← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أهل العلم منتدبون ومجاهدون في سبيل الله ثم هم كذلك المنتدبون المجاهدون، منتدبون عن الأمة لهذه المهمة بنص القرآن الكريم؛ لأن الله قد بين ذلك وجلاه وأوضحه، إذ ليس كل أحد في الأمة يستطيع أن يتفرغ لطلب العلم ويتأهل له ثم يقوم بمهمة نقله وإشاعته وتعليمه والتربية عليه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] قال الخطيب البغدادي ﵀ في هذا المعنى كلاماً نفيساً جميلاً مفاده: أن الأمة ينتدب فيها فئتان: المجاهدون للحفاظ على حوزة الدين، والمعلمون للإبقاء على فهم ومعنى الدين. وكان من قوله ﵀: إن الجهاد حماية لبيضة الإسلام بالدفاع عن المسلمين، والتعليم حماية للمسلمين بالحفاظ على الدين. فمن أين سيخرج في هذه الأمة الأخيار والأبرار من المجاهدين، أو المنفقين الباذلين، أو المعاونين والمغيثين ما لم يكن قد غرست في نفوسهم وقلوبهم معاني هذا التعليم والتربية. ثم لننظر كذلك إلى هذا المعنى من جهة أخرى، فهو أمر عظيم وأجره جزيل، وهو في الحقيقة -كما سماه العلماء-: جهاداً وهو جهاد عظيم، أي: جهاد العلم وجهاد التربية، فإن ذلك هو الذي قام به رسول الله ﷺ ، قال ابن القيم ﵀ في بيان ذلك: إنما جعل طلب العلم في سبيل الله -ونحن نعرف الأحاديث: (من ابتغى طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاًَ إلى الجنة) وقد وردت الأحاديث بأن طلب العلم من القصد والنهج إلى سبيل الله- لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنام، وجهاد بالحجة والبرهان: والجهاد بالحجة والبرهان هو جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظمة منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، ثم استشهد بقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٢] قال: وهذه الآية مكية لم يكن قد نزل فيها تشريع الجهاد، فدل على أن المقصود جهادهم بالحجة والبرهان بما جاء في آيات القرآن، وذلك هو جهاد الإقناع، والتعليم، ودحض الشبهات، وتزكية النفوس، والربط بالخالق ، مما هو من أخص خصائص المعلمين.

стр. 877

المعلمون مصلحون وبناءون أيها المعلمون المصلحون البناءون! فإنه قد كثرت علينا السهام، وغزتنا في عقر دارنا وسائل الإفساد والإعلام، وقد تشعبت بنا الحياة، فهاهم فلذات أكبادنا يروحون إليكم ويغدون منكم، ثم هم ونحن ننتظر أن نجد عندكم صلاح كل فساد، وتصحيح كل خطأ، وتقويم كل اعوجاج، وإكمال كل نقص، فإن لكم في هذا دوراً عظيماً، وإن لكم في هذا مهمة كبيرة، وإن الذين يقومون بذلك يسدون أبواباً من الفساد عظيمة، وحقيقة المعلمين: أنهم يصلحون الجهالة بالتعليم، ويبدلون الحماقة بالتقويم، ويغيرون الشطط بالاعتدال، ويبطلون الغلو بالتوسط، ويحاربون الرذيلة بالفضيلة، ويدفعون الكسل بالعمل، إنهم في حقيقة الأمر يعدون لنا رجال المستقبل، ويبنون ويسهمون في بناء الأمة، فما أعظم دورهم، وما أضخم أمانتهم، وما أجل رسالتهم، ولذا ينبغي أن يدركوا ذلك، وأن ندرك نحن، وأن يدرك جميع من في المجتمع دورهم ورسالتهم، فيعطيهم قدرهم، ويعينهم على أداء مهمتهم، ولعلنا من خلال ذلك نتوجه إليهم بأمرين اثنين خلاصة لكل ما قلناه فيما يجب عليهم:

стр. 878

استشعار المسئولية والأمانة المناطة بالمعلمين أولاً: استشعار عظمة المسئولية وضخامة وجسامة الأمانة، إنها ليست وظيفة تؤدى، أو أوراقاً تكتب، أو اختبارات تصحح، إنها أمانة في الأعناق، إنها واجب شرعي سواء كان هذا التعليم في مواد العلوم الإسلامية أو في غيرها، فقد ذكرنا فيما مضى الواجبات الكفائية التي يجب على الأمة القيام بها، وذكرنا أن كل علم مما قد يطلق عليه علوماً دنيوية هو عندنا معاشر المسلمين -بفهمنا الصحيح الشامل- ضرب من ضروب العبادة، ونهج من سبل السعي إلى رضوان الله ، فهذه أمانة عظيمة، ومسئولية جسيمة، وكلنا يعلم حديث المصطفى ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) (عن علمه ما عمل فيه)، هل أدى الأمانة؟ هل أخلص في تعليمه؟ هل أخذ بالأسباب والوسائل ليؤدي المهمة على الوجه الأكمل؟ ونحن نعلم جميعاً ما ورد في الحديث عند مسلم في صحيحه، عن أول ثلاثة تسعر بهم النار، ومنهم: العالم الذي لم يخلص في علمه، ولم يبتغ بذلك وجه ربه، ونحن ندرك ما كان عليه أسلافنا من شفقتهم من أمانة وضخامة ومسئولية هذا العلم، كما نعرف من حديث معاذ بن جبل ﵁ الحديث الشهير لما أراد أن يبلغ قال له النبي ﷺ : (لا. حتى لا يتكل الناس) لكنه عندما أدركته الوفاة بلّغ حديث النبي ﷺ ؛ لأنه كان يستحضر حديثه الآخر: (من كتم علماً) وذلك التهديد والوعيد؛ لأنه يذكرنا بأن المهمة هي أن نبث هذا العلم، وأن ننشره، وأن نشيعه، وأن نربي عليه، وأن نحرص على أن نقوم بمهمة الربط بين العلم والعمل، ولذلك: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)، وكذلكم كان الصحابة رضوان الله عليهم وأسلافنا الصالحون يدركون ذلك، ومن مقالات أبي الدرداء ﵀ ورضي الله عنه، وهو من علماء الصحابة ووعاظهم الذين كانوا يحيون القلوب ويطهرون النفوس، قال: (كنت دائماً أفكر فيما يكون يوم القيامة، وإني لأخشى يوم القيامة أن يقال لي: يا عويمر! علمت فما عملت فيما علمت؟) فكم هي هذه المسئولية، وبين أيدي هؤلاء المعلمين والمعلمات، ليس المئات ولا الآلاف، ولا مئات الآلاف، بل الملايين من أبنائنا وبناتنا، فليتقوا الله جل وعلا، وليدركوا أن مسئوليتهم ليست أمام إدارة المدرسة، ولا إدارة التعليم، ولا وزارة التربية والتعليم، ولا أمام من في الأرض كلها، بل أمانتهم ومسئوليتهم بين يدي الله ، أن يتقوا الله في هذا النشء والجيل؛ لئلا يفرطوا في أمانتهم، ويتخلوا عن مسئوليتهم، فيطعن المجتمع والأمة من قبلهم، ويجوس أعداؤنا خلال الديار من خلال أبنائنا، وكما قلنا قبل فإن التعليم مفتاح التغيير، وإن كل أمة تنتصر أو تقهر أمة تبدأ بتغيير تعليمها؛ لتجعل أبناءها -أي: أبناء الأمة- تبعاً لها، ولتصوغ أفكارهم ونفوسهم وعقولهم بما تريده لهم.

стр. 879

وجوب الإحسان والإتقان في أداء العمل وأما الوصية الثانية: فالإتقان والإحسان في أداء العمل: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) والإحسان قد أوصى الله به كما بين لنا رسولنا ﷺ في تعريفه: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، هل تؤدي أمانتك وتقوم بها على الوجه المطلوب؟ ثم نعلم كذلك ما حثنا وندبنا إليه رسول الله ﷺ فيما هو مظنون أنه أبعد الأمور، حتى إذا جئت لتذبح الذبيحة هناك وصية في الإحسان: (فليحد شفرته وليرح ذبيحته)، فويحنا وويحنا إن كان هناك إحسان في القتل والذبح ثم لا يكون إحسان في التربية والتعليم! تلك مهمة خطيرة وعظيمة، ولذا نوجه القول للمعلمين والمعلمات، وأنا وأنت معلم ومعلمة في الوقت نفسه؛ لأننا نعلم أبناءنا ونربيهم، فكل حديث نوجهه إليهم هو موجه إلينا أصالة وليس تبعاً، فهذه المهمة ترتكز على أربعة جوانب:

стр. 880

التعليم وتقديم المعلومات أولها: التعليم، أي: تقديم المعرفة والشرح والبيان وذكر المعلومات، وهذه مهمة كبيرة ومفيدة، لكنها وحدها لا تكفي ولا تغني ولا تشفي، ومع ذلك فهي مهمة قد طبقها النبي ﷺ يوم قال في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وكما قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وكما علم الصحابة كل شيء حتى الخراءة، أي قضاء الحاجة، كما جاء في حديث سلمان ﵁.

стр. 881

تقويم السلوك وأما الثاني: بعد التعليم يكون التقويم، والمقصود به: تقويم السلوك والخلق الفاضل الذي ينبغي أن يغرس في النفوس والقلوب؛ لأن علماً بلا عمل ليست له فائدة، بل ربما يكون صورة شوهاء وقدوة مختلة، بل وربما يكون من أسباب الضلال والإضلال والعياذ بالله، إذ إن العالم إذا علم ثم لم يعمل بما علم، أو عمل بعكس ما علم، فإن ضرره وفتنته وصرفه عن الحق وتلبيسه على الخلق أعظم من غيره، ولذلك فإن تقويم السلوكيات والأخلاق فيه من هدي نبينا ﷺ ما لا يكاد يحصى من المواقف والتوجيهات والمناهج الرفيعة الشريفة: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب) كما قال ﷺ ، أليس هذا تقويماً سلوكياً، وتهذيباً خلقياًًً، وتربية عملية؟ أليس النبي ﷺ هو الذي ينبه إلى ذلك، ويوجه له في كثير من أحاديثه؟ كما عرَّف الأمور الكثيرة على غير ما كان يعرفها الناس؛ ليدلهم على الجانب العملي التقويمي السلوكي: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة ومعه صلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ويأخذ هذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) إنه أمر توجيهي عظيم، ألم يخبرنا النبي ﷺ في حديث أسامة عن الرجل الذي يأمر الناس ولا يفعل ما يأمرهم به: (وأنه تندلق أقتابه في النار يوم القيامة، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيطلع عليه أهل النار فيقولون: ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، ذلك التقويم المهم هو النهج الأساسي الذي ينبغي أن يدركه المعلمون والمعلمات؛ ليقوموا بدورهم، وليؤدوا رسالتهم.

стр. 882

توجيه الفكر وصياغة النفس والثالث: التوجيه، ونقصد به: توجيه الفكر، وصياغة النفس، حتى لا يكون شذوذ، ولا ارتكاس، ولا انتكاس، ولا غلو، ولا تطرف ولا تسيب، بل نوع من التوازن والاعتدال، وحسن النظر في الأمور، والأناة والتدبر فيها، والمنهجية الصحيحة التي تربط بكتاب الله، وبسنة رسول الله ﷺ ، التي تجذر الانتماء إلى الأمة، والتي تبين دور الفرد في المجتمع، والتي تعطي التوازن، والتي تعرف بطريقة التعامل، إنها قضية مهمة في صياغة الفكر والنفس، ولذلك كان النبي ﷺ دائماً يحرص على ذلك، وفي قصة النفر الثلاثة لما جاءوا وتقالَّوا عبادة الرسول ﵊، فقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وكما وجه النبي ﷺ في مواقف مهمة، يوم قال الرجل لذاك الصحابي: يا ابن السوداء! وفي غير الصحيح أنه أبو ذر ﵁ فقال النبي ﵊: (إنك امرئ فيك جاهلية) إنه توجيه وتقويم لمنهج الإسلام في المساواة بين أهل الإيمان وأخوة الإسلام، كثيرة هي المواقف التوجيهية.

стр. 883

التحفيز على نيل المراتب العالية وأخيراًًً: التحفيز الذي يحث الإنسان على طلب المعالي، وإدراك الكمال، والمنافسة في المراتب العالية: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] كله حث وحض حتى تنطلق القوة الإيمانية في قوة الملكات؛ ليقوم الإنسان بأعظم دور، وأكبر عمل، وأعظم تأثير في حياته، بدلاً من خمول وكسل، وضياع أوقات، ولقاءات في هدر القول، واللغو الباطل، وغير ذلك مما نراه في مجتمعاتنا بين الكبار قبل الصغار، والرجال قبل الشباب، ولذلك ينبغي أن نعرف كيف كان النبي ﷺ يحث ويحض ويشجع، ويخبر أصحابه بالأجور العظيمة والفضائل الكبيرة؛ لكي ينطلقوا في هذا الميدان للتنافس: (ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) حتى إذ اشتاقت القلوب وتطلعوا إلى ذلك، وهم يريدون الخير ويحرصون عليه، قال ﵊: (أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون) وكم مرة يذكر ﵊ الأمر بالأسلوب المادي والسؤال والجواب؛ حتى يعلق القلوب والعقول، ثم يجيب، عندما يقول: (أيحب أحدكم أن يكون له ناقتين كوماوين؟ فقلنا: نعم -كوماوتين أي: عظيمتين جسيمتين- فيقول: لئن يغدو أحدكم إلى بيت من بيوت الله فيعلم آية من كتاب الله خير له من ناقة كوماء، وآيتين خير من اثنتين، وثلاث خير من ثلاث ومن أمثالها من الإبل) وهكذا نجده ﵊ وهو يحث ويحض على ذلك. وجاء في الحديث المشهور من رواية أبي ذر لما جاء الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -أصحاب الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، ونحن ليس عندنا أموال فلا نتصدق ولا نؤجر، قال: أو ليس قد جعل لكم ما تصدقون به، ودلهم على التسبيح والتحميد والتكبير وكف الأذى وغير ذلك، ثم جاءت المنافسة مرة أخرى فقالوا: يا رسول الله! سمع إخواننا بما قلت لنا ففعلوا مثلما فعلنا -ميدان تنافس تنطلق فيه الطاقات- قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء). نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يوفقنا وأن يوفق معلمينا ومعلماتنا لما يحب ويرضى، ولما فيه خير أبنائنا وبناتنا. أقول هذا القول، واستغفروا الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 884

أساليب ينبغي للمعلمين التحلي بها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الحرص على التربية والتعليم من قبل الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، ووسائل الإعلام ومناهج التعليم، كلنا مسئولون عن هذا الجيل أن نغرس في قلوبهم وعقولهم العلم النافع، والخلق الفاضل، والعمل الصالح، والهمة العالية. ولعلنا نشير في ومضات إلى أساليب من أساليب كثيرة ويحتاجها المعلمون والمعلمات.

стр. 885

المحبة والعطف وأولها: المحبة والعطف، التحبب إلى طلابهم، وإلى أبنائهم، والعطف عليهم بالتبسم والتبسط، وبغير ذلك من الوسائل التي فيها ترويح وتنشيط؛ لأن النبي ﷺ كان يراعي ذلك، قال مالك بن الحويرث كما عند البخاري في الصحيح: (جئنا إلى رسول الله ﷺ ونحن شبان، فأقمنا عنده نتعلم، قال: فلما رآنا قد اشتقنا إلى أهلنا -كان يراعي طلابه- قال: ارجعوا إلى أهليكم، وليعلم العالم منكم الجاهل، وصلوا، وليؤمكم أكبركم). ولقد أحبه ﵊ أصحابه الذين علمهم حباً عجيباً، حتى إن زيد بن حارثة وكان مولى للنبي ﷺ جاء أهله وعثروا عليه بعد أن خطف منهم وصار رقيقاً في مكة، فقال لهم: (دونكم زيد، فإن أراد أن يمضي معكم فأنتم أهله، وإن اختارني فوالله لا أجعله مع غيري، فقال زيد: لا أستبدل برسول الله ﷺ أحداً) تلك القلوب التي إذا أحبت من علمها ومن أرشدها، فإنها تكون حينئذٍ أعظم تلقياً عنه وتأثراً به.

стр. 886

سعة الصدر ثم أمر آخر وهو الفهم والاستيعاب، فهم الأبناء والشباب، واليوم قد تغيرت الأمور والأحوال والمعارف والوسائل، فينبغي أن تتسع الصدور لسماع مقالاتهم، ومعرفة شبهاتهم، والنظر إلى آرائهم، والتحسس لمعرفة طموحاتهم، لابد من تريث وأناة، لابد من فتح حوار، لابد من حسن توجيه، لابد من إزالة عقبات حتى نستطيع أن نهيء عقولهم وأفكارهم للعلم، فحتى علم الفيزياء والكيمياء لن يتلقاه ما لم يكن قد استقرت نفسه وقد انتظم فكره، ومن هنا نعرف ما كان من رسول الله ﷺ يوم أن جاءه الشاب وقال له: ائذن لي في الزنا! لم يعجل عليه النبي ﷺ ، بل علم طبيعة فترته التي يعيشها، وشهوته التي تستعر في داخله، فجاءه بالأسلوب الحسن: (أترضاه لأمك؟! أترضاه لأختك؟! والناس لا يرضونه)، ثم دعا له النبي ﵊، فكان أعظم أسلوب في الفهم، وفي الاستيعاب، وفي إزالة العقبات، وفي التوجيه النافع المرشد الذي يعين على التقويم والتهذيب.

стр. 887

القرب والثقة وأخيراً: القرب والثقة والاعتماد، أن تقتربوا وأن نقترب جميعاً من أبنائنا وبناتنا، لنعطيهم الثقة المتبادلة فيما بيننا وبينهم، ونكتشف ميولهم وأهواءهم، ونعرف طاقاتهم وملكاتهم، ونرسم معهم طاقات وآمالاً مستقبلية عظيمة، وهذه أبواب واسعة.

стр. 888

كلمة توجيهية للمعلمين من سماحة الشيخ ابن باز ولعلي أختم بكلمة جميلة للشيخ ابن باز ﵀ في حديثه إلى المعلمين، يقول ﵀: لا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب، فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة، وسمت حسن حتى يتأسى به تلاميذه، كما ينبغي أن يكون محافظاً على المأمورات الشرعية بعيداً عن المنهيات، حافظاً لوقته، قليل المزاح، واسع البال، طلق الوجه، حسن البشر، رحب الصدر، جميل المظهر، ذا كفاءة ومقدرة وسعة اطلاع، وذا معرفة بالغة بطرق التدريس وكيفية حسن الإلقاء، ولفت نظر طلابه بطريقة جلية واضحة إلى الموضوع الأساسي للدرس، وحصره البحث في موضوع الدرس دون الخروج إلى أهواء قد تبلبل أفكار التلاميذ وتفوت عليهم الفائدة، وأن يسلك في تعليمهم العلوم التي يلقيها عليهم طريق الإقناع. وهذه وغيرها كلمات وتوجيهات وأمنيات نسوقها إلى المعلمين والمعلمات، ونذكر بها أنفسنا معاشر الآباء والأمهات؛ لنقوم بهذه المهمة، في هذا الظرف الدقيق والعصر الحرج الذي يحيط بأمتنا، والذي تلاقي فيه هجوماً شرساً على مناهج تعليمها، وطرائق تربيتها، وأسلوب حياتها الاجتماعية، وغير ذلك مما هو معلوم، نسأل الله أن يحفظ أمتنا، وأن يحفظ علينا سلمنا وإسلامنا، وأمننا وأماننا. نسألك اللهم أن توفقنا للصالحات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آت، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم أفض علينا الخيرات، وأنزل علينا الرحمات، وضاعف لنا الحسنات، وكفر عنا السيئات، وارفع لنا الدرجات، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهديين، اللهم نطق ألسنتنا بذكرك، واملأ قلوبنا بحبك، وسخر جوارحنا لطاعتك، واستخدمنا لنصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين! اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك برحمتك وقوتك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وفك أسرهم، وزد أمنهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداًًً، ورد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم في أنفسهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اقذف الرعب في قلوبهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم لا تبلغ لهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت أقدامهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 889

محبة النبي ﷺ محبة الرسول ﷺ واجبة على كل مسلم، وهي دليل على اتباع الشرع، ولها صور وعلامات ومظاهر وأسباب يكشفها الواقع، ويظهرها الحال، ويقطف ثمرتها المؤمن الوسط بين الغلو والجفاء.

стр. 890

معنى محبة النبي ﷺ ومفهومها الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، وشرفنا بالانتساب للنبي العدنان ﵊، نحمده على ما أفاض من النعم، وما وقى ودفع من النقم، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. والصلاة والسلام التامان الأكملان على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، علم الهدى، ومنار التقى، محمد خير البرية، وسيد البشرية صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد: فالحديث عن المصطفى ﷺ منزلة رفيعة، والحديث عن محبته ﵊ متعة عظيمة، ثم الألسنة تترطب بذكره والصلاة عليه ﷺ ، وأما الآذان فتتشنف بسماع سيرته وهديه وحديثه ﵊، وأما العقول فتخضع لما ثبت من الحكم والسنة التي جاء بها ﵊، وأما الجوارح والأعضاء فتنتفع وتتمتع بموافقة هديه وفعله وحاله ﷺ ، بل حياتنا كلها مرتبطة بهديه وسيرته وسنته ﵊. وما عسى أن يكون الحديث عن محبته ﷺ ؟ وهل يمكن أن يوفى مثل هذا الموضوع حقه في سويعة من الزمان، أو في بضع محاضرات وإن كثرت؟ إن حقه وقدره ومقامه والواجب له ﵊ أعظم من ذلك كله، ولكن حسبنا أن يكون لنا في مثل هذه الأوقات ما يحيي قلوبنا، وينشط عزائمنا، ويقوي هممنا، ويبعث نشاطنا، ويحرك مشاعرنا، ويؤجج عواطفنا، لنرتبط ارتباطً أوثق، ونتبع اتباعاً أكمل لرسول الهدى ﷺ ، حتى ننال خير الدنيا والآخرة وفلاح الدنيا ونجاة الآخرة، بإذن الله . وعندما نظرت في هذا الموضوع رأيته كمحيط متلاطم الأمواج، قعره عميق، ودرره كثيرة وعظيمة، فعسى أن نقتبس شيئاً من ذلك وننتفع به بعون الله . هاهنا وقفات نبدأها بمفهوم ومعنى محبة المصطفى ﵊، ونعرج من بعد على حكم هذه المحبة، ثم نقف مع دواعيها التي تحث عليها وتقرب إليها، ثم نتوقف عند الأسباب التي تجلب تلك المحبة، لنخلص منها إلى الصور والمظاهر التي تبديها لنا وتكشفها لنا في واقع مشاعرنا وكلماتنا وأفعالنا، ثم وقفة قبل الختام في ثمار هذه المحبة وخيراتها وآثارها، لننتهي إلى المحبة بين الغلو والجفاء، ولعلنا نستطيع أن نلم بذلك وإن كان في الأمر عسر، فهو رسول الله ﷺ كما قال القائل: أبر بني الدنيا وأعظم من شكر وأكرم مخلوق على سائر البشر به الله قد أهدى إلى الناس رحمةً ومنه ضياء الحق في الكون قد ظهر تبارك ربي إذ أعد محمداً وزكاه بالتقوى وبالعلم والخبر ثبات اعتقاد الحق من أخلاقه وخير عباد الله أقدر من صبر جهير بأمر الله يدعو مبشراً وينصح من لاقاه بالآي والنذر حري بإصلاح الفساد ومرشد إلى سبل الخيرات في البدو والحضر دعا الناس بالتوحيد والحب والوفا وجادل بالحسنى وأقنع بالأثر ذرا الهمة القعساء بعض صفاته وأقدم مقدام وأحلم من قدر رعاه إله الكون خير رعاية فأنبت نبتاً طيب الأصل والثمر ﵊. والمحبة في لغة العرب يعرفونها بضدها لوضوحها وجلائها، فإن ذهبت إلى جل المعاجم وجدتهم يقولون: المحبة ضد الكره والبغض، وأُحِبُّه أي: أوده. وشخص بعضهم هذا المعنى تشخيصاً أوسع فقال: أحببت فلاناً في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه. أي: شغاف قلبه وكبد قلبه وفؤاده. والمقصود أن المشاعر تتسلل في هذه الموافقة والمجانسة والميل إلى أعماق الفؤاد وسويداء القلب فتصيب حبته، أي: جوهره وأصله ومكمنه، فتكون حينئذ ليست عرضاً ظاهراً ولا صوراً جوفاء، بل حقيقة تنبض بها خفقات القلب، وتظهر في مشاعر النفس، بل تبدو في بريق العين، وقسمات الوجه، وابتسامة الثغر، وحسن الثناء والمدح لرسول الله ﷺ ، فهذه المحبة قال عنها ابن القيم ووافقه ابن حجر عليها: المحبة لا تحد -أي: لا يذكر لها تعريف-؛ إذ هي أمر ينبعث بالنفس يصعب التعبير عنه. ولعمري إنه لكلام دقيق، فهل تستطيع أن تقول: إني أحب فلاناً عشرة أرطال، وفلاناً عشرين رطلاً. كلا لا تستطيع، وهل تستطيع أن تكتشف للحب سبباً؟ بعض الناس تلقاه فترى كأن فؤادك قد مال إليه، وقلبك قد هفا له، وبعض الناس قد تعاشره دهراً وما يزال في قلبك انقباض عنه، وفي نفسك وحشة منه، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالمحبة سر من أعظم ما تتجلى به عظمة خلق الله في هذا الإنسان. ما بين غمضة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال فكم من محبوب لكلمة أو لموقف ربما تغير القلب عليه، ونفرت النفس منه، ولذلك هذه العواطف والمشاعر لا تضبط بهذه الكلمات والتعريفات، وإن كان قد ذكر بعض العلماء للمحبة تعريفات اصطلاحية كثيرة، من ذلك ما قاله القاضي عياض ﵀ في شفائه: المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب. عندما توافقه وتجانسه وتميل إليه وتتبعه فذلك دليل المحبة، لكن لو وقفنا لوجدنا أن هذا التعريف ليس تعريفاً للمحبة، بل هو وصف لأثرها، فالمحبة انبعثت في القلب فمال الإنسان إلى من يحبه ووافقه، وهذا أمره واضح. ثم المحبة لها جوانب، منها محبة الاستلذاذ، كحب الصور الجميلة والمناظر والأطعمة والأشربة، تلك محبة فطرية، أو تكون محبة بإدراك العقل، وتلك المحبة المعنوية التي تكون لمحبة الخصال الشريفة والأخلاق الفاضلة والمواقف الحسنة، وهناك محبة تكون كذلك لمن أحسن إليك وقدم لك معروفاً، فتنبعث المحبة حينئذ لتكون ضرباً من ضروب الحمد والشكر، فينبعث الثناء بعد ذلك ترجمة لها وتوضيحاً لمعانيها. قال الإمام النووي ﵀: وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺ بما جمع من الجمال الظاهري والباطني، وكمال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين لهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم، والإبعاد من الجحيم، فإن نظرت إلى وصف زينته ﷺ فجمال ما بعده جمال، وإن نظرت إلى أخلاقه وخلاله فكمال ما بعده كمال، وإن نظرت إلى إحسانه وفضله على الناس جميعاً وعلى المسلمين خصوصاً فوفاء ما بعده وفاء، فمن هنا تعظم محبته ﷺ ، ويستولي في المحبة على كل صورها وأعظم مراتبها وأعلى درجاتها، فهو ﷺ الحري أن تنبعث محبة القلوب والنفوس له في كل لحظة وثانية، وحركة وسكنة، وقول وصمت، وفي كل تقلبات حياتنا، ولذلك ينبغي أن ندرك عظمة هذه المحبة. ويقول ابن تيمية: وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمن لربه، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى، وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه؛ فإن الرسول ﷺ إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله. وذلك ما سنفيض القول فيه في بعض تلك الأحوال، وحسبي أن نعرج على هذه المعاني. وهنا وقفة نتمم بها ما بدأناه، فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله ﷺ من جوانب شتى: في جانب العقل معرفة وعلماً، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب ونحو ذلك، ومحبة بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميل عاصف، فالنفس تتعلق برسول الله ﷺ لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية، ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وعمله وفعله ﵊، فلا يمكن أن نقول: إن المحبة اتباع فحسب، فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول: إنها الحب والعاطفة الجياشة، فأين صدق الاتباع؟ لا ينفع هذا وحده، فأين المعرفة والعلم التي يؤسس بها من فقه سيرته وهديه وأحواله ﵊؟ لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس والعقل والفكر وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمل حينئذ المحبة لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها لنؤدي بعض حق رسول الله ﷺ علينا.

стр. 891

حكم محبة النبي ﷺ ما عسى أن يكون حكم محبة رسول الله ﷺ إلا الوجوب؟! فهي واجبة على كل مسلم قطعاً ويقيناً، والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، ومن ذلك قول الله الذي جمع فيه في آية واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامح النفوس ووضعها في كفة، وحب الله وحب رسوله في كفة فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. قال القاضي عياض ﵀: فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً وبلاغةً وحجةً على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظيم خطرها، واستحقاقه لها ﷺ ؛ إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وتوعدهم بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، ثم فسقهم بتمام الآية فقال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، وأعلمهم أنه ممن ضل ولم يهده الله . فهذه آية عظيمة تبين أهمية ووجوب هذه المحبة، ويأتينا كذلك دليل آخر وهو عظيم وموجز وبليغ في قول الحق جل وعلا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]. ويبين ابن القيم ﵀ الدلالة على وجوب هذه المحبة في هذه الآية من وجوه كثيرة، ضمنها أمرين اثنين: الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول ﷺ أولى به منها، أي: أولى به من نفسه وأحب إليه منها. فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه. الثاني: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ ، يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه التصرف إلا ما تصرف فيه الرسول ﷺ الذي هو أولى به من نفسه، أي: بما جاء به الله وبلغه من آياته وأقامه ونشره من سنته ﷺ ، والآيات في هذا كثيرة. أخي الكريم! الإيجاز هو مقصدنا في هذا، وإلا فإن قوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] من الأدلة العظيمة الشاهدة على وجوب محبة النبي ﷺ . إذاً لا نزاع أن محبة الله واجبة، وأن اتباع النبي ﷺ ومحبته هو طريق إلى محبة الله كما سيأتي في قوله: (من أحبني فقد أحب الله) والآيات أكثر من أن تحصى في هذا المقال. وأما أحاديث ﷺ فصريحة جلية واضحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة، ومن ذلك حديث أنس ﵁ عند البخاري، قال فيه النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله ووالده وولده والناس أجمعين)، أو كما قال ﷺ . وكلنا يعرف الحديث الصحيح المشهور في قصة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، لما قال عمر: (يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : لا -والذي نفسي بيده- حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: ﵊: الآن يا عمر). ولم يكن قول عمر الأول أنه ليس محباً لرسول الله ﷺ أكثر من نفسه على حقيقته، إنما أخبر عن مقتضى الطبع، الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيء إليه نفسه، فلما أخبره النبي ﷺ بالمصطلح الإيماني أقر عمر بالمعنى الإيماني وبأنه يفضل ويحب النبي ﷺ أكثر من نفسه، فقال له حينئذ ﷺ : (الآن يا عمر). ومما يستدل به كذلك من هذه الأحاديث قول النبي ﷺ في حديث أنس ﵁: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). ثم إن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار كما ذكر ذلك الإمام الخطابي، ولذلك عمر في جوابه الأول ذكر الطبع، ثم بعد ذلك ذكر فيه الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان. ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي ﷺ على ضربين: أحدهما فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته وبعثته، وتتلقى ما جاء به بالمحبة والقبول والرضا والتسليم، وثانيهما محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله، ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة. ومن الأدلة كذلك ما ثبت في حديث النبي ﷺ المشهور المحفوظ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). ومن الأحاديث حديث أنس عن الرجل الذي جاء سأل النبي ﷺ : (يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه النبي ﵊، ثم عاد إليه فقال: ما أعددت لها. قال: حب الله ورسوله. فقال: فإنك مع من أحببت)، وفي الرواية الأخرى قال الراوي عن النبي ﷺ : (ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي ﷺ : إنك مع من أحببت. قال: أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم). ومنها حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث جميل أخرجه مسلم في صحيحه، قال فيه رسول الله ﷺ : (من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله). هذا الحديث ربما من اجتهد وجاهد قد يكون مقصوداً به؛ لأنه يخبر عمن جاء بعده، فيقول ﵊: (من أشد الناس حباً لي ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله). وحديث ابن عباس أيضاً قال فيه النبي ﷺ : (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي) رواه الترمذي في سننه وحسنه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وكلنا محب لرسول الله ﷺ محبة وجوب، ومحبة اختيار وتعظيم له ﵊، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج إلى الأدلة، ولكننا نريد أن نعظم هذه المحبة في قلوبنا ونحن نرى الآيات التي تتلى إلى قيام الساعة توجب هذه المحبة وتبرزها عظيمة عالية في مقامها مقترنة بمحبة الله ، بل راجحة بكل ما تتعلق به القلوب من أنواع المحاب الدنيوية في شتى صورها وأنواعها، فعلنا حينئذ ندرك هذا، وندرك أيضاً عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص القاطعة الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تتردد، وقلبك الذي يخفق، فضلاً عن محبة الزوجة والأبناء، أو الأمهات والآباء، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبة لمخلوق من بني آدم في الدنيا وفي الخليقة كلها، وهي التي استحقها سيد الخلق ﷺ ، ووجبت على كل مؤمن مسلم لله .

стр. 892

دواعي محبة النبي ﷺ لماذا نحب رسول الله ﷺ ؟ إننا قطعاً لن نقول هذا السؤال وكأننا لا نريد هذه المحبة، ونسأل: (لماذا) على سبيل عدم الرغبة، كلا، وإنما نريد مرة أخرى أن نهيج القلوب والمشاعر لهذه المحبة، وأن نؤكدها ونحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحقق بها المشاعر، وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله .

стр. 893

تبعية محبة النبي ﷺ لمحبة الله تعالى نحن نحب رسول الله ﷺ لأنه حبيب الله ، فمن أحب الله أحب كل من أحبه الله، وأعظم محبوب من الخلق لله هو رسوله ﷺ ، وقد قال ﵊: (ولكن صاحبكم خليل الرحمن) يعني نفسه ﷺ ، والخلة هي أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل في القلب وفي كل شيء في هذا الإنسان، فتصبح كل خلية ونفس وكلمة منك وعاطفة منك تخفق بهذه المحبة وتؤكدها؛ لأنها محبة لمن أحبه الله واصطفاه من بين خلقه جميعاً، كما أخبر ﵊: (فأنا خيار من خيار من خيار) فهو صفوة الله من خلقه أجمعين، وكما ورد في الحديث الذي صححه أهل العلم أنه قال ﵊: (إني من نكاح وليس من سفاح) وذلك في كل الأصلاب منذ الخليقة الأولى، حتى من لم يكن مسلماً، فلم يكن من أجداده كلهم ولا في نسبه ولا في أصله عليه الصلاة سفاح، بل كله نكاح صحيح، وذلك من طيب محتده، وعراقة أصله، وطهارته التي اصطفاه الله لأجلها واختاره ووضعه لها ﵊.

стр. 894

كمال رأفته ورحمته بأمته لأن الله أظهر لنا كمال رأفته وعظيم رحمته ﷺ بأمته، ونحن نحب الإنسان إذا وجدناه بنا رحيماً، وعلينا شفيقاً، ولنفعنا مبادراً، ولعوننا مجتهداً، حينها نحبه من أعماق قلوبنا، ورسول الله ﷺ في هذا الباب أعظم من رحمنا ورأف بنا، وإن كان بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. ولو أردنا أن نذكر أمثلة لذلك لطال بنا المقام، فرسول الله ﷺ في كثير من الأحاديث كان يقول: (لولا أن أشق على أمتي)، وهناك كثير من الأحاديث التي ورد فيها رقته ورحمته بأمته كما ورد في وفد مالك بن الحويرث وقومه لما جاءوا إلى النبي ﵊، قالوا: كنا شبية متقاربين، فمكثنا في المدينة نتعلم من رسول الله ﷺ ، يقول الراوي: فلما رأى أنا قد اشتقنا لأهلنا -وكان أرحم بنا من أنفسنا- قال: (ارجعوا إلى أهليكم، وليؤمكم أكبركم، وعلموا من وراءكم) رحمة منه بهم ﵊، وكان إذا سمع بكاء الصبي يخفف من صلاته رأفة وشفقة على قلب أمه به، وذلك من كمال رحمته وشفقته ﵊. في يوم حنين قسمت الغنائم، ووجد بعض الأنصار في أنفسهم شيئاً؛ لأن الرسول لم يقسم لهم وقسم للمؤلفة قلوبهم، فلما جاءهم إلى مكانهم ذكر لهم ﵊ بعض فضله عليهم بما فضله الله عليهم، قال: (ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ ثم ذكر غير ذلك وكله يقول فيه: ألم آتكم؟ ألم آتكم. ثم قال: (أجيبوني) فسكت الأنصار، فقال: (أما لو شئتم لقلتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك. ثم قال: ألا ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ، الناس شعار والأنصار دثار، لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، فبكى الصحابة حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسماً) وهذا من أعظم ما يظهر فيه كذلك من أثر أو داعي محبة النبي ﷺ .

стр. 895

كمال نصحه لأمته وعنايته بهم حتى قال الصحابة كما روي ذلك عن بعضهم في سنن أبي داود قال: (علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة) أي: حتى قضاء الحاجة. علم أمته كل شيء، وكان ﵊ لا يدع فرصة إلا ويعلمهم، ولا يدع فرصة إلا ويقول: (ليبلغ الشاهد الغائب) حتى جئنا إلى أيامنا هذه وإلى ما بعدها وكأن رسول الله ﷺ بين أظهرنا، نراه في يقظته ومنامه، وحله وترحاله، وسلمه وسفره، بل نحن نعرف عن رسول الله ﵊ من سيرته أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، من يعرف منا عن صغره؟ من يعرف منا حاله في نومه أو يقظته؟ رصدت حياته ﷺ ، ورصد لنا وصفه، وكم شعرةً بيضاء في لحيته، كل ذلك في وصف دقيق بليغ حتى كأن كل شيء في حياته ولد في وضح النهار.

стр. 896

خصائصه وخصاله العظيمة ويكفينا في ذلك قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وكم اجتمع فيه ﵊ ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم! فكان هو مجتمع المحاسن ﵊. حسبنا ذلك في هذه الدواعي وإلا فالأمر كثير، فإن الذين مالت قلوبهم وملئت حباً لرسول الله ﵊ من أصحابه إنما سبى قلوبهم واستمال أنفسهم بما كان عليه من الخلق وحسن المعاملة وكمال الرحمة وعموم الشفقة وحسن القول، إلى غير ذلك مما هو معلوم من شمائله ﵊.

стр. 897

مظاهر محبته ﷺ وعلامتها نذكر هنا مظاهر المحبة وعلامتها، فلكل شيء دليل ولكل ادعاء برهان، ولكل حقيقة في الباطن أثر وبرهان وصورة في الظاهر، ولنذكر بعض هذه المعاني العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبة المصطفى ﷺ .

стр. 898

اتباعه والأخذ بسنته ﷺ تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع قال ابن الجوزي مستشهداً بقول مجنون ليلى: إذا قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياها لقال غبار من تراب ديارها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها قال ابن الجوزي: وهذا مذهب المحبين للأخلاء. فكل محب يكون أدنى شيء من محبوبه أعظم إليه من كل شيء في دنياه، فكان أدنى شيء من الله ومن رسوله أعظم وأحب إلى كل مؤمن من كل شيء في دنياه، وحسبنا في ذلك ما جاء في كتاب الله في قصة يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] أحب السجن لأنه في مرضاة الله، وفيه العصمة من معصية الله، ولا أحد يحب السجن لظلمته وأسره وقيده لكنه كان محبوباً لقلبه لمّا كان فيه محبة ربه وسلامته من معصيته. وهكذا نجد النصوص تتضافر في ذلك، فتأمل هذا الحديث الذي يرويه أنس ﵁ كما عند الترمذي -وقال عنه: حسن غريب- قال: (قال لي رسول الله ﷺ وأنس نعلم من هو، خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين، يقول أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ كيف كان يأمره وينهاه وهو خادمه؟ كيف لم يقل له: لم فعلت. أو: لم لم تفعل؟ لو أردنا أن نفعل ذلك مع أحد من خدمنا لا نستطيع أن نفعل ذلك ولو عشرة أيام، وليس عشر سنوات! هذا أنس يقول: قال لي النبي ﷺ : (يا بني! إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل. ثم قال لي: يا بني! وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة) معادلة واضحة، والمحبة في هذا الاتباع ظاهرة. قال ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم كلاماً جميلاً، قال: فمن أحب الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكره الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحب الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكثير المحبة الواجبة. وهنا ملحوظة مهمة، قال: من عصى أو قصر في واجب نقصت محبته ولم يَزد. وبعض الناس يتعجل فيرى العاصي فيقول: إنه مبغض لرسول الله، أو كاره لرسول الله. وتلك تهمة عظيمة وفرية كبيرة، حسبك في ذلك حديث النبي ﷺ كما في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي كان يشرب الخمر فأتي به فجلد، ثم مرة أخرى شرب فأتي به فجلد، ثم ثالثة فأتي به فجلد، فقال رجل من الصحابة: (لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به!) فقال الرسول ﷺ : (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله) فأثبت له النبي المحبة مع وقوعه في كبيرة من الكبائر، فلا تهجم على الناس بنفي المحبة؛ فإنها نفي إيمان وإخراج من الملة إن كنت تقصد نزعها بالكلية، والعياذ بالله.

стр. 899

الإكثار من ذكره والصلاة عليه ﷺ لا شك أن من أحب إنساناً أكثر من ذكر محاسنه، فتجد بعض الناس إذا أحب إنساناً لا يجلس مجلساً إلا ويقول: انظروا ماذا فعل فلان، فلان قال كذا وكذا، فلان جزاه الله خيراً، فلان لا يمكن أن نقدر قدره. ونحن ينبغي أن نطيب ونعطر مجالسنا في كل وقت وحين بذكر مآثر النبي ﷺ وسيرته وأحواله وشمائله، وهذا الذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها، وكثرة الصلاة عليه ﷺ تحرك هذا المعنى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وفي ذلك امتثال لقوله ﵊: (إذا سمعتم المؤذن فقولواً مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً). وحديث أبي بن كعب ﵁ شهيد، قلت: (يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت. قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خي. ، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت؟ وإن زدت فهو خير. قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك ويغفر ذنبك) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وصححه، والحاكم في مستدركه، ووافقه الذهبي. قال الشراح: كان أبي له ورد من الدعاء دائماً، فكان يصلي فيه على النبي ﷺ ، ومن آداب الدعاء أن يقدم بين يديه الحمد والثناء على الله والصلاة على الرسول ﷺ ، فقال: كم أجعل لك من ذلك؟ قال: زد حتى لو كان الدعاء كله الحمد والثناء والصلاة على رسول الله ﵊، فإنه وإن قل الدعاء يكون فيه ما وعد النبي به ﷺ (إذاً تكفى همك ويغفر ذنبك).

стр. 900

تمني لقائه والشوق إليه ومن علامات محبته ﵊ تمني رؤيته والشوق إليه، وقد كان ذلك في أصحاب النبي ﷺ ، وقد رأوه لكنهم إذا افتقدوه اشتاقوا إليه، وهذا الشوق شوق حقيقي، ويعلم من كان يحب زوجته وأبناءه كيف يكون حاله إذا اغترب عنهم، إذا أراد أن يخلد إلى نومه تجلت له صورهم، وتذكر أحوالهم، وكأنما يسمع أصواتهم في أذنيه، ويراهم يتلاعبون ويتحركون بين يديه، وما تزال زفراته تتابع وعبراته تتوالى شوقاً إلى لقياهم، فإذا التقى بهم ربما طاش عقله وتخلى عن وقاره، فهفا إليهم معانقاً ومحباً، تلك بعض مشاعر المحبة في درجة الدنيا، وأعظم من هذه الدرجة لرسول الله ﷺ في محبته، كما روى مسلم: (من أشد الناس حباً لي ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله) أو كما قال ﷺ . وبلال ﵁ قصته شهيرة يوم ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي ﷺ ، فقد كان بلال يبكي ويقول: لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ، وكان إذا أراد أن يؤذن فإذا جاء لقوله: (أشهد أن محمداً رسول الله) تخنقه عبرته فيبكي ﵁، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين، ورجع بعد سنوات، ثم دخل إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وحان وقت الأذان فأذن بلال، فبكى وأبكى الصحابة بعد انقطاع طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله ﷺ ، فتذكروا بلالاً وأذانه، وتذكروا رسول الله ﷺ ، والأمر في هذا يطول. وكان ﵁ عند وفاته تبكي زوجته بجواره فيقول: (لا تبكي؛ غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه) فكان يشتاق للقاء رسول الله ﷺ ، وهو واحد من المبشرين بالجنة كما ثبت ذلك في الحديث لما قال له النبي ﷺ : (يا بلال! ما تصنع لربك؟ قال: لا شيء إلا أني إذا أحدثت توضأت، وإذا توضأت صليت، فقال الرسول ﷺ : ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشة نعليك) وهكذا روي عن حذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين، وذكر القاضي عياض في (الشفا) أنه قال كل منهم: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه وهذا الشوق في حياة الصحابة يظهر لنا صور محبتهم لرسول الله ﷺ .

стр. 901

محبة الكتاب الذي أنزل عليه ولأمته إن النبي ﷺ قد اختص بمعجزته الخالدة إلى قيام الساعة، وهي كلام الله ، وكتابه العظيم كتاب الله الذي فيه الهدى والنور؛ لأن النبي ﷺ كان في القرآن كالحال المرتحل، لا يختم حتى يبدأ ختمةً جديدة، وكان كما قالت عائشة: (خلقه القرآن) فمن أحب رسول الله ﷺ أحب القرآن والتعلق به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما أورد بعض أحاديث محبة النبي ﷺ : ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله، ونحن نصلي على النبي ﷺ وعلى آله، وقال: إن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ ، روى زيد بن أرقم ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ يوماً خطيباً بماءٍ يدعى خماً بين مكة والمدينة وأسمع، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، ثم حث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. فقيل لـ زيد: ومن أهل بيته يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قيل: من هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس هؤلاء حرموا الصدقة بعد النبي ﷺ فهم آله) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا كثيرة ولها دلالات عظيمة، ولذا فقد ذكر أهل العلم في هذا المعنى أقوالاً كثيرة، وقال ابن تيمية ﵀: وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيره من العلماء، والأحاديث في فضلهم مبسوطة كما أن نساء النبي من آله كما في قوله جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وقوله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣]. والأحاديث في فضائل أزواج النبي ﷺ وآل بيته عظيمة.

стр. 902

حب صحابته والترضي عنهم من حب النبي ﵊ حب صحابته، ومن أبغض أحداً من صحابته فهو كاذب في حبه لرسول الله ﷺ ، ومن أبغض بعضاً أو كلاً أو واحدةً من أزواج رسول الله ﷺ فقد كذب في محبة رسول الله ﵊، وأعظم على الله وعلى رسوله الفرية، وكان من حديث النبي ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال ﵊: (لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، وفي حديث أنس الصحيح: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار). فحب الصحابة وحب آل بيت النبي ﷺ من الإيمان ومن محبة النبي ﷺ . قال أبو زرعة الرازي في كلامه على معتقد أهل السنة والجماعة: إذا رأيت أحداً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما نقل ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والطعن بهم أولى، وهم زنادقة. قال الخطيب البغدادي ﵀: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بنص القرآن في آيات كثيرة، منها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن حجر: اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقال صاحب العقيدة الطحاوية ﵀: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نشك في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من أبغضهم ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإحسان وبغضهم كفر وطغيان. فهذا من علامات محبة النبي ﷺ الظاهرة البينة، وهي مما ينبغي أن يكون معلوماً ومعروفاً، والأمر في ذلك كثير وعظيم.

стр. 903

الأسباب الجالبة لمحبة النبي ﷺ ونريد بذلك الطريق التي تقربنا والأعمال التي توصلنا إلى هذه المحبة لرسول الله ﷺ .

стр. 904

تعظيم محبة الله كل مادة تصلك بالله وتذكرك به هي حب لرسول الله ﷺ ، فما هي صلتك بالله؟ ستقرأ القرآن؛ ستصلي الصلاة، ستؤدي الزكاة، ستخرج مالاً وصدقة، كل فعل من محبتك وصلتك بالله سيذكرك بتعظيم قدر الرسول الله ﷺ إذا كنت له متابعاً وموافقاً، وهذا يهيج على تقديم محبة النبي ﷺ على هوى النفس وراحة البدن، (الصلاة خير من النوم) عندما تسمعها والفراش وثير والهواء بارد والجسم متعب أين انبعاثك لتكون مع الذين بشرهم النبي ﷺ بقوله: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) رواه ستة عشر من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 905

دوام ذكر سيرته ﷺ تذكر أحوال النبي ﷺ في حرصه على أمته ورأفته بهم، ودوام ذكر سيرته سبب من الأسباب الجالبة لمحبته، السيرة اقرأها صباحاً ومساءً، وعلمها أبناءك، كما قيل عن السلف: كانوا يعلموننا مغازي رسول الله ﷺ كما يعلموننا الآية من القرآن. أين سيرة النبي في بيوتنا؟ أين هي من أبنائنا؟ أين أحواله ﵊ في سائر تقلبات حياته من أن نسمعها صباحاً ومساءً؟ إن بعض أجيالنا اليوم قد يعرفون عن سقطة الناس وسفلتهم من المشركين والمشركات أكثر مما يعرفون من أحوال رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، كيف نعظم محبة النبي ﷺ ونحن لا نديم ذكر سيرته حتى نرى هذه العظمة ونرى تلك الرحمة، ونرى تلك النعمة التي مَنَّ الله بها علينا ببعثته ونبوته ﷺ . تذكر الأجر العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة بمحبة النبي ﷺ ، وذلك ما سنعرض له أيضاً، وتول الصحابة رضوان الله عليهم وأكثر من ذكر سيرتهم، فكلما عظمنا الصحابة وذكرنا شيئاً من سيرتهم فإن ذلك يدلنا على رسول الله ﷺ ؛ إذ كلهم لرسول الله ملتمس، وكلهم من نوره مقتبس ﵊. حتى إذا قيل: (قال رسول الله ﷺ اشرأبت الأعناق، وشخصت الأبصار، وأصغت الأسماع، لا انصراف ولا التفات ولا تحرك، بل احترام وتقدير وإجلال لرسول الله ﷺ .

стр. 906

تعظيم السنة النبوية والآثار المصطفوية كما أن إجلال المحبين للسنة والعاملين بها مما يذكرنا ويقربنا لمحبة النبي ﷺ ، كل محدث وعامل وملتزم بالسنة نحبه لأنه يذكرنا برسول الله ﷺ ، وليس كما قد يحصل اليوم، نرى من يلتزم بالسنة في بعض الهيئات يوصف بأنه متشدد، وقد ينفر الناس منه لقصر في ثوبه أو نحو ذلك، فيا للعجب! كيف تقلبت الظروف؟! كلما رأينا من يتبع السنة فإنما نرى صورة تذكرنا بحديث الرسول، وبسنة الرسول، وبفعل الرسول، فيكون ذلك عوناً لنا على محبة النبي ﷺ .

стр. 907

الذب عن السنة والدفاع عنها فكم -وللأسف الشديد- من عدوان يعتدى فيه على ذات الرسول ﵊ من المسلمين وغير المسلمين، وكثيراً ما تجد أحداً يقوم بذلك، والأمر أوسع من هذا.

стр. 908

مواقف المحبين للنبي ﷺ ليس هناك أكثر محبة ولا أصدق ولا أعظم محبةً من صحابة رسول الله ﷺ له، وخذ هذه المواقف، وكل واحد منها حري بنا أن نعيده وأن نكرره ونحفظه ونتذكره لنعلم كيف كانت محبة القوم رضوان الله عليهم. هذا عمرو بن العاص يقول مصبراً نفسه: ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه. من هيبته لم يكن يستطيع أن يتفرس في وجه النبي ﷺ ، ومن محبته كان يتوق ويشتاق إليه ﵊. وسئل علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ : كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ وخذ هذا الوصف من ابن عمه وزوج ابنته والفصيح البليغ علي بن أبي طالب؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. وهذا من مآثر الصحابة رضوان الله عليهم. وروى الشعبي -والحديث بطرقه حسنه أهل العلم- أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولو أني لم آتك فأراك لظننت أني سأموت. ثم بكى الأنصاري ﵁. يقول: أنت أحب إلي، والآن هناك فرصة، فآتي فأراك فتسكن نفسي، وإن كنت أتصور أني لا أراك سأموت. فقال له النبي ﷺ : ما أبكاك؟ قال: ذكرت يا رسول الله أنك ستموت فترفع مع النبيين ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك. يعني: لن أراك في الجنة، والنبي ﷺ لم يخبره بشيء حتى نزل قوله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] فقال له النبي ﷺ : (أبشر) فبشره بأنه يكون معه مادام قد أحبه. ومن أعظم هذه المواقف ما رواه أنس ﵁ قال: (لما كان يوم أحد خاص أهل المدينة حيصة -يعني: في القتال عندما اختلت الأمور- قالوا: قتل محمد ﷺ . حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها -يعني: كلهم ماتوا واستشهدوا رضوان الله عليهم- قال: وما أدري بأيهم استقبلت أولاً، فلما مضت على أحدهم قالت: من هذا؟ قالوا: أبوك، أخوك، زوجك، ابنك، وهي تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: أمامك. وهي ما زالت تمضي، قال: فلما رأت رسول الله ﷺ أخذت بثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب). وفي رواية أخرى لـ سعد بن أبي وقاص في قصة هذه المرأة قالت: (ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل). أي: هينة. وأبو بكر ﵁ لما كان في مكة واجتمع كفار قريش يريدون أن يضربوا رسول الله ﷺ جاء يدافع عن رسول الله ﵊، فتركوا الرسول وتوجهوا إلى أبي بكر وضربوه بنعالهم، قال الراوي: فضربوه بنعالهم في وجهه حتى سقط مغشياً عليه، ولم يعرف وجهه من أنفه -أي: من شدة التورم- قال: ثم حمل ما يشك في موته من شدة ما لقي من الضرب. قال: فلما أفاق كان أول ما قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير كما تحب. قال: لا حتى أراه. فحمل يهادى بين الرجلين، فلما رآه تهلل وجهه فرحاً ﵁ وأرضاه. وهذا من مواقف الحب الصادق لأصحاب رسول الله ﷺ ، ومن هذه المواقف العظيمة ما كان من قصة زيد بن الدثنة ﵁، الذي أسره أهل مكة، ثم خرجوا به ليصلبوه، وقد صلبوه بالفعل، فقال له أبو سفيان -وكان إذ ذاك على كفره-: أتحب أن محمداً مكانك وأنت في أهلك وولدك؟ أي: أنت الذي اتبعت محمداً ﷺ فجاءك هذا الموقف، والآن ستصلب فهل تحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك وولدك. فماذا كان الجواب؟ قال: والله ما أحب أن يشاك محمد ﷺ بشوكة وأنا في أهلي وولدي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ﷺ . أعظم حب وأوفاه وأوسعه، ولذلك قالوا: نفديك بأنفسنا وأرواحنا وهناك مواقف كثيرة لابد من ذكرها لبعض السلف من التابعين لنعرف أن هذه المحبة هي جوهر إيماننا وأساس من أسس إسلامنا. هذا مالك بن أنس يقول عن أيوب السختياني ﵁: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أوثق منه. يعني: في مكانة عالية ﵀. قال عنه مالك: وحج حجتين -وحج مالك معه-، قال: فكنت أرمقه ولا أسمع منه. يعني: لا يسمع منه الحديث، قال: غير أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي ﷺ كتبت عنه. أي: أخذ عنه الحديث لما رأى من إجلاله وفيض محبته وتأثره بذكر رسول الله ﷺ . وهذا مصعب بن عبد الله يروي عن مالك، يقول: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه -أي: يشفقون عليه- فقيل: له في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون! وذكر الإمام مالك محمد بن المنكدر من أئمة التابعين، وكان سيد القراء، قال: ما نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه ﵀. والحسن البصري جاءنا بمثل جميل، وهذا باب ضاق المقام عن أن أذكره، وهو حب الجمادات لرسول الله ﷺ ، ففي الحديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه) والجذع الذي كان يخطب النبي ﷺ عليه، فلما بني له منبر طلع يخطب على المنبر، فإذا الجذع يحن إلى رسول الله ﷺ ، وسمع له حنين سمعه الناس كلهم، فنزل النبي عن المنبر فوضع يده على الجذع فسكنه فسكن، وكان الحسن البصري ﵀ إذا ذكر حديث حنين الجذع وبكائه يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشاقوا إليه ﷺ . ويقول بعض السلف: كنت آتي صفوان بن سليم -وكان من المتعبدين المجتهدين- فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم عنه الناس ويتركوه. وأختم هذا الباب بهذه القصة وأذكرها بطولها، وقد ذكرها الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء، وهي قصة رائعة، والذهبي إمام من أئمة أهل السنة، وجهبذ من الجهابذة ومن النقدة أئمة الجرح والتعديل، ولا يكون عاطفياً تماماً دون أن يكون له الأساس والمستند العلمي، يقول في ترجمة عبيدة بن عمرو السلماني -وهو من التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁ يقول: محمد: قلت لـ عبيدة: إن عندنا من شعر رسول الله ﷺ شيئاً من قبل أنس بن مالك فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض. يعني: أحب إلي من كل ذهب وفضة في الأرض قال الذهبي: قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس. ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي ﷺ بخمسين سنة، وهو من التابعين وليس بعيد العهد بالنبوة، ويقول الذهبي: فما الذي نقوله نحن في وقتنا، لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، أو شسع نعل كان له، أو قلامة ظفر، أو شقفة من إناء شرب فيه، فلو أنفق الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده أكنت تعده مبذراً أو سفيهاً؟ كلا. فابذل مالك في زيارة مسجده الذي بنى فيه بيده، والسلام عليه ﷺ عند حجرته في بلده، والتذ بالنظر إلى أحده وأحبه، فقد كان نبيك ﷺ يحبه، وتملا بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمناً حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم، وقبل حجراً مكرماً نزل من الجنة، وضع فمك لاثماً مكاناً قبله سيد البشر بيقين، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظفرنا بالمحجن -يعني: العصا -الذي أشار به رسول الله ﷺ إلى الحجر ثم قبله لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل. ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل. ثم قال: وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله ﷺ . يقول الذهبي: فنقول نحن إذ فاتنا ذلك -يعني: ليس عندنا يد أنس، فكيف نقبل شيئاً قبله الرسول ﷺ ؟ - حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا ﷺ لاثماً له، فإذا حججت فقبل، وإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجراً قبله خليلي رسول الله ﷺ . وهذا من نفائس القول لأئمتنا وعلمائنا رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم أجمعين، والباب في هذا يطول كما ذكرت.

стр. 909

ثمار محبة النبي ﷺ ثمار المحبة يكفينا فيها ثمرتان: أولاهما: أن هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة، والإكثار من العبادة، وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيد من الطاعات. ثانيهما: وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاة من النار، ولحوقاً برسول الله ﷺ ، كما قال: (المرء مع من أحب) وفي الدنيا كذلك إعانة على هذه الطاعات؛ لأنه كما قال النبي ﵊ في شأن محبة الله وموافقة رسوله: (حتى أكون يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) إلى آخر ما هو معلوم.

стр. 910

محبة النبي ﷺ بين الغلو والجفاء هنا وقفة أخيرة، وأظن -والله أعلم- أننا كنا مستمتعين بهذا الحديث، ومما ذكرنا من الآيات والأحاديث في عظمة النبي ﷺ ومحبته، ومواقف الصحابة إن هذه المحبة التي قلناها ما بال بعضنا يفسدها بغلو يخرج عن حد الاعتدال، أو جفاء يبتعد فيه المسلم عن حق رسول الله ﷺ في تعظيم محبته ﵊، والأمر في هذا يطول كثيراً، والشذوذ والخلاف والخروج عن مقتضى سنته ومحبته في هذا الباب كثير، وخير الأمور أوسطها، فالغلو خرج به قوم إلى صور كثيرة لا تخفى من حيث الواقع، لكني أذكرها من حيث المنهج والمبدأ، فمنهم من يجعل المدح مدخلاً لذكر ما هو خالص مستحق لله لا يجوز أن يشاركه فيه غيره، ولا نصف به غيره وإن كان هذا هو رسول الله ﷺ ، فلو ادعيَّ لرسول الله ﵊ ما هو حق لله ومن خصائص الله فهذا يأباه النبي ﷺ ، وقد علمه للناس في وقته وزمانه، كما قال: (لا تقل: ما شاء الله وشئت. ولكن قل: ما شاء الله، ثم شئت). وبعضهم يقول: هذه ألفاظ تعبر عن المشاعر وما نقصد بها عين هذه الألفاظ. نقول: سبحان الله! هل أنتم أعلم أو أحكم من رسول الله ﷺ ؟! لم ترك التنبيه على الألفاظ إذا كانت ليست مؤثرة، وليست بذات تأثير في النفس والفكر والعقل، وكانوا يحبون النبي ﷺ ويثنون عليه، وهو يقول عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ولكنه يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) كيف أطروه؟ قالوا: هو الله. وخرجوا به عن حد بشريته ونبوته، وخرجوا به عن حد تعظيمه الذي ينافي مقامه ومكانه، فهذا غلو ليس مطلوباً بحال. وضرب آخر من الغلو، وهو الإتيان بمخالفات عملية فعلية لسنة وهدي رسول الله ﷺ بادعاء المحبة، أو في أوقات وأفعال وأعمال وأحوال تدعى فيها محبة رسول الله ﷺ ، فالاجتماع لمحبته مع وجود ما هو مذموم من الاختلاط والغناء والخروج عن حد الاعتدال، أو ما هو مضمن من ادعاء أمور غيبية بحلول روحه أو تجسد روحه أو رؤيته يقظة وغير ذلك من هذه الأمور التي لا تثبت، بل يثبت في عموم الأدلة وبعض الأحوال في خصوصهم ما يناقضها ويعارضها، فهذا ادعاء ليس له دليل وليس له حجة، بل هو -كما قلنا- معارض. ثم أيضاً أمر ثالث من الغلو، وهو الادعاء والاختراع لأمور وأقوال وأحوال لم تثبت عن رسول الله ﷺ ، فالنبي ﵊ علمنا الصلاة عليه، ووردت في أحاديثه صيغ كثيرة من الصلوات، وهناك صيغ فيها إطلاق للصلاة والسلام عليه عدد قطر الأمطار وهذا لا بأس به، لكن أن نخصص صلوات معينة لابد من أن تحفظ وتذكر بعدد من المرات من أين لنا هذا؟ ومن أين لنا أن نوجب على الناس أو أن نسن لهم أو أن نشرع لهم ما لم يشرعه رسول الله ﷺ ، وكلامه أوثق وأقوى، وهو الذي أوتي جوامع الكلم ﵊؟ ونجد كذلك ادعاءات كثيرة فيما يتعلق بالأقوال والأحاديث بعضها ضعيف وبعضها موضوع، وبعضها لا يثبت، ومع كل هذا يقال وينسب إلى الرسول ﷺ بادعاء الرغبة في المحبة، أو التحبيب، هذا كله خارج عن حد الاعتدال. ويمكن أن نقول: هناك تنبيهان أساسيان في هذا: أولهما أنه يجب على المسلم المحب لرسول الله ﷺ أن يفرق بين ما هو حق لله ولا يجوز أن يوصف به ولا أن ينسب إلا لله ، وبين ما هو حق لرسوله ﷺ . فتعظيم الالتجاء وطلب كشف الضراء وغير ذلك أثبته النبي ﷺ لله ، وبين في نصوص القرآن ما يدل على ذلك، وهذا وغيره لووا أعناق بعض النصوص حتى توصلت إلى مثل هذا. ثانيهما: التفريق بين صور التعظيم المشروع أو الداخل في دائرة المشروع وبين ما هو معلوم وظاهر أنه مخالف لهدي وسنة رسول الله ﷺ ، وهذا باب طويل. وأما الجفاء فكما أننا ننكر الغلو ونحذر منه فكذلك الجفاء، فبعض الناس في قلبه شيء من جفاء ولا يذكر النبي ﷺ كثيراً، ولا يصلي على رسول الله ﷺ إذا ذُكر، وإذا ذُكر مرة صلى، وإذا تكرر ذكره ثانية أو ثالثة لم يصل، كأن الصلاة تشق عليه أو ثقيلة على لسانه، حتى إنه يترك زيارة مسجد النبي ﷺ والسلام على رسول الله ﵊ والتعلق بسنته، إلى غير ذلك من صور كثيرة. ويمكن أن نذكر بعضاً من صور الجفاء، فمنها: البعد عن السنة باطناً وظاهراً، فترك سنن النبي ﵊ ضرب من الجفاء ومجانبة محبته ﵊، ولذلك ليست المحبة ادعاءً؛ إذ كثير من أحوالنا ظاهراً وباطناً فيها مخالفة للرسول، فكيف لا نشعر أن في هذا نقصاً لمحبتنا للرسول ﵊؟ وكذلك رد الأحاديث الثابتة والصحيحة، وهذا ضرب كبير من الجفاء والرسول ﷺ ، يقول: (ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله) يعني: ليس هناك مكان أو اعتبار لسنة الرسول ﷺ . فيقول ﷺ : (ألا وإن ما أحل رسول الله كما أحل الله، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله) ثم كذلك نرى الآن الكثير من الناس يتحدثون بموجب مفسدات عقولهم، يقول لك: هذا حديث لا يعقل، وهذا لا يصلح في هذا الزمان. هذا كله ضرب من المخاطر العظيمة في شأن المحبة، بل في شأن الإيمان بنبوة الرسول ﷺ . وكذلك العدول عن سيرته، وعدم الهيبة والتعظيم والإجلال عند ذكر حديثه، وهذا باب طويل سيأتينا ذكر له إن شاء الله تعالى، ولذلك نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]. وعرف الصحابة ذلك، فكان ثابت بن قيس ممن اعتزلوا مجلس النبي ﵊؛ لأنه جهوري الصوت، ومن بعده عمر بن الخطاب قال لرجلين كانا يرفعان صوتيهما في مسجد رسول الله ﷺ : لولا أنكما من غير أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً. فحرمته حياً كحرمته ميتاً، ﵊. ومن الجفاء هجران السنن المكانية، بأن نهجر زيارة مسجده، وزيارة مسجد قباء، والأماكن التي كان يتنقل فيها النبي ﷺ ، ولعل قدما توافق قدماً، أو جبهة توافق جبهةً، وتستشعر وأنت في الروضة في مسجد الرسول ﵊، وأنت في أحد كل سيرة النبي ﷺ تحيي في قلبك هذه المعاني، وقد وجدت شباباً في الجامعات لم يذهبوا إلى المدينة مطلقاً وهم من أهل هذه البلاد، لم يذهبوا إلى مدينة الرسول ﵊، ولم يروا مسجده، ولم يزوروا قبره، ولم يصلوا في روضته، ولم يشهدوا قباء، ولم يروا جبل أحد، كيف يكون هذا والناس لا نقول: يضربون أكباد الإبل، وإنما يطيرون بالطائرات النفاثات ليأتوا لحج بيت الله الحرام، ولزيارة مسجد الرسول ﵊ والسلام على قبره ﵊، فلا ينبغي أن يكون عندنا مثل هذا الجفاء. وبعض الناس عنده نقطة مهمة جداً، وهي الحساسية المفرطة لذكر أمر النبي ﵊، والصلاة عليه، وذكر مآثره، وذكر ما ثبت في تعظيمه، يقول: لا نريد هذه مبالغة حتى نسد باب الذرائع. وليس الأمر كذلك، فتعظيم النبي ﵊ واجب، ومحبته واجبة، ومادام ذلك قد ثبت في سنة النبي ﵊ وفي معجزاته من تفجر الماء من بين يديه، وانشقاق القمر، وفي خصائصه وشمائله الكثيرة المأثورة المذكورة المشهورة التي امتلأت بها صحاح كتب السنة فلماذا لا نعظم النبي ﷺ ؟ لماذا لا نثير هذه السيرة والمواقف لتكون محبته أعظم في القلوب؟ ليس هناك من حرج ولا حساسية، وإن كان هناك من يغلو فلا يسعنا أن نسد أو نوقف أو نمنع هذه الأحاديث والأحوال ونقول: سداً لباب الذريعة! كلا. فما ثبت لابد أن يقال ويعاد ويعلم ويشهر ويذكر حتى يكون مقام النبي ﷺ ومحبته على الوجه الذي أراده الله لنا وأراده لنا رسوله ﷺ . ومن أعظم الهجر والجفاء لمحبة النبي ﷺ الابتداع، فكل مبتدع يتلبس ببدعة يخالف بها سنة النبي ﷺ ، وهذا ضرب من الجفاء، كأن النبي ﷺ يقول له: افعل وهو يفعل غيره ونقيضه. وعدم معرفة قدر الصحابة وذمهم هو ضرب من الجفاء، فكيف تدعي حب الرسول ﷺ ثم تذم أصحابه الذين كانوا عن يمينه ويساره الذين فدوه بأرواحهم، وجعلوا صدورهم دروعاً تتلقى السهام ليذودوا عن رسول الله ﵊؟! كيف يمكن لأحد أن يدعي محبته وهو يظن أو يتهم أو يشنع على أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين؟ كل هذا ضرب من الهجران والجفاء الذي هو من أشد وأفظع ما يرتكبه مسلم في بعده عن دين الله ، وعن مقتضى هدي رسول الله ﷺ . ومن الجفاء عدم العناية بالسيرة النبوية، وعدم معرفة الخصائص والخصال الخاصة بالنبي ﷺ ، وخصائصه عظيمة جداً أكثرها لا يعرفها الناس، ولا يقرءون ولا يعرفون أحاديثه الثابتة حتى في الأمور المادية، فقد كان النبي ﷺ يسمع تسبيح الحصى، وقال -كما في صحيح مسلم -: (إني أعرف حجراً كان يسلم علي بمكة) وهذا قبل بعثته، وهناك فصل كامل في محبة الجمادات لرسول الله ﷺ ، وكما قال العلماء: هي محبة حقيقة لا يعرف كنهها، وفي الحديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه). فينبغي لنا أن ننتبه لهذا، وأن نكون في هذا الميدان الوسط بين الغلو والخروج عن حد الاعتدال والبعد عن الجفاء وترك ما ينبغي لرسول الله ﵊ من محبة وإجلال. نسأل الله أن يعظم محبة رسوله في قلوبناً، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله

стр. 911

الأسئلة

стр. 912

أسماء بعض الكتب التي تتحدث عن السيرة السؤال نريد ذكر بعض عناوين الكتب التي تتحدث عن سيرة النبي ﷺ ؟ الجواب الكتب في شأن النبي ﵊ كثيرة، حتى إن أحد المعاصرين ألف كتاباً اسمه: (معجم ما ألف عن رسول الله ﷺ ، ذكر في سبعمائة صفحة آلافاً من كتب السيرة والشمائل والخصائص والمعجزات والدلائل، لكنني أذكر بعض الكتب المتقدمة في شأن حقوق المصطفى وشمائله، وأما الكتب المتأخرة فهي كثيرة، ومن الكتب كتب الشمائل، وهي من أهم الكتب التي تبعث على محبة النبي ﷺ ، يعرف حاله في طعامه وشرابه ومنامه ويقظته، نعرف حلمه وكرمه وجوده وزهده، إلى آخر هذه الكتب الجامعة، ومنها (الأنوار في شمائل النبي المختار) للإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ﵀، وهو كتاب حافل في كل شمائل النبي ﷺ . وبالمناسبة فإن كتب الشمائل تذكر كثيراً من الأمور الملحقة بالنبي ﷺ ، يذكرون فيها نعل النبي ﵊، ودوابه، وسيوفه، ودروعه، وكل شيء متصل بالنبي ﷺ ، لماذا صنف العلماء ذلك؟ لأن هذا مقام مهم وقدر عظيم لابد أن نعرف قدره وأن ننتبه له. ومن الكتب الجامعة النافعة في هذا الباب كتاب (الشفا في حقوق النبي المصطفى)، للإمام المحدث العلامة القاضي عياض السبتي اليحصبي ﵀. ومن الكتب المعاصرة هناك عدة رسائل علمية، والرسائل العلمية فيها مادة دسمة وجيدة، وربما تصلح لبعض طلبة العلم وهي المرادة، ومنها (محبة الرسول ﷺ بين الاتباع والابتداع) لأحد طلبة العلم اسمه: محمد عبد الرءوف، وهناك (حقوق المصطفى ﷺ على أمته في ضوء القرآن والسنة النبوية) وهناك أيضاً (خصائص النبي ﷺ بين الغلو والجفاء). وهناك كتب أخرى كثيرة، وكتب الشمائل والسيرة كثيرة، وهي أكثر ما ألف في الإسلام قديماً وحديثاً.

стр. 913

قراءة الآيات التي فيها عتاب للنبي ﷺ السؤال نرى أن الغلو يبلغ مبلغه، وبعض الغلاة من أهل التصوف يرون أن محبة النبي ﷺ تقتضي عدم تكرير الآيات التي فيها عتاب من الله لرسوله ﵇، مثل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] أو: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]؟ الجواب من يقبل مثل هذا؟! فهذا قرآن يتلى، والرسول يتلوه ويأمر بتلاوته، والقرآن كلام الله ، فهذا كله لا يمكن أن يقبل. وأود أن أشير إلى قضية مهمة في الطرفين المذمومين، فبالنسبة لمن يبالغ ويخرج عن حد الاعتدال يسم غيره بقضية خطيرة جداً، وهي الاتهام بعدم المحبة للنبي ﵊، فحينما تقول -والعياذ بالله-: فلان لا يحب الرسول فمعنى ذلك خطير، قد تصل دلالة هذا المعنى إلى أنه قد خرج من الملة والإسلام كله؛ لأنه لا يكون مسلماً من لا يحب رسول الله ﵊، وقد رأيت بعيني وسمعت بأذني من يقول مثل هذا بتدرج يوهم فيه الناس أن هناك فئة من الناس يبغضون -والعياذ بالله- رسول الله ﵊ بحجج واهية، وهذا أمره يطول.

стр. 914

أسماء النبي ﷺ السؤال لماذا سمي رسول الله ﷺ أحمد ومصطفى، وهل صحيح أن له أسماء أخرى؟ الجواب لرسول الله ﵊ أسماء ثبتت بها الأحاديث الصحيحة، وذكرها ﵊ في ألقابه ﷺ .

стр. 915

دوام ذكر النبي جالب لمحبته السؤال هل دوام ذكر الرسول ﷺ يجلب محبته؟ الجواب نعم، وكذلك الصلاة عليه، وزيارة مسجد النبي ﵊، كل هذا يجلب محبته.
следующие страницы →