Полный текст (1 349 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الموطن الأول: حالة الفتنة
الحال الأول: حال الفتنة والشبهة، فعندما يأتي ليل الفتن وسيلها الجارف يحتاج المؤمن إلى ما يثبته، وهو هذا اليقين الذي يجعله لا ينجرف وراء الفتن ولا يذهب وراء كل ناعق، ويمسك بالمحجة البيضاء لا يميل عنها يميناً ولا شمالاً ولا يسلك بنيات الطريق ولا أبواباً مفتحة.
وهذا الحال يذكرنا بحالنا اليوم، فالفتن تزداد في آخر الزمان، وقد حدثنا الرسول ﷺ عن هذه الفتن فقال: (يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، فكم شاهدنا من الناس من نرى بحسب الظاهر -والسرائر علمها إلى الله- أنه يبيع دينه بعرض من الدنيا.
هذا من هذه الفتن التي حذرنا منها الرسول ﷺ ، فلذلك يجب على المسلم أن يستمسك باليقين، فإذا عرض عليه بيع دينه بأي ثمن تذكر أن هذا الدين هو هو، وأن بيعه له خسارة في الدنيا والآخرة، وأنه إن لم يسلك طريق إبراهيم فقد سفه نفسه كما شهد الله وهو عليم بذلك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].
ومن هنا فعليه أن يثبت وأن يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن ما كتب له لابد أن يناله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وليتذكر هذا عند كل الصدمات والأزمات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
فإذا جاءت أية نازلة وأية فتنة فإن أهل الإيمان يثبتون ويراجعون أنفسهم ويتذكرون أول ما يتذكرون اللجوء إلى الله والعلاقة به، ومن هنا لا يستفزون بهذه الفتنة فينجون منها: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 982
الموطن الثاني: وقت الموت
الحال الثاني الذي يحتاج فيه إلى اليقين: هو وقت الإدبار عن هذه الدنيا والإقبال على الآخرة، عندما تخور الجوارح وتضعف، فذلك مدعاة لضعف العقل والتصور، والإنسان في ذلك الوقت محتاج إلى ما يثبته وهو أحوج أحواله إلى اللطف، ولذلك قال خليل رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه هذا: (ونسألك اللطف والإعانة في جميع الأحوال وحال حلول الإنسان في رمسه.
فحال الانقطاع عن الدنيا والإقبال على الآخرة يحتاج فيه الإنسان إلى اليقين والثبات، ولذلك قال أحد سلفنا الصالح: أأرجع بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني هذا وقت الثبات.
فما يدل لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين فالثبات على ما جاء به النبي ﷺ وعدم تبديله وتحريفه بأي شيء يحتاج إليه الإنسان في وقت ضعفه وكبره وعجزه وانقطاعه عن الدنيا وإقباله على الآخرة.
أأرجع بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني
стр. 983
أمور يتحصل بها اليقين
فلذلك قال: (لكي تسير النفس مطمئنه) ماذا يلزمه؟ أن يمعن النظر في الدلائل، وإنما يحصل اليقين بأمرين: الأمر الأول: نظري.
والأمر الثاني: عملي.
فالأمر النظري: هو استعمال الدلائل؛ ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠].
والأمر العملي هو زيادة التقرب إلى الله تعالى لتأتي مواهبه التي وعد بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩].
فالإنسان محتاج إلى هذين الأمرين، ولذلك فالعلم كله ينقسم إلى علمين: - علم مكتسب، وهو: العلم الصادر عن طريق الدلائل.
- وعلم لدني، أي: موهوب من عند الله ، وهذا نتيجة العمل، فيوازي الإنسان بين هذين الجانبين، ويزيد علمه بالعمل فيتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، ويكثر من النوافل فيفتح الله له فتوحاً نافعة.
وكذلك يزيد علمه بالاستطلاع والدلائل ويهتم بهذا الجانب النظري أيضاً فلا يتكل على أحد الجانبين وحده بل يسير في خطين متوازيين لابد من اجتماعهما؛ لأن الإيمان قول وعمل، قول يشمل الاعتقاد، وعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فلابد من إمعان النظر في الدلائل.
والدلائل جمع دليل، والدليل في اللغة يطلق على المرشد، ومنه قول الشاعر: إذا حل دين اليحصبي فقل له تزود بزاد واستعن بدليل سيصبح فقيع أكتم الريش واقعاً بقال قلا أو من وراء دبيل فقوله: (واستعن بدليل)، أي: بمرشد في المتاهات والمسافات الشاسعة.
ويطلق كذلك على الأمارة، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٦]، أي: جعلنا الشمس عليه علامة، فإذا وجدت الشمس وجد الظل وإذا غربت عدم الظل.
وهو في الاصطلاح: ما يثبت الشيء، وللأصوليين والمناطقة اصطلاحات في تعريف الدليل، فالأصوليون يقولون: الدليل هو ما يحصل بصحيح النظر فيه العلم بمطلوب الخبر، وبعضهم يقول: ما يؤدي صحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والفرق بين التعريفين: أن التعريف الأول يقتضي أن الدليل هو ما أدى إلى القطع فقط، وغيرها لا تسمى دلائل وإنما تسمى أمارات، وهذا اصطلاح لبعض المتكلمين، فتقيد به بعض الأصوليين.
والقول الثاني أرجح وهو: أن الدليل هو ما يؤدي صحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري سواء كان ذلك باليقين أو بالظن.
وقولنا: (ما يؤدي)، أي: بعد الأخذ به، فالدليل سابق على المدلول، فإذا كنت تريد معرفة حكم شرعي، فاعلم أن الآية قد نزلت، وأن الله قد أمر بهذا، فأمر الله المنزل من عنده هو الدليل، وهو سابق على المدلول وهو معرفتك أنت بالحكم الذي طلب منك.
فمثلاً: وجوب الوضوء مطلوب خبري، والمطلوب معناه: ما يتعلق به الطلب، وهو الذي يكون قبل الاستدلال دعوى ووقت الاستدلال مطلوباً وبعد الاستدلال نتيجة؛ لأنه نتيجة الدليل، فله ثلاثة أحوال: قبل الاستدلال.
ووقت الاستدلال.
وبعد الاستدلال.
فهذا هو الذي يسمى مطلوباً، وهو إما أن يكون إنشائياً وإما أن يكون خبرياً، فالإنشائي تنطلق فيه من نفسك ولا تحتاج فيه إلى غيرك؛ لأنه إيقاع توقعه مثل: بعت واشتريت وأعتقت.
والخبري المنسوب إلى الخبر، والخبر هو ما يقبل الصدق والكذب لذاته، أي: يمكن أن يكون صادقاً ويمكن أن يكون كاذباً لذاته بخلاف الإنشاء، فهو لا يقبل الصدق والكذب لذاته ولا يسمى خبراً، لكن إن كان الخبر لا يقبل الصدق والكذب لكن لا لذاته بل للمتكلم به ككلام الله تعالى، والخبر من رسوله ﷺ ، فهذا لا يقبل التكذيب أبداً بل هو صدق قطعاً؛ لكن عدم قبوله للكذب ليس راجعاً إلى ذات الخبر وإنما هو راجع إلى المتكلم به، وهكذا.
стр. 984
أقسام الدلائل
والدلائل تنقسم إلى قسمين: - دلائل نقلية.
- ودلائل عقلية.
والدلائل العقلية مقدمة على الدلائل النقلية من ناحية التصور؛ لأن الإنسان قبل أن يصدق بالنقل لابد أن يعتمد على قناعة عقلية به، فمن لم يصدق بصدق رسول الله ﷺ ورسالته لا يمكن أن يقتنع بالقرآن أو بالحديث، لكن إذا اقتنع عقلياً بالمعجزة وبصدق النبي ﷺ يكون الدليل النقلي حينئذٍ مجبراً له، ومن هنا فالدليل العقلي مقدم على الدليل النقلي في التصور؛ لأنه لا يمكن أن ينطلق الإنسان من مجرد النقل دون أن يعتمد على عقل في إثبات أصل النقل؛ لأن النقل مبني على العقل.
والدلائل النقلية تشمل التفكر بالآيات المسطورة والأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ ، وكذلك عن أقوال الراسخين في العلم والمتفقهين فيه الذين كلامهم نور على نور يشرح ويبين مراد الله ومراد الرسول ﷺ .
والدلائل العقلية هي: التفكر في آيات الله المنظورة كالنفس، والسماء والأرض وما بينهما، هذه آيات الله المنظورة: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ [الذاريات:٢١]، فأول ما يتفكر فيه الإنسان أن يتبصر في نفسه، ثم في السماوات والأرض وما بينهما: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦].
ويروى أنه قيل لأعرابي: بما عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟! فاستفاد هذا الأعرابي من الآيات المنظورة فهداه ذلك إلى القناعة بالآيات المذكورة، ولهذا قال: (أن يمعن النظر في الدلائل).
стр. 985
إمعان النظر في الدلائل
والنظر المقصود به: التفكر في المعقولات، فالنظر هو إعمال النفس، وإعمال النفس ينقسم إلى قسمين: إما أن تعمل في الحسيات التي يدركها البصر أو السمع أو الذوق أو الشم أو اللمس، وهذا يسمى تخيلاً، أو أن يتعلق بالمعنويات وهي المعقولات التي يتعلق بها العقل ولا تتعلق بها الحواس، وهذا الذي يسمى فكراً، فهذا الفرق بين التفكر والتخيل، فالتخيل يقع في المحسوسات والتفكر في المعقولات.
стр. 986
أقسام النظر في الدلائل
والنظر ينقسم إلى قسمين إلى: - نظر صحيح.
- ونظر فاسد.
فالنظر الصحيح هو ما تعلق بالشيء من جهة الاستدلال به، فإذا نظرت، وكنت تريد عملاً بخشبة، وتريد أن تعمل بها سريراً مثلاً، فمن أي وجه تنظر؟ هل تنظر في قدمها وبقائها أو في ملكها أو نحو ذلك؟ هذا النظر فاسد؛ لأنه في غير الوجه الذي ينفع، لكن إنما تنظر في ليونتها وقسوتها، وخشونتها وملوستها، واستقامتها واعوجاجها، وصلابتها وضعفها، لأن هذه هي الجهة التي تنفعك منها.
كذلك النظر لا يكون صحيحاً إلا إذا كان في الوجه الذي يؤدي إلى المقصود، فإن كان النظر في وجه لا يؤدي إلى المقصود كان نظراً فاسداً، وإعمال النظر يتفاوت الناس فيه بقدر ما آتاهم الله من الملكات والفهم، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، فكل إنسان مخاطب على مقتضى عقله لا على مقتضى عقول الآخرين، وما أداه إليه عقله فقد قامت الحجة به عليه، ولهذا قال: (أن يعمل النظر)، أي: نظره هو.
و (أل) هنا نابت عن الضمير فـ (أل) تخلف الضمير كثيراً، ومن ذلك: حكايته ﷺ في حديث أم زرع: (زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب)، معناه: مسه مس أرنب وريحه ريح زرنب، ولذلك جاز الإخبار بالمس عن الزوج، والخبر لابد أن يكون فيه رابط يربطه المبتدأ، ولو كانت (أل) هنا ليست في معنى الضمير لكان الخبر منفصلاً عن المبتدأ تماماً.
ما علاقة المبتدأ بالخبر في قولها: (زوجي المس مس أرنب).
لو لم تكن أل هنا بمعنى الضمير لكان الخبر منفصلاً عن المبتدأ.
فكذلك هنا (أن يمعن النظر في الدلائل) معناه: أن يمعن نظره الذي آتاه الله، ولا يجب عليه إعمال نظر الآخرين ولا تتبعهم فيما يتطرقون إليه من أنواع النظر، فكل يخاطب على قدر ما آتاه الله.
стр. 987
أقسام الفاعل من ناحية التقسيم العقلي
قوله (ويستدل لوجود الفاعل)، فأول ما يتعلق به النظر: أن يستدل لوجود الفاعل، أي: لوجود الله ، وكنى عنه هنا بالفاعل؛ لأنه هو الفاعل بالاختيار، والفاعل، أي: الذي يحدث فعلاً.
والفاعل من ناحية التقسيم العقلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - الفاعل بالاختيار، وهو: الذي لا يتوقف فعله على وجود شرط ولا على انتفاء مانع، وهذا هو الله وحده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فلا يتوقف فعله على الشروط ولا على انتفاء الموانع، يحدث الشيء دون سببه، ويمكن أن ينبت النبات دون مطر، يمكن أن يخلق إنساناً من غير أب ولا أم وأن يخلقه من غير أب، وأن يخلقه من غير أم وهكذا، إذاً: فعله لا يتوقف على الشروط ولا على انتفاء الموانع.
- النوع الثاني من أنواع الفاعل: الفاعل بالطبع، وهو الذي يتوقف فعله على الشروط وانتفاء الموانع، وذلك مثل فعل الإنسان في حركته وسكونه، ففعله يتعلق بالأسباب، فكل سبب يؤدي إلى شيء آخر وراءه كتحريك مقود السيارة الذي تمسكه بيدك وذلك يحرك شيئاً آخر، وذلك يحرك شيئاً آخر حتى تتحرك السيارة بكاملها، أو الضغط على البنزين فإنك لا تصبه مباشرة في مكان المناسب ولكنك تضغط على الذي يليك وذلك يضخ في مكان آخر وهكذا حتى يصل الزيت إلى مكان النار.
فأفعالك إذاً مرتبطة بحصول الشروط وانتفاء الموانع، ومثل هذا الإحراق في النار شرطه الاتصال، فمثلاً: النار ما لم يلامسها الشيء لا تحرقه، وإذا كانت النار هناك وأنت هنا لا تحرقك قطعاً؛ لأن الشرط قد انتفى، وكذلك مقيد بعدم حصول الموانع، إذا كانت المادة نفسها غير قابلة للاحتراق فوضعت على النار فإنها لا تحترق، أو عزلت بعازل حراري فلا تحترق.
إذاً: الفاعل بالطبع مشروط بحصول الشروط وانتفاء الموانع.
- النوع الثالث: الفاعل للعلة، وهو الذي لا يتوقف فعله على الشروط ولا على انتفاء الموانع ولا على الاختيار، وإنما يرتبط فعله بفعل آخر كحركة الخاتم لحركة الأصبع، والخاتم في الأصبع كلما تحرك الأصبع لابد أن يتحرك الخاتم عقلاً، ولا يمكن أن يتصور العقل أن الأصبع يتحرك ولا يتحرك الخاتم، لكن الخاتم ما له اختيار الحركة، ولا تتوقف حركته هنا على شرط ولا على انتفاء مانع؛ لأنها تابعة لغيرها بالكلية.
فالاستدلال لوجود الله سابق على الاستدلال بغير ذلك من صفاته وعلى الاستدلال للنبوة، وعلى الاستدلال لصدق نبوة الرسول ﷺ ، وذلك سابق على الاستدلال على جزئيات ما جاء به من الشرع كالطهارة والصلاة والصيام وكترك المحرمات وغير ذلك، فكل هذه الأمور متدرجة.
стр. 988
طرق المعرفة
بماذا يستدل لوجود فعال؟ طرق المعرفة ثلاثة هي: - العيان وهو: المشاهدة.
- أو المثال وهو: النظير، أي: أن تقيسه على نظيره.
- والآثار، وهذا القسم الثالث.
والله يستحيل أن تعرفه في هذه الدنيا عن طريق العيان لقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣].
ويستحيل في حقه كذلك المثال؛ لأنه يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلا يمكن أن يقاس على أي شيء، وكل ما سواه فهو مغاير له مخالف له، فلم يبق إلا معرفته بفعله وآثاره.
يقول أحد العلماء وهو محمد الفالو المتالي ﵀: وطرق المعرفة الكبار عيان او مثال او آثار فأول منعه الجبار إذ قال لا تدركه الأبصار والثاني أيضاً منعه بالنقل لأنه ليس له من مثل لم يبق بعد ذا سوى آثار قدرته في العالم السيار ترى آثار قدرته في هذا العالم المتحرك كله، وهذا دليل على وجوده.
قوله: (ليحصل اليقين له)، هذا هو المقصد وهو الهدف وهو أصل كل شيء، فإذا حصل اليقين بقذف قذفه الله في قلب العبد لم يحتج بعد هذا إلى النظر في الدلائل، لكن قبل أن يحصل له اليقين لابد أن يبحث في الدلائل، وهذا اليقين منحة ربانية ثمينة يهبها الله تعالى لمن يشاء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، وهذه الآية تضمنت نوعين من أنواع الناس: النوع الأول: الذين يجتبيهم الله تعالى ويختارهم فيقذف في قلوبهم اليقين والهداية ولا يستطيعون الممانعة، وتنقاد نفوسهم لذلك طائعة مطمئنة.
والنوع الثاني: الذين يجاهدون ويكابدون ويستمرون في العمل ثم يتقبل الله منهم ويهديهم، ولهذا قال: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى:١٣]، هؤلاء لا تتوقف هدايتهم إلا على مشيئة الله: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، من أناب وتاب وعمل الصالحات يهديه الله تعالى، فهذان صنفان من أصناف عباده.
وقسمة ذلك تابعة لقدره لا يمكن أن يتدخل فيها الناس، ولا يمكن أن يعترض عليه أحد من خلقه بأي شيء؛ لأنه فعال لما يريد: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، فلا يقال (لم؟) في حق الله ، فالسؤال في مثل هذا مرفوع عنه، ولذلك فقد يخرج من البطن الواحد مسلم وكافر.
بل قد يكون الأخوان الشقيقان أحدهما هو أول من يأخذ كتابه بيمينه والآخر هو أول من يأخذ كتابه بشماله، فـ أبو سلمة بن عبد الأسد وأخوه الأسود بن عبد الأسد شقيقان، الأسود قتل يوم بدر كافراً، وروي أنه أول من يأخذ كتابه بشماله، وأبو سلمة أسلم قديماً بمكة وأوذي في الله وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة ومات في المدينة مع رسول الله ﷺ ، وروي أنه أول من يأخذ كتابه بيمينه وهما أخوان شقيقان، فلله الحكمة يفعل ما يشاء ويختار.
والمقصود من قوله: (بفعله)، أي: بأفعاله كلها، وهذا من إضافة المفرد إلى الضمير وإضافة المفرد إلى الضمير تقتضي عمومه كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فالمقصود هنا العموم لا خال واحد، ولا عم واحد، وكذلك قول الشاعر: بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب فلا يقصد جلداً واحداً؛ لأن الحيوانات الحسراء، أي: التي ماتت من الجوع والجهد والضنك، لا يمكن أن يكون لها جلد واحد، بل كل بهيمة لها جلد مستقل (فأما عظامها فبيض وأما جلدها -أي: جلودها- فصليب)، الصليب هنا فعيل يوصف به المفرد والجمع والمثنى وغير ذلك، ومنه: خبير بنو لهب فلا تك ملغياً مقالة لهبي إذا الطير مرت وأيضاً: يعادين من قد بدا شيبه وهن صديق لمن لم يشب وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، ففعيل يوصف به المفرد والمثنى والجمع.
стр. 989
أقسام أفعال الخالق
وأفعال الله تنقسم إلى قسمين: - أفعال مباشرة: كخلق السماوات والأرض.
- أفعال تمر بالأسباب فيسبب تلك الأسباب التي يتوقف عليها غيرها، كخلق الإنسان، فهو يمر بالأسباب التي بينها بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤]، وكالصحة والمرض، والغنى والفقر وغير ذلك، فهذه لها أسباب، وهذه الأسباب تنقسم إلى قسمين إلى: أسباب كونية.
وأسباب شرعية.
فالأسباب الكونية: كالتغذية للنماء، والعلاج للبرء، ونحو ذلك.
والأسباب الشرعية: كالصدقة للغنى ولطول العمر، ولرفع البلاء، وكالدعاء وصلة الرحم، فهذه أسباب شرعية لا يمكن أن تقاس بالمعايير الدنيوية.
بفعله ليحصل اليقين له أن له رباً كريماً عدله فالدلائل ستوصله إلى معرفة صفاته، وهذا هو القدر الممكن من التعرف إليه، وإنما تعرفه بأفعاله وصفاته وأسمائه، فإذا عرفت ربك بأفعاله وصفاته وأسمائه اقتضى منك ذلك عبادته حق عبادته وتمجيده، وإجلاله وتعظيمه والأدب معه، والعمل بما شرع لك، والرغبة فيما عنده والتوكل والاعتماد عليه في كل الأمور، وأن تستحي منه في تصرفاتك، فهذا مقتضى معرفته، وإلا لم تحصل لك محبة الله، ولا خوفه، ولا رجاءه، ولا شكره، ولا هيبته، ولا الحياء منه، ولا أية صفة من هذه الصفات.
ومن هنا فالذين يقرءون العقائد دون أن يتدبروا أهدافها تكون في حقهم قسوة للقلوب، وطلاسم وألغازاً، أو نصوصاً تحفظ دون أن يفهم ما وراءها، ودون أن يتأثر بها باطن الإنسان، وهذا مخالف للمقصد والهدف.
قوله: (ليحصل اليقين له أن له رباً) هذا أول ذلك، فمن صفاته: الربوبية، والربوبية هو التوصيل إلى الكمال شيئاً فشيئاً، وهي الملك والقهر والجبروت، وقد سبق ما يتعلق بذلك من توحيد.
ثم قال: (كريماً)، وهذا شروع في عد بعض صفاته الأخرى، فمنها صفة الكرم، وهي تشمل أمرين: الأمر الأول: الكمال في الذات، ومعناه: أنه متصف بكل وصف الكمال، وهذا معنى الكرم.
المعنى الثاني: التفضل والجود، وهذا أيضاً داخل في معنى الكرم ويسمى فضلاً أيضاً.
وقوله: (عدّله)، إذا عرف الإنسان ربه عرف نفسه، وعرف أنه هو الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، وأنه هو الضعيف المحتاج الفقير، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]، فلا تعرف هذا إلا بإعمال الدلائل.
وهنا قراءتان في هذه الآية: (عدّلك) أو (عدَلك) ومعناهما واحد.
أي: سواك وركب أعضاءك وجعلها متقابلة، فطول اليدين متساوٍ وطول الرجلين متساوٍ ولو حصل نقص أو ميل في إحداهما لحصل الاختلال بالكلية.
وكذلك (عدلَك)، أي: جعلك معتدلاً في هيئتك فاليمين مناظرة للشمال، وهكذا في بواطنك وظواهرك، وهذا كله من آيات الله العجيبة، والبراهين الدالة على إحكام صنعته، وكمال قدرته وعلمه وإرادته، لذلك قال: (أن له رباً كريماً عدله) أو عدّله، ويمكن في البيت التضعيف والتخفيف تبعاً للقراءتين في السورة الكريمة.
стр. 990
الأسئلة
стр. 991
الكلام الذي يقبل الصدق والكذب
السؤال
أريد أن تذكر أمثلة على الكلام الذي يقبل الصدق والكذب.
الجواب
ذكرنا أن الكلام قد يقبل الصدق والكذب لذاته، ولكنه لأمر خارج عن ذاته لا يقبل الصدق والكذب، والسؤال هنا عن أمثلة لذلك.
فمن أمثلته: كلام الله، فكلام الله صدق كله، لكن لو جاء ما فيه من الخبر ولم يكن الذي تكلم به هو الله لكان قابلاً للتكذيب، لكن بعد أن تكلم الله به اقتضى العقل والنقل والفطرة تصديقه وعدم تكذيبه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
ثانياً: كلام رسوله ﷺ ، فإن المعجزات اقتضت من العقول أن تؤمن بصدقه، وكذلك الوحي فالخبر بتصديقه من عند الله ، وأنه أمينه على وحيه يقتضي صدقه في كل ما أخبر به، فلو لم يتكلم الرسول ﷺ بهذا الكلام الذي هو خبر، لكان العقل يبيح أن يكون صدقاً وأن يكون كذباً، لكن بعد أن تكلم به الرسول ﷺ لم يبق مجالاً إلا لتصديقه عقلاً ونقلاً وفطرةً أيضاً.
القسم الثالث: ما صدقه الله أو رسوله ﷺ ، فما صدقه الله مثل قوله تعالى في تصديقه لملكة سبأ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، فهذا الكلام كان قابلاً للصدق والكذب قبل أن يصدقه الله، لكن بعد أن صدقه الله لم يعد قابلاً لذلك.
أو صدقه رسوله ﷺ كحديث أبي هريرة حين أتاه الشيطان فأخبره أن آية الكرسي من قرأها في ليلة لم يقربه شيطان وكان عليه من الله حافظ، فهذا الكلام قبل أن يصدقه النبي ﷺ كان قابلاً للصدق والكذب، لكن قال النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب)، فوجب صدقه.
القسم الرابع: ما تواتر نقله، فالمتواتر يحصل اليقين بصدقه؛ لأن العدد الكبير الذين لا يجمعهم هدف ولا مكان ولا سن إذا أخبروا عن مشاهد محسوس قد رأوه أو سمعوا من مثلهم يستحيل تواطؤهم على الكذب في العادة، فيحصل اليقين بصدق ذلك، لكن هذا التواتر خارج عن الخبر، فأنت حصل لديك اليقين بوجود البيت الأبيض الأمريكي وإن كنت لم تشاهده، لكن لا تستطيع إنكاره اليوم، فأنت موقن بوجوده، وحصل لك اليقين بوجوده وهو خبر لا لأن الله تكلم به، ولا لأن الرسول ﷺ تكلم به، ولا لأنه جاء تصديق ذلك بالوحي، لكن بالتواتر، فقد تواتر عندك فلا تستطيع تكذيب ذلك، لكن الخبر قبل أن يتواتر كان قابلاً للصدق والكذب.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 992
أقسام النفس الكافرة
السؤال
ما هي أقسام النفس الكافرة؟
الجواب
النفس الكافرة تنقسم أيضاً إلى ثلاثة أقسام إلى: - نفس ميتة.
- ونفس مريضة.
- ونفس على الفطرة.
النفس الميتة هو الكافر الذي قد طبع على قلبه ولا يمكن أن يهتدي، وسبقت له سابقة الشقاوة، نسأل الله السلامة والعافية، أي: لو رأى كل آية لا يمكن أن يؤمن.
والنوع الثاني: النفس المريضة، وهو الكافر الذي قد رين على قلبه، فيمكن أن يكون من المؤلفة قلوبهم ويعطى على الإسلام.
والقسم الثالث الذي هو على الفطرة، وهو من وجد آباءه يقولون شيئاً فقاله، ولكن إذا سمع الحق استجاب له إذا هداه الله لذلك.
стр. 993
أول واجب على الإنسان
السؤال
ما هو أول واجب على الإنسان؟
الجواب
ذكرنا أنه يجب عليه النظر، لكن لم يتعلق كلامنا: هل هو أول ما يجب عليه أو دون ذلك؟ وهذا محل خلاف طويل بين أهل العلم في أول واجب على المكلف، وهذا الخلاف نظراً لما طرحه السيوطي ﵀ فقال: أول واجب على المكلف معرفة الله وقيل الفكر في دليله وقيل الأول النظر وقيل قصده إليه المعتبر وهذه كلها أقوال لأهل العلم لكن مفادها واحد.
المهم أن أول الأمر هو الإيمان، وهذا الإيمان يترتب على مراحل قبله لا يحصل اليقين إلا بالدخول فيه، كذلك فإن الإيمان لا يتم إلا بعد حصول القناعة بأن الإيمان ليس شيئاً يأتي في لحظة واحدة أو طرفة عين أو بمجرد النطق، بما أنه شعب كثيرة، فهو أول واجب لكنه مع هذا متفاوت متدرج.
ولهذا قالت طائفة: (أول واجب على المكلف معرفة الله)، وهذا لا شك أنه أعظم واجب، لكن هل هو أول ما يوجه إليك الخطاب به؟ هذا هدف، والهدف لابد قبله من وسائل.
(وقيل: التفكر في دليله)، أي: قالت طائفة من أهل العلم: أول واجب على المكلف هو التفكر في دليل وجود الله؛ لأنه هو الذي يقود إلى الإيمان والإيمان يقود إلى اليقين.
(وقيل: الأول النظر)، أي: وقالت طائفة: بل الفكر مرحلة متقدمة يسبقها النظر، فهو أول واجب، هذا على القول بتجزئة التفكير، ويدل لهذا آيات سورة الطور، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٢٩ - ٣٤]، إلى آخر الآيات.
قد سبق بيان مراتبها في درس ماض، وبيان أن كل دليل من هذه ينبني عليه ما بعده، بإعجاز عجيب جداً.
(وقيل: قصده إليه معتبر)، هذا هو القول الرابع: أن مجرد نية التفكر هو أول واجب؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، فلو حصل التفكر دون نية له لم يكن واجباً.
هذه الأقوال مردها إلى شيء واحد، ونحن لم نخض في هذه؛ لأن الشيخ ما تعرض لها هنا، وهي مسألة كلامية في الواقع لا يمكن حسمها بسهولة؛ لأن كل قول عليه أدلة، والأقوال كلها في معناها متقاربة.
وبالنسبة لمن يقول: هذا الكلام مصطلحات ما عرفها السلف، يقال له أيضاً: حتى كلمة (مصطلح) التي ينطقها ما عرفها السلف، وحتى كلمة (السلف ما عرفوها)، كل هذه مصطلحات، والكلام لابد فيه من هذا وهو سنة الله الكونية في الكون كله.
وبالنسبة للواجبات لاشك أن الله فرض فرائض وأوجب واجبات، ولاشك أن هذه متدرجة متفاوتة، ولاشك أن دخولك في الإيمان ونطقك بالشهادتين موجب عليك حقوقاً، وهذه الحقوق متدرجة مترتبة، لكننا في الصلاة نعرف أول واجب منها، على الخلاف فيه أيضاً، فما هو أول واجب منها؟ أول واجب منها تكبيرة الإحرام، وهذا القول قال به بعض أهل العلم لكن أنكر عليه بأنه يجب القيام قبلها؛ لأن التكبيرة لابد أن تكون بعد القيام، والنية مصاحبة لها؛ لأن النية مع نفس التكبير، وقالت طائفة أخرى: الواجب غير تكبيرة الإحرام، وهو الطهارة، والطهارة ما هي الواجبة منها؟ هل هي الوضوء؟ فأول واجب منها: غسل الوجه، وقالت طائفة: بل الاستنجاء والاستجمار واجب سابق عليه، وهكذا.
إذاً: الأقوال مثل هذه وترتيبها مثل ترتيبنا نحن للفقه، وما عرفه السلف، ولا عرفوا أن باب الطهارة قبل باب المواقيت، وأن باب المواقيت قبل باب فرائض الصلاة، وأن باب فرائض الصلاة قبل استقبال القبلة وهكذا هذه ما عرفها السلف، لكن لا نستغني نحن عن هذا، ومن أنكر هذا الترتيب فيما يتعلق بأول واجب على المكلف ينبغي أن ينكر أيضاً الترتيب بين أبواب الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة والحج والصوم؛ لأن مجرد أن السلف ما عرفوا هذه ليس حجة، وارجع أنت إلى حياتهم وكن في عصرهم واترك عنك حتى ما توصل إليه العلم الحديث وما توصلت إليه الدنيا السائرة كلها، وارجع إلى هناك فانظر هل تحتاج إلى مثل هذا أو لا؟ لكن الاختراع وليد الحاجة، والزمن مستمر متقدم وقطاره منطلق، وكل عصر يحتاج أهله إلى كثير من الأمور لا يحتاج إليها من سبقه.
وبالنسبة لترتيب الواجبات وكذلك ترتيب العلوم، هو من الوسائل المتخصصة التي تبقى لأهل الاختصاص وإنما يبحثها طلاب العلم وأهله فقط، أما بالنسبة لمن يدعى إلى الإسلام فلا يقال له أولاً: لابد أن تنوي الدخول في الإسلام، ولابد أن تنوي الاغتسال، ولابد أن تنوي الصلاة، بل نجعله يصلي أولاً في البداية حتى لو كانت الصلاة باطلة في حق غيره، ولذلك يتجاوز عن الشخص الحديث عهد بالإسلام حتى في مسائل العقائد.
ولما تزوج منظور بن زبان بن سنان بزوجة أبيه مليكة في خلافة عمر، ورفع الأمر إلى عمر سأله: هل قرأت عليك سورة النساء؟ فقال: لا.
فحلفه خمسين يميناً ما سمع سورة النساء، وفيها قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢]، ثم رفع عنه الحد بذلك، ولذلك فحديث العهد بالكفر يعفى عنه في بعض الأمور فقط، ولهذا قال النبي ﷺ : (لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم)، ولذلك فإن منظور بن زبان بن سنان يقول: ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهر إذا منعت مني مليكة والخمر
стр. 994
أولية الله وحدوث الخلق
الله تعالى هو خالق الخلق من عدم، وقد كان الله ولا شيء سواه، فله الأولية المطلقة التي لم تسبق بعدم، كما أن له الأسماء الحسنى التي أصلها ومرجعها لفظ الجلالة، وله الصفات العلا المنزهة عن كل نقص وتشبيه.
стр. 995
معنى العقائد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول الشيخ حفظه الله تعالى: (العقائد).
والعقائد جمع عقيدة، وهي ما يعتقده الإنسان، أي يجزم به جزماً لا يقبل الشك، والمقصود به أن هذه الأمور المذكورة هنا أكثرها أمور نصية جاءت في القرآن أو في السنة، فمن عرف أنها نصية وجب عليه الإيمان بصدقها وصحتها، ومن لم يعرف ذلك ولم يسمعها فهو غير مطالب إلا بالأصول الستة التي هي أركان الإيمان، فلا يطالب الإنسان بمعرفتها تفصيلاً إلا إذا سمع الوحي الذي نزل فيها، ومن هنا فإن كثيراً من الصفات التي تسمعونها هنا إنما جاءت في أحاديث آحاد ولم يعلّمها الرسول ﷺ لكل الأمة.
وكذلك بعض العقائد التي هي معروفة لدينا اليوم كانت في زمان رسول الله ﷺ لا يعرفها إلا قلائل.
فمثلاً: عذاب القبر من هذه العقائد التي يجب الإيمان بها، لكنه قد ثبت في الصحيحين أن عائشة ﵂ على قربها من رسول الله ﷺ لم تكن تعلم عذاب القبر، حتى جاءت امرأة من اليهود فاستعاذت من عذاب القبر فأنكرت عليها عائشة، فسألت رسول الله ﷺ فأخبرها أن عذاب القبر حق.
ولم يخبر الرسول ﷺ عامة الناس بعذاب القبر إلا في خطبته عندما كسفت الشمس عند موت إبراهيم، وهذا أمر متأخر جداً، ففي حديث أسماء في الصحيحين أنه ذكر في خطبته عند كسوف الشمس عذاب القبر، وفتنة القبر، فقال: (إنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريباً من- فتنة المسيح الدجال -لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقال للرجل: ما ربك، وما دينك، وما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، والمبعوث فينا محمد ﷺ ، هو محمد هو محمد هو محمد -ثلاثاً- جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا يدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: هاه هاه لا أدري، كنت سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقولان له: لا دريت ولا تليت، ويضربانه بمرزبة معهما لو اجتمع عليها أهل منىً ما أقلوها).
وفي رواية في الصحيحين: (ويضربانه بين قرنيه) وفي رواية: (ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الإنس والجن).
فعلم الرسول ﷺ هذا عامة الناس، وهذا فيه إثبات لفتنة القبر ولعذاب القبر؛ ومن فتنة القبر ذكر السؤال والامتحان، وفي عذاب القبر ذكر هذه الضربة التي يصيح منها صيحة يسمعها من يليه إلا الإنس والجن، وهي من عذاب القبر.
وكذلك فإن رسول الله ﷺ قال في مجلس من أصحابه: (إن الله يضحك إلى المصلي في جوف الليل فقال رجل: أويضحك ربنا ؟ قال: نعم.
فقال: لا يعدم عبد من رب يضحك خيراً)، فدل هذا على أن بعضهم لم يكونوا يعرفون أن صفة الضحك ثابتة لله ، ونظير هذا كثير في الأحاديث الصحيحة.
стр. 996
الكلام على لفظ الجلالة
ابتدأ الشيخ هذه العقائد بذكر اسم الله الذي يدل على ذاته وجميع صفاته وهو الله، وهذا الاسم يدل على الذات وجميع الصفات.
стр. 997
اشتقاق لفظ الجلالة
وقد اختلف فيه هل هو من العربية أو من غيرها: فقالت طائفة من أهل العلم: ليس من العربية، بل هو اسم لله بكل اللغات، ولكن هذا لا يناسب؛ لأنه عرف في كثير من اللغات إطلاق اسم على الله غير هذا الاسم، ولا يعرف كثير من أصحاب اللغات هذا الاسم، لكن يمكن أن يقصر على اللغات السامية مثلاً، فهو معروف بالعبرية والعربية وغيرها من اللغات السامية.
وعلى أنه من العربية اختلف فيه: هل هو مشتق أو مرتجل: فقالت طائفة من أهل العلم: هو مرتجل لأن صورته ليست على صورة الأسماء المشتقة؛ لأن الأسماء المشتقة إما مصدر أو اسم فاعل أو اسم مفعول، أو صفة مشبهه أو أفعل تفضيل أو وزن مبالغة، وليس هذا الاسم شيئاً من ذلك.
لكن قالت طائفة: هو إله عرّف بأل.
وهذا غلط من ناحية التصريف؛ لأن إلهاً إذا عرف بأل قيل فيه الإله ولم يقل فيه الله، لكن قيل: حذفت الهمزة لصعوبتها في النطق، ولا شك أن الهمزة يقع التكلف في النطق بها، ولهذا من العرب من يبدلها هاءً، كما في قول الشاعر: ألا يا سنا برق على قلل الحمى لهنك من برق علي كريم ولذلك يقول الناظم ﵀: والهمز في النطق به تكلف فسهلوه تارة وحذفوا وأبدلوه حرف مد محضا ونقلوه للسكون فهذا يدلنا على صعوبة النطق بالهمزة، ولذلك إذا حذفت الهمزة فيقال: (الله) لأن (أل) ستدغم بلام إله فيكون الله.
وعلى كل فإن كان مشتقاً فإما أن يشتق من (لاه) بمعنى احتجب لأنه لا تدركه الأبصار، وفي هذا يقول الشاعر: لاهت فما عرفت يوماً بخارجة يا ليتها برزت حتى عرفناها لاهت: أي احتجبت، أو أن يكون بمعنى أن (الله) ارتفع، ومنه قيل للشمس (إلهة) قال الشاعر: تروحنا من الدهناء عصراً وأعجلنا الإلاهة أن تغيبا وقيل من (أله) إليه، بمعنى لجأ إليه، لأنه الملجوء إليه في كل الأمور، ومن هذا قول الشاعر: ألهت إليكم في أمور تهمني فألفيتكم فيها كراماً أماجدا وقيل: هو من أُله إلهة كعبد عبادة وزناً ومعنى، ولكن الراجح أن هذه الكلمة ليست من أصل العربية، وإنما هي مشتقة من الإله.
стр. 998
لفظ الجلالة من أعظم أسماء الله
وعلى كل فإنه لم يرد في القرآن من أسماء الله الحسنى المستعملة استعمال الأسماء إلا الله أو الرحمن فقط، وبالنسبة لبقية الأسماء فإنما جاءت مستعملة في القرآن استعمال الصفات، وكذلك في السنة.
فمثلاً جاء هذا الاسم فاعلاً بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] وجاء مبتدأً: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وكذلك جاء في محل نصب عن المفعولية في قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
وكذلك الرحمن استعمل استعمال الأسماء في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وفي قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ولم يرد استعمال غير هذين الاسمين استعمال الأسماء في القرآن كله ولا في السنة.
فدل هذا على أن هذين الاسمين من أعظم أسماء الله ، ولهذا أتى بهذا الاسم مبتدأ هنا وأخبر عنه بكل ما يأتي من الصفات فقال: (الله حق).
و (حق) بمعنى موجود ثابت، ويعبر عنها في الكلام بالموجود، لكن لم ترد النصوص بإطلاق (الموجود) على الله، وإنما أطلق الفعل: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] لكن لم يرد لفظ (الموجود) في النصوص مطلقاً على الله ، فلذلك اختار هذا الألفاظ الواردة في النصوص.
стр. 999
ذكر أسماء الله الحسنى
قال الناظم: (الله حق) والله تعالى يقول: ﴿وأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥] وقد عد الحق في الأسماء التسعة والتسعين، كما في حديث أبي هريرة في الترمذي وابن خزيمة والمستدرك.
(إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت -وفي رواية المغيث- الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب -وفي رواية: القريب- المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين - وفي رواية: المبين- الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور).
стр. 1000
معنى الحق في أسماء الله
قوله: (حق) المقصود بها ما يشمل أمرين: فالحق يطلق على الصدق الثابت المقابل للكذب، فيقال: حق قوله، بمعنى صدق، ويقال: حق الأمر، بمعنى استقر، وكلاهما مقصود بالمعنى، فالحق يطلق على خلاف الكذب وهذا إنما هو في الأخبار، ولكن المقصود أن الأخبار الواردة عن الله تعالى وفي وصفه حق.
ويطلق على المستقر، والمقصود بذلك وجوده وعدم تغيره فلا تعروه الحوادث والآفات، ولا تحل به السنة ولا النوم، فهو حي قيوم دائم على ما عليه كان قبل أن يخلق الخلق.
ومن المناسب أن يذكر هذا الوصف خبراً عن لفظ الله ؛ لأنه أيضاً يتضمن كثيراً من صفاته سبحانه، فيتضمن القومية والدوام والبقاء والملك والجبروت وغير ذلك من الصفات.
стр. 1001
الكلام على أولية الله تعالى
стр. 1002
تقسيم الزمان إلى وهمي وحقيقي
قوله: (أول): أتى بهذه الصفة وهي الأولية، ومعناها: نفي العدم السابق للوجود، ولا يقصد بها أنه أول شيء سيسترسل وراءه ما بعده، فالمقصود أنه لم يمض زمان إلا وهو موجود فيه.
والمقصود (بالزمان) هنا ما كان حقيقياً وما كان وهمياً، فالزمان ينقسم إلى قسمين: إلى زمان حقيقي وهو منذ خلق الله السماوات والأرض إلى أن ينتهي الزمان.
والقسم الثاني: الزمان الوهمي والمقصود به ما نتصوره نحن زماناً وليس زماناً، وهذا ما قبل خلق العالم فإنه يسمى أزلاً والأزل أزمنة متوهمة لا يطلق عليها زمان في الواقع؛ لأن الزمان هو اسم للوحدات المعروفة بالليل والنهار، وما كان قبل خلق السماوات والأرض ليس فيه ليل ولا نهار فلا يوصف بالزمان، لكن يسمى بالأزل.
ومن هنا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الأحاديث الواردة في أول الخلق لا تعارض بينها، فإنه جاء في الحديث: (أول ما خلق الله القلم) وكذلك ما جاء في أن العرش سبق ذلك: (وكان عرشه على الماء)، فيقول: القلم والعرش والماء كل ذلك كان قبل الزمان، والأولية إنما تتصور بالزمان فيما له وحدات، فتكون هذه الدقيقة قبل الدقيقة الأخرى وتلك قبل التي تليها وهكذا.
وهذا الموضوع سنفصله إن شاء الله تعالى عند الكلام في قدم العالم لأن بعض الناس يتهمه بأنه يرى قدم العالم؛ لأنه لم يفهم كلامه في هذا المجال.
стр. 1003
أولية الله ليس لها ابتداء
وهذه الأولية ليس لها ابتداء كما قال ابن أبي زيد ﵀: (ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انتهاء)، وهذه من الأمور التي لا يدركها العقل دون وحي، فالعقل نظراً لأن نطاقه الوجود الضيق الذي سبقه عدم ويلحقه عدم، لا يمكن أن يسلم صاحبه إلا إذا سلم للوحي، والإنسان لا يتصور إلا الشيء الذي يكون في المكان لأنه هو كذلك.
ومن هنا قال الغزالي: إن العقل بمثابة المائع إذا صب في شيء أخذ شكله، أي: أخذ شكل الشيء الذي يصب فيه، فالعقل صب في الإنسان، والإنسان حادث وسيعدم فلم يستوعب العقل إلا ما كان كذلك.
ومن هنا فتصورات الإنسان ناشئة عن تشبيهه بنفسه وبما يعرفه من هذه الكائنات، ومن هنا جاءت فكرة التشبيه وفكرة التعطيل، وكلها ناشئة عن أن عقل الإنسان لا يتصور إلا ما كان كالإنسان مما يسبق وجوده عدم وسيلحق وجوده عدم، وهكذا، وما سبق وجوده لا يمكن أن يدركه عقله، وما بعد عدمه أيضاً لا يمكن أن يدركه عقله، ومن هنا لا يتجاوز العقل حدوده وعليه أن يسلم بالوحي، وإذا تجاوزنا نطاق العقل وأخذنا بالوحي، فالوحي يغطي ما وراء ذلك من المساحات التي وراء العقل.
стр. 1004
الكلام على لفظ القديم
ويقابل صفة الأولية عند المتكلمين (القديم) فيطلقون على الأول القديم، والقديم لم تأتِ في القرآن ولا في السنة صفة لله ، وإنما جاء الأول لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].
فأما القديم فإنها من إطلاقات المتكلمين، وهي تطلق على غير الجديد؛ لقول الله تعالى ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، فالمقصود به: الذي قد التوى واعوج من قدم مدته.
(فالأول) صفة ثابتة لله واسم من أسمائه، وإطلاقها لا محذور فيه لأنها جاءت في القرآن، وفي السنة: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء)، أما القديم فلم تأتِ، والذين يطلقونها من أئمة هذه الأمة وعلمائها إنما يطلقونها من باب المجاراة؛ لأنها أصبحت مصطلحاً، ولذلك تجدونها في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ولا يقصد بذلك إثبات صفة لم ترد في النصوص، وإنما يقصد المجاراة، لأن الناس إذا تكلموا في الأولية عبروا عنها بالابتداء، وذكروا معها القدم.
стр. 1005
كان الله ولا شيء معه
وشرح الأولية بقوله: (كان ولم يكن سواه)، وهذا لفظ حديث: (كان الله ولا شيء معه)، فالمقصود بذلك سبقه للزمان وأنه لم يمض زمان وهو غير موجود فيه، ولم يسبق عليه عدم قط، فمن أجل هذا قال: (كان ولم يكن سواه)، ومعناه أنه سبق مخلوقاته كلها، فقد كان الله ولا شيء معه، ثم بعد ذلك خلق الخلق، ولم يزل يخلق ما شاء.
(ولم يكن سواه): جملة حالية مقرونة بالواو، أي: والحال أنه لم يكن سواه، والمقصود بسواه: كل المخلوقات، ولا يدخل في ذلك صفات الله لأنها ليست من خلقه، فإذا قلنا: (كان) اشتمل ذلك على ذاته وصفاته كل ذلك كان موجوداً، فلم يستفد من الخلق صفة الخالق، فهو الخالق ولا خلق، وهو الرازق ولا رزق ولا مرزوق، وهو العالم ولا معلوم، فكل هذه الصفات كان متصفاً بها قبل أن يخلق خلقه، ولم يتجدد عليه أي شيء، لكن تجددت الأفعال فقط وسيرد مثل ذلك.
стр. 1006
الكلام على إنشاء الخلق
(ثم من بعد العدم أنشأ خلقه): بعد أن كان الكون كله معدوماً أنشأه الله ، والمقصود بالإنشاء الخلق على غير مثال سابق، ويسمى إبداعاً أيضاً ويسمى فطراً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] معناه: الذي فطرهن والذي فطرها، ومعناه خلقها على غير مثال سابق، ولم يسبق ذلك أي مثال يحتذى، وهذا الغاية في الإبداع والإعجاز.
وهذا الإنشاء هو النشأة الأولى التي هي من أدلة النشأة الآخرة، كما جاء ذلك في كثير من الآيات في القرآن، فالنشأة الأولى إنشاء الخلق من عدم، والنشأة الآخرة إعادته بعد أن عدم.
فالإنسان مثلاً كان معدوماً فخلقه الله وأنشأه ثم يموت ويفنى ويبلى فيعيده الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وهي من أدلة البعث، فالله ذكر في كتابه عدداً من أدلة البعث منها النشأة السابقة، فمثلاً قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٧ - ٧٨]، أي: نسي النشأة السابقة ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
كذلك قال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥٠ - ٥١].
وفي سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٦٢].
فالنشأة الأولى هي دليل النشأة الآخرة.
والإنشاء يقتضي خلقاً من غير مادته، فيقال: أنشأ فلان في سيره؛ لأنه أحدث المشي من غير مادة سابقة، ويقال: أنشأ قصيدة.
أي: قالها من دون أن ينشدها.
ويقال: هذا الشعر إما منشد وإما منشأ، فالإنشاد معناه: أن تقرأ شعراً قد قاله من سواك، والإنشاء: أن تقول ما لم تسبق إليه.
стр. 1007
مخالفة الفلاسفة في حدوث الكون
قال: (أنشأ خلقه)، وهذا لا يخالف فيه إلا الفلاسفة؛ فإنهم يرون أن الهيولي كانت موجودة قبل نشأة الخلق، والهيولي يطلقونها على مادة الكون، فيرون أن الكون من مادة كانت موجودة قديماً فأخرج الله منها هذا العالم كله، ومن هنا يرون قدم العالم، وقد كفروا بذلك؛ لأن الله أخبر أنه خلقه، ولا يمكن أن يخلق ما كان موجوداً لأن تحصيل الحاصل محال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].
وهؤلاء الذين يزعمون الهيولي أخذوا ببعض الشبه في فهمهم من القرآن، منها قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فيقولون: كانت مادة السماء الدخان، وكذلك قالوا: كان عرشه على الماء، فهذا دليل على أن الماء سابق، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠].
لكن الإجابة عن هذه الشبهات بأن الله يقلب مخلوقاته فيخلق الشيء على صورة أولاً ثم ينقله لناحية أخرى، وهذا أبلغ في الإعجاز، فيخرج الشيء من ضده كما يخرج النار من الشجر الأخضر، وكما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
فكذلك هذه السماء القوية كانت من قبل خلقها أولاً دخاناً فقط، ثم جعل هذا الدخان على ضد هيئته تماماً، وهذا من تمام قدرته ومن تمام إبداعه للكون، ولا يقتضي هذا أن الدخان قديم بل قد أحدثه الله وأنشأه ثم خلق منه السماء.
كذلك قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، فإن هذا لا يقتضي إلا سبق العرش والماء لخلق السماوات والأرض فقط، لكن لا يقتضي أن ذلك من غير سبق بعدم، بل هو مسبوق بالعدم؛ لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فيدخل في ذلك العرش والماء.
стр. 1008
كلام ابن تيمية على قدم العالم
وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته (رسالة الكرسي) فإنه ذكر فيها ما ظاهره أنه يوافق الفلاسفة في ذلك، لكن الذي يبدو لي أن مقصوده أن الأزل إنما هو أزمنة متوهمة فقط، ومن هنا فيقول: إن ما كان قبل خلق السماوات والأرض من المخلوقات ليس بعضه سابقاً بعضاً بمعنى السبق الذي نفهمه نحن؛ لأننا نفهم السبق بمعنى أن هذه الدقيقة قبل هذه وهذه الساعة قبل هذه، وهذا الليل قبل هذا النهار مثلاً، لكن قبل خلق السماوات والأرض لا زمان، فيكون الترتيب إنما هو حسب إرادة الله ومشيئته لا لذات الكون ولا لذات الأشياء أنفسها.
وقد أبعد النجعة في الاستدلال حتى ذكر كثيراً من الأمور، منها مثلاً: قضية جاذبية الأرض؛ فإن الأجرام إذا اقتربت من الأرض تأثرت بجاذبيتها فتستقيم في سيرها، وكلما ابتعدت عنها نقصت هذه الجاذبية فأصبح التوازن مختلاً.
لكن هذا ليس دليلاً على المراد ولا له به علاقة.
فلذلك كان اللازم أن لا يتعمق الشيخ ﵀ في هذا المجال، وهو من الأمور التي ينبغي الاقتصار فيها على الوحي وعدم تعدي العقل مجاله، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم ﷺ ، وما من أحد إلا وله أغلاط.
стр. 1009
تكاثر الخلق
(أنشأ خلقه): المقصود بالخلق المخلوقات وهو مصدر يطلق على المفعول، والمصدر كثيراً ما يطلق على المفعول، والعكس أيضاً صحيح فيطلق المفعول ويراد به المصدر.
والمقصود بذلك ما خلق من المخلوقات على حسب ترتيبها في الوجود، فإن الله يخلق شيئاً ثم يخلق لذلك الشيء عدة أشياء، كالإنسان خلقه من نفس واحدة وأخرج منه هذا البشر الكثير، وهكذا كثير من الكائنات يجعلها في بداية الشيء واحداً ثم يكثره ويخرج منه الأضعاف المضاعفة.
وهذا فيه من الحكم الشيء الكثير إذا فهمه الإنسان، فيكون الشيء في الأصل واحداً ثم يتولد عنه ما لا حصر له، فكذلك الحسنات في تضعيفها، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١].
فإذا فهمنا هذا في المحسوسات فهمناه في المعقولات، وفهمناه في الأجر وفهمناه في أمور الآخرة، وفهمنا أن الإنسان الواحد إذ كان قد أخرج الله منه خلقاً وكان أباً لقبيلة، فلا يستغرب أيضاً تضخيم جسمه يوم القيامة، فكل الناس من أهل الجنة سيكونون على صورة آدم، وطوله ستون ذراعاً في السماء، وسبعة أذرع بالعرض.
وكذلك فإن الكفار سيضخمون يوم القيامة، فمجلس الكافر في النار كما بين مكة والمدينة، وضرس الكافر في النار كجبل أحد، ويمدد الله بطونهم ووجوههم وبالأخص الذين يمنعون الزكاة، فقد جاء فيهم أن الله يوسع بطونهم وظهورهم ووجوههم حتى لا يقع دينار على دينار ولا درهم على درهم؛ لأنها يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
стр. 1010
تمثل الملائكة بالآدميين
ومن هنا يفهم أيضاً تمثل الملائكة في صورة البشر، فإن الملائكة أجسامهم كبيرة جداً كجبريل ﵇ له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، ومع ذلك يأتي في سورة دحية الكلبي فيجلس في مكان ضيق بين الناس، ويجلس معهم كأنه رجل لا يزيد عليهم في قامته ولا في عرضه.
وقد اختلف العلماء في هيئة ذلك فقالت طائفة: إنه لما عرفنا التكثير في خلق الله عرفنا التقليل فيه، فكما يكثر الخلق يقلله أيضاً، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] والزيادة في مقابلها النقص، فينقص من الخلق ما يشاء.
وقالت طائفة: بل يعدم ما زاد على تلك الصورة ويخرج جبريل في تلك الصورة، ثم يعيد الله إليه أجنحة أخرى بخلق جديد.
وقالت طائفة: بل تنسلخ روحه من بدنه فتأتي الروح في تلك الصورة فقط.
وقالت طائفة: بل إنما يمثل ذلك للعيان فيراه الناس، والواقع أنه جبريل على صورته الحقيقية، لكن الله جعل هذا في أعيننا على هذه الهيئة، وهذا أقرب الأقوال للصواب.
فهو مثل تمثيل الجنة والنار لرسول الله ﷺ في عرض حائط المسجد يوم الكسوف؛ فإنه عندما خطب الناس قال: (ما من شيء لم أكن أريته إلا أريته في مقامي هذا حتى الجنة والنار).
وذكر أن الجنة والنار مثلتا له في عرض الحائط، وتقدم إلى الجنة حين مثلت له وتأخر عن النار حين مثلت له، وذكر أنه أراد أن يأخذ لهم عنقوداً واحداً من العنب، ولو أخذه لعاش منه الناس حتى تقوم الساعة، ولكن الله لم يقدر ذلك، بل جعل هذا مختصاً بالجنة، فنعيم الجنة لا يفنى ولا يبلى.
стр. 1011
يخلق الله ما يشاء ويختار
(أنشأ خلقه اختياراً): هذا إثبات صفة أخرى لله وهي صفة الاختيار وعدم الإكراه، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، وليجزم أحدكم المسألة فإنه لا مكره له).
فالله يقول في كتابه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ومن المناسب جداً ذكر الاختيار بعد ذكر الخلق؛ لأن الله عطفه عليه بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] فلذلك قال هنا: (أنشأ خلقه اختياراً).
واختياراً.
معناه: اصطفاء للهيئات والصور، فالله بالإمكان أن يخلق أي شيء من الخلق على أية صورة شاء، كما قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨] ولحكمته اختار لكل صورة ما يناسبها.
وقد بحث العلماء هنا في مسألة، وهي ما ذكره الغزالي ﵀ في إحياء علوم الدين حيث قال: (ليس بالإمكان أبدع مما كان)، فعندما عرضت هذه المسألة في كتابه على علماء المغاربة في دولة علي بن يسر المكاشفي في بداية القرن السادس الهجري، أمر بتحريق الكتاب على الزيت وتحريق كتب الغزالي كلها؛ لأن العلماء حكموا بأن هذا ضلال.
لكن التصور هنا متباين، فـ الغزالي ﵀ يرى أن الله عندما أثبتنا أنه لا يمكن أن يخلق على أساس الغرض وإنما يخلق على أساس الحكمة، فإن حكمته مقتضية لأن يكون كل شيء أبدعه على أحسن ما يمكن في علمه هو، فكل إنسان الآن خلق على صورة معينة فهي الأفضل له.
قد يتصور أحدكم أنه الآن كان بالإمكان أن يكون أطول من هذا أو أحسن من هذا الشكل؛ لكن ذلك شراً له، وأفضل شيء له وأتمه هو ما خلقه الله عليه.
وحتى وإن كان معيباً أو ناقص الخلقة أو مبتلىً بمرض أياً كان فإنه الأفضل له، لأنه في المقابل كان سيقابل ذلك قدر من أقدار الله التي لا نعرفها، وقد تكون في الدنيا وقد تكون في الآخرة.
أقول ما سمعتم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه.
стр. 1012
آداب طلب العلم
تخصصات العلوم الإسلامية التي اشتغل بها العلماء كثيرة، ومن تعلمها، فوصل إلى حد متوسط من إدراكها، واستطاع تدريس كل واحد من هذه العلوم فهو (العالم)، ومن تخصص في بعضها لم يستحق هذا اللقب، وإنما يستحق أن يدرج في حملة العلم والمتخصصين في بعض جوانبه دون بعض.
وعلى طلاب العلم أن يعطوا هذا العلم حقه من الاهتمام والعناية، وأن يحرصوا على آدابه ووسائله وشروطه، وأن يستشعروا فضله ومزيته.
стр. 1013
العلم والآداب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه لطلب العلم، وبعد: العناصر التي سأتحدث عنها في هذا الدرس هي: العنصر الأول: فضل العلم وأهله.
العنصر الثاني: أجر طلب العلم وتعليمه.
العنصر الثالث: الكتب العلمية وفضلها.
العنصرالرابع: شروط طلب العلم.
العنصر الخامس: وسائل تحصيل العلم.
العنصر السادس: أنواع العلوم.
стр. 1014
فضل العلم وأهله
العنصر الأول: فضل العلم وأهله: إن الله قد رفع قدر العلماء فأنزلهم أعظم منزلة حين استشهدهم على أعظم شهادة -بعد أن شهد بها، وأشهد بها ملائكته- فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨].
وأخبر أنهم وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وحكم لصالحهم على من سواهم في قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وأخبر أنهم وحدهم المؤهلون لفهم كتابه فقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
وأخبر أنه يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
ولم يأمر نبيه ﷺ بالازدياد من شيء إلا من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
وقد نوَّه رسول الله ﷺ بهذه المكانة للعلم وأهله في عدد كبير من الأحاديث منها: ما أخرجه البخاري في الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
ومنها ما أخرجه البخاري في الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله المعطي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
ومنها ما أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلاّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
وأخرج البخاري كذلك في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها طائفة نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأصاب منها طائفة أخرى أمسكت الماء على الناس فسقوا ورعوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت عشبًا، فذلك مثل من نفعه الله بما جئت به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم ينفعه هدى الله الذي أرسلت به).
وأخرج أصحاب السنن وأحمد في المسند وغيرهم أن النبي ﷺ قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالمًا أو متعلمًا).
وقال: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء)، وفي الحديث: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم).
وهذه المنزلة العالية إنما استحقها حملة العلم لأنهم ورثة الأنبياء، فقد صح عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر).
وقد أخرج البخاري تعليقًا ووصله ابن أبي عاصم في السنة أن النبي ﷺ قال: (إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحلم بالتحلّم).
هذه المنزلة التي هي بهذه المكانة ما نالها هؤلاء إلاّ بأن الله قد اختارهم لائتمانهم على وحيه؛ فالوحي من عند الله ولم يكن ليجعله بدار هوان، ولن يودعه المفلسين، وإنما يختار له أهل العدالة؛ ولذلك أخرج الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث وأبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
وهؤلاء هم ورثة الأنبياء، وهم عدول كل خلف، هم شهود الله تعالى على الناس، وهم قادتهم الذين أمر الله بالرجوع إليهم عند الخلاف، فقد قال الله : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ولم يقل: لعلموه جميعًا، وإنما أحال العلم على هؤلاء.
وأحال عليهم -كذلك- عند الجهل فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
وقد جاء في فضل حملة القرآن بالخصوص أحاديث كثيرة مثل قول النبي ﷺ : (أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته من خلقه).
وحملة القرآن هم حملة حروفه وحدوده ومعانيه، وليسوا حملة الحروف فقط.
стр. 1015
أجر طلب العلم وتعليمه
العنصر الثاني: أجر طلب العلم وتعليمه: ورد في هذا الكثير من النصوص، وقد بيّن النبي ﷺ أن الاشتغال به عبادة، وأنه كالجهاد في سبيل الله، وبيّن النبي ﷺ أجر المشتغل بالتعليم، وما له من المنزلة، وأنه يكتب له أجور من عمل بذلك إلى يوم القيامة، فقد صح عنه أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا).
وقال: (بلغوا عني ولو آية).
وقال: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).
وقال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
وقد أوصى النبي ﷺ بطلبة العلم، فقال: (سيفد عليكم رجال يلتمسون هذا العلم، فاستوصوا بهم خيرًا) فأولئك الذين أوصى رسول الله ﷺ بهم خيرًا يدل على عظم ما هم مشتغلون به، ومزيته في هذا الدين؛ ولذلك أخرج مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه كان يقول: (من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرًا، أو ليعلمه، ثم رجع إلى بيته؛ كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانمًا).
وقد سئل مالك عن المقرب للقتل الذي لم يبقَ من عمره إلاّ ساعة: في أية طاعة يصرفها؟ قال: (علم يتعلمه).
فقيل: يا أبا عبد الله! إنه لا يعمل به! فقال: (تعلمه أفضل من العمل به).
وقال الشافعي ﵀: (طلب العلم أفضل من صلاة النافلة).
وقد نظم ذلك السيوطي ﵀ فقال: والعلم خير من صلاة نافلة فقد غدا الله برزق كافله قال أهل العلم: بالعلم فُضِّل السلف على الخلف؛ لأن كل عالم ورَّث علمه وتركه لمن وراءه فقد استمرت حياته لقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية).
فجعل هذا العلم الذي ينتفع به من عمل ابن آدم الذي لا ينقطع، ومن كسبه المستمر.
ومن هنا فكل منتفع بعلم عالم من الماضين يكتب له أجره وأجر من تبعه على ذلك إلى يوم القيامة؛ وبهذا يعلم فضل السلف على الخلف، كما قال جدي محمد علي ﵀: وكل أجر حاصلٍ للشهدا أو غيرهم كالعلماء والزُّهَدَا حصل للنبي مثله على أجور ما كان النبي فعلا مع مزيد عدد ليس يحدُّ وليس يحصي عده إلاّ الأحد إذ كل مهتدٍ وعاملٍ إلى يوم الجزاء شيخه قد حصلا له من الأجر كأجر العاملِ ومثل ذا من ناقص أو كامل وشيخ شيخه له مثلاه وأربع لثالث تلاه وهكذا تضعيف كل مرتبة إلى رسول الله عالي المرتبة ومن هنا يعلم تفضيل السلف وسبقهم في فضلهم على الخلف إذاً: أجر تعليم العلم عظيم؛ لأن المعلم إنما يبلغ عن الله تعالى، وينوب عن رسول الله ﷺ في تبليغ رسالات ربه، ولأن المفتي كذلك يوقع عن رب العالمين.
وهذه المنزلة العظيمة لا شك أن خطرها عظيم، فكذلك أجرها يكون بهذه المنزلة.
стр. 1016
الكتب العلمية وفضلها
стр. 1017
كتابة الحديث
أما العنصر الثالث: ما يتعلق بالكتب العلمية وفضلها.
فإن النبي ﷺ كان قد نهى أن يكتب عنه غير القرآن فقال: (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) وكان ذلك خشية أن يجعل في القرآن ما ليس منه من كلام النبي ﷺ كما فعل النصارى حين أدرجوا كلام المسيح بن مريم وكلام الحواريين في الأناجيل.
وبعد هذا أذن النبي ﷺ في الكتابة عنه فقد أذن لـ عبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب ما يسمع منه، وأذن لـ أبي هريرة -كذلك- في كتابة الصادقة، وهي صحيفة كانت عنده، كتبها من في رسول الله ﷺ ، وكان ابن عمرو يسمي صحفه أيضًا بالصادقة، وقال: (لولا الصادقة والوهط والوفيط ما حرصت على شيء من هذه الدنيا) والوهط والوفيط: أرضان لـ عمرو بن العاص وقفهما على الفقراء وجعل نظارتهما إلى ابنه عبد الله، وهما بجنوب الطائف، والصادقة التي كتب فيها من في رسول الله ﷺ هذا العلم.
وكذلك فإن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (اكتبوا لـ أبي شاه) وهو رجل من أهل اليمن، حضر حجة الوداع فسمع خطبة النبي صلى لله عليه وسلم وتعليمه للناس فلم يحفظ ذلك، فسأله أن يأمر أصحابه أن يكتبوا له، فأمرهم أن يكتبوا له.
ومن معجزات النبي صلى لله عليه وسلم أن أصحابه لما نهاهم عن الكتابة عوضهم الله بالحفظ العجيب فكان أحدهم يسمع الخطبة بطولها فيحفظها كما هي، ويحفظ الحديث الطويل بألفاظه دون أن يحرف شيئًا من ذلك، وقد كان رسول الله ﷺ يعينهم على الحفظ بالتَّرَسُل في الكلام، وقد كان لا يهذُّ الكلام هذًّا، وإنما قوله الفصل، فلو أراد إنسان أن يعد كلماته لفعل، وكان أيضًا في خطبه يرفع صوته، فقد كانت خطبه تسمع من البلاط، والبلاط خمسمائة متر من المسجد.
وفي الحديث: (كان إذا خطب علا صوته، واحمرت عيناه، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم) وذلك أبلغ لاستقرار ذلك في النفس.
ومثل هذا في تغييره للمنكر ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها بين مكة والمدينة فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح أقدامنا، وجعلت أعقابنا تلوح؛ فنادى بأعلى صوته مرتين أو ثلاثًا: (ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار)، وكذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ويل للأعقاب من النار) ورفع بها صوته.
وفي حديث عائشة ﵂ أنها يوم مات سعد بن أبي وقاص دخل عليها أخوها عبد الرحمن يتوضأ في حجرتها فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء فإني رسول الله ﷺ يقول: (ويل للأعقاب من النار).
فكان رسول الله ﷺ يكرر الكلام حتى يفهم عنه كما في حديث أنس أن النبي ﷺ (كان إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثًا، وإذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم) أي: لتحفظ.
وكان أصحابه يراجعون بعض محفوظاتهم عليه كما ثبت في الصحيح من حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ علمه دعاء النوم، وأن يجعل آخر كلامه قبل أن ينام هذا الدعاء وهو: (اللهم! أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك؛ رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) قال البراء: فأعدت عليه فقلت: وبرسولك الذي أرسلت.
فقال: (لا.
وبنبيك الذي أرسلت).
стр. 1018
تاريخ تدوين الحديث
أول ما بدأ تدوين الحديث أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمر بذلك عندما زالت العلة التي من أجلها كان النهي، فقد دونت المصاحف، وكثر حملة القرآن، وأمن أن يخلط بغيره؛ فأمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة وكتابتها، وتجرد لذلك عدد من الرجال منهم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من أحفظ هذه الأمة، وكان لا يرى كتابة الحديث في البداية، ولكنه اقتنع أخيرًا بكتابته، ويقال: إنه لم يقتنع بكتابته في أيام عمر بن عبد العزيز وإنما اقتنع في أيام هشام بن عبد الملك؛ وذلك أن هشامًا دعاه فجلس معه على فراشه، وجعل رجالاً من وراء الستر، وأمرهم أن يكتبوا كل حديث يحدثه به الزهري، فقال له هشام: إني أريد أن تحدثني بأربعمائة حديث عن النبي ﷺ بإسنادك فيها، فأمسك بيده فحدثه بأربعمائة حديث يعدها، وكتبها أولئك الرجال، فتركه سنة ثم دعاه إلى مجلسه وخلا به، فقال: أريد أن تعيد علي ما حدثتني به العام الماضي فإني قد نسيته، وأمر رجالاً أن يكتبوا أيضًا من وراء الستر، فحدثه بالأحاديث كما هي بترتيبها، ولم يقدم واحدًا ولم يؤخره ولم يغير منها شيئًا، فقارن أمير المؤمنين هشام بين ما كتبه الرجال في العام الماضي وما كتبه هذا العام فلم يجد أي فرق، فعرض ذلك على الزهري، ومن هنا اقتنع الزهري بكتابة الحديث.
بدأ تدوين وكتابة الكتب من ذلك العصر، ولكن إنما ألفت بأسماء وتصانيف وبوبت في أيام أتباع التابعين، واختلف في أول من ألف، لكن اشتهر في كل مدينة بعض المؤلفين، ففي مكة عبد الملك بن جريج، وفي المدينة مالك بن أنس، وفي العراق هشيم الواسطي، وعبد الملك بن صبيح، ويزيد بن هارون، وسفيان الثوري وأضرابهم، واشتهر بالشام الأوزاعي، وبمصر الليث بن سعد.
هؤلاء أوائل من ألفوا، ولم يصل إلينا من مؤلفاتهم إلاّ موطأ مالك.
стр. 1019
أهمية الكتابة للعلم
الكتب أصبحت شرطًا في العلم ومرجعًا له؛ ولذلك قال عبد الله بن المبارك: العلم صيد والكتابة قيده فلا يمكن أن يحصل على العلم إلاّ بذلك.
وقال ابن المبارك أيضًا: أيها الطالب علمًا ائت حماد بن زيدِ فاطلبن العلم منه ثمّ قيّدهُ بقيدِ لا كثور وكجهم وكعمرو بن عبيد وقد كان خلفاء هذه الأمة ووزراؤها وقادتها يبالغون في الاهتمام بالكتب، وتشجيع أهلها على تأليفها، واشتهر عمل الوراقين في هذه الأمة، وأصبحت الكتب داخلة في كيان هذه الأمة، وأمرًا من حياتها لا يستغنى عنه أبدًا، ولولا ما قيض الله لهذه الأمة من المؤلفين الجهابذة الذين جمعوا العلم في الكتب لضاع علم هذه الأمة، وقد أثنى كثير من الناس على الكتب بسبب أنها حفظت هذا العلم حتى إن أحد الفقهاء يقول: لنا جلساء لا يمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا فإن قلت أموات فلست بكاذب وإن قلت أحياء فلست مفندا
стр. 1020
شروط العلم
العنصر الرابع: شروط تحصيل العلم؛ فقد ذكر أهل العلم لتحصيل العلم سبعة شروط هي:
следующие страницы →