← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الاستفادة من منهجية أعداء الإسلام تجاه تخوفهم من الإسلام ماهي منهجية هذا التخوف؟ الحقيقة أن نفس هذا المنهج ينشأ من نفس منهج المتخوفين هؤلاء، فهم يبدءون بالجمع الشامل لهذه المعلومات والرصد لها. إذاً: أول خطوة من الخطوات: الجمع لما نسمعه من هذه الأمور. الخطوة الثانية: الربط فيما بينها؛ لأن القضية حينما تكون جزئية يكون النظر نحوها جزئياً، وحينما تجمع من هنا ومن هنا ومن هنا تعطي صورة متكاملة تبين أن الأمر قد يكون بيت بليل، وأن الأمر قد يكون فيه تنسيقاً بين أطراف متعددة، وأن الأمر يحظى باهتمامات كبيرة إلخ. الخطوة الثالثة بعد الجمع والربط هي: نقطة التحليل والدراسة والاستنباط. وهذه الجوانب الثلاثة هي التي عليها التركيز، نحتاج أن نعرفها؛ لأننا نرى أن الآخرين يرون أنها هي العوامل أو النقاط الفاعلة في تحريك العمل أو في تحريك الإسلام ضد أعدائه بشكل قوي. والنقطة التي بعد هذا التحليل: الاستفادة منه بالجانبين المهمين وهما: جانب تقوية الجوانب التي منها الخوف والخطر عند أعدائنا؛ لأن أعداءنا لا يخشون من شيء إلا وهو في حقيقة الأمر موضع أو سبب من أسباب قوتنا، وأحد مؤهلات تفوقنا وانتصارنا عليهم. وبالتالي أيضاً: إهمال الجوانب التي لم ترد في تخوفاتهم، بل ربما قبلوها، وربما أيضاً دعموها. ولذلك ينشأ من هنا التصور الكلي الذي نحتاج إليه، وهو: تقديم أو ترتيب الأولويات، ومعرفة القضايا الثانوية والهامشية التي ينبغي ألا تزاحم ما هو أهم منها، وألا تشغل عن تكريس ما هو أولى في ظهور قوة الإسلام، وأسرع في تقدم خطواته نحو النجاح والنصر والتمكين، وبالتالي هذه الصورة الموجزة يمكن أن نرى أن هذه الصيحات عن التخوف إنما هي ظاهرة صحية بالنسبة للمسلمين؛ لأن عدوهم يخشى منهم، وهذا أمر يدل على وجود ظاهرة إيجابية، والذين لا يخشى منهم -وقد يفرحون بذلك، ويعتبرون أنفسهم حضاريين ومقبولين عالمياً أو دولياً أو غير ذلك- إنما يفقدون في الحقيقة قيمتهم؛ لأن الشعار العربي -وإن كان لا يطبق لكنه يدل على نوع مما يحتاجه الإنسان من وجود أثر فاعل له- هو كما قال الشاعر العربي: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع يعني: على أقل تقدير إن لم تكن ذا نفع فضر، بمعنى: أن يكون لك دور، وأن تكون لك قدرة على فعل شيء يحسب له الآخرون حساباً، سواءً كان نفعاً أو ضراً، فهذا يؤكد أن هذا الجانب الذي يفتخر به أصحابه، وأنهم لا يخشى منهم، وأنهم يرحب بهم في كل مكان، وفي كل محفل دولي؛ يدل على هذا النقطة. آخر مسألة هي: أن أعداءنا عندهم منهجية جيدة في قضية مهمة، وهي: أنهم يضخمون ويخوفون بشكل كبير من الأمر البسيط، ليس ذلك عن جهل منهم، وإنما عن إدراك لطبيعة التطور الذي ينتج عن ذلك، فحينما يحاربون مجموعة إسلامية بسيطة، ويتهمونها بأنها تسعى إلى قلب نظام الحكم، وأن معها خمسة مسدسات أو نحو ذلك، لا نقول: إن هذا من المبالغة، وإنما هو من باب الاحتياطات خوفاً مما يأتي به المستقبل من خلال دراسات ومعرفة؛ لأن التصور يكون في هذا المجال كبيراً ومتنامياً. فنحن أيضاً نحتاج إلى أن نعرف من هنا أن العمل الإسلامي وإن كان بسيطاً في دائرة معينة فإنه يؤذن له -بإذن الله- أن يكبر، وأن يعظم، وأن يكون ذا أثر فعال في فرص قريبة، ربما أقرب مما نظن. نسأل الله أن يمكن لدين الإسلام، وأن يجعل هذا التخوف رعباً في قلوب أعداء الإسلام يزعزع قلوبهم، ويكون أحد أسباب النصر الذي كان لمحمد ﷺ حينما قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، ونرجو أن ينصر المسلمون برعب أعدائهم منهم كما نرى في صور كثيرة. والله أجل وأعلم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 772

الأسئلة

стр. 773

سبب تخوف بعض الحكومات العربية من الإسلام السؤال ما هو سر خوف الحكومات العربية من الدور الإسلامي؟ الجواب قد أشرت في نقطة الصور العملية أن من صور التخوف من الإسلام التي مارسها هؤلاء عمل مؤتمرات ودراسات، وجمع المعلومات وتبادلها، والتضييق والتعطيل لمشروعات العمل الإسلامي، والتحذير والضغط على الحكومات الإسلامية، وربما تكون الإجابة: أن الأتباع موافقون، وربما متفوقون على من هم تابعون له، فالحكومات المتخوفة من الإسلام حقيقةً تخوفها أكثر ما يكون من اعتمادها على التوصيات والدراسات التي تأتيها من الغرب ومن الشرق، وهي أداة منفذة أكثر مما هو مطلوب في كثير من الأحيان، بمعنى: أنها تجمع بين شيئين: الشيء الأول: التخوف الفعلي من هذا الجانب. الشيء الثاني: أنها تعرف أن هذا ارتباط مصير بالنسبة لها، ارتباط وجود أو عدم؛ فلذلك يعظم هذا التخوف في صورة عملية أكثر، والغربيون يخشون من الإسلام أن يملك مواطن أقدامهم، لكن هذا التخوف أظهر وأقرب من الدول أو الحكومات التي تعايش هذا العمل، وترى فيه أكبر خطر عليها في وجودها ومصالحها الشخصية، فضلاً عن أنه يخدم خطط وسياسات أسيادها، أو من يدورون في فلكهم من الشرق أو من الغرب، فالصورة واضحة في الداخل، ونحن ذكرنا الغرب وأوروبا وأمريكا وإسرائيل؛ لأنهم هم الذين يمثلون الصورة الكبرى وينقلونها، والاعتماد عليهم في ذلك كثير، حتى إن كثيراً من الدول العربية والإسلامية تعتمد على إسرائيل في بعض المعلومات والتفصيلات والتوصيات، والأمثلة كثيرة، وربما في بعض البلاد تكون أظهر من بعضها الآخر، والله أعلم.

стр. 774

بعض القضايا الثانوية لا يخاف منها الأعداء السؤال هل هناك أمثله واقعية على بعض الأشياء الثانوية التي لا يخاف منها الأعداء؟ الجواب في الحقيقة لا أستحضر الأمثلة سريعاً، لكن هناك قضايا فقهية في الفروع لا تلقى التخوف من قبل أعدائنا، بل تلقى الرضا، وربما يسعون إلى توسع دائرتها؛ لأنها تشغل عما هو أهم منها. وهناك أيضاً قضايا تمس الجدل في هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنها، فهناك من يعارض أو يناقض أو يختلف في موضوع: هل نحتاج إلى أن يشارك العمل الإسلامي بصورة سياسية، ويكون له دور في هذا المجال؟ وهل هذا يصح أولا يصح؟ فهذه أيضاً قضية ربما تُدعم وتُنمى؛ لأنها تعيق هذا الجانب الذي هو موضع خوف وخشية. وأيضاً هناك بعض القضايا التي ربما تكون فيها محدودية في النظر في تطوير تطبيق الإسلام عندما يحكم، بمعنى: أن تكون ضيقة لا تقبل إلا اجتهادات معينة، وتريد أن تفرضها في صورة أن هذا هو التطبيق الكامل والصحيح للإسلام، مما يُعطي فرصة للأعداء في تشويه تطبيق الشريعة الإسلامية؛ ولذا يريد العدو أن يشكل هذه الصورة، وهذه وأمثالها من القضايا التي يحسن أن تُنحى، وأن يُضيق إطار البحث والنقاش فيها؛ حتى لا تعيق الحركة، وحتى لا تعيق نمو الجوانب المهمة في العمل الإسلامي بإذن الله . والحمد لله رب العالمين.

стр. 775

الغنائم أيها النائم جعل الله للخير والفضائل واكتساب الحسنات أوقاتاً ومن تلك الأوقات آخر الليل والفجر، إذ يشمل هذان الوقتان صلاة قيام الليل التي هي أفضل صلاة النوافل، وصلاة الفجر التي هي من أهم صلاة الفرائض؛ ولهذا كان أجرهما عظيماً، والتفريط فيهما خسراناً مبيناً، ينال أجرهما القائمون، ويخسرهما النائمون الغافلون.

стр. 776

مثال يبين حرص الإنسان على متاع الدنيا بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده هو أهل الحمد والثناء، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فعنوان هذا الدرس: (الغنائم أيها النائم)، وبمجرد إطلاق هذا العنوان لا شك أن الخواطر تدور فيها الأسئلة عن هذه الغنائم وما عسى أن تكون، وعن هذا النائم ومن عسى أن يكون؟ وليس في الموضوع صعوبة أو غرابة، وإنما أردت أن يكون في هذا العنوان ما يلفت النظر، ويسترعي الانتباه، ويشد العقول والأذهان؛ علَّ الله أن يحقق ما نصبو إليه من موعظة وتذكرة تتعلق بهذا الموضوع المهم. وأبدأ الموضوع بمثال لعله أن يكون توطئة وتقريباً لما يأتي من هذا الموضوع: لو أن إنساناً كان يغط في نومه وقد استغرق في النوم استغراقاً عميقاً، كما هو حال كثير من الناس، وقد علا شخيره، وتمكن منه النوم تمكناً كاملاً، ثم جاءه من أهل بيته أو من أصدقائه من يوقظه على عجل، ويدعوه مباشرة إلى أن يقوم ليأخذ حظاً من أموال توزع أو غنائم تهدى أو شيء من ذلك، فإنه في الغالب ينتبه ويسارع ويبادر، وربما مع مبادرته يكون مرتبكاً وغير مستوعب لما يقال له، وكذلك ربما كان النوم قد تمكن منه فلم يلتفت إلى هذه الدعوة التي فيها مصلحة وفائدة أو فيها غنيمة باردة ليس فيها عناء ولا تعب، لكن لو أن هذا الإنسان لم يكن نائماً، وإنما كان مستيقظاً، وقلنا له: في هذه الليلة في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل نريد منك أن تستيقظ، وأن تأتي لنعطيك من المال أو من الجواهر أو من الذهب شيئاً ما. فهل تراه عندما ينام -إذا نام- سيستغرق في نومه؟ وإذا استغرق في نومه هل سيحتاط لاستيقاظه؟ أو ربما يفكر تفكيراً عملياً وتفكيراً استثمارياً فيقول: وما الذي سيحصل إذا لم أنم هذه الليلة؟ وسيرابط ويجاهد نفسه على أن لا تغفو عينه وأن لا ينام حتى يأتي الوقت المضروب والموعد المحدد وهو مستيقظ، فيمد يده إلى من يعطيه فيأخذ. فلو أردنا أن نحدد هذا المثال فإننا نكاد نجزم بأن الوعد نصر كان ممن يعرف بوفاء وعده وصدق قوله وقدرته على مطابقة فعله لقوله، فإن المردود العملي سيكون أنّ هذا الذي أُخبر بهذا الوعد سوف يكون مستيقظاً متأهباً مستعداً عند الوقت المحدد ليأخذ هذه الغنيمة أو الأموال الجزيلة، فإذا جئنا له بعد أن جرب في المرة الأولى واستيقظ في الوقت وأخذ ما أخذ مما قد يشقى لأجله غيره ولا يأخذ عشر معشاره ولا جزءاً يسيراً منه وقلنا له: في كل يوم عند الساعة الثانية والنصف ستستلم -على سبيل المثال- خمسة آلاف ريال فثق تماماً أنه سيلغي وظيفته، وينام في النهار، ويستيقظ في الليل، وسيسعى بكل ما يستطيع وبكل وسيلة من الوسائل حتى لا يتخلف عن هذا الموعد؛ لئلا تفوته هذه الغنيمة الجزيلة العظيمة. ولو تصورنا أنه أخذ هذه الأموال ليلة بعد ليلة، ثم في يوم من الأيام أخذته عينه ونام، فاستيقظ بعد فوات الوقت، ولم يحصل على المخصص الموعود في كل ليلة، فما عسى أن يكون؟ لا شك أنه سيتحسر ويندم، وربما لو كان من أهل الحب لهذه الأموال لبكى واستعبر، وربما شكا وعلا صوته بالشكوى. وهكذا لو أردنا أن نسترسل في هذا المثال لطال بنا الوقت، فالمهم هو أن النائم تظهر له حاسية إضافية إذا كان هناك أمر مهم أو نافع له يرتبط بموعد يتعارض مع نومه، وهذا أمر محسوس، فالمسافر الذي وقت سفره بعد منتصف الليل لا شك أنه يتأهب ويستعد، ولو نام لكان نومه خفيفاً، ولو نام واستغرق لكان انتباهه لمن يوقظه عظيماً، وهكذا في كل أمر من الأمور الحياتية التي يشهدها الناس كارتباطهم بأوقات العمل المبكر ونحو ذلك من الأمور.

стр. 777

الغنائم العظيمة في صلاة الفجر إن ذلك النائم –في الغالب- نعتقد أنه لا يفوت الغنائم، ولو كانت على حساب قليل من الراحة أو شيء من النوم، ونحن نقول: إن هناك غنائم أعظم، وإن هناك جوائز أكبر، وإن هناك مواصلة واستمراراً لهذه الغنائم، ولكن ذلك النائم هل ينتبه؟ وهل يستيقظ ويهتم ويعتني كما اعتنى في هذا الجانب وهذا المثال الذي ذكرناه؟ هذا هو الذي نأمله ونرجوه للنائم عن صلاة الفجر المضيع لغنائم الأجر. ولا شك أن هذا الموضوع عندما نطرقه ونذكره قد يقول القائل: ما الجديد فيه؟ وما الذي سيقال عنه؟ وهل ثمة من لا يعرف عظمة الأجر في صلاة الفجر؟ وهل ثمة من يحتاج إلى التنبيه والتذكير في هذا؟ أو بصورة أدق: هل ثمة نفع يرجى من هذا التذكير والتنبيه؟ وأقول: لعل ما سيذكر في هذه الموعظة أحسب أنه بجمعه وتتابعه سيوقظ هذا النائم، ولعله أن يجعل اهتمامه أعظم ممن ضربنا به المثال، ولو أدى به الحال إلى أن يسهر ليله أو أن يجتهد بكل أنواع الاجتهاد لئلا تفوته هذه الغنائم. وأحب أن نبدأ مباشرة في ذكر هذه الغنائم دون عناية بترتيب أو تدرج في ذكرها؛ لأنا نريد أن نبين أنها كلها من كل وجه من الوجوه فيها أجر وثواب وفضل، وأثر دنيوي وأخروي، ومصلحة عملية، ونواحٍ نفسية وتربوية بلكل وجه من الوجوه، ثم بعد ذلك نعقب بمعالم رئيسة تتعلق بهذه الغنائم والفوائد والتشريعات في هذا الدين العظيم دين الإسلام، وسنمر بعد ذلك ببعض الأوهام والشبهات، وبعد ذلك أيضاً ببعض الأسباب والمسببات، ثم ببعض المقترحات والعلاجات؛ علَّ الله أن يمن علينا جميعاً بأن نحوز هذا الفضل، ونغتنم ذلك الأجر.

стр. 778

الطهارة المعنوية الغنيمة الأولى: الطهارة المعنوية، لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، رواه الخمسة إلا أبا داود، وهذا الحديث فيه غنيمة الطهارة المعنوية التي يغتسل بها العبد -بإذن الله من ذنوبه وخطاياه، كما ورد في الحديث الصحيح الآخر عند الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في شأن الوضوء، وأن المؤمن مع قطر الماء أو مع آخر قطر الماء إذا غسل وجهه وإذا غسل يديه وإذا غسل رجليه تتساقط ذنوبه إلى آخر ما ورد في ذلك الحديث، فهذا المعنى هو من أجل المعاني، سيما في صلاة الفجر التي تأتي عقب نوم الإنسان، كما قال النبي ﵊: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، فالنوم مظنة وقوع اليد في مواضع النجاسة، وكذلك النائم قد يكون في عينيه وفي وجهه من أثر النوم ما يحتاج إلى هذه الطهارة الحسية والمعنوية معاً، فينشط ويكون -بإذن الله قد أخذ بشيء من هذه الغنائم العظيمة. وهذه الغنائم سأذكرها -كما قلت- بلا ترتيب ولا تبويب؛ لأن كلاً منها لها ومضة ولها فضل وأجر، ولها تعلق إيماني بقلب المسلم الذي يتفكر في أمر الله ويتذكر الآخرة بإذن الله .

стр. 779

شهادة الملائكة الغنيمة الثانية: الشهادة الملكية، قال الله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] وفي حديث أبي هريرة الذي يذكره العلماء في سياق تفسير هذه الآية قال ﵁: قال النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فهذه شهادة من ملائكة الرحمن الذين يتنزلون من السماء كل يوم وليلة عند صلاة الفجر وصلاة العصر، فملائكة نازلون وملائكة صاعدون، والنازلون سيسألون، والصاعدون سيسألون عما يفعل عباد الله المؤمنون، ويأتي الجواب لمن كان من المستيقظين لا من النائمين فيقال عنه ويدرج ضمن الشهادة باسمه وبوصفه -والله به عليم قبل سؤال ملائكته-: (تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون). قال الألوسي في تفسيره معلقاً على قوله جل وعلا في قرآن الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] قال: أخرج النسائي وابن ماجة والترمذي والحاكم -وصححاه- وجماعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في تفسير هذه الآية: (تشهده- أي: قرآن الفجر- ملائكة الليل وملائكة النهار). قال الألوسي: وقيل: يشهده الكثير من المصلين في العادة. وقيل: من حقه -أي: هذا القرآن- في صلاة الفجر أن تشهده الجماعة الكثيرة. وقيل: تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة. من تبدل الضياء بالظلمة، والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت. وهو احتمال أبداه بعض العلماء، وبسط الكلام فيه، ثم قال: وهذا هو المراد من قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]. وكما قال هنا: لا حصر للمدلول؛ لأن هناك أسباباً عديدة يمكن أن تكون من أسباب شهادة هذا القرآن وهذه الصلاة، ولا ينبغي أن يقال ذلك في غيره. ولا يخفى ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على الاعتناء بأمر الفجر؛ لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كراماً ومتلقٍ كراماً -أي: الملائكة- فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل، ويرتاح له النازل. وما أعظم أن تشهد لك ملائكة الرحمن التي جعلها الله من المخلوقات العابدة المسبحة له سبحانه جل وعلا: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، والذين جعلهم الله لا يعصونه أبداً، فهؤلاء الملائكة يأتون بالأعداد العظيمة المتكاثرة وبالآلاف المؤلفة وبما لا يحصيه العد، فيشهدون المؤمنين وهم في صلاة الفجر وهم في صلاة العصر، فكيف يكون حال ذلك النائم الذي تفوته مثل هذه الغنائم؟! وهذه شهادة عظيمة عند ملك عظيم هو رب الأرباب وملك الملوك ، وانظر كيف يسأل عنك رب العباد ملائكته، وتشهد ملائكته عنده جل وعلا بشهادة أنك فيها من العابدين ومن المصلين ومن المستيقظين ومن المبادرين ومن المسارعين ومن أصحاب الهمم العالية والمراتب الرفيعة، فهذا لا شك أنه من أعظم هذه الغنائم، كما قال صاحب الظلال في ظلاله: ولهذين الآنين -أي: آن الفجر وآن العصر- خاصيتهما، وهما إدبار الليل وإقبال النهار، ولهما تعلق، ولهما وقعهما العميق في النفس؛ فإن مقدم الليل وزحف الظلام كمطلع النور وانكشاف الظلمة؛ كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة، ولا تختل مرة، وللقرآن إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته ونسماته الرخية، وهدوئه ونبضه بالحركة وتنفسه بالحياة، فما أجمل أن تكون في هذا الوقت مستيقظاً عابداً تالياً للقرآن ساجداً لله .

стр. 780

أداء صلاة الفجر سبب من أسباب مغفرة الذنوب الغنيمة الثالثة: المغفرة الربانية، ففي حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن النبي ﵊ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر) فهذه مغفرة ربانية إلهية دائمة متكررة، فكلما وقع منك قول أو خاطر أو فعل عن غفلة أو زلة أو وسواس شيطان أو استزلال هوى أو داعي شهوة فإن الله قد جعل في هذه الصلوات -ومنها الفجر- هذه المغفرة الربانية، وهي من أعظم هذه الغنائم التي ينبغي أن لا يفوتها العبد.

стр. 781

البشارة لمن يخرج إلى المسجد في الظلمات بالنور التام يوم القيامة وانظر رعاك الله إلى ما هو أعظم في هذه الغنائم وأكثر وأهم، ومن هذه الغنائم -وهي الغنيمة الرابعة-: البشارة النورانية. ففي حديث أنس ﵁ -ويروى هذا الحديث عن ستة عشر من الصحابة بروايات مختلفة- عند أبي داود والترمذي وابن ماجة عن النبي ﷺ أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وما أعظم هذه البشارة بهذا النور في الوقت الذي تظلم فيه على الإنسان الظلمة الشديدة والكرب العصيب والهول العظيم، ويلتمس أهل النفاق النور فيضرب بينهم بسور قال الله تعالى عنه: ﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، فيوم لا يختص بالنور إلا أهل الإيمان يأتي هذا الحديث بشارةً من النبي ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد) ومن هذه الظلم المشي إلى المساجد في صلاة الفجر، قال ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، إنه نور تام في يوم القيامة، والعبد أحوج ما يكون إلى النور الذي ينور له طريقه ويهديه بإذن الله سبيله، ويجعله بإذنه من أهل الرحمة والمغفرة والرضوان. فما أعظم هذه الغنيمة التي تأتي وتضيع على ذلك النائم وهو يغط في نومه ويعلو شخيره، وقد وقع به من الغفلة والركون إلى الدعة والراحة ما وقع، فهو أكثر خسارة من ذلك الذي فوت بعض أجر الدنيا أو بعض مالها أو بعض ذهبها وجواهرها، فجعل يعض أصابع الندم، فكم من نائم عن صلاة الفجر ولم يعبأ بها، ولم يكترث لها، ولم يحزن لعدم إتيانه بها، ولم يتندم على عدم صلاته إياها في وقتها! وكم يمر ببعض الناس يوم إثر يوم وهم لا يؤدون الصلاة في وقتها، بل ربما لا يؤدونها بالكلية إلا من رحم الله، نسأل الله أن يعصمنا من أن نكون من أولئك الغافلين النائمين.

стр. 782

الحيوية والنشاط في روح مصلي الفجر وبدنه الغنيمة الخامسة: الانطلاقة الحيوية، وهذه أيضاً غنيمة عملية دنيوية دينية وإيمانية في الوقت نفسه، وهذه أثرها واضح، وأمثلتها العملية بالكثرة التي لا تحصى، يشرحها لنا أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة منها فيقول: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ- أي: النائم- فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) رواه مسلم. فمن صلى الفجر في جماعة واستيقظ في ذلك الوقت وتوضأ صرف الله عنه عقد الشيطان وما ضرب عليه، فيصبح منشرح الصدر طيب النفس قوي العزم متجدد النشاط، فيه حيوية للعمل والانطلاق والتحرك، وفيه أيضاً أريحية، فتلقاه إذا لقيته يبتسم في وجهك، ويبش لمقدمك، ويهب لمساعدتك، وقد وجد في نفسه من برد الإيمان ومن الاستقامة ومن عظمة ما تلقاه النفس البشرية من أثر العبادة لله من عظيم هذه الآثار ما يجعل في انطلاقته في أمر حياته وفي سائر شئونه ما الله به عليم. ومن نام عنها فحاله -كما ورد في الحديث-: (أصبح خبيث النفس كسلان) حيث تجد بعض الناس إذا لقيته في الصباح كأنما ركبه الشيطان، فإذا هو مقطب الجبين معبس الوجه، وحين تسلم عليه كأنما قد سببته أو شتمته، وتجده في أموره متعثراً، وتجد بعض القضايا اليسيرة التي تمر به فإذا به يضيق أشد الضيق، وكثيراً ما ترى بعض الناس ممن لا يشهدون الفجر في جماعة دائماً يشتبكون ويتعاركون ويختصمون في أول النهار؛ لأنهم قد حرموا من هذا الأثر لهذه النفس التي تتحرك وتنطلق، ولذلك انظر إلى ما يحصل -وهذا واقع ينبغي أن نربطه بمثل هذا الحديث- عند انطلاق الناس إلى الأعمال وإلى المدارس في الصباح، فكم ترى دائماً من المشاكسات والمعاكسات بالسيارات والاشتباكات بين السائقين! وذكر بعض الكتاب في هذا كلاماً جيداً فقال: من وقع له مثل هذا فإنه يستقبل يومه بخير، فإذا بزوجته تبش في وجهه، وإذا بأبنائه يستيقظون نشيطين، وإذا به إذا مر بسيارته يجد الإشارة خضراء، وإذا به يذهب إلى عمله فيجد أموره ميسرة، ونحو ذلك، أما غيره فلا يجد مثل هذا. وللأسف أن بعضاً منا لا يربط مثل هذا الربط، بل بعض الناس يستغربه، بل بعضهم يعترض عليه ويقول: ما دخل هذا بهذا؟ ونقول: إن الفقه الإيماني يجعل للطاعة أثرها المحسوس الملموس، ويجعل للمعصية أثرها المحسوس الملموس، وقد سئل الحسن ﵁: ما بال أهل الليل على وجوههم النور؟ فقال: خلوا بربهم فألبسهم من نوره. وهكذا ينبغي أن نوقن أن الطاعة لها أثر في التيسير وفي انشراح الصدر وطمأنينة القلب وسكينة النفس وكل هذه الأمور، فهذا الحديث -أيضاً- شاهد من هذه الشواهد، والشيطان يقول: (عليك ليل طويل فارقد) أي: ما زال في الليل طول. وإذا أذن المؤذن قال: ما زال هناك وقت طويل على الإقامة. فإذا أقيمت الصلاة قال: يمكن أن تدرك الركوع، وهذا الإمام يطول في قراءته وهكذا حتى يذهب الوقت. أما من لا يستيقظ فذاك نومه أصلاً طويل قد غفل عن طاعة الله ونام عن العبادة، نسأل الله السلامة.

стр. 783

مصاحبة رعاية الله لمصلي الفجر الغنيمة السادسة: الحصانة الإلهية، وهذه أيضاً تابعة للتي قبلها، وكم يحتاج الإنسان إلى أن يحصن نفسه! فإذا كانت هذه الحصانة من الله، وإذا كان هذا الحفظ من الله فانظر -رعاك الله- كيف يكون من صلى الفجر في جماعة في سلامة وأمن وطمأنينة لا يمكن أن يحوزها أي إنسان! لأن أي إنسان سيعتمد في هذا الحفظ أو في هذه الحصانة على جهود بشرية أو على قوىً أرضية، وأنت معتمد على رب الأرباب ، كما في حديث جندب بن سفيان عن النبي ﷺ قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله في ذمته بشيء) أي: هو في حفظ الله ما دام على طاعة الله. ولهذا جاء تنبيه النبي ﵊ على أن لا يطلبك الله في ذمته بشيء، فإذا كنت الآن في حماية إنسان يحميك ويسترك ويدافع عنك، ثم في أثناء هذه الحماية تتكلم عليه أو تسيء إليه، أو يكون قد طلب منك أمراً فلم تستجب له فلا شك أنك حينئذٍ تخسر ذمته، وقد يرفع عنك حصانته، ويقطع عنك حمايته، فأنت في حماية الله وفي حفظ الله قد أخذت هذا العهد وهذه الذمة من الله منذ أول يومك عندما ينشق الفجر ويبزغ أول بصيص للنور وأنت قائم بالصلاة ساجد لله ، فإذا كنت في ذمة الله فاحفظ هذه الذمة بالطاعة لتكون في حفظ الله وذمته سائر يومك، وما أعظم هذه الغنيمة! فإنها غنيمة من الغنائم الكبرى.

стр. 784

أداء صلاة الفجر سبب من أسباب دخول الجنة وأعظم من هذه الغنائم وأكبر أيضاً ما نعنون له بـ (الغنيمة السابعة) وهي غنيمة عظيمة، وهذه الغنيمة تشتمل على أمر من أعظم مقاصد العبد في هذه الحياة، فعند البخاري ومسلم حديث لا يتجاوز الكلمات الخمس، لكنه يشتمل على أعظم شيء في هذه الحياة مما يتعلق به العبد المؤمن وينشغل به فكره ويبذل فيه جهده وينفق فيه ماله، وهو دخول الجنة، يقول ﵊ (من صلى البردين دخل الجنة)، وهذا كلام واضح، وعبارة موجزة، وشرط وجواب شرط، وقطع وجزم من النبي ﵊، فلا تردد ولا شك: (من صلى البردين) فالنتيجة: (دخل الجنة)، ولم يقل: يدخل الجنة. وإنما (دخل) بصيغة الماضي لتحقيق هذا الوعد وتأكيده والقطع والجزم به بلا أدنى شك ولا تردد. والبردان -كما ذكر أهل العلم والمحدثون- هما: صلاة الفجر وصلاة العصر. لوقوعهما وقت برد الهواء وطيبه، عندما تكون في نومك تهب عليك نسائم الفجر، وأنت قد نمت بعد تعب وعناء واجتهاد أو عمل، وتأتيك هذه النسائم، وتسمع ذلك النداء: (الصلاة خير من النوم)، فإذا تركت هذا الهواء العليل وهذا البرد الجميل وتلك الراحة اللذيذة والنومة العزيزة، وقمت لله لتصلي الفجر فإن الثواب مقطوع به ووعد من النبي ﵊: (دخل الجنة). وحث عليهما لأنهما وقت اجتماع الحفظة، ولأن الصبح وقت التثاقل والكسل من النوم، والعصر وقت انهماك الناس.

стр. 785

أداء صلاة الفجر سبب من أسباب رؤية الله يوم القيامة وأعظم من تلك الغنيمة رؤية الله ، وهي الغنيمة الثامنة، ففي حديث النبي ﵊ عند مسلم في تفسير قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: (الحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله . وفي حديث جرير ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إن إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) [طه:١٣٠]) رواه أصحاب السنن الأربع. وقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر) التشبيه في صفة الرؤية لا في صفة المرئي. أي: سترونه بوضوح كوضوح رؤيتكم للقمر في ليلة البدر. وقوله: (لا تضامون في رؤيته) أي: ليس هناك زحام، وليس هناك صراع، بل ترون الله رؤية عظيمة هي من أعظم الأجر، وهي كما قال الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وهي لذة النظر إلى وجه الله . وحث النبي ﵊ على نيل هذه الغنيمة العظيمة بقوله: (فإن استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) والمقصود صلاة الفجر وصلاة العصر، وقرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]. قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح الحديث: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى.

стр. 786

أداء صلاة الفجر سبب من أسباب البركة والنجاح ومن الغنائم -أيضاً- الغنيمة التاسعة، وهي غنيمة البركة والنجاح، في حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها) رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: رجاله ثقات، إلا أن شيخ الطبراني لم أجد له ترجمة. ثم عقب عليه غيره فقال: وقد ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن عساكر في تاريخ دمشق. وفي رواية عن ابن عمر عند الطبراني في المعجم الكبير بمثل هذا اللفظ أيضاً، وفي بعض رواته اختلاف بين توثيق وتجريح من بعض أهل العلم. وفي حديث عائشة -وفي سنده ضعف- قالت: قال النبي ﷺ : (باكروا طلب الرزق؛ فإن الغدو بركة ونجاح) فالحديث الأول عن جابر صححه أهل العلم وفيه: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها) والبكور: أول النهار. ومصلي الفجر هو مقتنص ذلك البكور، وهو الذي ينال هذه البركة، وهذه البركة ينبغي أن نذهب ونبحث في واقعنا لنرى أثرها الملموس، فإن الذي يصلي الفجر ويباشر حياته فلا ينام يجد اتساع الوقت والقدرة على إنجاز الأعمال، إضافة إلى القدرة على الحفظ والاستحضار للمعلومات أو المقروءات، إضافة إلى قوة الاستيعاب والاستنباط؛ لأن العقل في ذلك الوقت يكون أنشط ما يكون بعد راحة الجسد، والقوة الذهنية التي يستأنف بها أول يومه وأول نهاره يبارك له فيها، فكيف إذا كان مع هذا البكور قد سبقه بالطاعة والعبادة لله ؟

стр. 787

صلاة الفجر سبب من أسباب صحة الجسم الغنيمة العاشرة: الصحة الجسدية، ولابد أن ندرك أن أمر العبادات والطاعات وأمور الفرائض والواجبات مع أمور المحرمات الواردة في التشريعات أنها كلها خير للإنسان، فلابد أن نعلم أن الصلاة وإن كانت عبادة إلا أن لها أثراً صحياً يطول ذكره، وفي ذلك كتاب كامل عن النواحي الصحية في الصلاة بدءاً من الوضوء وانتهاءً بحركات الصلاة، وما فيها من أثر على عضلات الإنسان ومفاصله إلى غير ذلك. لكننا نخص الفجر، فقد ذكر ذلك بعض أهل الطب فقال: أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة، منها أنه في وقت الفجر تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون في الجو عند الفجر، وتقل تدريجياً -وتأمل حكمة التشريع- حتى تضمحل عند طلوع الشمس -أي: بانتهاء وقت الفجر ينتهي هذا الأوزون- ولهذا الغاز تأثير مفيد للجسم، ومنشط للعمل الفكري والعضلي، بحيث يجعل الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا يجد لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل. ذكر هذا الدكتور عبد الحميد زياد في كتابه (مع الطب في القرآن الكريم). فإذاً صلاة الفجر -أيضاً- صحة ونشاط وحيوية في أمور واضحة محسوسة، فهذه -كما قلت- بعض هذه الغنائم العظيمة والفوائد الجزيلة التي يفوتها ويضيعها ذلك النائم، وتأمل وتذكر أن هذه الغنائم ليست مرة واحدة في العمر، وليس عليها سحب كما في المسابقات السنوية أو الشهرية، وليس فيها مجال -أيضاً- للتخلف بأن يكون هناك وعد ثم يكون هناك تأخر، كلا، بل هذه غنائم يومية مستمرة ما دامت هذه الحياة الدنيا، وهي مقطوع بها لا يمكن أن تتخلف، ولا أن تتأخر، ولا أن تنقص؛ لأنها من عند الله ، وشواهد الواقع العملي تدل على ذلك، وشواهد سيرة النبي ﷺ وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم تدل على ذلك أيضاً.

стр. 788

خسارة من ضيع صلاة الفجر أو أخرها عن وقتها انتقل إلى نقطة مهمة تكمل حديثنا عن هذه الغنائم، وهي ما يقابل ذلك من تفويت هذه الغنائم، فمن فوتها ليست خسارته أنه أضاع الغنائم وفوت المكسب والمربح، وإنما خسر خسارة أخرى عظيمة، ونكب نكبة أخرى خطيرة، وهي التسلط الشيطاني عليه؛ لأن النبي ﵊ –كما في حديث أبي هريرة - قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة فيقول: عليك ليل طويل فارقد)، فالذي ينام ولا يستيقظ كأنما مكن الشيطان منه، وقد سئل النبي ﷺ -أيضاً- عن رجل نام فلم يستيقظ لصلاة الفجر حتى أيقظه حر الشمس، فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان في مسير له مع بعض أصحابه، فناموا عن صلاة الفجر) وفي بعض الروايات قال النبي ﵊ لـ بلال: (اكلأ لنا الفجر) يعني: أحرسنا وابق مستيقظاً حتى توقظنا للفجر. لأي شيء صنع ذلك النبي ﵊؟ لأنهم كانوا في مسير لهم، وقد بلغ منهم التعب مبلغاً، وقد عملوا في هذا المسير جهداً كبيراً، فخشي إذا ناموا أن لا يستيقظوا، قال بلال: (فظللت مستيقظاً حتى إذا قرب الفجر وأنا مسند ظهري إلى ناقة فغلبني النوم، فلم يستيقظ أحد، حتى كان أول من استيقظ رسول الله ﷺ ، استيقظ من حر الشمس، فقال ﵊: تنحوا عن هذا المكان –أي: ابتعدوا عنه- ثم أمر بلالاً -بعد أن ساروا قليلاً وابتعدوا- أن يؤذن فأذن، ثم توضئوا، ثم صلوا ركعتي الفجر، ثم أمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح)، رواه البخاري ومسلم. والشاهد من هذا الحديث أن النبي ﷺ انتقل عن هذا المكان الذي نام فيه هو وأصحابه حتى فاتهم وقت الفجر، وذكر بعض أهل العلم أن هذا من الأسباب التي هي بقدر الله ولها تعلق بالشيطان، لذلك ابتعد النبي ﷺ عن هذا المكان وتقدم عنه قليلاً، ثم صلى في غير هذا المكان. وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص أيضاً يشهد لهذا المعنى، وفيه أن نوم النائم عن صلاة الفجر إلى طلوع الشمس هو بسبب تحكم الشيطان أو تسلطه عليه بقدرة الله ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات فقال: وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول) وفي الحديث الآخر عن النبي ﷺ قال: (إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان)، فالذي يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد طلوع الشمس يدرك هذه الخصيصة المتعلقة بالشيطان. وفي حديث عمرو بن عنبسة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي الليل أسمع -أي: ادعاء العبد عند الله ؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح، ثم أقصر-أي: عن الصلاة- حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار) فالذي ينام حتى يصليها وقت طلوع الشمس فإنه مع أولئك القوم، وإنه -والعياذ بالله- قد دخل فيما يتعلق بهذه الأحاديث من ذكر للشيطان.

стр. 789

التطبيق العملي لصلاة الفجر عند السلف الصالح ﵏ ننتقل إلى وقفة يسيرة للتطبيق العملي عند سلفنا الصالح وغنائم الأجر في صلاة الفجر. فقد ورد في صحيح ابن خزيمة من رواية بعض الصحابة قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن)؛ لأن ترك صلاة الفجر والعشاء من علامة المنافقين، كما ورد في حديث النبي ﷺ عن صلاة الفجر والعشاء أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، لذلك كان الصحابة يقولون: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) أي أنه ربما يكون من أهل النفاق، والعياذ بالله. وأنقل هنا عبارة فيها ذكر لبعض مواقف ومقالات السلف مع نوع عتاب وتحذير مما عليه حال كثير من الناس في التراخي والتهاون في شأن الصلوات عموماً والفجر خصوصاً. وهذا -وللأسف- لم يعد اليوم مخصوصاً بعامة الناس، بل بخاصتهم، بل بالصالحين منهم، فكثير من الشباب الصالحين يغلب عليهم أنهم يؤخرون الفجر عن وقتها، ولا يشهدونها في المساجد والجماعات، وهذا لا شك أنه من أعظم التقصير، فلعلي أورد هذه العبارة بما فيها من نقل عن السلف حتى نتنبه لما فيها، يقول قائلها: ولست أدري كيف يكون داعية –أي: إلى الله من يتخلف عن الصلوات في الجماعات، لاسيما في الفجر والعصر، مع ما ورد في أدائهما من عظيم الأجر، وما جاء في فواتهما من التحذير من الإثم والوزر، وقد ترخص كثيرون في ذلك، فلا يهمهم التذكير، ولا يعنيهم إدراك التكبير. ولست أدري ما يقول هؤلاء إذا سمعوا مقالة إبراهيم بن زيد التيمي حين قال: (إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه). والحقيقة أن الأمر في هذا يطول، والتفريط فيه من بعض الدعاة كثير وخطير، ونصوص الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.

стр. 790

كلام الصحابة ﵃ في تأخير الصلاة عن وقتها ولعلنا نشير إلى أن السلف الصالح من هؤلاء التابعين والصالحين إنما أخذوا ذلك عن صحابة النبي ﷺ ، وحسبي أن أذكر ما أورده البخاري في كتاب الصلاة تحت باب (تضييع الصلاة عن وقتها)، وروى بسنده عن أنس قال: (ما أعرف شيئاً مما كان على عهد رسول الله ﷺ -يعني: غيرتم كل شيء- فقيل له: الصلاة- أي: الصلاة ما زالت كما هي عن النبي ﵊؟ فقال: أليس صنعتم فيها ما صنعتم؟) أي: من تأخيرها عن وقتها أو إخراجها عن وقتها إلى صلاتها بعد أداء الوقت. وفي الباب نفسه روى البخاري عن الزهري قال: دخلت على أنس - وأنس في ذلك الوقت كان قد طعن في السن، فهو ممن تأخرت وفاته من الصحابة- وهو يبكي ﵁ وأرضاه، قلت: ما يبكيك؟ قال: (لا أعرف شيئاً مما أدركت- أي: على عهد النبي ﷺ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت)، فكان أنس يبكي في عهد التابعين. وهناك قول آخر وهو قول أم الدرداء: ما لك يا أبا الدرداء؟ قال: ما أنكرت من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً وقد تغير الحال). وكانت عائشة ﵂ وهي في عهدها وفي عهد التابعين وتوافر الصحابة الكثيرين تستشهد بقول القائل: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب والحديث في هذا عن سير السلف رضوان الله عليهم يطول ويطول جداً.

стр. 791

الرد على من يتعلل ببعض الشبهات في تأخير الصلاة عن وقتها يأتي الحديث هنا عن الأوهام والشبهات التي يتعلل بها ذلك النائم، ويضيع بها تلك الغنائم، فبعض الناس يستشهدون بأحاديث وبنصوص أحب أن أوردها وأن أذكرها، وأن أبين أن ما يذكرونه أو ما يتوهمونه غير صحيح، فبعض الناس يجعل النوم على إطلاقه عذراً، وبعضهم يجعل التعب أو المشقة اليسيرة عذراً لتأخيرها عن وقتها وعدم شهودها في الجماعة، وقد كان الصحابة والسلف الصالح بعدهم يصاب أحدهم بالفالج –أي: بالشلل النصفي- فيؤتي به وهو يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ليصلي مع الجماعة، ولم تكن عندهم سيارات يركبونها، ولا طرق ممهدة يسيرون عليها، ولا فرش موطأة يصلون عليها، ولا مكيفات باردة تهب عليهم نسائمها، ومع ذلك كان الواحد منهم لا يتخلف عن الصلاة، وإذا تخلف عنها شعر بالخطر العظيم والكرب الجسيم، وبكى وندم واستغفر، وربما عزاه بعض أصحابه، ولم يكن الحال كما عليه حال الناس اليوم. وقد سأل بعض الصحابة النبي ﵊ عن نومهم عن الصلاة فقال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة) رواه مسلم والترمذي وأبو داود. وفي حديث علي ﵁ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)، وبعض الناس يأخذون هذين الحديثين على إطلاقهما، ويرون أنه ليس في النوم تفريط، والمدلول اللفظي للحديث الأول هو أن النائم إذا فاتته الصلاة لا يعد ذلك تفريطاً منه؛ لأن النوم سلطان ليس بيده، وذلك إذا كان حريصاً على الصلاة ملتمساً الأسباب للاستيقاظ ولشهودها، آخذاً بكل الأسباب المعينة على ذلك، ثم غلبه النوم من غير اختيار منه على ندرة في ذلك، فمن رحمة الله ولطفه وعظمة هذا التشريع في هذا الدين أنه رفع الحرج عن المسلمين، وبين أنه ليس على النائم في ذلك شيء، والنوم بالنسبة له ليس تفريطاً بيده، لكن الذي يسهر ويعلم أن السهر سيمنعه من الاستيقاظ، أو يعلم أن نومه ثقيل ولا يطلب من أحد أن يوقظه، أو يتعود ذلك فينام كل يوم ولا يستيقظ إلا في النادر لإدراك صلاة الفجر، ثم يقول: إنه ليس في النوم تفريط فهذا يضحك على نفسه ويخادع نفسه، وفي حديث أنس رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤])، وهذا إذا كان ذلك في الأمر العارض والمرة النادرة الغريبة الشاذة، وليس الأمر المتكرر الذي يقع من الإنسان كثيراً، فإذا حصل مرة من المرات أنه رقد عن الصلاة أو غفل عنها (فليصلها إذا ذكرها)، فهذه النصوص ليست في هذا الشأن، وليست هي فيه من قريب ولا بعيد، وإنما هي بعض الشبهات وبعض الأوهام، وعندما نريد أن ندمغ هذا القائل بالحجة فإننا نسأله: لو كان هذا الوقت المضروب وقتاً للعمل والوظيفة، أو كان وقتاً لسفر ما، أو كان وقتاً لأمر يهمه أو يخصه هل سيسمح لنفسه أن يعتبر هذا النوم عذراً أو تفريطاً؟ وأضيف إلى ذلك أن هذه التشريعات الإسلامية جاءت بكيفيات، ومن هذه الكيفيات الأوقات، قال : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وإن لليل عملاً لا يقبله الله في النهار، وإن للنهار عملاً لا يقبله الله في الليل، والمسلم منضبط، والصلوات وأوقاتها قد وردت فيها أحاديث كثيرة، وجاء فيها توقيت من جبريل ﵇ للنبي ﷺ ، كما ورد في الأحاديث أنه صلى به في أول وقت الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصلى به في آخر أوقاتها، وقال: (الصلاة بين هذين الوقتين) وقد علم النبي ﷺ أصحابه ذلك كله، وإلا فلما كان هناك هذه الأهمية للوقت والأعمال، والنبي ﵊ لما سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها)، وقدم ذلك -كما هو في هذا الحديث- على بر الوالدين وعلى الجهاد، وتطبيق النبي ﵊ والصحابة يدل على ذلك، كما في حديث عائشة ﵂ قالت (كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس) أي: كان يصلي الصلاة في أول الوقت، وليس إذا أسفر النهار أو بعد أن تطلع الشمس كما يصنع بعض الناس حيث يستيقظ مرة واحدة للدوام أو للمدرسة وأيضاً للصلاة، فيقوم كأنه للدوام لا للصلاة، فيجعل الصلاة ملحقاً ويمضي إلى عمله، فلا يبارك له، وتمحق البركة في الأوقات والأموال، وفي كثير من الأحوال التي نراها من أثر هذا الأمر، نسأل الله السلامة.

стр. 792

الأسباب المعوقة عن القيام لصلاة الفجر والأسباب المنشطة لها هنا نقطتان قصيرتان نختم بهما هذا الحديث، وهما: الأسباب التي تقعد الناس عن إدراك صلاة الفجر، ويقابلها الأسباب التي تعين على ذلك: من هذه الأسباب: طول السهر، والنبي ﵊ كان يكره الحديث بعد العشاء، وطول السهر مظنة غلبة النوم وعدم الاستيقاظ، وهذا أمر محسوس ملموس، ويقابله للاستعانة على صلاة الفجر أو القيام لصلاة الفجر ترك السهر والتبكير في النوم. والأمر الثاني: كثرة الطعام؛ فإن كثرة الطعام من أسباب كثرة المنام، ويحصل كثيراً أن بعض الناس يكون مدعواً إلى طعام العشاء، أو يأكل طعامه في آخر وقت من الليل، فيملأ معدته، فإذا نام كان اشتغال المعدة بالهضم، فلا يكون ذلك معيناً له على الاستيقاظ. الأمر الثالث: ترك القيلولة أو بعض الراحة في أثناء النهار؛ فإن هذا أيضاً يجعل الإنسان مرهقاً ومتعباً، فربما غلبه النوم فلم يستيقظ، ويقابله: أن يرتاح ولو قليلاً في أثناء النهار، علَّ ذلك على أن يكون معيناً له على قيام الليل وصلاة الفجر بإذن الله . الأمر الرابع: عدم الأخذ بالأسباب، كأن لا يضبط الساعة المنبهة، أو أن لا يتواصى مع بعض جيرانه أو بعض أهله أن يوقظ بعضهم بعضاً، وأن يوقظ المتقدم منهم من تأخر، فهذا تفريط من الإنسان الذي يعلم أنه لا يستيقظ من نفسه، ثم لا يأخذ هذه الأسباب، فهو مفرط في هذا ويلحقه التقصير والإثم ولا شك؛ لأنه لم يأخذ الأسباب للاستيقاظ، ويقابله: أن يأخذ هذه الأسباب ويجتهد فيها. الأمر الخامس: الإخلاص لله ، والنية الصادقة في الطاعة، فبعض الناس ينام وليس في نيته أصلاً ولم يخطر بباله ولم يطرأ في نيته أنه يريد أن يصلي الفجر، فهو ينام، والنوم بالنسبة له هو الذي في ذهنه، وفي ذهنه أنه سيذهب غداً إلى عمله، أو أنه غداً مرتبط بموعد ما، ولم تكن الصلاة في نيته ولا في خاطره، أما من أخلص النية لله وتعلق قلبه بأنه يبغي الصلاة ويبغي شهودها ويبغي أجرها فإن الله يعينه، ويبلغه مراده، ويحقق نيته بإذنه . الأمر السادس: ترك الأسباب المشروعة من السنن المأثورة، كالنوم على الطهارة، والنوم على الجنب الأيمن، وذكر دعاء النوم، فهذه سنن لها أثر -بإذن الله مع النية والدعاء في الاستيقاظ، فمن نام على غير طهارة، ومن لم يذكر الله تسلط الشيطان عليه، وكان ذلك سبباً في عدم استيقاظه لشهود الفجر، وهذا -لا شك- أمر مهم، ويحتاج الإنسان إلى أن يتذكره. وأن يذكَّر به، وهناك أيضاً أحاديث في هذا، منها ما ورد في قراءة عشر آيات من سورة الكهف. فهذه أمور من الأسباب المعوقة ومن الأسباب المنشطة -بإذن الله لمن أراد ذلك، وأغلب ما يعين -إن شاء الله هو تذكر الآخرة، وتذكر عظيم الأجر وعظيم الوزر، وتذكر الفضل والثواب، وتذكر الإثم والعقاب، فهذا هو الذي يحرك المؤمن وينشطه لأن يبادر إلى الطاعات، وأن لا يكون مرتكباً للمعاصي، وهذه خصيصة ملازمة للعبد المؤمن، أي: حبه للخير ورغبته في الأجر، وخوفه من العذاب ومن سخط الله . وأخيراً أقول: إن صلاة الفجر على وجه الخصوص جعل لها ومعها من الأمور التابعة لها ما فيه -أيضاً- غنائم وأجر آخر غير ما في الفجر وحدها، فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال عن ركعتي الفجر: (خير من الدنيا وما فيها) أي: ركعتي السنة التي قبل الفجر. فكيف بصلاة الفجر؟! وورد أيضاً فيما بعد الفجر أن النبي ﵊ قال: (من صلى الفجر في جماعة، ثم مكث في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كتبت له حجة تامة) أو كما ورد في الحديث عن النبي ﵊، فهذا أجر ما قبلها وما بعدها، والقرآن فيها -أيضاً- له خصوصية، كما مر بنا فيما ذكره العلماء في قوله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فهذه أمور نسأل الله أن تقوي عزائمنا وتنشطنا لأن ندرك الفجر، وأن لا يكون الحال كما هو في هذه الأوقات، حيث يصلي الناس في سائر الفروض خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك من الصفوف، فإذا جاء الفجر لم يكن في المسجد إلا نحو صفين أو ثلاثة، وكثير من الناس يصلونها في بيوتهم، وبعضهم يصلونها متأخرة عن وقتها، وبعضهم وقد طلعت الشمس، وبعضهم برنامجه اليومي الأساسي أن يصلي الفجر عند وقت خروجه للعمل. فنسأل الله أن يعيننا على سائر الطاعات، وأن يجعلنا من المسابقين والمسارعين إلى الخيرات. فأهل الخير والصلاح أدعى إلى أن يكونوا أكثر حرصاً والتزاماً ومراعاة لهذه الفريضة. وهناك كتاب صغير حوى مواقف السلف الصالح في الحفاظ على الصلاة لـ عبد الملك القاسم بعنوان: (والثمن الجنة)، وقد جمع فيه كثيراً من مواقف السلف في المحافظة على الصف الأول والتكبيرة الأولى.

стр. 793

الأسئلة

стр. 794

حكم التشاؤم بالأماكن السؤال بعض الناس إذا جلس في مكان يقول: حلت بنا المصائب ولم تزرنا السعادة. فما حكم هذا القول؟ الجواب هذا من التشاؤم المنهي عنه؛ فإن الأماكن والأشياء ليس فيها نفع ولا ضر بذاتها. وأما ما يتعلق بحديث النبي ﵊ لما انتقل عن المكان الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر فهذا ليس فيه شاهد؛ لأن هذه أمور عارضة، وأما ما له تعلق وارتباط بهذا الشأن فهو في عقد الشيطان وفي بول الشيطان في أذن النائم عن صلاة الفجر، وقد ورد أيضاً في الحديث: (إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، فإذا غفل عن ذكر الله عاد فالتقمه)، وهذه أمور لابد أن نؤمن بها، وهكذا حديث النبي ﵊ في الأذان: (يقبل الشيطان حتى يخطر بين العبد وبين نفسه، فإذا سمع الأذان ولى هارباً وله ضراط يسمع، فإذا انتهى الأذان عاد يخطر بين العبد وبين نفسه، فإذا سمع الإقامة ولى وله ضراط) وهذا الحديث أيضاً في الصحيح، فهذه الأحاديث نؤمن بها، ولا نعلم كيفيتها، لكننا لا نتعلق بالشؤم وبهذه الأمور التي لا تصح، ولا تثبت، ولا تتفق مع حسن اعتقاد المسلم.

стр. 795

سبب عدم استشعار فضائل صلاة الفجر السؤال في بعض الأحيان أقوم لصلاة الفجر ولكن لا أحس طعماً لهذه الغنائم، فما هو السبب؟ الجواب لعلك لم تتذكرها، والحشد الذي يذكر من النصوص والكلام في ذلك أحسب أنه لا يغيب عن الذهن، لكن جمعه والتذكير بكونه يتعلق بالصحة، ويتعلق بالعمل، ويتعلق بالنشاط، ويتعلق بالأجر، ويتعلق بالآخرة، ويتعلق بالجنة، ويتعلق بالرؤية، ويتعلق بما قبل الصلاة، ويتعلق بما بعد الصلاة هذا كله تذكير، فلعل في هذا التذكير ما يعينك على أن تشعر بهذا الأجر، وأن تحس طعماً، فهذا وعد من الكريم . ثم صل وواظب على الصلاة بنية التعبد الله ، فسينشرح لها صدرك، وترى البركة في الرزق وفي المال وفي الوقت، وترى التوفيق والسداد بإذن الله ، وهذا أمر لا شك فيه.

стр. 796

كيفية قضاء المسلم ليومه السؤال يغلب عليّ النوم بعد صلاة الفجر فيفوتني وقت المراجعة والحفظ، فما توجيهكم؟ الجواب الحقيقة أن أوضاعنا الاجتماعية أوجدت مثل هذا، ونحن قلبنا الأمر، ولو عدلناه مرة أخرى لعادت الأمور إلى نصابها. الأصل في اليوم أن يبدأ بالفجر، فلو بدأنا بالصلاة، وثنينا بالذكر والدعاء، وإذا أشرقت الشمس صلينا ثم انطلقنا بعد طعامنا إلى أعمالنا ومدارسنا لكان اليوم طويلاً، ولكان الوقت يكفي لهذا العمل، فإذا جاء وقت المساء أو بعد العصر أو بعد المغرب توقفت الأعمال، ويكون الناس بين المغرب والعشاء متفرغين لسماع العلم أو الذكر أو الموعظة، وبعد العشاء إن كانت لهم مصلحة أو سمر في طلب العلم فعلوا ذلك، كما ذكر البخاري وترجم في بعض أبوابه من كتاب العلم، ثم ناموا مبكرين، واستيقظوا قبل الفجر متهجدين، لكن عكسنا الأحوال، فسهرنا في الليل ونمنا في النهار، وإذا ذهبت لتشتري شيئاً من بعض الأسواق فكثير من الناس لا يفتحون متاجرهم إلا بعد التاسعة أو بعد العاشرة، فانقلبت الأمور، والذي يجتهد في هذا لا شك أنه يخالف الناس ويتعب، ولعله -إن شاء الله- يؤجر على قدر مشقته.

стр. 797

أهمية المصابرة وترك النوم بعد صلاة الفجر السؤال يلاحظ على كثير من الناس أنهم ما إن يسلم الإمام حتى يسلموا ويخرجوا سريعاً، خاصة في صلاة الفجر والعصر، فما نصيحتكم؟ الجواب كأن هذا الذي يخرج بسرعة يريد أن يرجع إلى النوم، وأقول: إن بعض الناس ينام -أيضاً- في التشهد قبل السلام، حتى إذا سلم الإمام فإنه يريد أن يواصل النوم، وعلى كل حال فالذي يؤدي الصلاة في الفجر في الجماعة أفضل من غيره، ولو نام بعد الفجر فلا شك أنه يفوت بعض الأجر، لكنه خير ممن يتأخر أو لا يشهدها في الجماعة، فهذا إن كان عنده عمل أو يستعين بذلك النوم على خير فلعله -إن شاء الله- يكون قد أخذ أجر الصلاة وشهودها في الجماعة، لكن إن أراد المزيد فليصابر وليصبر وليجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

стр. 798

أهمية أداء صلاة الفجر في المسجد السؤال رجل يستيقظ في الفجر، وعندما ينتهي من الوضوء ربما يجد أن الصلاة قد انتهت، فيخجل من الخروج فيصلي في البيت، فما الحكم؟ الجواب هو يخجل من الخروج من جهة، والشيطان يكسله من جهة ويقول له: صل جماعة في الفروض الأخرى فالناس موجودون. وأقول: إن كان فيما بعد الصلاة مباشرة فليتحرك ليدرك أحد أمرين: إما أن يدرك مسجداً يعلم أنه يتأخر قليلاً في أداء الصلاة عن بعض المساجد فلعله يدرك الجماعة فيه، أو يبادر إلى مسجده القريب فلعله يدرك ولو واحداً من المصلين، أو واحداً قد صلى فيصلي معه، فيكتب الأجر والخطا إلى المسجد إن شاء الله، ويتعود على ذلك؛ لأنه لو تعود أول يوم تأخر وقال: لعلي إذا وصلت يكون قد سلم الإمام. أو أدركه قبل أن يسلم. إذاً أصلي في البيت فسيصير حاله هكذا في المرة الثانية والثالثة، لكن لو تعود أن يخرج فقد يدرك التشهد، وقد يدرك جماعة أخرى.

стр. 799

حكم العيش مع قاطع الصلاة أو المتهاون بالجماعة السؤال نحن أربعة زملاء في غرفة واحدة، وأحدنا لا يصلي الفجر معنا في المسجد، وقد نصحناه عدة مرات، ولكن دون جدوى، فما حكم العيش معه؟ الجواب إن كان يصليها ولو في سكنه فلا إشكال إن شاء الله، وإشكاله خفيف، لكن لابد أن تنصحوه ليلاً ونهاراً ومراراً وتكراراً، وأن تنوعوا، وأن تغيروا، وأن تشتدوا معه وأن تلينوا معه، وأن تنوعوا له الأساليب حتى يشرح الله صدره ويكون من المصلين، واذكروا له مثل هذه الغنائم والفوائد العظيمة علَّ الله أن يشرح صدره لأداء الصلاة.

стр. 800

حكم الصلاة في البيت السؤال بعض الناس يصلون الفجر والعصر في البيت وقت الصلاة، أي: قبل فوات الوقت. وفي بعض الأحيان يصلون العصر في جماعة في البيت، وعندما أقول لهم: الصلاة في المسجد يقولون: نحن نصلي في جماعة. فما حكم هؤلاء؟ الجواب أحيل الأخ السائل إلى الحديث الذي رواه البخاري وشرحه ابن حجر شرحاً مطولاً، وهو حديث: (هممت أن أمر بالصلاة فتقام) فقد ذكر فيه ثمانية وجوه من الوجوه التي فيها تعظيم وتغليظ لأداء الصلاة في جماعة، والتحذير من ترك الجماعة، حتى قارب فيه أن يقول بما قاله بعض العلماء من وجوب صلاة الجماعة.

стр. 801

حكم أداء ركعتي الفجر وقت الإقامة السؤال بعض الناس يهم بركعتي الفجر حتى عند سماع الإقامة وتفوته تكبيرة الإحرام، وربما الركعة الأولى، فما الحكم؟ الجواب ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فإذا أقيمت الصلاة فينبغي أن ندرك الفريضة، والفريضة مقدمة على النافلة مهما عظم أجرها، فيصلي الفرض، ثم بعد الصلاة مباشرة أو بعد شروق الشمس يصلي ركعتين مكان الركعتين اللتين قبل الفجر، وإن شاء الله يكتب له أجرها، ولا يفوت تكبيرة الإحرام والركعة الأولى. والحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم- وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 802

كنوز رمضانية لقد امتن الله علينا بشهر رمضان، فهو موسم عظيم للعبادة وعمل الطاعات، وفيه من الكنوز الإيمانية ما لا يعد ولا يحصى، ولا يُقدر بثمن، ولا يُوزن بشيء من حطام الدنيا، ومن هذه الكنوز: تلاوة القرآن وتدبر آياته وأحكامه، وقيام الليل بالصلاة والذكر والتسبيح والدعاء.

стр. 803

رمضان والصوم الحمد لله الذي خضعت لعظمته الرقاب، ولانت لجبروته الصعاب، أحمده ما تعاقب الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون الأبرار، وما تلفظت الألسن بذكره، وما خفقت القلوب بحبه، وما عملت الجوارح بشكره، سبحانه هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، علم التقى ومنار الهدى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فحديثنا عن (رمضان والصوم). وكنت -وما زلت- أحب دائماً الاستبشار والتفاؤل، والنظر إلى الجانب المضيء في أحوال أمتنا، فذلك مبعث عمل، ومقوي همة، ومنشط عزيمة، غير أن اعتدال الصورة يقتضي أن نعرف الواقع ونصف بعض خلله وشيئاً من انحرافه، أن نرى الصورة على حقيقتها بما فيها مما يؤلم ويحزن، وما فيها مما ينكي ويدمي؛ إذ الأمر لا بد أن يكون على بينة ووضوح تام. كنوز كثيرة في هذا الشهر الكريم الذي نرتقبه وننتظره، كنوز لا تعد ولا تحصى، وأثمانها لا تقدر بثمن، ولا توزن بشيء من حطام الدنيا وما فيها، غير أننا نريد أن ننظر هل تغتنم هذه الكنوز؟ هل تؤخذ هذه الخيرات؟ هل تجنى تلك الثمرات؟ هل يتغير المسار؟ هل تتبدل الأهواء وتختلف الآراء؟ هل تكون العودة من بعد الغفلة؟ وهل يكون التصحيح من بعد الخطأ؟ وهل يكون إقرار بالذنب واعتراف به؟ ليس ذلك على مستوى الفرد وحده، بل على مستوى الأمة بمجموعها. إننا اليوم نشهد أحداثاً متسارعةً تتجه تماماً في عكس الطريق الذي يدعونا إليه كتاب الله، وترشدننا إليه سنة رسوله ﷺ .

стр. 804

كنوز رمضان ونحن ننتظر هذا الشهر الكريم، لو وقفنا مع بعض دلائله وخصائصه ومعانيه، وقارنا هذا الواقع الذي نعيشه سنرى -ولا بد من أن نرى، ولا بد أن نكون صرحاء في كشف ما ينبغي ويجب أن يرى- سنرى شيئاً من التناقض والتعارض، وسنرى أن الكنوز يقابلها جحود أو صدود، ولعلنا لا نطيل الحديث في هذه المقدمات لنخلص مباشرةً إلى تلك الكنوز.

стр. 805

تلاوة القرآن الكريم أولاً: كنز القرآن والتلاوة. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. ويقول المصطفى ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته طعامه وشهوته. ويقول القيام: أي رب! منعته النوم. فيشفعان فيه) هذه الخصيصة لهذا الشهر التي تذكرنا بكتاب الله وبدوره في حياتنا وبواجبنا نحوه، وتذكر بأحكامه، وبخفقات قلوبنا، وخطرات عقولنا، وكلمات ألسنتا، وحركات جوارحنا، وأساس علاقاتنا ومعاهدتنا واتفاقياتنا، وسائر جوانب حياتنا. لم ينزل القرآن لتترطب به الألسنة فحسب، ولا لتشنف الآذان بحسن تلاوته فقط، ولا لتدمع العيون تأثراً ببعض معانيه، ثم تمضي ساهيةً لاهية، إنما أنزل ليغير واقع الحياة وفق منهج الله، ويغير النفوس في أعماقها والقلوب في سويدائها على ما يحب الله ويرضى، ونحن نعلم أن القرآن إنما أنزل للعمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، ونعلم الشكوى التي جاءت في آيات القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، كنز عظيم تذكرنا به هذه الأيام المقبلة على ذلك الشهر الفضيل، وتذكرنا به أم المؤمنين عائشة يوم تقول: (كان خلقه ﷺ القرآن)، فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحيي منه، كلمات قالها القرطبي في مقدمة تفسيره، ننتقل منها لندرك أن الواقع فيه شيء من المناقضة العجيبة، والمفارقة الغريبة، والصدود الذي لا يبعد أن يتصف به بعض المسلمين بهذا الهدي الوارد في كتاب الله ، ونحن نعلم أنه قد بين لنا الغاية فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]، وقال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١]، فمن أي الفريقين أنت؟ استمع لـ ابن مسعود ﵁ وهو يقول في هذا المعنى: (إن حق تلاوته أن يحل حلاله، وأن يحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل). وعن ابن عباس: (﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]: (يتبعونه حق اتباعه). وننظر إلى هذا الواقع على مستوى الفرد والأمة فنرى ما نرى من أمور ظاهرة جلية، فالهجر بأنواعه كلها يكاد يكون ظاهراً جلياً، فلا القرآن يتلى، ولا آياته تقرأ على الوجه الذي أنزل على محمد ﷺ ، ولا الحفظ في القلوب كما ينبغي عند جمهور المسلمين، وأما التدبر والتفكر والاتعاظ والاعتبار فدون ذلك بمراتب، وأما العمل والالتزام والتطبيق فدونه كذلك، فضلاً عن التعليم والدعوة والنشر والجهاد لنشر أنور القرآن وبيان معانيه، لست أقول ذلك تأييساً، ولا أقوله نظراً للصورة السوداء دون البيضاء، غير أننا اليوم نحتاج إلى مثل هذه المفارقة والمصارحة التي ذكرها لنا علماؤنا وأئمتنا في الصلة بكتاب الله ، فهذا الفضيل بن عياض ﵀ يقول: (حامل القرآن- حامل رسالة الإسلام- لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو، ولا أن يلغو مع من يلغو، تعظيماً لحق القرآن) فهل ذلك ظاهر في واقعنا وحياتنا؟ ولنتحدث أيضاً بصورة أجلى وأوسع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] أليست هذه آيات قرآنية؟ أليست نداءات إيمانية؟ أليست أوامر ربانية؟ أين هي في واقع مسيرة الأمة اليوم وهي تسارع إلى اعتبار الأعداء أصدقاء وإلى اعتبار المحاربين المعتدين من اليهود وأحلافهم أصحاب قلوب رحيمة وأصحاب اتفاقيات ومعاهدات للصلح والسلم؟ بل نرى ما هو أكثر من ذلك، نرى التهاوي والتسارع إلى المصطلح البغيض الذي كله شر وضر يجوس خلال الديار، وينخر في العقول والأفكار، ويدمر في قوة الأمة وتماسكها، التطبيع وما أدراك ما التطبيع؟ القرآن يدعونا أن نتجه إلى أمتنا، إلى إخواننا، إلى توحد صفوفنا وترابط قلوبنا وتماسك صفوفنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢]، ويوم تتقطع الأوصال بين بلاد العرب وبلاد المسلمين، وتمد الجسور وتفتح الأسواق بيننا وبين أعدائنا الذين ما زالوا إلى يومنا هذا تنطق بالعداوة وتصرح بها ألسنتهم، وتظهر في أعمالهم، والدماء ما زالت تسفك، والدور والبيوت ما زالت تهدم، والأرض ما زالت تسلب، والأعراض ما زالت تغتصب، بل الأمر متضاعف متزايد لا في رقعة هي قلب قضايانا الإسلامية في فلسطين، بل فيما وراء ذلك، في العراق وغير العراق، ثم من بعد ذلك نستقبل الشهر لنستعد بمزيد من التلاوة والقراءة دون عقل مفكر، ودون قلب متعظ، ودون سلوك متغير، ودون أمة تعود إلى الله وتحقق المعاني القرآنية التي جاءت في هذا الكتاب العظيم. أي أمر أمر هذا؟ أين غيبت العقول؟ وأين ماتت القلوب؟ لقد ذلت النفوس يوم أعرضت عن كتاب الله وعن هدي رسول الله ﷺ . لنستمع إلى هذا القرآن الذي ننتظر شهره ونستعد لننفض الغبار عن المصاحف ونتلو الآيات دون ما هو أكثر من ذلك، لنستمع إلى قوله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٦٩ - ١٧٠]، تأمل الآيات التي تروي لنا شأن بني إسرائيل، وكأن حديث النبي ﷺ ونحن نتأمل دلالة الآيات نستحضره، ويهجم علينا نصه: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). من هؤلاء؟ هم الذين يسير بعض أبناء أمتنا خلفهم حذو القذة بالقذة، الخطوة وراء الخطوة، والتصريح هو رجع لذلك التصريح، والموقف هو تأييد لذلك الموقف. تعجب الصحابة أهل الإيمان واليقين وأهل العزة والقوة فقالوا: من يا رسول الله؟! اليهود والنصارى؟ فما زاد سيد الخلق على أن قال: (فمن) أي: من غيرهم؟ ألسنا نرى اليوم ذلك؟ ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ [الأعراف:١٦٩]، ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة:٩]، أرادوا أن يأخذوا بدل منهج القرآن والاستمساك به شئوناً دولية وعولمةً عالمية، ومعاهدات واتفاقات ومنظمات لا تغني من الله شيئاً، وكلها لا تساوي حرفاً من كتاب الله ، ومع ذلك تقدم عليه وينظر إليها ويتعلق بها وتشترى ويستبدل القرآن بها. تأمل هذا المعنى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ [الأعراف:١٦٩] تتكرر المساومات وتتعدد الجولات، وفي كل مرة تزداد مبادرات، والأمر سائر: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف:١٦٩]، هاتوا ما عندكم، قولوا ما لديكم، خطوا الطريق ونحن نسير، ارسموا ونحن نطبق كأن حالنا يصف هذا المعنى تماماً: ﴿أََلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف:١٦٩]، أليسوا يقولون اليوم: إن هذا الذي يفعلونه لا أقول فيه: إنهم يقولون: لا يتعارض مع الإسلام بل يقولون هو روح الإسلام، إسلامنا دين المحبة والسلام، إسلامنا دين المودة والوئام، إسلامنا دين الجسور المبنية، والصلات الممدودة، إسلامنا لا يميز بين عقيدة وعقيدة، إسلامنا لا يفرق بين دين ودين، إسلامنا لا يجعل مزيةً لملة على ملة. وأين ذلك من كتاب الله؟ وأين هو من هدي رسول الله ﷺ ؟ عندما نقول: إن ثمة كنوزاً وخيرات فثمة صدود وجحود، وثمة إعراض وإنكار، فينبغي لنا معه أن نقر به وأن ننظر إليه، وأن نتأمل فيه، وأن نصحح موقفنا منه لنبرأ ونبرأ ذمتنا أمام الله جل وعلا؛ فإن كل واحد مسئول بقدر ما عنده من قدرة وطاقة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، والنبي ﷺ أوجز فقال (ولكن من رضي وتابع) لا تقل: ليس لي في هذا يد، وليس لي به شأن، وليست لي فيه قدرة أقل الأمور أن تكون من أمرك على بصيرة، ومن دينك على بينة، وأن تقول الحق، وأن تدخل في عموم قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠]، وزيادة المبنى دليل على زيادة المعنى، لم يقل: (يُمْسِكُون) بل: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ [الأعراف:١٧٠] أي: يحرصون أشد الحرص، ويتشبثون أقوى التشبث بكتاب الله، لا يحيدون عنه وإن حادت الدنيا كلها، ولا يغيرون نهجه وإن تعددت المناهج والآراء مهما كان الأمر، كما كان على ذلك صحابة محمد ﷺ ، وكما شهدت اللحظات الأخيرة من حياة عدد وافر منهم يوم قال أنس بن النضر في يوم أحد: (واه لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد

стр. 806

الصلاة والقيام وكنز آخر في هذا الشهر الكريم الذي ننتظره يحتاج إلى تأمل، وهو كنز الصلاة والقيام. فهي سمة بارزة، وشعيرة ظاهرة، وأمر ملفت يميز هذا الشهر الذي ننتظره، كثرة الصلاة، عمران المساجد، المسارعة إلى الصفوف الأولى، إحياء الليل وقيامه بالتراويح، واستمرار ذلك في الأواخر إلى انشقاق الفجر، صورة بديعة رائعة تدلنا على أثر في القلوب والنفوس، وعلى تغير ينبغي أن نحرص عليه وأن نعمقه ونزيده، وأن نثبته في واقع حياتنا، ذلك الأثر المهم ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، ويقول المصطفى ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ولست أريد أن أنظر إلى الجانب المظلم، ولكني أشير إلى هذه الوقائع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فهل واقع الأفراد وواقع حياتنا كمجتمعات وواقع أمتنا كدول ورقعة مترامية الأطراف يشهد هذا الانتهاء عن المنكر سواء في الأمور الشخصية أو في الأمور الكلية؟ هذا موضع تأمل وتدبر نحتاج إليه، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، المحافظة تعني القيام بالأركان، والأداء للواجبات، والحرص على السنن، والإتيان بجوهر العبادة خشوعاً في القلب وتدبراً بالعقل وخضوعاً بالجوارح واستمراراً للتطهر، ففي الحديث عنه ﷺ : (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالو: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، ومرةً أخرى نقف مع قوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وكان المصطفى ﷺ (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة). وإن الأمر هنا دلالة واضحة على أن مواجهة الكروب ومجابهة الخطوب لا تكون إلا بالرجوع إلى الله، والاستعانة به، ومد حبال الوصل معه، ورفع أكف الضراعة إليه، وإخضاع الجباه سجوداً فيه التعظيم والخضوع له، ليس كلما ادلهمت الخطوب لجأنا إلى الشرق والغرب، والتمسنا أنظمةً دولية ومعاهدات عالمية؛ فإن هذا المسلك هو الذي فرق الأمة وأضعفها، وجعلها في ذيل القافلة، وجعلها في غاية الذل، يطلب منها اليوم أمر ويقال: هو المنتهى. فإذا أجابت جاء بعد الأمر ثان وثالث، وأصبحت الأمور كأن لا تصور لمنتهاها، وكأننا في يوم من الأيام -لا على سبيل المبالغة، ولكن على سبيل المعنى الذي يصور المآلات الخطيرة- قد تقرأ فيه التوراة في المحاريب، لشدة التغلغل الذي يسري في أوطاننا وديارنا وعالمنا الإسلامي إلا ما رحم الله ، ولعلنا نتذكر هذا المعنى عندما تستمع لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٩١]، وليس بالضرورة أن ننظر إلى الخمر المعروفة، فاليوم خمور مختلفة، خمر العولمة، خمر العصرانية، خمر الزمن الذي لا بد من مراعاته، والظروف التي لا بد من موفقتها، هذه خمر لعبت برءوس الكثيرين فصاروا يتكلمون ويقررون ويحكمون بأمور تتناقض وتتعارض مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولعلي أختم هذا الكلام بتذكير لنفسي ولك ننظر فيه إلى الفوارق الكبيرة. فقبل نحو خمسة عشر عاماً- ولعل الزمان يعتبر ليس بقصير- وقفت في خطبة ذرفت فيها دمعة حزن من أجل فلسطين، يوم كان مؤتمر مدريد، واليوم لعلي أجد أن الدمعة شحيحة ليست كذلك الوقت، وأجد أن حزن قلبي وأسى نفسي لا يبلغ مبلغه كما كان؛ لأن التدجين والتهجين والتطبيع يسري إلى نفوسنا، لم نعد اليوم نسمع في الأخبار تلك المصطلحات، مصطلح (العدو)، ومصطلحات الهجوم، ومصطلح (الكيان الغاصب)، أصبحنا اليوم نستمع إلى أمور أخرى، وأصبحنا نرى صوراً ما كنا نراها، حتى ألفت ذلك العيون وتقبلته النفوس. نسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وغيرتنا وعزتنا، وأن يقينا الشرور والآثام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 807

الذكر والدعاء أخي الحبيب! أوصيك ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ورمضان موسم التقوى العظيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويقول المصطفى ﷺ : (الصوم جنة وحصن حصين من النار) رواه أحمد في مسنده. تقوى الله هي لب وجوهر تلك الفريضة العظيمة التي نرتقبها وننتظرها. تقوى الله -كما أثر عن علي ﵁ هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. ولما سئل كعب عنها قال: (أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك فما أنت صانع؟ قال: أشمر وأجتهد. قال: فتلك التقوى). هذا المعنى العظيم، وهذه الغاية الجليلة تستدعي منا أن نتأمل أكثر وأكثر؛ فإن في خصائص هذا الشهر أموراً كثيرةً. فيه القرآن، والصلة به، وفيه القيام والإكثار منه، وفيه كذلك كنز الذكر والدعاء، فلا أظننا نشهد عنايةً بالدعاء وكثرةً فيه في أيام مثل رمضان، نسمعه في دعاء القنوت، ونرفعه في وقت الأسحار بعد السحور، ونكاد لا نغفل عنه في كل يوم وليلة من ليالي شهر رمضان، وفي سياق آيات الصوم وفي أثنائها وفي ضمنها جاء قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. إن الدعاء -كما ذكر بعض السلف- إذا سد طريقه بالمعاصي لم تكن له إجابة، وسنة الله ماضية، والنبي ﷺ قد أخبرنا بموجبات قبول الدعاء، فقال لـ سعد: (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)، وفي الحديث المشهور: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!)، وكيف نحن والحرام يدخل إلينا ويجوس في ديار المسلمين من خلال كثير وكثير من الصور والأحوال، وآخرها ذلك التغلغل الذي يدمر بلادنا وديارنا، ونحن نعلم أن بلاداً من بلاد المسلمين تصنع الخمور وتعتبرها تجارة. وأن بلاداً من بلاد المسلمين تصرح بالخنا والفجور ومهنة الدعارة. وأن بلاداً من بلاد المسلمين فيها كذا وكذا، والبلاد التي نأت بنفسها عن ذلك تطرق اليوم أبوابها، وتأتيها من كل حدب وصوب رسل الغواية لتدخلها فيما نأت به عن نفسها، ولتزلق أقدامها في الهاوية التي وصلت إليها غيرها، فنسأل الله السلامة والحفظ، والله يحفظنا إذا حفظناه، وينصرنا إذا نصرناه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وصدر المصطفى ﷺ وصيته لـ ابن عباس بقوله: (احفظ الله يحفظك)، فمن أراد الأمر والغاية والثمرة فطريقها معلومة ومنهجها واضح، والآيات تضيء، والأحاديث ترشد، والسنة والسيرة تبين، والتاريخ ينطق ويشهد، والواقع يثبت ويدلل، فعسى الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا، وأن يمسكنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا نهج نبينا. اللهم! اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار سلفنا الصالح مقتفين، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، وأعنه عليه يا سميع الدعاء. اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم! احفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها، واحفظها -اللهم- من عدوان المعتدين يا رب العالمين. اجعل -اللهم- بلاد المسلمين بلاد أمن وطمأنينة وصحة وسلامة وعافية، ورد المسلمين -اللهم- إلى دينك رداً جميلا، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا -اللهم- لما اختلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا -اللهم- هداةً مهديين مهتدين هادين يا رب العالمين. اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها يا رب العالمين. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقوِ شوكتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم! ارحم إخواننا المستضعفين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين. اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادةً لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنةً لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، وفق -اللهم- ولاة أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وارزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتعينهم عليه يا سميع الدعاء. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 808

الكنز المفقود يبحث كثير من الناس ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً عن السعادة، وربما تنفق كثير من الأموال طلباً للسعادة، وتعس من ظن أن السعادة هي في المأكل والمشرب والملبس إن السعادة هي الكنز الذي فقده كثير من الناس، وبحثوا عنه في غير مظانه، فليعلم هؤلاء أن السعادة كل السعادة في طاعة الله في القرآن والسنة في قراءة سير السلف الصالح، عندما يعمر الإيمان القلوب، وتسعد النفوس وإن جاعت البطن يوماً وشبعت يوماً.

стр. 809

البحث عن السعادة الحمد لله جعل الإيمان أماناً ونوراً للقلوب، وجعل الإسلام سلامةً وشرحاً للصدور، وجعل الهداية سعادةً ونعيماً للنفوس، ووعد أهل التقوى بسعادة الدنيا وبنعيم الجنان، أحمده على توالي نعمه، وتعاظم فضله، نحمده جل وعلا هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، تبارك اسمه، وجل قدره، وعم نواله، وكثرت أفضاله سبحانه وبحمده، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، حمداً كثيرا ًطيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصر به من العمى، وكثرنا بدعوته من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وهدانا من بعد ضلالة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خيرٍ إلا وأرشدنا إليه، وما من شرٍ إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! يتعب كثيرٌ من الناس نفسه ليله ونهاره، ويشقى صبحه ومساءه، ليجمع من عرض الدنيا ما يكثر به ماله، وما يعظم به رصيده؛ طلباً للسعادة والهناء في الدنيا، ويذل كثيرٌ من الناس نفسه، ويحكم كيده، ويدبر أمره لينال المنصب والجاه، أو ليحوز النفوذ والسلطان؛ طلباً لسعادةٍ وعزةٍ وعظمةٍ في هذه الحياة، وكثيرون آخرون يتفننون ويبتكرون، ويقبلون ويدبرون من أجل أن يفوزوا بقلب فتاة حسناء؛ طلباً للذة من لذات هذه الحياة. ويضرب الناس شرقاً وغرباً، ويذهبون يميناً وشمالاً، كلهم في هذه الحياة يبغى السعادة والهناء، يبحث عما ترغب فيه نفسه، ويطرب له قلبه وتسكن إليه جوانحه، وتطمح له آماله، وكثيرٌ من هؤلاء قد يحوزون من الأموال الشيء الكثير، وقد ينالون من الجاه أعظمه وأكثره، وقد يفوزون من لذائذ الدنيا بأحلاها وأجملها، ومع ذلك ترى في صدورهم حرجاً، وترى في نفوسهم غماً وهماً، وترى على قلوبهم قتراً وظلماً وظلاماً، لا يجدون طعماً للراحة، ولا يجدون لذةً للحياة إذا كانوا بعيداً عن الإيمان بالله ، وعن لذة الطاعات، بعيداً عن سعادة العبودية لله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] آيات قلائل من كتاب الله تفسر سر هذا البحث الدءوب عن هذا الكنز الثمين في هذه الحياة العريضة من أولئك البشر الذين لا يحصي عددهم إلا الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] فتش في شرق الأرض وغربها، اذهب إلى أي بقعة من بقاع الأرض، ابحث في أي جنسٍ من الأجناس ستجد القاعدة القرآنية الربانية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] والتعبير القرآني بصيغة المضارع الذي يتجدد دائماً، والحكم القرآني مطرد لا يتخلف، والوعد الرباني ثابتٌ لا يتغير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] والتنكير مع التنوين للتعميم، أي: معيشة في كل جانبٍ من جوانب الحياة، معيشة اقتصاد، معيشة اجتماعٍ، معيشة سياحة، كلها ستكون ضنكاً في كل صور الضنك التي يراها الناس أو لا يرونها، يلمسونها ويشعرون بها أو لا يلمسونها. وهكذا يجد المؤمن أن عنده السر الذي يفقده الكثيرون، والضياء الذي يخبط لفقده الكثيرون، والنعمة التي قال عنها أسلافنا: لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، نعمة الإيمان، ولذة الطاعة، وحلاة العبودية، نعمة الاستقامة أمرٌ عظيمٌ نغفل عنه، وربما لا نقدر قدره، والناس يتيهون بحثاً عنه وهو بين أيدينا، كتابٌ تتلى آياته من الله ، فيه الهدى والنور: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩] وسنةٌ للمصطفى ﷺ تشرق أنوارها في كل جانب من جوانب الحياة، وتضيء معالمها كل درب من دروب هذه الدنيا بهديٍ تام كامل، وسيرةٍ نقية عطرة للمصطفى ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي) هذا الذي بين أيدينا هي الكنوز والمفاتيح التي بها تشرق أنوار القلوب، وتنشرح الصدور، وتضاء النفوس وتطمئن، وتهدى العقول، وترشد البصائر، فما بال أمة الإسلام يعتريها ما يعتريها مما ألم بغيرها ممن أعرض عن ذكر الله ؟ إنه بقدر بعدها عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وبقدر تركها لمنهج السعادة الربانية الذي رسمه الله وشرعه في هذا الإسلام، وفي رسالة محمد ﷺ : أملٌ هفت إليه قلوب الناس في الزمن التليد أملٌ له غور القديم كما له سحر الجديد! أملٌ إليه سعى الملوك كما إليه رنا العبيد! وتزاحموا كالهيم يدفعها الصدى عند الورود وتساءلوا عنه ولكن من يجيب ومن يفيد؟ فمشرقٌ ومغربٌ وكلاهما يرجو البعيد عادوا وكل سؤالهم أين السعادة والسعيد؟ قالوا السعادة في الغنى فأخو الثراء هو السعيد قالوا السعادة في النفوذ وسلطة الجاه العتيد قالوا السعادة في الغرام الحلو في خصرٍ وجيد قالوا السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود! قل للذي يبغي السعادة هل عملت من السعيد؟ إن السعادة أن تعيش لفكرة الحق التليد هذي العقيدة للسعيد هي الأساس هي العمود من عاش يحملها ويهتف باسمها فهو السعيد من عاش في ظلال الإيمان، وفي طاعة الرحمن، وفي نصر ة الإيمان، فهو الذي يكون سعيداً بإذن الله .

стр. 810

آثار الإيمان والطاعة في تحقيق السعادة لنلتفت إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، لنرى إشراقات الأنوار التي تدلنا على سعادة القلوب وسكينة النفوس، التي يبحث عنها الناس اليوم وقد رأيت أثر الهموم على وجوههم سواداً وظلاماً، وعلى أجسامهم كهولة وانحناء، وفي كلماتهم تضجراً وتبرماً، وفي أعمالهم نزقاً وطيشاً، ما وجدوا برد اليقين في قلوبهم، ما وجدوا لذة الحياة الإيمانية في نفوسهم. فهذه آيات القرآن تشرق علينا حتى تبدد هذه الظلمات التي تكاثفت من أثر الشهوات والشبهات، ومن أثر البعد عن أنوار القرآن وسنة النبي العدنان ﷺ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. سعادة الحياة لا تكون إلا بالعمل الصالح، والإخلاص لله ، والمؤمن يجد السعادة لأن له وجهة واحدة، وغاية واحدة، وعبودية واحدة لا تتفرق مشاعره، ولا تضطرب خفقات قلبه بمشاعر متباينة كغيره من الذين لا يخافون الله فيخافون من كل شيءٍ سوى الله، ولا يتعلقون بالرجاء لله فيرجون كل أحدٍ سواه، فيبقون في هذه الحياة في اضطراب. أما المؤمن فأساس سعادته إيمانه بربٍ واحد، له يخشع، وله يخضع، وله يحب، ولأجله يبغض، وفيه يوالي، وفيه يعادي، فهو قد توحدت جهته قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. لا شيء في هذه الحياة عند المؤمن إلا وهو لله، فالمال مالُ الله والولد والذرية من رزق الله وكل شيءٍ في هذه الحياة ينبغي أن يجعله طاعة وعبوديةً لله، فتنتظم الحياة كلها، ليس فيها دنيا وأخرى متباينتان مختلفتان، وإنما هما متوائمتان متلاقيتان إحداهما يعمل فيها ويحرث، والأخرى يجني فيها ويحصد بإذن الله ، فتكون نفسه مطمئنة، وقلبه قد توحد مع وجهته ولم شعثه، ولم يعد له في هذه الحياة من قصد وغاية إلا رضا الله .
следующие страницы →