولا نصيب ولا شيء عند أهل العلم إلا ميراث النبوة، مما جاء به سيد الخلق ﷺ في كتاب الله وفي سنته وفي سيرته وفي هديه الذي تمثل في سائر جوانب الحياة، سلم وحرب، حل وسفر، مع الأصدقاء ومع الأعداء، في كل جانب من جوانب الحياة لنا من سنته هدي، ولنا في سيرته بصيرة ﷺ ، انظر إلى تأكيده وبيانه لهذا الأمر، فعندما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (بم تحكم؟ فقال معاذ: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ .
قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو -أي: في ضوء كتاب الله وسنته-.
فضرب النبي ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) إنه المنهج الذي لا بد منه لكل آخذ بسياسة الناس، أو عامل في مجال إصلاحهم، أو ساع في تبصيرهم ودعوتهم، ثم هاهو ﷺ -أيضاً- في وصيته لـ معاذ يبصره ويبين له المنهج، ويعطيه المفاتيح التي يصل بها إلى الغاية ويحقق النجاح، يقول له ﵊: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) وهكذا نجد هذا المنهج في منطلقات الإصلاح بيناً واضحاً، أساسه الإيمان، وحكمه وضابطه الإسلام، وحاديه تقوى الله ، وإمامه اتباع المصطفى ﷺ ، فمن أراد إصلاحاً فهذا هو المنطلق.
стр. 700
حقيقة الإصلاح في الكتاب والسنة
إن علينا أن ندرك حقيقة الإصلاح من كتاب الله ومن هدي المصطفى ﷺ ، ما هو هذا الإصلاح؟ ما هو الذي يقع به ما نؤمله ونرجوه من هذا الإصلاح؟ قال : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٨٢].
إذاً هذا الإصلاح هو منع للظلم والإثم، وإن كانت الآية في شأن الوصية والموصي، لكن المقصد أنه إذا وجد الجنف والظلم والاعتداء ولو من غير قصد، أو إثم ومعصية وهي التي يكون فيها العلم والقصد فإن الإصلاح هو الذي يرد ذلك، وإن حقيقته أن يحول بين الناس وبين هذا الظلم أو ذلك الإثم.
وحقيقة أخرى في الإصلاح ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٩]، والآية قد جاءت بعد ذكر حكم السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، ثم جاءت هذه الآية: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة:٣٩] لتدلنا على أن الإصلاح يمنع الظلم والإثم ويدعو إلى الخير والإحسان.
ثم هو كذلك مانع لأعظم سبب من أسباب الفساد التي تقع في الأرض فتزهق بها الأرواح وتذهب بها عصمة النفوس، ويختل بها نظام الأمن، ويقع فيها من الشرور والمفاسد ما لا ينضبط ولا يحصر أولاً ولا آخراً، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وذلك مؤذن بأن حقيقة الإصلاح منع للقتل والاقتتال ولإزهاق الأرواح، ولما يترتب على ذلك من اختلال الأمن، ومما يترتب عليه من شيوع الفوضى -نسأل الله السلامة-، فمنع هذا أمر مهم.
ويلحق به كذلك أن من حقيقة الإصلاح بقدر الطاقة والاستطاعة منع الاختلاف والتنازع، فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وجاء في قصة الأنفال واختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في شأنها في بدر في أول غزوة تكون لهم فيها تلك الغنائم عندما قالت كل طائفة قولاً، فجاء قوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] فجعل ذلك الإصلاح مانعاً للاختلاف، وذلك بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وذلك أمره بين واضح.
стр. 701
صورة عملية تطبيقية لمنطلقات الإصلاح في القرآن والسنة
ننتقل إلى مثل قرآني لعله يجمع صورة عملية لهذه المنطلقات وتطبيقاتها في شأن الإصلاح، في قصة نبي من أنبياء الله ، وهو شعيب ﵇ في خطابه لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] هذه صورة متكاملة ومنهج واضح وتطبيق عملي في خطاب يعلن المبادئ ويبين المسالك، ويظهر الاعتماد والقاعدة التي يكون منها الانطلاق (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي).
فلا انطلاق قبل وضوح الرؤية، وقبل بيان الحكم، وقبل معرفة الحق من الباطل، وقبل إزالة الالتباس والاشتباه، كما بين هنا (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا).
ثم التزام الإصلاح قبل الدعوة إليه من أعظم أسباب نجاحه، ومن أعظم الأسباب الدالة على صدق الداعي إليه (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: كيف أزعم الإصلاح وحقيقة القول الذي أقوله يترتب عليها الفساد، وحقيقة الفعل الذي أفعله يقع منه ما يعارض هذا الإصلاح؟! فإن مثل ذلك لا شك أنه ينقض هذه الدعوى ويبطلها ويعريها عن حقيقتها، وإن كان لصاحبها نية فعلم نيته عند ربه.
ثم نلحظ كذلك قوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، وهنا أمر مهم ومقصد عظيم، وهو الإخلاص في الإصلاح، إنه إصلاح لا يريد تحصيل مصالح شخصية، إنه إصلاح لا ينطلق من نوازع نفسية، ولا من صراع شخصي، ولا من أهواء في نفوس من يزعمون ذلك الإصلاح، ولا يكون ردود أفعال عاطفية ولا حماسة طائشة، إن معاشر المسلمين لا ينطلقون إلى أمر ولا يتقدمون إلى فعل إلا وقد تحروا أمرين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً: الأمر الأول: البينة الواضحة في الحكم الشرعي بأدلته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الأمر الثاني: الاجتهاد الخالص المخلص فيما يظن أنه يترتب على الفعل من المصالح والمفاسد والموازنة بينهما، فما رجح من المصالح على المفاسد كان الأولى فعله، وما رجحت مفاسده على مصالحه فالأولى تركه وإن كان مباحاً أو جائزاً، بل ربما يكون مندوباً أو في بعض الأحوال واجباً، لكنه في حال يترتب عليه مفاسد كبرى قد يكون فعله مع تصور ذلك محرماً، مع كونه في الأصل واجباً.
وهذا فقه بثه العلماء وساقه قبلهم رسول الله ﷺ عندما ترك أموراً لئلا تترتب عليها مفاسد، كما روى البخاري من حديث عائشة ﵂ أن رسول الهدى ﷺ قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام لنقضت الكعبة وأعدت بناءها وجعلت لها بابين) وبين البخاري ذلك في ترجمته، وبينه ابن حجر في شرحه، وبين أن من الفوائد أنه يمكن أن تترك المصلحة إذا خشي أن تكون هناك مفسدة أعظم، وذلك مبثوث في كثير من المواقف التي كانت في سيرة المصطفى ﷺ ، ولعل من أجلاها وأظهرها أنه ﵊ اعتمر وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في عمرته الشهيرة بعمرة القضاء في العام السابع من الهجرة والكعبة حولها الأصنام، وعلى الصفا والمروة إساف ونائلة، فهو ﵊ لم يهدم من تلك الأصنام صنماً، ولم يبصق عليها ولم يسفّهّا، لكننا نوقن جميعاً أنه كان يبغضها، وكان يتمنى لو أزالها، لكنه كان ﵊ يعلم أن لكل حادث وقته، ولكل عمل ما ينبغي أن يتدرج فيه وأن تتوافر أسبابه، وقد كان ﷺ في عهد وصلح مع كفار قريش، فالتزم عهده وأوفى بذمته، ومن بعد عام تيسرت الأمور وجرت الأقدار، فجاء فاتحاً يطعن هذه الأصنام وتتهاوى وتتكسر، ورسول الهدى ﷺ يقول: (﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]).
стр. 702
طرق الإصلاح ومعالمه
لدينا كثير من الأبواب والمسالك التي هي من طرق الإصلاح في كل أمر من الأمور، ولها معالم كثيرة، ومن أولها وأبزرها التعليم والإرشاد، فإن الناس قد عمهم -إلا من رحم الله- جهل كبير بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وبمعرفة أحكام الإسلام ومقاصده الكبرى وقواعده العظمى، وموازينه وضوابطه التي يعرف بها الترجيح بين الأدلة عند تعارضها واختلافها، والترجيح بين المصالح والمفاسد، وغير ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي أن يشيع علمها في عموم الأمة، وأن تكون موضع اهتمام ورعاية وتعمق وتخصص عند علمائها ودعاتها والمتصدرين فيها لأي أمر من أمور الخير والإصلاح والدعوة والإرشاد.
المعلم الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، ورسول الهدى ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) فما بالنا نترك هدي النبي ﷺ وحثه وحضه وبيانه وتفصيله لهذه الشعيرة وأهميتها وطرق ممارستها في كل الجوانب، وفي كل الجهات المختلفة؟ كما نعلم من كثير من أحاديث المصطفى التي يضيق المقام عن ذكرها، كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ الحديث المشهور: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وبيانه ﷺ لصور كثيرة مختلفة في هذا الشأن، فأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وأين الدعوة بأساليبها الحكيمة ومواعظها الحسنة ومجادلاتها اللطيفة؟! أين ذلك في واقع الأمة؟ هل استنفدت أغراضها؟ هل تعلم الجاهلون؟ هل تذكر الغافلون؟ هل حذر الذين يسرفون على أنفسهم بالمعاصي؟ إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
المعلم الثالث: التدرج وحسن سياسة الناس؛ فإن الأمور لا تأتي طفرة، وإن الإصلاح لا يأتي دفعة، وإن هذا الذي يمكن أن يظن أنه يصلح في كثير من الأحوال عندما لا يأخذ بالهدي النبوي والنهج القرآني يفسد ولا يصلح.
هذا عمر بن عبد العزيز -وكلنا يعلم من هو خيراً وصلاحاً وتقىً وعدلاً وإنصافاً وزهداًَ- يدخل عليه ابنه فيقول له: ما لك لا تنفذ الأمور فتصلح الفاسد وتقوم المعوج وتلزم الناس الحق، فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور؟! فيقول عمر -ولا نستطيع أن ننافسه ﵀ في إيمانه وتقواه، ولا في غيرته وحميته، ولا في علمه وبصيرته، ولا في حنكته وحكمته- يقول ﵀ في هذا الشأن: يا بني! إن الله ذم الخمر في آيتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.
لم يمنعه من ذلك أنه لا يعرف أن هذه أمور مطلوبة أو مرغوبة أو مستحبة، لم يمنعه من ذلك أنه لم يكن غيوراً على دين الله حريصاً على نشر الخير، لكن البصر والبصيرة، لكن الحكمة في سياسة الأمة، لكن الحنكة في إنفاذ الإصلاح دعت عمر -وهو حاكم وخليفة وسلطان- أن يتأنى وأن يحسن السياسة والإصلاح، فما بال من يكون ليس في علمه ولا في سلطانه ولا في مقام تقواه وإيمانه؟ نسأل الله السلامة.
ثم انظر إلى ما وراء ذلك من أمور كثيرة، وأحوال عظيمة، وأصول شرعية مانعة جامعة، ومن أبرزها أن الإصلاح في ديار الإسلام لا ينطلق من منطلق الفرقة وضياع العصمة، والبدء بخلع السمع والطاعة والإمرة والإمارة، فإن ذلك لا يُتحدث عنه سياسة، ولا ينبغي أن يُتحدث عنه نفاقاً ومداهنة، بل هو مما جاءت به الآيات ونصت عليه أحاديث رسول الله ﷺ ، بل جاء في تفصيل الأحاديث النبوية ما قد يعجب له بعض الناس، من ذلك التشديد والتأكيد على مجتمع المسلمين على السمع والطاعة، والحرص على الجماعة، فإن ذلك من أعظم الأمور وآكدها، كما قال المصطفى ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.
قالوا: يا رسول الله! هل ننابذهم؟ قال: لا.
ما أقاموا فيكم الصلاة) وسأله السائل فيما جاء في حديث حذيفة الطويل في الفتنة: (فماذا أفعل إن أتي بي إلى الصف؟ قال: خذ سيفك ودقه بحجر) أي: لئلا يكون لك مشاركة في أمر يكون به إزهاق أرواح المسلمين، وفي الفتنة التي تعم مجتمعاتهم.
(فقال: يا رسول الله! أرأيت إن أتي بي بين الصفين؟ قال: إذاً يبوء بإثمه وإثمك).
وهناك كثير من الأحاديث تبين لنا أمراً مهماً، وهو أن الخلل والنقص ووجود بعض الانحراف القليل مع وجود عصمة جامعة للأمة وإمرة ضابطة لأمورها، فإن الهدي النبوي في معالجة الأمر لا ينزع -قطعاً- إلى خروج عن هذه الطاعة؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكثيرة التي ذكرها العلماء، ومن ذلك ما ذكره ابن بطال فيما نقله ابن حجر في حكمة هذه النصوص النبوية التي تمنع من سفك الدماء والخروج على الطاعة، قال: فيه حقن الدماء، وتسكين الدهماء.
وذلك يمنع الفوضى التي رأينا مثيلاً لها في البلاد المسلمة التي انفرط عقدها، والتي عظمت فيها الفتنة والرزية، والتي تجاوزت فيها بعض هذه البلاد أكثر من عقد من الزمان والأمن فيها مختل، والحال فيها سيئ، والتعليم فيها منقطع أو مضطرب، وحياة الناس في كرب، وأمر الإسلام وإقامته وشرائعه لم تتحقق على ما كان يظن أو يتوهم أو يقول أولئك القوم في تلك البلاد أو غيرها.
وهذا من الأمور المهمة، نسأل الله أن يبصرنا بحقائق ديننا في كتاب ربنا، وأن يبصرنا ببينة أمرنا في سنة نبينا، وأن يجعلنا أبعد ما نكون عن الفتنة والمحنة، وعما يترتب عليه الفساد والإفساد، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 703
نماذج من مواقف السلف تجاه اجتماع الأمة وإصلاحها
إن من أعظم التقوى الحرص على مصالح المؤمنين وإصلاح مجتمعاتهم، والبعد عن كل ما يشيع فيهم الفساد، أو يذهب عنهم عصمة الدماء والأموال وغير ذلك، ولعلنا عندما نريد أن نؤكد مثل هذا النهج نراه في سير الأصحاب رضوان الله عليهم، وفي سير الأسلاف من التابعين ومن جاء بعدهم من مشاهير الأئمة والعلماء الذين نجزم أنهم أعظم إيماناً وأغزر علماً وأقوى حجة وأشد غيرة لدين الله مما قد يكون عندنا، ولذلك أذكر بعض المواقف وغيرها كثير وكثير.
فهذا الصحابي الجليل ابن عمر ﵁، الذي كان ممن ذهب مع كثير من الصحابة إلى الامتناع عن القتال في الفتنة، ولقد استمع إلى خطبة لـ معاوية ﵁ وأرضاه في اجتهاده بعد تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ له بالخلافة فكان يقول: من كان عنده كلام فليتكلم به، فإنا أعلم بذلك منه ومن أبيه.
قال ابن عمر ﵄: فكنت أريد أن أقول: (أحق منك بهذا من قاتلك وأباك على الإسلام.
ولكن خشيت أن أقول كلمة تفرق جمع المسلمين ويسفك بها الدم).
ذلك هو منطلق الإيمان، وتلك هي عصمة التقوى، وتلك هي بصيرة العالم بترجيح المصالح والمفاسد، وذلك ما فعله سعيد بن المسيب ﵀، كان من أئمة التابعين الكبار الذين كانت لهم مواقف مشهورة مذكورة في قول الحق وفي الصدع به، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن دون أن يكون ذلك مؤذناً بفتنة أو مفضياً إلى سفك دم، أو مؤدياً إلى اضطراب وخلل في أمن الناس ومعاشهم، ولذلك كان يقول ﵀: الشيطان مع الشاذ والخارج عن الجماعة، وهو من الاثنين والجماعة أبعد.
أما الحسن البصري فكان من أئمة التابعين إيماناً وزهداً وعبادة، فقد جاور الحجاج مع ما هو معروف عنه من ظلمه وبطشه، وقالوا للحسن: ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام وأكل المال الحرام وترك الصلاة جماعة، وما كان عليه من مخالفة السنة؟ فقال: أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبته، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
وكان ينهى عن الخروج على الحجاج، ويأمر بالكف ويقول: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل السلطان صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط.
стр. 704
حكم الخروج على السلطان وإشاعة الفوضى في المجتمع المسلم
هكذا نجد المواقف الكثيرة التي استنبطت مثل هذا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن هذا ومن غيره مما أسلفناه من القول يتبين لنا حرمة ما يفعل من مثل هذه الجرائم التي لا تحقق مصلحة، بل قد تزهق أرواح ليست مقصودة، حتى لأولئك الذين اعتدوا، ويصبح بذلك نوع من اضطراب وخلل في الأمن وإشاعة للفساد، ويلحق بذلك كذلك ما يتضمنه مثل هذا الفعل من رجحان تكفير أولئك لقتل هؤلاء، واستباحة أولئك لقتل هؤلاء، ونظرهم في جواز أو في وجوب الخروج عن السمع والطاعة وشق عصا الجماعة، وكل ذلك من الأمور التي دلت النصوص الشرعية على حرمتها والمنع منها.
وليس من الإصلاح كذلك الدعوة إلى الاضطراب وإلى إشاعة الخلل في المجتمع، وذلك بصور مختلفة كثيرة، فإن ما في الأمة اليوم عموماً، وما يوجه إلى البلاد التي تضم الحرمين الشريفين خصوصاً فيه من الفتنة والبلبلة ما يعتبر مثل هذا زيادة فيه وتكريساً له وإشاعة لأمور تعظم بها الفتنة ويكثر بها الفساد ولا يقع بها الإصلاح، ونحن نعلم جميعاً أن بلاد الحرمين هي خير بلاد الإسلام والمسلمين، ولا يظنن ظان ولا يقولن أحد من مسئول ولا من دونه: إنها معصومة من الخطأ، وإنها كاملة لا نقص فيها، وإنه لا يوجد خلل أو لا يوجد تجاوز أو استعمال لبعض السلطات والمسئوليات في غير موضعها، لكن علاج ذلك بالمنهج النبوي والقرآني من المناصحة والصبر والتدرج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك نحن اليوم في أمس الحاجة إلى أن ندعو إلى زيادة التعليم الديني والإسلامي، وإلى زيادة أنشطة الدعوة وتبصير الناس بها، وإلى زيادة بيان الحق للناس في أمور ومجامع كثيرة؛ لأن غياب مثل هذه الدعوة وعدم معرفة هذه المسائل، وتقليص التعليم الديني أو الهجوم عليه -كما يفعل بعض الكتاب جهلاً أو قصداً- إنما يؤدي إلى اتساع الخرق على الراقع، ويمنع من وقوع أسباب الإصلاح، ولذلك فإنه لا بد لنا أن نؤكد على الأمر المهم، وهو أننا إذا أردنا انطلاقاً إلى الإصلاح فانطلاقنا إيماني إسلامي نبوي، وأننا ينبغي أن نعرف حقيقة الإصلاح، وأنه منع للظلم والإثم والاختلاف والنزاع وسفك الدماء واختلال الأمن، فكيف يكون الإصلاح بإيقاع مثل هذه الأمور؟! فإن الذين يدعون إلى الخروج عن الطاعة، أو الذين يدعون إلى أن يكون هناك أعمال يراد بها إثارة البلبلة والقلاقل إنما يؤدي فعلهم إلى عكس حقيقة الإصلاح القرآني، وقد رأينا كذلك أمراً مهماً، وهو أن نبحث عن المنطلقات في الشخصية المصلحة بأن تكون مخلصة لله متجردة عن الهوى، ليست منطلقة من ردود الأفعال ولا من التشكي ولا من التحدي ولا من غير ذلك، فإن أمر الأمة وسياستها أعظم من أن يكون خاصاً بهذا الشخص أو ذاك، أو بهذه الفئة أو تلك، فالمصلحة الإيمانية الإسلامية أعظم وأولى أن يراعيها الجميع حكاماً ومحكومين، علماء ودعاة، عامة ومتعلمين، تأتلف عليها قلوبهم، وتجتمع لتحقيقها جهودهم، ويتنازلون لأجلها عن بعض آرائهم أو عن بعض مصالحهم، حتى يجمع الله القلوب، وندرك كذلك أخيراً أن كل أمر يقع به اضطراب أو تقع به فتنة أو يحل به شيء مما يؤدي إلى اختلاف الآراء أنه يصب في خانة الأعداء ومصالحهم، ويبرر ويوفر أسباباً لمزيد من العدوان على الإسلام وأهله، وعلى بلاد الحرمين الشريفين على وجه الخصوص، ولذلك ينبغي لنا أن نبصر هذه الأمور وأن نبصر بها، وأن لا يكون لنا غير ذلك؛ لأن هذا هو الذي نفهمه فهماً صحيحاً مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومما تواتر وتسلسل في عدد كبير من أسلافنا رضوان الله عليهم، ومما نطق به علماؤنا وأئمتنا ومشايخنا في عصرنا الحاضر، بل وأجمعت عليه كثير من المجامع الفقهية، فبعد هذا كله كيف نترك ذلك ونميل إلى رأي أو إلى قول لا يتطابق مع هذه المنطلقات، ولا ينطلق من هذه الاستنباطات، ويكون لنا من وراء ذلك ظن بأننا نصلح وأننا نحسن؟! نسأل الله أن يعصمنا من الفتنة والزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يسخرنا لنصرة دينه وعون عباده، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! إنا نسألك لهذه البلاد ولبلاد المسلمين، أن توفر أمنها، وأن تعظم وحدتها، وأن تزيد رزقها، وأن تردنا وترد المسلمين جميعاً إلى دينك رداً جميلاً، وأن تأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد والرشد والصواب، وأن تجعل في بلاد المسلمين تحكيماً لكتابك ولسنة نبيك كاملاً غير منقوص، وأن تجمع القلوب على ذلك، وأن توحد الجهود على إقراره وإمراره يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم! إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، وأن تنكس راية الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! فرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم، اللهم! خالف كلمتهم، اللهم! اجعل بأسهم بينهم، اللهم! إنا نسألك أن ترينا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، وأرنا فيهم عجائب قدرتك عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين.
اللهم! رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج كربتهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
واجعل -اللهم- لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 705
الإصلاح منطلقاته ومجالاته
للإصلاح مجالات متعددة، ولكل مجال منها ضوابط شرعية، فالواجب على المسلم أن يلتزم بتلك الضوابط الشرعية؛ حتى لا يقع في مخالفة شرع الله ودينه.
ولقد تداعت الأمم الكافرة إلى الإصلاح الشامل، والتغيير الكامل، ولكن وفق أهوائهم ورغباتهم، وبما يحقق مصالحهم ومآربهم، والغريب أنك تجد كثيراً ممن ينتسبون للإسلام قد اغتروا بهم، وساروا يدعون إلى ما يدعون إليه، فيجب الحذر من الانجرار وراءهم أو الانخداع بهم.
следующие страницы →