Полный текст (2 691 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الأساس السادس: خدمة المذاهب الفكرية والفقهية
إن خدمة المذاهب الفكرية والفقهية كان أحد العوامل والروافد للتاريخ عند المسلمين، فالمذاهب الفقهية الأربعة على سبيل المثال، كل أهل مذهب خدموا مذهبهم، فجاءت حصيلة تاريخية في نشأة المذهب، وفي سيرة إمام المذهب، وفي سيرة علماء المذهب، وما يتعلق بالمواطن التي انتشر فيها المذهب إلى غير ذلك، فجمعت مادة تاريخية واسعة، وحتى على مستوى المذاهب الفكرية المنحرفة كالمعتزلة، فالمعتزلة عندما كانت لهم صولة وجولة دونوا طبقاتهم، وأشهروا أعلامهم، وأرخوا لرموزهم، وهكذا فعل الشيعة أيضاً.
وهذا كان رافداً تاريخياً عظيماً عند المسلمين.
стр. 737
الأساس السابع: خدمة العلوم المختلفة
هذا ملحق بالذي قبله، لكنه على مرتبة أدنى وأقل، فالأدباء ألفوا في طبقات الأدباء، وجعلوا هناك مراحل أدبية، وأرخوا مثلاً لأدباء الأندلس على حدة، وأخروا لأدباء بلاد الشام على حدة، وبلاد اليمن على حدة، وهكذا وجمعوا هذه التراجم.
كذلك النحاة واللغويون والأطباء والحكماء ما من أهل علم إلا وتوسعوا في تاريخ ذلك العلم وأعلامه، وهذه أيضاً كانت مادة عظمية جداً من مواد التاريخ.
стр. 738
الأساس الثامن: خدمة البلاد وذكر فضائلها
التآليف في خدمة البلاد، وذكر فضائلها كثيرة، مثل ما ألف عن مكة وفضائلها وتأسيسها، والمدينة المنورة، وبيت المقدس وغيرها من الدول، فيؤلف أهل كل بلد في محاسن بلادهم، فمثلاً: أهل الشام يذكرون فضائل الشام، وخطط الشام، ووصف بلاد الشام، إلى غير ذلك، ويترجمون لكل من دخل إليها، ومن مات فيها، ومن اشتهر بها، فاجتمعت مادة عظيمة.
стр. 739
الأساس التاسع: رحلات المشاهير من العلماء المؤرخين
رحلات المشاهير من العلماء الذين أرخوا في رحلاتهم أحوال البلاد وأهلها، وأرخوا ما مر بهم من الأمور التي وقعت.
من هؤلاء العلماء الذين اشتهروا بالرحلات في البلدان: ابن بطوطة، واشتهرت رحلته باسمه: رحلة ابن بطوطة، وهناك رحلة ابن جبير، ورحلة ابن فضلان، وهذا الأخير رحل مبعوثاً من الخليفة في القرن العاشر إلى بلاد روسيا، وبلاد بلغاريا.
وعندما تقرأ في كتب هؤلاء تجد أحوال تلك البلاد، ووصفاً لأمور عجيبة جداً يتعجب منها المرء كثيراً.
فهذه أيضاً كانت رافداً عظيماً من الروافد التاريخية، وعندما ننظر إلى هذه الروافد، وإلى هذه الأسس، نجد أن المادة التاريخية في تاريخ المسلمين أصبحت مادة عظيمة جداً وغزيرة غزارة لا يدانيها غيرها.
стр. 740
المحاور الثلاثة للتصنيف في التاريخ
هذه النقطعة هي التي سنجعل استعراضنا السريع حولها مدخلاً لما قد يسمح به الوقت من ذكر بعض المراجع التاريخية، هذه المحاور هي: الزمان، والمكان، والإنسان، إما أن نعنى بالتاريخ في فترة زمنية، أو نعنى بالتاريخ في صقع أو بلد بعينه، أو نعنى بالتاريخ لأشخاص بأعيانهم.
стр. 741
المحور الأول للتصنيف في التاريخ: الزمان
بالنسبة للزمان يأتينا نوع التصنيف بما يسمى التاريخ العام أو الحوليات الذي يبدأ بذكر السنوات: السنة الأولى، السنة الثانية، السنة الثانية بعد المائة الأولى إلى آخره، وهذا فيه استعراض للسنوات.
كذلك في نطاق هذه الوحدة الزمنية يذكر بلاداً مختلفة ويذكر أشخاصاً وأعلاماً مختلفين، لا يجمعهم إلا وجودهم في هذا الزمن.
ومن أنواع التصنيف المتعلق باعتبار الوحدة الزمنية: التصنيف الذي عرف بتراجم القرون: القرن الثامن، القرن التاسع، القرن العاشر، فقد اعتبر فيها الوحدة الزمنية، ووجد في هذا التصنيف البعد الإنساني بتراجم الرجال، والحوادث التي تذكر في أثناء هذه التراجم.
كذلك هناك نوع ثالث من التصنيف هو: التصنيف المتعلق بالدول، عندما يقال: تاريخ دولة بني أمية، أو تاريخ الدولة العثمانية، فهذا يشمل الزمن الذي كانت فيه هذه الدولة على وجه الخصوص.
стр. 742
المحور الثاني للتصنيف في التاريخ: المكان
بالنسبة لاعتبار المكان هناك أنواع منها: تاريخ المدن، كتاريخ بغداد، ودمشق، وطرابلس، وغيرها كما سنذكر بعضاً منها.
النوع الثاني: تاريخ الفتوح، مثل: فتوح الشام للبلاذري، وفتوح مصر لـ ابن عبد الحكم.
стр. 743
المحور الثالث للتصنيف في التاريخ: الإنسان
أما بالنسبة للإنسان، فهناك التاريخ العام للأعلام، كما في (تاريخ الإسلام) للذهبي، أو في (سير أعلام النبلاء) له أيضاً، فهو لم يشترط زمناً معيناً، وإنما ذكر أعلاماً عبر زمن اختاره من أول زمن معين إلى آخر زمن معين.
أو تاريخ الأعلام المرتبط بعلم معين: أو مذهب معين، مثل: أعلام المذاهب الفقهية، أعلام الفكر الفلاني، أو أعلام كذا، أعلام كذا إلى آخره.
فهذا يعطينا صورة إجمالية عامة عما يتعلق بأنواع التصنيف في التاريخ.
هذه الخلاصات التي ذكرتها هي مقدمة؛ لأننا لم نذكر بعد شيئاً من المصادر التاريخية، لكن هذه المقدمة أحسب أن فيها عدداً من الفوائد منها: الفائدة الأولى: أن هذه المقدمة شوقت الكثير منكم إلى أن يعرفوا هذه المصادر، كما شوقت بعضاً منكم -فيما أظن- أن يبدءوا من يومهم هذا في مطالعة بعض كتب التاريخ، وقد يستمر بعضهم يوماً أو يومين ثم يفتر أو يكسل، لكن عموماً كتب التاريخ من مزاياها أنها ممتعة، تجد فيها تغيراً وتجديداً؛ لأنها ليست علماً جامداً، وليست تخصصاً مفرداً، وإنما هي أحداث ووقائع وغرائب وأشياء منوعة لا يمل القارئ منها.
الفائدة الثانية: أنها مهدت لنا لندخل إلى المصادر التاريخية بعقلية منظمة، ولو بدأنا بأنواع التصنيف في التاريخ ودخلنا في بعض الكتب لوجدنا أن هناك صعوبة في الاستيعاب والتفاعل مع المادة المتعلقة بمصادر التاريخ.
стр. 744
ذكر المصادر المشهورة في التاريخ وفوائدها وملامحها وأنواعها
هناك كتب التاريخ العام التي تسمى: كتب الحوليات التي وحدتها أو موضوعها هو الزمن، وهذه الكتب كثيرة، منها: ما ألفه اليعقوبي وابن قتيبة الدينوري ومن أشهرها وأبرزها وأكثرها فوائد في كتب المتقدمين كتاب: (تاريخ الأمم والملوك) لـ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠هـ).
ومن هذه الكتب أيضاً كتاب (الكامل في التاريخ) لـ ابن الأثير الجزري وهو أيضاً على هذا النسق، وقد ذكر في مقدمته أنه انتفع بكتاب الطبري ومن هذه النوعية أيضاً كتاب (البداية والنهاية) لـ ابن كثير.
ولعل من المناسب أن نشير إلى بعض هذه الكتب وفوائدها وملامحها في هذا المقام، ونجعل السرد فيما تبقى من الوقت؛ لأننا نخشى ألا يبقى وقت لذكر ما يتعلق ببعض هذه الفوائد.
стр. 745
الفوائد المتعلقة بتاريخ الطبري
لقد بدأ الطبري فيما يتعلق بتاريخه من أول خلق العالم، وهذا سار عليه كثير من المؤرخين، حيث صنعوا كما صنع الطبري.
بدأ الطبري بتعريف الزمان، ومتى بداية الزمان، وبعد ذلك ذكر الروايات التي وردت في أن أول ما خَلَقَ الله القلم، فقال له: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بخلق السماوات والأرض، ثم خلق آدم، وقصة إبليس، والرسل والأنبياء من بعد ذلك.
والطبري رحمة الله عليه كان إماماً مفسراً محدثاً ومؤرخاً، وكانت شهرته في التفسير والحديث أكثر من التاريخ.
وهنا ملاحظة مهمة وهي: أن كثيراً من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء ممن لهم عناية بالتاريخ اشتهروا في مجالات علومهم التي عرفوا بها، وأهملت الناحية التاريخية في مؤلفاتهم وفي تراثهم وإنتاجهم، فجاء بعض المعتنين بالتاريخ من المتأخرين، وكتبوا في إبراز الناحية التاريخية عند هؤلاء، على سبيل المثال: (ابن عبد البر وجهوده التاريخية) (ابن حزم وجهوده في التاريخ) وغيرهما، فهؤلاء لم يشتهروا أساساً كمؤرخين، وإنما لهم شهرة في العلوم الأخرى، فأبرز بعض المتأخرين هذا الجانب عندهم.
الطبري هو من أعيان علماء المسلمين، ومن المتقدمين في القرن الثالث الهجري، وتوفي في العقد الأول من القرن الرابع كما مر بنا، وقد ألف كتابه التاريخ بعد التفسير؛ لأنه أحال في التاريخ إلى بعض المواطن في التفسير، فلما جاء عند خلق آدم، قال: لقد أجملت ذلك في التفسير؛ لأنه ليس ذلك موضعه، ثم أفاض بعد ذلك في خلق آدم وقصة إبليس وكذا.
كأنه يشير أنه لم يرد أن يفصل هذا التفصيل في التفسير؛ لأنه لا يليق به فجعله في التاريخ.
وقد ظل الطبري يملي كتابه من سنة (٢٩٠هـ) حتى سنة (٣٠٢هـ) يعني: لمدة اثنتي عشرة سنة كما ذكر المؤرخون في ترجمته.
ومن الملاحظات المهمة التي تلفت النظر: أن كثيراً من كتب التاريخ الإسلامي المتقدمة أول من عني بها ونشرها هم المستشرقون، فكتب التاريخ في طبعاتها الأولى من نتاج المستشرقين، ولعل سائلاً يسأل: لماذا؟! أقول: هناك أسباب بعضها جوهرية: أولاً: أن كثيراً من مخطوطات هذه الكتب هي في بلاد الغرب، سرقوها ونهبوها عندما دخلوا بلاد المسلمين، لاسيما لما دخلوا الأندلس، ولما دخلوا مصر، ولما دخلوا بلاد الشام.
ثانياً: أن الطباعة بدأت عندهم قبلنا بكثير، ومعلوم أن الطباعة في العالم الإسلامي جاءت بعدهم بفترة لا بأس بها، وأن أول مطبعة دخلت إلى العالم الإسلامي هي التي دخلت إلى مصر على يد نابليون بونابرت في أواخر القرن التاسع عشر، فهذا سبب تأخر الطباعة عندنا، فوجود المطابع عندهم جعلهم يتقدمون علينا في هذا الباب.
ثالثاً: أن المستشرقين في بداية هذا القرن لم تتأسس علومهم إلا على التراث الإسلامي الحضاري في بلاد الأندلس وغيرها، فكان كثير منهم قد تعلم العربية؛ ليقرءوا كتب المسلمين ككتب الطب وكتب التاريخ وغيرها من الكتب، فهم قد أسسوا ثقافتهم وعلومهم في كثير منها على كتب المسلمين، وبالتالي كانت عنايتهم بها، ومن هنا كانت أول طبعة لتاريخ الطبري عام (١٨٧٦م) على يد المستشرق دي خويه.
قال الطبري في مقدمته: وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان، من لدن ابتداء ربنا ﷻ خلق خلقه إلى حال فنائهم من انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه، من رسول له مرسل أو ملك مسلط، أو خليفة مستخلف فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعماً إلخ.
ثم ذكر أنه أرخ بعد ذلك للسنوات، وبدأ بالقول في الزمان، وبدأ بذكر قصة آدم، وقصة نوح ﵇، وما ورد في هذه القصص.
ثم أرخ بعد ذلك لتاريخ الفرس وبلاد المشرق التي كانت فيها حضارة قبل مولد النبي ﵊.
ثم بدأ بعد ذلك بمولد النبي ﵊، وما ذكر من إرهاصات وقعت أثناء مولده ﵊ في بلاد كسرى وفي بلاد قيصر، وبعد ذلك بدأ بسرد التاريخ الإسلامي.
تميز الطبري كغيره ممن جاءوا في تلك الفترة أنهم رووا التاريخ بالأسانيد، وبالتحديث والرواية عمن سمعوا منه إلى منتهى أسانيدهم.
الميزة الثانية: أنه كان يجمع كل الروايات في الحادثة الواحدة، وإن اختلفت هذه الروايات.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 746
الخسارة الكبرى
إن أعظم خسارة يخسرها العبد في الدنيا والآخرة هي خسارة رضا الله ، وإن أشنع طريق توصل إلى ذلك هي طريق الإدمان على المعاصي، وقسوة القلوب، وترك محاسبة النفس على النقير والقطمير، وإن أعظم مدرسة نقتدي بها، ونربي عليها أنفسنا هي مدرسة الصحابة والتابعين، فهم خير من حاسبوا أنفسهم، وخير من سلك الصراط، واهتدى بنور الله تعالى.
стр. 747
تجسيد الخسارة في الإدمان على المعاصي
الحمد لله الذي جعل في الإيمان فرح القلوب، وجعل في الإسلام شرح الصدور، وجعل في الطاعة لذة النفوس، له الحمد ، ذكره طمأنينة للقلوب، وشكره زيادة للنعم، نحمده على ما يحب ويرضى، وعلى آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، فله الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، له الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، له الحمد حمداً كثيراً طيباً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، علم التقى، ومنار الهدى، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا إلى اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 748
موت القلوب هو الخسارة العظمى
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الخسارة الكبرى موضوع حديثنا، فيا ترى ما هي الخسارة الكبرى، والبلية العظمى، والحسرة الجُلىّ، التي ينبغي أن تبكي قلوبنا عليها دماً، وأن تفيض دموعنا لأجلها دمعاً، هل هي الأموال التي قد تسترق، أو الأرض التي قد تغتصب، أم هي الأحباب والأعزاء الذين يغادرون الحياة الدنيا؟! هل هي في المناصب والجاه الذي قد يضيع منه ذا أو ذاك؟! ما عسى أن تكون هذه الخسارة؟ بفقه الإيمان، ومقياس الإسلام، ومعرفة الأكياس، إن المقاييس اليوم قد اختلت، الموازين وقد انتكست، أصبحت مثل هذه المعاني لا يعرفها إلا قلة من الناس، وأما من يستشعرها فأقل من القليل.
أية خسارة هذه التي نصفها بالكبرى، والتي ينبغي أن يطول عليها أسفنا، وأن يعظم عليها ندمنا؟ إنها موت القلوب وفقدان الإحساس، وذهاب الشعور الإيماني الذي يحرك القلوب إذا سمعت الآيات، وإذا أصغت للمواعظ، الذي يعصر القلوب ألماً، والنفوس حزناً، إذا قارفت المعاصي التي تجعل في النفس هماً، وفي الحلق غصة، وفي العين عبرة إذا تخلفت عن الطاعات، الذي يجعل المؤمن مشغولاً بنفسه، مصلحاً لعيبها، خائفاً من ذنبها، مجتهداً في حملها على أمر ربها.
ولعلي أصور هذه الخسارة في واقع لا يكاد يبرأ منه أحد، كبيراً كان أو صغيراً، عالماً أو متعلماً، حتى الأئمة والمصلحون، والدعاة والمذكرون والواعظون، ذلك أن هذا البلاء قد عم وطم.
لعلنا نصور هذه الخسارة ونحن نقول: كم من آيات القرآن تتلى فلا قلب يرق، ولا عين تدمع! كم من منكرات تراها الأعين، وتسمعها الأذان، فلا يضيق صدر، ولا يتمعر وجه! كم من الطاعات مهدورة متروكة وليس هناك مذكر ولا واعظ، ولا شاحذ للهمم إليها! كم من الواجبات لم ينتبه إليها أحد أو يؤديها والنفوس مع ذلك راضية سعيدة كأن شيئاً لم يحدث! كم من صلاة ضيعت! كم من فريضة وسنة أميتت! كم من بدع ظهرت ورفعت راياتها! كم وكم من أمور كثيرة! فتش قلبك وراجع نفسك، هل ثمة تأثر وتغير بحسب هذه الأحوال التي تتغير من حولنا، أم أننا قد ألفنا المعاصي فلم تعد القلوب تنكرها، وركنا إلى الدنيا فلم تعد النفوس تنبعث إلى الطاعات، ونظرنا إلى الملهيات والمغريات فلم يعد في النفس والقلب شيء تتعلق به إلا إياها؟!
стр. 749
فقد الفرقان بين الحق والباطل
أحسب أن هذه الأسئلة وهي تجول بخواطرنا نعرف أن إجاباتها مريرة، وأن حقائقها أليمة، وأن واقعنا في هذه القضية يستحق أن يوصف بأعظم من الخسارة الكبرى؛ لأننا نفقد جوهر حياتنا، نفقد الميزان الذي نعرف به مسيرنا، نفقد النور الذي نبصر به طريقنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩].
إشراق الإيمان في القلب، وحياة القلب بالطاعات، ذلك هو الفرقان، ذلك هو النور الذي نميز به بين الحق والباطل، والذي نعرف به المنكر والباطل وإن كنا نجهل أدلته، وإن كنا لا نعرف أقوال العلماء فيه، فما بالنا اليوم والمنكرات الواضحة الجلية التي قامت عليها الأدلة القطعية بينة ظاهرة.
انتبه معي إلى هذا الأمر الخطير الذي نفقده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩].
ونتذكر معاً حديث وابصة بن معبد الذي نردده كثيراً: (الإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)، ضاع منا القلب الذي يستفتى؛ لأنه فقد النور الذي به يبصر، والميزان الذي به يرجح، وبهذا يكون قد فقد حساسية الإيمان، وفقد الشعور الذي يجعله يهرب من كل ذنب ويقبل على كل طاعة وينبعث إليها.
أي قلب هذا الذي سوف نستفتيه اليوم؟! إننا نستفتيه فيكاد لا ينكر الكبائر المجمع على حرمتها، فكيف به في أمور من الصغائر؟! وكيف به في أمور من المشتبهات؟! وكيف به في سعة وزيادة من المباحات؟! إننا إن استفتيناه اليوم ربما أقر بما نسمعه من أن الفنون جميلة، وأنها في خدمة الأمة، وأنها تصنع كيت وكيت، رغم ما فيها من العري والفجور والخنا والزنا وغير ذلك.
стр. 750
فقد القلوب الواعية للقرآن المتدبرة لمعانيه
أي شيء نفقده؟ إنا نفقد أعظم شيء، وأي شيء سنجده إذا فقدنا ذلك: هل سنجد الطعام والشراب، وصحة في الأبدان نغتر بها، ونظن أنها من نعم الله علينا، وقد تكون في كثير من الأحوال استدراجاً للغافلين وإمهالاً للمسرفين؟ نسأل الله السلامة.
يقو تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]، أليست القلوب اليوم إلا ما رحم الله مصروفة عن آيات الله فلا تكاد تعيها ولا تتدبرها؟ يقول سفيان الثوري ﵀ في تعليقه على هذه الآية: إنها في المذنبين المسرفين المتكبرين عن الحق يصرفهم الله فلا يتدبرون آياته.
ويقول الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، إن لم تشعر بتدبر القرآن، وتأثر القلب به فاعلم أن الأقفال والأغلاق قد أحكمت.
انتبه إلى هذه الآيات العظيمة: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] فإن لم تكن هناك خشية فإن القلوب أشد قسوة من الصخور الصماء في الجبال الشاهقة: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١] والتقدير: لكان هذا القرآن، هذا القرآن من قوته وعظمته وشدة معانيه يسير الجبال، ويقطع الأرض، ويحيي الموتى، فما باله لا يلقى آذاناً مصغية، وقلوباً حية، ونفوساً متأثرة؟! أفليس حقاً علينا أن نبكي على أنفسنا، ونقيم العزاء على قلوبنا، وأن نستشعر أن خسارتنا هذه هي مبدأ كل الخسارات التي توالت في حياة أمتنا؟! يوم ضيعنا هذه المشاعر الإيمانية، والحساسية الروحانية، والشفافية التعبدية، والروحانية اليقينية، فقدنا من بعد ذلك الطاعات، وأكثرنا من المعاصي، وتوالت فينا الجراحات والنكبات، وكما قال ابن القيم ﵀: الذنوب جراحات، ورب جرح يقع في مقتل، فكيف إذا أصاب الجرح قلبك؟! إنه يوشك أن ينزف قليلاً ثم يعلن شهادة الوفاة.
واستمع إلى الإمام سحنون أحد أعيان فقهاء المالكية وقد وقع في ذنب، لكنه كان له قلب حي، فمضى على ضفاف دجلة في بغداد، وأخذ عوداً يضرب به على قدميه، مطأطئاً رأسه، متفكراً في حاله، متدبراً فيما وقع منه، وإذا به يقول: كان لي قلب أعيش به ضاع مني في تقلبه رب فاردده علي فقد ضاق صدري في تطلبه وأغث ما دام بي رمق يا غياث المستغيث به ذنب واحد أقض مضجعه، وجعله يتفقد نفسه، لأنه شعر أنه قد ضيع فيه قلبه الحي، وإيمانه اليقظ، وروحه الشفافة، وشعوره المرهف، ذلك الذي كان منه تيقظ وتنبه، حتى سأل ربه أن يرد عليه قلبه لتعود إليه حياته، وليحيا معه إيمانه، وذلك ما كان من أولئك النفر من الأجيال الصالحة ومن أسلافنا رضوان الله عليهم.
стр. 751
الاغترار بكرم الله وعماية البصائر عن الحق
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] أجمع أهل التفسير: أن هاهنا فهماً مغلوطاً يذهب إليه بعض الناس، كما ذكره بعضهم كـ القرطبي وابن كثير وغيرهما: (ما غرك بربك الكريم) فإن بعضهم يقول: غرني كرمك يا رب، قال: وهذا من الخطأ، وإنما ذكر اسم الكريم -كما ذكر الطبري - ليكون الإثم والذنب مستقبحاً إذا كان في مواجهة من أكرم وأنعم، وذكر ابن كثير ﵀: أن في الآية تهديداً ووعيداً لمن وقع في المعاصي وهو يعلم عظمة ربه، ويدرك كذلك كرمه فيقبح منه ذلك الذنب.
واستمع إلى الأوصاف القرآنية: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، لماذا نختلف اليوم ولنا أعين وقد نستعين بمكبرات ونظارات، ثم يخفى علينا الحق؟! لأنه ضرب على القلوب الران، وانحرفت في النفوس الأهواء، وزاغت لأجل ذلك الآراء، وافترقت الأمة شيعاً وأحزاباً.
واستمع إلى الوصف الذي ضرب صفة لأهل الكفر في أقصى درجاته: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]، أفلا نرى الأهواء المتبعة وهي قد نصبت آلهة جديدة؟! آلهة للسياحات، وآلهة للثقافات التي حقيقتها سخافات، وآلهة وآلهة وآلهة أخرى، وهي مما يتبعه الناس، ويسيرون وراءه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].
الآيات والأحاديث معروفة في المواعظ والدروس والمحاضرات والكتب، فكل شيء ظاهر بين معلوم، ومع ذلك نرى ما نرى من هذه الصور.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦]، أفليس مثل هذا الوصف واقعاً في أحوالنا، ظاهراً في أمتنا؟! أفليس جديراً بنا أن نقف وقفة مع أنفسنا، نعالج بها أدواءنا، ونعوض بها خسارتنا؟! أي خسارة أعظم من أن يموت قلبك، وأن تموت نفسك، وأن تظلم روحك، إنها مسألة خطيرة، وقضية عظيمة.
من فقه ابن مسعود ﵁ أنه قال: (كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً).
أي: من كان في قلبه خشية لله، وحب لله، وبغض لمعصية الله، وتعلق بطاعة الله، فذلك هو العلم، فإنما العلم الخشية، وإذا كان ثمة غرور بالله ، وإسراف في المعاصي، ونقول لأنفسنا وهماً وزوراً: إن الله غفور رحيم، وستر الله دليل على رضاه، وصحتنا وعافيتنا ونعمنا تدل على أننا على غير ما قد نخشاه على أنفسنا، فنكون حينئذ كالجاهل الأحمق الذي يسعى إلى حبسه بنفسه.
стр. 752
المدرسة الإيمانية لدى الصحابة ومن تبعهم
стр. 753
من وعي أبي الدرداء لحقيقة الدنيا
لعلنا نتأمل ونتأمل! فنستمع إلى مدرسة النبوة إلى أصحاب محمد ﷺ : دخل أبو الدرداء إلى بلاد الشام، ورأى ما رأى، فوقف في أهل الشام منادياً: يا أهل الشام! أخ ناصح لكم! فاجتمعوا إليه يستمعون، فقال ﵁ وأرضاه: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً، ومساكنهم قبوراً.
إنها بصيرة المؤمن الذي يعرف حقائق الأمور، ويدرك ما وراء المظاهر والمفاخر.
فما بالنا اليوم وقد خطفت أبصارنا بهارج الدنيا! ما بالنا اليوم وكأننا لا نحتمل أن نستمع لهذه الكلمات العظيمة الوجيزة! لم يكن ثمة قول كثير، ولم يكن ثمة تفريع وتشقيق للمسائل، لكنها لغة القلوب، وكلمات الإيمان، وفقه الحياة الإيمانية الأخروية؛ تلكم هي النعيم، تلكم هي الحقائق، تلكم هي الخسارة الكبرى التي افتقدناها، فلم يعد أحد يستطيع أن يذكر مثل هذه الكلمات، كم تسمعون من الوعاظ، وكم تسمعون من العلماء، ولا يكاد يجري على ألسنتهم ما يدل على هذه المعاني الإيمانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وليس ذلك عاماً، لكنه كثير لا يستثنى منه إلا القليل ممن ﵏، نسأل الله أن يسلمنا.
стр. 754
كلمات مضيئة لبعض الفقهاء
لنستمر في هذا الأمر ولنكن فيه صرحاء، هذه كلمات لبعض الفقهاء يخاطب فيها من كان عنده حظ من العلم، وعنده نصيب من الكتاب، وعنده هدي من السنة؛ يقول: يا صاحب العلم! لا تغتر بالله ولا تغتر بالناس، فإن الغرور بالله ترك أمره، وإن الغرور بالناس اتباع هواهم، واحذر من الله ما حذرك من نفسه، واحذر من الناس فتنتهم.
يا صاحب العلم! إنه لا يكمل ضوء النهار إلا بالشمس، كما لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله.
يا صاحب العلم! إنه لا يصلح الزرع إلا بالماء والطين، كما لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل.
لعل كل فقرة أو جملة نحتاج أن نكتبها ونجعلها في مجالسنا وبيوتنا؛ لنذكر بها أنفسنا نحن المنسبين إلى الإسلام، المنتمين إلى أمة محمد ﷺ ، وهو الذي أحيا القلوب بالإيمان، وزكى النفوس بالإسلام، وهدى العقول بفقه الإيمان ﵊، الذي كان يستغفر الله جل وعلا في يومه وليلته مائة مرة، بأبي هو وأمي ﵊، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يستغفر في يومه وليلته مائة مرة، وربما استنكف بعضنا إن قيل له: استغفر الله، فقال: ماذا صنعت؟! ويحي وويحك هل تظن أننا لم نصنع شيئاً، كم في الواجبات من تضييع وتفريط وتقصير، وكم وكم مما أشرت إلى بعضه، ولعلنا نتنبه.
стр. 755
ومضات إيمانية لبعض العلماء
واستمع إلى المدرسة الإيمانية وهي تسير عبر الزمان، وتنساب من أولئك النفر من أصحاب محمد ﷺ إلى من وراءهم من أجيال الأمة إلى يومنا هذا، لكننا نحتاج إلى التذكر والتدبر: كان ابن الجوزي ﵀ فقيهاً عالماً، لكنه صاحب إيمان وقلب، كان كثير من حديثه ألصق بالقلب والإيمان منه بالعلم والحجة والبرهان، يقول ﵀: من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أبصر الطريقة هدي للسفر.
ثم قال متعجباً، وأحسب أن عجبه سيطول لو كان قد أدرك زماننا: أعجب لأمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضر حال ثم يغشاه: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]، تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن، أعجب العجائب: سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما قد خبئ لك، أتغتر بصحتك، وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم.
لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك قبل البيات مضجعك، فأين عبرتك وأين عبرتك؟ وأين حياتك من غفلتك؟! أليس هذا مما نحتاج أن نتدبر فيه؟ وكان مكحول الشامي ﵀ يقول في عبارة لها معنى القانون المطرد: إن أرق الناس في هذه الحياة قلوباً أقلهم ذنوباً.
أي: إن فتشت عن رقة قلبك فلم تجدها فاعرف السر في ذلك، وأما إن كنت لا تدرك ذلك، ولا تراه مشكلة، ولا تعتبرها معضلة؛ فكبر على نفسك أربعاً، فإنك في عداد الأموات، وكما قال ابن القيم ﵀: ابحث عن قلبك في ثلاثة مواضع: عند الموت، وعند تلاوة القرآن، وذكر ثالثاً: ثم قال: فإن لم تجده فابك على نفسك، فإنه لا قلب لك.
стр. 756
مفتاح التغيير في الأنفس
إننا نحتاج -أيها الإخوة الأحبة- أن ندرك أن مفتاح التغيير هو في السنة الإلهية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
ولقد قلت مراراً: إننا نحسن النقد وكشف المعايب في الآخرين، وفي الأحوال العامة ننقد الحكام والحكومات، ونفرض على العلماء والدعاة، ولكننا لا نصارح أنفسنا لننظر إلى عيوبنا، ونفتش قلوبنا، ونبحث عن علل أنفسنا وأدوائها، ولو فعلنا ذلك لكان لنا من البصيرة ما نكون به بإذن الله أقدر على سياسة أنفسنا، وإقامتها على أمر الله، ويكون من وراء ذلك من الخير ما لا نستطيع أن نقدر قدره، ولا أن نعرف أثره، أمر عظيم خطير، صوره كثيرة، وعلاماته عديدة، لا تخفى على عين، ولا تكاد تغيب عن كل عقل.
نسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن يحييها بالإيمان، وأن يجعل فيها نور اليقين به، ولذة الطاعة المفضية إلى مرضاته.
ونسأله أن يعيذنا من الذنوب وآثارها.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 757
صور للقلوب الحية والنفوس المؤمنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن حياة القلوب بالنور والإيمان هي حقيقة التقوى.
وسأجعل للحديث تتمة، أقف في هذا المقام وقفات مع صور للقلوب الحية، والنفوس المؤمنة، التي كانت تدقق وتبحث عن أدق الدقائق في مثل هذه المعاني، مستحضرة ما روي عن المصطفى ﷺ كما عند الإمام أحمد في مسنده: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
ولقد جلس الشافعي إلى مالك ﵁ يتلقى عنه حديث النبي ﷺ ، فرأى فيه نجابة وفراسة فقال: يا غلام! لا تهلك نعمة الله بمعصية الله.
وكان الشافعي يقول مقالته المشهورة: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي تأملوا هذه المواقف العظيمة الجليلة: موقف الفاروق عمر ﵁، ذلك الرجل الذي نعرف منه جانب شدته وقوته في الحق، لكنه كان يحمل بين جنبيه قلباً رقيقاً، فكان يقول ﵀ يبين سبب مواقفه: والله لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.
في أخريات عمره كان يحدث بعض الصحابة بعد أن اتسعت رقعة الإسلام، وتعاظمت فتوحاته، وكثرت الخيرات في أرضه، وإذا بـ عمر يتحدث ويبكي ثم قال: والله لئن أبقاني الله لأصنع وأصنعن، حتى لا يكون لأرامل ونساء العراق ما يحتجن إليه.
وذكرت عنه المقالة الأخرى الشهيرة: لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لم لم أسو لها الطريق؟ وفي حديث أنس الشهير في الصحيح: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات).
وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تتحسر وتتندم على تغير الأحوال واختلافها عما كانت عليه في زمن المصطفى ﷺ ، وتتمثل بقول الشاعر: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب وهو زمن كان الصحابة فيه كثيرين، وكان القرآن فيه قد ملأ القلوب وملأ المحاريب، وكان فيه الجهاد في كل الثغور وكان فيه وكان فيه.
وروى البخاري تعليقاً عن أبي الدرداء: أنه دخل على أم الدرداء مغضباً؛ فقالت: مالك يا أبا الدرداء؟! قال: والله ما أعرف من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً.
لم يبق شيء يدله على ما كان عليه العهد الأول إلا صلاة الجماعة، وأما غير ذلك فقد رأى فيه تغيراً وتبدلاً.
وها نحن نجد مثل هذه المعاني التي فاضت من الصحابة والتابعين، والتي كانت فيها المعاني تختلف عما نحن عليه، ألم نسمع ونقرأ أن السلف كان يعزي بعضهم بعضاً إذا فاتت أحدهم صلاة الجماعة، إنها مصيبة عندهم، إنها كارثة في حسهم، فكم من جماعات، وكم من صلوات قد ضاعت وفاتت وأخرت وأرجئت! وكم من واجبات نتأخر عنها فلا ندركها إلا في آخر وقتها؟ وأين هي الصفوف الأولى؟ وأين هو التبكير إلى التكبير وأين وأين؟ واستمع وزد من ذلك ما شئت، فإن صور أسلافنا عظيمة، قال ابن سيرين ﵀ وقد ركبته بعض الديون: إني لأعلم الذنب الذي حملت به الدين.
كانوا يرون أن كل شيء يقع بهم له تفسير يتعلق بالطاعة والمعصية، فهذا ركبته الديون فلم يقل: ثمة خلل اقتصادي، ولم يقل: إن تخطيطي التجاري لم يكن جيداً، بل قال: إني لأعلم الذنب الذي حملت به الدين، قلت لرجل: يا مفلس! قبل أربعين سنة.
كلمة كأنما اعتدى بها على الآخر، فقال: تلك هي سبب هذا الدين.
وكيف ذكرها منذ أربعين، وأحسب أننا لا نستطيع أن نذكر ذنوبنا في أربعين ساعة؟ لأن الذنوب عندهم قليلة فصار إحصاؤها يسيراً، وتذكرها قريباً.
وكان رجل من السلف يسير إلى المسجد، فاعترضه سفيه فشتمه، فأي شيء قال؟ قال: اللهم اغفر لي ذنبي الذي سلط به هذا علي، أي: لم يسلط علي هذا إلا بذنب أذنبته، ولذلك لم يتوجه إليه بل توجه إلى ربه.
نكتفي بهذا ولعلنا نعيد القول فيه ونزيد؛ لتحيا قلوبنا، وترشد عقولنا، وتزكو نفوسنا، وتصلح سرائرنا، وتحسن أقوالنا، وتعظم صالحاتنا وطاعاتنا، إنه القدير الذي إذا سألناه أعطانا، والكريم الذي إذا التجأنا إليه أفاض علينا.
نسألك اللهم حياة قلوبنا، وعظمة يقيننا، وزيادة إيماننا، وصلاح قلوبنا، وزكاة نفوسنا، وعبرة عيوننا.
اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمورنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأعقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم توفنا على التوحيد والطاعات، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر منهم ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
اللهم صل وسلم وأكرم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 758
الخوف من الإسلام القادم
أعداء الإسلام يرون أن أكبر أعدائهم هو الإسلام، ولهذا فهم يتخوفون منه، مما جعلهم يحاربونه بشتى الوسائل والطرق، فيجب على جميع المسلمين أن يدافعوا وينافحوا عن دينهم، وعليهم أن يهتموا بالجوانب التي يركز عليها أعداء الإسلام، فإنهم لا يركزون عليها إلا لشدة خوفهم منها، مما يدل على أهميتها.
стр. 759
أهمية معرفة تخوف أعداء الإسلام من الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى؛ فهو جل وعلا أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى والآخرة.
ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن العنوان لهذا اللقاء الذي نسأل الله أن يكتب لنا فيه التوفيق والسداد، وأن يكتب لنا منه الأجر والثواب، وأن يخرجنا منه بالنفع والفائدة هو: (التخوف من الإسلام القادم).
وبادئ ذي بدء نحب أن ندخل إلى الموضوع من خلال أهميته والحاجة إلى تسليط الضوء عليه، وذلك من مبدأ ظاهر وواضح وبين، وهو أن الخوف: رد فعل طبعي بالنسبة للإنسان، وهو في نفس الوقت يشكل أول مرحلة من مراحل المواجهة؛ ولذلك من كلام العرب أنهم يقولون: من خاف سلم، ومن خاف نجا؛ لأن هذا الخوف هو أول خط من خطوط الإنذار التي تبدأ تشحذ القوى الموجودة عند الإنسان، فيبدأ عند الشعور بالخطر بالدارسة والتحليل، ثم أيضاً يبدأ بشحذ القوى نحو التوقع والدراسات المستقبلية، ثم بعد ذلك يبدأ في وضع الخطوات العملية المكافئة والمناسبة.
فإن الإنسان إذا لم يكن يدرك الخطر، ولم يستشعر الضرر فإنه لا يكون عنده أي حافز ولا أي توجه للقيام بأية صورة عملية في أي ميدان من الميادين، ومن هنا تكمن أهمية التتبع أو الرصد لظاهرة التخوف من الإسلام؛ لأن هذا الرصد سيوقفنا على طبيعة النقاط والموضوعات المحددة والمعينة لهذا التخوف؛ لأننا في آخر الأمر سنرى أن هناك تخوفاً، لكنه إذا لم يُدرك فلن تُعرف القنوات والخطوط الأساسية الباعثة له، وإذا عرفنا هذا سنعلم أن هذه القنوات التي شكلت هذا التخوف هي المزايا التي ينبغي أن نحرص عليها.
وسيظهر لنا أيضاً من الدراسة لهذه الظاهرة الأمور الثانوية التي لا تشكل خطراً على الأعداء، فنعرف أنها لا تحتاج منا إلى جهد كبير، وسنرى أن بعضها ربما يحتاج إلى أن نلغيه من صفوفنا؛ لأننا نجده بعد دراسة هذه الظاهرة موضعاً لرغبة العدو المواجه لنا في أن يكرس هذه الجوانب التي لا يخشى منها.
ومن هنا أحب أن أقول في البداية: إن التخوف هو في حد ذاته أول خطوة نشأت عنها كثير من الخطوات، ومن هنا نحتاج أن نعرف الطريق من أوله، والسلسلة من بدايتها.
стр. 760
سبب تخوف أعداء الإسلام من الإسلام
ظاهرة تخوف الكفار من الإسلام سنقف معها وقفات موجزة، ونذكر بالقليل الذي يذكر بالكثير الذي يمكن أن يرجع إليه وأن يحال عليه؛ ذلك أن هناك صيحات لهذا التخوف ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة، ثم هي صيحات من هذا الإسلام القادم من دياره، وكذلك صيحات تخوف من هذا الإسلام في خارج دياره.
وينتقل الأمر من بعد الصيحات إلى صور عملية تدل على هذا التخوف.
ونشير إلى المحاور المركزية لهذا التخوف، والأسباب العملية له: نحن نعرف تماماً أن هذا التخوف منشأه ومحوره الأساسي هو: الصراع العقائدي الذي هو جوهر الصراع بين الحق والباطل منذ أن خلق الله هذه الخليقة، وبعث فيها الرسل والأنبياء.
ومن هنا فإننا نجد أن هذه الصيحات من التخوف من الإسلام قديمة منذ عهد النبي ﷺ ، ومروراً بالتاريخ كله نجد أنها ظاهرة ملازمة في كل موضع يتقارب أو يتعاظم فيه دور الإسلام، وقيام مؤسسات أو حكومات بتطبيقات متكاملة له.
منذ أن بزغ فجر الرسالة المحمدية بدأ التخوف، وأضرب لذلك مثالاً ذكره ابن كثير في تاريخه: لما قدم النبي ﷺ إلى المدينة وصل إلى قباء، وقبل أن يدخل المدينة ذهب حيي بن أخطب زعيم اليهود وأخ له يقال له: أبو ياسر لاستكشاف الخبر، فذهبا ثم عادا إلى مكانهما كالين تعبين، على ظهورهما كأمثال الجبال من الهموم، فقال أبو ياسر لأخيه: أهو هو؟ -يعني: أهو محمد المذكور خبره؟ - قال: نعم، قال: فمالك عنده؟ قال: عداوته ما بقيت! وهذا يدلنا على أن الإنذار المبكر كان بمجرد معرفة الإسلام الصادق الصحيح الذي هو تصور كامل لهذا الوجود، والذي هو تشريع كامل يتناول ميادين الحياة، والذي هو تطبيق عملي يتجاوز مجرد الشعارات والنداءات، فبمجرد وجود هذه الظاهرة يبدأ التخوف، وهذا هو السر في الذي يحصل منذ بدايات هذا القرن، حتى في أوج التفوق الاستعماري الغربي الصهيوني، فإن الذين كانوا من زعمائه كانوا من البداية يرون أن التفوق لهذه الأنظمة أو لهذه العقائد ينبغي ألا يجعلها غافلة عن حقيقة الخطر الذي يتهددها، والكامن في طبيعة وحقيقة هذا الدين حينما تتضح لحملته ولأبنائه، ثم يحصل التفاعل بين هذه الحقيقة وبين حامليها وأبنائها مهما كانوا قلة، ومهما كانت إمكاناتهم محدودة، ومنذ بدايات هذا القرن وحينما دخل النصارى واليهود إلى ديار الإسلام بقواهم العسكرية وغزواتهم الفكرية وهم ينبهون على هذا الخطر.
стр. 761
بعض الصيحات التي أظهرها أعداء الإسلام في تخوفهم من الإسلام
الوقفة التي نقف عندها الآن: الصيحات القريبة العهد لهذا التخوف حتى نبدأ بنوع من التتبع أو الحصر اليسير لها.
هناك صيحات كثيرة تنبئ عن التخوف من هذا الإسلام في دياره وبين أبنائه، وجعله ليس فقط خطراً يتهدد الأوضاع القائمة في تلك الديار، ولا حتى الأعداء التقليديين أو الظاهرين لهذا الإسلام، بل تتوسع الدائرة أكثر من ذلك، ومن هذه النماذج: مقال لصحفية يهودية اسمها روس كرس تقول فيه: إن قادة الحركة الإسلامية يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة، وأن الإسلام هو خير الأديان جميعاً، وأفضل قانون تحيا عليه شعوب الأرض كلها.
ثم تتابع قائلة: والآن وقد أصبح قادة الحركة الإسلامية ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط، أصبحوا يطلبون من كل مسلم ألا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، فقد حان الوقت لكي يعرف الشعب الأمريكي أي حركة خطرة هي هذه الحركة الإسلامية! وهذه وقفة مع تعليق لراديو إسرائيل في إحدى نشراته في أواخر السبعينات: يقول المعلق: إن عودة الروح الدينية للظهور من جديد في المنطقة يشكل تهديداً مباشراً لمستقبل إسرائيل، ومستقبل الحضارة الغربية بأسرها! وحينما يقف الإنسان وقفة بسيطة يرى كم هو التضخيم في نظرنا على أقل تقدير بين الظاهرة الموجودة وحجم ما هو مطروح لها، فبضعة أفراد من المسلمين يشكلون أقلية في مجتمعاتهم، ومحدودة إمكاناتهم، ومع هذا نجد أعداءنا يقولون: إنهم لا يشكلون خطراً فقط على دولة، ولا على قوى عظمى، بل إنهم يشكلون الخطر على العالم أجمع على اختلاف ملله ودياناته ومذاهبه ومبادئه.
أيضاً: نقلت إذاعة إسرائيل في (٥/ ١١/ ١٩٨٠م) عن رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز قوله: إن سياسة الولايات المتحدة في عهد ريغن تتسم باتخاذ إجراءات عنيفة ضد الجماعات المتطرفة في المنطقة.
فتصور كيف القوى العظمى في العالم تواجه هذه الجماعات أو التجمعات بإجراءات عنيفة، وهي مهما أوتيت من بعض الملكات أو الإمكانات لا تعدو شيئاً من الناحية المادية أمام القوى المواجهة سياسياً وإعلامياً وعسكرياً ودولياً.
ونجد أن القضية ذات بعد تأصيلي، وليست ذات صورة هلامية، كما يظهر ذلك أيضاً في كلام لخبيرة سياسية أمريكية اسمها روبن رايت حيث تقول: إن على الغرب أن يدرك أن الإسلام أعجز الغرب كله على اختلاف حكوماته وقواته، وتقول: إن على الغرب أن يدرك أنه أعجز من أن يواجه هذه الصحوة مواجهة عسكرية، وأن من الأفضل أن يسالم الغرب الإسلام.
ويقول جميس بل أستاذ العلوم السياسية: إنه يتنبأ أنه خلال الأربعين سنة القادمة سوف يكون الإسلام الجماهيري قوة أديولوجية في العالم.
وهذا أيضاً يبين لنا أن القضية عندهم واسعة المدى بشكل كبير.
ويقول ألبير شبمور في كتابه حمراء غرناطة -والكلام ليس ببعيد، ولكنه ليس بقريب كثيراً-: هذا العربي الشجاع استطاع أن يغزو نصف العالم، وترك لنا في حمراء غرناطة آثار فخاره، إن هذا العربي الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين قد استيقظ، وأخذ ينادي العالم هأنا لم أمت، ومن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب المسلمين مرة ثانية في الوقت المناسب والزمن المناسب، سيحطمون الغرب عدوهم الأبدي.
وهؤلاء القوم نعرف أنهم إلى حد ما لا يتكلمون من فراغ.
ثم يقول: لست أدعي النبوة، ولكن الأبحاث تدل على ذلك، والأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة جداً.
إذاً: القضية مبنية على دراسة، ثم يؤكد على خطورة الأمر بالنسبة له ويقول: أبيدوا هذه الأشباح التي تنتظر البعث، أسكتوها إلى الأبد! فهو يرى أنه ليست هناك طريقة إلا الوأد الخفي قبل أن يولد المولود ويستهل صارخاً، ثم يغدو فتىً يافعاً، ومن بعد ذلك يمارس دوره في هذه الحياة.
فهذه صيحات تحذر من الإسلام بشكل عام ضد الحضارة الغربية كلها على اختلاف حكوماتها وقواتها.
стр. 762
التحذير من الإسلام في شرق العالم وغربه ووسطه
قضية التحذير من الإسلام ليست فقط في دائرة الغرب، وإنما التحذير من الخطر الإسلامي قوي جداً حتى في شرق العالم، وبالذات في الاتحاد السوفيتي الذي انتهى أمره إلى ماهو معلوم، وليست القضية جديدة مع الأحداث الأخيرة، وإن كانت ظهرت بشكل أوضح.
ففي مجلة جوش كروكنل - وهي من الصحف اليهودية الواسعة الانتشار- في مقال لها ذكرت الخطر، وأنه يعم كل العالم حتى المعسكر الشرقي الروسي في ذلك الوقت، إنه لا العالم الغربي ولا الاتحاد السوفيتي يستطيعان أن يرقبا بهدوء هذه اليقظة الإسلامية التي لو أسيئ استعمالها من قبل الجماعات المتعصبة لنتج عن ذلك ليس هلاك إسرائيل وإنما زعزعة استقرار جزء كبير من العالم، ولن تسلم من ذلك لا الحضارة الغربية ولا الحضارة الشيوعية.
ويقول السفير اليهودي في الأمم المتحدة: إننا نشهد اليوم ظاهرةً غريبة ومثيرة للاهتمام، وتحمل في ثناياها الشر للمجتمع الغربي بأسره، وهذه الظاهرة هي عودة الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها عدوةً طبيعية لكل ما هو غربي، وتعتبر التعصب ضد اليهود بشكل خاص وضد الأفكار الأخرى بشكل عام فريضة مقدسة.
وجاء في مجلة (نيوز ويك) نقلاً عن راديو إسرائيل: إن منطقة آسيا الوسطى أصبحت منطقة قد يحولها الملتزمون المسلمون إلى برميل بارود قابل للانفجار، وإن نزاعات القوة التي تجري في أفغانستان في الوقت الراهن تساعد في صب الزيت على الانبعاث الإسلامي في صفوف مسلمي الجمهوريات الإسلامية السوفيتية البالغ عددهم خمسين مليون نسمة.
وقد أشارت المجلة إلى الزيادة التي طرأت مؤخراً إلى عدد المنتمين إلى حزب النهضة الإسلامية في هذه الجمهوريات، وقالت: يبدو أن المجاهدين الأفغان قد اقتربوا من أي وقت مضى إلى النجاح في إنشاء دولة إسلامية متطرفة في أفغانستان، ويمثل ما تصبو إليه الزعامة الإسلامية المتطرفة التي يقودها المجاهدون لسيطرة الحركات الإسلامية على الوضع بصورة ظاهرة.
وطبعاً هذه الصورة تظهر مؤخراً بعد الأحداث الأخيرة في الجمهوريات الإسلامية، فإنها -بحسب الدراسات التي ظهرت والإحصائيات- تمثل جانباً كبيراً من قوة الاتحاد السوفيتي من حيث القوة العسكرية والنووية كذلك، وكذلك من حيث الطاقات الخام الموجودة في أراضيها.
ومن هنا أيضاً سمعنا صيحات الحذر والخوف من الخطر النووي ومحاولة احتوائه، ويحاولون ألا يكون هناك أي قوة مهما كانت بصورة مباشرة أو غير مباشرة ذات صلة بالمسلمين في الاتحاد السوفيتي.
وأيضاً نلمح أن القضية عند القوم واسعة المدى من حيث التخوف من الإسلام في عقر ديار الغرب والكفر.
ومن هنا نجد أن الظاهرة الإسلامية المنتشرة، والتي تخطو خطوات مباركة، واشتد أزرها في أمريكا وأوروبا نجد أنها ليست بعيدة عن تخوف الأعداء، ولا عن رصدهم، ولا كذلك -وهو أمر ينبغي ألا يستبعد- عن إيجاد ما يعرقل هذه المسيرة سواءً بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
ومن هنا تقول إحدى الصحف السويدية تبين هذه الظاهرة وتخوف منها: إن الإسلام بدأ ينتشر في الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة مذهلة.
وتقول الصحيفة: إن الأمريكيين وبالأخص السود منهم يدخلون في الإسلام أفواجاً، كما يلتحق بهم المهاجرون من بلدان آسيا والشرق الأقصى.
وذكرت إحصائيات رسمية قدمها مركز إعلام الاتحاد المسيحي في بريطانيا: إن معدل بناء المساجد في أمريكا هو مسجد واحد في كل أسبوع! وهذه دراسة مبنية على مركز إعلامي للاتحاد المسيحي في بريطانيا، والمساجد في أمريكا ربما أحياناً تكون عبارة عن غرف، أو عبارة عن صالات، لكن هذا المعدل الإحصائي لا شك أنه يعطي خطراً غير محدود المدى بالنسبة لأعداء الإسلام، ففي الأسبوع يُبنى مسجد واحد، وفي السنة خمسون، وبالتالي يمكن -كما سيأتي في بعض التصريحات- أن يجد الأوروبيون والأمريكيون أنفسهم محاطين بالظاهرة الإسلامية التي يخططون لحربها في ديارها، وإذا بها قد التفت حولهم -بإذن الله بصورة أو بأخرى.
وهذه صحفية إيطالية كتبت من القدس المحتلة عن أنباء ندوة عقدت في معهد (فانير) الصهيوني تحت عنوان: الاتحاد السوفيتي وغرباتشوف وإسرائيل واليهود: نسبت فيه إلى مدير وزارة الخارجية السابق القول: إن الإسلام عدو مشترك لإسرائيل والاتحاد السوفيتي.
وقال أيضاً: لأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفيتي وإسرائيل يجدان عدواً مشتركاً.
وأيضاً أصدر وزير الداخلية الفرنسي السابق أوامره إلى كبار موظفي الوزارة بإعداد تقرير عن فرنسا ذات الألف مئذنة والألف مسجد؛ على أن يحوي كافة التفاصيل عن تأثير الأصوليين الإسلاميين، فالظاهرة بدأت تأخذ حجمها من الخوف في داخل ديار القوم.
وأحد الكتاب اسمه: دييل كيبل له كتاب اسمه: (فرنسا ضاحية الإسلام)، وعنوان الكتاب ينبئ عن التخوف الكبير، والربط التحليلي الذي يعتمد على الإحصائيات والتنبؤات المستقبلية، فيقول: فرنسا ضاحية الإسلام، أي: كأنها أصبحت إحدى عواصم الإسلام ليس في العصر الحديث، وإنما حتى في العصر الإسلامي الزاهر.
ويقول: إن هذه الانفجارة الكبرى في تأكيد الهوية الإسلامية خلال ما يقل عن العقدين الأخيرين تمثل مشكلة تواجه المجتمع الفرنسي لم يسبق له مواجهة مثيل لها من قبل.
وأعتقد أن في بعض الأخبار التي تتداول سواءً في بعض الحوادث البسيطة من حوادث الحجاب أو غيرها ما يبين كثيراً من هذه الظواهر؛ ولذلك تقول روبن رايت مرة أخرى في حديث لها حول الأصولية الإسلامية: إن على أمريكا والغرب إدراك أن الأصولية الإسلامية لا يمكن أن تحتوى أو يكون لها هزيمة عسكرية أو مقاطعة اقتصادية؛ لأنها ليست ذات حدود، ولكنها موجات تتحرك على مساحات شاسعة؛ إن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتبناها الغرب هي التعايش والوفاق مع هذه الأصولية -وهذا طبعاً من وجهة نظرها- ويجب أن نعترف أن الإسلام قوة أيدلوجية، وقوة ترشحه للبقاء فتياً معافاً قادراً على العطاء، وإثبات الحضور حتى قرننا المقبل.
стр. 763
تخوف اليهود من الإسلام القادم
الصيحات والتخوف من الإسلام في داخل دياره ظاهرة واضحة جداً، ولا شك أن أحد أبرز صيحات التخوف وأكثرها وضوحاً وجلاءً تخوف اليهود من الإسلام القادم؛ لأنهم يعلمون أن قضية وبؤرة الصراع هي بين الإسلام وبين اليهودية سيما في وجود التفوق اليهودي الحالي، وعلمهم أنهم تفوقوا في أحد الجولات، وأن الجولة القادمة بشكل أو بآخر طال الزمان أو قصر للإسلام، فلذلك أصبحت الدراسات والحديث يتعلق كثيراً بالربط المباشر والكبير والضخم جداً بين العمل الإسلامي بشكل عام، وظهور الروح الإسلامية في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من أي وقت مضى.
стр. 764
الإشارة إلى بعض الدراسات والتحليلات في التخوف من الإسلام
القضية ليست عبارة عن مقالات، أو عبارة عن تصريحات عابرة، وإنما هناك صور أخرى لها، وهي صورة الدراسة والتركيز والتحليل، وهذا استعراض يسير نرى فيه أن التخوف هو الخط الأول أو الإنذار المبكر الذي يبدأ يحفز النفوس إلى أن تنتقل إلى خطوات عملية، أولها وأهمها: خطوات الدراسة والتحليل، وهذه معلومات مركزة ومختصرة عن الدراسات حول الظاهرة الإسلامية من منطلق التخوف، منها: أولاً: عقد مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون بواشنطن ندوة استمرت يومين عن النشاط الإسلامي.
ثانياً: عقدت جمعية دراسات الشرق الأوسط مؤتمرها السنوي العشرين والحادي والعشرين في مدينتي بوسطن وبلتيمور في نوفمبر سنة ١٩٨٦م و١٩٨٧م حول الظاهرة الإسلامية.
ثالثاً: تقاضى أحد الباحثين مبلغ خمسين ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مقابل تنظيم مؤتمر عالمي عن الإسلام الأصولي.
رابعاً: عقدت وزارة الخارجية الأمريكية عام ١٩٨٧م مؤتمراً حول الأصولية الإسلامية، ووجهات نظر على السياسة الأمريكية.
خامساً: عقد مؤتمر أوربي غربي لمناقشة قضية المد الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط في نهاية شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي، مما يدل على أن القضية ذات طابع عملي ودراسة في هذا الباب.
ومن هنا يتنادى هؤلاء المذعورون أو المتخوفون إلى ضرورة استثمار الجانب العملي في هذا الباب، وفي خلاصة بعض هذه الدراسات: لابد من الاعتراف أن الحاجة ملحة لمزيد من المعلومات عن تكوين هذه الحركات وأعضائها، وتجدر الإشارة إلى أن التغيير مستمر في معظم الحركات، وكثير من هذه الدول تفرغ أجهزة متخصصة للرصد والتحليل والدراسة، فمثلاً: نشرت دراسة مطولة تعرض لها بالترجمة والتعليق اليسير الدكتور أحمد خلف الله في دراسته على الإسلام والكونغرس الأمريكي في مجلة المجتمع، وكذلك كتاب الأصولية في العالم الإسلامي أو في العالم العربي وهو أيضاً كتاب ناشئ فيه دراسة استقصائية تدلنا على أن موضوع البحث والجمع والتحليل هو أحد الظواهر التي تنبئ عن ظاهرة التخوف.
ونجد هناك كثيراً من الصور لهذا الجانب خاصةً في مسائل تبادل المعلومات، وبعد الاطلاع اليسير على ما ينشر من دراسات باللغة العربية، وهي باللغة الإنجليزية أكثر، وهكذا الدراسات المتعلقة بالمخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية أو غير ذلك؛ نجد أن التخصص في هذا الجانب، والتركيز على تبادل المعلومات؛ أصبح قوياً ووطيداً، حتى إن بعض الدول الغربية عندما تعطي التأشيرات للدخول إذا جاءت طلبات من مسلمين أو عرب فإنها قبل إعطاء التأشيرات ترسل مباشرةً إلى إسرائيل لتأخذ بعض المعلومات إن كان هناك تحفظات، على اعتبار أن إسرائيل في نظر بعض الدول الغربية -وبالذات الدول الغربية التي ليس لها صلات أو دراسات في هذا الجانب- هي ملف المعلومات الأقوى والأوثق؛ بحيث توفر عليهم، أو تعطيهم التحذير المطلوب والمناسب بشكل يؤدي الحاجة التي يحتاجون إليها.
وأعتقد أن بعض الجهود البسيطة في هذا الشأن تعطينا مثالاً، ومن ذلك أحد مطبوعات الرابطة عن الصحوة الإسلامية في الصحافة الغربية، وإن كان بحثاً يسيراً أو قصيراً، لكنه يعطي ضوءاً، فضلاً عن أن تكون هناك البحوث التي تبين أو تحصر المؤتمرات والدراسات التي تصدر من أعدائنا لدراسة الظاهرة الإسلامية.
стр. 765
بعض الوسائل التي يتخذها أعداء الإسلام في محاربة الإسلام
من وسائل أعداء الإسلام جمع وتبادل المعلومات عن العمل الإسلامي فيما بينهم رغم اختلافهم؛ ولذلك من أول الاستثمارات اليهودية لتفكك الاتحاد السيوفيتي الحرص على هذه المعلومات التي لم تكن متوافرةً لديهم بشكل أو بآخر، ومن الوسائل العملية في هذا الشأن، وهي قضية مهمة جداً: التحذير والتخويف للحكومات في المناطق الإسلامية وغير الإسلامية التي قد يُرى أنها غافلة عن هذا الخطر، أو على أقل تقدير لا تعطيه الاهتمام الأكبر أو المكافئ والمناسب.
ومن الصور أيضاً: التضييق والتعطيل لمشروعات العمل الإسلامي المتعلقة بمجالات الحياة الحيوية، وهذه نقطة سنرجئها إلى مقام آخر فيه تفصيل.
стр. 766
أهم الجوانب التي يخاف منها أعداء الإسلام
سؤال مهم أعتقد أنه أحد النقاط الجوهرية في هذا الموضوع وهو: ما هو بالضبط موضع التخوف؟ قضية التخوف من الإسلام قضية عامة، فهل التخوف هو مثلاً من بعض الصور كالشعائر التعبدية؟ أو من بعض الأفكار؟ أو من أي شيء على وجه التحديد؟ فلابد ونحن نتعامل مع هذا الموضوع أن نستخلص منه ما هي أهم وأركز الأشياء التي هي مبعث التخوف؟ نستخلص هذا لنعرف أن هذه الجوانب التي هي أكثر الجوانب إرهاباً أو تخويفاً لأعدائنا قطعاً ستكون هي الجوانب التي ينبغي أن تكون بالنسبة لنا أهم الجوانب التي نعطيها الأولوية والدعم في العمل؛ لأنه ما دامت هي موضع التخوف فلا شك أنها ستكون هي الموضع الذي فيه الفاعلية والقوة المؤثرة.
ويمكن أن نلمح إلى ثلاثة محاور أساسية ربما فيها تقارب أو تتدرج، لكنها تنبؤنا أن الجوهر يتعلق بهذه النواحي: أولها: النظام السياسي في الإسلام، والتخوف من قضية الإسلام السياسي، أو السياسة الإسلامية، أو ربط الإسلام بالسياسة.
ثم في مرحلة أخرى هل يرقى هذا النظام -لو فرض التسليم بوجوده عند الأعداء- إلى أن يصل إلى مرحلة قيام الدولة وتطبيق الحكم الإسلامي؟ ولذلك تأتي النقطة الثانية من التخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية أو قيام الدولة الدينية.
ثم النقطة الثالثة وهي: هذه الدولة الدينية أو السياسية الإسلامية إن وجدت هل ستتبنى الجهاد الذي يعتبر أكثر الأمور إرهاباً وتخويفاً لأعداء الإسلام؟ وهل ستتبنى نهج الجهاد الإسلامي الذي يدعو إلى تحرير كل الأرض من كل سلطان إلا سلطان الإسلام؟ فإذاً: هناك ثلاثة نقاط أساسية وجوهرية، وهي في حقيقة العلم أيضاً تدرجية: التخوف من سياسة الإسلام، وهل ترقى الحركات الإسلامية إلى أن تكون دولة تحكم وتطبق؟ وهل سيكون من منهاجها أن ترفع راية الجهاد وتتحرك؟ ولو سلمنا بأحد هذه المراحل فلنسلم بالأخريات، فإن العدو دائماً يتنازل عند الضغط، فالإسلام العادي -وإن كانت لا تصح هذه التسميات أو التقسيمات- في صورة الشعائر من صلاة وصيام وزكاة وحج ربما لا تعطى له أهمية أو أولوية في التخوف عند أعدائنا.
فالخط الأول: هو: جانب الإسلام السياسي أو السياسة في الإسلام، فإذا وجد الأعداء أنه ولابد من هذا الأمر فسيجدون أنفسهم يريدون أن يسلموا بهذا الجانب، لكن سيدرسون هل هذا الجانب سيكون من أساسياته أن ينتقل من طور المشاركة السياسة في برلمان أو حزب أو كذا إلى أن يوجد في أصوله أنه يجب أن ينتقل إلى الحكم التام الكامل لتطبيق الشريعة؟! وإذا وجدت هذه الدولة وسلم بوجودها وانفرط العقد عليهم -والله غالب على أمره- وأقيمت دولة إسلامية تطبق شرع الله، فهل سيكون من منهجها في تصورهم الذي يخافونه ويخشونه أن تبقى في حدودها، وتقيم شرع الله في أرضها؟
الجواب
قطعاً سيكون هذا مبدأ يختلف تماماً تصوره أو التعامل معه عن قضية أو دولة ترى أنها بذرة ينبغي أن تنتشر، وصيحة ينبغي أن تصم كل الآذان، وتكون عندها مبدأية هذا الانتقال.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن هذه الجوانب الثلاثة هي التي حظيت كثيراً بالدراسة والتحليل والتخوف.
وهذا الهجوم على هذه الجوانب الثلاثة لا يستغرب أن يوجد من الأعداء غير المسلمين أو غير العرب، ولكن للأسف أنه تولى كبره بحكم القرب وبحكم السهولة كثير من أبناء الإسلام العرب الذين تأثروا بالغرب وأوروبا، وكانوا بشكل أو بآخر يمثلون هذه الوجهة ويدافعون عنها؛ ولذلك ما ننقله من نصوص مما يتعلق بهذه الجوانب أكثره عن بعض المسلمين أنفسهم الذين جنحوا عن نهج الإسلام، وإن كانوا في أصلهم مسلمين! وهذه القضايا تتمثل في ثلاثة جوانب نوجزها -إن شاء الله- إيجازاً يغني عما نحتاج إليه من تفصيل:
стр. 767
خوف أعداء الإسلام من الإسلام السياسي
أول جانب هو جانب الإسلام السياسي: نجد التركيز من الكفار منصباً كثيراً جداً وبصورة واضحة على ألا يكون للإسلام دور في السياسة، وفي أي مجال يمكن أن يحتمل، إلا أن يكون له نظام أو مجال أو صلة في الناحية السياسية، ومن هنا نجد كثرة التذكير بهذه الظاهرة، ونحن لا نحلل ولا ننتقل إلى خطوة أخرى، فموضوعنا فقط هو في التخوف، ونريد أن نرى صورة هذا التخوف ظاهرة في هذه الجوانب الثلاثة؛ ولذلك يقول الدكتور كمال أبو المجد في حوار (لا مواجهة): الإسلام لم يفرض نظاماً سياسياً مفصلاً، والخلافة ليست نظاماً محدد المعالم، وكل النصوص التي سنوردها إنما تهدف إلى قضية واحدة، وهي: أن يُعرى الإسلام من ثوبه السياسي ونظامه المستمد من نصوص كثيرة، وتطبيقات عملية امتدت واستمرت زمناً ودهراً طويلاً.
وهناك أيضاً رأي آخر نرفضه كذلك، يرى أن للإسلام نظاماً في الحكم، مفصل المعالم، متميز القسمات أقامه النبي ﵊، وألزم المسلمين من بعده بإقامته، وأنهم أقاموه أيام الخلافة الراشدة قبل أن تتحول إلى ملك عضوض، وأن على المسلمين أن يرفضوا كل ما حولهم من أنظمة الحكم والسياسة، وأن ينحوها عن مقاعد السلطة والرئاسة؛ ليضعوا نظامهم الإسلامي على رأس دولتهم الجديدة.
وهذا المبدأ المرفوض يكرس في دراسات الغرب أو في دراسات أتباع الغرب ممن تأثروا بهم، أو نهجوا نهجهم؛ ولذلك نجد هذه القضية في كتابات كثيرة.
ومن ذلك أيضاً كلام للدكتور محمد خلف الله في كتاب (النص والحكم والاجتهاد في الإسلام) يقول: إن التاريخ الإسلامي يكشف لنا عن حقيقة أن نظام الخلافة ليس مصدره النص، وإنما مصدره الاجتهاد! ثم يقول: ونحن حين نقول: الاجتهاد في هذه القضية، إنما نعني: أن العقل البشري هو الواضع لنظام الخلافة، وهنا حقيقة لابد من لفت النظر إليها، وهي: أن ما كان من اجتهاد العقل البشري لا يكون ديناً، وإنما يكون تشريعاً مدنياً! وهذا نص لا يخفى ما فيه من تفريغ الإسلام من هذا المضمون المهم الذي هو أحد أول أخطر التفاعلات الحديثة بين المسلمين والصحوة الإسلامية في هذا العصر.
وأيضاً يؤكد هذا الكلام في نص آخر يقول فيه: نظام الحكم في الإسلام مصدره الاجتهاد وليس النص، وما جاء عن اجتهاد يمكن أن يستبدل به اجتهاد جديد يحقق المصلحة، والجماعات الدينية يجب أن تترك هذه القضية؛ لتكون محل اجتهاد جديد، إن الفكر السياسي في نظام الحكم فكر بشري خالص تستطيع المؤسسات العلمية من أمثال كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه، وليس من أمثال كليات الشرعية، ولا العلماء أن يخوضوا في مثل هذا المجال.
وأيضاً نجد أن الدكتور محمد عمارة في كتابه (المعتزلة وأصول الحكم) يقول عن الإسلام: له مفاهيم عليا، ومثل عليا، ثم للناس أن يحددوا ويشرعوا ويطوروا حياتهم وفق المصلحة بعد ذلك، فليس الحكم -ولاحظ هذه العبارة- والقضاء، وليست الإمامة والسياسة ديناً وشرعاً وبلاغاً يجب فيهما التأسي والاحتذاء بما في السنة من وقائع وتطبيقات! والتنبيه على هذا الجانب هنا إنما هو بشكل إجمالي.
стр. 768
خوف أعداء الإسلام من قيام دولة إسلامية تطبق الشريعة
الجانب الآخر: وهو جانب انتقال الجانب السياسي إلى تطبيق عملي في إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية، ونحن نعلم كم هي الصيحات والصراعات في مسألة هذه النقطة، كما سيرد أيضاً لها بعض الحديث إن شاء الله، حتى إن مجلس الشعب المصري أصدر قراراً رسمياً واعتمد بشكل أو بآخر ألا يفتح في موضوعات المجلس بصورة أو بأخرى في أي جلسة موضوع تطبيق الشريعة، وأغلق فيه الباب إلى غير رجعة فيما هو مقرر حتى الآن! ونجد أن قضية إقامة الدولة الإسلامية موضع نقد شديد، وموضع تخوف كبير، كما صرح بعضهم بقوله: إذا طبقنا الإسلام وطبقنا الشريعة سنجد نصف المجتمع مقطوعي الأيدي وذوي عاهات! وهذا على اعتبار أن هذا الحكم ينفذ على السارق وعلى الزاني وعلى من أتى حداً، والأمر كما يقولون: كاد المريب أن يقول: خذوني، وإذا كان نصف المجتمع أو أكثر سيطبق عليه الحدود فلأنه كان سارقاً زانياً فاسداً بشكل أو بآخر.
والحقيقة أن التصوير المرعب والمخيف للناس -وأقصد بالناس: عموم المجتمعات- والشعوب المسلمة من تطبيق الحكم الشرعي الإسلامي يتناول هذا الجانب خاصة، وهو جانب تطبيق الحدود.
وكذلك جانب تصوير أن إقامة الحكم الإسلامي سيجعل المجتمع المسلم الذي يُقام فيه هذا الحكم مجتمعاً ضيقاً في علاقته، عدائياً في معاملاته، بدائياً في تصوراته، وهذا التأكيد دائماً نجده في كثير من المقولات التي تعالج أو تنتبه إلى هذا الموضوع، والنصوص في ذلك كثيرة، ونختار بعضاً من النصوص التي تؤكد التخوف من هذا الجانب، أو العداء له على وجه الخصوص: من ذلك قول الدكتور محمد عمارة: إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عندما قرره نبي العصر.
يعني: أن تبقى كما كانت في عهد النبي، ثم نستطيع أن نطبقها اليوم في هذا الجانب.
وهناك أيضاً تصوير الشريعة على أنها نوع من السيطرة والقهر؛ ولذلك يقول محمد خلف الله -ونأسف أن كثير من هؤلاء دخلوا ليكونوا في كلامهم مفسرين وفقهاء مجتهدين وأصحاب علم بأصول الفقه وغير ذلك-: إن القرآن الكريم كان يلفت ذهن النبي ﵊ أنه ليس على الناس بوكيل، أو مسيطر أو جبار أو ما إلى ذلك من كل ما هو من شئون الحكم والرئاسة! وهذا هو التفسير عنده، أي: أنه يقول في قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: فيما يتعلق بشئون الحكم والسياسة، وعلى أساس من هذا كان القرآن يطلب إليه أن يترك أمر عقاب الناس على مخالفتهم تعاليم الله إلى الله نفسه، فالله يخاطب النبي ﵊ بأن يترك عقاب الناس لله ، وهذا يعني عنده: أنه ليس هناك من حاجة إلى تطبيق الحكم والسياسة أو التشريع الإسلامي.
وأيضاً النقد لهذه الظاهرة يتركز في نقد منهجي حتى في الصور التي يتشبث بها المسلم الواعي، ومن أقرب الأمثلة: كلام الإسلاميين عن الخلافة العثمانية وما كان لها من دور، وأنها كانت نموذجاً -على أقل التقدير- لوحدة الأمة الإسلامية، ونجد أن الطعن في هذا الجانب في الدراسات التاريخية والمنهجية كثير جداً، مما يؤكد قضية التخوف من أن تكون هناك حكومة أو تطبيق للشرع الإسلامي بتكامله المنهجي؛ ولذلك يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري منزعجاً بشدة لتلك المحاولات العجيبة التي تحاول إعادة الاعتبار للتاريخ العثماني ولتاريخ السلاطين الأتراك في العالم العربي والإسلامي باعتبارهم رموزاً للجامعة الإسلامية ولكيان الإسلام الواحد: وهذا المنحنى التاريخي الجديد للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة مرده إلى إخفاق الحركات القومية والتقدمية التي ثارت على الدولة العثمانية، وانفصلت عنها لإقامة منحى تاريخي جديد، وهو منحنىً يرتبط بمفكري الاتجاه الإسلامي الجديد وفصائله.
وهذه نقطة أعتقد أن الأمر واضح فيها، ويكفي أيضاً أن ننقل نصاً عن الدكتور فرج فودة يقول فيه: إن القائلين بالدولة الدينية يضيفون أفعال الخلفاء الراشدين ضمن رصيدهم، والدكتور فرج فودة في كتابه (قبل السقوط) وغيره من كتاباته يركز على أنه لم يكن في يوم من الأيام ما يسمى بتطبيق الشريعة، بعد اعترافه أو غيره شكلياً أو جزئياً بشيئين: عهد النبي ﵊ ثم عهد أبي بكر وعمر، أما ما وراء ذلك فهو خارج عن هذا التطبيق؛ ولذلك نجد الكتابات مركزة في هذا الجانب، حتى كتب الدكتور عبد العظيم رمضان مقالاً فيه: وجلدوا الأئمة الأربعة بالسياط! واستعرض فتنة الأئمة الأربعة أيام مالك وأبي حنيفة وقال: هذه الحكومات والتطبيقات للشريعة الإسلامية! انظروا كيف كانت في العصور التي تستشهدون بها، وكيف جلد الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة! قال هذا كنوع من الاستقراء لبعض الحوادث التاريخية الجزئية في غير تكامل منهجي، وهذه نقطة مهمة؛ لأن الدراسة التاريخية المبتدأة يمكن أن تغير نظرة الإنسان في قضية معينة، فإذا أخذنا هذا الجانب مثلاً كحادثة معينة تشوه التطبيق، بينما هي نموذج لقضايا معينة محدودة معروفة الأسباب، ولا يمكن فهمها في غير هذا الإطار المبتدأ.
فيقول: لست أعتقد أن هناك من المسلمين من يرتضي سيرة عثمان بن عفان ﵁ كحاكم! ويقول: رفض حكمه كبار الصحابة من معاصريه لدرجة قتله ورفض دفنه في مقابر المسلمين، ثم دفن دون الصلاة عليه إلى آخر هذه الوقائع المحزنة! وطبعاً ليست وقائع حتى تكون محزنة؛ لأنها ليست صحيحة، وهذا الخط والاتجاه ظاهر كثيراً في كتابات لثلاثة أو أربعة من هؤلاء المفكرين: فرج فودة وفؤاد زكريا والعشماوي، وغيرهم أيضاً، لكن هذه صورة في هذا المجال.
стр. 769
خوف أعداء الإسلام من الجهاد الإسلامي
النقطة الثالثة هي: قضية الجهاد الإسلامي، فحينما تقوم الدولة الإسلامية هل ستأخذ بهذا النهج؟ وطبعاً الاستماتة كبيرة جداً في هذا الجانب، ولعل أهم النقاط التي ربما تلفت النظر في الكلام الأخير والمحادثات الأخيرة والتغيرات السياسية الأخيرة: التركيز على مبدأ الجهاد؛ حتى إن شامير في خطابه للافتتاح الرسمي في جلسة مدريد قال بالنص وبالحرف الواحد: عليكم- وهو يخاطب الوفود- أن تعملوا على إلغاء الجهاد.
وقضية الجهاد لا شك أنها أحد أهم مواطن الإرهاب الذي يخشى منه غير المسلمين؛ ولذلك وللأسف أيضاً نجد من مقالات الباحثين المذكورين وغيرهم هذه الصورة واضحة: يقول محمد عمارة: لا الحرب التي سميت بحروب الردة كانت دينية، ولا حرب علي مع خصومه كانت دينية؛ لأنها كانت حرباً في سبيل الأمر -أي: في سبيل الرئاسة والخلافة والإمامة- وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثم كانت الحرب لأجلها سياسية ومدنية.
إذاً: ليس هناك شيء اسمه أصلاً حرب دينية أو جهاد إسلامي عند هؤلاء.
ويقول أيضاً في كتاب (الإسلام والوحدة الوطنية): إنه طويت صفحة التاريخ الذي كان يقسم الناس إلى مؤمنين وكفار؛ طويت هذه الصفحة ليبسط مكانها صفحة الحضارة الحديثة التي تميز بين الأمم والشعوب على أساس من التحضر والخشونة والبداوة! والعشماوي ألف كتاباً كاملاً عن الإسلام السياسي جعل نصفه عن الجهاد في الإسلام، واستقرأ بعض الآيات، وخرج بقرارات أو بتصورات يريد أن يكرسها، فمن ذلك قوله: المعنى السليم للجهاد فسر خطأً من جانب بعض الفقهاء، وحرف عمداً من جانب بعض السلطات السياسية في التاريخ الإسلامي.
ونحن نعلم أنه ما من كتاب فقهي على أي مذهب من المذاهب إلا فيه باب من أبواب الجهاد وأحكامه، والفيء ووالغنيمة؛ لأنها نصوص قرآنية ثابتة.
ويقول: فسر خطأً من جانب بعض الفقهاء، وحرف عمداً من جانب بعض السلطات، فبعض الفقهاء الذين أثروا على العقل الإسلامي يقولون: إن الصلة بين الإسلام وغيره من الدول أو المجتمعات هي الحرب دائماً.
وطبعاً التقسيم الإسلامي للديار إلى: دار حرب ودار إسلام تقسيم فقهي مؤصل، له تفصيلاته وأحكام المتعاملين مع دار الإسلام، وديار الإسلام أيضاً لها أحكام تفصيلية في هذا الجانب.
ولذلك يقول: هؤلاء الفقهاء بينوا أن الصلة بين الإسلام وغيره هي الحرب دائماً، وأن السلم ليس إلا هدنةً مؤقتة ريثما يتهيأ المسلمون للحرب، وزاد البعض ثراها أنه من غير الجائز لإمام المسلمين أن يتعاقد على سلم دائم مع بلد من بلاد الحرب؛ لأن في مثل هذا السلم إلغاء لفريضة الجهاد، وهو كذلك.
وخلص إلى أن الجهاد هو وغيره إنما هو عبارة عن الصورة الدفاعية في بعض الأوقات، وإنما هو جهاد النفس! وبعد ذلك صور صورة تعبيرية جميلة يقول فيها: وبهذا يكون الجهاد أسلوباً كريماً، وباعثاً قوياً، ودافعاً سامياً للارتقاء بالذات والسمو بالنفس، والعلو بالروح حتى تعطي دون توقع للرد، وتبذل دون نظر إلى المقابل، كما أنه يكون تربية للمؤمن على أسلوب الدفاع عن النفس الذي يبدأ عندما يبدأ العدوان، وينتهي بنهايته، فلا يجنح إلى الابتداء بالعدوان، ولا ينحرف إلى الاستمرار كما تهوى النفوس عادةً ما لم تضبط بالمجاهدة الحقة، والمكابدة السليمة.
إذاً: هذه صور تبين لنا أن هذه المحاور الثلاثة هي موضع الدرس والتركيز؛ لأنها أحد أهم المعالم لهذا التخوف.
стр. 770
سبب تعاظم التخوف من الظاهرة الإسلامية في الآونة الأخيرة
نقف عند نقطة مهمة وهي: لماذا تعاظم هذا التخوف بشكل أكبر في العقد الأخير أو قبله بقليل من الظاهرة الإسلامية؟
الجواب
في تصوري أن هناك بعض الملامح المهمة لهذا الجانب: أولها وأهمها هو: انتقال الطرح الإسلامي عبر مراحل كثيرة وظروف متغيرة، من كونه قضايا فكرية، أو تطبيقات عملية لدى فئة محدودة من أبناء العمل والحركة الإسلامية إلى كونه قضيةً شعبيةً دخلت في هموم الناس وحاجاتهم اليومية، أقصد: تحول الإسلام إلى ظاهرة شعبية في المجتمعات الإسلامية، وهذا أحد أبرز المعالم للتخوف المتنامي في الفترة الأخيرة، والتمثيل بذلك يظهر من خلال بعض الشواهد البسيطة القريبة التي ربما كانت أيضاً موضع تنبه عند كثير من هؤلاء القوم.
ففي الجزائر في فترة مضت كانت هناك مظاهرة نسائية خرجت فيها ثلاثة آلاف امرأة يطالبن برسمية أو شرعية البغاء! ثم كان الرد الإسلامي بمظاهرة نسائية إسلامية متحجبة تطالب بنظام الإسلام للمرأة المسلمة، وكان المقابل من ثلاثة آلاف إلى نحو ما بين سبعمائة وخمسين ألفاً إلى مليون امرأة مسلمة! وطبعاً هذه القدرة على هذا التحريك الشعبي في صورة عملية واضحة -وليست مجرد خطابات وشعارات- أحد أبرز المعالم المهمة في هذا الجانب؛ ولذلك أيضاً نجد كثيراً من الكلام يتركز حول هذه الشعبية، بل حتى حول أساليبها البسيطة أو المحددة، فنجد الكلام على حرب الأشرطة أو حرب الكاسيت، وأنه أحد الأساليب الترويجية الشعبية التي نقلت كثيراً من المفاهيم والأفكار بشكل قوي ومتشعب في هذه الجوانب.
ونجد أيضاً أول نقطة من النقاط التحولية التي زادت من التخوف من الإسلام هي: انتقال العمل أو الصورة الإسلامية من فئة مجموعات وجماعات إلى فئات شعبية واسعة المدى وعريضة النطاق.
الجانب الثاني -وهو قريب لكنه يحتاج أن يكون منفصلاً-: النماذج العملية للتطبيقات الإسلامية في ميادين الحياة، بمعنى: أن العمل الإسلامي والإسلام كان في الفترة الماضية يُؤكد على شموليته، ويُؤكد على ضرورة معايشته لواقع الناس واحتياجاتهم، ولما بدأت الصور العملية لذلك كانت أحد أبرز المعالم لقوة التيار الإسلامي، وبالتالي أحد أبرز المعالم للتخوف الكبير من هذا الإسلام القادم.
وأضرب لذلك أمثلة: في بعض الجوانب المحددة مثل الاقتصاد والإعلام على وجه الخصوص، نأخذ نموذج شركات توظيف الأموال في مصر، حينما بدأت هذه الشركات تجعل لها منطلقات إسلامية وتعاملات إسلامية نجحت نجاحاً قوياً في ناحيتين مهمتين: الأولى: الناحية الاقتصادية التي هي أساسها.
الثانية: الناحية التي تتولد منها، وهي ربط الناس، وقوة ميلهم وارتباطهم كمبدأ وفكرة بهذه الاتجاهات العاملة في هذا الميدان، حتى إن هذه الشركات كان لها دور في دعم الاقتصاد للدولة نفسها، لكن تنامت الصيحات التحريرية من هذا تنامياً مباشراً، ثم كانت الصور العملية في محاربتها: ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال حيث إن دولة كاملة بأجهزتها وأنظمتها تكتشف بعد مضي سنوات أن هذه الشركات كانت مدلسة، وكانت سارقة، وكانت مخالفة للأنظمة! مما يدل على أن القضية إنما هي صدىً لهذا التخوف والتحذير.
وكذلك في جانب الإعلام، والجهود الإسلامية فيه لا تزال محدودة في مجلات أو نشرات، لكن مع ذلك هي أحد مؤشرات الخطر الكبير؛ لأنها تحقق النقطة الأولى، وبها يكون هناك تواصل بين العمل الإسلامي والمسلمين بشكل عام وبين الشعوب الإسلامية عبر قنوات لا تكون محدودة؛ ولذلك نجد أيضاً أن هناك الحرب والتخطيط لإيقاف وتعثير المجلات والصحف الإسلامية باستمرار، خاصةً في الديار الإسلامية، وما ذلك إلا لهذا السبب، حيث تجد أن بلداً تصدر فيه ربما العشرات والمئات من الصحف والمجلات، ثم تقوم الدنيا وتقعد على صحيفة محدودة الإمكانات، قليلة الصفحات لأنها تهتم بهذا الجانب وهذه القضية على وجه الخصوص.
إذاً: هذا جانب، والأمثلة العملية التي طُبقت وبدأت تستحوذ على الناس جانب آخر.
الجانب الثالث هو: ظهور الصورة العملية لاحتياجات الناس اليومية، وإن كانت هذه قريبة منها، لكنها أيضاً تكون مستقلة، ففي أول فوز للإسلاميين بالانتخابات في الأردن أجريت عدة مقابلات للبحث عن سر هذا الأمر، وكان إحدى هذه المقابلات مع إحدى المرشحات من غير الاتجاه الإسلامي، وأحد الأسباب التي ذكرتها أنها قالت: نجاح العمل الإسلامي في إعطاء الناس احتياجاتهم اليومية، فهناك عندهم- أي: عند الإسلاميين- المشاريع الصحية، والمشاريع التعليمية التي ليست كيانات كبيرة، وإنما تلامس واقع الناس.
وهذا أيضاً أحد أبرز المعالم التي تُستهدف وتُقصد بالعداء مباشرة، ويحصل نوع من التحوير وإقامة العثرات في سبيلها وطريقها، وهي أيضاً كثيرة.
стр. 771
الاستفادة من منهجية أعداء الإسلام تجاه تخوفهم من الإسلام
ماهي منهجية هذا التخوف؟ الحقيقة أن نفس هذا المنهج ينشأ من نفس منهج المتخوفين هؤلاء، فهم يبدءون بالجمع الشامل لهذه المعلومات والرصد لها.
إذاً: أول خطوة من الخطوات: الجمع لما نسمعه من هذه الأمور.
الخطوة الثانية: الربط فيما بينها؛ لأن القضية حينما تكون جزئية يكون النظر نحوها جزئياً، وحينما تجمع من هنا ومن هنا ومن هنا تعطي صورة متكاملة تبين أن الأمر قد يكون بيت بليل، وأن الأمر قد يكون فيه تنسيقاً بين أطراف متعددة، وأن الأمر يحظى باهتمامات كبيرة إلخ.
الخطوة الثالثة بعد الجمع والربط هي: نقطة التحليل والدراسة والاستنباط.
وهذه الجوانب الثلاثة هي التي عليها التركيز، نحتاج أن نعرفها؛ لأننا نرى أن الآخرين يرون أنها هي العوامل أو النقاط الفاعلة في تحريك العمل أو في تحريك الإسلام ضد أعدائه بشكل قوي.
والنقطة التي بعد هذا التحليل: الاستفادة منه بالجانبين المهمين وهما: جانب تقوية الجوانب التي منها الخوف والخطر عند أعدائنا؛ لأن أعداءنا لا يخشون من شيء إلا وهو في حقيقة الأمر موضع أو سبب من أسباب قوتنا، وأحد مؤهلات تفوقنا وانتصارنا عليهم.
وبالتالي أيضاً: إهمال الجوانب التي لم ترد في تخوفاتهم، بل ربما قبلوها، وربما أيضاً دعموها.
ولذلك ينشأ من هنا التصور الكلي الذي نحتاج إليه، وهو: تقديم أو ترتيب الأولويات، ومعرفة القضايا الثانوية والهامشية التي ينبغي ألا تزاحم ما هو أهم منها، وألا تشغل عن تكريس ما هو أولى في ظهور قوة الإسلام، وأسرع في تقدم خطواته نحو النجاح والنصر والتمكين، وبالتالي هذه الصورة الموجزة يمكن أن نرى أن هذه الصيحات عن التخوف إنما هي ظاهرة صحية بالنسبة للمسلمين؛ لأن عدوهم يخشى منهم، وهذا أمر يدل على وجود ظاهرة إيجابية، والذين لا يخشى منهم -وقد يفرحون بذلك، ويعتبرون أنفسهم حضاريين ومقبولين عالمياً أو دولياً أو غير ذلك- إنما يفقدون في الحقيقة قيمتهم؛ لأن الشعار العربي -وإن كان لا يطبق لكنه يدل على نوع مما يحتاجه الإنسان من وجود أثر فاعل له- هو كما قال الشاعر العربي: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع يعني: على أقل تقدير إن لم تكن ذا نفع فضر، بمعنى: أن يكون لك دور، وأن تكون لك قدرة على فعل شيء يحسب له الآخرون حساباً، سواءً كان نفعاً أو ضراً، فهذا يؤكد أن هذا الجانب الذي يفتخر به أصحابه، وأنهم لا يخشى منهم، وأنهم يرحب بهم في كل مكان، وفي كل محفل دولي؛ يدل على هذا النقطة.
آخر مسألة هي: أن أعداءنا عندهم منهجية جيدة في قضية مهمة، وهي: أنهم يضخمون ويخوفون بشكل كبير من الأمر البسيط، ليس ذلك عن جهل منهم، وإنما عن إدراك لطبيعة التطور الذي ينتج عن ذلك، فحينما يحاربون مجموعة إسلامية بسيطة، ويتهمونها بأنها تسعى إلى قلب نظام الحكم، وأن معها خمسة مسدسات أو نحو ذلك، لا نقول: إن هذا من المبالغة، وإنما هو من باب الاحتياطات خوفاً مما يأتي به المستقبل من خلال دراسات ومعرفة؛ لأن التصور يكون في هذا المجال كبيراً ومتنامياً.
فنحن أيضاً نحتاج إلى أن نعرف من هنا أن العمل الإسلامي وإن كان بسيطاً في دائرة معينة فإنه يؤذن له -بإذن الله- أن يكبر، وأن يعظم، وأن يكون ذا أثر فعال في فرص قريبة، ربما أقرب مما نظن.
نسأل الله أن يمكن لدين الإسلام، وأن يجعل هذا التخوف رعباً في قلوب أعداء الإسلام يزعزع قلوبهم، ويكون أحد أسباب النصر الذي كان لمحمد ﷺ حينما قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، ونرجو أن ينصر المسلمون برعب أعدائهم منهم كما نرى في صور كثيرة.
والله أجل وأعلم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 772
الأسئلة
стр. 773
سبب تخوف بعض الحكومات العربية من الإسلام
السؤال
ما هو سر خوف الحكومات العربية من الدور الإسلامي؟
الجواب
قد أشرت في نقطة الصور العملية أن من صور التخوف من الإسلام التي مارسها هؤلاء عمل مؤتمرات ودراسات، وجمع المعلومات وتبادلها، والتضييق والتعطيل لمشروعات العمل الإسلامي، والتحذير والضغط على الحكومات الإسلامية، وربما تكون الإجابة: أن الأتباع موافقون، وربما متفوقون على من هم تابعون له، فالحكومات المتخوفة من الإسلام حقيقةً تخوفها أكثر ما يكون من اعتمادها على التوصيات والدراسات التي تأتيها من الغرب ومن الشرق، وهي أداة منفذة أكثر مما هو مطلوب في كثير من الأحيان، بمعنى: أنها تجمع بين شيئين: الشيء الأول: التخوف الفعلي من هذا الجانب.
الشيء الثاني: أنها تعرف أن هذا ارتباط مصير بالنسبة لها، ارتباط وجود أو عدم؛ فلذلك يعظم هذا التخوف في صورة عملية أكثر، والغربيون يخشون من الإسلام أن يملك مواطن أقدامهم، لكن هذا التخوف أظهر وأقرب من الدول أو الحكومات التي تعايش هذا العمل، وترى فيه أكبر خطر عليها في وجودها ومصالحها الشخصية، فضلاً عن أنه يخدم خطط وسياسات أسيادها، أو من يدورون في فلكهم من الشرق أو من الغرب، فالصورة واضحة في الداخل، ونحن ذكرنا الغرب وأوروبا وأمريكا وإسرائيل؛ لأنهم هم الذين يمثلون الصورة الكبرى وينقلونها، والاعتماد عليهم في ذلك كثير، حتى إن كثيراً من الدول العربية والإسلامية تعتمد على إسرائيل في بعض المعلومات والتفصيلات والتوصيات، والأمثلة كثيرة، وربما في بعض البلاد تكون أظهر من بعضها الآخر، والله أعلم.
стр. 774
بعض القضايا الثانوية لا يخاف منها الأعداء
السؤال
هل هناك أمثله واقعية على بعض الأشياء الثانوية التي لا يخاف منها الأعداء؟
الجواب
في الحقيقة لا أستحضر الأمثلة سريعاً، لكن هناك قضايا فقهية في الفروع لا تلقى التخوف من قبل أعدائنا، بل تلقى الرضا، وربما يسعون إلى توسع دائرتها؛ لأنها تشغل عما هو أهم منها.
وهناك أيضاً قضايا تمس الجدل في هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنها، فهناك من يعارض أو يناقض أو يختلف في موضوع: هل نحتاج إلى أن يشارك العمل الإسلامي بصورة سياسية، ويكون له دور في هذا المجال؟ وهل هذا يصح أولا يصح؟ فهذه أيضاً قضية ربما تُدعم وتُنمى؛ لأنها تعيق هذا الجانب الذي هو موضع خوف وخشية.
وأيضاً هناك بعض القضايا التي ربما تكون فيها محدودية في النظر في تطوير تطبيق الإسلام عندما يحكم، بمعنى: أن تكون ضيقة لا تقبل إلا اجتهادات معينة، وتريد أن تفرضها في صورة أن هذا هو التطبيق الكامل والصحيح للإسلام، مما يُعطي فرصة للأعداء في تشويه تطبيق الشريعة الإسلامية؛ ولذا يريد العدو أن يشكل هذه الصورة، وهذه وأمثالها من القضايا التي يحسن أن تُنحى، وأن يُضيق إطار البحث والنقاش فيها؛ حتى لا تعيق الحركة، وحتى لا تعيق نمو الجوانب المهمة في العمل الإسلامي بإذن الله .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 775
الغنائم أيها النائم
جعل الله للخير والفضائل واكتساب الحسنات أوقاتاً ومن تلك الأوقات آخر الليل والفجر، إذ يشمل هذان الوقتان صلاة قيام الليل التي هي أفضل صلاة النوافل، وصلاة الفجر التي هي من أهم صلاة الفرائض؛ ولهذا كان أجرهما عظيماً، والتفريط فيهما خسراناً مبيناً، ينال أجرهما القائمون، ويخسرهما النائمون الغافلون.
следующие страницы →