Полный текст (2 691 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
صورة عملية تطبيقية لمنطلقات الإصلاح في القرآن والسنة
ننتقل إلى مثل قرآني لعله يجمع صورة عملية لهذه المنطلقات وتطبيقاتها في شأن الإصلاح، في قصة نبي من أنبياء الله ، وهو شعيب ﵇ في خطابه لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] هذه صورة متكاملة ومنهج واضح وتطبيق عملي في خطاب يعلن المبادئ ويبين المسالك، ويظهر الاعتماد والقاعدة التي يكون منها الانطلاق (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي).
فلا انطلاق قبل وضوح الرؤية، وقبل بيان الحكم، وقبل معرفة الحق من الباطل، وقبل إزالة الالتباس والاشتباه، كما بين هنا (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا).
ثم التزام الإصلاح قبل الدعوة إليه من أعظم أسباب نجاحه، ومن أعظم الأسباب الدالة على صدق الداعي إليه (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: كيف أزعم الإصلاح وحقيقة القول الذي أقوله يترتب عليها الفساد، وحقيقة الفعل الذي أفعله يقع منه ما يعارض هذا الإصلاح؟! فإن مثل ذلك لا شك أنه ينقض هذه الدعوى ويبطلها ويعريها عن حقيقتها، وإن كان لصاحبها نية فعلم نيته عند ربه.
ثم نلحظ كذلك قوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، وهنا أمر مهم ومقصد عظيم، وهو الإخلاص في الإصلاح، إنه إصلاح لا يريد تحصيل مصالح شخصية، إنه إصلاح لا ينطلق من نوازع نفسية، ولا من صراع شخصي، ولا من أهواء في نفوس من يزعمون ذلك الإصلاح، ولا يكون ردود أفعال عاطفية ولا حماسة طائشة، إن معاشر المسلمين لا ينطلقون إلى أمر ولا يتقدمون إلى فعل إلا وقد تحروا أمرين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً: الأمر الأول: البينة الواضحة في الحكم الشرعي بأدلته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الأمر الثاني: الاجتهاد الخالص المخلص فيما يظن أنه يترتب على الفعل من المصالح والمفاسد والموازنة بينهما، فما رجح من المصالح على المفاسد كان الأولى فعله، وما رجحت مفاسده على مصالحه فالأولى تركه وإن كان مباحاً أو جائزاً، بل ربما يكون مندوباً أو في بعض الأحوال واجباً، لكنه في حال يترتب عليه مفاسد كبرى قد يكون فعله مع تصور ذلك محرماً، مع كونه في الأصل واجباً.
وهذا فقه بثه العلماء وساقه قبلهم رسول الله ﷺ عندما ترك أموراً لئلا تترتب عليها مفاسد، كما روى البخاري من حديث عائشة ﵂ أن رسول الهدى ﷺ قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام لنقضت الكعبة وأعدت بناءها وجعلت لها بابين) وبين البخاري ذلك في ترجمته، وبينه ابن حجر في شرحه، وبين أن من الفوائد أنه يمكن أن تترك المصلحة إذا خشي أن تكون هناك مفسدة أعظم، وذلك مبثوث في كثير من المواقف التي كانت في سيرة المصطفى ﷺ ، ولعل من أجلاها وأظهرها أنه ﵊ اعتمر وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في عمرته الشهيرة بعمرة القضاء في العام السابع من الهجرة والكعبة حولها الأصنام، وعلى الصفا والمروة إساف ونائلة، فهو ﵊ لم يهدم من تلك الأصنام صنماً، ولم يبصق عليها ولم يسفّهّا، لكننا نوقن جميعاً أنه كان يبغضها، وكان يتمنى لو أزالها، لكنه كان ﵊ يعلم أن لكل حادث وقته، ولكل عمل ما ينبغي أن يتدرج فيه وأن تتوافر أسبابه، وقد كان ﷺ في عهد وصلح مع كفار قريش، فالتزم عهده وأوفى بذمته، ومن بعد عام تيسرت الأمور وجرت الأقدار، فجاء فاتحاً يطعن هذه الأصنام وتتهاوى وتتكسر، ورسول الهدى ﷺ يقول: (﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]).
стр. 702
طرق الإصلاح ومعالمه
لدينا كثير من الأبواب والمسالك التي هي من طرق الإصلاح في كل أمر من الأمور، ولها معالم كثيرة، ومن أولها وأبزرها التعليم والإرشاد، فإن الناس قد عمهم -إلا من رحم الله- جهل كبير بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وبمعرفة أحكام الإسلام ومقاصده الكبرى وقواعده العظمى، وموازينه وضوابطه التي يعرف بها الترجيح بين الأدلة عند تعارضها واختلافها، والترجيح بين المصالح والمفاسد، وغير ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي أن يشيع علمها في عموم الأمة، وأن تكون موضع اهتمام ورعاية وتعمق وتخصص عند علمائها ودعاتها والمتصدرين فيها لأي أمر من أمور الخير والإصلاح والدعوة والإرشاد.
المعلم الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، ورسول الهدى ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) فما بالنا نترك هدي النبي ﷺ وحثه وحضه وبيانه وتفصيله لهذه الشعيرة وأهميتها وطرق ممارستها في كل الجوانب، وفي كل الجهات المختلفة؟ كما نعلم من كثير من أحاديث المصطفى التي يضيق المقام عن ذكرها، كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ الحديث المشهور: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وبيانه ﷺ لصور كثيرة مختلفة في هذا الشأن، فأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وأين الدعوة بأساليبها الحكيمة ومواعظها الحسنة ومجادلاتها اللطيفة؟! أين ذلك في واقع الأمة؟ هل استنفدت أغراضها؟ هل تعلم الجاهلون؟ هل تذكر الغافلون؟ هل حذر الذين يسرفون على أنفسهم بالمعاصي؟ إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
المعلم الثالث: التدرج وحسن سياسة الناس؛ فإن الأمور لا تأتي طفرة، وإن الإصلاح لا يأتي دفعة، وإن هذا الذي يمكن أن يظن أنه يصلح في كثير من الأحوال عندما لا يأخذ بالهدي النبوي والنهج القرآني يفسد ولا يصلح.
هذا عمر بن عبد العزيز -وكلنا يعلم من هو خيراً وصلاحاً وتقىً وعدلاً وإنصافاً وزهداًَ- يدخل عليه ابنه فيقول له: ما لك لا تنفذ الأمور فتصلح الفاسد وتقوم المعوج وتلزم الناس الحق، فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور؟! فيقول عمر -ولا نستطيع أن ننافسه ﵀ في إيمانه وتقواه، ولا في غيرته وحميته، ولا في علمه وبصيرته، ولا في حنكته وحكمته- يقول ﵀ في هذا الشأن: يا بني! إن الله ذم الخمر في آيتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.
لم يمنعه من ذلك أنه لا يعرف أن هذه أمور مطلوبة أو مرغوبة أو مستحبة، لم يمنعه من ذلك أنه لم يكن غيوراً على دين الله حريصاً على نشر الخير، لكن البصر والبصيرة، لكن الحكمة في سياسة الأمة، لكن الحنكة في إنفاذ الإصلاح دعت عمر -وهو حاكم وخليفة وسلطان- أن يتأنى وأن يحسن السياسة والإصلاح، فما بال من يكون ليس في علمه ولا في سلطانه ولا في مقام تقواه وإيمانه؟ نسأل الله السلامة.
ثم انظر إلى ما وراء ذلك من أمور كثيرة، وأحوال عظيمة، وأصول شرعية مانعة جامعة، ومن أبرزها أن الإصلاح في ديار الإسلام لا ينطلق من منطلق الفرقة وضياع العصمة، والبدء بخلع السمع والطاعة والإمرة والإمارة، فإن ذلك لا يُتحدث عنه سياسة، ولا ينبغي أن يُتحدث عنه نفاقاً ومداهنة، بل هو مما جاءت به الآيات ونصت عليه أحاديث رسول الله ﷺ ، بل جاء في تفصيل الأحاديث النبوية ما قد يعجب له بعض الناس، من ذلك التشديد والتأكيد على مجتمع المسلمين على السمع والطاعة، والحرص على الجماعة، فإن ذلك من أعظم الأمور وآكدها، كما قال المصطفى ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.
قالوا: يا رسول الله! هل ننابذهم؟ قال: لا.
ما أقاموا فيكم الصلاة) وسأله السائل فيما جاء في حديث حذيفة الطويل في الفتنة: (فماذا أفعل إن أتي بي إلى الصف؟ قال: خذ سيفك ودقه بحجر) أي: لئلا يكون لك مشاركة في أمر يكون به إزهاق أرواح المسلمين، وفي الفتنة التي تعم مجتمعاتهم.
(فقال: يا رسول الله! أرأيت إن أتي بي بين الصفين؟ قال: إذاً يبوء بإثمه وإثمك).
وهناك كثير من الأحاديث تبين لنا أمراً مهماً، وهو أن الخلل والنقص ووجود بعض الانحراف القليل مع وجود عصمة جامعة للأمة وإمرة ضابطة لأمورها، فإن الهدي النبوي في معالجة الأمر لا ينزع -قطعاً- إلى خروج عن هذه الطاعة؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكثيرة التي ذكرها العلماء، ومن ذلك ما ذكره ابن بطال فيما نقله ابن حجر في حكمة هذه النصوص النبوية التي تمنع من سفك الدماء والخروج على الطاعة، قال: فيه حقن الدماء، وتسكين الدهماء.
وذلك يمنع الفوضى التي رأينا مثيلاً لها في البلاد المسلمة التي انفرط عقدها، والتي عظمت فيها الفتنة والرزية، والتي تجاوزت فيها بعض هذه البلاد أكثر من عقد من الزمان والأمن فيها مختل، والحال فيها سيئ، والتعليم فيها منقطع أو مضطرب، وحياة الناس في كرب، وأمر الإسلام وإقامته وشرائعه لم تتحقق على ما كان يظن أو يتوهم أو يقول أولئك القوم في تلك البلاد أو غيرها.
وهذا من الأمور المهمة، نسأل الله أن يبصرنا بحقائق ديننا في كتاب ربنا، وأن يبصرنا ببينة أمرنا في سنة نبينا، وأن يجعلنا أبعد ما نكون عن الفتنة والمحنة، وعما يترتب عليه الفساد والإفساد، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 703
نماذج من مواقف السلف تجاه اجتماع الأمة وإصلاحها
إن من أعظم التقوى الحرص على مصالح المؤمنين وإصلاح مجتمعاتهم، والبعد عن كل ما يشيع فيهم الفساد، أو يذهب عنهم عصمة الدماء والأموال وغير ذلك، ولعلنا عندما نريد أن نؤكد مثل هذا النهج نراه في سير الأصحاب رضوان الله عليهم، وفي سير الأسلاف من التابعين ومن جاء بعدهم من مشاهير الأئمة والعلماء الذين نجزم أنهم أعظم إيماناً وأغزر علماً وأقوى حجة وأشد غيرة لدين الله مما قد يكون عندنا، ولذلك أذكر بعض المواقف وغيرها كثير وكثير.
فهذا الصحابي الجليل ابن عمر ﵁، الذي كان ممن ذهب مع كثير من الصحابة إلى الامتناع عن القتال في الفتنة، ولقد استمع إلى خطبة لـ معاوية ﵁ وأرضاه في اجتهاده بعد تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ له بالخلافة فكان يقول: من كان عنده كلام فليتكلم به، فإنا أعلم بذلك منه ومن أبيه.
قال ابن عمر ﵄: فكنت أريد أن أقول: (أحق منك بهذا من قاتلك وأباك على الإسلام.
ولكن خشيت أن أقول كلمة تفرق جمع المسلمين ويسفك بها الدم).
ذلك هو منطلق الإيمان، وتلك هي عصمة التقوى، وتلك هي بصيرة العالم بترجيح المصالح والمفاسد، وذلك ما فعله سعيد بن المسيب ﵀، كان من أئمة التابعين الكبار الذين كانت لهم مواقف مشهورة مذكورة في قول الحق وفي الصدع به، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن دون أن يكون ذلك مؤذناً بفتنة أو مفضياً إلى سفك دم، أو مؤدياً إلى اضطراب وخلل في أمن الناس ومعاشهم، ولذلك كان يقول ﵀: الشيطان مع الشاذ والخارج عن الجماعة، وهو من الاثنين والجماعة أبعد.
أما الحسن البصري فكان من أئمة التابعين إيماناً وزهداً وعبادة، فقد جاور الحجاج مع ما هو معروف عنه من ظلمه وبطشه، وقالوا للحسن: ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام وأكل المال الحرام وترك الصلاة جماعة، وما كان عليه من مخالفة السنة؟ فقال: أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبته، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
وكان ينهى عن الخروج على الحجاج، ويأمر بالكف ويقول: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل السلطان صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط.
стр. 704
حكم الخروج على السلطان وإشاعة الفوضى في المجتمع المسلم
هكذا نجد المواقف الكثيرة التي استنبطت مثل هذا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن هذا ومن غيره مما أسلفناه من القول يتبين لنا حرمة ما يفعل من مثل هذه الجرائم التي لا تحقق مصلحة، بل قد تزهق أرواح ليست مقصودة، حتى لأولئك الذين اعتدوا، ويصبح بذلك نوع من اضطراب وخلل في الأمن وإشاعة للفساد، ويلحق بذلك كذلك ما يتضمنه مثل هذا الفعل من رجحان تكفير أولئك لقتل هؤلاء، واستباحة أولئك لقتل هؤلاء، ونظرهم في جواز أو في وجوب الخروج عن السمع والطاعة وشق عصا الجماعة، وكل ذلك من الأمور التي دلت النصوص الشرعية على حرمتها والمنع منها.
وليس من الإصلاح كذلك الدعوة إلى الاضطراب وإلى إشاعة الخلل في المجتمع، وذلك بصور مختلفة كثيرة، فإن ما في الأمة اليوم عموماً، وما يوجه إلى البلاد التي تضم الحرمين الشريفين خصوصاً فيه من الفتنة والبلبلة ما يعتبر مثل هذا زيادة فيه وتكريساً له وإشاعة لأمور تعظم بها الفتنة ويكثر بها الفساد ولا يقع بها الإصلاح، ونحن نعلم جميعاً أن بلاد الحرمين هي خير بلاد الإسلام والمسلمين، ولا يظنن ظان ولا يقولن أحد من مسئول ولا من دونه: إنها معصومة من الخطأ، وإنها كاملة لا نقص فيها، وإنه لا يوجد خلل أو لا يوجد تجاوز أو استعمال لبعض السلطات والمسئوليات في غير موضعها، لكن علاج ذلك بالمنهج النبوي والقرآني من المناصحة والصبر والتدرج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك نحن اليوم في أمس الحاجة إلى أن ندعو إلى زيادة التعليم الديني والإسلامي، وإلى زيادة أنشطة الدعوة وتبصير الناس بها، وإلى زيادة بيان الحق للناس في أمور ومجامع كثيرة؛ لأن غياب مثل هذه الدعوة وعدم معرفة هذه المسائل، وتقليص التعليم الديني أو الهجوم عليه -كما يفعل بعض الكتاب جهلاً أو قصداً- إنما يؤدي إلى اتساع الخرق على الراقع، ويمنع من وقوع أسباب الإصلاح، ولذلك فإنه لا بد لنا أن نؤكد على الأمر المهم، وهو أننا إذا أردنا انطلاقاً إلى الإصلاح فانطلاقنا إيماني إسلامي نبوي، وأننا ينبغي أن نعرف حقيقة الإصلاح، وأنه منع للظلم والإثم والاختلاف والنزاع وسفك الدماء واختلال الأمن، فكيف يكون الإصلاح بإيقاع مثل هذه الأمور؟! فإن الذين يدعون إلى الخروج عن الطاعة، أو الذين يدعون إلى أن يكون هناك أعمال يراد بها إثارة البلبلة والقلاقل إنما يؤدي فعلهم إلى عكس حقيقة الإصلاح القرآني، وقد رأينا كذلك أمراً مهماً، وهو أن نبحث عن المنطلقات في الشخصية المصلحة بأن تكون مخلصة لله متجردة عن الهوى، ليست منطلقة من ردود الأفعال ولا من التشكي ولا من التحدي ولا من غير ذلك، فإن أمر الأمة وسياستها أعظم من أن يكون خاصاً بهذا الشخص أو ذاك، أو بهذه الفئة أو تلك، فالمصلحة الإيمانية الإسلامية أعظم وأولى أن يراعيها الجميع حكاماً ومحكومين، علماء ودعاة، عامة ومتعلمين، تأتلف عليها قلوبهم، وتجتمع لتحقيقها جهودهم، ويتنازلون لأجلها عن بعض آرائهم أو عن بعض مصالحهم، حتى يجمع الله القلوب، وندرك كذلك أخيراً أن كل أمر يقع به اضطراب أو تقع به فتنة أو يحل به شيء مما يؤدي إلى اختلاف الآراء أنه يصب في خانة الأعداء ومصالحهم، ويبرر ويوفر أسباباً لمزيد من العدوان على الإسلام وأهله، وعلى بلاد الحرمين الشريفين على وجه الخصوص، ولذلك ينبغي لنا أن نبصر هذه الأمور وأن نبصر بها، وأن لا يكون لنا غير ذلك؛ لأن هذا هو الذي نفهمه فهماً صحيحاً مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومما تواتر وتسلسل في عدد كبير من أسلافنا رضوان الله عليهم، ومما نطق به علماؤنا وأئمتنا ومشايخنا في عصرنا الحاضر، بل وأجمعت عليه كثير من المجامع الفقهية، فبعد هذا كله كيف نترك ذلك ونميل إلى رأي أو إلى قول لا يتطابق مع هذه المنطلقات، ولا ينطلق من هذه الاستنباطات، ويكون لنا من وراء ذلك ظن بأننا نصلح وأننا نحسن؟! نسأل الله أن يعصمنا من الفتنة والزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يسخرنا لنصرة دينه وعون عباده، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! إنا نسألك لهذه البلاد ولبلاد المسلمين، أن توفر أمنها، وأن تعظم وحدتها، وأن تزيد رزقها، وأن تردنا وترد المسلمين جميعاً إلى دينك رداً جميلاً، وأن تأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد والرشد والصواب، وأن تجعل في بلاد المسلمين تحكيماً لكتابك ولسنة نبيك كاملاً غير منقوص، وأن تجمع القلوب على ذلك، وأن توحد الجهود على إقراره وإمراره يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم! إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، وأن تنكس راية الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! فرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم، اللهم! خالف كلمتهم، اللهم! اجعل بأسهم بينهم، اللهم! إنا نسألك أن ترينا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، وأرنا فيهم عجائب قدرتك عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين.
اللهم! رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج كربتهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
واجعل -اللهم- لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 705
الإصلاح منطلقاته ومجالاته
للإصلاح مجالات متعددة، ولكل مجال منها ضوابط شرعية، فالواجب على المسلم أن يلتزم بتلك الضوابط الشرعية؛ حتى لا يقع في مخالفة شرع الله ودينه.
ولقد تداعت الأمم الكافرة إلى الإصلاح الشامل، والتغيير الكامل، ولكن وفق أهوائهم ورغباتهم، وبما يحقق مصالحهم ومآربهم، والغريب أنك تجد كثيراً ممن ينتسبون للإسلام قد اغتروا بهم، وساروا يدعون إلى ما يدعون إليه، فيجب الحذر من الانجرار وراءهم أو الانخداع بهم.
стр. 706
الإصلاح في المجال الاقتصادي
الحمد لله جعل الإيمان في الدنيا نجاحاً، وفي الآخرة فلاحاً، وجعل الإسلام لحياة الناس صلاحاً، له الحمد كما يحب ويرضى، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
نحمده حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله جل وعلا إلى الناس كافة أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم إلى اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! حديثنا موصولاً عن الإصلاح بعد أن ذكرنا ومضات من منهج الإصلاح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
نجعل حديث اليوم عن الإصلاح مجالاته ومنطلقاته، إذ نحن بعد ذلك الحديث العام الذي ذكرنا فيه انطلاقة إيمانية وارتباطات بالتقوى وبيان لوسائل كثيرة من التدرج والانضباط الشرعي ونحوه، نخوض اليوم في بعض المجالات التي يكثر الحديث فيها عن الإصلاح، من الإصلاح الاقتصادي إلى الإصلاح الاجتماعي إلى الإصلاح السياسي، حتى وجدنا هذه المقالات وتلك الدعوات تصافح أبصارنا في كل صباح على الصفحات، وتلامس آذاننا في كل يوم عبر المحطات والإذاعات، وتعقد لأجلها الندوات، ويختلف في شأنها هل ينبعث الإصلاح من الداخل أم يأتي من الخارج أم يكون خليطاً؟
стр. 707
ضوابط الإصلاح في المجال الاقتصادي
إننا في كل حديث، وفي كل رأي، وفي كل خطة، وفي كل نظرة، ينبغي أن نكون منطلقين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وراجعين إليهما، ومسترشدين بهما، ومعتمدين عليهما.
ومن هنا نتحدث قليلاً عن بعض هذه المجالات.
وقبل كل شيء فإن كل هذه المجالات ينبغي أن نرى فيها ثلاثة أمور: أولها: المنطلق الإيماني.
ثانيها: الانضباط الشرعي.
ثالثها: الاعتبار المصلحي.
فلا خير في إصلاح ينطلق من غير منطلق الإيمان، ويسير بعيداً عن رحابه وظلاله.
ولا يمكن بحال أن يتحقق للإصلاح أثر بعيد عن الانضباط الشرعي، والرجوع إلى الأحكام الكلية والتفصيلية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولا شك أنه يضيع الإصلاح وتضيع آثاره عندما لا يكون مرتبطاً بالمصلحة العامة، ومراعياً للآداب الاجتماعية المؤسسة على قاعدة الإيمان والإسلام، فإن الذي ينطلق من الرؤى الشخصية والمصالح الذاتية تختلط به كثيراً من الأهواء والآراء الزائغة.
مجال الاقتصاد منطلقه الإيمان كما هو منطلق كل مجال إصلاحي، فالرسل والأنبياء الذين بعثهم الله إلى الأمم والبشر والخلائق، بعثهم أول شيء بالإيمان والتوحيد، وكلهم كان يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] هذا المنطلق الإيماني استخدمه موسى ﵇ ليكون هو أساس الإصلاح السياسي الذي يعالج به طغيان فرعون واستبداده، وهو كذلك المنطلق الإيماني الذي استخدمه شعيب ﵇ ليقوم الانحراف الاقتصادي من غش وتطفيف للمكيال والميزان، وأخذه كذلك لوط ﵇ ليقوم به الانحلال والانحراف الخلقي الذي تمثل في الرذيلة التي شاعت في قومه؛ ولذلك فمنطلق الإيمان هو الأساس الذي ينبغي استحضاره، كما قال الله جل وعلا لنا في شأن المجال الاقتصادي في قصة شعيب ﵇ وهو يخاطب قومه ويقول: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وبعد تأسيس هذه القاعدة يواصل فيقول: (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٨٥] إنه الإيمان ابتداءً، والإيمان انتهاءً، لماذا؟ لأنه ينشئ مملكة الضمير، وينشئ القلب الحي، وينشئ النفس المراقبة لله، وينشئ الأمل الذي يتعلق بثواب الله، ويخشى من عذاب الله ، إنه الميزان الحق والمنطلق السديد الذي به تعصم البشرية من نزغات الشياطين، ومن ضلالات الأهواء، ومن انحرافات الآراء.
والله يبين لنا هذا المنطلق الإيماني في مثل هذه القصة النبوية لشعيب ﵇، ثم ننظر إلى الانضباط الشرعي، فنرى الآيات القرآنية ومعها الأحاديث النبوية تعطينا أحكاماً كلية وتفصيلية في شئون المال.
ليس المال اجتهاداً للبشر لكي ينظروا إلى مصالحهم ويأخذوا السبيل الذي يرونه محققاً لها، بل هو في أوجه اكتسابه وفي طريقة إنفاقه وفي كل ما يترتب عليه من الحقوق وما ينبني عليه في التعاملات من العقود؛ مبني على ما جاء في الكتاب والسنة من الأحكام ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] وكم جاءت الآيات مفصلة في الرهن والبيع والشراء؟! وكم جاءت أحاديث المصطفى ﷺ تبين هذه المعالم في نصوص كثيرة معلومة ليس هذا مقام ذكرها أو حصرها؟! ثم ننطلق لنرى عموم تلك الكليات في خطاب القرآن: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، والنبي ﷺ يقرن ذلك ويبينه في الحساب الأخروي، أربع يسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وفيها للمال سؤالان وليس واحداً: (من أين أكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) هل كان طريق الكسب حلالاً، وطريق الإنفاق مباحاً أم غير ذلك؟ ولذلك تأتي هذه المسئولية مرتبطة بالأحكام الشرعية، كما كان صحب النبي ﷺ في كل صغيرة وكبيرة يرجعون إليه ليسألوه عن هذه المعاملة وحلها وجوازها، وهذا المال الذي اكتسبوه من هذه الطريقة هل هو سائغ؟ وهل هو مباح أم لا؟ وذلك ما كان يربطه النبي ﷺ بأمور أخرى كثيرة متعلقة بالإيمان، ومرتبطة بالأحكام.
خاطب النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وقال: (يا سعد! أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة) فجعل إجابة الدعوة والدعاء من أعظم أسبابه: طيب الكسب، وعدم أخذه من الحرام، وفي المقابل ذكر النبي ﷺ : (الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! وملبسه حرام، ومطعمه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!) إنها تلك التوجيهات الإيمانية والأحكام الشرعية.
ثم ننظر إلى الأمر الثالث: وهو الاعتبار المصلحي.
إن الإسلام ينظر إلى مصلحة الأمة في مجموعها، حتى المال الذي يخصك قد وُضعت له الضوابط والأحكام، فإن تجاوزتها فليس ذلك اختياراً شخصياً، بل هناك أحكام ومعها آداب تحقق الحفاظ على المصلحة العامة، كما يبين الحق جلا وعلا (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] الإسراف وإن كان من حر مالك مذموم محرم في الشرع.
ويقول الحق : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] ويخبرنا النبي ﷺ بتفصيل الحكم بالحجر على السفيه؛ لأنه يبدد ماله، لكنه مع ذلك يبدد ثروة الأمة، ويبدد المصالح العامة، وينتهك الآداب التي تجعل لكل شيء مقامه وقدره وقيمته.
стр. 708
صور تحتاج إلى إصلاح اقتصادي
المال الذي آتاه الله للخلق لم يؤتهم إياه ليكون عبثاً، وليكون نزوات طائشة، وليكون تبديداً للثروة في الحرام أو في غيرما مصلحة، كما بين ذلك قول الحق جل وعلا: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧] إذا تأملنا هذه اللمحات والومضات، عرفنا ما نحن محتاجون إليه من إصلاح اقتصادي في واقع أمتنا الإسلامية، وقد فشا فيها الربا، واستعلن فيها كثيراً بصور مختلفة متنوعة مبهرجة ومزيفة، وانتشرت صور القمار والميسر عبر الدعايات والإعلانات والمسابقات وغيرها، وكما نرى كذلك صوراً من الإسراف والتبذير يندى لها الجبين، وتضيع بها مقومات الأمة، ولا يرى فيها حينئذ مراعاة للمصالح ولا للآداب ولا للأعراف العامة في المجتمعات والأمم، وكل هذه الصور تناقض ما أشرنا إليه مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ثم انظر إلى الواقع يحكي لك ذلك، ألا ترون اليوم كيف يبحث الناس بحمد الله جل وعلا عن المعاملات الإسلامية، فإذا أرادوا معاملة بنكية بحثوا عن البنوك والمصارف التي تقوم على أسس شرعية، وإذا أرادوا التأمين بحثوا كذلك عن المباح وهكذا عظم عند الناس اليوم بحمده جلا وعلا حرصهم على أن يكون تعاملهم المالي وميدانهم ومجالهم الاقتصادي مراعياً لتلك الأحكام، لكننا نستمع اليوم إلى إصلاح اقتصادي من لون آخر، مروج على مستوى الأمة، بما يسمى: الاقتصاد المفتوح أو الحر الذي يقول لك: إنه ليس هناك شيء يمنع بيعه أو تداوله، لا تقل لي: خمر محرم، ولا تقل لي: أفلام إباحية ممنوعة غير مشروعة، ولا تقل هذا أو ذاك، فإن السوق هو الذي يسير الأمر، وإن الاقتصاد الحر المفتوح والتجارة العالمية الدولية تطرق أبوابك، ولا بد أنها آتية إليك.
وتأتينا صور أخرى اقتصادية يزعم أهلها أنها لتنمية الشعوب ولرفع المستوى الاقتصادي، وهي في حقيقة الأمر تصب المال من جيوب المسلمين ومن ديارهم إلى الكيان الصهيوني واليهود، عبر اتفاقيات لا يمرر لها طريق ولا يمهد لها تيسير ولا تذلل لها عقبات إلا من خلال ذلك الطابع اليهودي، وذلك باسم تنمية اقتصادية وارتفاع لمستوى المعيشة؛ وذلك حتى تدمن الأمة التعامل مع أعدائها، وبذل أموالها لمن يقتلها دون أن ترى في ذلك حرج، بل دون أن تنتبه إلى ذلك، فتأتينا التجارة والبضاعة من بلد عربي إسلامي ممهورة بمهرها ومختومة بختمها، وأشتريها وأدفع المال وإذا بالحصة الكبرى منه ليست إلا تمويلاً لذلك الكيان الغاصب الذي يعتدي كل يوم على حرماتنا ومقدساتنا وديننا، فضلاً عن ديارنا وإخواننا وأعراضنا، ومع ذلك يقولون: هذا هو التطور الاقتصادي، وهذا هو الإصلاح الذي تدعو إليه الأمم والدول العظمى والكبرى التي تزعم أنها تقدم لأممنا ولمجتمعاتنا الخير، وتعلمها كيف تصلح أحوالها، وكيف تسير على منهاج مستقيم يفضي بها إلى رغد العيش وسعة الحياة، وإلى انتظام الأمور كما يزعمون! ومن هنا لا بد للمؤمن من وقفة خطيرة يتأمل فيها تحقيقه لدينه وإيمانه، فالإيمان لا يتحقق بمجرد النطق، ولا بمجرد الإقرار، ولا حتى بمجرد الأعمال من العبادات والشرائع، بل الإيمان امتثال ويقين في كل حكم وفي كل جانب وميدان ومجال فيه لله حكم، ولرسوله ﷺ هدي، فمن أعرض عنه وخالفه فذلك نقص في إيمانه، وخلل في اعتقاده، وتشوه في حسن تصور إسلامه، ينبغي أن يفطن له، سيما ونحن اليوم نعلم ونوقن أن أمتنا مستهدفة في كل المجالات والمسارات.
يراد أن تخترق اقتصادياً حتى لا تقام لها قائمة، وحتى تصب ثرواتها في جيوب أعدائها في صور مختلفة وأنماط متنوعة، ومن طرق مختلفة، مرة عبر اتفاقيات تجارية، وأخرى عبر اتفاقيات دولية، وثالثة عبر زيارات ومصالح من هنا وهناك، وذلك كله يصب في مصلحة أعداء الأمة، لا في مصلحة أبنائها.
стр. 709
قصة بني إسرائيل وما جسدته من معنى للحديث
الحمد لله جعل الإيمان في الدنيا نجاحاً، وفي الآخرة فلاحاً، وجعل الإسلام لحياة الناس صلاحاً، له الحمد كما يحب ويرضى، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
نحمده حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله جل وعلا إلى الناس كافة أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم إلى اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! حديثنا موصولاً عن الإصلاح بعد أن ذكرنا ومضات من منهج الإصلاح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
نجعل حديث اليوم عن الإصلاح مجالاته ومنطلقاته، إذ نحن بعد ذلك الحديث العام الذي ذكرنا فيه انطلاقة إيمانية وارتباطات بالتقوى وبيان لوسائل كثيرة من التدرج والانضباط الشرعي ونحوه، نخوض اليوم في بعض المجالات التي يكثر الحديث فيها عن الإصلاح، من الإصلاح الاقتصادي إلى الإصلاح الاجتماعي إلى الإصلاح السياسي، حتى وجدنا هذه المقالات وتلك الدعوات تصافح أبصارنا في كل صباح على الصفحات، وتلامس آذاننا في كل يوم عبر المحطات والإذاعات، وتعقد لأجلها الندوات، ويختلف في شأنها هل ينبعث الإصلاح من الداخل أم يأتي من الخارج أم يكون خليطاً؟
стр. 710
الإصلاح في المجال الاجتماعي والأسري
أنتقل بكم إلى مجال آخر وهو المجال الاجتماعي، والحديث اليوم عن إصلاح المرأة ووضع المرأة وحق المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية حديث يصدع الرءوس من كثرته، فلا تكاد ترى صحيفة إلا وفيها خبر عن أول امرأة كذا وكذا، أو أول وفد من النساء فعل كذا وكذا، أو تلك البلدة التي تحقق فيها للمرأة حق كذا وكذا.
من أين جاءنا ذلك؟ ومن أين يروج ذلك وتدفع عليه الأموال؟ إنها سياسة التسويق الإصلاحي الغربي الذي تقوده الدول العظمى التي تمسك بعصاً غليظة هي عصا القوة العسكرية، وتزعم بعد ذلك أنها تدعو إلى الحرية والعدالة وغير ذلك.
وهذه الأمور من منطلق الإيمان تجد أن الخطاب القرآني في شأن الأسرة والمجتمع والمرأة مملوء بهذا المنطلق الإيماني قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إنه خطاب الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] إنها أحكام شرعية ليست اجتهادات بشرية، وليست خيارات اجتماعية، وليست تقاليد ولا أعرافاً تاريخية، إنها أحكام شرعية تنزلت بها آيات قرآنية، ووردت بها أحاديث نبوية، ونطقت بها مسيرة تاريخية، وشهدت لها أوضاع اجتماعية عبر تاريخ الأمة وعبر رقعتها الممتدة في كل مكان.
وهكذا نجد الآداب، ونجد المصالح المراعية التي تحافظ على حياء المرأة، وتحافظ على تماسك الأسرة، وتحافظ على محضن التربية الذي يربي الأجيال.
إننا اليوم نواجه سيلاً من الدعوات الإصلاحية، هدفها كما يقولون: عمل المرأة ومشاركتها، ومزاحمتها للرجال، وأخذها لحقوقها المزعومة في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها.
ثم ماذا بعد ذلك؟ تكشف الظهور، ولا يكون في البيوت زوجات صالحات راعيات للأزواج، ولا مربيات للأبناء، ولا تماسك للأسرة كما كان عليه العهد السابق، ولسنا نفصل القول هنا عن عمل المرأة هل هو جائز أو غير جائز؟ فالجائز المشروع معلوم، والدعوات وما تتضمنه من مآلات ومن مخالفات معلومة أيضاً.
وهكذا يخبرنا الله جلا وعلا ويبين لنا رسوله ﷺ المآلات التي تفضي إلى عدم المخالفة، فالنبي ﷺ على سبيل المثال يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وتأتينا الدعوات اليوم لتقول لنا: إن الإصلاح هو انفتاح، وهو لقاء في ظل البراءة والصداقة والندية بين الرجل والمرأة، فهل نصدق هذا ونكذب حديث المصطفى ﷺ ؟ وهل نصدق هذا ونكذب الواقع الذي يشهد بعكسه وضده؟ وهكذا في مجالات كثيرة نجدها.
стр. 711
الإصلاح في المجال السياسي
الإصلاح في المجال السياسي ليس هو اجتهادات بشرية، بل منطلقه إيماني، فكل الذي خوطب به النبي ﷺ من الآيات التي جاءت في ذلك منطلقها إيماني واضح، فالإصلاح السياسي أساسه شرعي بين، الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] إن هذا الحكم في التشريع الإسلامي إنما هو دليل وأثر وجزء أصيل من إيمان المرء بالله ، ومن تصديقه بإسلامه، وإذا جئنا إلى الأحكام وجدنا التفصيل في القرآن الكريم فيما يتعلق بالعهد والأمان والصلح وغير ذلك من العلاقات داخل الأمة الإسلامية وخارجها، فنحن كذلك ندرك هذا.
ثم ندرك من بعد المصالح المراعية التي يراد بها أن نراعي الأحكام والآداب وتحقق المصالح، وذلك ما نجده في هذه التشريعات وتلك المنطلقات، وتأتينا مرة أخرى دعاوى الإصلاح الديمقراطي، الذي في حقيقة أمره وواقع تطبيقه يشهد بأنه لا يعترف بحكم ولا يعترف بتشريع، بل كل ما قالته الأغلبية هو الحق الذي يمضي ويعتمد ولو خالف قرآناً ولو عارض سنة وغير ذلك.
ثم فوق هذا كله يأتينا هذا الإصلاح بدعوات مقصدها الفتنة وإثارتها في مجتمعات المسلمين، فالدعاوى المنطلقة باسم حماية الحريات الدينية والمذهبية وحريات الفكر، إنما تريد أن تنظر في كل بلد إسلامي إلى تلك الأقليات لتجعل منها قضية تفتت هذه المجتمعات وتضعفها بدعوى الإصلاح السياسي ومراعاة الحقوق.
ونحو ذلك أيضاً في مراعاة حقوق الإنسان ونحوه، وإلا فأين هؤلاء ودعواتهم، ليس فيما مضى، بل في الوقت الذي يحتلون فيه البلاد، ويقتلون فيه العباد، ويغنمون ويسرقون الثروات، ثم يقولون لنا ذلك كله؟! فلذلك ينبغي لنا أن ندرك هذه الحقائق، وأن ندرك أن الترويج الذي يروج اليوم هو أمر خطير، لا ندرك خطره؛ لأننا وللأسف لا نتابع حقائقه التي تمر مرة بعد مرة، وأُذكِّر بمؤتمر قديم عن المرأة للأمم المتحدة قامت له الدنيا ولم تقعد، وظننا أن الأمر انتهى، واليوم يمضي على هذا المؤتمر عشرين عاماً، وقد توالت بعده مؤتمرات، وقريباً يعقد مؤتمر اسمه: (مؤتمر بكين + عشرة) أي: بعد عشر سنوات من مؤتمر بكين ما الذي أنجز؟ وما الذي تحقق؟ وما الذي يجب أن يحقق؟ فالقوم ماضون فيما يزعمونه من ترويج نموذجهم وإصلاحهم، وكثير من المسلمين غافلون، وكثير منهم مسايرون، وبعض منهم وللأسف قائمون على هذا ومروجون له.
نسأل الله أن يبصرننا بديننا، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 712
التحذير من خطر الدعوات الإصلاحية المزعومة من أعداء الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: معاشر المؤمنين! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاحرصوا على التقوى في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واحرصوا على اجتناب الفتن ما ظهر منها وما بطن.
إن أمر هذا الدعوات الإصلاحية لمؤكد خطره، ومؤكد أنه يسير بخطى حقيقية وواقعية، وتنفذ بنوده وتمضي اتفاقياته.
وهنا يتساءل كثير منا ويقول: ما الواجب الذي أستطيعه والأمر هائل ضخم كبير؟ وهو كذلك، وفوق هذا كله يأتي مفروضاً بقوة رغبة أو رهبة، وبصور مختلفة متنوعة.
إن الأمر جد خطير يحتاج من كل أحد منا أن ينتبه، وأول هذا أن ندرك الخطر وأن نعرفه، وأن نعرِّف به.
إننا كثيراً ما نلتفت إلى أمر واضح واحد عندما نستمع إلى الأخبار عمن يقتل من إخواننا في أرض فلسطين، أو من تدمر البيوت عليهم في أرض العراق، فنشعر أن هذا اعتداء صارخ، وأنه أمر يثير الحفائظ، ويحرك الحمية والغيرة، لكن هناك أمور لا تقل خطراً عن ذلك، بل ربما تكون أكبر منه، وهي كذلك من جهة أخرى، وهي التي توصل إلى ذلك الخطر وتمهد له، فتجوس من خلاله بين الديار، تنهك الاقتصاد، وتخرب الاجتماع، وتفسد السياسة، وتحلل الإعلام وتفسده، فحينئذ يحصل من الأمور والمفاسد أضعاف أضعاف ما قد يحصل من أمر احتلال مسلح، أو قتل وتدمير؛ ولذلك الوعي ثم الوعي ثم الوعي، والانتباه ثم الانتباه.
стр. 713
الدور الفردي في مواجهة التحديات والمخاطر
الدور الفردي في مواجهة المخاطر مهم، جدد في قلبك إيمانك، وأوضح في تصورك إسلامك، وتنبه أن إيمانك وإسلامك لا يتجلى في مجرد صلاتك في مسجدك دون أن تتحرى امتثال الإسلام في كل حركة وسكنة، وفي مجال معاملاتك اليومية في جميع الاتجاهات والمجالات.
نحن اليوم نواجه هجوماً شرساً، فهل عندنا دفاع يكافئه؟ أول الدفاع دفاع الإيمان واليقين، فهل نحن حصنا معاقل الإيمان في قلوبنا ونفوسنا؟ هل زادنا هذا الإيمان بما ينبغي أن يزاد فيه من الطاعات، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؟ إن علينا أن نستشعر مواقف النبي ﷺ والصحابة والمؤمنين في كل هذه المواقف التي مروا بها في مواجهة الظروف العصيبة.
وأمر ثانٍ: العلم والبصيرة الشرعية، فكم نمضي إلى أعمال دون أن نسأل عن أحكامها؟! وكم تأتيك أسئلة اليوم عن حدث وقع لهذا السائل في رمضان الماضي أو عن حج قد مضى قبل سنوات؟! أين نحن من حرصنا على معرفة ديننا ومعرفة شرائعه ومعرفة أحكامه وآدابه؟! وأمر ثالث مهم في التطبيق الفردي: وهو أمر الأسرة ومن ولاك الله أمره، ومن تستطيع أن تبلغهم وأن تذكرهم وأن تنبههم، لو أن كل واحد قام بذلك لرأينا من وراء ذلك خيراً عظيماً.
ثم انظر إلى أمر مهم، وهو أن كل هذه الأسلحة تتعلق بالأفراد والأشخاص، فتراهم يهدفون إلى الحديث وإلى التغيير في بيتك أنت وبيتي أنا، في زوجتك وزوجتي، وابنتك وابنتي، لو أننا علمنا أبناءنا وبناتنا، وقمنا بواجبنا فكان الرفض طبيعياً وذاتياً وإيمانياً، فكل هذه الدعاوى وكل تلك البهرجة لن تفضي إلى شيء، وعندما يعرضون الاقتصاد لنشتري بضائع الأعداء، هل سيأتي من يلزمك ويخرجك من بيتك لتشتريها أم أن خيارك بيدك ألا تشتري ما تعتقد أنه يعود ضرره على أمتك الإسلامية، ويعود على إخوانك المسلمين نار ودمار عليهم في أرضهم وديارهم وأموالهم وأحوالهم، إنه خيار الذات وتربية الفرد.
إننا لو حصنا هذه المعاقل الإيمانية في النفوس، وحققنا التربية الإسلامية في الواقع، فلن نخشى شيئاً من كل ما يصنعون.
وقد رأينا ذلك بحمد الله في أمتنا وفيها خير كثير.
أليست قد وقعت الوقائع ووقعت الاتفاقيات لكي يكون لليهود فرص؛ ليجوسوا خلال الديار؟ فهل جاسوا خلالها أم وجدوا أن الناس عنهم معرضون، وعن التعامل معهم متبرئون، بل يرون ذلك سبباً للعار والشنار؟! ولو أننا قوينا هذه المشاعر وجعلناها تنتقل من صورها الصغيرة إلى الكبيرة، ومن المحدودة إلى الشاملة، ومن الفردية إلى الجماعية، فإننا نستطيع أن نقوي اقتصادنا ونهد اقتصاد الأعداء، ونستطيع أن نقوي أبناءنا ونصد تلك الهجمات بإذنه .
فاختر لنفسك ما تريده في أمر دينك ودنياك، وفي أمر دنياك وآخرتك، وفي أمر نفسك وفي أمر أمتك ومجتمعك.
والله الله أن يؤتى الدين والأمة من قبلك.
والله الله أن تكون طريقاً يمرر الأعداء فيه مخططاتهم سواء كانت إعلامية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية؛ لأنهم يوقنون أنهم لن يروجوا ذلك إلا من بني جلدتنا الناطقين بألسنتنا المقيمين في ديارنا المتغلغلين في مجتمعاتنا؛ ولكننا بحمد الله نرى أولئك القوم وإن نطقوا بألسنتنا فالآذان عن أقوالهم صماء، والقلوب عنهم معرضة؛ لأنها ترى بوناً شاسعاً بين تلك الأقاويل وبين نور القرآن وهدي السنة.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.
ونسأله أن يحفظ أمتنا من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ بلاد الحرمين من كل ما يخل بأمنها وأمانها وسلامها وإسلامها وطيب عيشها وسعة رزقها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل، وأن تغفر اللهم لنا السيئات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن توفقنا فيما نبتغي من التوجه إليه من الطاعات.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم لطفك ورحمتك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 714
جولة في المصادر التاريخية
للتاريخ الإسلامي مكانة وأهمية عظمى، لا يدانيه أي تاريخ آخر للأمم غير المسلمة، فينبغي للمسلمين العناية به، ومعرفة الغاية من دراسته، فهو لا يدرس للتسلية وإنما للعظة والعبرة وأخذ الدروس والاستفادة من التجارب المذكورة فيه.
стр. 715
مقدمة عن أهمية دراسة المصادر التاريخية ومعرفتها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو جل وعلا أهلاً للحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ﷺ تسليماً كثيراً، وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: فأيها الإخوة الكرام الأحبة! هذا لقاؤنا يتجدد بكم في منتصف الشهر السادس من عام (١٤١٥هـ) مع الدرس الثامن بعد المائة الأولى، وعنوان درسنا لهذا اليوم: (جولة في المصادر التاريخية)، وهذا الموضوع متعدد الفروع، متشعب الموضوعات، وهو واسع جداً، ولذلك ربما نحتاج له إلى صلة لعلنا نلم بأصوله وببعض مصادره المهمة.
وسيكون الحديث ابتداءً عن التاريخ، وتعريفه، وفوائده، ووجوده ضمن علوم المسلمين، والصورة العامة التي يؤرخ بها في المصنفات والمؤلفات، ثم نعرج على ذكر بعض المصادر الأكثر شهرة وأهمية في وقفات موجزة، نهدف من ورائها التعريف بها، وذكر بعض الملامح المنهجية لهذه المصادر.
ولن يدخل في حديثنا موضوع التاريخ لسيرة النبي ﷺ ؛ لأن السيرة سيكون لها -إن شاء الله- موضوع مستقل بذاته تحت عنوان: جولة في مصادر السيرة النبوية؛ لأن المصنفات المتعلقة بها تستحق أن تفرد، وأن يكثر الحديث حولها.
كما أنه لن يدخل في حديثنا التاريخ المعاصر المتأخر المتعلق بأحداث أوائل هذا القرن على وجه الخصوص؛ لأنه متشعب ومختلف ومختلط، وكثيراً ما تستقر التواريخ بعد مضي أحداثها بفترة من الزمن.
стр. 716
تعريف التاريخ لغة واصطلاحاً
نبدأ مستعينين بالله بما يتعلق بتعريف التاريخ، ذكر أهل اللغة فيه معاني عدة: فمن قائل: إن التاريخ هو الإعلام بالوقت، أو التعريف بالوقت، يقال: أرخت المولود أو الحدث في يوم كذا، أو أرخت الحادثة الواقعة في بلد كذا، أي: عرفتها بالوقت أو حددتها بالوقت أو أعلمت بوقتها.
ونقل صاحب كشف الظنون عن بعض أهل اللغة: أن التاريخ هو تعيين وقت ينسب إليه زمان يأتي عليه أو مطلق الزمان، سواءً كان ماضياً أو مستقبلاً.
وقيل أيضاً فيه: إنه تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل مما يندر وقوعه.
وهذا معنى واضح ومهم؛ لأن الأحداث مرتبطة بالزمن، إضافة إلى أن بعض الحوادث تجعل مقياساً تاريخياً، على سبيل المثال: حادثة الفيل، يقال فيها: ولد بعد عام الفيل بعامين، ولد قبل عام الفيل بكذا، أي: أن هذه الحادثة كانت عظيمة وهائلة وغير مألوفة ونادرة وليست متكررة؛ فعرفها الناس، وتناقلوا خبرها، وضبطوا وقتها، ثم جعلت مقياساً بعد ذلك.
وكما أرخ المسلمون أيضاً في عهد عمر ﵁ بهجرة النبي ﷺ ؛ لأنها كانت حدثاً عظيماً ترتب عليه بناء الدولة الإسلامية، والتحاق المسلمين بالنبي ﵊ في المدينة المنورة، فجعل هذا الحدث العظيم -الذي هو حدث نادر غير متكرر- مقياساً تاريخياً، ولا يزال حتى هذا اليوم مقياس تاريخنا إلى هجرة النبي ﷺ .
أما تعريف التاريخ في الاصطلاح كعلم مستقل بذاته، فإن الأقوال فيه مسترسلة ومطردة، بمعنى: لم يأخذ العلماء فيه بما يقال في التعريفات: لابد أن تصان عن الإسهاب، وأن تكون جامعة مانعة، وإنما ذكر بعض المؤرخين تعريفات فيها إطلاق القول، وتكثير المترادفات، مما الأصل أن يصان عنه التعريف، فمن ذلك ما ذكره صاحب كشف الظنون في تعريف التاريخ حيث قال: إنه معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم.
وهذا التعريف شامل للأبعاد الثلاثة التي هي: البعد المكاني، والبعد الزماني، والبعد الإنساني المتعلق بالأشخاص.
قوله: معرفة أحوال الطوائف.
أي: الأشخاص والقبائل.
وقوله: وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم ووفياتهم.
هذا من الناحية الاجتماعية.
وقوله: وبلدانهم.
هذا يتعلق بالناحية المكانية.
أما ابن خلدون فيعرف التاريخ بقوله: هو إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول.
ثم يستطرد في ذكر الأمور التي تحدث في هذه الأزمان، كظهور دولة، أو ظهور ملك، أو موت عالم، أو نحو ذلك.
ثم أضاف إضافة مهمة تتعلق بتعريف التاريخ فقال: وفي باطنه -أي: في باطن علم التاريخ- نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق.
وهذه إضافة مهمة تدل على أن علم التاريخ يتعلق بالمعرفة الدقيقة للحوادث، والمنهجية التوثيقية للإخبار بها، كما أنه يرتبط بالنظر والتحليل والتعليل، وهي معرفة الأسباب وتحليلها، وهذا لا شك أنه أمر مهم كما سيأتي الحديث عنه.
والسخاوي يعرف التاريخ على نحو ما ذكره ابن خلدون فيقول: هو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاتهم.
ثم ذكر أشياء كثيرة مما يؤرخ له، قال: وما أشبه هذا مما مرجعه للفحص عن أحوالهم في ابتدائهم، وحالهم في استقبالهم.
ثم أضاف إضافة مهمة فقال: ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملة أو كذا أو كذا.
وربما يتوسع فيه من بدء الخليقة وقصص الأنبياء وغير ذلك من أمور الأمم، وأحوال القيامة ومقدماتها.
وهذا قد صنعه بعض المؤرخين حيث أدخلوا في التاريخ ما وردت الأخبار به عن أحوال يوم القيامة، وإرهاصاتها ومقدماتها، وأدخلوه في التاريخ؛ لأنه كائن لا محالة.
وبهذا نستطيع أن نقول: إن علم التاريخ في هذه التعريفات التي أشرت إليها، يتعلق بجمع المعلومات والأخبار عن البلدان، وعن الأشخاص من حيث النشاط البشري الإنساني عبر الزمان، وكذلك عن الزمن وما يتعلق به من هذه الأحداث والأشخاص، فنقول مثلاً: زمن قيام الدولة الأموية من عام (٤١هـ) حتى عام (١٣٢هـ) فهذا زمن أرخنا به.
أو يقال في وفيات الأشخاص أو في مواليدهم: إن فلاناً ولد عام كذا، أو مات عام كذا، فهذا أيضاً تاريخ.
أو يقال مثلاً عن البلدان: إن أول من خط أو بنى الفسطاط هو فلان، وكان ذلك في عام كذا.
أو فتح المسلمون بلدة كذا في عام كذا.
فهذا كله تاريخ من هذا الباب.
стр. 717
فائدة التاريخ وأهميته
النقطة الثالثة المهمة: فائدة التاريخ وأهميته.
وهذا الموضوع في غاية الأهمية؛ لأن كثيراً من الناس لا يفطن إلى أهمية التاريخ وفائدته، وأكثر ما عنده أن التاريخ أحداث مشوقة ومسلية، وفيها غرائب وطرائف، ولا شيء وراء ذلك.
ولكن في الحقيقة للتاريخ فوائد عظيمة جداً، لو تأملنا فيها لكان ارتباطنا بتاريخنا واتصالنا به واطلاعنا عليه وقراءتنا له واستنباطنا منه أكثر بكثير مما هو حال كثير منا، وعلى وجه الخصوص حال كثير من شباب الأمة، الذين ربما كانت لهم مطالعات واجتهادات في تحصيل بعض العلوم، وبعض تخصصاتها أدنى أهمية من التاريخ، وأذكر بعضاً من هذه الفوائد:
стр. 718
الفائدة الأولى: الفائدة التربوية من تاريخ الرسل والأنبياء والصحابة والأئمة
إن الفائدة التربوية من أعظم الفوائد وأجلها، والله قد قص على النبي الكريم ﷺ وعلى أمته قصص الأنبياء والمرسلين، حيث قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف:١١١].
والله جل وعلا خاطب النبي الكريم ﵊ بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠].
وإنما قص علينا هذا لنأخذ العبرة والفائدة التربوية التقويمية التهذيبية، التي نقوم بها الأخطاء، ونكمل بها النقص.
والله جل وعلا يخاطب الأمة بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
فالسيرة مهمة جداً، وهي جزء من التاريخ، وقد جعل الله سيرة النبي ﵊ قدوة وأسوة نقتدي بها ونستفيد منها ونتربى عليها.
قال ابن عبد البر في كتابه: (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) متحدثاً عن الصحابة: يجب علينا الاهتداء بهديهم، فهم خير من سلك سبيله -أي: سبيل النبي ﷺ واقتدى به.
وفي التاريخ أخبار الرسل والأنبياء والنبي ﵊ والصحابة، وكذلك علماء الأمة، قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: فمن قرأ فضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم؛ كان ذلك له عملاً زاكياً.
فالفائدة التربوية عظيمة جداً من كتب التاريخ، سيما عند المؤرخين الذين يشيرون إلى مثل هذه الفوائد، ولا بأس أن نذكر بعض الأمثلة السريعة، وإن كان سيأتي استعراض بعض هذه الكتب.
الإمام الذهبي رحمة الله عليه كان من المكثرين في التعليقات والفوائد التربوية المتعلقة بتراجم الأعلام الذين ترجم لهم في كتب كثيرة، ومن أهم هذه الكتب كتاب (سير أعلام النبلاء)، وكتاب (تاريخ الإسلام)، وكان كثيراً ما يذكر المواقف ثم يقول: قلت، وعندما تجد للذهبي كلمة قلت؛ فعظ عليها بالنواجذ، وتأمل ما بعدها، فإنه استخلاص عالم، واستنباط فقيه، وتدقيق محدث، وعلم مؤرخ، فقد كان يكثر من ذلك، وأحيل على سبيل المثال إلى أول المجلد العاشر في ترجمة الإمام الشافعي فقد ذكر من التعليقات على مواقف الشافعي وأقواله كلاماً نفيساً يرجع إليه ويستفاد منه، وليس المقام مناسباً لنقله.
وابن كثير رحمة الله عليه في البداية والنهاية له تعليقات موجزة مختصرة، لكنها في غاية النفع والفائدة، فإذا ذكر -على سبيل المثال- ما وقع لظالم من الظلمة أو لجبار من الجبابرة ونحو ذلك، فبعد أن ينتهي من القصة يعلق عليها تعليقاً يسيراً، لكنه في نفس الوقت تعليق مهم ومفيد، فيقول مثلاً: وهكذا من أعان ظالماً سلط عليه.
فهذه الكلمات عبارة عن استنباط، وعن فائدة تربوية عظيمة، ونجد كثيراً من ذلك في كتب التاريخ.
стр. 719
الفائدة الثانية: معرفة وإدراك السنن الإلهية
إن معرفة وإدراك السنن الإلهية مهم جداً؛ فإن الله قد جعل في الحياة البشرية سنناً، وهذه السنن هي التي تحكم حياة الناس وقيام الدول وزوالها، وفلاح الناس وخسرانهم، كل ذلك مضبوط بهذه السنن.
والتاريخ يصدق هذه السنن التي جاءت في النصوص الشرعية، ومن هذه السنن قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فانظر على سبيل المثال كيف كان أواخر الدولة الإسلامية في الأندلس؟! كيف غير المسلمون حالهم فغير الله حالهم؟! وتجد أيضاً قول الله : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وترى كيف تزول الدول وكيف تقوم إلى غير ذلك من الصور المتعلقة بهذا.
والله جل وعلا قد وجه المسلمين إلى أن يتأملوا في التاريخ؛ لينظروا إلى هذه السنن، كما قال جل وعلا: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
فهذا أمر في غاية الأهمية، وهو مما يستنبط ويستفاد من علم التاريخ.
стр. 720
الفائدة الثالثة: الفوائد العلمية
إن الفوائد العلمية جديرة بأن يفرد الحديث عنها ويطول؛ لأن كتب التاريخ لا تشتمل على التاريخ وحده، بل تجد كثيراً من كتب التاريخ يضم في ثناياه معلومات ومسائل تتعلق بالحديث والفقه واللغة والاجتماع، ونحو ذلك من أمور يطول ذكرها، وحسبنا مثلاً أن نعرف أن مقدمة ابن خلدون الشهيرة التي فيها تاريخ للعلوم، وفيها أسس لعلم الاجتماع، وفيها بيان لأسس العمران والحضارة، هي مقدمة لكتابه التاريخ.
فهذا يدلنا على أن كتب التاريخ ليست قصصاً وأخباراً فقط، وإنما في ثناياها كثير من هذه الفوائد، ولعل من أعظم فوائد العلوم المنشورة في كتب التاريخ -سيما كتب التاريخ المتقدمة- ما يتعلق بعلم الحديث وتراجم الرواة.
يقول سفيان ﵀: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ؛ لأن التاريخ يكشف ويبين التدليس، ويبين الإرسال، ويبين الانقطاع.
دخل بعض الناس إلى بلاد المشرق، وجعل يروي بعض الروايات، وقالوا لـ ابن المبارك: إن فلاناً يروي أحاديث ما ندري ما هي؟ فجاء فسأله فقال: متى ولدت؟ قال: ولدت عام كذا، قال: إن هذا يروي لكم عمن مات قبله بعشر سنوات.
يعني: هو كاذب.
إذاً: فالتاريخ من شأنه الحفاظ على الحديث والرواية، وهذا من أعظم الفوائد والمنافع، ولذلك اهتم كثير من العلماء بالتاريخ؛ لكونه يتعلق بالدرجة الأولى بالحفاظ على سنة النبي ﷺ .
стр. 721
الفائدة الرابعة: عرض المسائل النحوية والفقهية والتطرق إلى تاريخ واضعها
هناك أيضاً فوائد عجيبة من دراسة التاريخ، على سبيل المثال: الذين يعرضون مسائل لغوية ونحوية وصرفية دقيقة جداً، كثير منهم يبدأ بذكر من هو أول من وضع علم النحو؟ ويذكر ما روي عن الإمام علي ﵁ أنه أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع علم النحو، ثم يترجمون لـ أبي الأسود، وتاريخ نشأة هذا العلم.
وهذه ليست فائدة تاريخية بحتة، وإنما هي أيضاً فائدة مستقلة، إضافة إلى ما هو منشور في هذه الكتب من مسائل نحوية.
كذلك عندما يأتي الحديث عن علم آخر غير النحو، فهذه ليست فائدة تاريخية بحتة، وإنما هي أيضاً فائدة عن المترجم بالمسائل التي تفرد بها في الفقهيات، وما خالف فيه غيره، وما اعترض عليه بعض العلماء، ومناقشة هذه المسألة إلى أمور ومفردات كثيرة فيها فوائد عظيمة.
стр. 722
الفائدة الخامسة: معرفة الأحوال العامة في حياة الناس
من هذه الفوائد أيضاً: ما يتعلق بالأحوال العامة في حياة الناس من معرفة أمور الناس وأحوالهم ومعاشاتهم واهتماماتهم، وكلما يرسم صورة واضحة عن طبيعة المجتمعات في تلك الفترات الزمنية أو التاريخية، وهذا باب طويل جداً.
стр. 723
الفائدة السادسة: الاستفادة من التجارب والخبرات في الحياة
ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، والتاريخ يقدم عصارة تجارب الأمم، وخلاصة الخبرات الإنسانية في أمور الحياة الدنيوية، مما لا يتعارض مع الأحكام الشرعية، بحيث يمكن للمسلمين إذا قرءوا تاريخ تلك الأمم كيف أسست بنيانها! كيف أقامت بعض معالم حياتها! كيف كونت أسس حضارتها في بعض الأمور الحياتية! فإن هذا الباب يمكن أن يضيف إلى المسلمين فوائد عظيمة جداً.
стр. 724
الفائدة السابعة: حقيقة الأمم في ظلال الإسلام
إن معرفة الحياة في ظلال الإسلام فائدة مهمة جداً؛ لأن هناك شبهات كثيرة تدور حول عدم صلاحية الإسلام لإقامة الدولة كما يقولون، والآن ينادي كثير من العلمانيين وغيرهم إلى الدولة المدنية، ويسمون الحكم الإسلامي أو الدولة الإسلامية: الإسلام السياسي ونحو ذلك، ويدعون أن هذا المعنى لا يمكن أن يتحقق، وقد جمعوا في ذلك لقطات وروايات شاذة، أو وقائع منفردة ليؤكدوا هذا، فأحدهم -وهو مؤلف كتاب: (ما قبل السقوط) - يجمع حوادث معينة من فترات معينة من التاريخ؛ ليستدل بها على أن الفترات التي كان فيها قيام دولة دينية لم تكن دولة مدنية، وإنما كانت فترات ظلم واضطهاد وكذب ومصادرة للحريات وغير هذه الكلمات المفترية.
وآخر ينشر مقالات متعددة في إحدى المجلات ويقول فيها: وضربوا -أي: الحكام- الأئمة بالسياط، ويأتي بالمحن التي مرت بالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكلهم قد وقع له أذى أو سجن أو ضرب، أو نحو ذلك، ويقول: هذه هي الدولة الدينية أو الإسلامية التي تريدونها، وأعلامها وعلماؤها قد وقع لهم هذا؟! نقول: عندما نقرأ التاريخ نرى صوراً مشرقة غير هذا الذي يدس لنا، وغير هذه الوقفات واللقطات التي تنتقى لنا بخبث ومكر ودهاء؛ لنحتار أو نضطرب أو نتشكك أو نرفض حكم الإسلام، كما قد يقع في ذلك بعض المسلمين الذين يرفضون أن يكون حكم الإسلام هو الذي يعمهم ويشملهم.
وهذا باب واسع، وأحياناً يردون علينا بأننا لا نستشهد إلا بعهد عمر بن الخطاب وعهد عمر بن عبد العزيز ثم ليس عندنا شيء وراء ذلك، فنقول: لو قرأنا التاريخ لوجدنا ليس عشرات وإنما مئات الأمثلة، ولا أستطرد في ذلك، ولكن أقول: اقرأ عهد عبد الرحمن الداخل في الأندلس، والناصر الذي جاء بعده، وانظر ما كان في عهدهما من استقرار ومن رخاء ومن توسع وعمران وحضارة إلى غير ذلك.
وانظر إلى الممالك الشرقية، وما كان في عهد الملك مودود ومن قبله من آبائه، وكذا الغزنوي، واقرأ فتوحات بلاد الهند والسند، وتاريخ محمد بن القاسم إلى غير ذلك، وستجد أمثلة كثيرة جداً تؤيد هذا المعنى.
стр. 725
الفائدة الثامنة: دحض الشبهات والرد على المفتريات والمقالات الباطلة
إن التاريخ قائم بدحض الشبهات، والرد على المفتريات والمقالات الباطلة والزائغة والمنحرفة.
على سبيل المثال: يشيع كتاب التاريخ من المستشرقين ومن وافقهم من بعض المؤرخين المعاصرين نظرية: تطور الديانات، ويزعمون أن الإنسان البدائي كان مثلاً يخاف من الحيوانات فعبدها، ثم بعد ذلك تطور فصار يخاف من الشمس والبرق فصار يعبدها، ثم تطور هذا الإنسان وجاءت الديانات في مرحلة من مراحل التطور.
نقول: إن التاريخ الصحيح ينبئنا أن أصل الدين في هذه الحياة الدنيا هو دين التوحيد والإسلام من لدن آدم ﵇ إلى أن جاء نبينا محمد ﷺ بدين الإسلام الخاتم، وعندما نقرأ التاريخ نستطيع أن ندحض هذه المفتريات وهذا الكذب.
وهكذا نظرية داروين التي تقول: بأن أصل الإنسان قرد.
لايوجد أي تاريخ من تواريخ البشر يروي لنا: أنه كان في بلد من البلاد أو في عصر من العصور من كان من البشر يشبه القرد، أو أن قرداً تحول إلى إنسان، التاريخ يدحض هذا، فعندما نقرأ في التاريخ نعرف كثيراً من الأمور التي تتعلق بالنواحي العقدية، بل حتى من النواحي الفكرية، ومن النواحي المتعلقة بالجهاد وما يثار حوله اليوم، فإنه يقال على سبيل المثال: إن الجهاد نوع من الإرهاب، ونوع من القسوة وعدم الإنسانية، ولو قرأنا تاريخ الأمة الإسلامية لرأينا كيف كان جهادها، وكيف ترفع المجاهدون عن كل هذه المعاني المغلوطة، وعن كل هذه المثالب، وعن كل الأمور التي يشوهون بها تاريخنا.
لو قرأنا التاريخ لعرفنا أن هذا كله باطل، حتى ما يتعلق بأمور التنمية وأمور الحضارة، مثل قول بعض أبناء المسلمين: كنا قبل كذا قرن نعيش في تخلف وتأخر!! ويقصد بذلك عهد النبي ﵊ وعهد الصحابة.
فهذه الشبه التاريخ يدحضها دحضاً.
ونقول لهؤلاء: هاتوا لنا من التاريخ ما يشهد لأقوالكم، فعندنا ما يشهد لأقوالنا.
стр. 726
الفائدة التاسعة: معرفة الحركة العلمية في كل عصر ومصر
إن معرفة الحركة العلمية في كل عصر ومصر من أعظم وأجل الفوائد التي يخرج بها المطَّلع على التاريخ؛ لأن في كل زمان يؤرخ لأعلامه العلماء والمذاهب التي وجدت فيه، والكتب التي صنفت، والمسائل التي بحثت، والمناظرات التي وقعت، وإذا بك تعرف نشأة العلوم والعلماء البارزين في كل علم من العلوم، والإضافات التي وجدت في هذه العلوم، حتى أرخوا أول من أدخل: سنن النسائي إلى بلاد المغرب، وأول من أدخل كتاب كذا إلى بلاد المشرق، من الذي كان يرصد مثل هذه الأمور؟ إنها كتب التاريخ، فقد كانت ترصدها رصداً عجيباً، وتجد في التاريخ فوائد من أمتع وأنفع وأروع ما يمكن، وتجد كذلك أيضاً ما يتعلق بالتاريخ الفكري والعلمي للمذاهب، حتى المذاهب المنحرفة.
فالتاريخ ذكر متى حصل التشيع، وما ظروفه وملابساته، ومن أول من قعَّد له، ومن أول من صنف فيه، وما الدول التي ناصرته، على سبيل المثال: دولة البويهيين لما استولت على الخلافة في بغداد في الثلث الأول من القرن الرابع ناصروا التشيع والرفض، حتى كتبت مسبة الصحابة على محاريب المساجد في بغداد وغيرها.
وهكذا أيضاً: دولة الفاطميين العبيديين الرافضة الذين وصفهم الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: الدولة الفاطمية الرافضية العبيدية اليهودية، وارجعوا إلى سير أعلام النبلاء؛ لتجدوا حقيقة هذه الدولة الرافضية الخبيثة.
إذاً: نعرف بواسطة التاريخ هذه الحركات والمذاهب، وتاريخها، وكتبها، وأول ما بدأت مثل هذه الأمور، وهذه فوائد عديدة ومهمة جداً.
стр. 727
الفائدة العاشرة: نقض البدع والخرافات والمحدثات المنحرفة
إن نقض البدع والخرافات وكثير من المحدثات التي يريد أن يقررها بعض الناس، وكثير من الخرافات التي يعتقدها بعض الناس، يكون عن طريق البحث عن تاريخها.
ولا بأس أن نروي هذه الطرفة التي تشيع عند الناس: وهي أن رجلين من العاطلين الباطلين، لم يكن عندهما عمل ولا مال، فعمدا إلى كلب فذبحاه ثم دفناه ثم أقاما عليه قبراً وجعلا له بناءً، ثم قالا: هذا قبر فلان الولي، ثم دَعَوَا الناس له، وصارا هما السادنان لهذا القبر المزعوم، فجاءتهما الوفود من الناس يهدون القرابين، ويدفعون الأموال، فلما اختلفا في قسمة الأموال قال أحدهما: وحق الشيخ فلان، يقسم بهذا الولي المزعوم، فقال الآخر: نحن ذبحناه معاً! فعندما تبحث في التاريخ تجد مثل هذه الأمور المتعلقة بتعظيم الأضرحة، هل كانت في عهد النبي ﵊؟
الجواب
لا، ابحث في التاريخ هل كانت في عهد الصحابة؟ متى نشأت؟ في أي مكان؟ فتستطيع بواسطة التاريخ أن تدحض مثل هذه الأمور، وأن تنقضها.
وهكذا حتى في تاريخ الديانات، فالتثليث متى دخل إلى النصرانية؟ التاريخ ينبئنا أن بولس هو الذي أنشأ التثليث في المؤتمر الذي كان بعد الألف الأولى من رفع عيسى ﵇، وهذا التثليث من دس اليهود الذين أفسدوا الديانة المسيحية بإدخال التثليث فيها.
وهكذا تجد أمثلة كثيرة فيما يتعلق بالخرافات والبدع والمحدثات، فعندما تتتبع التاريخ تجد من أسسها، من أول من بدأها، وتجد كثيراً من هذه البدايات تشوبها شبهات، إما أن وراءها يهود أو زنادقة أو غيرهم كـ ميمون بن ديصان القداح الذي أدخل الباطنية، وغيره ممن أدخل الشعوبية في الأمة الإسلامية، ونحو ذلك، وهناك أمور يطول ذكرها.
стр. 728
الفائدة الحادية عشرة: إظهار الحقائق وكشف المغالطات
إن التاريخ لا يرحم عند إظهار الحقائق وكشف المغالطات؛ لأن التاريخ يسجل كل الوقائع، وكما يقولون في عبارة جميلة وشائعة: قد تخدع كل الناس بعض الوقت، وقد تخدع بعض الناس كل الوقت، لكن أن تخدع كل الناس كل الوقت فغير ممكن.
قد تجد بعض السذج وتضحك عليهم وتخبرهم أخباراً وأحوالاً مكذوبة فيصدقونك ما شاء الله أن يصدقوك، لكن غيرهم سيكذبونك ويعرفون أنك لم تكن صادقاً في هذه الروايات، وقد تدلس على الناس كلهم فيصدقونك في بعض الأوقات، ثم يمر الزمن وتتكشف الحقائق كما يقولون.
على سبيل المثال: من الأمور التي أشاعها بعض ذوي الأغراض في بعض الكتب التي لها صلة بالتاريخ ككتاب الأغاني والعقد الفريد وغيرهما، ما يذكر عن سيرة هارون الرشيد ومجالس منادمته وشربه الخمر ومجالس القيان وغير ذلك، فهذه الأمور شاعت حتى كاد بعض الناس أن يسلِّم بها، لكن إذا رجعت إلى ما أورده ابن خلدون في أول مقدمة التاريخ، ذكر ما أسماه الأوهام التي وقع فيها بعض المؤرخين، وذكر عن الإمام الطبري ما نقله عن هارون الرشيد أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وأنه كان يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة، فهل الذي يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة يعقل أن يكون من أهل السكر والإدمان والخنا والفجور؟! إلى غير ذلك.
وهكذا لما لبس على الناس في التاريخ المعاصر بشخصية أتاتورك الذي أشيع أنه منقذ المسلمين، وأنه كذا وكذا وكذا، ثم يكشف التاريخ أنه لا أصل لهذه الشائعات، وأنه ابن سفاح، وإذا له عروق وجذور يهودية، فهو ينسب إلى يهود (الدونمة) في تركيا، وظهر أنه أكبر متآمر على الإسلام والمسلمين، وأكبر مجرم في حق التاريخ الإسلامي المعاصر حيث نقض الخلافة الإسلامية.
إذاً: عندما تقرأ التاريخ تكتشف هذه المغالطات الخطيرة التي تغير أفكار الناس.
стр. 729
الفائدة الثانية عشرة: إعادة الأمل وبث الحماسة في نفوس المسلمين
آخر الفوائد التي نذكرها على عجالة هي: إعادة الأمل وبث الحماسة في نفوس المسلمين، وذلك عندما يرتبطون بتاريخهم وأمجادهم وقادتهم وعلمائهم وأمرائهم وملوكهم، عندما يرون هذه الصفحات المشرقة، وعندما يقفون على هذا التراث العلمي الزاخر، وعندما يجدون هذه المؤلفات التي ربما لا يستطيعون حصر أسمائها فضلاً عن أن يقفوا عليها أو أن يقرءوها.
هذا كله يجعلهم على أمل وعلى يقين -إن رجعوا إلى دين الله أن يجددوا هذا التاريخ، وأن يعيدوا تلك الأمجاد، وكما يقال في أمثال العرب: ما أشبه الليلة بالبارحة.
وكما يقال عند غيرهم واستخدمه العرب أيضاً في الوقت المعاصر: التاريخ يعيد نفسه.
إذاً: يمكن أن يعيد التاريخ نفسه إذا استجلبنا منه هذه الفوائد، وكما قيل: أمة لا تعرف ماضيها لا تستطيع أن تخطط لمستقبلها.
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر فهذه وقفة موجزة مع بعض هذه الفوائد في التاريخ، وهذه الوقفة الموجزة لا تغني شيئاً، ولكنك لو قرأت كتاباً واحداً من كتب التاريخ المعتبرة عند الأئمة المشهورين؛ لوجدت أضعاف أضعاف هذه الفوائد التي أشرت إليها، وأوجزت القول فيها.
стр. 730
علم التاريخ عند المسلمين وأسسه ودوافعه
كيف كان علم التاريخ عند المسلمين؟! وما هي أسسه؟ وما الأمور التي دفعت إليه، وجعلت تراث المسلمين في التاريخ لا يضاهى به تراث آخر، لا في كثرة الكتب ولا في أنواعها ولا في استقصائها ولا في منهاجها مطلقاً؟ لا يمكن أن يقارن تاريخ المسلمين والعطاء الذي فيه بغيره من تاريخ الأمم التي لا تبلغ فيما أعرف حتى عشر معشار هذا العطاء في تاريخ الإسلام والمسلمين.
стр. 731
الأساس الأول: القرآن الكريم
القرآن الكريم وردت فيه أحداث تاريخية وقصص تاريخية، مثل: قصص الأنبياء والمرسلين والأمم السابقة، كقصة سبأ وغيرها من الأمم.
وهذا كان له أثر عظيم على المسلمين، حيث جعلهم يقرءون، والعلماء يفسرون، وبدأ التفسير يجمع بدايات للمادة التاريخية التي تعلق وتشرح وتفسر هذه الآيات المتعلقة بالأحداث للأمم الماضية، والله قد دعا المسلمين إلى التأمل والاعتبار بأحوال الغابرين، وإلى السير في الأرض والنظر فيها والتأمل فيها، وهذه الدعوة هي دعوة لمعرفة الأحداث ثم للاعتبار بها؛ لأن الاعتبار هو مرحلة ثانية بعد المعرفة.
стр. 732
الأساس الثاني: السيرة النبوية
السيرة النبوية عند المسلمين دين، يدينون الله بها، وأسوة يقتدون بها، وأحكام يتبعونها، وسنن يحرصون عليها، ولذلك كان أول بدايات تاريخ الإسلام المنفرد المستقل: هو ما يتعلق بمغازي النبي ﷺ وسيرته، وكان هذا معروفاً عند المسلمين، حتى قال قائلهم: كان آباؤنا يعلموننا مغازي رسول الله ﷺ كما يعلموننا السورة من القرآن.
ومن هنا انتشر التصنيف والتأليف في سيرة النبي ﵊ ومغازيه، وهي كثيرة جداً، وفريدة وعجيبة في دقتها وضبطها واستيعابها وشمولها في الحديث عن شخص النبي ﵊ وعن تاريخه وسيرته.
стр. 733
الأساس الثالث: التأصيل في علم الحديث
صح عن ابن سيرين -كما في مقدمة صحيح مسلم - أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، كان الصحابة يحدثوننا عن رسول الله ﷺ فكنا نأخذ منهم، فلما حدثت الفتنة وركب الناس الصعب والذلول قلنا: سموا لنا رجالكم، فمن كان من أهل السنة قبلنا، ومن كان من أهل البدعة رددنا.
إذاً: بدأ العلماء من السلف يبحثون عن أحوال الرواة وتواريخهم وسيرهم، وصدقهم وكذبهم، ومواطن بلدانهم وأماكن رحلاتهم، ومعرفة شيوخهم وتلاميذهم.
وتدوين التاريخ المتصل بعلم الحديث باب واسع مستقل في كتب كثيرة منها كتاب: التاريخ الكبير للبخاري والتاريخ لـ ابن معين والتاريخ لـ خليفة بن خياط.
وهناك تواريخ كثيرة دونوا فيها أسماء الرجال وأحوالهم إلى غير ذلك، وهذا عامل من عوامل نشوء علم التاريخ والاهتمام به، والاحتفاء به عند المسلمين، بل هو من أعظم العوامل وأكثرها أهمية.
стр. 734
الأساس الرابع: منزلة الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم
يقول النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
هذا الحديث معناه: أن سنة الخلفاء الراشدين وفعلهم هدي تهتدي به الأمة، وسنة تستن بها.
إذاً: هذا جعل الأمة تهتم بسيرة الخلفاء الراشدين وصحابة النبي ﷺ .
وسيرة صحابة النبي ﷺ باب واسع كبير جداً، وفيه مؤلفات عظيمة وكثيرة جداً.
ولا بأس أن أشير هنا إلى كتاب: (معجم ما ألف عن صحابة رسول الله ﷺ ، ذكر جامعه محمد الشيباني كتباً مطبوعة ومخطوطة وافرةً وكثيرة، مراعياً في ذلك التسلسل الزمني من بداية ما ألف في هذا الباب إلى أوقات متأخرة.
وقد ألف قبله في سيرة النبي ﵊ وكتاب: (معجم ما ألف عن رسول الله ﷺ للمحقق العلامة صلاح الدين المنجد وهو كتاب عظيم النفع، جمع فيه مؤلفه مئات المصنفات في سيرة النبي ﵊ في مختلف العصور.
إذاً: سنجد أن هناك كتباً خاصة فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ ومغازيه، وكتباً فيما يتعلق بأحوال الرجال والجرح والتعديل، وكتباً فيما يتعلق بسير الصحابة رضوان الله عليهم، وهذه كلها ضمن التاريخ، ولا نستطيع أن نعرج عليها في مثل هذا المقام.
стр. 735
الأساس الخامس: الفتوحات الإسلامية
عندما فتح المسلمون مصر، وبلاد الشام، وبلاد العراق، جاءوا إلى بلاد لها حضارة ولها تاريخ، وفيها رجال، فزاد ذلك من رصيد هذا التاريخ عند المسلمين، وعرّفوا بملوك هذه البلاد وتاريخها وما كان فيها من أحوال، وما كان أهلها عليه من ديانات، إضافة إلى أن الدولة الإسلامية احتاجت إلى تنظيم أمورها، وإلى إنشاء الدواوين كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ لما دون ديوان الجند، وديوان العطاء، فاحتاج إلى أن يحدد وأن يدون قبائل المسلمين، وأسبقية الصحابة في الإسلام، حتى يجعل عطاء السابقين في الإسلام أكثر، ويجعل عطاء من دونهم أقل، وأبناء الصحابة أقل من الصحابة، وكذا التابعين أقل.
وهذا أيضاً كان رافداً من روافد التاريخ، وفيه جمع للمادة التاريخية.
стр. 736
الأساس السادس: خدمة المذاهب الفكرية والفقهية
إن خدمة المذاهب الفكرية والفقهية كان أحد العوامل والروافد للتاريخ عند المسلمين، فالمذاهب الفقهية الأربعة على سبيل المثال، كل أهل مذهب خدموا مذهبهم، فجاءت حصيلة تاريخية في نشأة المذهب، وفي سيرة إمام المذهب، وفي سيرة علماء المذهب، وما يتعلق بالمواطن التي انتشر فيها المذهب إلى غير ذلك، فجمعت مادة تاريخية واسعة، وحتى على مستوى المذاهب الفكرية المنحرفة كالمعتزلة، فالمعتزلة عندما كانت لهم صولة وجولة دونوا طبقاتهم، وأشهروا أعلامهم، وأرخوا لرموزهم، وهكذا فعل الشيعة أيضاً.
وهذا كان رافداً تاريخياً عظيماً عند المسلمين.
стр. 737
الأساس السابع: خدمة العلوم المختلفة
هذا ملحق بالذي قبله، لكنه على مرتبة أدنى وأقل، فالأدباء ألفوا في طبقات الأدباء، وجعلوا هناك مراحل أدبية، وأرخوا مثلاً لأدباء الأندلس على حدة، وأخروا لأدباء بلاد الشام على حدة، وبلاد اليمن على حدة، وهكذا وجمعوا هذه التراجم.
كذلك النحاة واللغويون والأطباء والحكماء ما من أهل علم إلا وتوسعوا في تاريخ ذلك العلم وأعلامه، وهذه أيضاً كانت مادة عظمية جداً من مواد التاريخ.
стр. 738
الأساس الثامن: خدمة البلاد وذكر فضائلها
التآليف في خدمة البلاد، وذكر فضائلها كثيرة، مثل ما ألف عن مكة وفضائلها وتأسيسها، والمدينة المنورة، وبيت المقدس وغيرها من الدول، فيؤلف أهل كل بلد في محاسن بلادهم، فمثلاً: أهل الشام يذكرون فضائل الشام، وخطط الشام، ووصف بلاد الشام، إلى غير ذلك، ويترجمون لكل من دخل إليها، ومن مات فيها، ومن اشتهر بها، فاجتمعت مادة عظيمة.
стр. 739
الأساس التاسع: رحلات المشاهير من العلماء المؤرخين
رحلات المشاهير من العلماء الذين أرخوا في رحلاتهم أحوال البلاد وأهلها، وأرخوا ما مر بهم من الأمور التي وقعت.
من هؤلاء العلماء الذين اشتهروا بالرحلات في البلدان: ابن بطوطة، واشتهرت رحلته باسمه: رحلة ابن بطوطة، وهناك رحلة ابن جبير، ورحلة ابن فضلان، وهذا الأخير رحل مبعوثاً من الخليفة في القرن العاشر إلى بلاد روسيا، وبلاد بلغاريا.
وعندما تقرأ في كتب هؤلاء تجد أحوال تلك البلاد، ووصفاً لأمور عجيبة جداً يتعجب منها المرء كثيراً.
فهذه أيضاً كانت رافداً عظيماً من الروافد التاريخية، وعندما ننظر إلى هذه الروافد، وإلى هذه الأسس، نجد أن المادة التاريخية في تاريخ المسلمين أصبحت مادة عظيمة جداً وغزيرة غزارة لا يدانيها غيرها.
стр. 740
المحاور الثلاثة للتصنيف في التاريخ
هذه النقطعة هي التي سنجعل استعراضنا السريع حولها مدخلاً لما قد يسمح به الوقت من ذكر بعض المراجع التاريخية، هذه المحاور هي: الزمان، والمكان، والإنسان، إما أن نعنى بالتاريخ في فترة زمنية، أو نعنى بالتاريخ في صقع أو بلد بعينه، أو نعنى بالتاريخ لأشخاص بأعيانهم.
следующие страницы →