Полный текст (2 691 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
بين اختبارات الدنيا واختبارات الآخرة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين، ونسأله مسألة الضعفاء والمساكين، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وفي بداية هذه الكلمة القصيرة -التي أرجو ألا أطيل بها عليكم- أقدم الشكر لفضيلة الإمام جزاه الله خيراً على حسن ظنه، وعظيم إكرامه، ولمن سعى في هذا اللقاء ليجعل لنا به -إن شاء الله تعالى- عند الله أجراً.
هذه هي أيام الاختبارات التي تشغل كل الناس حتى من ليس عنده اختبار، ومن لم ينشغل بها شخصياً فإنه يضطر إلى أن يتعامل في أيام الاختبارات بتعاملات وبأوقات وبطريقة مختلفة عما تعود عليه، والله قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]، فالحياة كلها اختبار منذ أن يتنفس الإنسان أول نفس فيها، وحتى يلفظ آخر نفس كتب له في هذه الدنيا، فإذا كانت الحياة كلها اختباراً، فينبغي أن نعرف هذا الاختبار، وأن نعرف علاقته بهذه الاختبارات الدنيوية الكثيرة، ولكن أكثرها تكراراً وأهميةً عند الناس: اختبارات الطلاب والطالبات، حيث ينشغل بها الطلاب والطالبات، والآباء والأمهات، وتزدحم لأجلها الطرقات، وتتغير من أجلها العادات، فتختلف فيها كثير من الأحوال.
وحتى نستفيد -إن شاء الله تعالى في الوقت المتاح- نحب أن نجعل الحديث منصباً على نوعي الاختبارات في الدنيا والآخرة معاً، حتى نرى كيف اعتنى الناس وانشغلوا وفكروا وخططوا واجتهدوا في اختبارات الدنيا العارضة، وغفلوا وقصروا وتكاسلوا وانشغلوا عن الاختبار الأهم والأعظم، وهو اختبار الحياة الدنيا الذي سؤاله وجوابه عند الله يوم القيامة.
стр. 842
أيام خوف وفزع واضطراب
تجد الطالب أيام الاختبارات في هلع وقلق، إذا نام فهو خفيف النوم، وإذا أكل فهو سريع الطعام، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، ولا يسكن له قلب، لأن عنده ما يشغله.
ولماذا ينشغل عقله ويتعلق قلبه؟ لأنه مرتبط بأمر يرى فيه مصلحة، ويرى من ورائه خيراً، فكيف وأنت تفكر في أمر الآخرة واختبار الآخرة، إن تفكرت ينبغي أن تكون على جزع وخوف واضطراب؛ فإن رسول الله ﷺ قد بين هذا النهج القويم بياناً انخلعت له قلوب الصحابة، وذرفت له عيونهم، واقشعرت منه جلودهم، وكانوا منه على خوف عظيم؛ لما قال ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، تخويفاً من الاطمئنان إلى نتيجة الاختبار، ما الذي يخوف الطالب؟ هو يستعد ويأخذ، لكنه لا يطمئن ولا يركن.
وكذلك قال الرسول ﷺ كما في الصحيح من حديث أنس ﵁ قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور).
هذه معالم لما قاله الرسول ﷺ لم يقصد بها مبالغةً في اللفظ، وإنما قصد بها غزواً للقلوب؛ حتى يرسخ فيها الخوف من عذاب الله الذي يدفعها إلى طلب رحمة الله بالعمل الصالح، وبالتقرب إلى الله جل وعلا.
وحينما يكون الإنسان على هذا الخوف والاضطراب في أمر الدنيا واختبارها وهو أمر ميسور، وعاقبته قاصرة على الدنيا، فينبغي أن يكون على هذا النهج وأعظم أيضاً في اختبار الآخرة، فإن عائشة ﵂ في حديثها الصحيح ترسم منهجاً عجيباً ينبغي أن يتفطن له المؤمن، وذلك أنها لما سمعت قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت عائشة ﵂: هؤلاء يعملون أعمالاً ويخافون؛ لأنهم سيرجعون إلى الله، فتوقعت وتصورت أن تكون هذه الأعمال أعمالاً سيئة قبيحة، فقالت لرسولنا ﷺ : (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر ثم يخاف؟) تعني: يعمل السيئات ويخاف لأنه عمل أموراً منكرة يستوجب عليها العقوبة والعذاب، فقال لها قال رسول الله ﷺ : (لا يا ابنة الصديق! ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه)، هكذا رسم الرسول ﵊ المنهج، أن تعمل وأنت على خوف ألا يقبل منك.
أما الحسن البصري رحمة الله عليه ورضي الله عنه فيخط في مقالته منهجاً عظيماً عجيباً، فيقول رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف على حسناتهم ألا تقبل منهم أكثر من خوفكم من سيئاتكم أن تحاسبوا عليها.
يعني: أنتم تعملون سيئات، وخوفكم قليل، وأولئكم يعملون الصالحات وخوفهم عظيم ألا تقبل منهم.
وكان الحسن ﵁ ورحمه يبكي، فيقال له: لم تبكي؟ قال: أخشى أن يطلع الله علي وأنا في بعض ذنبي، أو قد عملت ذنباً، فيقول: يا حسن اعمل فلا أقبل منك أبدًا.
من كان يخاف، ويضطرب، ويقلق، ويجزع، ولا يطمئن له جنب، ولا تغمض له عين، كل ذلكم تخوف من هذا الاختبار الدنيوي، فالأولى أن يعرف طبيعة اختبار الآخرة، وأن يتدبر ويتأمل، ويكون على ما كان عليه رسول الله ﷺ ، يخرج في ظلمة الليل، وينسل من بيت عائشة ﵂، فإذا هو يخرج إلى البقيع يتفقد الموتى، ويدعو كالمودع للأموات ﷺ .
стр. 843
الاختبارات تحتاج إلى جد ونشاط
ثم اختبارات الطلاب الدنيوية تحتاج إلى جد ونشاط؛ فلا نرى أحداً في وقت الاختبارات ينام ويفرط ويهمل، بل يستعد ويجد ويشمر، ولا يترك فرصةً تضيع، وإن سئل عن سبب هذا قال: لأن الأمر جد، والوقت قد ضاع، وأحتاج إلى أن أصل إلى شاطئ الأمان وبر النجاة، وهو تجاوز الاختبار وحصول النجاح.
فإذاً: لما أراد الهدف والغاية أخذ لها طريقها وهو الجد والاجتهاد، أما إذا لم يأخذ بالجد فإنه لا يحصل النتيجة، ويكون عند الناس أحمق ومفرطاً ومقصراً.
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس ولذلك بين الله لنا أن الأمر بالنسبة للآخرة لا ينال إلا بالجد.
أما المنافقون فقد وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، هذا الكسول المتثاقل لا ينجح النجاح المطلوب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨] تكاسل، قعد، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، هذا الذي لا يأخذ بالجد والمعالي من الأمور لا يستطيع أن يكون ناجحاً متفوقاً؛ لأن الله وصف أهل الجد فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، يجدون حتى يحصلون النجاح، ويسعون إلى الوصول إلى بر الأمان.
بعض الناس إذا قيل له في الجد في أمر الدين لم يستجب، وإن كان يجد في أمر الدنيا غالباً، ولا تحتاج أن توصيه في أمر الدنيا، فالطلاب في غالب الأمر لا يحتاجون في أيام الاختبارات أن يوصيهم أحد بالجد، كل يجد بقدر طاقته، وبأقصى حد عنده، لكن إن جئت للناس وقلت لهم: جدوا في أمر الدين وخذوا بمعالي الأمور، قالوا: إن الدين يسر، وقرءوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) ويأتي أحدهم بأحاديث وآيات يضعها في غير موضعها، وهو مفرط في جنب الله ، ومقصر عن التشمير والجد، كما ذكر أبي بن كعب ﵁ لـ عمر بن الخطاب لما سأله عن التقوى؟ قال: أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك، ماذا كنت تصنع يا أمير المؤمنين؟ قال: أشمر وأجتهد، قال: فتلك التقوى.
من أراد أن ينجح في اختبار الآخرة فلا بد أن يحقق ما يحققه في الدنيا من الجد والاجتهاد وبذل النشاط، إلى أقصى غاية كما علمنا المصطفى ﷺ في موقفه العظيم الذي لا يقوى عليه أحد بعده، ولا يصل أحد فيه إلى تلك المرتبة: (كان يقوم حتى تتفطر قدماه، فتقول له عائشة: لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، ﷺ ، فجد كما تجد في أمر الدنيا، ولابد من الجد في أمر الآخرة.
стр. 844
الاختبارات محددة المنهج واضحة المعالم
الاختبارات اليوم محددة المنهج، لا نجد في اختبارات الطلاب أن مادة الجغرافيا تختبر بدون منهج، بل هناك منهج محدد وواضح، عنده نصف الكتاب أو ربعه، فهذا الوضوح هو الذي يعين على تجاوز الاختبار، وإلا لو ترك الاختبار هكذا، فإن بعض المدرسين يأتي أحياناً في أثناء الدراسة ويقول للطلاب: كل واحد يخرج ورقته ويسألهم سؤالاً مباغتاً، أو يسألهم في أمر لم يتهيئوا له، فلا يحسنون الإجابة.
أما هنا فالاختبارات في غالبها واضحة ومحددة المنهج، وهذا الذي يجعل الطالب يستطيع أن يجيب ويحسن الإجابة، والله جعل أمر الآخرة وطبيعة الاختبار الأعظم أنه واضح ومحدد، وما تركه هكذا مجهولاً.
إن الله بين الإيمان، والعبادة والأخلاق، وقال الله في أخبار الكفار يوم القيامة: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]، حدد الله لهم المنهج من عنده عن طريق الرسل، وحدد لهم طبيعة الاختبار وطريقة الاختبار، ولكن الناس عن ذلك غافلون، والرسول ﵊ يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، منهج واضح، كما أن اختبارات الدنيا مناهجها واضحة، والمطلوب فيها محدد.
جاء الأعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأل عن الإيمان، ثم يسأل بعد ذلك عن فرائضه، فقال له: الصلوات الخمس.
صيام شهر رمضان.
حج البيت.
الزكاة، قال هل عليَّ شيء بعدها؟ قال: لا، فخرج وولى، وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، ثم قال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق)، هذا المنهج محدد، مطلوب منك الإيمان بالله وببقية أركان الإيمان، وفرائضه محدودة ليس فيها مشقة ولا عسر.
стр. 845
الاختبارات تحمل طابع التنافس والحماس
طبيعة هذه الاختبارات هي أول أمر نعرض له: معلوم عند الطلاب أن الاختبارات فيها طابع التنافس والحماس؛ كيما يتفوق الواحد على بقية زملائه، أو يحصل على درجة أعلى، أو يحظى بتقدير أرفع، وبالجملة فإننا نجد الناس في اختبارات الدنيا يتنافسون تنافساً شديداً، سواء في هذه الاختبارات أو حتى اختبارات الوظائف، إذا كان هناك وظيفة يتقدم لها جمع من الناس، فإنهم يتنافسون تنافساً شديداً في التحضير والإعداد لها حتى لو كان الأمر يحتاج إلى أن يحسن من هيئته، أو أن يعد من يتوسط له، ويأخذ بكل الأسباب في سبيل التنافس.
والله جعل التنافس الحقيقي في ميدان الآخرة، وقال جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وأصحاب محمد ﷺ تربوا في مدرسة النبوة، فعلمونا بأفعالهم ما يكون فيه التنافس، وفي أي شيء يكون التسابق؛ لأن الله دعاهم فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، الأمر لا يحتاج إلى تباطؤ، بل يحتاج كما قال الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وكما قال رسولنا ﷺ : (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، والله يقول: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧].
وهذه أمثلة من واقع أصحاب الرسول ﵊ وما كانوا فيه يتنافسون: جاء أبو ذر ﵁ -كما في الصحيح- ومعه نفر من فقراء أصحاب رسول الله ﵊ يقولون: (ذهب أهل الدثور بالأجور)، أصحاب الأموال سبقونا ونافسونا، فأخذوا أكثر منا، وحازوا على درجات أعلى، وأصبحت تقديراتهم أرفع، ولم؟ قالوا: (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم)، فماذا قال لهم الرسول؟ قال: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وحملك للرجل متاعه على دابته صدقة)، ماذا عمل الأغنياء الأثرياء؟ فكروا وتنافسوا فأخذوا بهذا، فتساووا مرة أخرى، وعاد التنافس، فجاء الفقراء وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، ويسبحون كما نسبح، فقال الرسول ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، كان تنافسهم شديداً في هذا الباب.
وأبو بكر وعمر كانت لهما قصة في التنافس عجيبة: كان أبو بكر يسبق عمر دائماً، فلما جاءت غزوة تبوك ودعا النبي ﷺ أصحابه للتبرع والإنفاق، عقد عمر في نفسه عزماً ونيةً خالصةً لله أن يسبق أبا بكر، فقال: اليوم أسبق أبا بكر، فماذا فعل؟ جاء بشطر ماله.
الآن إذا أخرج الإنسان الزكاة وزاد عليها يسيراً حسبها، أما هذا فقد جاء بنصف رأس المال والميزانية كلها، فلما وافى رسول الله ﷺ قال له: (ما أبقيت لأهلك يا عمر، قال: أبقيت لهما الله ورسوله وشطر مالي، فوافى أبو بكر بعده بقليل، وأتى بما عنده، فقال له الرسول: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر، قال: أبقيت لهما الله ورسوله، فقال عمر ﵁: والله لا أزرؤك يا أبا بكر بعدها) أي: أنت السابق الذي لا تنافس أبداً.
والناس -كما أشرنا- يتنافسون في أمر الدنيا، وفي اختبار الدنيا، ونحن نرى هذا التنافس ظاهراً جلياً بين الطلاب، فينبغي أن نلتفت إلى التنافس في أمر الآخرة؛ لأن طبيعة الآخرة أيضاً تنافس، فالرسول ﵊ علم أصحابه التنافس في أمر الآخرة أيضاً، فكانوا لا يتقاعسون عن فضل، ولا يقدم أحدهم غيره في أجر وثواب أبداً، بل كانوا يبتدرون ويستبقون، لما رفع الرسول ﷺ يوم أحد سيفه، قال: (من يأخذ هذا بحقه)، ابتدره أبو دجانة ﵁، وهكذا.
стр. 846
قبل الاختبار
هذه أمور في طبيعة الاختبارات تربطنا باختبارات الآخرة، ثم هناك أمور في جانب آخر، وهي: مرحلة ما قبل الاختبار.
стр. 847
استخدام ألفاظ التشجيع والثناء
وأمر ثالث يحدث قبل الاختبارات، بالذات بالنسبة للأهل: تجد الوالد والوالدة يستخدمون معسول الكلام، وحسن الألفاظ، والتشجيع مثل: أخذ الله بيدك.
وأعانك الله.
وبارك الله فيك.
وهكذا صباحاً ومساء، فلا ترى وجهاً مقطباً، ولا كلمة شديدة، ولا قبض يد، كل الأمور ميسرة، لماذا؟ يقول لك: حتى يكون مستعداً قبل الاختبار، ويدفعه ذلك إلى أن يكون استعداده نفسياً وعملياً على أحسن وجه، لا يوجد أي معوق أبداً، ويكون ديدنهم: اهتم بالدراسة، ذاكر أكثر.
لكن في أمر الآخرة، وفي أمر دينه وعبادته، تجد التقصير في كثير من الأحوال، ولا تجد الوالد يعتني بولده، ولا يشجعه، إذا رآه ذاهباً إلى المساجد، بل ربما أحياناً يقول له: أربعة وعشرين ساعة في المسجد، ما أحد يراك في البيت! وهو مسكين تأخر دقائق صلى فيها السنة، فأقام والده الدنيا وأقعدها.
أما بالنسبة للاختبارات فلا بأس، وهذا أيضاً من سوء وفساد القيم.
стр. 848
سلوك الناس قبل الاختبارات
كيف يتصرف الطلاب قبل الاختبار؟ حتى نربط ذلك بسلوكهم في أمر اختبار الآخرة.
تجد للناس وقتئذٍ قدرةً على التكيف وتغيير الظروف مهما كانت، كل الطلاب والأهالي في البيوت يغيرون الظروف، لا تجد شيئاً إلا ويتغير، أوقات الطعام التي كانت محددة تتغير، وقت الطعام الذي كان طويلاً يقصر، أمور كثيرة في حياة الناس تتغير، ينام ويستيقظ قبل الفجر، ومن الذي يوقظه؟ الأم أو الأب، والزيارات تنقطع، والاتصالات تتوقف، عجباً كيف استطاع الإنسان أن يغير! غير لأنه اهتم؛ ولأنه أراد أن يتهيأ لأمر عظيم، لكن فيما يتعلق باختبار الآخرة لا يفعل ذلك.
ونحن في دنيانا كلها ما زلنا في مرحلة ما قبل الاختبار، فهل غيرت ظرفك حينما نمت متأخراً لتستيقظ للفجر، وحينما فرطت في أمر لتتدارك الأمر، تجد كثيراً من الناس إذا جئت لتقول له في شأن دينه وأمر ربه، يقول: لا أستطيع، صعب عليه أن يغير الظروف والأوقات والعادات التي تعود عليها، من الصعب أن يستيقظ للفجر، ثم بعد ذلك قد ينام فلا يستيقظ للدوام، كيف يستطيع أن يغير الحالة وقد استمرت ودوام عليها؟! وكيف غير في أيام معدودات هذه العادات كلها لأجل اختبار الدنيا؟ وتجد أيضاً أن كل الظروف تتغير، فهل يشاهد التلفزيون؟ لا، هل يخرج للنزهة؟ لا، بل يؤجلها، هل عنده وقت للتسلية؟ لا، يؤخرها، لماذا؟ قال: لأننا في فترة ما قبل الاختبار! وكذلك في أمر اختبار الآخرة: هل أجلت ما ينبغي تأجيله، وتركت ما ينبغي تركه؛ لكي تستعد لاختبار الآخرة، هذا أيضاً أمر يحتاج إلى انتباه.
стр. 849
حسن الاستعداد عملياً
ليس فقط يفرغ الناس الأوقات ثم ينامون أو يغيرون، بل هم مستعدون أيضاً عملياً، فتجده أولاً: يفرغ الوقت للمراجعة والمذاكرة، والأب حريص في أن يواظب على مراقبة ابنه، وإذا احتاج إلى مدرس أحضر المدرس، وإذا لم يكف مدرس قد يحضر الثاني، وإذا ما كفى اثنان ممكن أن يسعى بكل وسيلة حتى يطمئن إلى أنه قد استعد أقصى أنواع الاستعداد، هل يحتاج إلى كتب مساعدة؟ يحضرها، هل يحتاج إلى أسئلة وإجابات؟ يوفرها، يذهب ويبحث عن أسئلة في الأعوام الماضية، هكذا يفعل الطلاب، يذهبون فيبحثون عن أسئلة العام الماضي والذي قبله، وكيف كانت إجاباتها وطريقة الاختبارات، كل ذلك استعداداً عملياً للاختبار.
لو تأملت أيضاً تجد أنه لا يكون في هذه الأوقات أعمال تخالف هذا الاستعداد مطلقاً، فأين الاستعداد لأمر الآخرة؟ هل راجعت الاختبارات السابقة؟ هل نظرت كيف يكون الاختبار؟ هل تأملت في مثل هذه الأمور التي تتعلق بأمر هو أعظم وأهم مما تهيأت له؟ لو جئت الآن وقلت للأب: الابن لا يصلي، قال: الهادي هو الله! ولو قلت: الابن لا يذاكر، فلم لا تقول: الذي يعينه على المذاكرة الله، وتتركه؟ لا، بل هناك تتفرغ له، إذا أراد أن يلتفت وقفت له بالمرصاد، وإذا لم يفهم أتيت له بالمدرس، وإذا ما نفع المدرس تفرغت بنفسك لتذاكر له أو تدرسه، وهنا الهادي هو الله؛ سبحان الله العظيم! لم اعتنيت بأن تهيئه لاختبار الدنيا، ولم تعتن بتربية ابنك واستعداده لاختبار الآخرة؟ توقظه للاختبار قبل الفجر إذا أراد، ونادراً أو نسبة لا تكاد تذكر أن طالباً ينام عن الاختبار ولا يحضر، لكن كم من الناس طلاباً ورجالاً ونساءً ينامون عن الفجر؟ أليس هذا اختباراً بسيطاً من اختبارات الله للعبد حتى يخرج من شهوات نفسه، ومحبة ما يميل إليه، إلى استجابته لأمر الله .
فالاهتمام للدنيا وإهمال الآخرة يعد من سوء التدبير، وفساد القياس؛ لأن مقتضى قياس الأولى: أنك إذا اعتنيت به في الدنيا فعنياتك به في أمر الآخرة ينبغي أن تكون أعظم.
стр. 850
الفروق بين الامتحان الدنيوي والأخروي
стр. 851
الفرق الرابع
الفرق الرابع: أن امتحان الدنيا ممكن أن تجد من يساعدك عليه، ممكن أن يجد الطالب فرصةً ليغش، ممكن بعد أن يسلم الورقة يوسط للمدرس من يوصيه به خيراً ليكيل له في الدرجات، أو ليتجاوز عن الأخطاء والهفوات، كلها أمور واردة ويتعلق بها الإنسان كثيراً، ويفكر فيها، ويقول: لعل وليت أما في الآخرة فلا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، وينقطع كل أمر إلا من قضاء الله ، وليس ثمة مجال مطلقاً لأن تستزيد، أو أن تأخذ دعماً من أحد، كل يقول: نفسي نفسي، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]، لا أحد ينظر في أحد.
فالكفار يود أحدهم لو عنده ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به من عذاب يوم القيامة، ليس هناك من شيء أبداً إلا من أتى الله بقلب سليم، ورحمة من الله يفيض بها على من يشاء، وشفاعة يأذن بها لمن رضي جل وعلا؛ فلذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان، وأن يعلم أن المراوغة يوم القيامة لا تفيد، إذا سأل فتحرك اللسان كذباً وزوراً، ختم الله على فمه، ونطق جلده، ونطقت يده، ونطقت رجله ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
فلا مجال هناك للمراوغة، ولا للغش أبداً، بل كل شيء يظهر على حقيقته، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة)، هؤلاء الذين يكذبون: (رجل آتاه الله علماً، فيقول له الله: ما فعلت بعلمك؟ يقول: علمته فيك)، يعني لأجلك، وحسبةً لله، وطلباً للثواب، وهو كاذب في قوله، (فيقول الله : كذبت، بل علمته ليقال: عالم، وقد قيل، فيؤمر به فيكب على وجهه في النار)، وهكذا الثاني والثالث مثله؛ لأن الرجل الذي أعطاه الله قوة، يقول: (جاهدت فيك، ولإعلاء كلمتك، فيقول الله : كذبت، وإنما جاهدت ليقال: شجاع، وليقال: جريء، وقد قيل، فيكب على وجهه في النار)، نسأل الله السلامة.
فمن كذب في هذا الاختبار عوقب أشد عقاب، فليس هناك مجال لا لغش، ولا لشفاعة، ولا لواسطة من هذا النوع أبداً ومطلقاً.
стр. 852
الفرق الثالث
الفرق الثالث: ما هي نتيجة اختبار الدنيا؟ تأخذ شهادة، أو منصباً، أو أي نوع من الفخر الفارغ، أو من التعالي الذي لا قيمة له.
أما الآخرة فشهادتها وثمرتها جنة عرضها السماوات والأرض، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وشهادة الجنة هي التي يقول فيها الله : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف:٤٩].
هذه هي الشهادة: أنه إذا خرج من الثانوية أخذ ورقة يدخل بها الجامعة، وإذا خرج من الجامعة أخذ ورقة يدخل بها الوظيفة، أما هنا فيأخذ شهادة يدخل بها جنة فلا يخرج منها أبداً، فيها نعيم لا ينقطع مطلقاً، بل هو في زيادة وتضاعف عظيم عند الله .
стр. 853
الفرق الثاني
الفرق الثاني: امتحانات الدنيا تتكرر: ممكن أن يعيده أو أن يعيد السنة، أو يغير المدرسة كلها، يمكنه أن يشق طريقه بأي وجه من الوجوه، أما اختبار الآخرة فواحد، ليس فيه إعادة، ولا زيادة، إذا سلمت ورقة الإجابة فلا لجنة رحمة، ولا غير ذلك من الأمور إلا ما قضاه الله ، فلذلك أيضاً يتنبه الإنسان في هذا الباب كثيراً؛ لأن الله بين أنه لا عودة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] ويقول الله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لََعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، والله يقول: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١]، ويقول الله : ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]، انتهى الأمر.
стр. 854
الفرق الأول
وهي فروق يسيرة في عددها، لكنها عظيمة في النتيجة والأثر: الفرق الأول: أنك باختبار الآخرة لن تسأل عن اختبار الدنيا أبداً، لن تسأل لا عن المناهج، ولا الكتب ولا الوظائف، وإنما الأسئلة محددة كما أخبر الرسول ﷺ حينما قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، إلخ).
стр. 855
عواقب ما بعد الاختبارات
стр. 856
استلام الشهادات
بعد الاختبارات تظهر النتيجة ويفرح بها الطالب، لكنه ينتظر الشهادة التي قد يبرزها أو يظهرها أو يدفعها، وشهادات يوم القيامة ليس لك فيها اختيار، تتطاير الصحف، فيؤتى كل أحد كتابه بحسب عمله، فمن كان خيراً أخذ كتابه بيمينه، وأما صاحب العمل السيئ، فقد ورد في بعض الآثار أنه يريد أن يأخذ كتابه بيمينه فلا يستطيع، وتلتصق يده الشمال بوراء ظهره فيأخذ كتابه ويده الشمال ملتصقة وراء ظهره، لا يملك في ذلك اختياراً، ولا يملك في ذلك أن يدعها أو أن يتركها.
الآن الشهادة إذا كانت غير مناسبة قد يتركها، أما تسليم الشهادات يوم القيامة فكما قال الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، يفرح بها ويرفعها، هذه هي الشهادة، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]، هكذا يقول بعض الناس في اختبار الدنيا، أي كأنه يقول: يا ليتني لم أختبر، يا ليتها كانت القاضية، ليتني لم أدخل المدرسة ولم أدخل التعليم نهائياً، كأنه اغتم لذلك، والغم الأكبر إنما يكون في ذلك الحدث الأعظم في هذا الباب.
وكذلك نجد الناس إذا أخذوا الشهادات على هذا النسق وعلى هذا النحو يعتنون بإظهارها وبإشهارها، ويوم القيامة من كانت شهادته حسنة فإنه يظهرها ويشهرها ويرفعها، أما من كان غير ذلك فهناك حضور في تسليم الشهادات، يحضر مدير المدرسة والمدرسون للتكريم، والآخر الذي لا يكرم ينكس رأسه ولا يحضر أصلاً، وهناك الحضور أعظم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، الملائكة حضور، والرب يتجلى على الناس بعظمته، فهو مشهد خطير تنخلع له القلوب، ويكون الخزي -والعياذ بالله- هو الخزي الأعظم الأكبر حينما لا يفلح الإنسان، نسأل الله أن يجعلنا من الفائزين الناجحين.
стр. 857
مراتب الفوز والنجاح
قد ينجح الناس، ولكن هناك مراتب: منهم المقبول الذي كان على شفا جرف هار، ولكن الله ستر عليه فأنجاه، ومنهم من يأخذ جيد، وجيد جداً، وممتاز، ومرتبة شرف، وكذلك الأمر في الآخرة، فإن النجاة على مراتب، لكن لننظر إلى صاحب أدنى مرتبة، أقل واحد هذا الذي يأخذ المقبول، أخبر الرسول ﷺ كما ورد في صحيح مسلم عن آخر رجل يدخل الجنة، ما قصته؟ يعذب في النار بقدر ذنوبه ومعاصيه، فيقول: يا رب أخرجني من النار، فيخرج من النار، ثم يبقى خارج النار، فينظر للجنة فإذا بها بعيدة، فيقول: يا رب قربني من باب الجنة، فإذا قال: لا تسألني شيئاً بعدها، يقول: لا أسألك يا رب شيئاً بعدها، فإذا قربه من الجنة كما في الحديث: يأتيه من طيبها ومن وريحها، فيقول: يا رب أدخل الباب، فيدخله الله الجنة، ويعطيه من نعيمها ، فيقول الله : هل ترى ما حولك؟ قال: نعم، قال: أيسرك أن يكون لك مثل هذا، فيقول في الحديث: (أتهزأ بي وأنت الملك، فيضحك الله ، ويقول: فإن لك مثله وعشرة أمثاله).
وهذا الذي أريه هو كملك الدنيا، يعني أقل واحد يأخذ مثل الدنيا وعشرة أمثالها كما ورد في هذا الحديث الصحيح.
هذا آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة، فما ظننا بما هو أعلى منه؟ قال الرسول ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فمنه تفجر الأنهار، ويظلله عرش الرحمن) ، هذا أقل درجة، فلك أن تتصور شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقد أوجز الرسول ﷺ فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
وأما هذه المراتب فيقول عنها ﷺ : (ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام)، وفي بعض الروايات عن أقل ما بين درجة ودرجة: (كالكوكب الغابر في السماء)، الكوكب الغابر لا ترى منه إلا نقطة، يعني أبعد ما بين السماء والأرض، هذه المسافة ما بين مراتب الجنة وتفاوت الدرجات فيها.
هكذا ينبغي أن ننتبه إلى هذه الفروق.
стр. 858
ترقب النتائج
مسائل ما بعد الاختبار أمر آخر، تجد الناس مترقبين للنتائج، فترى من يذهب من الصباح الباكر عند أبواب المطابع ينتظر الجريدة لينظر النتيجة.
أجبت أم لم تجب؟ قال: أجبت إن شاء الله إجابات جيدة، لكن لا يطمئن القلب حتى يرى النتيجة بأم عينه، ويبقى في هذه الفترة مترقباً، كل يوم ينتظر وهو على جمر من النار، فإذا خرجت النتيجة يسكن ويطمئن إذا فاز ونجح.
والله بين أيضاً أن المسألة أعظم من ذلك وأكبر، وأرهب، وأشد خوفاً وخطراً يوم القيامة، الناس في ذلك الصعيد، في يوم الحشر الأعظم، والعرق يبلغ من الناس إما إلى العقبين أو الركبتين أو الحقوين أو الكتفين، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، والشمس قد دنت من رءوس الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، والرسل والأنبياء كلهم يقول: نفسي نفسي، وكل قد تبرأ من صاحبه، والناس ينتظرون النتائج، والله يقول: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
تصور هذا الترقب لهذه النتيجة العظمى، هذه النتيجة إذا وصلت إليها زحزحت، وزحزح يعني كأنه كان يوشك أن يقع في النار فزحزح عنها، هذا الذي زحزح فاز، فكيف بالذي نجا وكان سابقاً وفائزاً ومقدماً، وهذا الترقب يقول عنه الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]، وهذا الثبات والترقب ينبغي أن يكون له استعداد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، صحيح صدقوا في الإيمان، وأخلصوا في الطاعات، وواظبوا على الفرائض، ومع ذلك أعدوا العدة، ثم بعد ذلك أيضاً يترقبون النتائج.
стр. 859
مقياس الفرح والحزن عند الصحابة
كانوا ﵃ إذا نبغ الابن منهم في أمر الدين عظموه، كما ورد في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ما شجرة مثلها كمثل المسلم، قال: فوقع الناس في شجر البوادي - يعني يخمنون في أنواع من الشجر- ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت فسكت، وفي رواية: فإذا في القوم أبو بكر وعمر فسكت، وفي رواية: فإذا أنا عاشر عشرة أنا أصغرهم، فقال رسول الله ﷺ : هي النخلة)، فأخبرت بها عمر أي: بعد ذلك قال لأبيه عمر بن الخطاب: أنا عرفتها قبل أن يقولها الرسول ﷺ ، قال: لوددت أنك قلتها، أي: كان سيكون في قمة الفرح، وكأنه أعطي الدنيا بما فيها لو أن ابنه قال هذه الكلمة، هل ليفتخر؟ لا، ولكن ليبرز علمه وفقهه وفطنته عند رسول الله ﷺ .
الصحابة كيف كانوا يفرحون؟ متى كانوا يحزنون؟ كل ذلك متعلق بأمر الدين، وبما يفتح الله لهم من الخير.
هذا حنظلة بن أبي عامر الأسيدي كما ورد في صحيح مسلم: كان كسف البال مغتماً، منكس الرأس، فلقيه أبو بكر، فقال له: ما بالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة! قال: وما ذاك؟ قال: إنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ يحدثنا عن الإيمان والجنة والنار، فكأنا نرى كل ذلك بأعيننا، فإذا انقلبنا إلى أهلنا وعافسنا الأزواج والنساء تغيرنا، وفي رواية: أنكرنا نفوسنا.
أبو بكر كان غير منتبه لهذا الأمر، فلما قال له ذلك فكر، فإذا الحال هو الحال، والأمر عنده كما هو عنده، قال: لئن كان كما تقول فكلنا ذلك الرجل، فانطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال الرسول ﷺ : (لو تدومون على حالكم التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة)، تلك ساعتا الصحابة، وليست كالتي عندنا التي يستشهد بها الناس ويطبقونها تطبيقاً سيئاً ساعة فيها شيء من الطاعة قليل، وساعة فيها من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله .
فإذاً: ما بعد الامتحانات نفرح بأمر الاختبار إذا نجحنا، فأين فرحنا بأمر الدين، وفرحنا بالتوفيق للطاعات؟ وأين حزننا إذا فاتتنا الصلوات، وقصرنا في هذا الأمر، كما قال الرسول ﷺ : (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)؟ وكما فعل أصحاب محمد ﷺ في صورة فريدة رائعة لا يوجد في التاريخ مثلها أبداً، الذين أطلق عليهم اسم: البكائين جاءوا لرسول الله ﷺ ليخرجوا معه للجهاد والغزو في غزوة تبوك وهم صفر اليدين، ليس معهم مال، ولا زاد، ولا رواحل يركبون عليها، قالوا: يا رسول الله! احملنا معك نجاهد، فقال رسول الله ﷺ : (لا أجد ما أحملكم عليه)، فهل قالوا: فرصة، مشكلة وانزاحت، منك ولا من غيرك؟ لا.
بل: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]، حزنوا أن فاتتهم هذه الفرصة من الطاعة، وهي فرصة شاقة شديدة في حر شديد، في صحراء ضاربة عبر الجزيرة إلى أقصى شمالها، لا يلقون فيها أرضاً خضراء، ولا أهلاً أحباء، وإنما يلقون فيها موتاً أحمر، وسيوفاً مشرعة، مع ذلك حزنوا من صميم قلوبهم ألا يجدوا ما ينفقون حزناً على ما فاتهم من الطاعة.
هكذا ينبغي أن تكون مشاعرنا؛ فرحاً بالطاعة وحزناً على فواتها، وعلى ما يقع من تفريط في جنب الله ، لا نفرح بما قد يكون من أمر الدنيا، فإن فرحنا لأنه يعين على الطاعة والآخرة فلا بأس؛ فينبغي أن نتنبه في هذه المسألة.
стр. 860
الرسوب والنجاح
ما الذي يحصل بعد الاختبار؟ في اختبارات الطلاب واختبارات الدنيا يحصل رسوب أو نجاح، شقاوة أو سعادة، حزن أو فرح، لكن أمره سهل، وبعض الناس ممن تبلدت أحاسيسهم يرسب وهو في قمة الفرح؛ لأنه لا يدرك ولا يفهم أثراً لهذا الاختبار ولا قيمة له، لكنه في قرارة نفسه حزين؛ لأنه يرى الطلاب من حوله كل معه شهادة النجاح وهو وإن افتخر لكنه كاذب في التعبير عن شعوره.
إذاً لماذا فرح؟ لأنه نجح، ولماذا حزن؟ لأنه رسب.
وتجد هذا لا يخصه وحده، إذا فرح ونجح إذا بابتسامة الأم عرضها كعرض البيت، وإذا صياح الأب وتهليله وتكبيره كأنما فتحت الدنيا، وانتصرت الأمة، وكل الناس يفرحون بفرحه، وإذا رسب تجد سحابةً سوداء مظلمة تخيم على البيت.
هل نفرح لأمر الآخرة؟ وإذا وفق الإنسان إلى طاعة هل يفرح الأهل فرحاً صادقاً، وذلك إذا رأى الوالد ابنه مستقيماً على أمر الله، مرتاداً للمساجد، ملتزماً بسنة الرسول، يقضي وقته مع القرآن، ويعيش في رياض القرآن، ويرتاد حلق العلم؟! لكن للأسف أن الأمر وجوده وعدمه سواء.
стр. 861
الحزن والسرور
هل يحصل الحزن إذا تم التقصير في أمر الآخرة؟ إذا فاتت صلاة الفجر فلا مشكلة، بل إذا تأخر عن أداء الصلاة جماعة، بل عن أداء الصلاة بالكلية، بينما كان الصحابة يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام، وكانوا إذا فاتت الواحد منهم الجماعة ورد في بعض الآثار أنه يعزى ثلاثة أيام، فهو حزين والناس يرثون له.
سعد بن أبي وقاص ﵁ -كما في الصحيح- لما مرض يوم الفتح وقيل في صلح الحديبية وأراد الرسول أن يرجع إلى المدينة، وكان المهاجرون ﵃ وأرضاهم من أمر هجرتهم في شرع الله ألا يرتدوا بعد هجرتهم، وكلهم بعد أن هاجروا المدينة ما رجع أحد منهم إلى بلده؛ لأنهم خرجوا لله ورسوله فلزموا ذلك، فلما أراد الرسول أن يرجع وكان سعد بن أبي وقاص مريضاً لا يستطيع أن يرجع، فدخل عليه الرسول ﷺ ، فإذا هو حزين يبكي ويقول: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي، أي: هل أبقى هنا ولا ألحق معكم ولا تتم لي الهجرة، والرسول ﷺ يقول له مبشراً: (لعلك أن تخلف فيسر بك أقوام، ويضر بك آخرون)، فكانت بشارة وعلامة نبوة من الرسول؛ لأن سعد بن أبي وقاص كان فارس القادسية وقائدها، والذي كتب الله النصر على يديه للمسلمين على أعداء الله.
ثم قال الرسول: (ولكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) والرسول حزن له؛ لأنه أدرك الوفاة بمكة وهو من المهاجرين، وكان يحب أن يموت في المدينة؛ لأن المهاجرين كان مهاجرهم المدينة ولا يرجعون منها أبداً، وما ورد من أن الصحابة خرجوا من المدينة، فذلك صحيح لكنهم خرجوا في الأمصار وساحوا فيها، وما رجعوا إلى مكة وأقاموا فيها؛ فلذلك انظر إلى هذا الحزن وإلى هذا التغير لأمر الدين ولأمر الآخرة.
стр. 862
تنبيهات مهمة
نختم بأمور فيها شيء من التنبيه، وإن كان كل ما مضى فيه تنبيه للطلاب وللآباء والأمهات أن يكون اعتناؤهم باختبار الآخرة الأعظم، الاختبار الذي فيه المواقف العظمى الخطيرة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، فإذا الطلاب عند أول الاختبارات منهم من يرتعد ويرتجف، لكن الأمر لا يعدو ضربات من القلب، وقد تجد قليلاً من قطرات العرق تتصبب، ومنهم من لا يلقي لذلك بالاً.
أما هناك فهو الخوف الأعظم فنتنبه لذلك، وأما الطلاب فينبغي أن يعلموا أموراً: الأمر الأول: أن الأخذ بالأسباب من دين الله : فينبغي أن يشمروا عن ساعد الجد، ويذاكروا ويراجعوا، ويسألوا، ويسترجعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أما أن يقول: الله الميسر والمسهل.
فنقول: نعم هو ميسر ومسهل، لكن لا بد من الأخذ بالأسباب.
الأمر الثاني: إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده إذا ظن أنه أحفظ الحافظين، وأذكى الأذكياء، وأفطن الفطناء، فهنا يخشى عليه أن يقع، وكم رأينا ممن حصل وجد ثم لم يستعن بالله ولم يقل: يا رب، فربما حرمه الله التوفيق؛ لأجل نسيانه الاعتماد على الله ، فينبغي أن ينتبه لذلك.
الأمر الثالث: كثرة التقرب من الله : أليس من طبيعة الإنسان إذا داهمته الشدة أن يزداد صلة ً ورجوعاً إلى ؟
الجواب
نعم؛ لأنه إذا رجع إلى الله ، يسأل ويرجو أن يكون بقربه مهيئاً لأن يوفقه الله جل وعلا، ولكن لا يكون كحال بعض الناس، إذا جاءت الاختبارات ملئت المساجد، فأصبحت الأمور على خير كثير، ثم إذا انتهى الأمر، وتحقق المقصد، انقلب على وجهه، وترك طاعة ربه.
وهناك نوع آخر: وهو نوع خطير عند الطلاب، بعضهم يقلل من الطاعات، إذا كان يصلي النوافل عادةً، ويذكر الله ويسبح، فإنه يتركها ويقول: الآن اختبارات، حدك حد الفرض، والفرض يحتاج إلى مقياس من السرعة حتى تنتهي من الصلاة بسرعة، فهذا يحرم نفسه، وكلما فرط في ذلك كان حرماناً له.
ثم كذلك ينبغي للإنسان أن يستحضر السكينة والطمأنينة عند اختباره؛ لأن التوتر ومزيد الانفعال يفقد الطالب التركيز والقدرة على الإجابة؛ ولذلك بعض الطلاب إذا أخذ أوراق الأسئلة يقرأها من الأخير ومن الوسط، فلا يعرف ماذا قرأ، ولا كيف يجيب، ينبغي أن يكون آخذاً الأمر بهدوء وسكينه وطمأنينة حتى يعينه الله على ذلك.
وفوق ذلك كله: أن يعلم أن هذا الاختبار إنما هو أمر يسير ينبغي أن يجعل في نيته أنه يستعين به على طاعة الله، وعلى الأخذ بالأسباب التي تعينه على أن يخدم دينه وأمته، حتى يكتب له الأجر، ويوفق إن شاء الله .
نسأل الله أن يوفقنا في اختبار الآخرة، وأن يجعلنا من المتهيئين له، وأن يجعلنا من الفائزين والناجحين فيه.
اللهم اختم لنا بالصالحات، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم لا تفضحنا على رءوس الأشهاد، اللهم كما سترت علينا ذنوبنا في الدنيا فاسترها علينا في الآخرة واغفرها لنا يا أرحم الراحمين، اللهم يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، يا جبار السماوات والأرض، نسألك اللهم أن تتغمدنا برحمتك، وأن تحفظنا برعايتك، وأن تكلأنا بعينك التي لا تنام.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا، وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكها، أنت وليها ومولاها، اللهم وفقنا ووفق آباءنا وأمهاتنا وبناتنا وأبنائنا إلى ما تحب وترضى يا أرحم الراحمين، واصرف عنا ما لا تحب وترضى يا أكرم الأكرمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 863
الشباب بين المهاوي والمعالي
يسير شبابنا بين المهاوي والمعالي، والمعالي هي مطلب كل إنسان، ولن تتحقق المعالي إلا بتجنب المهاوي، وقد كثرت المهاوي في هذا الزمان بصورة تفوق الخيال، وعمت بها البلوى، مثل التدخين والمسكرات والمخدرات والفضائيات والإنترنت، وغيرها من الأمور التي تفتك بالدين والأخلاق والسلوك والجسم والعقل.
стр. 864
المعنى اللغوي للمهاوي والمعالي
الحمد لله، لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من دعاه، من توكل عليه كفاه، ومن تعرض لرحمته أعطاه، له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، اللهم اشرح صدورنا، ونور قلوبنا، واهد عقولنا، ونور بصائرنا، وثبت أقدامنا، وأحسن ختامنا، واختم بالصالحات آجالنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته.
هذا الدرس رقمه (١٨٠)، ينعقد في يوم الجمعة السابع من شهر شعبان عام (١٤٢٤هـ)، وعنوانه: الشباب بين المهاوي والمعالي.
وليس مقصودنا أن نتحدث عن الشباب وأهمية هذه الفترة العمرية، فقد سلف لنا حديث في مثل هذا، وإنما مرادنا هنا أن نوضح هذه المعاني البينية التي سنتعرض لذكر تعلق الشباب بها.
المهاوي: جمع هاوية ومهواه، وأصل الاستنباط اللغوي لهذه الكلمة من الفعل الثلاثي (هوى)، ومعناه كما قال أهل اللغة: هو أصل يدل على خلو وسقوط، فالشيء الذي فيه هواء هو خال فارغ، وإذا قلت: هوى الشيء فمعناه: سقط ولم يكن شيء يحجزه، بل كان هناك فراغ أدى إلى مثل هذا السقوط، وأصله الهواء بين الأرض والسماء، سمي كذلك لخلوه، وكل خال هواء كما قال جل وعلا: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣] أي: خالية فارغة من الإيمان وتثبيته، وقال المفسرون في هذا المعنى: خالية من الفهم لا تعي شيئاً.
والهوة: هي الحفرة البعيدة القعر أي: الهاوية السحيقة التي فيها بعد وفراغ وخلو، من تعرض لها أو جاء إليها فإنه يسقط ويهوي.
والوهدة: هي الغامض من الأرض التي لا يتفطن إليها؛ لأنها أرض منخفضة ليست ظاهرة، فيقع الإنسان فيها وقد يتعثر.
ومن هنا نجد أن خلاصة معنى هذه المهاوي أن فيها معنى الخلو والفراغ، وأن فيها معنى الخفاء والغموض، وأن فيها -في آخر الأمر- معنى التردي والسقوط.
وأما المعالي فإنها واضحة في دلالتها من حيث اشتقاقها من الفعل الثلاثي (علو) وهو السمو والارتفاع، ومعنى ذلك: السمو إلى المعالي العظيمة والارتفاع إلى المهمات الجسيمة.
وهذا معناه أننا ندور في هذا الكلام حول الأمور والمطالب الشريفة السامية.
وقال الخليل: المعلاة: الكسب والشرف، والجمع المعالي، وفلان من علية الناس أي: من أهل الشرف، فكل هذه المعاني السامية ترتبط بذلك، ومعنى هذا أن بينهما تضاد، فنحن لا نريد المهاوي ولكن نريد المعالي، ونحذر من المهاوي ونرغب في المعالي، لا نريد لشبابنا أن يسقطوا بين الحفر، بل نريد لهم أن يسموا ويعلوا إلى القمر، لا نريد لهم أن يسقطوا في الأدناس، بل نريد لهم أن يرتقوا وأن يكونوا شامة بين الناس، لا نريد لهم أن يتلوثوا بالوحل والطين، بل نريد لهم أن يتجملوا بالعطر والطيب، نريد ألا يفقدوا الرعاية والحماية، ولكننا نريد أن يجدوا التشجيع والإعانة.
стр. 865
المهاوي: أخطارها، أسبابها، أضرارها
نريد هنا أن ننبه إلى بعض المهاوي وأخطارها وأسبابها وأضرارها، حتى يكون ذلك بمثابة تنبيه وتحذير وقرع لأجراس الخطر للشباب ولمن يهمهم أمر الشباب من الآباء والأمهات، ومن سائر دوائر المجتمع في أهم وأكثر دوائره تأثيراً وخاصة في التعليم والإعلام، وهذا ما سنتحدث عنه بإيجاز؛ لأن كل هاوية من تلك المهاوي جديرة بأن تفرد لها أحاديث خاصة، وقد سبق لنا في بعضها مثل ذلك.
وسأتحدث عن أربعة مهاوٍ من الأمور التي لا تخطئها العين، ونعلم يقيناً أن لها صلة أكيدة بالشباب، وتأثيراً عظيماً فيهم، وأضراراً كبيرة تلحق بهم، ويعود ذلك بالتالي على المجتمعات الإسلامية والأمة الإسلامية بأكثر الأضرار التي نشكو ونعاني منها، وسنذكر في آخر الأمر بعضاً من المعالي، وإذا حذرنا من تلك المهاوي فيكون هناك شيء من الترغيب في تلك المعالي.
стр. 866
الفضائيات أسبابها وآثارها وأضرارها وطرق الوقاية منها
الهاوية الثالثة: الفضائيات التلفزيونية بكل أنواعها المختلفة.
الوقفة الأولى: أكثر المشاهدين والمتأثرين بالفضائيات هم من الشباب والشابات، وهنا ومضات سريعة في هذا؛ لأن الأرقام موجودة، والدراسات العلمية مكتوبة ومطبوعة ومقروءة.
أولاً: الشابات أكثر مشاهدة وتأثراً بالفضائيات من الشباب، لماذا؟ لأن قدرتهن على الخروج والتحرك أقل، فهن في بيوتهن وفي حجرهن يقضين أكثر الوقت مع هذه الفضائيات.
ثانياً: الشباب أكثر تجمعاً ومشاهدة جماعية من الشابات لهذه الفضائيات.
ثالثاً: الأسر تتأثر وتبدأ تنحل عرا أخلاقها وآدابها شيئاً فشيئاً، وذلك بإدمان المشاهدة المحافظة نسبياً كما يقولون.
رابعاً: الشيوخ يتصابون، والعجائز يتشببن، فالتأثر ليس مقتصراً على الشباب، فكم من شيخ عجوز يفتن وينحرف، ويصل إلى درجة من الانحراف لا يصدقها عقل، وعنده من الأبناء والبنات بل وربما الأحفاد والحفيدات ما يجعل مثل فعله قبيحاً في غاية القبح.
خامساً: الصغار هم الضحايا الأبرياء، حيث تتفتح أعينهم على هذه القنوات منذ بداية نعومة أظفارهم، وتنطمس بصائرهم، وتسود فطرهم، وتختل موازينهم، وتقبح كلماتهم، وتنحرف سلوكياتهم، شاء آباؤهم وأمهاتهم أم لم يشاءوا، عرفوا أو لم يعرفوا.
الوقفة الثانية: أننا نجد في هذه القنوات من الأمور المؤثرة الشيء الكثير، ولا أريد أن أذكر النسب، ولا أريد أن أذكر أوقات عرض هذه النسب.
في كل قناة برامج دينية كم نسبتها؟ قدروها، ومتى تعرض؟ عندما ينام الناس، ولم يعد هناك مشاهدون، يبدأ بث هذه البرامج، ويقومون بإعادتها وإعادتها كرات ومرات، حتى من يشاهدها ويقصد مشاهدتها بعد فترة يصبح قد حفظها ومل منها، لكن أوقات الذروة -كما تسمى- التي فيها أكثر المشاهدين ماذا فيها؟ أولاً: باقات الأفلام التي يعلن عنها على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفاز، فيها محتويات تخرب العقائد والأفكار والتصورات، وتزيغ العقول، وتحرف السلوك، وتدعو وتحث وترغب وتسهل الجرائم.
ثانياً: هذه الفضائيات تحطم الحدود، فليس هناك حدود جغرافية، ولا حدود أخلاقية، ولا مراعاة ثقافية، ولا خصوصية قومية أو وطنية، فهي تتجاوز ذلك كله، بل إن الإعلانات حتى في القنوات غير العربية تقدم باللغة العربية، وتكتب الأرقام ويقال: من يتحدث بالعربية فهذه الأرقام كذا وكذا، ومن يتحدث بغيرها فهذه الأرقام كذا وكذا، وتظهر على الشاشات الجمل باللغة العربية وهي جمل تدعو وترغب.
ثم أيضاً: البدعة الجديدة المحدثة، تلك الأغاني الخليعة الماجنة التي لا يعرف الإنسان هل هو يستمع إلى غناء أم ينظر إلى فجور وفسق؟ وإن كنا نعلم حرمة ذلك كله، لكن الناس كانوا يستمعون إلى الغناء، والأثر فيه أقل، واليوم يرون فيه ما يرون.
ثالثاً: البرامج المباشرة، وما أدراك ما فيها من الأحاديث والمغازلات والمعاكسات، وكنت أقول فيما سبق: يشتكي بعض الناس من بعض المعاكسات على هاتف منزله، فيصدر الأمر بالمراقبة، وتكون هناك عقوبات من الإمارة، أما اليوم فعلى صفحات الجرائد الإعلان: إذا أردت أن تهدي عبر الهواتف المحمولة أغنية أو تسجل رسالة أو تنقل صورة أو غير ذلك!! أصبح الأمر في هذا شائعاً متاحاً، وكأنه مباح، مع أنه ليس من باب الإباحة الشرعية، وأحسب أيضاً أننا جميعاً نقر بأن الشباب يقضون كثيراً من الأوقات في هذا، مما يؤثر آثاراً عظيمة، بل إنهم أصبحوا متخصصين في فنون البرمجة وفك التشفير وقلة التكلفة ونحو ذلك، كما نشرت صحفنا تحقيقات عن هذه القضايا، وأن هناك بطاقات بقليل من الأموال يمكن أن تشاهد بها قنوات إباحية جنسية، ليست واحدة ولا ثنتين ولا خمساً ولا عشراً بل أكثر من ذلك، وأنها تجدد بعشرة ريالات، وأن هذا أصبح مألوفاً ومعروفاً، ثم بعد ذلك نشكو من أحوال الشباب، وكل ما ذكرناه في التدخين والمخدرات والمسكرات من أعظم أسبابه هذه القنوات.
هذه بعض الآثار الحقيقية المباشرة، وأتعجب أننا نعلم أنه قد صدرت الفتاوى بتحريم المخدرات وتحريم ترويجها، بل ومعاملة مروجي المخدرات معاملة من الناحية الشرعية تصل إلى حد القتل، وأحسب أن هذا الذي يكون في الفضائيات لا يقل عن ترويج المخدرات في آثاره وأضراره، فكيف يكون تسويقه والإعلان عنه بهذه الصورة المؤثرة المرغبة، التي في كل يوم تقدم جديداً، وتقدم من الأسعار ما هو أرخص، وتقول في إعلاناتها الواضحة الظاهرة: إننا نقدم هذه الأفلام مباشرة كما هي، يعني: ليس هناك رقابة، وليس هناك قص، وليس هناك حجب لشيء من هذا؟! وهذه من أعظم المخاطر على الشباب.
стр. 867
شبكة الإنترنت آثارها وأضرارها وخطورتها
الهاوية الرابعة: (الإنترنت) وأحسب أننا قد استشعرنا عظمة وخطورة الأحوال التي تعيشها مجتمعاتنا مع هذه الشبكة العنكبوتية.
والدراسات تقول: إن أكثر المواقع التي فيها الدخول من الجمهور والتفاعل معها بالدرجة الأولى: هي المواقع الإباحية الجنسية.
والدرجة الثانية -وهذا عجيب وقد رأيته في إحصاءات ودراسات علمية-: مواقع الدين والأفكار والمناقشات المتعلقة بذلك! أما بالنسبة لواقع شبابنا فإن أكثر من نسبة (٧٠%) يستخدمون (الإنترنت) في المجالات الجنسية، والمغازلات والمعاكسات، وتبادل الصور، ومشاهدة الأفلام، وكل ما هناك من العلم والثقافة وغير ذلك ليس هو الذي يعتني به الشباب إلا قلة منهم، ولا أقول: أغلقوا هذه الوسيلة، ولكن لنبين أن عدم المتابعة والانضباط فيه خطورة عظيمة.
ثم أيضاً هناك ما يسمى بالأحاديث المباشرة، ولوحات استخدام الكلمات الأجنبية، التي تتيح فرصة التخفي، فلا يعرف من أنت، وتتحدث بما شئت لمن شئت، وتتحدث هي كما شاءت لمن شاءت، ويكتب من شاء لمن شاء، وتكتب ما شاءت لمن شاءت، والأمور تبقى على هذه الصورة المزرية المؤثرة والخطيرة.
стр. 868
المسكرات والمخدرات أسبابها ودواعيها وأضرارها
الهاوية الثانية: المسكرات والمخدرات، وهي درجة أعلى وإن كنت قد أشرت إلى أن التدخين في الجملة أكثر ضرراً، سواء على الفرد أو على المستوى العام فإن ضرره أكبر؛ لأن شريحة المتعاطين له والمتضررين منه أكثر بكثير من تلك الدائرة، ومرة أخرى الشباب هم الضحايا في مثل هذه الهاوية الخطيرة.
وقد قمت بزيارة لمستشفى الأمل الذي يعالج فيه المدمنون، ورأيت بأم عيني أن الغالبية العظمى التي تصل بحد أدنى إلى (٦٠%) وربما بحد أعلى إلى نحو (٧٠%) أو (٧٥%) هم من الشباب، وعندما نقول: من الشباب أي: من سن الرابعة عشر، بل ودون ذلك أيضاً في بعض الأحيان، إلى نحو الثلاثين من العمر، كلهم من المدمنين الذين تجتالهم هذه الهاوية، وتدفنهم فيها حقيقة لا مجازاً، وإن الصور الحقيقية لهذا -ولست بصدد الإحصاءات- مخيفة ومرعبة وتلفت النظر إلى قضية الشباب، لكن أبدأ هنا بقضية مهمة وهي الأوهام الخاطئة والأحلام القاتلة التي تغري الشباب أو توقعهم فيها؛ لأننا سوف نذكر ذلك في الأسباب من بعد.
أول هذه الأوهام: ما يروجه المروجون ويشيعه غيرهم كذلك من أن هذه المخدرات ليست محرمة، وأنها ليست كالخمر؛ لأن الخمر ورد فيه نص، وأن المخدرات ليس فيها نصوص تدل على حرمتها، وبعض الناس إذا وقع في هذه الآفة فإنه يستمرئ هذا القول، ويحاول أن يقنع نفسه به.
ثاني هذه الأوهام: وهو أن هذه المخدرات تنسي أصحابها الهموم، وتفرج عنهم الغموم، وتدخل شيئاً من السرور والسعادة إلى نفوسهم، والحقيقة المرة أن الأمر على خلاف ذلك تماماً، فإن الذين يدخلون في هذا الطريق ويسيرون فيه يصيبهم الشقاء المحتوم، والنكد الدائم، والهم المقلق، وسوداوية الحياة كما سنذكر في بعض الصور.
الوهم الثالث ونذكره بصراحة؛ لأنه يشيع بين الناس، ومن أراد أن يلتفت إلى هذا فليقرأ ما كتب عن قصص الإدمان وطريقته، هذا الوهم الثالث: أن هذه المخدرات تعطي قوة ومتعة جنسية لمتعاطيها، وهذا أيضاً مما يروجه الذين يسعون لنشر هذه المخدرات، وهذه الأوهام إنما ذكرتها؛ لأنها هي من أكثر المصائب التي تصطاد الشباب وترغبهم أو تغريهم بهذه الآفة المهلكة المدمرة.
ننتقل بعد ذلك إلى توضيح تفصيلي للأسباب الموصلة والطرق المهلكة للإدمان: أولها وعلى رأسها كما أشرت من قبل: غياب الوازع الديني وضعفه؛ لأن التزكية والعبادة والإقبال على الطاعة والصلة بالله أمر أساسي، ومتى فقد فإنه يترتب على فقده هذه المعضلة وغيرها من أمثالها.
السبب الثاني: ضعف التربية الأسرية، ويتجلى ذلك في صور عديدة جداً منها: غياب الآباء والأمهات عن أحوال أبنائهم، ومعرفة مشكلاتهم، والجلوس إليهم، والحوار معهم، ومعرفة ما يجول بخواطرهم، وتلمس معاناتهم، فيبقى هؤلاء نهباً حينئذ للفراغ، أو للهم الذي يظنون أنه سوف يزول بدخولهم أو بتعاطيهم لهذه المخدرات، ويكونون كذلك فريسة لفراغ قاتل يودي بهم إلى رفقة فاسدة كما سنذكر.
ومن الأسباب المتعلقة بهذا الجانب في التربية: توفير الأموال وإعطاؤها عند الطلب للأبناء، دون التنبه أو السؤال أو المتابعة لكيفية صرفها، ومجالات الانتفاع بها، ونجد قصص واقعية في هذه المستشفيات، وبعضها مدون في كتب، وبعضها مباشرة من بعض ما يلمسه الإنسان في مثل تلك الزيارات أن بعض الآباء يعطون أبناءهم مصروفات في أيديهم لا أقول: تصل إلى المئات بل تصل إلى الآلاف، أو يكون المال موجوداً في المنزل، ولا يحرج الأب على أحد أن يأخذ منه شيئاً، أو لا يلتفت إذا أخذ منه شيء، وهذا يكون له أثره الواضح.
السبب الثالث: رفقة السوء وأصحاب الفساد، وبعض هؤلاء -وهذا أيضاً مأخوذ من اعترافاتهم وإقراراتهم- يحمل حقداً على الآخرين؛ لأنه قد وقع في هذه الآفة، ورأى مستقبله ينهار، وصحته تتهاوى، فيريد أن يوقع الآخرين فيما وقع فيه، ولذلك بعضهم يتفنن في أن يجعل غيره مدمناً، فرفقة السوء لا تصاحب؛ لأنهم ربما يتفننون لكي يصلوا إلى إدخال الشاب في حظيرة الإدمان؛ فإنه إذا امتنع أو رفض تعاطيها وكان معهم فإنهم قد يضعون له تلك المخدرات في العصير أو في الشاي أو في غيرها من المشروبات وهو لا يدري؛ حتى يدمن المخدرات رغماً عن أنفه، وبغير معرفته، وقد وقع ذلك كثيراً، وهو من أساليب المروجين؛ لأنهم يريدون أن ينفقوا بضاعتهم، وأن يكسبوا الأموال المحرمة، فيسعون إلى ذلك.
السبب الرابع: الإعلام والأفلام، وما أدراك ما في هذه الأفلام؟! فإنه يعرض من فنون هذه الأمور ومن صورها ما يقولون: إنه للتنفير منها أو لبيان خطرها، وحقيقته أنه يرغب فيها، فإنك لا ترى بطلاً في غالب الأحوال إلا وهو مدخن، وتراه إذا أراد أن يستمتع يشرب المسكر، وتراه يشرب المخدر وهو في حالة تبدي أنه في سرور أو غير ذلك، إضافة إلى تعليم طرق وأساليب التخفي، ونحو ذلك من أمور أخرى سيأتي ذكرها.
السبب الخامس: السفر إلى الخارج، وقد ذكرت إحصائية أجريت على بعض المدمنين في السعودية: أن (٢٢%) منهم تعاطوا المخدرات للمرة الأولى في خارج البلاد، وهذا أيضاً خطر واضح تمارسه الأسر دون أن تلتفت إلى مخاطره، فيقول لك هؤلاء الآباء والأمهات: دعه يتنزه، أو يروح على نفسه، أو يكتشف العالم، لماذا نعقده؟ لماذا نمنعه؟ ويترك له الحبل على غاربه، ثم ينتهي به الأمر إما في سجون الشرطة، وإما في مستشفيات الإدمان، وإما في مقابر الموتى، وتلك الحالات أكثر في الشباب منها في الحالات الأولى.
السبب السادس: الاستخدام السيئ للأدوية، وبعض العطور، وبعض الأغراض التي تستخدم في غير ما أعدت لها، وهذا أيضاً ينبغي الانتباه له والحذر منه، والشباب يقعون فيه وخاصة صغار السن الذين لا يملكون المال ولا يعرفون الأمور؛ فإنهم يبدءون بتلك الأمور الموجودة في البيوت، والموجودة في كل مكان، وتكون هي بداية الطريق، وبعض هؤلاء -كما هو وارد في تلك الدراسات والإحصاءات- قد بدءوا في بعض تلك العادات المسماة بالشفط أو بالشم أو غير ذلك، وهم في سن السابعة والتاسعة قبل أن يبلغوا العاشرة من أعمارهم، وهذه قضية أيضاً خطيرة.
السبب السابع: التفكك الأسري بالطلاق وكثرته، وكثرة الشقاق والخصام والنزاع بين الوالدين، ووجود أجواء الحرمان العاطفي والتربوي بين الأب والأم، وانعكاسه على الأبناء.
السبب الثامن: استهداف أعداء الإسلام والمسلمين عموماً وأتباعهم لشباب الأمة؛ لأنهم إذا دمروا الشباب فقد جاء السبب الأكبر لتدمير الأمة، ولو تذكرنا الإحصاءات في التدخين، فإن الإحصاءات تكاد تكون مثلها تماماً في المخدرات.
وفي دراسة نشرتها مجلة الفرقان الكويتية في عددها الأخير ذكرت إحصاءات خليجية، وذكرت إحصاءات أيضاً سعودية إلى أن نحو (٦٠%) - (٧٠%) من المتعاطين للمخدرات هم من فئة الشباب من سن الرابعة عشر إلى الثلاثين من العمر.
وأما مسألة الحكم الشرعي فالأمر فيها على خلاف الوهم قال ﷺ : (كل مسكر حرام) وقال النبي ﷺ : (ما أسكر قليله فكثيره حرام) كما ورد في الصحيح.
وقد أجمع العلماء المتقدمون في مسألة واضحة بينة تترتب عليها الآثار، قال الإمام النووي: كل ما يزيل العقل من الأشربة والأدوية كالبنج وهذه الحشيشة فحكمه حكم الخمر في التحريم، وقال الحصفكي من علماء الحنفية نقلاً عن الجامع: من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع.
فالمسألة ليست فقط في الحل، وكل ما ذكرناه من الأدلة السابقة من الإلقاء بالأيدي للتهلكة، وتحريم الخبائث، وغير ذلك يدخل في هذه الحرمة دخولاً واضحاً.
أما الآثار أيها الإخوة! فإني أريد أن أذكر بعضاً من هذه الآثار، مع الإشارة إلى بعض القصص الواقعية؛ لأن هذه القصص قد يكون لها من التأثير والتذكير والاعتبار أكثر مما يكون لغيرها من النقاط أو المعلومات.
هناك آثار كثيرة وخطيرة على مستوى الفرد وعلى مستوى الأسر وعلى مستوى المجتمع والأمة، والآثار لها جوانب كثيرة منها: جوانب صحية ومالية واجتماعية ودينية، وفي كل هذه الآثار من الجوانب ما يضيق المقام عن ذكره أو حصره.
وبعض هذه الآثار تكون على مستوى الفرد في بدنه وعقله وماله، ومن ذلك: ضعف العقل، وقلة التركيز، وعدم القدرة على الاستحضار، ولذلك يتخلف هؤلاء المتعاطون للمخدرات في دراساتهم ويرسبون، وينتهي بهم المطاف جزماً إلى ترك الدراسة، وعدم القدرة على المواصلة، وهناك الأمراض الخطيرة الفتاكة التي تصيب البدن من تليف الكبد، ومن ارتفاع نسبة الإدمان في الدم حتى تصل في الجرعات الزائدة إلى الموت المفاجئ وهو كثير جداً.
وقد قرأت وشاهدت صوراً حقيقية لبعض الشباب، وقد أغلق على نفسه غرفته، ثم أخذ هذه الحقنة بعد أن ربط يده، وكانت جرعة زائدة، فمات وهو منكفئ على جبهته، وبقي أكثر من ثلاثة أيام في هذا المكان دون أن يشعر به أحد.
وهناك أسرة مكونة من عدد من الأبناء كانت من الأسر الكريمة والطيبة، وابنها الأكبر دخل في هذا الطريق، وانتهى به الأمر إلى أن مات ولم يعرف أهله سبباً لموته، وكان من ضحايا المخدرات.
والعجيب أن أخاه الأصغر منه كان يذهب معه في بعض تلك الجلسات ولم يكن يتعاطى المخدرات، فبعد وفاة أخيه وبعد العبرة به إذا بأولئك الصحبة يغرونه بالالتحاق بهم ثم يدمن المخدرات ثم يكون أيضاً ثاني الموتى، ويلحقه الابن الأصغر أيضاً، ويموت الثلاثة من الأبناء بسبب المخدرات، والقصة واقعية حقيقية بأسمائها وأشخاصها، وكثير من هذه القصص قد لا تعلم؛ لأن الأسر تستر على نفسها.
وأما المال فإنه يبدد بشكل عجيب، حتى إن أقل الناس ينفق إذا أراد أن يواظب على القدر الذي يحتاج إليه من هذه المخدرات ما لا يقل عن مائتي ألف ريال في العام الواحد، وهناك ما يترتب على هذا، فإن الذي يفقد المال يبدأ فيسرق من مال أهله، ويسرق ذهب زوجته، بل إنه يبيع أثاث بيته وأثاث بيت أهله قطعة قطعة، وقد قرأت من قصص (لجنة بشائر الخير) وهي لجنة في علاج الإدمان والمدمنين في الكويت، وأعرف رئيسها، وقد زرت هذه اللجنة والتقيت ببعض المدمنين التائبين، يذكر في القصص: أن أماً اتصلت به تقول له: أدركني فإن ابني قد جاء بشاحنة، وهو يشحن جميع أثاث البيت، وقد باعه لأج
стр. 869
أضرار التدخين وطرق الإقلاع عنه
الهاوية الأولى: التدخين، ربما يكون ترتيبنا ليس مقصوداً بذاته؛ فإن كل واحدة من هذه المهاوي لها ما يقدمها على غيرها من وجوه كثيرة حتى يحتار المرء في أيها يبدأ! التدخين كلنا يعرفه، ولكنني أقول: إن الأرقام المتعلقة بالتدخين في فئة الشباب ترعب، والحقائق تخيف، والنتائج تنذر بخطر عظيم، وهذه وقفات مختصرة جداً، وإلا فإن هناك ما هو أعظم وأكبر وأخطر.
إن الأرقام المتوافرة على التدخين في دائرة الشباب مرعبة، وقد نشرت صحفنا المحلية: أن دراسة أجرتها وزارة التربية والتعليم في المدارس شملت (٧٥٢) تلميذاً في المرحلة المتوسطة والثانوية بالمدارس الحكومية في مدينة الدمام، أعطت هذه النتائج أن (٣٠%) من هؤلاء الطلاب مدخنون في المرحلة المتوسطة والثانوية، و (٩٠%) من هؤلاء المدخنين بدءوا بالتدخين في مرحلة مبكرة، وبينت الدراسة أن (٥٥%) من طلبة السنة النهائية في المرحلة الثانوية لا يقدرون حق التقدير احتمال إصابتهم بالإدمان على التدخين.
ومن الأرقام المؤسفة أن جمعية مكافحة التدخين أشارت إلى أن (١٧%) من الطبيبات السعوديات العاملات في منطقة الرياض مدخنات.
ومن الأرقام المفزعة كذلك دراسة أجريت على مدارس البنات في المرحلة المتوسطة والثانوية في منطقة مكة المكرمة، وأظهرت أن من (٣٥%) إلى (٥٥%) من الطالبات مدخنات، وهذه النسبة تزيد عند المعلمات.
وتشير إحصائية أخرى إلى أن عدد المدخنين إجمالياً في المملكة بلغ نحو (ستة ملايين) مدخن ما بين ذكر وأنثى ومقيم ومواطن، وأن إجمالي ما يدخنونه (ثمانية مليارات وسبعمائة ألف سيجارة)، وأن ذلك يكلف (ستمائة وثلاثة وثلاثين مليون ريال) في العام الواحد.
لو حسبنا هذه الأرقام وتحدثنا عن البطالة أو عن المشروعات أو عما سيأتي من تكاليف العلاج سنرى كم هي الجريمة فادحة! وكم هي الخسارة عظيمة في هذه الهاوية الخطيرة! والتقارير العامة من منظمة الصحة العالمية تقول: إن أعداد المدخنين تتناقص في أمريكا والدول الأوروبية والدول المتحضرة، وأنها تتزايد في دول العالم الثالث، وتتوقع بحلول عام (٢٠٢٠م) أن يكون (٧٠%) من أسباب الوفيات راجعة إلى التدخين.
أرقام أخرى تقول: إن استهلاك السيجارة في المملكة ليس كما ذكرت وإنما أرقام أخرى: (خمسة عشر مليار سيجارة)، وأنها تكلف ذلك الرقم الذي ذكرته، وأن إجمالي نسبة المدخنات من بين المدخنين عموماً تزيد على (٢٠%).
ونشرت جريدة البيان الإماراتية في تقرير نشره المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن التبغ كلف المجتمع الدولي عموماً أحد عشر ألف وفاة يومياً.
أما الدراسات تقول: إن (خمسة وأربعين) وفاة يومياً في دول الخليج سببها المباشر التدخين، وهذه الوفيات يمكن أن تحسب بالساعات، بل ربما بما هو أقل من ذلك.
وتقول الدراسة التي أجريت في عام (٢٠٠٠م): إن هناك ألف وفاة سنوية بأمراض سرطانية لها علاقة مباشرة بالتدخين.
وتقول هذه الدراسة: إن التدخين ينتشر بمقدار (٤٠%) في المجتمع الرجالي و (١٠%) في المجتمع النسائي و (١٥%) في مجتمع الصغار والشباب المراهقين.
وتؤكد الدراسة أن فئة الأطباء والعاملين في القطاع الصحي وطلبة كليات الطب يمارسون التدخين بنسبة تصل إلى ثلث الشريحة، وتتجاوز نصف الشريحة في السعودية والكويت والإمارات التي أكدت الدراسة أن (٤٤%) من الأطباء الذكور يدخنون السيجارة.
وفي دراسة أيضاً أجريت في إحدى مناطق المملكة على الطالبات أن (٢٧%) من طالبات المرحلة المتوسطة و (٣٥%) من المرحلة الثانوية، وأكثر من (٥٠%) من المعلمات كلهن يدخن السجائر.
وإحصائية علمية في المملكة قدرت أن خسائر مستشفى الملك فيصل التخصصي في علاج الحالات المرضية للمدخنين بلغت أكثر من (عشرة مليار دولار) خلال خمسة وعشرين عاماً.
وتؤكد هذه الأرقام والإحصاءات أن المملكة هي الدولة الرابعة على مستوى العالم في استيراد واستهلاك التدخين.
وتبلغ نفقات التدخين في استيراده -فضلاً عما يترتب عليه من مصروفات العلاج- أكثر من الميزانيات المخصصة للبحوث العلمية وتطوير التعليم.
وتقول الأرقام الأخرى العامة: إن أعلى الدول في العالم تدخيناً بالنسبة إلى عدد السكان هي تركيا، البلد الإسلامي الذي يبلغ نسبة المدخنين فيه إلى نسبة عدد السكان (٦٧.
٥%) من إجمالي عدد السكان.
وعدد المدخنين في مصر يرتفع سنوياً ما بين (٨ - ٩%)، وهو معدل أعلى بكثير من معدل زيادة المواليد.
وتقدر دراسات الشركات المصنعة والمستوردة للتدخين: أن في مصر ما بين (ستة عشر) إلى (سبعة عشر مليون) مدخن.
وتقول وزارة الصحة المصرية: إن المصريين ينفقون نحو (خمسة مليارات جنيه) على التدخين، أي: نحو (٢٢%) من متوسط الدخل القومي للفرد في مصر.
وهذه الأرقام كافية في أن تظهر لنا فداحة الأمر وخطورته الشديدة الكبيرة.
وقفة ثانية مع قضية قريبة منا ولصيقة بنا كثيراً: أعددت استمارة صغيرة فيها معلومات عن الشخص، ومتى بدأ التدخين، وكم سيجارة يدخن في اليوم، وما هو سبب تدخينه لأول مرة، وهل فكر في الإقلاع عن التدخين، وكم المدة التي مكثها عندما أقلع عن التدخين ثم عاد إليه.
وقد اخترت من نحو أربعين استمارة هذه النماذج اليسيرة، وكلها أخذت من دائرة لا تزيد عن مئات الأمتار عن هذا المسجد الذي نستمع فيه إلى هذا الحديث.
هذه استمارات اخترتها لمن يدخنون وهم دون الخامسة عشر من العمر.
استمارة أحد المدخنين عمره اثنان وعشرون عاماً، يقول: إنه بدأ التدخين قبل خمسة عشر عاماً، أي: أنه بدأ يدخن وهو ابن سبع سنوات! ويقول: إنه يدخن يومياً نحو خمس عشرة سيجارة، والسبب الرفقة والأصحاب، ويقول: فكر أكثر من مرة بترك التدخين ولكنه لم يتركه إلا لأقل من أسبوع فقط.
وآخر عمره عشرون عاماً يذكر أنه بدأ التدخين قبل عشر سنوات، أي: وعمره عشر سنوات، ولكنه يدخن قليلاً، وقد ترك التدخين نحواً من عام ثم عاد إليه.
وآخر عمره ستة وعشرون عاماً ودخن قبل خمسة عشر عاماً أي: وعمره أحد عشر عاماً، ويدخن أكثر من عشرين سيجارة في اليوم، ولم يفكر في ترك التدخين، والسبب أيضاً الرفقة والأصحاب.
وآخر عمره اثنا عشر عاماً، ويدخن في اليوم أكثر من عشرين سيجارة، ولم يفكر في الإقلاع عن التدخين بعد كما يقول.
وهذا عمره أحد عشر عاماً، ويدخن أكثر من عشرين سيجارة، ويقول: فكر مرة واحدة، وتوقف لأقل من أسبوع.
واثنان عمرهما أربعة عشر عاماً، وكلاهما يدخن في اليوم ما بين خمس عشرة إلى أكثر من عشرين سيجارة.
وأكثر الأسباب التي ذكرت في هذه الاستمارات هي الرفقة والأصحاب، خمسة وعشرون مدخناً من هؤلاء الأربعين ذكروا هذا السبب.
ومن الأسباب الأخرى: كتب بعضهم: الطفش، وكتب آخر: الوهم، وكتب ثالث: السفر إلى الخارج، وكتب رابع: طيش الشباب.
ثم ليست من مهمة حديثنا هذا الوقوف مع الأضرار والأخطار، وأقول هذا حتى أدفع من يسمع إلى أن يراجع ويبحث، وأرجو ألا يراجعني بل يراجع نفسه ويبحث ثم يعود؛ لأن التدخين أشد خطراً وضرراً من الخمر والمخدرات على المستوى العام، وتبين الآن أن في مادة التبغ أكثر من أربعمائة مكون كيميائي، فيها على حد أدنى أربعون مكوناً ساماً قاتلاً على المدى البعيد، وكل من يتجاوز التدخين عشر سنوات فإنه يكون معرضاً للإصابة بالسرطان أو تصلب الشرايين بنسبة تزيد على (٨٠%)، والأرقام من حيث الاستهلاك والشيوع أكثر بكثير من بقية الأحوال الأخرى.
لذلك بدأت الحديث عن التدخين؛ لأنه خطير، ولأن الحديث عنه والمواجهة له من المفترض أن تكون أيسر وأسهل من غيره من المهاوي الخطيرة.
أما بالنسبة للأحكام الفقهية أيضاً، فليس مرادنا الوقوف عندها، ولكنني وجدت لبعض الفتاوى نوعاً من الشمول والقوة، التي لعل ذكرها يزيل الأوهام؛ لأنه يكاد يجمع المدخنون وطائفة كبيرة من غير المدخنين أن التدخين لا يعدو أن يكون مكروهاً، وهذا لمن يجترئ ويقول: إنه مكروه، وإلا فبعضهم يرى أنه دون ذلك، مع أنه عقد في عام (١٤٠٢هـ) أو (١٤١٢هـ) مؤتمر في المدينة المنورة في الجامعة الإسلامية، وحضره جمع من العلماء، وأفضل ما أصدروه من هذا المؤتمر: فتوى جماعية بحرمة التدخين، وأنا أذكر هذه النصوص من فتوى سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀ والشيخ ابن عثيمين ﵀، والثانية أوسع وأشمل، وفيها من المعاني ما يستلفت النظر والانتباه، قال ابن باز ﵀: الدخان محرم؛ لكونه خبيثاً ومشتملاً على أضرار كثيرة، والله إنما أباح لعباده الطيبات من المطاعم والمشارب، وحرم عليهم الخبائث، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، وقال تعالى في الحكم من بعثة النبي ﷺ : ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فكل ما هو خبيث محرم.
ولا أظن مجنوناً وليس عاقلاً في الدنيا يمكن أن يقول: إن الدخان ليس خبيثاً، فضلاً عن أن يقول: إنه طيب.
قال: وهكذا جميع المسكرات كلها من الخبائث، والدخان لا يجوز شربه، ولا بيعه، والتجارة فيه كالخمر، والواجب على كل من يشربه ويتجر فيه البدار بالتوبة والإنابة.
أما فتوى الشيخ ابن عثيمين ﵀ فيقول فيها: شرب الدخان محرم، وكذلك بيعه وشراؤه، والتأجير لمن يبيعه؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، ودليل تحريمه قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] ووجه الدلالة من ذلك أن الله تعالى نهى أن نؤتي السفهاء أموالنا؛ لأن السفيه يتصرف بها فيما لا ينفع، وبين الله أن هذه الأموال قيام للناس لمصالح دينهم ودنياهم، وصرفها في الدخان ليس من مصالح الدين ولا من مصالح الدنيا، فكيف يكون صرفها في ذلك؟! فيكون صرفها في ذلك منافياً لما جعله الله تعالى لعباده.
ومن أدلة تحريمه: ﴿وَ
стр. 870
طرق ووسائل معالجة مشكلات التدخين والمسكرات والفضائيات والإنترنت
أيها الإخوة الكرام! هذه مهاو أربع ذكرناها على سبيل الإيجاز، ولكنه إيجاز أحسب أنه نبه على الخطر، وكشف عن الضرر، وأوجب علينا جميعاً أن نقف في مواجهة هذا الخطر، وأننا جميعاً غير آمنين على أنفسنا وعلى أبنائنا منه، وإنه لابد من بذل كل جهد في هذا السبيل، وسأذكر الآن ثلاثة عناصر أساسية من الجمل الجامعة للمعالجة النافعة لهذه المشكلات وغيرها: الأول: التزكية: وهي التربية الإيمانية العبادية التي يرتبط فيها المسلم بالله ، يستحضر عظمته، ويستحي منه، يخاف عذابه ويرجو ثوابه، ويبكي بين يديه، ويتضرع إليه، ويتوكل عليه، فحينئذ تكون حاله على غير الحال التي يمكن أن تصرعه فيه هذه المشكلات أو تلك المهاوي.
الثاني: التربية، ونعني بها: تربية الوالدين وتربية المعلمين وتربية وسائل الإعلام، وأن تكون محببة ومرغبة في الخير، ومحذرة ومنفرة من الشر، وأن تؤسس الشباب والأبناء على أسس سليمة لا تفسد فطرهم، ولا تحرف سلوكهم، ولا تزيغ أهواءهم، ولا تضل عقولهم، كما تمارس أحياناً وسائل الإعلام، أو كما يقع في معاهد العلم والتعليم أو غير ذلك مما نعلمه.
الثالث: التوعية والتنبيه بمعرفة الأخطار وكشف الأضرار، والتحذير من الوسائل والسبل بأسلوب علمي دقيق، فإن القرآن الكريم قد بين جوانب الضرر، وبين جوانب مما قد يرى أن فيهما خيراً أو مصلحة، ورجح أن الأضرار إذا عظمت فإنها حينئذ لا يلتفت إلى تلك المنافع الموهومة أو المزعومة، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] وهذا الإثم الكبير هو الذي جاء القرآن من بعد فقطع بالتحريم بشكل واضح، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧] فبينت الآية الوجهين حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم، وكثيراً ما نخفي الحقائق أو لا ننبه على المخاطر فيقع الناس فريسة لها.
стр. 871
المعالي ودور الشباب فيها
بعد هذه المهاوي أقف وقفتين مختصرتين مع صورتين من صور المعالي التي نحبها لشبابنا، والأصل أن يطول فيها حديثنا، ولكن الإشارات تغني إن شاء الله عن طول العبارات.
стр. 872
ركائز التميز الشخصي للشباب
الصورة الأولى: الشباب والتميز الشخصي أي: تميز الشخصية للشاب واكتمالها واستوائها واعتدالها، وأقول هنا في عناوين جامعة: التدين أساس، والأخلاق زينة، والجدية إنتاج، والاستقلالية ثبات، والمبادرة عطاء، والهمة ارتقاء، هذه أركان وركائز أعود عليها بشيء من التعريف.
الأول: التدين أساس: فلا يقوم شيء قياماً صحيحاً ولا يدوم دواماً مستمراً إلا أن يكون له أساس اعتقادي إيماني، فإن الذي يحرك النفوس ويقوي العزائم ويثبت في المواقف ويمنع من الانزلاق بعد عون الله هو التدين والإيمان والخوف من الله ، وتذكر العواقب، والحرص على تجنب مواطن الخزي في الدنيا والندامة في الآخرة، ولذلك لما تربى الجيل الأول من أصحاب النبي ﵊ والأجيال المؤمنة على الإيمان حتى عصرنا الحاضر رأينا شباباً يستعلي على الشهوات، ويقف بشموخ وقوة وصلابة أمام الإغراءات، ونجده يسمو على كل تلك الشهوات، ويشمخ بهمته وعزيمته إلى ما هو أعلى وأسمى من كل هذه العوارض، ونحن نرى ذلك بحمد الله ونرى له أمثلة فنقول: من أراد حتى أن يتفوق في الدراسة فضلاً عن التفوق الأخلاقي فإن أساسه ومفتاحه ومبدأه التدين والارتباط بالله ، وأداء الفرائض، والإقبال على الطاعات، والاستكثار من الخيرات، والحرص على الرفقة الصالحة، والارتباط بكل ما يغذي ويحيي مشاعر الإيمان في النفوس والقلوب، من دروس العلم ومواعظ الذكر وغير ذلك.
الثاني: الأخلاق زينة: فإن التربية الخلقية وإن كانت جزءاً من التربية الدينية، إلا أنها صورة خاصة ومنطقة مهمة ينبغي العناية بها، فخلق في الصدق والأمانة، وخلق في العفة والحياء، وخلق في الصبر والحلم، وخلق في جوانب التعامل من التواضع والبشاشة والرفق واللين وغير ذلك، عندما نحببها ونرغب فيها الشباب ونشيعها بينهم، ليس كما هو حالنا اليوم تجد كثيراً من الشباب يمتهنون الكذب ويحترفونه، ويعتبرون جودة الأساليب والمخادعة بالكذب نوعاً من الشطارة كما يسمونها أو من الحذق والمهارة ونحو هذا.
الثالث: الجدية إنتاج: الجدية بمعنى: أخذ الأمور بجد استغلالاً للوقت، وحرصاً على التحصيل، وإتقاناً في العمل، فقد غلب على الشباب تراخ وكسل وتفريط وتضييع من أثر تلك المهاوي التي أشرنا إليها.
يقول : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] فديننا دين قوة، ودين جد، فقد خوطب النبي ﵊ في أول ما نزل عليه من القرآن في الآيات الأولى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٥ - ٦].
وقال زيد بن ثابت لما كلفه أبو بكر بجمع القرآن: (لو كلفني نقل جبل من مكانه لكان أهون علي).
كان السلف يأخذون الأمور بجدية، فتجدهم حينما ينتدبون للمهمات يؤدون الواجبات، ويتقنون الصناعات، ويتفوقون في العلوم، وغير ذلك من الجوانب المهمة.
الجدية مفتاح أساسي في شخصية الشاب على وجه الخصوص، وشخصية المسلم على وجه العموم، مالنا نرى كثيراً من الشباب وهم رقعاء سفهاء متخنثون متشبهون بالنساء؟! نرى أنواعاً من هذه الشخصية التي شوهتها تلك المهاوي والمهالك التي أشرنا إليها.
الرابع: الاستقلالية ثبات: فإن شخصية الشاب لابد أن تكون فيها استقلالية، وفيها قدرة على التعبير عن رأي صاحبها، وأن يخرج ما لديه من الاعتراضات، أو من الأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، أو الوقوف عن الخوض في الفتن كما في الأثر: (إذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم)، لا ينبغي للشاب أن يقول: المجاملة، وكيف أقول؟ وكيف أفعل؟ الشاب لابد أن يكون مستقلاً في شخصيته مع مراعاة الأدب، ومع مراعاة حسن التوقير للكبير، لكنه لا يذل نفسه، ولا يسير مع التيار، بل له من إيمانه وخلقه وجديته ما يثبت به على معتقده، وعلى رأيه في الحياة، وعلى جده في الأمور.
الخامس: المبادرة عطاء: كثر في شبابنا أنهم ينتظرون غيرهم أن يبدأ، وينتظرون الكبار أن يصنعوا، ونحن نعرف أن الصغار كانوا في الزمان الأول كباراً، ونحن اليوم نرى الكبار وهم في حقيقة أمرهم صغار، ونحن نستصغر الشاب فنقول عنه وهو في المتوسط: إنه صغير، وفي الثانوي لم يكبر بعد، وفي الجامعة ما زال في مقتبل شبابه، ولا يعتمد عليه حتى يبلغ إلى الخامسة والعشرين أو الثلاثين! إذاً: متى سيكون هو ذلك الشاب الذي يثق في نفسه، ويبادر بأن يتقدم وينتدب إلى المهمات؟ إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد متى يتجدد ما حصل بين رافع بن خديج وسمرة بن جندب ﵄ وهما صغيران في السن عندما تصارعا؛ ليفوز أحدهما بشرف الالتحاق بجيش النبي ﵊ لمحاربة كفار قريش في غزوة أحد؟! نريد المبادرة التي كانت من قبل حين رأينا الشباب يستبقون إلى الموت، فضلاً أن يستبقوا إلى ميادين العلم أو الدعوة وهم في سن نعدها اليوم سناً صغيرة، ما بين قائد لجيوش في السابعة عشرة أو التاسعة عشرة وما بين مفت للأمة كـ الشافعي وهو في التاسعة عشرة من عمره، وهناك شباب كثيرون ملئت بهم صفحات تاريخنا، واليوم يبلغ الرجل الأربعين والخمسين وهو لا يقدم شيئاً ولا يعطي شيئاً.
السادس: الهمة ارتقاء: وما لم تكن هناك همم عالية طموحة فلن تثمر جداً، ولن تنبت استقلالاً، ولن تنشئ مبادرة، فلابد أن نشحذ تلك الهمم في نفوس الشباب، وأن نذكي نارها في قلوبهم، وأن نجعلهم أصحاب طموح كما كان ربيعة بن كعب: (لما قال له النبي ﷺ : سل حاجتك؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة).
стр. 873
ركائز التفوق الدراسي والإبداع والابتكار للشباب
الصورة الثانية: الشباب والتفوق الدراسي، ونحن اليوم نرى نسب الرسوب كثيرة، والناجحون يقنعون بالقبول، ونسأل الله القبول كما يقولون، وقلة قليلة من الشباب تحقق نتائج متميزة، وقلة من هؤلاء المتميزين من يستمرون أو يبدعون أو يبتكرون، وتأتي أمتنا من بعد في ذيل القائمة تخلفاً علمياً وتقنياً؛ لأن الشباب انصرفوا عن هذا الميدان في التفوق الدراسي والعلمي والتقني، وانشغلوا بسفاسف الأمور، وبمفسدات العقول، وبمضلات الفتن نسأل الله لنا ولهم السلامة.
هذه الجوانب والركائز أجملها في أمرين اثنين، في كل منهما نقاط يسيرة: الجانب الأول: البواعث والعوامل لهذا التفوق.
أولاً: الثقة مبعث القدرة: فالثقة بالنفس مبدأ مهم، حتى تستطيع أن تبدأ في خطوة الإنجاز الأولى، وكثير من الشباب -بل كثير من قادة الرأي أحياناً- يرون أنه لا يمكن أن يكون عندنا متفوقون كالغربيين أو الشرقيين، وأن العبقرية والعلم والاختراع لم تخلق لنا، وإنما خلقت لأناس ليسوا من بيئتنا، وبهذا نحطم شبابنا، ويتحطم الشاب إذا لم يكن عنده ثقة في نفسه بأنه يمكن أن يكون متفوقاً، وأن يكون عالماً، وأن يكون مبدعاً، وأن يكون مخترعاً إلى غير ذلك من الأمور، فالثقة مبعث القدرة.
ثانياً: التشجيع محفز الارتقاء: لابد أن نشجع أولئك الأبناء على هذا التفوق تشجيعاً تربوياً متوازناً، ونجعله متكاملاً، فوسائل الإعلام عليها ألا تشجع على اللهو والعبث وضياع الأوقات في جوانب معينة، وألا تقدم القدوات على أنهم أصحاب جرة قلم أو ركلة قدم أو رنة نغم أو غير ذلك، بل تقدم النماذج والقدوات التي تشجع على التفوق الدراسي والعلمي والإبداعي، فلابد أن يكون هذا التشجيع على كل المستويات، حتى يكون عاملاً محفزاً للارتقاء.
ثالثاً: الانتباه قدرة على التركيز: وهذه من مهارات التعلم، لابد أن يكون الطالب أو الشاب منتبهاً متيقظاً مركزاً؛ حتى يستطيع باستمرار أن يُحصِّل بسماعه سواء في محاضرة أو في حصة في فصل دراسي أو في مجمع عام، وأن يكون دائم الانتباه والتركيز ليضيف إلى حصيلته من العلم ما يجعله متفوقاً.
رابعاً: الذكاء قدرة الاستنباط: فلابد من إعمال العقل لتقويته وشحذه، حتى يكون عنده المقارنات، وتكون عنده المفارقات، ويكون عنده القدرة على الاستنباط والتحليل، والعقل بطبيعته كلما شغلته زادت قدرته، وكلما تركته ضعفت قدرته، كما يقولون -للأسف- في بعض النكات ليشيروا إلى وجه النقص: إن هناك عقولاً للبيع فيقول: هذا عقل مستهلك استخدم كثيراً، وكذا، ثم إذا جاء إلى العقل العربي قال: هذا عقل نظيف، لم يستخدم أبداً، تأخذه طازجاً؛ لأنه لا يشتغل أو لا يفكر أو لا يعمل عقله أو لا يستحضر ذكاءه! وهذا أيضاً مما ينبغي تجنبه.
خامساً: الذاكرة قدرة على الحفظ، والحفظ مهم في العلم مع الفهم، ويخطئ من يقول: إن الفهم يستقل لوحده.
سادساً: الإرادة قدرة على التفوق بالعزيمة الماضية.
الجانب الثاني: الطريق المتجرد: وله خطوات: أولها: الإنصات وهو طريق التعلم، والقراءة، وطريق التقدم والكتابة، وطريق التمكن والدراسة، وطريق التفنن والتعبير والإبداع، وطريق التألق.
ولابد من كل هذه المهارات، ونحن نريد لشبابنا أن يأخذوا بهذا وأن يحرصوا عليه، وألا تكون هذه الحالة التي نعاني منها، ولا شك أننا نشعر بضرورة التكامل بين الجوانب المختلفة السيئة التي أسلفناها والحسنة التي أخرناها، فإن هذه لا تكون إلا بتجنب تلك، وإن وجود تلك سيفضي بنا إلى عدم تحقيق هذه.
نسأل الله أن يحفظ شبابنا، وأن يحفظنا جميعاً من مضلات الفتن ونزغات الهوى ووساوس الشياطين وقرناء السوء.
ونسأله أن يحفظ إيماننا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين المخلصين، وأن يكتبنا من ورثة جنة النعيم، وأن يحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 874
إلى المعلمين والمعلمات
لقد دعا دين الإسلام إلى العلم والتعليم وحث عليه، وأعطى أهل العلم منزلة رفيعة، وجعل أجور المخلصين منهم غير منقطعة، وما ذاك إلا لأهمية ما يقدمونه، وعظيم ما يقومون به.
فعلى المعلمين والمعلمات أن يستشعروا عظم المسئولية المناطة بهم، وأن يحسنوا في أداء مهمتهم، وعليهم أن يبحثوا عن الأساليب التي تعينهم في أداء رسالتهم على الوجه المطلوب.
стр. 875
مكانة المعلمين والمعلمات
الحمد لله شرح الصدور بالإسلام، وطمأن القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، أتم علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، ورضي لنا الإسلام ديناً، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو جل وعلا المحمود على كل حال وفي كل آن، له الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً لا ينقطع ولا يزول، ولا يحده حد ولا يحيط به وصف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في العلم والتعليم والتربية والتزكية، وذلك للأهمية القصوى، والغاية العظمى المنشودة من ذلك، ولئن تحدثنا من قبل عن النهج القرآني في الربط الوثيق بين العلم والتعليم من جهة، والتربية والتزكية من جهة أخرى، فلعلنا اليوم نوجه حديثنا مباشرة إلى المعلمين والمعلمات فيما هم عليه من صفة، وما لهم من منزلة، ثم ما عليهم من أمانة، وما في عنقهم من مسئولية، لنخلص بعد ذلك إلى الأساليب العملية والطرائق التربوية التي ينبغي الأخذ بها وصولاً إلى تغذية العقول بالفكر والعلم، وإلى تزكية النفوس بالتطهير والتنقية، وإلى إحياء القلوب بالمعرفة والإيمان، وإلى تقويم السلوك بالاستقامة والخلق الفاضل، فإننا في مهمة التربية والتعليم، نقوم بأعقد وأعظم مهمة، إنها صناعة الإنسان، وصياغة فكره، وتهذيب نفسه، وتطهير قلبه، وتقويم فكره، وتهذيب سلوكه، مسألة بها مفتاح التغيير في المجتمعات وفي سائر جوانب الحياة.
إلى المعلمين والمعلمات، حتى يُدْرك من هم؟ وما هي مكانتهم؟ فنقول: أنتم المرفوعون المأجورون، المرفوعون رتبة المأجورون ثواباً ومنزلة: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ﴾ [المجادلة:١١]، فأنتم من بين معاشر أهل الإيمان مخصوصون بدرجة ومنزلة خاصة بالعلم، ثم استمعوا إلى حديث المصطفى ﷺ من جملة أحاديث وافرة: (من علم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً)، فكل كلمة ومعرفة وهدي تغرسه في القلوب والعقول والنفوس، فإنما ينبني عليه من عمل وما يؤثر من بعده من توجيه مسجل لك في صحيفة الأعمال، فضل من الله ، ومنة وكرم، وحث وحض، وتشجيع وتحفيز.
وأنتم كذلك الوارثون المورثون أنتم أربابها وأصحابها، وأنتم أعظم المنتفعين بها بعد انقطاع الحياة، (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، هكذا قال المصطفى ﷺ ، وأما بعد انقطاع الحياة فقد قال ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ولئن كان هذا الحديث فيه قسم مباشر لأهل العلم، في العلم الذي ينتفع به، فإن أهل العلم قد قالوا: إن لهم في الحقيقة حظاً وافراً من ذلك كله، فإن الصدقة التي يبقى أجرها، إنما مبعثها التعليم على فضلها، والإرشاد إلى أجرها، فمن كان له ذلك العلم والتعليم، فهو شريك فيما ينبني عليه من الصدقات والأوقاف والوصايا، والولد الصالح إنما هو ثمرة في غالب الأحوال لذلك العلم والتربية والتزكية، فإن أهل العلم حينئذ يكونون قد أخذوا بهذه الأمور كلها، فما أعظم ما يخلفون وراءهم مما يعظم أجرهم، ويصل أعمالهم بفضل الله .
стр. 876
أهل العلم منتدبون ومجاهدون في سبيل الله
ثم هم كذلك المنتدبون المجاهدون، منتدبون عن الأمة لهذه المهمة بنص القرآن الكريم؛ لأن الله قد بين ذلك وجلاه وأوضحه، إذ ليس كل أحد في الأمة يستطيع أن يتفرغ لطلب العلم ويتأهل له ثم يقوم بمهمة نقله وإشاعته وتعليمه والتربية عليه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] قال الخطيب البغدادي ﵀ في هذا المعنى كلاماً نفيساً جميلاً مفاده: أن الأمة ينتدب فيها فئتان: المجاهدون للحفاظ على حوزة الدين، والمعلمون للإبقاء على فهم ومعنى الدين.
وكان من قوله ﵀: إن الجهاد حماية لبيضة الإسلام بالدفاع عن المسلمين، والتعليم حماية للمسلمين بالحفاظ على الدين.
فمن أين سيخرج في هذه الأمة الأخيار والأبرار من المجاهدين، أو المنفقين الباذلين، أو المعاونين والمغيثين ما لم يكن قد غرست في نفوسهم وقلوبهم معاني هذا التعليم والتربية.
ثم لننظر كذلك إلى هذا المعنى من جهة أخرى، فهو أمر عظيم وأجره جزيل، وهو في الحقيقة -كما سماه العلماء-: جهاداً وهو جهاد عظيم، أي: جهاد العلم وجهاد التربية، فإن ذلك هو الذي قام به رسول الله ﷺ ، قال ابن القيم ﵀ في بيان ذلك: إنما جعل طلب العلم في سبيل الله -ونحن نعرف الأحاديث: (من ابتغى طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاًَ إلى الجنة) وقد وردت الأحاديث بأن طلب العلم من القصد والنهج إلى سبيل الله- لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنام، وجهاد بالحجة والبرهان: والجهاد بالحجة والبرهان هو جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظمة منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، ثم استشهد بقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٢] قال: وهذه الآية مكية لم يكن قد نزل فيها تشريع الجهاد، فدل على أن المقصود جهادهم بالحجة والبرهان بما جاء في آيات القرآن، وذلك هو جهاد الإقناع، والتعليم، ودحض الشبهات، وتزكية النفوس، والربط بالخالق ، مما هو من أخص خصائص المعلمين.
стр. 877
المعلمون مصلحون وبناءون
أيها المعلمون المصلحون البناءون! فإنه قد كثرت علينا السهام، وغزتنا في عقر دارنا وسائل الإفساد والإعلام، وقد تشعبت بنا الحياة، فهاهم فلذات أكبادنا يروحون إليكم ويغدون منكم، ثم هم ونحن ننتظر أن نجد عندكم صلاح كل فساد، وتصحيح كل خطأ، وتقويم كل اعوجاج، وإكمال كل نقص، فإن لكم في هذا دوراً عظيماً، وإن لكم في هذا مهمة كبيرة، وإن الذين يقومون بذلك يسدون أبواباً من الفساد عظيمة، وحقيقة المعلمين: أنهم يصلحون الجهالة بالتعليم، ويبدلون الحماقة بالتقويم، ويغيرون الشطط بالاعتدال، ويبطلون الغلو بالتوسط، ويحاربون الرذيلة بالفضيلة، ويدفعون الكسل بالعمل، إنهم في حقيقة الأمر يعدون لنا رجال المستقبل، ويبنون ويسهمون في بناء الأمة، فما أعظم دورهم، وما أضخم أمانتهم، وما أجل رسالتهم، ولذا ينبغي أن يدركوا ذلك، وأن ندرك نحن، وأن يدرك جميع من في المجتمع دورهم ورسالتهم، فيعطيهم قدرهم، ويعينهم على أداء مهمتهم، ولعلنا من خلال ذلك نتوجه إليهم بأمرين اثنين خلاصة لكل ما قلناه فيما يجب عليهم:
стр. 878
استشعار المسئولية والأمانة المناطة بالمعلمين
أولاً: استشعار عظمة المسئولية وضخامة وجسامة الأمانة، إنها ليست وظيفة تؤدى، أو أوراقاً تكتب، أو اختبارات تصحح، إنها أمانة في الأعناق، إنها واجب شرعي سواء كان هذا التعليم في مواد العلوم الإسلامية أو في غيرها، فقد ذكرنا فيما مضى الواجبات الكفائية التي يجب على الأمة القيام بها، وذكرنا أن كل علم مما قد يطلق عليه علوماً دنيوية هو عندنا معاشر المسلمين -بفهمنا الصحيح الشامل- ضرب من ضروب العبادة، ونهج من سبل السعي إلى رضوان الله ، فهذه أمانة عظيمة، ومسئولية جسيمة، وكلنا يعلم حديث المصطفى ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) (عن علمه ما عمل فيه)، هل أدى الأمانة؟ هل أخلص في تعليمه؟ هل أخذ بالأسباب والوسائل ليؤدي المهمة على الوجه الأكمل؟ ونحن نعلم جميعاً ما ورد في الحديث عند مسلم في صحيحه، عن أول ثلاثة تسعر بهم النار، ومنهم: العالم الذي لم يخلص في علمه، ولم يبتغ بذلك وجه ربه، ونحن ندرك ما كان عليه أسلافنا من شفقتهم من أمانة وضخامة ومسئولية هذا العلم، كما نعرف من حديث معاذ بن جبل ﵁ الحديث الشهير لما أراد أن يبلغ قال له النبي ﷺ : (لا.
حتى لا يتكل الناس) لكنه عندما أدركته الوفاة بلّغ حديث النبي ﷺ ؛ لأنه كان يستحضر حديثه الآخر: (من كتم علماً) وذلك التهديد والوعيد؛ لأنه يذكرنا بأن المهمة هي أن نبث هذا العلم، وأن ننشره، وأن نشيعه، وأن نربي عليه، وأن نحرص على أن نقوم بمهمة الربط بين العلم والعمل، ولذلك: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)، وكذلكم كان الصحابة رضوان الله عليهم وأسلافنا الصالحون يدركون ذلك، ومن مقالات أبي الدرداء ﵀ ورضي الله عنه، وهو من علماء الصحابة ووعاظهم الذين كانوا يحيون القلوب ويطهرون النفوس، قال: (كنت دائماً أفكر فيما يكون يوم القيامة، وإني لأخشى يوم القيامة أن يقال لي: يا عويمر! علمت فما عملت فيما علمت؟) فكم هي هذه المسئولية، وبين أيدي هؤلاء المعلمين والمعلمات، ليس المئات ولا الآلاف، ولا مئات الآلاف، بل الملايين من أبنائنا وبناتنا، فليتقوا الله جل وعلا، وليدركوا أن مسئوليتهم ليست أمام إدارة المدرسة، ولا إدارة التعليم، ولا وزارة التربية والتعليم، ولا أمام من في الأرض كلها، بل أمانتهم ومسئوليتهم بين يدي الله ، أن يتقوا الله في هذا النشء والجيل؛ لئلا يفرطوا في أمانتهم، ويتخلوا عن مسئوليتهم، فيطعن المجتمع والأمة من قبلهم، ويجوس أعداؤنا خلال الديار من خلال أبنائنا، وكما قلنا قبل فإن التعليم مفتاح التغيير، وإن كل أمة تنتصر أو تقهر أمة تبدأ بتغيير تعليمها؛ لتجعل أبناءها -أي: أبناء الأمة- تبعاً لها، ولتصوغ أفكارهم ونفوسهم وعقولهم بما تريده لهم.
стр. 879
وجوب الإحسان والإتقان في أداء العمل
وأما الوصية الثانية: فالإتقان والإحسان في أداء العمل: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) والإحسان قد أوصى الله به كما بين لنا رسولنا ﷺ في تعريفه: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، هل تؤدي أمانتك وتقوم بها على الوجه المطلوب؟ ثم نعلم كذلك ما حثنا وندبنا إليه رسول الله ﷺ فيما هو مظنون أنه أبعد الأمور، حتى إذا جئت لتذبح الذبيحة هناك وصية في الإحسان: (فليحد شفرته وليرح ذبيحته)، فويحنا وويحنا إن كان هناك إحسان في القتل والذبح ثم لا يكون إحسان في التربية والتعليم! تلك مهمة خطيرة وعظيمة، ولذا نوجه القول للمعلمين والمعلمات، وأنا وأنت معلم ومعلمة في الوقت نفسه؛ لأننا نعلم أبناءنا ونربيهم، فكل حديث نوجهه إليهم هو موجه إلينا أصالة وليس تبعاً، فهذه المهمة ترتكز على أربعة جوانب:
стр. 880
التعليم وتقديم المعلومات
أولها: التعليم، أي: تقديم المعرفة والشرح والبيان وذكر المعلومات، وهذه مهمة كبيرة ومفيدة، لكنها وحدها لا تكفي ولا تغني ولا تشفي، ومع ذلك فهي مهمة قد طبقها النبي ﷺ يوم قال في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وكما قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وكما علم الصحابة كل شيء حتى الخراءة، أي قضاء الحاجة، كما جاء في حديث سلمان ﵁.
следующие страницы →