Полный текст (2 691 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الصلاة والقيام
وكنز آخر في هذا الشهر الكريم الذي ننتظره يحتاج إلى تأمل، وهو كنز الصلاة والقيام.
فهي سمة بارزة، وشعيرة ظاهرة، وأمر ملفت يميز هذا الشهر الذي ننتظره، كثرة الصلاة، عمران المساجد، المسارعة إلى الصفوف الأولى، إحياء الليل وقيامه بالتراويح، واستمرار ذلك في الأواخر إلى انشقاق الفجر، صورة بديعة رائعة تدلنا على أثر في القلوب والنفوس، وعلى تغير ينبغي أن نحرص عليه وأن نعمقه ونزيده، وأن نثبته في واقع حياتنا، ذلك الأثر المهم ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، ويقول المصطفى ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
ولست أريد أن أنظر إلى الجانب المظلم، ولكني أشير إلى هذه الوقائع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فهل واقع الأفراد وواقع حياتنا كمجتمعات وواقع أمتنا كدول ورقعة مترامية الأطراف يشهد هذا الانتهاء عن المنكر سواء في الأمور الشخصية أو في الأمور الكلية؟ هذا موضع تأمل وتدبر نحتاج إليه، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، المحافظة تعني القيام بالأركان، والأداء للواجبات، والحرص على السنن، والإتيان بجوهر العبادة خشوعاً في القلب وتدبراً بالعقل وخضوعاً بالجوارح واستمراراً للتطهر، ففي الحديث عنه ﷺ : (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالو: لا يا رسول الله.
قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، ومرةً أخرى نقف مع قوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وكان المصطفى ﷺ (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).
وإن الأمر هنا دلالة واضحة على أن مواجهة الكروب ومجابهة الخطوب لا تكون إلا بالرجوع إلى الله، والاستعانة به، ومد حبال الوصل معه، ورفع أكف الضراعة إليه، وإخضاع الجباه سجوداً فيه التعظيم والخضوع له، ليس كلما ادلهمت الخطوب لجأنا إلى الشرق والغرب، والتمسنا أنظمةً دولية ومعاهدات عالمية؛ فإن هذا المسلك هو الذي فرق الأمة وأضعفها، وجعلها في ذيل القافلة، وجعلها في غاية الذل، يطلب منها اليوم أمر ويقال: هو المنتهى.
فإذا أجابت جاء بعد الأمر ثان وثالث، وأصبحت الأمور كأن لا تصور لمنتهاها، وكأننا في يوم من الأيام -لا على سبيل المبالغة، ولكن على سبيل المعنى الذي يصور المآلات الخطيرة- قد تقرأ فيه التوراة في المحاريب، لشدة التغلغل الذي يسري في أوطاننا وديارنا وعالمنا الإسلامي إلا ما رحم الله ، ولعلنا نتذكر هذا المعنى عندما تستمع لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٩١]، وليس بالضرورة أن ننظر إلى الخمر المعروفة، فاليوم خمور مختلفة، خمر العولمة، خمر العصرانية، خمر الزمن الذي لا بد من مراعاته، والظروف التي لا بد من موفقتها، هذه خمر لعبت برءوس الكثيرين فصاروا يتكلمون ويقررون ويحكمون بأمور تتناقض وتتعارض مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولعلي أختم هذا الكلام بتذكير لنفسي ولك ننظر فيه إلى الفوارق الكبيرة.
فقبل نحو خمسة عشر عاماً- ولعل الزمان يعتبر ليس بقصير- وقفت في خطبة ذرفت فيها دمعة حزن من أجل فلسطين، يوم كان مؤتمر مدريد، واليوم لعلي أجد أن الدمعة شحيحة ليست كذلك الوقت، وأجد أن حزن قلبي وأسى نفسي لا يبلغ مبلغه كما كان؛ لأن التدجين والتهجين والتطبيع يسري إلى نفوسنا، لم نعد اليوم نسمع في الأخبار تلك المصطلحات، مصطلح (العدو)، ومصطلحات الهجوم، ومصطلح (الكيان الغاصب)، أصبحنا اليوم نستمع إلى أمور أخرى، وأصبحنا نرى صوراً ما كنا نراها، حتى ألفت ذلك العيون وتقبلته النفوس.
نسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وغيرتنا وعزتنا، وأن يقينا الشرور والآثام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 807
الذكر والدعاء
أخي الحبيب! أوصيك ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ورمضان موسم التقوى العظيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويقول المصطفى ﷺ : (الصوم جنة وحصن حصين من النار) رواه أحمد في مسنده.
تقوى الله هي لب وجوهر تلك الفريضة العظيمة التي نرتقبها وننتظرها.
تقوى الله -كما أثر عن علي ﵁ هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
ولما سئل كعب عنها قال: (أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك فما أنت صانع؟ قال: أشمر وأجتهد.
قال: فتلك التقوى).
هذا المعنى العظيم، وهذه الغاية الجليلة تستدعي منا أن نتأمل أكثر وأكثر؛ فإن في خصائص هذا الشهر أموراً كثيرةً.
فيه القرآن، والصلة به، وفيه القيام والإكثار منه، وفيه كذلك كنز الذكر والدعاء، فلا أظننا نشهد عنايةً بالدعاء وكثرةً فيه في أيام مثل رمضان، نسمعه في دعاء القنوت، ونرفعه في وقت الأسحار بعد السحور، ونكاد لا نغفل عنه في كل يوم وليلة من ليالي شهر رمضان، وفي سياق آيات الصوم وفي أثنائها وفي ضمنها جاء قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
إن الدعاء -كما ذكر بعض السلف- إذا سد طريقه بالمعاصي لم تكن له إجابة، وسنة الله ماضية، والنبي ﷺ قد أخبرنا بموجبات قبول الدعاء، فقال لـ سعد: (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)، وفي الحديث المشهور: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!)، وكيف نحن والحرام يدخل إلينا ويجوس في ديار المسلمين من خلال كثير وكثير من الصور والأحوال، وآخرها ذلك التغلغل الذي يدمر بلادنا وديارنا، ونحن نعلم أن بلاداً من بلاد المسلمين تصنع الخمور وتعتبرها تجارة.
وأن بلاداً من بلاد المسلمين تصرح بالخنا والفجور ومهنة الدعارة.
وأن بلاداً من بلاد المسلمين فيها كذا وكذا، والبلاد التي نأت بنفسها عن ذلك تطرق اليوم أبوابها، وتأتيها من كل حدب وصوب رسل الغواية لتدخلها فيما نأت به عن نفسها، ولتزلق أقدامها في الهاوية التي وصلت إليها غيرها، فنسأل الله السلامة والحفظ، والله يحفظنا إذا حفظناه، وينصرنا إذا نصرناه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وصدر المصطفى ﷺ وصيته لـ ابن عباس بقوله: (احفظ الله يحفظك)، فمن أراد الأمر والغاية والثمرة فطريقها معلومة ومنهجها واضح، والآيات تضيء، والأحاديث ترشد، والسنة والسيرة تبين، والتاريخ ينطق ويشهد، والواقع يثبت ويدلل، فعسى الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا، وأن يمسكنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا نهج نبينا.
اللهم! اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار سلفنا الصالح مقتفين، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، وأعنه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم! احفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها، واحفظها -اللهم- من عدوان المعتدين يا رب العالمين.
اجعل -اللهم- بلاد المسلمين بلاد أمن وطمأنينة وصحة وسلامة وعافية، ورد المسلمين -اللهم- إلى دينك رداً جميلا، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب.
اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا -اللهم- لما اختلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا -اللهم- هداةً مهديين مهتدين هادين يا رب العالمين.
اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها يا رب العالمين.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقوِ شوكتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! ارحم إخواننا المستضعفين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادةً لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنةً لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، وفق -اللهم- ولاة أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وارزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتعينهم عليه يا سميع الدعاء.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 808
الكنز المفقود
يبحث كثير من الناس ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً عن السعادة، وربما تنفق كثير من الأموال طلباً للسعادة، وتعس من ظن أن السعادة هي في المأكل والمشرب والملبس إن السعادة هي الكنز الذي فقده كثير من الناس، وبحثوا عنه في غير مظانه، فليعلم هؤلاء أن السعادة كل السعادة في طاعة الله في القرآن والسنة في قراءة سير السلف الصالح، عندما يعمر الإيمان القلوب، وتسعد النفوس وإن جاعت البطن يوماً وشبعت يوماً.
стр. 809
البحث عن السعادة
الحمد لله جعل الإيمان أماناً ونوراً للقلوب، وجعل الإسلام سلامةً وشرحاً للصدور، وجعل الهداية سعادةً ونعيماً للنفوس، ووعد أهل التقوى بسعادة الدنيا وبنعيم الجنان، أحمده على توالي نعمه، وتعاظم فضله، نحمده جل وعلا هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، تبارك اسمه، وجل قدره، وعم نواله، وكثرت أفضاله سبحانه وبحمده، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، حمداً كثيرا ًطيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصر به من العمى، وكثرنا بدعوته من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وهدانا من بعد ضلالة.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خيرٍ إلا وأرشدنا إليه، وما من شرٍ إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! يتعب كثيرٌ من الناس نفسه ليله ونهاره، ويشقى صبحه ومساءه، ليجمع من عرض الدنيا ما يكثر به ماله، وما يعظم به رصيده؛ طلباً للسعادة والهناء في الدنيا، ويذل كثيرٌ من الناس نفسه، ويحكم كيده، ويدبر أمره لينال المنصب والجاه، أو ليحوز النفوذ والسلطان؛ طلباً لسعادةٍ وعزةٍ وعظمةٍ في هذه الحياة، وكثيرون آخرون يتفننون ويبتكرون، ويقبلون ويدبرون من أجل أن يفوزوا بقلب فتاة حسناء؛ طلباً للذة من لذات هذه الحياة.
ويضرب الناس شرقاً وغرباً، ويذهبون يميناً وشمالاً، كلهم في هذه الحياة يبغى السعادة والهناء، يبحث عما ترغب فيه نفسه، ويطرب له قلبه وتسكن إليه جوانحه، وتطمح له آماله، وكثيرٌ من هؤلاء قد يحوزون من الأموال الشيء الكثير، وقد ينالون من الجاه أعظمه وأكثره، وقد يفوزون من لذائذ الدنيا بأحلاها وأجملها، ومع ذلك ترى في صدورهم حرجاً، وترى في نفوسهم غماً وهماً، وترى على قلوبهم قتراً وظلماً وظلاماً، لا يجدون طعماً للراحة، ولا يجدون لذةً للحياة إذا كانوا بعيداً عن الإيمان بالله ، وعن لذة الطاعات، بعيداً عن سعادة العبودية لله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] آيات قلائل من كتاب الله تفسر سر هذا البحث الدءوب عن هذا الكنز الثمين في هذه الحياة العريضة من أولئك البشر الذين لا يحصي عددهم إلا الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] فتش في شرق الأرض وغربها، اذهب إلى أي بقعة من بقاع الأرض، ابحث في أي جنسٍ من الأجناس ستجد القاعدة القرآنية الربانية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] والتعبير القرآني بصيغة المضارع الذي يتجدد دائماً، والحكم القرآني مطرد لا يتخلف، والوعد الرباني ثابتٌ لا يتغير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] والتنكير مع التنوين للتعميم، أي: معيشة في كل جانبٍ من جوانب الحياة، معيشة اقتصاد، معيشة اجتماعٍ، معيشة سياحة، كلها ستكون ضنكاً في كل صور الضنك التي يراها الناس أو لا يرونها، يلمسونها ويشعرون بها أو لا يلمسونها.
وهكذا يجد المؤمن أن عنده السر الذي يفقده الكثيرون، والضياء الذي يخبط لفقده الكثيرون، والنعمة التي قال عنها أسلافنا: لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، نعمة الإيمان، ولذة الطاعة، وحلاة العبودية، نعمة الاستقامة أمرٌ عظيمٌ نغفل عنه، وربما لا نقدر قدره، والناس يتيهون بحثاً عنه وهو بين أيدينا، كتابٌ تتلى آياته من الله ، فيه الهدى والنور: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩] وسنةٌ للمصطفى ﷺ تشرق أنوارها في كل جانب من جوانب الحياة، وتضيء معالمها كل درب من دروب هذه الدنيا بهديٍ تام كامل، وسيرةٍ نقية عطرة للمصطفى ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي) هذا الذي بين أيدينا هي الكنوز والمفاتيح التي بها تشرق أنوار القلوب، وتنشرح الصدور، وتضاء النفوس وتطمئن، وتهدى العقول، وترشد البصائر، فما بال أمة الإسلام يعتريها ما يعتريها مما ألم بغيرها ممن أعرض عن ذكر الله ؟ إنه بقدر بعدها عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وبقدر تركها لمنهج السعادة الربانية الذي رسمه الله وشرعه في هذا الإسلام، وفي رسالة محمد ﷺ : أملٌ هفت إليه قلوب الناس في الزمن التليد أملٌ له غور القديم كما له سحر الجديد! أملٌ إليه سعى الملوك كما إليه رنا العبيد! وتزاحموا كالهيم يدفعها الصدى عند الورود وتساءلوا عنه ولكن من يجيب ومن يفيد؟ فمشرقٌ ومغربٌ وكلاهما يرجو البعيد عادوا وكل سؤالهم أين السعادة والسعيد؟ قالوا السعادة في الغنى فأخو الثراء هو السعيد قالوا السعادة في النفوذ وسلطة الجاه العتيد قالوا السعادة في الغرام الحلو في خصرٍ وجيد قالوا السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود! قل للذي يبغي السعادة هل عملت من السعيد؟ إن السعادة أن تعيش لفكرة الحق التليد هذي العقيدة للسعيد هي الأساس هي العمود من عاش يحملها ويهتف باسمها فهو السعيد من عاش في ظلال الإيمان، وفي طاعة الرحمن، وفي نصر ة الإيمان، فهو الذي يكون سعيداً بإذن الله .
стр. 810
آثار الإيمان والطاعة في تحقيق السعادة
لنلتفت إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، لنرى إشراقات الأنوار التي تدلنا على سعادة القلوب وسكينة النفوس، التي يبحث عنها الناس اليوم وقد رأيت أثر الهموم على وجوههم سواداً وظلاماً، وعلى أجسامهم كهولة وانحناء، وفي كلماتهم تضجراً وتبرماً، وفي أعمالهم نزقاً وطيشاً، ما وجدوا برد اليقين في قلوبهم، ما وجدوا لذة الحياة الإيمانية في نفوسهم.
فهذه آيات القرآن تشرق علينا حتى تبدد هذه الظلمات التي تكاثفت من أثر الشهوات والشبهات، ومن أثر البعد عن أنوار القرآن وسنة النبي العدنان ﷺ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
سعادة الحياة لا تكون إلا بالعمل الصالح، والإخلاص لله ، والمؤمن يجد السعادة لأن له وجهة واحدة، وغاية واحدة، وعبودية واحدة لا تتفرق مشاعره، ولا تضطرب خفقات قلبه بمشاعر متباينة كغيره من الذين لا يخافون الله فيخافون من كل شيءٍ سوى الله، ولا يتعلقون بالرجاء لله فيرجون كل أحدٍ سواه، فيبقون في هذه الحياة في اضطراب.
أما المؤمن فأساس سعادته إيمانه بربٍ واحد، له يخشع، وله يخضع، وله يحب، ولأجله يبغض، وفيه يوالي، وفيه يعادي، فهو قد توحدت جهته قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
لا شيء في هذه الحياة عند المؤمن إلا وهو لله، فالمال مالُ الله والولد والذرية من رزق الله وكل شيءٍ في هذه الحياة ينبغي أن يجعله طاعة وعبوديةً لله، فتنتظم الحياة كلها، ليس فيها دنيا وأخرى متباينتان مختلفتان، وإنما هما متوائمتان متلاقيتان إحداهما يعمل فيها ويحرث، والأخرى يجني فيها ويحصد بإذن الله ، فتكون نفسه مطمئنة، وقلبه قد توحد مع وجهته ولم شعثه، ولم يعد له في هذه الحياة من قصد وغاية إلا رضا الله .
стр. 811
تحقيق الأمن والطمأنينة
وثانية عظيمة من عظائم السعادة، وكبيرة من كبائر أسبابها وأسسها: الأمن والطمأنينة: لأن صاحب المال والجاه إذا كان يعيش في خوف ورعب لا يسعد بماله ولا بجاهه، بل ربما يطلب سكينة ساعة وهدوء يوم ولو بذل في ذلك ماله كله، والمؤمن قد وعده الله في دنياه وأخراه بالأمن والطمأنينة: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].
وفي الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) حتى قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، يكون ربانياً يحظى بوعد الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] يحظى بتحقيق وعد الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ألم نر الصحابة رضوان الله عليهم وهم كوكبة نجوم حول القمر الساطع نبينا محمد ﷺ ، يقابلون المصاعب والشدائد وقلوبهم أثبت من الجبال الشوامخ، لا يهتزون ولا يخافون لأن الإيمان قد سكب في قلوبهم أمناً وطمأنينة، والله قد قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] ترى طمأنينة المؤمن، وسكينة نفسه، وهدوء باله من أثر إيمانه وتعلقه بربه .
ألم نر تلك المواقف العصيبة التي مرت بالنبي ﷺ من مثل يوم الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] في ذلك الموقف العصيب يكبر النبي ﷺ ، ويبشر أصحابه، فتنزل بشرياته طمأنينة على القلوب، وأمناً وسكينة في النفوس، فلا تجد المؤمن جزعاً ولا هلعاً ولا خائفاً؛ لأن أمن الإيمان هو أعظم أمن يمكن أن يكون، لا يمكن أن يكون الأمن بالقوة ولا بالشرط، ولا بالأجهزة، ولا بالمتابعة، وإنما الأمن أمن الإيمان الذي يراقب فيه العبد ربه، ويخلص فيه لمولاه، ويسعى فيه لرضا الله ، فتعود الحياة كما كانت في عهد أسلافنا رضوان الله عليهم حياة أمن وأمان، وسلامة وإسلام، ليس فيها هذا العدوان، ليس فيها هذا الإجرام، ليس فيها هذا الكيد والمكر السيئ الذي امتلأت به دنيا الناس اليوم، فلم يعد أحدٌ يطمئن إلى جار، ولا يأمن إلى صديق، فضلاً عن أن يركن إلى غريب أو بعيد، ولذلك تبقى الحياة شعلة من نار، وتبقى جمرة من شقاء عندما يفقد الناس الأمن، وعندما يفقدون الطمأنينة، ولا أمن إلا في ظلال الإسلام، وبتحكيم شرع الله : ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨].
стр. 812
انشراح الصدر وسكينة النفس
وثالثة هي من أمور السعادة والهناء، وهي انشراح الصدر وسكينة النفس التي يشعر بها الإنسان بعيداً عن الأمور التي ذكرناها في شئون الأمن، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
هذه أيضاً ربما لا يشعر بها كثير من أهل الإيمان والإسلام لأنهم قد ألفوها، لكنهم لو رأوها في الذين اضطربت نفوسهم، وحرجت صدورهم، فضاقت الدنيا رغم سعتها في وجوههم، وأظلمت رغم أنوارها في أعينهم، فعاد الواحد منهم ينتحر كما نرى في دول الكفر، أو يقتل أبناءه، أو يقتل زوجته، أو ما نرى من صور الاضطراب والحيرة وضيق الصدر والتبرم؛ لأن هذا الذي قد بعد عن الإيمان وطاعة الرحمن فقد أساس سكينة نفسه، فلا يعود منتظماً في تصرفاته، ولا يعود منطقياً ولا فطرياً في أفعاله، ولذلك قد آتى الله أهل الإيمان النور الذي يبعث الضياء في الصدر والقلب، فيكون حينئذ على بينة من ربه قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] الذي في الظلمات لا بد أن يخبط خبط عشواء، لا بد أن يقع في حفرة، لا بد أن يأتي ليضرب فتقع ضربته في غير موضعها، بل ربما ترتد إليه، وهكذا يقع حال المتخبط بعيداً عن الإيمان.
стр. 813
حب العبادة وأداء الطاعة
ورابعة أيضاً: هي أن الطاعة تجر الطاعة وراءها، وأن العبادة تقود إلى عبادة بعدها، وأن الهداية تفتح أبواباً أكثر من الخير والهدى والنعمة الربانية التي يسوقها الله لأهل الطاعة والهداية والاستقامة قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦] كلما أقبلت على الله زاد عطاء الله لك، كلما أقبلت على الطاعات شعرت بلذةً وسعادةً وهناءةً في قلبك وفزت بها، كما يقبل الذي قد بلغ به العطش مبلغاً على الماء العذب البارد وهو إليه مشتاق وله محب، وهو من أجله يمكن أن ينتظر وأن يغالب الصعاب حتى يبلغ هذه الغاية.
وحسبنا في ذلك قول النبي ﷺ الذي يبين لنا تلك اللذة العظيمة عندما يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وعندما كان ينادي بلالاً: (أرحنا بها يا بلال! أرحنا بها يا بلال!) أرحنا بهذه الطاعات من عوبة الحياة ومشكلاتها، من عوارضها وشواغلها، اجعل لنا واحةً في هذه الصحراء نتفيأ ظلالها، ونشرب ماءها، ونقطف ثمارها، فتتجدد حياتنا، ويزداد إيماننا، ويعظم يقيننا، ويزداد اندفاعنا نحو الخير، وتتوالى أعطيات الله من الهداية: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] لتعلم أنك حينئذٍ في عطاءْ من الله، وفي نعمة من الله ما تزال تتجدد لعجز غيرك من أهل الخسران: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨].
стр. 814
فتح أبواب الرزق
وخامسةٌ يفكر فيها الناس كثيراً، ويرونها المقياس الذي قد غلب على عقول كثيرين من الناس، وهي الأمور المادية المحسوسة، من المال والأبناء والزوجة، ونعيم هذه الحياة، أين الطريق إليه؟ وهل كتب على المؤمن أن يبقى محروماً في هذه الدنيا حتى يؤتى النعيم في الآخرة؟ أهل الإيمان لا ينظرون إلى هذا، ومع ذلك جاء الوعد الرباني الذي جعله الله سنةً في هذه الحياة، إن فمورد الرزق وطريقه، وأبواب هذه الحياة الدنيا إنما تستفتح بطاعة الله ، إن مقاليد الرزق هي الطاعات والعبادات لله ، ألم نسمع حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه كما في صحيح البخاري: (من أراد أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)، ربط هذا بهذا، وقال الله كما في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
إن الطاعة من أبواب الرزق العظيمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]، هكذا يبين لنا القرآن هذه القاعدة، والنبي ﵊ قد قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، لو أن الناس تعلقوا بالله، وأخلصوا لله، وأيقنوا بوعد الله، وجعلوا وقتهم وجهدهم وطاقتهم في طاعة الله، ولم يرتكبوا ما حرم الله؛ لفتح لهم الله من أبواب الرزق ما لا يحتسبون؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
ونعلم أيضاً أن أبواب الرزق ليست في كثرتها، وإنما في بركته، فكم من كثيرٍ ممحوق البركة لا ينفع ولا يفيد! وكم من قليلٍ يجعل الله فيه البركة! ويرزق العبد المؤمن معه الرضا بما قسم الله له فيكون هناءةً على هناءته، وسعادة على سعادته.
فافهم أخي المؤمن وتنبه إلى ما وعد به الرسل أقوامهم عندما يوجهون إليهم دعوتهم، كما قال نوح، وكما قال غيره في قوله : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢].
هكذا أيضاً ينبغي أن ندرك أن حظ هذه الحياة الدنيا إنما يدرك بالطاعة والإيمان، فنسأل الله أن يعطينا أعطيات الإيمان، وأن يفتح لنا أبواب العطاء من خلال الطاعة، ومن خلال العبودية والإخلاص لله .
اللهم إنا نسألك أن تفتح لنا أبواب الخير والرزق، وأن تجعل قلوبنا بالإيمان مطمئنة، وأن تجعل صدورنا بالإسلام منشرحة، وأن تجعل نفوسنا بما أعطيتنا راضية طامعة.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 815
من السعادة شكر النعمة والصبر على المصيبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى أن يكون الإنسان متصلاً بالله ، مبتغياً رضاه، داعياً إلى الطاعة والعبودية، مبتعداً عن كل ما يسخط الله حتى يمن الله جل وعلا عليه بطمأنينة قلبه، وسكينة نفسه، وانشراح صدره، وهدوء باله، وبلوغ أمانيه ومآربه في مرضاة الله .
ومن السعادة ما هو متعلق بتفريج الهموم، وتنفيس الكروب، وما هو متعلق بدفع ما يقضي الله من أمور الحياة من مصائب أو متاعب، والمؤمن في هذا متميز بأن عنده من إيمانه ويقينه بقضاء الله وقدره، ورضاه بما يكتبه الله عليه؛ ما يجعل المصائب تتحول عنده بإذن الله إلى أمور يحمد الله عليها، ويحتسب أجرها عند الله : ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن)، المؤمن المتعلق بالله لا تكون عنده هذه العوارض أمراً مغيراً بصلته بالله، أو أمراً يجعله يعترض على قضاء الله وقدره، أو على ما قسمه الله له من رزقه، بل يسعد بذلك ويطمئن به، ويرد الأجر عند الله ، ويحمد الله على قضائه وقدره، ويضاعف له الأجر والمثوبة.
والأحاديث في ذلك كثيرة لمن فقد بصره، أو فقد ولده ثم صبر واحتسب ورضي وحمد، فإن له من الأجر عند الله ما الله به عليم.
فهكذا نجد السعادة الإيمانية تدفع العوارض الدنيوية التي يقضيها الله ، فتنقلب بإذن الله إلى مزيدٍ من ترسيخ الأقدام على طريق الإسلام، وإلى مزيدٍ من ترسيخ اليقين والإيمان في القلوب، وإلى مزيدٍ من الثقة بوعد الله كما كان من شأن الرسل والأنبياء، وكما قال الله في شأن نبينا وسيدنا محمد ﷺ : ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:٤٠].
عندما تحل بك المصيبة تجد من برد اليقين، ومن رضاك بقضاء الله وقدره، ومن ثقتك بوعد الله ، ومن احتسابك الأجر؛ ما يبدد أثر هذه المصائب وما يرفع همومها وغمومها، وما يجعلك بإذن الله تنطلق إلى مرضاة الله بعزمٍ أقوى وأشد، وبهمة أعلى وأرفع، وهذا لا يكون لأحدٍ إلا للمؤمن.
ثم انظر إلى السعادة حتى آخر لحظةٍ من لحظات الحياة، عندما يأتي الموت الذي تكرهه النفوس بطبيعتها وتنفر منه، ومع ذلك يأتيك من أثر الإيمان ما أنت في أشد الحاجة إليه، وما أنت في أعظم لحظات السعادة التي يحزن فيها الآخرون عليك وأنت تنظر تثبيت الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، هذا التثبيت هو تلقين الحجة وما يفتحه الله لك من أبواب جنانه، فإذا بك ترى أهل الإيمان وأهل الطاعة قد أشرقت أسارير وجوههم عند الاحتضار، وقد رنت أبصارهم إلى ما وراء الحجب والأستار مما جعله الله لهم من النعيم في الجنان، وإذا بك ترى ذلك الصحابي الذي يندق الرمح في صدره وينفذ من ظهره، فإذا به يبتسم ويقول: (الله أكبر فزت ورب الكعبة!) انظر إلى السعادة التي يستأنف بها العبد المؤمن الحياة الحقة بعد الحياة الدنيوية، وانظر إلى السعادة التي يراها المؤمن لأنه يرى فضل الله ينتظره، ويحسن الظن بربه وخالقه ومولاه ، وانظر في مقابل ذلك إلى أهل الشقاء والكفر والمعصية كيف تظلم وجوههم، وتتلعثم ألسنتهم، وكيف يعظم خوفهم وهلعهم في تلك اللحظات؛ نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت، وأن يهون علينا سكرات الموت.
فانظر إلى سعادة الإيمان كيف تنفذ حتى إلى هذه اللحظات الحرجة، وانظر إلى ما وراء ذلك من وعد الله بنعيمه المقيم بالأجر والثواب العميم! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ [آل عمران:١٦٩]، شهادةٌ قرآنية بحياة نعيم أبدية عند الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] هذه أعطيات سعادة الإيمان، هذه سعادة الحياة الدنيا، وسعادة مفارقتها، وسعادة ما بعدها في الحياة الأخرى، قد حبانا الله إياها بنعمة الإسلام، وأكرمنا بها بنعمة الإيمان، وبسط لنا طريقها وأنارها لنا بالقرآن والسنة، وقد وجدنا لذتها، وجربناها فيما يفتح الله به علينا من الطاعة، وقد كان لنا فيها موسم عظيم في رمضان فلم نحرم أنفسنا من هذه السعادة، ولم نشق أنفسنا بالبحث عن أمور السعادة في غير بابها.
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس كيف تسلك طريقاً لا يوصل إلى الغاية، والطريق قد نصبها الله ، ودعا إليها رسوله ﷺ ، وسار عليها الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم، وظهرت لنا نتائجه وثماره، فالله الله في طاعة الله، والله الله في الإخلاص وصدق الإيمان بالله، والله الله في عظمة التوكل والثقة بالله، والله الله في الطاعات والقربات والإقبال على الخيرات، والمنافسة والمسارعة إلى الطاعات؛ حتى نجد أثر ذلك سعادة في قلوبنا، وانشراح صدرونا، وسكينة نفوسنا، وحتى نجد بركة في رزقنا، وحتى نجده إن شاء الله نجابة وذكاءً وبراً في أبنائنا، وحتى نجده تيسيراً وتسهيلاً وتوفيقاً في أعمالنا: إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده فهذا خبر الله ساقه إلينا، وجعله بين أيدينا، فينبغي ألا نحرم أنفسنا، وألا نظلم قلوبنا، وألا نضيق صدورنا، وألا نفوت هذا الخير العظيم.
فالله أسأل أن يجعل من الإيمان في قلوبنا أمناً ونوراً، وأن يشرح صدورنا بالإسلام، وأن ينور قلوبنا بالإيمان، وأن يهدي بصائرنا بالقرآن.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهتدين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم ثبت أقدامنا، وأحسن ختامنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم مكن في هذه الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الفسق والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم زد إيمانهم، وعظم يقينهم، وفرج كربهم، ونفس همهم، وعجل نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم ارزقهم بطانة صالحةً تدلهم على الخير وتحثهم عليه، وتنهاهم عن الشر وتمنعهم منه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 816
خسائر الفوز
لقد استطاع أعداء الإسلام بغزوهم الفكري أن يفسدوا أخلاق كثير من شباب وشابات المسلمين، وذلك عبر الإعلام الهابط والمنحرف، والذي يتقبله كثير من أبناء المسلمين ويقلدونه، بل وينظرون إليه نظرة إجلال وإكبار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيجب على جميع المسلمين الحذر والتحذير من مغبة فساد الأخلاق جراء هذا الإعلام المنحل.
стр. 817
انعكاس الموازين والمفاهيم في هذه الأزمنة
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وثبت في كل شيء مشيئته، ووسعت كل شيء رحمته، وأحاط بكل شيء علماً، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديث اليوم موضوعه: (خسائر الفوز)، ولعلنا لأول وهلة نتعجب! وحقيق بنا أن نتعجب؛ إذ الفوز له أرباح، والنجاح فيه منافع، والتقدم يحقق المكاسب، فكيف نصف فوزاً بأنه خسارة، بل خسائر متجمعة؟! ولعل مثل هذا الفهم يعود إلى قصور في الاستيعاب، أو إلى تحجر في الفكر يكون صاحبه -كما يقولون- رجعياً متخلفاً، لا يعيش عصره، ولا يعرف واقعه، ولا يرتقي للمستوى الحضاري الذي تعيشه أمم اليوم؛ ولذلك قد تختلف الرؤى في مثل هذا الأمر، ويكون هناك من يوافق ومن يخالف، ولذا أمضي بكم إلى هذا الفوز أولاً لنعرف ما هو، ثم نستمع من بعد إلى وجهة النظر المخالفة المغايرة أو الموافقة المواتية.
وأردت بهذه المقدمة أن أشغل عقولكم، وأعلق قلوبكم؛ حتى ترتقبوا هذا الفوز وتنتظروه، ولئلا أكون المتحدث إليكم رأيت أن أنقل لكم أخبار هذا الفوز كما صاغتها اليد الإعلامية، ولسان البيان الصحفي أو الإذاعي: حقق مواطن سعودي الحلم، وفاز بلقب (ستار أكاديمي) البرنامج الأشهر عربياً، بعد كسبه لجولات البرنامج رغم الصعوبات، وقد عم الفرح السعوديين وهم يتابعون ابنهم وهو ينجح بكل تفوق، حيث تحول اهتمامهم نحو البرنامج بشكل غير مسبوق، وكان الحديث عن نتائج التصويت هو الشغل الشاغل!! ويقارن الخبر الإعلامي بين التفريط والتقصير في اغتنام هذا الفوز وبين المتسابقة الأخرى التي -كما يقول الخبر- سُخرت لها عدة شركات اتصال في بلادها، وحظيت باهتمام على أكبر المستويات، بينما منعت شركة الاتصالات السعودية التصويت عبر شركتها.
ويضيف الخبر معلومة عن وصول البطل الذي سيحظى باستقبال كبير، خصوصاً بعد ظهوره المحترم والراقي في الأكاديمية!! ثم نمضي كذلك لنرى بعض صور هذا الفوز؛ لا من قولنا، بل مما ورد في وسائل الإعلام المختلفة التي تقول: إن الصورة التي قدمها الفائز عن شباب بلده من خلال اجتهاده ومثابرته للصمود في وجه المنافسة، وتحقيق النجاح بالفوز بالمركز الأول وكذلك يقول أحدهم في نقل صحفي عن الفائز: إنه مثل شبابنا السعودي خير تمثيل، وأظهر قيمنا وشخصيتنا بشكل جيد! ويضيف ثانٍ: إنه أظهر التأقلم والانفتاح لشعبنا!
стр. 818
حكم الإسلام في البرامج الهابطة
ولست أمضي أكثر من ذلك، وأظنكم تشاركونني معرفة هذا الفوز، وربما سمعتم عنه، وعلمتم من خبره أكثر مما أعلم، ونحن اليوم في هذه الوقفة لا نريد أن نتحدث باللسان الشرعي الذي يفصح عن الآيات والأحاديث أو يعرج على الأحكام والأوصاف؛ فذلك ما لا يقبله بعض أولئك الذين لم يعد يعنيهم أن يكون الأمر فيه قرآن أو سنة؛ ولذلك لن أقف أمامكم لأتحدث عن الغناء أو حكمه، أو أقف عند قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] وما نقله ابن كثير وغيره من المفسرين عن ابن مسعود بسند صحيح أنه قال: (هو الغناء).
وفي رواية أنه قال: (هو والله! الغناء).
وفي رواية ثالثة قال: (هو الغناء، والذي لا إله إلا هو! ورددها ثلاثاً).
قال ابن كثير: وبهذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة ﵏ جميعاً.
ولن أقف معكم لأنقل قول القرطبي في تفسيره وهو يقول: الغناء المعتاد عن المشتهرين به الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان فيه شعر يشبب بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق.
ولن أقف كذلك عند قوله: إن الاشتغال بالغناء على الدوام سفه تُرد به الشهادة، فإن لم يدم لم تُرد.
وما نقله عن إسحاق بن عيسى الطباع، قال: سألت مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
ولست كذلك معنياً أن أفيض في هذا لأنقل ما نقله ابن عطية في تفسيره بقوله: فكأن ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦].
وما نقله عن مطرف أنه قال: شراء لهو الحديث استحبابه.
ونقل عن قتادة قوله: ولعله لا ينفق فيه مالاً، ولكن سماعه هو شراؤه.
وأعلم أن كثيرين يقولون بأن الغناء مختلف فيه.
فلنسلم ولا نجادل! ولنقل بما قد يقول من أحل وأباح ذلك.
لننتقل إلى أمر آخر، فهل هناك من يفتي أو يقول بقول شاذ أو غير شاذ بأن المرأة إذا ظهرت كاشفة عن سحرها ونحرها وذراعها وهي ترقص وتختلط بالرجال أن في هذا قولاً بجواز أو إباحة؟! وليس ذلك فحسب؛ هل هناك من يقول: إن في التأنث والغنج والترقص -فضلاً عن المعانقة والتقبيل بين الجنسين- أقوالاً لبعض أهل العلم أو بعض أهل الجهل بالإباحة؟! لو كان مثل ذلك عند أحد لقلنا: هذا أيضاً مما يختلف فيه.
ولن أنتقل بكم إلى خسائر من نوع آخر، فإن ما قد يقال من أقوال أهل العلم أو النصوص قد يكون عند بعض الناس اليوم غير ذي بال وللأسف الشديد!
стр. 819
الأموال الطائلة التي تنفق على البرامج الهابطة
أنتقل إلى أمر آخر، وأدعو الجميع أن يشاركوا في التفكير والبحث والترجيح في كون هذا الأمر مكسباً أو خسارة.
إن ثمانين مليون تصويت تكلف من الناحية المالية ما يقرب من عشرين مليون ريال على أقل تقدير! فاسألوا الآن: عندما دفعت ما الذي جاءنا؟ وما الذي كسبناه؟ وما الذي دخل جيوبنا؟ وهل حلت به بعض مشاكل البطالة لشبابنا؟ وهل فتحت به بعض دور التعليم التي تغلق في وجوه أبنائنا وبناتنا؟ وهل استطاع به بعض الشباب الذي تجاوز الثلاثين أن يجد إعانة على زواجه من مثل هذه الأموال؟ وهل سخرت مثل هذه الأموال لعلاج مشكلة الفقراء ورعاية الأرامل أو كفالة الأيتام في داخل بلادنا قبل خارجها؟ وهل سخرت مثل هذه الأموال أو يمكن أن تسخر لتكون عوناً لإخواننا في أرض فلسطين أو غيرها؟!! وأظن أن كثيرين سيقولون: إن هذا لا يمكن أن يكون مقابله مساوياً له إن رأينا في ذلك مقابلاً نافعاً.
والمستفيدون منه -على افتراض أن هناك مستفيدين- لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة أو اليدين، فماذا خسر الذين فعلوا ذلك وأهدروا تلك الأموال؟! علماً بأن هذه الاتصالات تتم عن طريق خارج البلاد مما يجعلها أكثر كلفة، وأين نحن حينئذ من قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]؟ وأين نحن كذلك من التخوف في أن يصدق فينا هذا الوصف المذكور في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]؟ إن أحداً لا يريد أن يكون مندفعاً، ولا أن يصف أحداً بشيء من التهم، إلا أننا نتحدث اليوم بمنطق العقل إلا أن تكون عقولنا قد خربت، وصرنا في صفوف الأغبياء أو المجانين؛ بحيث أصبحنا نهرف بما لا نعرف، ولو أن أحداً يعلم فليخبرنا بما عنده من العلم والاقتصاد والخبرة والتجربة، وليبين لنا أن هذه المبالغ التي دفعت سوف نجنيها أرباحاً مضاعفة وخيراً عظيماً يعود على مجتمعنا كله، وحينئذ قد يغض من يغض الطرف عن حلال أو حرام، لكننا نقول: دعوا الحلال والحرام جانباً، وأقنعونا بالمادة والأرقام: أين تذهب هذه الأموال؟!
стр. 820
الأوقات الطويلة التي تهدر في متابعة البرامج الغنائية
أنتقل بكم إلى صورة أخرى لعلي بتفكيري القاصر وبتحجري الذي قد يوافقني فيه بعضكم أعد هذا الأمر أخطر من الأول وأفدح خسارة: أسألكم عن الأوقات المهدرة التي تعد بملايين الساعات من الذين تابعوا باستمرار أو بتقطع هذا البرنامج، وأنفقوا فيه تلك الأوقات في أعداد الله أعلم بها، وعلى مدى أربعة أشهر فيها نحو من عشرين ومائة يوم، فكم من الساعات المهدرة في هذا البرنامج؟! أريد أن أرى قيمتها، وأريد أن أرى نتيجتها، وأريد أن أراها علماً رسخ في العقول، أو خلقاً ظهر في السلوك، أو همة ظهرت في النفوس، أو حسناً ظهر في العلاقات، أريد أن أرى قيمة هذا الوقت المهدر من شبابنا وشاباتنا أين مصيره؟ هل مصيره إلى هذا اللهو العابث، والفراغ القاتل، والدرك الدنيء الذي لا يبعث همة ولا يوقظ عقلاً، ولا يحيي قلباً، ولا ينتج في آخر الأمر نفعاً أو فائدة؟! ولو أردت أن أحسب ذلك لرجعت بكم إلى أمور يذكرها أهل العلم في الاقتصاد عندما يقيسون المال بالأوقات، وتأتينا الإحصاءات لتقول لنا: إن معدل إنتاجية العامل الياباني قد تصل إلى نحو أربعة أضعاف العامل الأوروبي أو الأمريكي، وأما المقارنة بمن هم في عالمنا الثالث فتلك مسألة أخرى! وفي إحصائية علمية أجريت على بلد عربي كبير درست الوقت المستثمر من أوقات الثماني الساعات في العمل اليومي في القطاع الحكومي، فلم تزد في أقصى درجاتها عن (٣٧%) من ذلك الوقت! فأين نحن من هذه الأرباح العظيمة التي جنيناها فيما سمعناه من هذه الأخبار: الفوز الحلم الذي تحقق التفوق الصعوبات الصمود والتصدي فأين نحن من هذه الحقائق؟! وأين نحن من قول المصطفى ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، الوقت الممتد الأيام والليالي الشهور والأعوام! وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الهدى ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ الستين)، وفي حديث معاذ عند الترمذي وغيره من أصحاب السنن عن سيد الخلق ﷺ أنه قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، فسؤالان خاصان بالعمر والوقت، وبزهرة العمر في مرحلة الشباب، فأين تهدر؟ هل تهدر على مذابح القنوات، وعلى المشاهد الفارغة إن لم نقل: العابثة أو المفسدة؟! وخذوا هذا؛ فإني أجعل قيمته -لو حسبناها بالحساب المالي- أضعافاً مضاعفة عن قيمة الأموال التي تصرف في تلك الاتصالات أو في غيرها.
стр. 821
انشغال أبناء المسلمين بالبرامج الهابطة عن دراستهم وامتحاناتهم
وهناك مسألة ثالثة وخسارة عظيمة وهي: خسارة الجدية والاهتمام عند شبابنا.
لقد ذكرت الأخبار التي روجت لهذا الحديث في سطور قليلة كلاماً مهماً، جاء فيه: نجح البرنامج في إشغال المراهقين عن مدارسهم ودروسهم؛ حيث توافق التصويت في حلقاته الأخيرة مع توقيت الاختبارات النصفية في المدارس! فكيف سيذهب أبناؤنا على مقاعد الدراسة في وقت الاختبار؟! وهل سيسألون عن أسماء المشاركين في البرنامج؟ وهل سيسألون عن التعليم الذي تعلمه أولئك المشاركون في ذلك البرنامج؟ وما هي الأمور التي ستصبح من بعد موضع اهتمامهم؟ هل سيبحثون عن المتفوقين والنابغين من زملائهم؟ وهل سيكون طموحهم أن يكون أحدهم عالماً في مجال من المجالات العلمية لينفع الأمة، أو مخترعاً في مجالات التقنية ليقدم شيئاً لها؟ أم أنهم سيختزلون المجد والاهتمام فيما يركز عليه الإعلام في رنة نغم أو جرة قلم أو ركلة قدم؟! تلك هي الأمنيات، وتلك هي القمم العالية السامقة، وتلك هي الذرى البعيدة التي يراد أن يرتبط بها شبابنا وشاباتنا؛ ليكون أملهم هو في هذه المجالات.
стр. 822
مقارنة بين أحوال المسلمين وأحوال غيرهم في الجانب الدنيوي
وقد يقول قائل -وقد قالوا ذلك كثيراً-: ما بالكم تنعون علينا ذلك؛ ولو نظرتم إلى الأمم التي تتحدثون عنها في أمريكا وفي أوروبا وفي اليابان لوجدتم أن لديهم عناية بالغناء والفنون والرقص وغير ذلك؟! وأقول: بئست المقارنة! لأن القوم قد فرغوا من المهمات، فعلومهم مطردة متنامية، وصناعاتهم متفوقة متزايدة، واقتصادياتهم متضخمة متوالية، ولا عليهم أن ينشغلوا بمثل ذلك، لكن نظمهم وإعلامهم ومؤسساتهم تعطي للعلم أضعاف أضعاف أضعاف ما تعطي للفن.
وللأسف الشديد؛ فقد أعلن قبل فترة عن تقييم لأفضل خمسمائة جامعة في العالم، فلم يدخل في هذا التصنيف أي جامعة في بلد عربي أو مسلم! ودخل في هذا التصنيف سبع جامعات من الكيان الصهيوني الغاصب في أرض فلسطين، وعندما يقارن الإنفاق في البحث العلمي في ذلك الكيان الغاصب فإنه يكون نحو ثلاثة أو أربعة أضعاف ما ينفق على البحث العلمي في الدول العربية قاطبة! فاثنتان وعشرون دولة لا تنفق إلا نحو ثلث أو ربع ما يُنفق هنالك! فما على أولئك القوم من بعد أن يغنوا، وأن يرقصوا، وأن يفعلوا ما يريدون؛ لأن لديهم أموراً كثيرة.
وقد وقفت بنفسي على جامعة واحدة فيها كلية طب واحدة ومستشفى واحد عريق في بلد كبير غربي، ينفق على أبحاث الطب فحسب في هذه الكلية وحدها أربعة آلاف مليون دولار! وهي جامعة واحدة! فما على أولئك إن أنفقوا مثل هذا أو دونه في غير ذلك من الأمور!
стр. 823
اغتيال البرامج الهابطة للحياء
وهناك خسارة فادحة عظيمة، أحسب لو أن لدينا عقولاً مفكرة، ونفوساً حية لعدت هذه الخسارة كارثة كبرى! إنها خسارة مرتبطة بتاريخ البشرية، إنها خسارة مرتبطة بالرسالات السماوية، إنها خسارة مرتبطة بالمفاهيم النبوية؛ قال ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)، أليس هنا اغتيال للحياء؟ فكيف يرضى لا أقول: مؤمن مسلم؛ بل بشر حي ذو نخوة وشهامة أن يبقى جمع من الشباب أو الشابات على مدى أربع وعشرين ساعة لمدة أربعة أشهر تحت مراقبة الكاميرا؛ تنقل كلامهم وطعامهم وشرابهم ومنامهم ولهوهم ومزاحهم؟!! أي شيء بقي لآيات القرآن ولأحاديث النبي ﷺ ؟! وأي شيء بقي للأسرة: للأب والأم مع أبنائهم وبناتهم وهم يشاهدون ذلك، وقد يجتمعون عليه؟! وهل هناك أحد يطأطئ رأسه خجلاً، أو يغض بصره حياءً، أو يصم سمعه لئلا يسمع ذلك العهر والفجور والغنج والدلال؟ أم أن ذلك يتشرب إلى الآذان والأنظار والعقول والقلوب، وإلى أجواء الأسر، وإلى بيئة المجتمع، وإلى التصويت الكبير، وإلى الاحتفالات الكبيرة لئلا يبقى في النفوس أثر من حياء، ولا بقية من شهامة ونخوة وشعور بأمر تأباه النفوس الحية فضلاً عن المؤمنة؟! وأقول: كل خسارة من هذه في نظري القاصر وفكري المتحجر الذي قد يشاركني فيه بعضكم أحسبها من الخسارة القومية الكبرى!
стр. 824
دور الإعلام في انتكاس الموازين واختلال المفاهيم عند كثير من الناس
وأزيدكم في ذلك خسائر أكثر وأكبر، ومن هذه الخسائر: انتكاس الموازين، واختلال المفاهيم.
وتلك قضية كبرى من القضايا التي يمارسها الإعلام المنحرف في بعض تلك الفضائيات، ليس مجرد تطبيع المنكر، والرضا به، والتأقلم معه، وعدم إنكاره، وعدم الحياء منه؛ كلا! فتلك مرحلة قد مضت، وذلك إدمان قد سرى وجرى؛ لكن الأمر اليوم هو أن نلبس ذلك المنكر لباس المعروف، وأن نعطيه صفة المشروع، وأن نجمع بينه وبين أمور مهمة عظيمة؛ ففي الوقت الذي يكون فيه هذا الاختلاط، وهذا العناق، وتلك الخلوات، وتلك الكلمات نجد أباً يتصل -كما تابعت في بعض الأخبار- على الهواء مباشرة في ذلك البرنامج، ويوصي ابنته بالمحافظة على الصلاة! وكأن المحافظة على الصلاة أمر لا يتعارض ولا يختلف مع كونها ترقص وتغني وتكشف عن يديها وذراعيها وساقيها، وتحتضن هذا أو تقبل ذاك!! ليكون لنا إسلام حديث، ومفاهيم مرنة وواسعة! لقد ضيقتم الواسع أيها المتزمتون! إن عقولكم المتحجرة لم تستوعب بعد حضارة الإسلام الذي يمكن أن يصلي هنا، وأن يشرب الخمر بعد التسليمة الثانية هنا! ويمكن أن يسجد أو يقرأ القرآن هنا ثم يتلو من الغناء ما فيه الفسق والفجور المضاد لآيات الله !! إنها قضية خطيرة! ومع ذلك شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ترفع في تلك المواطن للدلالة على النصر أو الفخر!! عجباً لمثل هذا كيف يفوت الناس أن يدركوا أنه خطر عظيم وشر كبير وبلاء مستطير؟! إن الناس اليوم بدءوا يتأثرون بذلك، فلا على أحدهم أن يصلي من هنا، وأن يقارف ما لا شبهة في حرمته من هناك، وأن يجمع بين هذا وذاك، ولا يرى شيئاً من غضاضة! ونجد مثل هذا -وللأسف الشديد- كثيراً.
إن قضية مفهوم الدين في سموه الخلقي وفي صياغته للشخصية الإسلامية لا يقتصر على أن يؤدي فريضة من الفرائض وحدها، إن ذلك ينعكس -كما أشرنا سابقاً- بأن الإيمان يصبغ صبغة تنعكس في الجدية والاهتمام والخلق والسلوك والأمانة والترفع عن المحرمات، إن صياغة الإسلام والإيمان صياغة متكاملة لا تقبل هذا التشويه والتشوه.
إن مثل هذه الصورة أشبه بالمولود الذي يخلق ناقصاً، ولا ترى فيه سمتاً ولا صورة الخلق الكامل للإنسان السوي.
إنه تشويه حقيقي عندما يكون القائم به مسلماً عربياً، ثم يظهر ذلك ويبينه، ويخبر بأنه قد قام بالدعوة إلى الله، وأثَّر في غيره بأن ذكره بالله، وكأن التذكير بالله لا يتعارض مع شيء من ذلك كله!!
стр. 825
الهدف الحقيقي من البرامج الهابطة
لعلي أشير إلى أمر ما كان يخطر على بالي أنه من الخسائر، إلا أن المتابعين لهذه القنوات وتلك البرامج ذكروه وبينوه، وأحسب أنكم معاشر من قد توصفون بتلك العقلية المتحجرة! لا تدركون مثل هذا: في تسويق وفي استفتاء على البرنامج جاءت معلومتان وقضيتان مهمتان: الأولى: كان الاستفتاء: ما هو الهدف الأساسي من البرنامج؟ فكان إجماع المشاركين في التصويت أنها أهداف مادية بحتة، حتى ليس منها الارتقاء بالذوق الفني، وليس منها تأهيل الكوادر الشبابية لنقدمها للعالم في مجال الغناء والفن، وليس منها خلق أجواء حميمة بين الشباب والشابات، كل ذلك يتراجع إلى الوراء؛ ليظهر السبب الذي أجمع عليه المشاركون في هذا التصويت، وهو أنها أسباب مادية، وسرقة للفلوس وللأموال، واحتيال عليها بتسويق الشهوات والغرائز والملذات.
ولكن نقول: من الذي يأخذ هذه الأموال؟ ولماذا نعطيه إياها ونحن بكامل عقولنا وبكامل إراداتنا؟! إننا في حقيقة الأمر بعد أن ندفع هذه الأموال ثم نأتي ونجيب على هذا السؤال ونقول: إن الهدف هو هدف مادي، فلا شك أن المجيبين بهذا يصفون أنفسهم ويحكمون عليها بأنهم أغبياء حمقى، أو أنهم مسرفون من أهل البطر الذي يرمون أو يقذفون بأموالهم من غير فائدة، فكيف إذا كانت تلك ترتد عليهم؟! وأما القضية الثانية لو قلت أنا أو أنتم: إن الهدف مادي بحت لوجدنا قائمة طويلة من مثل تلك المقالات التي قلتها عن الرقي الفني، والتأهيل الشبابي وغير ذلك من الأمور، لكن الذي قالها هم المشاركون المتابعون المصوتون في هذه البرامج.
ثم أضافوا لنا شيئاً مهماً: بأنه مما يقال من أرباح هذا الفوز: تقوية الروح الوطنية.
أي: أننا لا وطنية عندنا، ولا نحب بلادنا، ولا نغار عليها، ولا نبذل الجهد والعرق لخيرها ولنفعها، ولا نبذل الروح للدفاع عنها، فلابد لنا من شيء يحرك هذه المشاعر الميتة في نفوسنا، الغائبة عن عقولنا، فلتكن كلها باتجاه الفن والرقص حتى تلتهب المشاعر الوطنية، ونستطيع أن نتماسك ونتلاحم، وأن نؤدي الدور الرائد في رفعة سمعة بلادنا، وفي الذود عنها إذا هاجمها الأعداء كما ينبغي أن يكون الأمر!! حتى كان من التهكم في هذا الباب ما لا أستطيع قوله؛ لكن النتيجة الأخرى التي قالها أولئك أنهم قالوا: إن البرنامج أسهم في الفرقة، واستطاع البرنامج أن يفرق بين دول الوطن العربي! وقد عبر عنه بعضهم: أنه عبارة عن حرب الخليج؛ لأن أهل كل بلد يسبون البلد الآخر، ويسبون مشاركه، ويمتدحون من يرون أنه ممثلهم، وأصبحنا على كل الأحوال -بحمد الله- عرباً متفرقين بدرجة امتياز في كل ميدان ومجال، واتفقوا -كما قيل- على ألا يتفقوا حتى في مثل هذه المهازل! إنني أكتفي بهذا القدر؛ لأنني لو استرسلت كثيراً أو أكثر من ذلك لكان الحكم علي قاطع وجازم بأن عقلي قد تجاوز كل الحدود المعقولة والمقبولة.
أسأل الله أن يرد إلينا عقولنا، وأن يحفظ علينا إيماننا، وأن يحفظ علينا أخلاقنا وحياءنا، وأن يحفظ شبابنا وشاباتنا، وأن يصرف عنا أهل الفسق والفجور، وأن يحفظنا بحفظه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 826
تقليد كثير من المسلمين لأعداء الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن مثل هذه البرامج وما فيها وما حولها هي من أعظم ما يغتال التقوى، ويئد الحياء، ويضعف الأخلاق، ويزعزع الإيمان، ويمسخ الشخصية المسلمة.
ولعلي هنا أختم بأمر مهم، وهو: أن ذلك كله إنما هو صورة للتقليد الأعمى، والانهزامية الكبرى؛ إذ كل هذه البرامج في مجملها لم تكن من بنات عقول أحد من أبنائنا أو إعلاميينا، وإنما هي نسخ منسوخة كما هي، فقد أجروا عقولهم، وتركوا ما صموا به آذاننا صباح مساء من الإبداع، لينتهي الأمر إلى أن نكون أهل قص ولصق أهل نسخ ونقل أهل توقف عن تفكير، حتى في السوء والشر والفساد ننقله كما هو؛ لأن أصحابه قد بلغوا فيه مبلغاً! فحتى في الفساد لم نكن منتجين، إنه أمر عجيب! لا أدعو فيه إلى أن ننتج الفساد؛ ولكن أريد أن أصور المسخ لأولئك الذين يتصدرون في وسائل الإعلام، ويقولون لنا ما يقولون من ضرورة النهضة بالأمة، والرعاية لشبابها وغير ذلك، ثم يكون قصارى جهدهم أن يأتونا بهذا المسخ المشوه الهزيل الرديء؛ ليقولوا لنا: إنه الذي سيفجر الطاقات، ويفعل الأفاعيل!
стр. 827
الواجب تجاه برنامج ستار أكاديمي
وأمر أخير: لو أن القضية قضية تعلم للفن فهناك أكاديميات وكليات موجودة في العالم العربي يدخلها المئات، ويدرسون السنوات، ويختبرون، ويقدمون المشاريع، ويتخرجون، فلماذا نحتاج إلى مثل هذا لنخرج واحداً أو عشرة وعندنا المئات يدرسون في هذه الكليات، ويتخرجون وهم مخرجون وفنانون وملحنون؟! فأضيفوا أولئك إلى تلك المعاهد وأريحونا لو كان لكم قصد في مزيد من هذا التأهيل النافع المفيد بحسب قولكم! إن القضية التي أريد أن أقف عندها هي: أن خسائرنا تتوالى، وأننا في معظم أحوالنا ومواقفنا نقف موقف المتفرج، فالخسائر تتوالى ونحن نتفرج، وتزداد ونحن نتفرج، وتتعاظم ونحن نتفرج، وتتكرر ونحن نتفرج، ولن أجيب أحداً على سؤاله: ماذا تريد منا أن نعمل؟ لأنني أعتقد جازماً أننا مسئولون جميعاً، وأن في عنق كل منا أمانة، وأن كل أحد عنده غيرة وعزم يستطيع أن يفعل شيئاً، ويستطيع أن يقول كلمة، وأن يوصل رسالة، وأن يقاطع برنامجاً، فمن الذي يصوت؟ ومن الذي يشاهد؟ ومن الذي يشتري؟ إنهم مجموعة من بيننا؛ من ذلك الأب أو تلك الأم أو ذلك الأخ أو تلك الأخت، أو أولئك الأبناء والبنات، فلم يأتوا لنا من المريخ، ولم يهبطوا علينا من كوكب آخر، بل هم من مجتمعنا، فأين نحن منهم؟! أسأل الله أن يحفظ علينا أمننا وإيماننا، وسلمنا وإسلامنا، وأخلاقنا وسلوكنا، وأن يجعلها مستقيمة على أمره.
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك، واصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، واهدنا لأحسن الأخلاق؛ فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف اللهم عنا سيئ الأخلاق وأرذلها؛ فإنه لا يصرفها عنا إلا أنت.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين! اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ورد اللهم كيده في نحره، وأشغله بنفسه.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم واجعل لنا ولهم من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم أحسن خاتمتنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى عباد الله الصالحين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 828
الصيف ضيعت اللبن
الوقت رأس مال المسلم، وليس للمسلم راحة إلا في الجنة، لذا كان لزاماً عليه أن يستغل كل دقيقة وكل ثانية من عمره فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؛ فإنه مسئول بين يدي الله عن عمره وشبابه، فليعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، ومن أعظم الأوقات التي ينبغي ألا تضيع من عمر المسلم: الإجازة الصيفية، فهناك كثير من الأعمال والفرص التي يستطيع المسلم الاستفادة منها في هذه الإجازة.
стр. 829
سبب قول المثل: الصيف ضيعت اللبن
الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! (الصيف ضيعت اللبن) مثل عربي شهير، يُضرب فيمن ضيع الفرصة، وفوت الغنيمة، وترك المجال الرحب الواسع، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلاً لمكاسب دنياه ومدخراً لمآثر أخراه.
هذا المثل يُضرب لامرأة تزوجت رجلاً شهماً كريماً، فكان يغدق عليها طعاماً وشراباً ولبناً سائغاً للشاربين، مع حسن معاملة وإجلال وإكرام، لكنها لم تقابل ذلك باعترافها بالنعمة، وشكرها لها، وانتفاعها منها، وحرصها عليها، بل قابلت ذلك بإعراض وتضييع، وبجحود وإنكار، فكانت العاقبة أن طلقها، ثم تزوجها غيره، فلم تجد عنده يداً مبسوطة بالكرم، ولا وجهاً مشرقاً بالسرور، ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام، فتندمت وتحسرت على ما فات عليها، وما ضاع منها، لكنها لم تنح باللائمة على غيرها، وإنما خاطبت نفسها تذكرها تفريطها، وتبين لها سوء تدبيرها، فقالت: (الصيف ضيعت اللبن)، ومضى مثلاً لكل من أضاع الفرصة، وفرط في الغنيمة.
стр. 830
تعريف العطلة ومنهجية الإسلام فيها
وها نحن اليوم نبدأ موسم الصيف، وما أدراك ما موسم الصيف؟! وكم من ملايين الملايين من الأوقات التي تُحسب في خانة الفراغات، والتي تُصنف فيما يعرف بالعطلة! وهي اسم في لفظه ومعناه واشتقاقه اللغوي مأخوذ من العطالة والعطل، وهو: الخلو من الزينة في أصل اللغة.
وهو هنا: خلو عن العمل الجاد، والانتفاع المثمر، والاستغلال الهادف للطاقات المختلفة المتنوعة كلها: من وقت ممتد، وعقل مفكر، وقوة وصحة، وعافية وفرص، وأبواب من الخير مشرقة.
ثم قد ينتهي الزمان وينقضي الصيف بأيامه وأسابيعه وأشهره وسعته التي ليس فيها كثير من العمل المطلوب المكلف به، وحينئذ تعود مرة أخرى التسويفات: إذا جاء الصيف سأفعل، وإذا كانت الإجازة سأنجز، وإذا تخليت عن بعض الأعباء والمهمات سأفرغ لغيرها، ويمر الإنسان بذلك دون أن يدرك أن الذي يضيعه إنما هو جزء حقيقي مهم من عمره وحياته، وأنه يبدد من رصيده ويفني من كنوزه ما قد يكون أقل القليل منه موضع ندامة وحسرة شديدة وأكيدة وعظيمة في وقت لا ينفع فيه الندم.
ولعلنا نذكر أمرين مهمين قبل حديثنا عن الصيف:
стр. 831
الفراغ فرصة للعمل
الأمر الأول في المنهج الإسلامي: الفراغ فرصة للعمل: ويخطئ من يظن غير ذلك، أو يعتقد أن الفراغ فرصة للنوم والكسل، ولعلنا نكتفي بالآية التي نتلوها كثيراً ونسمعها في صلواتنا كثيراً، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
وقبل أن أذكر ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين وغيرهم ندرك جميعاً بمعرفتنا للغة العرب أن المعنى العام: إذا فرغت وانتهيت وصارت عندك فسحة من الوقت وشيء من الراحة فانصب، وكلنا يعلم أن النصب هو التعب، والمقصود به الجد والعمل الذي يجدد مرة أخرى الإنجاز، ويحقق الخير بإذنه .
ولنستمع أيها الإخوة! إلى القلوب المؤمنة، والأفهام المسلمة، والنفوس الحية، والهمم العالية، كيف فسرت وكيف فقهت هذه الآيات من كتاب الله : عن ابن مسعود: ﵁ قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.
وعن ابن عباس قال: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء.
وأما الحسن وزيد بن أسلم فروي عنهما قولهما: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك.
وعن مجاهد إمام التابعين من المفسرين قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك.
وعن الجنيد قال: إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق.
فهل رأيتم في مجموع هذه الأقوال قولاً يقول: إذا فرغت فنم؟ أو إذا فرغت فاله والعب؟ أو إذا فرغت فضيع الأوقات، وانحر الساعات؟ هل سمعنا شيئاً من ذلك؟ والذي نقلته لكم نقلته من نحو ثمانية أو تسعة تفاسير من أمهات كتب التفسير، ولو رجعتم إلى عشرات أخرى غيرها فلن تظفروا إلا بمثل هذه المعاني الشريفة العظيمة التي ترجمها القاسمي المفسر المتأخر المعاصر، فإنه جعل لها إطاراً واسعاً ومعنىً شاملاً حين قال: إذا فرغت من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك فانصب إلى عمل وخذ في عمل آخر، واتعب فيه؛ فإن الراحة إنما تكون بعد التعب والنصب.
هذا هو فقه الإيمان، وهذه دلالة القرآن، وهذه نفوس أسلافنا وأفكارهم وعقولهم، وهكذا ينبغي أن نفقه الأسس السليمة، لا أن نسمح للمفاهيم المغلوطة أن تروج، فمع آخر يوم من انتهاء الاختبارات تسمع الطلبة والطالبات وهم يتواعدون بالنوم الطويل، واللعب الكثير، والسهو واللهو والغفلة، ويرون ذلك هو الميدان الصحيح، وهو العمل المطلوب، ليس في يوم أو يومين بل في أشهر معدودات متواليات، وليس هم الذين يقولون ذلك، بل أسرهم وآباؤهم وأمهاتهم يوافقونهم في مثل هذا في الجملة! فهم يرون ألا يكلموهم، وألا يوقظوهم من نومهم وسباتهم، وألا يثربوا عليهم في لهوهم وفراغهم وغير ذلك، بل ليس هؤلاء فحسب، بل المجتمع في مجمله كأنما يقول لهم ذلك، وكأنما يؤكد لهم أن الرسالة المطلوبة هي مثل هذا اللغو واللهو والفراغ غير المجدي.
стр. 832
المسئولية في المنهج الإسلامي
وهناك قاعدة أخرى أيها الإخوة الأحبة! هي: المسئولية حقيقة كلية في المنهج الإسلامي، إذ ليست هناك مسئولية في زمان دون زمان، ولن يكون الحساب يوم القيامة على أيام الدراسة والعمل والقلم مرفوع عن أيام الإجازة أو العطل، فمن قال هذا أو توهمه فإنه لا شك على خطر عظيم.
والمسئولية كذلك لا ترتفع عن مكان دون مكان، فليست هي في مكة المكرمة أو المدينة، فإذا كان في غيرها أو في خارج هذه البلاد أصبح الأمر أمراً آخر، وأصبح التصرف مختلفاً، وأصبح القول غير القول، وغير ذلك مما نعلم كثيراً منه، إنها قضية واضحة؛ قال : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وليست هناك حدود في الزمان أو المكان تخرج عن دائرة هذه المسئولية، قال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وكلمة (قول) منكرة ومنونة فتدل على العموم في سائر الأوقات، وفي سائر الأحوال، ففي الرضا والغضب أنت مسئول عن قولك، وفي العمل والإجازة أنت مسئول عن فعلك، وفي بلادك وفي خارجها أنت محاسب على أفعالك.
والأمر في ذلك يطول، والفقه الإيماني يدعو إلى أن يكون المرء المؤمن عاقلاً، وأن يعمل مثلما يعمل التاجر، فالتجار في مواسمهم يشمرون عن ساعد الجد، ويفتقون العقول عن الأفكار والحيل والأساليب المناسبة لمزيد من الأرباح في هذه المواسم، وتجدهم يزيدون في الأوقات، ويغتنمون الفرص في الإقبال وإتاحة الإمكانات والطاقات، والنبي ﷺ يقول: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك).
فانظروا إلى الأوائل كلها ستجدون أنها متعلقة بالزمن، وكلها مربوطة بما يتيسر من هذا الزمان الممتد.
وهنا نستحضر الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، فامتداد في الزمن، وقوة في البدن، وتكاليف تنزلت بها الآيات، وشهدت بها ووجهت إليها الأحاديث، وأمة مهيضة الجناح، متأخرة عن ركب الأمم، يحدق بها الأعداء من كل مكان، وتحيط بها المكائد في كل وجه وصوب، ثم بعد ذلك ملايين من الأبناء والبنات والأسر من هنا وهناك ضائعون في فلك لا نهاية له، سائرون في طرق لا تفضي إلى خير ولا إلى علم ولا إلى عمل ولا إلى تقدم أو نحو ذلك.
أيها الإخوة! إنها قضية خطيرة، إنهم يحسبون في مقاييس الإنجاز والعمل في الدول والشركات الدقائق والساعات، ويقولون: إذا حصل أمر من الأمور وتعطلت الأجهزة أو تعطل العمل لمدة ساعة فإن هذه الساعة من عدد كذا من الموظفين تشكل كذا من الساعات الإنتاجية، وتقدر بكذا من الملايين، وتقدر بكذا وكذا، وأما نحن فنضربها ونحسبها ثم نهبها للفراغ، ونهدرها في الهباء، وننحرها بلا نفع ولا فائدة! إنها المسئولية المناطة بنا جميعاً، أنا وأنت وهذا وذاك، إن الشباب والشابات والأبناء والبنات جزء عظيم من المسئولية مناط بآبائهم وأمهاتهم، وسبل التربية والتوجيه، وسبل اغتنام الأوقات وغير ذلك مما نعلمه، إضافة إلى مسئولية المجتمع في كل دوائره المختلفة.
стр. 833
أهمية استغلال الأوقات
ولعلي أقف هنا وقفات سريعة فيما ينبغي عمله، أو فيما ننكره ونحذر منه، ولكنها ومضات مهمة.
هناك أرباح وخسائر، وهناك رابحون وخاسرون، فمتى يتضح ذلك؟
الجواب
يتضح ذلك بعد نهاية الموسم وفي آخره، لكن هل ننتظر حتى يأتي آخر الموسم ونرى هل ربحنا أم خسرنا؟ أم نتنبه في أوله وبدايته حتى نأخذ الأسباب، ونهيئ العدة، ونجتهد في أن نخرج من الموسم بأكبر ربح ممكن بدلاً من أن تكون الخسائر فادحة؟ وليتها خسائر في جانب المادة فحسب، بل إن فيها إهداراً للأوقات، وإهلاكاً للأموال وغير ذلك، بل كثيرة هي الخسائر الفادحة من الإيمان الذي يضعف، والحياء الذي يذبل، والهمم التي تخور، والعزائم التي تفتر، واللهو الذي يتمكن من النفوس، والعبث الذي يضيع العقول، والغفلة التي لا تنهض عزماً، ولا تقيم أملاً، ولا تحيي عملاً في هذه الأمة.
стр. 834
استغلال الأوقات بحفظ القرآن وتلاوته
وأبواب الخير المشروعة كثيرة، فاغتنموا لكم ولأبنائكم هذه الفرص من الوقت المتاح: أولاً: في ميدان القرآن الكريم، فالمساجد تمتلئ بحلق التحفيظ، وكثير من الطلاب وأسرهم يقولون: ليس هناك وقت متاح في أوقات الدراسة، وإذا ذهبوا إلى المساجد فستضيع الأوقات عليهم عن الدراسة، وسيتأخرون فيها، فلنقبل منهم ذلك في أوقات الدراسة، فماذا يقولون بعد انتهاء الدراسة؟! وإضافة إلى ذلك فإن الأبواب مشرعة في أنماط مختلفة متعلقة بالقرآن، فهناك الدورات القرآنية التي تتيح الفرص لتعلم القراءة والتجويد والتلاوة، ولحفظ الجديد، ولمراجعة المحفوظ القديم، ونحو ذلك من الأمور الخيرة، إضافة إلى المسابقات والمنافسات القرآنية العظيمة.
ولو أننا أحسنا توجيه أبنائنا إليها ورغبناهم فيها لوجدنا تحقق موعود الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، إنه يسير، وإنه محبوب، فلا ينبغي أن نقول: إنها إجازة فكيف نثقل عليهم بذلك؟ سبحان الله! هل في كتاب الله من ثقل على النفوس؟! وهل فيه من همٍّ أو غم على القلوب؟! أليس هو الذي تنشرح به الصدور؟ أليس هو الذي تطمئن به القلوب؟! أليس هو الذي تلتذ به الأسماع؟! أليس هو الذي تترطب به الألسنة؟! أليس هو الذي تعم به الخيرات والبركات؟! أليس هو الذي يبصر وينير العقول ويرشدها؟! أليس هو الذي يفتق الطاقات، ويجعل المقبل عليه ذكياً فطناً، فضلاً عن كونه زكياً نقياً طاهراً؟! فلماذا نحرم أبناءنا؟ ولماذا نقصر في حقهم ونفرط في توجيههم إلى الخير الذي لهم؟ ولا نقول: ليرتبطوا بالحلق أو بالقرآن ليلهم ونهارهم، فلا يكون عندهم فرصة لشيء من راحة، ولو قضوا ذلك في كتاب الله لما كان قليلاً.
стр. 835
استغلال الأوقات بالقراءة
وباب آخر وهو باب القراءة: فالقراءة مجني عليها؛ حيث لا يعرف أبناؤنا كثيراً من كتاب ربهم، ولا من سنة نبيهم، ولا من سيرة مصطفاهم، ولا من صفحات تاريخهم، ولا من علوم شريعتهم، ولا من حقائق واقعهم، ولذلك تجد الطلاب وقد صاروا اليوم كأنما عقولهم ورءوسهم فارغة، حتى ما يقرءونه في مدارسهم يقرءونه ليفرغوه على أوراق الاختبارات، ثم يحاولون بكل جهد أن ينسخوه من عقولهم، وأن ينظفوها حتى لا يبقى فيها أي أثر من آثار تلك المعلومات والقراءات! فالفرصة سانحة، والوقت متسع، ولو أراد الآباء والأمهات ومؤسسات المجتمع والحكومة أن تبسط ذلك بدلاً من أن تبسط ميادين المنتزهات فحسب لفعلت، فأين هي المكتبات؟ وأين هي المسابقات؟ وأين هي القراءات؟ وأين هي المجالات التي ينبغي أن يأخذ بها أبناؤنا؟ وأستحضر هنا خبراً تافهاً سخيفاً، لكنه أخذ حظاً وافراً في وسائل الإعلام كلها: ابتكرت امرأة إنجليزية قصة خرافية عن شخصية خيالية، وجعلت لها اسماً، ثم أصدرت لها كتاباً، فتلقاه القوم -وهم يقرءون ويحبون أي شيء- بالقبول العظيم، حتى توالت الأجزاء، وجنت هذه المرأة من هذه القصة ستمائة مليون جنيه إسترليني كما يقولون! وعندما نزل الجزء الأخير نُشر في الصحف أن المكتبات في بعض الدول الكبيرة المشهورة في بلاد الغرب سوف تداوم أربعاًَ وعشرين ساعة حتى تلبي احتياجات الناس من الإقبال على هذا الكتاب! قد نقول: سخافة، وقد نقول: ضياع، لكنهم يقرءون، وربما نجد سوق الكتاب وهو يشكو الحزن الأليم؛ حتى إنما يطبع باللغة العربية في العام الواحد لا يبلغ إلا خمس ما يطبع في بريطانيا وحدها فقط، ويصدق حينئذ فينا قول أعدائنا: إننا أمة لا نقرأ! فنحن معاشر الآباء فضلاً عن الشباب أليس في فرص الإجازات ميدان لنقرأ في السيرة، ولنقرأ في تاريخنا، ولنقرأ ما ينفعنا، ولنعرف ما يجري حولنا؟
стр. 836
استغلال الأوقات بالترفيه المثمر النافع
وهناك أيضاً ميدان الترفيه: وهو أيضاً يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً، لقد كان لهو السابقين من أسلافنا اللهو بالخيل، وكان نور الدين زنكي القائد العادل المقاتل المجاهد العظيم كان لعبه بالكرة على الخيل، يعطفها يمنة ويسرة، ويقول: ما أريد بها إلا الاستعداد للجهاد، وكم هي فرص الترفيه التي يمكن أن تكون نافعة ومفيدة، والمراكز الصيفية -بحمد الله- تقدم كثيراً من هذا النافع المفيد المثمر الذي يدخل السرور، ويغير النفس، ومع ذلك يكسب المهارة الجديدة، والمعلومة الجديدة، والمعرفة الجديدة، إضافة إلى أجواء من الإخوة والتعاون وغير ذلك.
стр. 837
استغلال الأوقات بالعمل
والعمل ميدان أيضاً لاغتنام الوقت، والاستفادة من الطاقات، فالعمل للشباب والشابات في صور مختلفة ولو كان عملاً ذاتياً ربما لا يكون له العائد المالي، لكن يكون له عائد تربوي ونفسي.
стр. 838
استغلال الأوقات بالسفر المباح
والسفر وما أدراك ما السفر؟ له في جانب السلبيات باب واسع، لكنه كذلك يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً إذا لم يكن في البلاد التي يعظم فسادها، ويكثر شرها، وهي بلاد أعدائنا التي ننفق فيها أموالنا، وغير ذلك من الأمور التي نعرفها.
وأبواب الخير في هذا كثيرة مشرعة.
المهم أن نعرف أن الفراغ فرصة للعمل، وأن المسئولية لا يُستثنى منها أحد، نسأل الله أن يجعلنا من المغتنمين لأوقاتهم، الجادين في أعمالهم، الحريصين على تحصيل الخير والنفع والفائدة.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 839
ذكر بعض سلبيات العطل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولا شك أيها الإخوة الأحبة أن هناك صوراً محزنة، ومظاهر مؤسفة، وأحوالاً مخزية نراها في هذه الفترة من الصيف، ولقد تحدث إليّ رجل غيور ظل يتابع الاتصال وهو يركز على وجوه النقد التي تصاحب كثيراً من ممارسات الصيف، فآثرت أن يكون حديثنا الأول هو حديث الإيجاب، وحديث القواعد المؤسسة، وحديث الآيات البينة الواضحة، وحديث هدي النبي ﷺ الذي كان النموذج الأمثل في اغتنام الأوقات، والذي كان مضرب المثل الحقيقي في حياة كل مسلم ومؤمن.
ولابد كذلك أن ننبه إلى هذه السلبيات تقع منا نحن، إما مباشرة، وإما بطرق غير مباشرة، وهذه مآسٍ كثيرة ومشكلات عديدة: أولها: مشكلات السهر والعبث: فأكثر الشباب والشابات بل وكثير من الأسر عندما يأتي هذا الصيف لا يذوقون النوم في ليله أبداً، ويسهرون الليل ينحرون أوقاته حتى الصباح، فإذا جاء الصباح قتلوه نوماً، وقتلوه كسلاً، وقتلوه سلبية! وهذا أمر ظاهر ومشاهد، ولو أردت أن تجرب فاتصل بأي بيت في صباح أي يوم فلن تجد لك مجيباً! ونرى ذلك بآثاره السلبية، فالشباب يصنعون التجمعات في الأماكن السكنية وفي أماكن المنتزهات، ويصنعون ما هو معلوم من الأذية والمعاكسات والمغازلات وغير ذلك من الأمور المعلومة، وتحصل مآسٍ أخرى في الأسواق والمنتزهات.
ولعلنا هنا نتوجه إلى النساء والفتيات؛ فإن كثرة الخروج المتأخر إلى ما بعد منتصف الليل في هذه الأماكن مع قصد في التميع والتكسر وعدم مراعاة أحكام الحجاب وآداب الحياء ومراعاة الواقع الاجتماعي والأسري والتربوي، فإن هذا يترتب عليه الكثير من المآسي، وترى اليوم الأسواق وهي تعج بروادها وكأنما كانوا في مجاعة فخرجوا يتطلبون قوتهم، أو كانوا قد عريت أجسامهم فخرجوا يشترون أكسية وأحذية أو نحو ذلك! ولا حرمة في التسوق، ولا غضاضة في قضاء الحوائج، لكنها بهذه الصورة والهيئة التي تكثر عند الناس حتى تكون كأنها جدول أعمال له في كل يوم ساعات أو له في كل أسبوع أيام هو الذي لا ينبغي؛ والحاجة تنقضي في أوقات يسيرة لمن كان يطلب حاجته ويعرفها دون هذا العبث والنزهة التي تتدثر بدثار التسوق ونحو ذلك.
وهناك مآسٍ أخرى في السياحة والأسفار، منها ما تصنعه كثير من النساء من نزع الحجاب مع أول درجات سلم الطائرة! وكأنما هناك مكان ليس فيه حكم لشرع الله، أو كأنما هناك مكان يخلو ويخرج عن علم الله المحيط الشامل، قال جل وعلا في وصف علمه وشموله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
وهذه صور كثيرة نحن مسئولون عنها، قد نكون من أهلها، وقد يكون بعض معارفنا أو جيراننا أو أقاربنا من أهلها، وقد يكون غيرهم من أهلها، ونحن نملك أن نقول كلمة ننصح بها، أو نقدم رسالة نذكر بها، وأن نحذر مما يستهدفنا، ونحن نمر في بلادنا وعلى مستوى أمتنا بأعظم هجمة شرسة تريد استئصال إسلامنا من جذوره، ونسخ تاريخنا من أصوله، وفوق ذلك كذلك نجد أننا نمر بأشد الظروف التي تكاد فيها أوضاع أمتنا في داخلها تموج بكثير من المتغيرات والاضطرابات، فهل يحسن بنا مع ذلك كله أن نبقى على غفلتنا، وأن نبقى على السر الأعظم في سبب بلائنا ونكباتنا ومصائبنا، والسبب الأساس في تسلط أعدائنا، وهو: مخالفتنا لأمر الله، وتنكبنا لهدي رسول الله ﷺ ؟! قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
فالله الله في أبنائكم وبناتكم! والله الله في أوقاتكم وأيامكم ولياليكم وساعاتكم! والله الله في قلوبكم ونفوسكم، والله الله في الفرص العظيمة والأبواب المشرعة من الخير! لعل الله أن يعوضنا كثيراً مما فرطنا فيه، وأن يجعل هذه الأوقات المتاحة فرصة لننجز عملاً نخدم به أنفسنا، ونعلي به إيماننا، ونعظم به أجورنا، وننصر به أمتنا، ونقوي به مجتمعنا.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبهدي نبيه ﷺ مستعصمين، وعلى آثار الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح سائرين.
اللهم إنا نسألك أن تهدينا، وأن تهدي بنا، وأن تجعلنا هداة مهديين.
اللهم إنا نسألك أن تستخدم جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا لنصرة دينك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر أمة الإسلام والمسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعلنا عباداً لك مخلصين، وجنداً في سبيلك مجاهدين، واجعلنا اللهم من ورثة جنة النعيم.
اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب ولا ترضى.
اللهم اغفر لنا ما مضى وما هو آتٍ، ووفقنا اللهم للصالحات، وجنبنا اللهم الشرور والسيئات يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.
اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 840
لمحة عن الامتحانات
في زحمة الدنيا وزخم الأحداث ينسى الناس الإعداد لكثير من الأمور المهمة، وبين انشغالهم باختبارات الدنيا يغفلون عن اختبار الآخرة رغم أنها مناسبة لتذكره والتنبه له، وإنّ الناظر في الفروق بينهما من ناحية الإعداد والاستعداد والتهيؤ وتغيير نظام المجتمع، ليرى من ذلك عجباً لا ينقضي، من شدة اهتمام الناس واعتنائهم باختبارات الدنيا، وتخطيطهم لها، وغفلتهم وتقصيرهم عن الاختبار الأهم والأعظم في يوم القيامة.
стр. 841
بين اختبارات الدنيا واختبارات الآخرة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين، ونسأله مسألة الضعفاء والمساكين، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وفي بداية هذه الكلمة القصيرة -التي أرجو ألا أطيل بها عليكم- أقدم الشكر لفضيلة الإمام جزاه الله خيراً على حسن ظنه، وعظيم إكرامه، ولمن سعى في هذا اللقاء ليجعل لنا به -إن شاء الله تعالى- عند الله أجراً.
هذه هي أيام الاختبارات التي تشغل كل الناس حتى من ليس عنده اختبار، ومن لم ينشغل بها شخصياً فإنه يضطر إلى أن يتعامل في أيام الاختبارات بتعاملات وبأوقات وبطريقة مختلفة عما تعود عليه، والله قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]، فالحياة كلها اختبار منذ أن يتنفس الإنسان أول نفس فيها، وحتى يلفظ آخر نفس كتب له في هذه الدنيا، فإذا كانت الحياة كلها اختباراً، فينبغي أن نعرف هذا الاختبار، وأن نعرف علاقته بهذه الاختبارات الدنيوية الكثيرة، ولكن أكثرها تكراراً وأهميةً عند الناس: اختبارات الطلاب والطالبات، حيث ينشغل بها الطلاب والطالبات، والآباء والأمهات، وتزدحم لأجلها الطرقات، وتتغير من أجلها العادات، فتختلف فيها كثير من الأحوال.
وحتى نستفيد -إن شاء الله تعالى في الوقت المتاح- نحب أن نجعل الحديث منصباً على نوعي الاختبارات في الدنيا والآخرة معاً، حتى نرى كيف اعتنى الناس وانشغلوا وفكروا وخططوا واجتهدوا في اختبارات الدنيا العارضة، وغفلوا وقصروا وتكاسلوا وانشغلوا عن الاختبار الأهم والأعظم، وهو اختبار الحياة الدنيا الذي سؤاله وجوابه عند الله يوم القيامة.
стр. 842
أيام خوف وفزع واضطراب
تجد الطالب أيام الاختبارات في هلع وقلق، إذا نام فهو خفيف النوم، وإذا أكل فهو سريع الطعام، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، ولا يسكن له قلب، لأن عنده ما يشغله.
ولماذا ينشغل عقله ويتعلق قلبه؟ لأنه مرتبط بأمر يرى فيه مصلحة، ويرى من ورائه خيراً، فكيف وأنت تفكر في أمر الآخرة واختبار الآخرة، إن تفكرت ينبغي أن تكون على جزع وخوف واضطراب؛ فإن رسول الله ﷺ قد بين هذا النهج القويم بياناً انخلعت له قلوب الصحابة، وذرفت له عيونهم، واقشعرت منه جلودهم، وكانوا منه على خوف عظيم؛ لما قال ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، تخويفاً من الاطمئنان إلى نتيجة الاختبار، ما الذي يخوف الطالب؟ هو يستعد ويأخذ، لكنه لا يطمئن ولا يركن.
وكذلك قال الرسول ﷺ كما في الصحيح من حديث أنس ﵁ قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور).
هذه معالم لما قاله الرسول ﷺ لم يقصد بها مبالغةً في اللفظ، وإنما قصد بها غزواً للقلوب؛ حتى يرسخ فيها الخوف من عذاب الله الذي يدفعها إلى طلب رحمة الله بالعمل الصالح، وبالتقرب إلى الله جل وعلا.
وحينما يكون الإنسان على هذا الخوف والاضطراب في أمر الدنيا واختبارها وهو أمر ميسور، وعاقبته قاصرة على الدنيا، فينبغي أن يكون على هذا النهج وأعظم أيضاً في اختبار الآخرة، فإن عائشة ﵂ في حديثها الصحيح ترسم منهجاً عجيباً ينبغي أن يتفطن له المؤمن، وذلك أنها لما سمعت قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت عائشة ﵂: هؤلاء يعملون أعمالاً ويخافون؛ لأنهم سيرجعون إلى الله، فتوقعت وتصورت أن تكون هذه الأعمال أعمالاً سيئة قبيحة، فقالت لرسولنا ﷺ : (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر ثم يخاف؟) تعني: يعمل السيئات ويخاف لأنه عمل أموراً منكرة يستوجب عليها العقوبة والعذاب، فقال لها قال رسول الله ﷺ : (لا يا ابنة الصديق! ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه)، هكذا رسم الرسول ﵊ المنهج، أن تعمل وأنت على خوف ألا يقبل منك.
أما الحسن البصري رحمة الله عليه ورضي الله عنه فيخط في مقالته منهجاً عظيماً عجيباً، فيقول رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف على حسناتهم ألا تقبل منهم أكثر من خوفكم من سيئاتكم أن تحاسبوا عليها.
يعني: أنتم تعملون سيئات، وخوفكم قليل، وأولئكم يعملون الصالحات وخوفهم عظيم ألا تقبل منهم.
وكان الحسن ﵁ ورحمه يبكي، فيقال له: لم تبكي؟ قال: أخشى أن يطلع الله علي وأنا في بعض ذنبي، أو قد عملت ذنباً، فيقول: يا حسن اعمل فلا أقبل منك أبدًا.
من كان يخاف، ويضطرب، ويقلق، ويجزع، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، كل ذلكم تخوف من هذا الاختبار الدنيوي، فالأولى أن يعرف طبيعة اختبار الآخرة، وأن يتدبر ويتأمل، ويكون على ما كان عليه رسول الله ﷺ ، يخرج في ظلمة الليل، وينسل من بيت عائشة ﵂، فإذا هو يخرج إلى البقيع يتفقد الموتى، ويدعو كالمودع للأموات ﷺ .
стр. 843
الاختبارات تحتاج إلى جد ونشاط
ثم اختبارات الطلاب الدنيوية تحتاج إلى جد ونشاط؛ فلا نرى أحداً في وقت الاختبارات ينام ويفرط ويهمل، بل يستعد ويجد ويشمر، ولا يترك فرصةً تضيع، وإن سئل عن سبب هذا قال: لأن الأمر جد، والوقت قد ضاع، وأحتاج إلى أن أصل إلى شاطئ الأمان وبر النجاة، وهو تجاوز الاختبار وحصول النجاح.
فإذاً: لما أراد الهدف والغاية أخذ لها طريقها وهو الجد والاجتهاد، أما إذا لم يأخذ بالجد فإنه لا يحصل النتيجة، ويكون عند الناس أحمق ومفرطاً ومقصراً.
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس ولذلك بين الله لنا أن الأمر بالنسبة للآخرة لا ينال إلا بالجد.
أما المنافقون فقد وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، هذا الكسول المتثاقل لا ينجح النجاح المطلوب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨] تكاسل، قعد، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، هذا الذي لا يأخذ بالجد والمعالي من الأمور لا يستطيع أن يكون ناجحاً متفوقاً؛ لأن الله وصف أهل الجد فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، يجدون حتى يحصلون النجاح، ويسعون إلى الوصول إلى بر الأمان.
بعض الناس إذا قيل له في الجد في أمر الدين لم يستجب، وإن كان يجد في أمر الدنيا غالباً، ولا تحتاج أن توصيه في أمر الدنيا، فالطلاب في غالب الأمر لا يحتاجون في أيام الاختبارات أن يوصيهم أحد بالجد، كل يجد بقدر طاقته، وبأقصى حد عنده، لكن إن جئت للناس وقلت لهم: جدوا في أمر الدين وخذوا بمعالي الأمور، قالوا: إن الدين يسر، وقرءوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) ويأتي أحدهم بأحاديث وآيات يضعها في غير موضعها، وهو مفرط في جنب الله ، ومقصر عن التشمير والجد، كما ذكر أبي بن كعب ﵁ لـ عمر بن الخطاب لما سأله عن التقوى؟ قال: أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك، ماذا كنت تصنع يا أمير المؤمنين؟ قال: أشمر وأجتهد، قال: فتلك التقوى.
من أراد أن ينجح في اختبار الآخرة فلا بد أن يحقق ما يحققه في الدنيا من الجد والاجتهاد وبذل النشاط، إلى أقصى غاية كما علمنا المصطفى ﷺ في موقفه العظيم الذي لا يقوى عليه أحد بعده، ولا يصل أحد فيه إلى تلك المرتبة: (كان يقوم حتى تتفطر قدماه، فتقول له عائشة: لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، ﷺ ، فجد كما تجد في أمر الدنيا، ولابد من الجد في أمر الآخرة.
стр. 844
الاختبارات محددة المنهج واضحة المعالم
الاختبارات اليوم محددة المنهج، لا نجد في اختبارات الطلاب أن مادة الجغرافيا تختبر بدون منهج، بل هناك منهج محدد وواضح، عنده نصف الكتاب أو ربعه، فهذا الوضوح هو الذي يعين على تجاوز الاختبار، وإلا لو ترك الاختبار هكذا، فإن بعض المدرسين يأتي أحياناً في أثناء الدراسة ويقول للطلاب: كل واحد يخرج ورقته ويسألهم سؤالاً مباغتاً، أو يسألهم في أمر لم يتهيئوا له، فلا يحسنون الإجابة.
أما هنا فالاختبارات في غالبها واضحة ومحددة المنهج، وهذا الذي يجعل الطالب يستطيع أن يجيب ويحسن الإجابة، والله جعل أمر الآخرة وطبيعة الاختبار الأعظم أنه واضح ومحدد، وما تركه هكذا مجهولاً.
إن الله بين الإيمان، والعبادة والأخلاق، وقال الله في أخبار الكفار يوم القيامة: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]، حدد الله لهم المنهج من عنده عن طريق الرسل، وحدد لهم طبيعة الاختبار وطريقة الاختبار، ولكن الناس عن ذلك غافلون، والرسول ﵊ يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، منهج واضح، كما أن اختبارات الدنيا مناهجها واضحة، والمطلوب فيها محدد.
جاء الأعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأل عن الإيمان، ثم يسأل بعد ذلك عن فرائضه، فقال له: الصلوات الخمس.
صيام شهر رمضان.
حج البيت.
الزكاة، قال هل عليَّ شيء بعدها؟ قال: لا، فخرج وولى، وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، ثم قال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق)، هذا المنهج محدد، مطلوب منك الإيمان بالله وببقية أركان الإيمان، وفرائضه محدودة ليس فيها مشقة ولا عسر.
стр. 845
الاختبارات تحمل طابع التنافس والحماس
طبيعة هذه الاختبارات هي أول أمر نعرض له: معلوم عند الطلاب أن الاختبارات فيها طابع التنافس والحماس؛ كيما يتفوق الواحد على بقية زملائه، أو يحصل على درجة أعلى، أو يحظى بتقدير أرفع، وبالجملة فإننا نجد الناس في اختبارات الدنيا يتنافسون تنافساً شديداً، سواء في هذه الاختبارات أو حتى اختبارات الوظائف، إذا كان هناك وظيفة يتقدم لها جمع من الناس، فإنهم يتنافسون تنافساً شديداً في التحضير والإعداد لها حتى لو كان الأمر يحتاج إلى أن يحسن من هيئته، أو أن يعد من يتوسط له، ويأخذ بكل الأسباب في سبيل التنافس.
والله جعل التنافس الحقيقي في ميدان الآخرة، وقال جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وأصحاب محمد ﷺ تربوا في مدرسة النبوة، فعلمونا بأفعالهم ما يكون فيه التنافس، وفي أي شيء يكون التسابق؛ لأن الله دعاهم فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، الأمر لا يحتاج إلى تباطؤ، بل يحتاج كما قال الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وكما قال رسولنا ﷺ : (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، والله يقول: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧].
وهذه أمثلة من واقع أصحاب الرسول ﵊ وما كانوا فيه يتنافسون: جاء أبو ذر ﵁ -كما في الصحيح- ومعه نفر من فقراء أصحاب رسول الله ﵊ يقولون: (ذهب أهل الدثور بالأجور)، أصحاب الأموال سبقونا ونافسونا، فأخذوا أكثر منا، وحازوا على درجات أعلى، وأصبحت تقديراتهم أرفع، ولم؟ قالوا: (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم)، فماذا قال لهم الرسول؟ قال: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وحملك للرجل متاعه على دابته صدقة)، ماذا عمل الأغنياء الأثرياء؟ فكروا وتنافسوا فأخذوا بهذا، فتساووا مرة أخرى، وعاد التنافس، فجاء الفقراء وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، ويسبحون كما نسبح، فقال الرسول ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، كان تنافسهم شديداً في هذا الباب.
وأبو بكر وعمر كانت لهما قصة في التنافس عجيبة: كان أبو بكر يسبق عمر دائماً، فلما جاءت غزوة تبوك ودعا النبي ﷺ أصحابه للتبرع والإنفاق، عقد عمر في نفسه عزماً ونيةً خالصةً لله أن يسبق أبا بكر، فقال: اليوم أسبق أبا بكر، فماذا فعل؟ جاء بشطر ماله.
الآن إذا أخرج الإنسان الزكاة وزاد عليها يسيراً حسبها، أما هذا فقد جاء بنصف رأس المال والميزانية كلها، فلما وافى رسول الله ﷺ قال له: (ما أبقيت لأهلك يا عمر، قال: أبقيت لهما الله ورسوله وشطر مالي، فوافى أبو بكر بعده بقليل، وأتى بما عنده، فقال له الرسول: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر، قال: أبقيت لهما الله ورسوله، فقال عمر ﵁: والله لا أزرؤك يا أبا بكر بعدها) أي: أنت السابق الذي لا تنافس أبداً.
والناس -كما أشرنا- يتنافسون في أمر الدنيا، وفي اختبار الدنيا، ونحن نرى هذا التنافس ظاهراً جلياً بين الطلاب، فينبغي أن نلتفت إلى التنافس في أمر الآخرة؛ لأن طبيعة الآخرة أيضاً تنافس، فالرسول ﵊ علم أصحابه التنافس في أمر الآخرة أيضاً، فكانوا لا يتقاعسون عن فضل، ولا يقدم أحدهم غيره في أجر وثواب أبداً، بل كانوا يبتدرون ويستبقون، لما رفع الرسول ﷺ يوم أحد سيفه، قال: (من يأخذ هذا بحقه)، ابتدره أبو دجانة ﵁، وهكذا.
следующие страницы →