Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
العولمة وفرض اللباس الغربي على المسلمين
إن من الخطوات التي تدخل في إطار العولمة ما يتعلق بالقيم الأخلاقية والالتزام العادي؛ فإن الملابس مما تتميز به الشعوب، وكل شعب له ملابس تميزه، وهذه الملابس لها ضوابط شرعية، فلباس الرجل تعتريه أحكام الشرع كما قال محمد مولود ﵀: ثم لباس الشرع تعتريه الـ أحكام حتمٌ منه ما يقيه إلى أن يقول: لباس موسرٍ لباس معسرٍ شُحٌ وضده ثوب السري على الدني خيلا والضد مهانةٌ والمستجاد القصد والعلما يندب حسن الزي لهم ليعظموا لكف الغي وحسنه يندب للمصلي وللمؤذن وذات البعل فإذا جاءت الخطوة اللاحقة من العولمة فسيفرض لباس الغربيين على الناس، وقد سبقت تجربة هنا في هذا البلد، حيث فرضت الملابس الغربية فيما يتعلق بالعمل المكتبي كله، وقد فرضت من قديم هذه الملابس على الجيوش في العالم كله، فالجيوش والشرط وغيرهم فرض عليهم اللباس الغربي من زمان، وسيأتي هذا تباعاً، حتى أن النساء سيفرض عليهن الزي الغربي من الملابس، وسيكون ذلك متدرجاً، فسيأتي في البداية بالدعاية في برامج مصورة وأشرطة للفيديو، ثم يؤتى بجس النبضِ بالمباشرة في الحفلات الخليعة الماجنة، ثم بعد ذلك فرضاً، وتكون هذه القيم مما يعاقب عليه، وقديماً كنا ندرس في القانون أن من خصائص القاعدة القانونية أنها مُلزمة؛ وأن قواعد القانون الدولي العام غير ملزمة، وبهذا فليست قواعد قانونيةً في الواقع لأنها غير ملزمة.
لكنه بعد حرب الخليج الثانية، أصبحت قواعد القانون الدولي ملزمة، لأن أية دولة خالفت هذه القواعد سيفرض عليها الحصار، أو تضرب كالحال الآن في ليبيا وفي السودان وفي العراق وبعض الدول الإسلامية الأخرى، فباكستان الآن تهدد بهذا الحصار، وبذلك ستفرض القيم بالقوة، وهذا الأمر إذا لم تحس به الأمة ولم تستعد له، فسيأتي بالتدريج: كالموت مستعجلاً يأتي على مهلِ يأتي بالتدريج والتقسيط حتى يترسخ، وحينئذٍ من وقف في وجهه كان كمن يضرب في حديد بارد.
أما إذا انتشر الوعي بين الناس فعرفوا أن الهجوم الذي يشن على اللغة العربية ليس على وسيلة للتفاهم، أو على لغة من لغات العالم فقط، وإنما هو هجوم على الإسلام في قيمه وعقيدته ووحيه المنزل، وأخلاقه، وكل ما فيه، وأن الهجوم الذي يشن على التعليم ليس هجوماً على المؤسسات التعليمية أو تغييراً أو رُقياً في هذا المجال فقط، بل هو هجومٌ شرسٌ على الإسلام لاقتلاعه من جذوره، وأن الهجوم الذي يشن في الإعلام إنما يقصد به الوصول إلى من لا تصل إليه مؤسسات التعليم من الناس حتى يشارك في بناء عقليته وتصوره، ومن هنا فإن الإعلام لا يخرج فيه من الأخبار غالباً والتحاليل إلا ما كان مضللاً مبنياً على كذب ومجازفة متعمدة.
ولذلك فالتشويه الحاصل اليوم للمسلمين في كل مكان مبناه على أن وسائل الإعلام المؤثرة إنما يمتلكها أعداء الدين وأعداء الحق، وهم يخرجون فيها ما شاءوا، ومن هنا فلا يتوقع من هؤلاء أن يخرجوا دعايةً للإسلام ولا إنصافاً له، بل هم أعداؤه ويريدون القضاء عليه، ويودون ذلك، والقرآن صريح في هذا: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢].
فهم لا يرضون منكم إلا الكفر ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ومن هنا لا يرضون أبداً عن أي إنسان إلا إذا تبع ملتهم، لكنهم يرضون منه بالتدريج خطوة خطوة، وهذه سياستهم.
كذلك الهجوم على ما يتعلق بالقيم، فنحن نشاهد في كثير من البلدان الإسلامية اليوم قوانين تفرض على النساء إذا درسن في المؤسسات التعليمية أن يمتنعن من ارتداء الحجاب أو ستر رءوسهن، وهذا موجود في البلدان الإسلامية المجاورة، وهو مفروض بقوة النظام ولكنه خطوة واحدة من خطوات هذا الغزو في مجال القيم.
стр. 1227
العولمة وفرض الديمقراطية لصالح الغرب
ومثل هذا في المجال الاقتصادي ومثله في المجال السياسي في فرض الديمقراطية وفرض الكلام في حقوق الإنسان وغيرها، فهذه إنما هي على مكيال الغرب، فالديمقراطية إذا أدّت إلى وصول الفاسدين المرضين للغرب فهي ديمقراطية صحيحة شفافة مقبولة، وإذا أدّت إلى خلاف ذلك فهي منبوذة، ومعناها أن الشعب لم يصل إلى الوعي الكافي، ولابد من انقلاب عسكري يغير ذلك.
وكذلك في حقوق الإنسان في فلسطين، فإن المقصود بالإنسان فيها هو اليهودي فقط.
وحقوق الإنسان في كل بلد من البلدان التي فيها أقليات غير مسلمة، المقصود بها الإنسان غير المسلم فقط، فحقوق الإنسان في مصر يقصد بها حقوق الأقباط فقط، حقوق الإنسان في السودان يقصد بها حقوق الجنوبيين فقط، وهكذا فهذه الدعايات البراقة الخلابة التي يخدع بها الناس لها مفاهيم عند الغربيين، وإن الشعوب غير واعيةٍ لهذه الدلالات، وغير واعيةٍ لهذه المصطلحات المقصودة، ومن هنا ينخدعون بهذه الدعايات وتؤثر فيهم.
إن المؤتمرات التي تقام لترسيخ (الفرانكفونية) والإنفاق الكبير الذي يبذل فيها، لم يأت من فضاء، ولم يقصد به مجرد التقاءٍ أو تحاورٍ بين الشمال والجنوب كما يسمون ذلك الحوار، وإنما يقصد بها التحاور بين الجانب القوي والجانب الضعيف، وهذا الحوار بين جانبين أحدهما قويٌ (١٠٠%) والآخر ضعيف (١٠٠%)، ولن يكون فيه عدل أبداً بل سيكون الجانب الضعيف هو المهضوم وهو المهزوم، وهو الذي تفرض عليه قيم الجانب الآخر، ومن هنا فإذا لم يعم الوعي في الشعوب الإسلامية، فستأتي هذه الخطوات متسارعة.
وقد شاهدنا في السنوات الأخيرة تسارعها، فعندما أصبح القطب العالمي واحداً، وأصبح النظام العالمي الجديد ليس له من يقف في وجهه، أصبحت هذه الخطوات سريعةً جداً، فيأتيك قرار بفرض الديمقراطية من غير مطالبة، ثم يأتيك قرار آخر بتغيير التعليم، ثم يأتيك قرار آخر بتغيير القيم، ثم يأتيك قرار آخر بترسيخ الربا، ثم يأتيك قرار آخر قاضٍ على الصناعات والإنتاج كمنظمة (الجات) وغيرها، وهكذا تتسارع الخطوات في ظل غياب الوعي في الشعوب.
стр. 1228
توظيف الغرب لحقوق الإنسان لصالح الكفر
أما إذا حصل الوعي فبالإمكان أن تمتنع هذه الشعوب عن الانجراف والمسارعة والهرولة إلى اليهود والنصارى، فالذين يسارعون إلى اليهود والتطبيع معهم يظنون أنهم بذلك سيكسبون شهرةً عالميةً وأموالاً طائلة، أو على الأقل ستجدول ديونهم، ويقضى عليها، ولكن الواقع خلاف ذلك، فاليهود أنفسهم كل ميزانيتهم مستوردة من الخارج، ودولتهم دولة فقيرة مازالت تُدعم إلى اليوم من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن غيرها من البلدان الأوروبية، وهم يسعون كذلك للتعويض من البلدان الغربية في كل سنة، فيفتعلون قضايا ويرفعونها عند المحاكم لينالوا مالاً، ففي العام الماضي أخذوا تعويضاً كبيراً من الألمان عن المحرقة اليهودية، وهذا العام أخذوا تعويضاً كبيرا من الهولنديين، والعام القادم سيأخذونه من دولة أخرى وهكذا.
فإذا كانوا أصحاب هلع وطمع، ولم يكن لديهم ما يكفيهم لتوسعهم في مشروعهم الحضاري وكانوا دولةً تعيشُ على حساب الدول، فكيف يطمع فيها من أغناه الله عنها، وبالأخص إذا عرف أنهم أهل المكر والدهاء من قديم العهد، فقد شهد الله عليهم بذلك في كتابه، وشهد عليهم بالكذب وأكل السحت وأكل الربا، وأنواع الفجور، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبالأخص أن عداوتهم لهذه الأمة هي أعظم العداوات: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فعداوتهم لهذه الأمة هي أشد العداوات، حتى حاولوا التخلص من شخص النبي ﷺ برمي الحجر عليه، عندما أمروا عمرو بن جحاش أن يصعد فوق الدار، وأن يرمي الحجر على النبي ﷺ وهو جالس في الظل، وحاولوا وضع السم له في غزوة خيبر، وحاولوا كذلك التخلص من القرآن، وسحر النبي ﷺ على يد لبيد بن الأعصم وبناته.
هذه مؤامراتهم على شخص النبي ﷺ فقط، ثم مؤامراتهم بعد ذلك على الأمة لا حصر لها ولا نهاية، ومن هنا فلا يرجى منهم خير، ولا يمكن أن يطمع طامعٌ في خيرٍ يأتيه من قبل اليهود الذين شهد الله عليهم بهذه الشهادات المخزية، التي أخزاهم بها وبين بها حقيقتهم، وبين بها عوارهم وما هم فيه من أنواع المذلة والمهانة ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢].
فماكان هكذا فكيف يريد الإنسان التعزز به؟!
стр. 1229
بيان ضلال اليهود والنصارى وأن العلم عند المسلمين
إن المؤمن ينبغي أن يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، ولا يمكن أن يطلب العزة لدى اليهود الأذلاء الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة، وكذلك النصارى الضالين الذين لا علم لهم، كيف يطلب منهم العلم وقد شهد الله عليهم بذلك في كتابه، بل إن من ضل من علماءنا كان كاليهود، وجهالنا من ضل منهم كان كالنصارى، فاليهود هم المغضوب عليهم، والنصارى هم الضالون، فاليهود أضلهم الله على علمٍ، والنصارى ضلوا عن جهل، إن قوماً شهد الله عليهم بالجهل لا يمكن أن يطلب منهم العلم.
والذي يقول نحن نصلح التعليم لنحتذي بالنصارى ونريد منهم العلم، أول ردٍ عليه أن يقال: النصارى ليس لديهم علم، وقد حكم الله عليهم بذلك، وشهد عليهم به في كتابه، فكيف تطلب العلم من غير موضعه؟ إن هذا انتكاس في المفاهيم، وعدم وعي وإدراك للواقع، وهو من كيد هؤلاء الكائدين الماكرين، فيجب على الأمة أن تنتبه له، وأن لا تقبله بحال من الأحوال، ويجب على المسلمين أن يتعلموا لغة القرآن، وأن يهتموا بها وأن يعلموا أولادهم هذه اللغة، وأن يحافظوا عليها، وأن يعلموا أن المدارس النظامية التي هي من وضع الغربيين، لا يمكن أن تخرج العلماء، مادامت من وضع الغربيين.
هل رأيتم عالماً قط خريج جامعة لم يدرس في غيرها؟! لا يمكن أن يتم هذا، فلذلك لابد أن يعتني الناس بتعليم اللغة العربية، وأن يدرسوا أولادهم هذه اللغة، وقد أدركنا أسلافنا قبل سنوات، في بداية هذا الجفاف والناس ما زالوا يدرسون أولادهم ديوان الستة الجاهليين، والمعلقات السبع، وكان كل ناشئٍ بلغ عشرين سنة وهو لا يحفظ ألفية ابن مالك يعتبر ذلك سُبةً عليه، ومهانةً ومذلة بين الناس، واليوم شُغل الناس عن ذلك فأصبحت ترى الذين يراد منهم أن يكونوا قادة الأمة في المستقبل وحراس الدين، وهم لا يهتمون بشيء من هذا، ولا تعلق لهم بهذه اللغة ولا يعرفون شيئاً عنها، وهم بهذا يخادعون أنفسهم ويهملون ما فُرض عليهم، ونحن نعلم أن المكانة العالية التي تبوأها علماؤنا وقادتنا وخلفاؤنا عبر التاريخ إنما كانت في الأساس بهذا العلم.
стр. 1230
اعتناء المسلمين بعلم اللغة وذكر نماذج من ذلك
لاحظوا كلام الخلفاء الراشدين وقارنوه بكلام من دونهم، فستجدون مستواهم اللغوي وعنايتهم بهذه اللغة:
стр. 1231
ذكر نماذج من كلام علي ﵁
كتب علي ﵁ إلى أحد عماله: غرك عزك فصار قصار ذلك ذُلّك، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدا بهذا كل كلمة تشبه الأخرى التي قبلها في الخط، وليس لديهم نقاط إذ ذاك، فقوله: (غرك عزك) تتشابهان في كتابتهما (فصار قصار) متشابهتان أيضاً (ذلك ذُلّك) كذلك، (فاخش فاحش) (فعلك فعلّك) (تهدا بهذا) كل كلمتين تشبه إحداهما الأخرى، وكذلك قال لكاتبه: ألصق روانفك بالجبوب، وخذ المزبر بأباخسك، واجعل جحمتيك إلى قيهلي، حتى لا أنبس نبسةً إلا أوعيتها في حماطة جلجلانك! وقد سئل مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي عن تفسير هذا الكلام فقال: ألصق معناها: ألزق، وروانفك: عضرتك، والجبوب: الصلة، وخذ المسطر: خذ المزبر، بأباخسك: بشناترك، واجعل جحمتيك: اجعل حندورتيك، إلى قيهلي: إلى أثعباني، حتى لا أنبس نبسةً: حتى لا أنغي نغية، إلا أودعتها: إلا أوعيتها، في حماطة جلجلانك: في لمظة رباطك.
ففسرها بما يشبهها من كلام العرب، ونحن نعلم أن كثيراً من الناس اليوم تتعلق نفوسهم بأن يكونوا كأسلافهم الصالحين، وأن يدركوا بعض ما أدركوه، فكثير من الذين اشتهروا في بلادنا هذه بالعلم، إنما كان تبريزهم فيه على أساس فهمهم في الكتاب والسنة لإحاطتهم باللغة، ولهذا فإن هذه البلاد يجب أن تبقى قلعةً للغة العربية، وأن يحافظ أهلها على ذلك، ولهذا فمن المعروف في العالم كله، بأن أهل هذه البلاد هم أهل العربية على وجه السليقة، وإذا زال ذلك وانمحى فليس لهم شيء يذكرون به غير هذا، فالشيخ محمد المامي ﵀ يقول: فكانت في جزيرتها حجازاً ونحن لها معداً آخرينا لا بد أن تبقوا معداً آخرين وأن تبقى هذه البلاد حجازاً كما كانت.
стр. 1232
ذكر رسالة المجيدري إلى أمه
ومن المشاهير المبرزين من أهل هذه البلاد المجيدري المشهور وهو محمد بن حبيب الله بن الفاضل اليعقوبي، وحين أتى المغرب وهو في الخامسة عشرة من عمره لم يجد من يستطيع مناظرته في العلم، وذلك لتبريزه في اللغة وإحاطته بمفرداتها، فلا يمكن أن يأتوا بنصٍ إلا وله فيه فهمٌ وله عليه شواهد، وبذلك استطاع أن يخطف الأضواء ولم يجد من يستطيع مناظرته، وقد وجد تاجر كتبٍ في طريقه إلى هذه البلاد فأرسل معه رسالةً إلى أمه، هي عبارة عن سلهام وزربية وعبد وتسعين درهماً، وكتب له كتاباً فيه: (سلامٌ بزيادة لام ماءٍ إلى لامه وإحدى خبر كأن في قوله ترديت إلى آخر كلامه، وإياك نعبد وإياك نستعين).
فأخذ صاحب الكتب هذا الكتاب فقرأه فلم يجد فيه ذكراً للرسالة التي معه، فأراد أن يأخذ الرسالة، وأن يأتي بالكتاب إلى المرأة، فأتى العجوز بالكتاب فقالت: هات الزربية والسلهام، والعبد والتسعين، فقال: من أين أخذتها؟ فقالت: لام ماءٍ هاءٌ لأنه يجمع على (أمواه) ويصغر على (مويه)، والهاء إذا أضيفت إلى لام سلامٍ كان سلهاماً.
وإحدى خبر كأن في قوله ترديت إلى آخر كلامه، تقول: راجعت ذهني في أبيات الشعر المبدوءة بترديت فوجدت قول غيلان: ترديت من أعلام نورٍكأنها زرابي وانهلت عليك الرواعدُ فإذاً: (كأن) خبرها هنا (زرابيُ) واحدتها (زربية).
وأما (إياك نعبد وإياك نستعين) فلم أفهمها، فعرفت أنها مصحفة، فقرأتها بدون نقاط فإذا هي: أتاك بعبدٍ وأتاك بتسعين! ففهمت الكلام كما هو.
стр. 1233
ذكر أنموذج للاعتناء بعلوم اللغة
ونظير هذا جرى لعدد كثير منهم، فـ الحسن بن زين القنامي ﵀ الذي ألف توشيح اللامية، وسبب تأليفه لهذا الكتاب أنه خرج في رفقةٍ إلى بلاد بوتة، وكان أهلها يعتنون بعلم اللغة إذ ذاك وكانوا من المبرزين فيها من عهد قيام دولة (السوكوتو) أو قبلها، فلما أتى هو ورفقته هذه البلدة، سألوهم هل هم من طلاب العلم؟ فقالوا: نعم.
فقالوا: فماذا تقرءون؟ قالوا: نقرأ الألفية، فسألوهم: ما وزن أرعوا؟ فلم يعرفوا وزنها، فقطع الحسن طريقه ورجع لدراسة الصرف، والتمكن فيه، حتى أضاف إلى اللامية قوله عند قول ابن مالك ﵀: وافعل لذا ألفٍ في الحشو رابعةٍ أو عارياً وكذاك بيخ اعتدل قال: والعيب واللون معناه به انعزل وعن مداه ارعوا كاحووا وخارجةٌ وارقدّ وازور عن معناته انفصل ومن ذلك ما حصل للعلامة البدوي ﵀ عندما أتى قوم وهو في رفقتهم فسألوه عن أم آمنة بنت وهب فلم يعرفها، فقطع طريقه ورجع لطلب العلم، حتى نظم عمود النسب، وسماها فيه برة بنت عبد العزى، ولذلك فالحفاظ على اللغة العربية كان مسئوليةً مشتركة في أهل هذه البلاد، فكثير مما حصل من المناظرات والهجاء في هذه البلاد كان انتصاراً للغة العربية، ألا ترون أن التهاجي الذي حصل بين عدد كبير من الشعراء في هذه البلاد كان بسبب الانتصار للغة العربية فقط؟ ليس على أي أساس آخر، ومن ذلك ما حصل بين الشيخين المبرزين في اللغة الشيخ سيدي محمد بن شيخ سدية والشيخ محمد بن أم حمدي رحمهما الله فقد كان بسبب الانتصار للغة العربية.
وكذلك ما حصل بين الشيخين المبرزين في اللغة العربية أبي مدين بن الشيخ أحمد دو والشيخ محمد بن أحمدي فقد كان أيضاً بسبب الانتصار للعربية، وكثير من التنافر الذي يحصل بين العلماء كان بسبب الانتصار لهذه اللغة.
стр. 1234
ذكر نماذج لاعتناء نساء المغرب العربي بالعلوم
وكان للنساء كذلك المشاركة الواضحة في هذا الباب، فعندما قال محمد مولود بن أحمد ﵀: حنانك ذا الحنان لمن يروم شفاء حيث تطلع النجوم إلى أن يقول فيها: إذا ابتسمت بعيد النوم وهنا وقد خلفت مباسم من ينوم يلوح البرق ثم يبوح مسكٌ فحسبك ما تشم وما تشيم فقال: (ينوم)، قال له أحد العلماء المعاصرين له، وهو العلامة عبد الودود بن عبد الله إن (نام) مضارعها (ينام) فلم يجد شاهداً يشهد لقوله، لكنه اقتنع بأنه موافق للسليقة وأن ما قاله لابد أن يكون لغة بعض العرب، وكانت أخت زوجته مغتربة في أرضٍ بعيدة، فكانت ذات يومٍ تطالع كتاب معجم الشعراء الأدباء للمرزباني فقرأت فيه قول الشاعر: أكابد من تماضر برح همٍ وذو التهيام عزك أن ينومَ فإذا هو شاهدٌ في عين المسألة فأرسلت به راكباً حتى أتاهم به.
وكذلك فإن ابنة هذا الرجل وهي سكينة رحمها الله، أتاها ضيوف في عام من الأعوام التي كانت تمر بأهل هذه البلاد من القحط والجدب، فقدمت لهم رسل نوقٍ لديها، فأنشد الضيف رفيقه قول ابن مالك ﵀ في النعت: ونعتوا بجملة منكراً فأعطيت ما أعطيته خبرا وامنع هنا إيقاع ذات الطلب فالجملة الطلبية لا ينعت بها، وإذا نعت بها فإن ذلك على تقدير قولٍ مضمرٍ وشاهد ذلك قول الراجز: بتنا بحسان ومعزاه تئط من لبن لها وسمن وأقط حتى إذا جنَّ الظلام واختلط جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذيب قط فلم يذكر الشاهد وإنما ذكر قول ابن مالك: وامنع هنا إيقاع ذات الطلب ففهمت أنهم يقصدون الشاهد على هذه القاعدة، فقالت: كلا والله ما مسه ماءٌ ولكنه رسل نوقٍ ليس لها مرعى إلا ماء ضبة، فعرف الرجل أنها فهمت المسألة قبل أن يفهمها رفيقه.
ونظير هذا ما حصل لزوجة العلامة محمد فال بن بابا بن أحمد بيبا رحمها الله، فإن رجلاً من الطلاب كتب لها بعد قدوم محمد فال من سفر كان سافره: لا يرفع المريد للأشياخ من حاجاته إلا الذي منها بطن ورفعه الظاهر نزر ومتى عاقب فعلاً فكثيراً ثبتا فأرسلت إليه بكحل وكان هذا جواب البيتين، لأنه هو يريد مسألة الكحل في ألفية ابن مالك وهي: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، وهذه المسألة هي التي يقول فيها ابن مالك في أفعال التفضيل: ورفعه الظاهر نزر ومتى عاقب فعلاً فكثيراً ثبتا كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديقِ ففهمت هذا بهذا اللغز، ونظير هذا كثير جداً، مما يقتضي منا المحافظة على مثل هذه القيم، وهذا التراث العريق الذي نحن بحاجة إليه، والأمة بحاجة كذلك إلى من يقوم بحفظ تراثها ونشره بين الناس.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1235
مسائل الإيمان
من المسائل التي يتكلم فيها العلماء مسألة الإيمان، ومذهب السلف أنه قول واعتقاد وعمل، وأن العمل جزء من الإيمان، وقد خالف في العمل بعض السلف، وقد بين الشيخ مرتبة هذا الخلاف وما يترتب عليه.
стр. 1236
تعريف الإيمان لغة واصطلاحاً
قال الناظم: [ذلك والإيمان كل قد شمل عقداً بقلب مع قول وعمل بنية في سنة وبالعمل زيادة ونقصاً المثل احتمل] قوله: (ذلك)، أي: اعرف ذلك، وهذا يسمى الاقتضاب، فبدأ الكلام على توحيد الله وهو الركن الأول من أركان الإيمان؛ لأن أركان الإيمان ستة هي: الإيمان بالله.
والإيمان بملائكته.
والإيمان بكتبه.
والإيمان برسله.
والإيمان باليوم الآخر.
والإيمان بالقدر خيره وشره.
وقد سبق الكلام على القدر عرضاً في ذكر صفات الله ، وكل ما سوى ذلك فهو داخل في الإيمان بالله ، فلهذا اقتضب هنا فقال: (ذلك) ومعناه: اعرف ذلك، وهذا مشهور في لسان العرب وهو دليل على بلاغة صاحبه، ويأتي بلفظ (هذا) أو (ذلك) وقد كثر في القرآن، ومنه قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، (ذلك) معناه: اعرف ذلك، أو: اعرفوا ذلك، ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤].
وقد يكون بلفظ (هذا)؛ لأنه اسم إشارة معناه: اعرف هذا، وإذا قلت: (ذلك) فهو اسم إشارة للبعيد، معناه: اعرف ما سبق المشرف التعظيم؛ لأن اللام بعد (ذا) تأتي للبعد إذا كانت مع الكاف، وهذا البعد المقصود به التعظيم، وإذا كان بلفظ (هذا) بالإشارة للقرب فالمقصود به: هذا الذي سبق، وهذا هو الذي يعنينا هنا، ومنه قول أبي الطيب المتنبي: هذا وإن مقام القول ذا سعة فإن وجدت لساناً قائلاً فقل
стр. 1237
اختلاف معنى الإيمان باختلاف حرف التعدية
وبدأ في المسألة الأخرى وهي تحديد الإيمان وتعريفه: والإيمان في اللغة: مصدر آمن، تطلق معداة باللام ومعداة بالباء، فالمعداة باللام معناها التصديق فيقال: (آمن له) بمعنى: صدقه فيما يقول، ومنه قول الله تعالى في قصة إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين.
وترد أيضاً معداة باللام بمعنى التسليم، فيقال: (آمن له) بمعنى سلمه أو حفظ غيبه فلم يتكلم في عرضه ولم يلمه في غيبته، ومنه قول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]، (يؤمن للمؤمنين) معناه: يأمنونه بظهر الغيب فلا يعتدي عليهم ويسلمهم.
ولذلك تلاحظون أنه فرق بين التعدية بالباء والتعدية باللام، قال: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).
وأما قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فإن اللام هنا ليست هي اللام التي كنا نذكرها في تعدية (آمن)، وليس المقصود بذلك أن لوطاً صدقه أو أنه سلمه بظهر الغيب، وإنما المقصود بذلك أن لوطاً آمن وكان ذلك له، أي: في ميزان حسنات إبراهيم، أو: اتباعاً له، فآمن اتباعاً له لوط، فمفعول آمن هنا محذوف معناه: فآمن بالله لوط له، أي لإبراهيم، والمعنى: اتباعاً له.
وأما (آمن) المعداة بالباء فإنها تقتضي زيادة على التصديق وهو التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك، والذي يقتضي عملاً، ولهذا لا يحل أن تعدى (آمن) بالباء إلا على ما هو ركن من أركان الإيمان، فتقول: آمن فلان بالله أو آمن بالرسول أو آمن بالكتاب أو آمن باليوم الآخر أو آمن بالملائكة أو آمن بالقدر، لكن لا يحل أن تقول: آمن بفلان من الناس، بمعنى: صدقه، ولا أن تقول: آمن بالمذهب الفلاني؛ لأن هذا وإن كان تصديقاً لكنه لا يقتضي الجزم، لكن يجوز أن تقول: آمن للمذهب الفلاني، أو آمن للخبر الفلاني، أو آمن لفلان، بمعنى: صدقه، لكن تعديتها بالباء تقتضي التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل، فلذلك تقصر على ما يجب الإيمان به مطلقاً.
стр. 1238
معنى الإيمان في كلام الشرع
والإيمان جاء في الشرع على إطلاقين: الإطلاق الأول: على الدين الذي جاء به النبي ﷺ ، وهو دين الإيمان ودين الإسلام، وحينئذٍ يترادف الإيمان والإسلام في التسمية، فهذا الدين اسمه الإسلام واسمه الإيمان أيضاً، فيدخل في ذلك شعبه كلها، وهي كما في الحديث: (الإيمان بضع وستون شعبة) وهذا لفظ البخاري، وفي صحيح مسلم: (بضع وسبعون شعبة)، وقد ذكر منها أن أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول لا إله إلا الله.
فالمقصود: أن كل ما جاء به النبي ﷺ من الاعتقادات والأقوال والأعمال والأخلاق والقيم، داخل في مسمى الإيمان بإطلاقه العام، وهذا الإطلاق هو الذي تجدونه في بعض النصوص الشرعية التي لا يذكر فيها الإسلام معه، مثل حديث وفد عبد قيس، فإنه أتى رسول الله ﷺ فقال لهم: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)، وعلمهم الإيمان بالله وحده، وهو أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وأن يقيموا الصلوات الخمس، وأن يؤدوا خمس المغنم، فهذا كله من الأعمال، وهو مسمى الإسلام أيضاً.
أما الإطلاق الثاني للإيمان: فهو على جزء الاعتقاد من هذا الدين، أي: على الجانب العقدي من هذا الدين، وهو الذي يسمى إيماناً بالمعنى الخاص، وقد جاء ذلك في قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وجاء في قول النبي ﷺ في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وجاء كذلك في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين: (أعطى رسول الله ﷺ رجالاً وترك رجلاً، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان فإني والله لأراه مؤمناً؟ فقال: أو مسلماً؟ فسكت، ثم غلبني ما أعرف منه فقلت: يا رسول الله، والله إني لأراه مؤمناً؟ فقال: أو مسلماً؟ ثم سكت، ثم عدت فعاد رسول الله ﷺ لمثل مقالتي، ثم قال: يا سعد إني لأعطي أقواماً خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار).
فهذا الحديث فيه تفريق بين الإيمان والإسلام، وكذلك في حديث جبريل السابق، وكذلك في آية سورة الحجرات، والمقصود بذلك أن الجانب العقدي من الإيمان يسمى إيماناً من باب تسمية الشيء باسم بعضه، مثل تسمية الإنسان الذي يُعتَق رقبة، والرقبة إنما هي جزؤه، ومثلما تقول: لدي خمسون رأساً من الغنم أو خمسون رأساً من الإبل، فهذا من تسمية الشيء باسم بعضه.
стр. 1239
ذكر اختلاف السلف في مسمى الإيمان وأدلتهم
ونظراً لاختلاف هذين المدلولين من ناحية العموم والخصوص كثر الخوض فيهما من لدن التابعين إلى زماننا هذا، فقد اختلف الناس في تحديد مسمى الإيمان من لدن عصر التابعين إلى وقتنا، فذهب جمهور التابعين وأتباعهم إلى أن الإيمان بالإطلاق الأول يدخل في مسماه كل الأعمال.
وذهب حماد بن أبي سليمان وعدد معهم من أئمة التابعين من أهل العراق، وتبعهم على ذلك كثير من أتباع التابعين مثل أبي حنيفة وأتباعه؛ إلى أن المقصود به عمل القلب فقط.
وهذا الخلاف، وإن كان قد اشتهر وانتشر وكثر الكلام فيه إلا أن الذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكرا أنه خلاف لفظي؛ لأن الجميع لا يختلفون في أن من صدق بقلبه ولم يتبع ذلك أي عمل أنه لا يتقبل منه، ولا يختلفون كذلك في أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان سيخرج من النار يوم القيامة، ولا يختلفون كذلك في أن هذه الأعمال شرطها الإيمان، فمن لم يكن مؤمناً بقلبه لا يتقبل الله منه أي عمل ولا ينفعه ذلك في شيء، فالخلاف إذاً خلاف لفظي.
لكن بعض الناس توهم أن الذين قالوا بالإطلاق الأخص للإيمان يقصدون بذلك مذهب المرجئة، فالمرجئة قوم بالغوا في ردة الفعل على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، فكانوا يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهؤلاء لم يقصدوا هذا المعنى ولا أرادوه وإنما أرادوا تفسير النصوص الشرعية، وفسروا الإيمان بمعناه الخاص الذي تدل عليه آية الحجرات، ويدل عليه حديث جبريل، ويدل عليه حديث سعد بن أبي وقاص.
والآخرون أخذوا بالجانب الآخر، أعني بالإطلاق الأول العام الذي يدل عليه عدد كبير من الأحاديث مثل حديث عبد القيس، ومثل حديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، ومثل حديث: (دعه فإن الحياء من الإيمان)، ومثل حديث: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً)، ومثل حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً)، وحديث: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)؛ كل هذا يقتضي أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان.
ومع هذا فقد أخطأ بعض المتأخرين حين صنف أولئك الأئمة من التابعين وأتباعهم بأنهم مرجئة الفقهاء، وهذا الاسم خطأ في حد ذاته؛ لأن فيه جراءة على هؤلاء الأئمة من السلف الذين هم أبعد شيء عن الإرجاء، فلا ينبغي أن يوصفوا بشيء لم يقولوه، والذي قالوه إنما هو تفسير للنصوص باعتبار الاستدلال الذي ذكرناه، ويعتمدون في ذلك على نصوص صريحة صحيحة مثل آية الحجرات، وحديث سعد بن أبي وقاص، وحديث جبريل.
стр. 1240
الكلام على زيادة الإيمان ونقصه
وقد تفرع عن هذه المسألة مسائل منها: مسألة زيادة الإيمان ونقصه.
стр. 1241
أقوال السلف في زيادة الإيمان ونقصه
ومسألة زيادة الإيمان ونقصه، قد اختلف فيها أيضاً على ثلاثة أقوال: فذهب جمهور السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، واستدلوا على ذلك بعدد من الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]، وكذلك قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وكذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، فهذا يقتضي زيادة الإيمان، وقد صح عن الرسول ﷺ أنه ذكر أن الإيمان يخلق ويجد في القلوب.
المذهب الثاني: ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة الذين ذكرناهم من أهل العراق مثل: حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما، حيث قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
والمقصود عندهم القناعة القلبية؛ لأن من لم يصل إلى درجة اليقين الجازم الذي لا يقبل الشك لا يسمى مؤمناً؛ لأننا عرفنا الإيمان في القلب بأنه التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل، فعلى هذا من لم يكتمل هذا الجزم في يقينه وفي قلبه لم يؤمن بعد؛ لأن من شك أقل شك فهو غير مؤمن.
المذهب الثالث: ما روي عن مالك ﵀ رواية لا أدري مدى صحتها، ولكنها مذكورة في بعض كتب العقائد، أنه قال مرة: إن الإيمان يزيد ولكنه لا ينقص، أو امتنع عن القول بنقصه، واستدل على ذلك بحرفية النصوص؛ لأن النصوص جاء فيها ذكر الزيادة ولم يرد في نص واحد منها ذكر النقص، فقال: أقف عند النص في مسمى الإيمان ولا أتعداه.
وكان ﵀ يعجبه التقيد بالنصوص في المجال العقدي، لما ذكرناه من أن قاعدة العقائد التسليم بالنص وعدم مجاوزته، ولم يرد في أي نص لا من كتاب ولا من سنة ذكر النقص، إلا قوله ﷺ : (إن الإيمان يجد ويخلق)، فقوله: (يخلق) يدل على النقص.
وأما قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،)، ونحو ذلك؛ فهذا لا يقتضي نقصه فقط بل يقتضي مفارقته لصاحبه، وقد اختلف في المقصود به فقيل: الوازع الناشئ عن الإيمان الذي يمنع الإنسان من اقتراف المعصية سماه النبي ﷺ هنا إيماناً، وهذا يفارق صاحبه وقت المعصية قطعاً.
وقالت طائفة أخرى: بل المقصود نور الإيمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فنور الإيمان يفارق الإنسان وقت مقارفته للمعصية، فسمي ذلك مفارقة للإيمان كله.
وقيل: إن النفي مجازي لا حقيقي؛ لأن المقصود أن هذا الإنسان لو كان يؤمن بأن الله ينظر إليه وهو الذي حرم عليه هذا لما فعله واقترفه؛ لأنه لو نهاه ذو سطوة وقوة عن أمر وكان قائماً عليه بالسيف لم يمكن ليفعله بين يديه وهو يخافه؛ لكن هذا من نقص العقل لا من نقص القناعة؛ لأنه قد يكون أحمق، فيقع فيما نهي عنه وهو يعلم أن العقوبة ستحل به، فيكون هذا نقصاً في عقله لا نقصاً في قناعته.
وعموماً فهذه الأقوال الثلاثة ينبغي أن تكون أيضاً على الخلاف السابق، وأن يكون المقصود أن الإيمان بمعنى فعل القلب، ولا خلاف بأنه لا يزيد ولا ينقص على هذا؛ لأن من كان شاكاً لم يتم جزمه بعد لا يعتبر مؤمناً، وإذا قصد به الإطلاق العام فلا شك أنه يزيد وينقص؛ لأن النبي ﷺ قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وهذا يقتضي كمال الإيمان، وقد ذكر أن له ذروة سنام، وأن له شعباً من استكملها استكمل الإيمان.
فإذاًَ: الخلاف لا ينبغي أن يعود خلافاً جوهرياً أيضاً.
стр. 1242
اختلاف القائلين بزيادة الإيمان في معنى ذلك
لكن المشكلة أن القائلين بزيادة الإيمان اختلفوا في المقصود بزيادة الإيمان التي تتعلق بالزيادة والنقص: فقالت طائفة: الزيادة والنقص إنما يقعان في نور القلب تبعاً للعمل، فمن كثرت طاعاته ازداد نور الإيمان في قلبه، ومن كثرت معاصيه انتقص نور الإيمان في قلبه، وعلى هذا فالزيادة والنقص على قدر زيادة العمل ونقصه، فالعمل الصالح يزيد الإيمان بزيادته وينقص بنقصه، والعمل الفاسد يزيد الإيمان بنقصه وينقص بزيادته.
ودليل هذا أنه ذكرت معه الأعمال، كما في حديث شعب الإيمان، وكحديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً)، (ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً)؛ فدل هذا على أن زيادة الإيمان تتعلق بالعمل نفسه.
القول الثاني: أن المقصود بزيادة الإيمان زيادة أجزاء ما يؤمن به الإنسان، فالإنسان في بداية معرفته بالله لا يعرف كثيراً من التفاصيل فيؤمن بأشياء قليلة، وكلما ازدادت معرفته بالله ازداد إيمانه، بمعنى: ازدادت أجزاء ما يؤمن به على ما كانت قبل ذلك، ولذلك فإن قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، لأنهم كانوا يؤمنون بالسور التي سبقت، وقد زاد ذلك بهذه السورة فآمنوا بها أيضاً، فازداد عدد ما يؤمنون به، وعلى هذا فإنها تزيد جزئيات ما يؤمنون به.
وأهل الإيمان كلما تعلموا شيئاً مما جاء به النبي ﷺ ازداد إيمانهم بذلك؛ لأنهم يؤمنون بتصديقه بهذه المسألة بعينها، كما قال أبو بكر: (إن كان قالها فقد صدق)، ولهذا إذا سمعت أي خبر يتعلق باليوم الآخر وعرفت صحته فقد ازداد إيمانك بتلك الجزئية؛ لأنك كنت تؤمن من قبل لكن كان إيمانك بالتفصيل فيما يتعلق باليوم الآخر يتعلق بما تعرفه فقط ولا يتعلق بما تجهل إلا إجمالاً، وقد عرفت بعض تلك الجزئيات فزاد إيمانك؛ لأنه زادت أفراد ما تؤمن به.
القول الثالث: أن المقصود بزيادة الإيمان قوته وتمكنه من القلب، وسمي ذلك زيادة مجازاً، والإيمان هو الإيمان، لكن بعض الناس يكون هذا الإيمان راسخاً فيه يباشر بشاشة قلبه ويتأثر به تأثراً بالغاً ويبقى معه دائماً، فيتصف بصفات الإيمان ومقتضياته من الأمانة، لقول النبي ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له)، ومن تمام خلقه لقوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وغير ذلك، فيكون الإيمان صفة راسخة في النفس.
والمقصود بنقصه أن يكون هذا الإيمان لم يرسخ بعد في النفس، فلم يؤثر تأثيراً بالغاً، فهو صبغة الله، ولا شك أن صبغة البياض مثلاً يتفاوت فيها المصبوغ، فمن المصبوغات ما يثبت فيه اللون ولا يسقط عنه ولا يغسله الماء، ومن المصبوغات ما يسقط لونه الماء أو ينقصه، فكذلك الناس يتفاوتون في الإيمان بحسب الصبغة، ولهذا عرف الله تعالى هذا الدين بأنه الصبغة بقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨]، بعد ذكره للإيمان به.
وهذه الأقوال الثلاثة يمكن الجمع بينها جميعاً فيكون كل هذا مقصوداً بزيادة الإيمان ونقصه.
стр. 1243
اشتراط الإخلاص في الإيمان
ذكر الشيخ أطراف هذه المسألة فقال: (والإيمان كله)، والكل يشمل جزئيات متعددة، وهذا يدل على أنه ذو جزئيات سواء تعلق الأمر بفعل الجوارح لتفاوت الناس به، كما قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، أو تعلق الأمر بعمل القلب؛ لأن الناس متفاوتون فيه بحسب ما يعلمونه تفصيلاً، وبحسب تمكن الإيمان منهم ورسوخه في نفوسهم، فلهذا قال (كل)، وكل (كلٍّ) لابد أن تعلم جزئياته، فلذلك ذكر الجزئيات بقوله: (قد شمل عقداً)، ومعناه: اعتقاداً بقلب، أي: بمكان الاعتقاد من النفس.
قوله: (مع قول)، وهو النطق بالشهادتين وبذكر الله ، والإقرار بتصديق الرسول ﷺ في كل ما جاء به.
قوله: (وعمل) وهو أعمال الجوارح الأخرى، مثل أركان الإسلام الخمسة.
قوله: (بنية)، معناه: لا يتم هذا الإيمان إلا بنية، أي: بقصد لذلك، فمن أقر باعتقاد قلبه مع قول ومع عمل لكنه لم ينو بذلك التقرب إلى الله وتصديق ما أرسل به رسله، فإنه لن ينفعه إيمانه، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، والإيمان من الأعمال، وهذا محل بحث: فقد ذكر بعض أهل العلم أن عمل القلب لا يحتاج إلى النية وإلا لاقتضى ذلك دوراً؛ لأن النية نفسها عمل قلب، ولا يمكن أن تكون النية محتاجة إلى نية، وإلا لاحتاجت تلك النية إلى نية ولاحتاجت تلك الأخرى إلى نية فيقع التسلسل، وهذا ممنوع.
لكن يجاب عن هذا بأن المقصود بنية الإيمان الإخلاص، والإخلاص شرط لكل عمل، فإذاً الإخلاص فيه لله هو المقصود بالنية هنا، وهذا معنى قوله: (بنية)، أي: بإخلاص.
стр. 1244
اشتراط المتابعة في أعمال الإيمان
قوله: (في سنة)، معناه: بموافقة لما شرع الله؛ لأن الإيمان عمل صالح والعمل الصالح له ركنان: أحدهما: الإخلاص.
والثاني: المتابعة والموافقة لشرع الله.
والمقصود بالسنة طريقة الأنبياء، والسنة في اللغة تطلق على الصبيب من كل شيء ومنه قول غيلان ذي الرمة: تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب وتطلق على الطريق في الجبل فيقال: في هذا الجبل سنة تصل إلى كذا، معناه: طريق.
وتطلق على الطريقة المعنوية في الخير كانت أو في الشر، ومن إطلاقها على الخير قول الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء:٧٧]، ومن إطلاقها على الشر ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران:١٣٧]، أي: المكذبين.
وأما في الاصطلاح: فيختلف إطلاق السنة باختلاف العلم الذي تطلق فيه، فهي عند المحدثين ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خلقي سواءً صلح ذلك دليلاً لحكم شرعي أو لم يصلح، فهي موافقة للحديث على هذا، وقيل: الحديث أخص منها؛ لأن الحديث في الأصل يطلق على الأقوال دون الأفعال والتقريرات، والسنة تشمل كل ذلك.
وهي عند الفقهاء: صفة الفعل الشرعي المأمور به أمراً غير جازم، فالفعل الشرعي المأمور به إما أن يؤمر به أمراً جازماً فهو الواجب، وصفته الوجوب، وإما أن يؤمر به أمراً غير جازم فهذا يسمى سنة، وفي ذلك تفصيلات تذكر في الأصول، وهي التفريق بين السنة والندب والتطوع والمستحب.
وأما في علم العقائد فالمقصود بالسنة: ما يخالف البدعة، ولهذا جاءت مخالفة للبدعة ومعارضة لها في مثل قول حسان ﵁ بين يدي رسول الله ﷺ : إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا سجية تلك منهم غير محدثة إن الخلائق فاعلم شرها البدع ولذلك كان مالك ﵀ يقول: فخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع والسنة هنا المقصود بها ما يخالف البدعة، فالشيخ هنا ينظم ﵀ كلام ابن أبي زيد في الرسالة، فإنه ذكر أن الإيمان لا يتم إلا باعتقاد، ولا يتم الاعتقاد إلا بقول، ولا يتم القول إلا بعمل، ولا ينفع اعتقاد وقول وعمل إلا بنية، ولا ينفع الاعتقاد والقول والعمل بالنية إلا بمتابعة السنة، والمقصود بذلك السنة عند أهل العقائد لا السنة عند من سواهم.
قوله: (وبالعمل زيادة ونقصاً المثل احتمل)، يقول: إن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وقوله: (المثل احتمل)، أي: الإيمان يحتمل الزيادة والنقص، فبزيادة العمل يزداد الإيمان وبنقصه ينقص، وهذا اختيار من الشيخ للمذهب الأوسط من المذاهب الثلاثة التي ذكرناها في الكلام على زيادة الإيمان ونقصه.
стр. 1245
الأسئلة
стр. 1246
تفاوت الناس في الإيمان بقدر ما يقوم بقلوبهم
السؤال
ما معنى قول حنظلة: (نافق حنظلة)، وما علاقته بالإيمان وزيادته؟
الجواب
بالنسبة لحديث حنظلة ﵁ أنه خرج يبكي فلقيه أبو بكر فسأله: (ما يبكيك؟ فقال: نافق حنظلة.
فقال: ولم؟ قال: إنا إذا كنا عند رسول الله ﷺ تذكرنا الجنة والنار، فإذا خرجنا من عنده وعاشرنا أهلنا لم نستشعر ذلك)، الحديث في صحيح مسلم، وهذا الحديث وإن كان يشعر بأن مقام التذكر والتأثر يتفاوت إلا أنه هنا يتعلق بالإحسان لا بالإيمان من ناحية المصطلح العقائدي.
فقد ذكرناه أن الدين ثلاثة عناصر: الإيمان.
والإسلام.
والإحسان.
فحديث حنظلة هنا يتعلق بالإحسان، لأنه فيما يتعلق بإيثار الآخرة على الأولى والانشغال بها، وتعلق القلب بالله وبما عنده، والخوف منه ورجائه، فهو فيما يتعلق بالرجاء والخوف والاتصال بالله، لا فيما يتعلق بالإيمان من حيث الجانب العقدي.
كذلك ما ورد في الآثار من نسبة زيادة الإيمان لبعض الناس مع أن أعمالهم ليست أكثر من أعمال من سواهم، لكن إخلاصهم وأعمالهم الباطنة قد تكون أكثر، والعمل هنا يشمل الجميع.
وأيضاً: فقد تطلق زيادة الإيمان على الإطلاق الأول الذي لا خلاف فيه، وهو إطلاق الإيمان على كل ما جاء به النبي ﷺ ، فيكون المقصود بذلك الاجتباء.
فإن الله قسم أهل الإيمان إلى قسمين: القسم الأول: الذين اجتباهم، وهؤلاء ملأ الله قلوبهم من الإيمان دون أن ينشغلوا ودون أن يتعبوا أنفسهم بالمجاهدة.
والقسم الثاني: الذين هداهم، وهؤلاء هم الذين أتعبوا أنفسهم بالمجاهدة وبمحاولة زيادة القناعة وزيادة الطمأنينة في القلب.
وذكر الله القسمين في قوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، فالاجتباء لم يشرطه إلا بمشيئته، والهداية اشترطها بالإنابة، والإنابة من عمل المكلف وفعله، وبهذا يتبين الفرق بين الأمرين.
وهذا المعنى قد أخذه الصوفية حين فرقوا بين الجانبين، فذكروا أن الواصلين لله بمعرفة الله ينقسمون إلى قسمين: أهل اجتباء، وأهل هداية.
فأهل الاجتباء سموهم بالمجذوبين، وأهل الهداية سموهم بالسالكين، ولذلك يقولون: المجذوب لا يُسلِّك، والسالك يمكن أن يُسلِّك.
المقصود هنا: أن من ملأ الله قلبه بقناعة الإيمان دون أن يتعب نفسه بالعمل ودون أن يتعب نفسه بالتعلم والمجاهدة لا يستطيع أن يربي غيره؛ لأنه ما عرف المفاوز ولا عرف كثيراً من العلل والمشكلات التي تمر بها النفوس.
أما السالك الذي تعب بالمجاهدة والصبر، فصبر عن معصية الله وصبر على طاعته، وعانى مزالق النفوس وعرف أوقات الضعف وأوقات الإقبال على الله ؛ فإنه يستطيع أن يُسلِّك، بمعنى: يستطيع أن يربي.
وهذا الكلام وإن كان في الأصل مصطلحاً من مصطلحاتهم لكنه مقبول شرعاً؛ لأنك تعرف الآن أن بعض الناس أذكياء بفطرتهم، يمكن أن يقرأ أحدهم الكتاب فيستوعبه بالمرة الواحدة لكنه لا يستطيع شرحه، أما من درس الكتاب وشرح له وفهمه، فإنه يستطيع أن يشرحه وأن يبين كثيراً من الأمور التي لا يمكن أن يعرفها الأول بمجرد القريحة.
فإذاً: هذا فرق بين الأمرين، فهو مثل الفرق بين طريقتي الجذب والسلوك.
وعلى هذا فأولئك الإخوان الذين جاءت فيهم بعض القصص والحكايات وبعض الآثار الصحيحة، واتصفوا بزيادة منسوب الإيمان ومستواه، لعلهم من الذين اجتباهم الله ولم يتعبوا أنفسهم بالمجاهدة والعمل، ولهذا جاء في حديث أبي موسى الأشعري في صحيح البخاري: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أسلم وأقاتل، أم أقاتل ثم أسلم؟ فقال: أسلم ثم قاتل، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ : قد عمل هذا قليلاً وأجر كثيراً)، فهذا أصبح من أعلى الصحابة منزلة؛ لأنه أصبح من الشهداء مع النبي ﷺ .
ومثل هذا يقال فيما يتعلق بالذين ماتوا قبل أن ينزل كثير من القرآن، فإن خديجة بنت خويلد توفيت ولم تصل الصلوات المفروضة، ولم تصم؛ لأن رمضان ما فرض بعد، ولم تحج حجاً واجباً؛ لأن الحج ما فرض إلا بعد موتها، ولم تزك؛ لأن الزكاة لم تفرض إلا في المدينة، ومع ذلك فهي من أكمل الناس إيماناً، وكثير من التفصيلات لم تتعلمها قط.
وكذلك صاحب عبد الله بن عمرو الذي قال له: (إني لاحيت أبي فأريد المبيت عندك إلخ)، فليس عنده كثير صلاة ولا كثير صيام ولا ذكر، لكنه كان لا يجد في قلبه ضغينة على مسلم، فبهذا شهد له النبي ﷺ بالجنة.
стр. 1247
معنى أن المؤمن لابد أن يخرج من النار
السؤال
يذكر أهل العلم أن النجاة الأخروية مشروطة بالإيمان، فهل ينفع ذلك بدون عمل؟
الجواب
بالنسبة لما يذكره أهل العلم من أن النجاة الأخروية مشروطة بالإيمان، فهذا لا خلاف فيه بين الناس؛ لأن من لم يؤمن فإنه لو عمل أمثال الجبال من الأعمال الصالحة فإنها لا تنفعه، لقول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
فالمقصود أن من كان مؤمناً فإنه سيخرج من النار إذا مكث فيها قدر ما ينقيه؛ لأن الله سيقول: (وأخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).
وأما من كان كافراً بالله وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان فإنه إلى النار قطعاً، ولهذا قال النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي، إلا كبه الله على وجهه في النار)، فمن مات على الكفر سيدخل النار خالداً مخلداً لا يخرج منها أبداً، ومن مات وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان فصاعداً فإنه لابد أن يخرج من النار حتى لو دخلها، وهذا المقصود بأن الإيمان شرط النجاة.
وكذلك حديث القبضة الربانية التي يقبضها الله من أهل النار فيدخلها الجنة، فإنه يحمل على من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ لأن من ليس كذلك لا يدخل الجنة، ويمكن أن يحمل على الذين لم يكلفوا أصلاً، ولعلهم ممن دخل بسوق آدم، لأن آدم سيخرج بعث النار بأمر الله تعالى له من أرض المحشر، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فتكون القبضة من هؤلاء، ولذلك جاء في حديث الشفاعة: (انتهت شفاعة الشافعين وبقيت شفاعة أرحم الراحمين)، فالله يشفع لمن لم يشفع له ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهذه شفاعة أرحم الراحمين عندما تنقضي الشفاعات الأخرى.
стр. 1248
التوفيق بين غضب الله الشديد في المحشر وادخاره للرحمة إلى يوم القيامة
السؤال
جاء في حديث الشفاعة: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله)، أين هو من رحمته حيث ادخر تسعاً وتسعين رحمة، وأنزل في الدنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها إلخ؟
الجواب
تلك الرحمات التسع والتسعين مدخرة لعباده المؤمنين في الجنة فقط، وأما أهل المحشر فإن رحمتهم إنما هي من رحمة أهل الدنيا؛ لأنهم يرحمون بمحمد ﷺ بشفاعته، وهو رحمة مهداة إلى أهل الدنيا، فهي من الرحمة الواحدة.
стр. 1249
فتور المؤمن في مقامات اليقين
السؤال
الخوف والإشفاق والخشية من مراتب الإيمان، والإنسان قد تضعف عنده هذه الأمور أحياناً، فما السبب، وهل يكون ذلك من ضعف الإيمان؟
الجواب
بالنسبة للإشفاق والخوف والخشية كلها مراتب متقاربة من مراتب الإحسان، وكلها من مقامات اليقين ومن أقسام الإحسان، وليست من مراتب الإيمان.
وبالنسبة للفتور الذي يصاب به أهل الإيمان في بعض الأحيان فإنه ينشأ عن أمور متعددة، منها: أولاً: المطاعم والمشارب، فهذه كثيراً ما تؤثر في إيمان صاحبها، فكم من شربة يشربها الإنسان أو لقمة يلتقمها تعطله عن طاعة عظيمة، وقد تكون هي مباحة في حد ذاتها لكنها غير مباركة، لم يبارك الله فيها، فتقعد بصاحبها عن بعض الأعمال.
ولذلك فالبركة شيء في المطاعم والمشارب نفسها، فمثل ما نقدر نحن اليوم الفيتامينات والبروتينات في التغذية فكذلك البركات مثلها تماماً، لكننا لا نستطيع قياسها ولا نستطيع اكتشافها مثلما نكتشف البروتينات والفيتامينات.
ولهذا فإن النبي ﷺ ذكر في موانع استجابة الدعاء الأكل من الحرام، قال: (إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟).
كذلك من أسباب هذا الفتور الاندفاع الشديد؛ لأنه يقتضي من الإنسان حصول المشقة في بدنه فتكون نفسه قد سبقت بدنه، فتبذل نفسه ما لا يستطيع البدن تحمله فتخونه قواه، وهذا ما نبه إليه الرسول ﷺ في قوله: (فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) وفي قوله: (فأوغلوا فيه برفق).
وكذلك أخرج البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، قال: حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين إلا غلبه)، وفي رواية: (ولن يشاد الدينُ إلا غلبه) وفي رواية: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا قاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
السبب الثالث من أسباب هذا الفتور: استعجال النتائج: فكثير من الناس يعلق آمالاً بحصول نتائج معينة، وهذه النتائج ليست بنات الأسباب، فالنتائج من قدر الله والأسباب من قدر الله، لكن لا يحل التوكل على الأسباب والاعتماد عليها، بل هو شرك، ولا يحل تركها، بل هو معصية، فعلى الإنسان أن يباشر الأسباب وهو يعلم أن النتائج إلى الله إن شاء أداها وإن شاء لم يؤدها، وعلى هذا فإن من تعلق قلبه بتلك النتائج كثيراً ما يمتحنه الله بتأخرها.
وفي القاعدة الفقهية المعروفة: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فكثيراً ما يعاقب بحرمان ذلك، ومن هنا يصاب بإحباط فيقتضي ذلك فتوراً منه.
ومن أسباب الفتور: عدم وجود المنافسة، فالنفوس مبنية على الملل، وإذا شعر الإنسان بالمنافسة ازداد تضحية، فإذا لم يشعر بالمنافسة فإنه يكسل، وقد قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وكانت منافسة الصحابة فيما بينهم للتضحية في سبيل الله والبذل.
стр. 1250
أقسام رضوان الله ومن يستحقه
السؤال
ورد في حق أهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وفي حق عثمان: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، فما حكم الذنوب التي يفعلونها بعد ذلك؟
الجواب
لا شك أن بعض الأعمال قد يرتب الله عليها رضوانه الأكبر، فإذا رضي عن قوم رضاه الأكبر الذي لا خطر بعده فإنه لا يضرهم ما فعلوا، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك: فقالت طائفة منهم: يفعلون الذنب وهو مغفور، فتسبق المغفرة الذنب أصلاً، فنحن الآن قد يغفر الله لنا إذا تبنا واستغفرنا، وأولئك ذنوبهم سبقتها المغفرة، فهم يفعلون الذنب وهو مغفور أصلاً.
وقالت طائفة أخرى: بل يفعلونه ذنباً مبغوضاً إلى الله ، ثم يتوب الله عليهم وقد تعهد لهم بذلك فتوبته عليهم تأتي بعد وقوعهم في الذنب.
فمن الذين حل عليهم رضوان الله الأكبر الذي لا سخط بعده، الذين شهدوا معركة بدر، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
وكذلك الذين بايعوا تحت الشجرة، فأنزل الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨]، ولذلك قال النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة).
وفي حديث جابر في صحيح مسلم أنه قال لهم حين بايعوه تحت الشجرة: (أنتم أفضل أهل الأرض)، وفي رواية: (أنتم خير أهل الأرض).
وكذلك في حديث عثمان بن عفان: (لا يضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، وذلك حين جهز جيش العسرة واشترى بئر رومة فجعل دلوه فيه كدلاء المسلمين، ونحو ذلك من الأعمال.
لكن هذا لا يمكن أن يكون نوعاً من العمل يقاس عليه فمن فعله أثيب هذا الثواب، وإنما يعرف هذا بالوحي: هل حل رضوان الله الأكبر وعلى فلان من الناس أو لم يحل.
فقد عرفنا نحن بالوحي أن رضوان الله الأكبر حل على كل من حضر معركة بدر وكل من بايع تحت الشجرة، فهم أقوام بأعيانهم، أخبر الله عنهم رسوله ﷺ ، لكن لا يمكن أن نقول: الآن من جهز ثلاثة آلاف مجاهد مثلما فعل عثمان حلَّ عليه رضوان الله قياساً على عثمان، بل لا يعلم من تقبل منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
فإن قيل: يمكن أن يحل رضوان الله الأكبر يقع على بعض الناس اليوم؟ فالجواب: قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]، نسأل الله أن يحل علينا رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده، ونحن لا نمنعه أبداً لكننا لا نطلع عليه؛ لأن الوحي قد انقطع، وهو لا يعلم إلا عن طريق الوحي، لكن نسأل الله أن نكون ممن حل عليه رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده.
والرضوان ينقسم إلى قسمين: رضوان أصغر، ورضوان أكبر.
فالرضوان الأصغر: هو المتعلق بذنب بعينه، كمن أسلم بعد الكفر، أو تاب من ذنب معين فتاب الله عليه، فهذا رضوان أصغر، يمكن أن يذنب الإنسان بعده ويكتب عليه ذلك الذنب.
والرضوان الأكبر: هو الذي يغفر ما تقدم من الذنب وما تأخر، ومما يدخل في الرضوان الأكبر ما أخرجه البخاري في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد يذنب ثم يقول: يا رب أذنبت وعلمت أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقد استغفرتك وتبت إليك فاغفر لي، ويقول الله: قد فعلت، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يذنب، فيقول: يا رب أذنبت وعلمت أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقد استغفرتك وتبت إليك فاغفر لي، فيقول الله: قد فعلت، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يذنب، فيقول: يا رب أذنبت وعلمت أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقد استغفرتك وتبت إليك فاغفر لي، فيقول الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، لا يضر عبدي ما فعل بعدها أبداً)، فهذا يحل عليه رضوان الله؛ لكننا لا نعرف هذا بعينه، ولا نعرف أن الله أجاب أحداً منا بهذا إلا عن طريق الوحي، والوحي قد انقطع بموت النبي ﷺ .
لكن هذا من الرضوان الأكبر، لأنه في المرة الأولى قال: (قد فعلت)، وهذا رضوان أصغر، والمرة الثانية أيضاً رضوان أصغر، والمرة الثالثة رضوان أكبر.
стр. 1251
حسن الخلق وكمال الإيمان
السؤال
ما المقصود بحسن الخلق في حديث: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)؟
الجواب
بالنسبة لحسن الخلق الذي قال فيه النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا) المقصود به ما يكون من حسن التعامل مع الله ومع الناس، فهو يشمل ما يقتضي من الإنسان الإحسان عموماً الإحسان في أدبه مع الله، والإحسان في معاملته لوالديه والإحسان في معاملة أهله ولده، والإحسان في معاملة جيرانه، والإحسان في معاملة عامة المسلمين، والإحسان في معاملة سائر الناس.
إن الرسول ﷺ يقول فيما روي عنه من حديث أبي ذر ﵄: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، وهذه هي الرحمة، والله كتبها على نفسه فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
ولذلك يقول الحكيم: ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الرفق والشفقه وقّر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه فهذا الخلق هو ركن ركين من أركان هذا الدين، وهو أساس القيم التي جاء بها هذا الدين وفرضها وشرعها، ولذلك من أراد أن يتعامل مع هذا الدين في برود وجفاف ولا يستعمل جانبه العاطفي فيه ولا يهتم به، لا يمكن أن يكون من أكمل المؤمنين إيماناً أبداً، لأنه يهمل هذا الجانب فتقع منه مجازفات وتنطع وتشدد على الناس في غير موضعه.
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج أن رجلاً قال لـ عطاء بن أبي رباح: (يا عطاء! إنك يجتمع في مجلسك الناس -يقصد الفرق الإسلامية- وإني أكلمهم فاشتد عليهم ولا أراك تفعل ذلك، فقال: إني سمعت قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣])، فيدخل في ذلك اليهودي والنصراني.
стр. 1252
من خصائص المصطفى ﷺ
لا منة علينا لأحد -بعد الله- مثل ما لهذا النبي الكريم، إذ هدانا الله به إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم، وقد خصه الله بخصائص عظيمة، ومناقب كبيرة، منها أنه صاحب المقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق حتى الأنبياء.
стр. 1253
الشفاعة في الآخرة
قال الشيخ: كذا من الذي اصطفي به الشفاعة لأهل الموقف قد اصطفي رسول الله ﷺ وشرف بعدة أمور عمن سواه، منها الشفاعة العظمى، وقد جاء فيها عدد من الأحاديث، منها قوله ﷺ : (أوتيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي)، وفي الحديث الآخر: (وأوتيت ستاً لم يعطهن نبي قبلي)، فذكر منهن: أنه كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة.
وأنه جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل.
وأنه أحلت له الغنائم ولم تكن مباحة لمن سبقه.
ومنها الحوض المشهود الذي يرده الناس، فهو مختص به ﷺ .
ومنها الشفاعة الكبرى، فهي من خصائصه ﷺ .
فهذه بعض الميزات التي اختص الله بها رسوله ﷺ ، ومن أعظمها الشفاعة.
قال: (كذا) معناه: مثل ما سبق من اختصاصه بعموم الرسالة المترتب على أن معجزته الوحي الذي أوحاه الله إليه؛ كذلك مما (اصطفي به) أي: شرف به على غيره من الرسل؛ (الشفاعة)، والشفاعة مصدر شفع يشفع إذا طلب الإذن أو الصفح عن غيره، أو قضاء حاجة، فهذا هو الذي يسمى شفاعة.
والشفاعة تزاد بها منزلة صاحبها؛ لأنها وجاهة له ومنزلة، ويزاد بها أجره أيضاً؛ لقول النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)، وقال: (إني لأرجئ الأمر وأنا أريد أن أفعله رجاء أن يشفع فيه أحدكم)، فهذا مما يزيد منزلة الشخص.
والشفاعة عند الله يشترط لها -بالإضافة إلى وجاهة الشافع- الرضا عن المشفوع له، فمن ليس مرضياً عند الله لا يمكن أن يشفع له أحد، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فلا يشفع عنده إلا لمن أذن في الشفاعة له.
والشفاعات ثمانية أقسام اختص الله رسوله ﷺ بثلاث منها هي: ١ - الشفاعة العظمى.
٢ - والشفاعة الصغرى.
٣ - والشفاعة الوسطى.
وهذه الثلاث من خصائص النبي ﷺ .
стр. 1254
الشفاعة العظمى
الشفاعة العظمى هي: الشفاعة في أهل المحشر جميعاً بعد أن يطول بهم الموقف، وهذه الشفاعة صح بها عن رسول الله ﷺ عدد من الأحاديث، منها قوله: (إن الناس إذا جمعوا في الساهرة يلجمهم العرق إلجاماً، وتدنو الشمس حتى تكون كالميل، ويطول بهم الموقف، فيذهبون إلى العلماء فيقولون: كنا نرجع إليكم في أمورنا في الدنيا، فيقولون: ليس اليوم لنا إنما هو للأنبياء، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيمينه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول آدم: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله وأكلت من الشجرة، ولكن اذهبوا إلى نوح.
فيأتونه فيقولون: يا نوح! أنت أبو البشر بعد آدم فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار -وفي رواية أنهم يقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض- فيقول: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني سألت الله ما لم يأذن لي به, ولكن اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتونه فيقولون: يا إبراهيم! قد اصطفاك الله لخلته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات، ولكن اذهبوا إلى موسى.
فيأتونه فيقولون: يا موسى! قد اصطفاك الله برسالاته وبكلامه فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول موسى: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم يؤذن لي بقتلها، ولكن اذهبوا إلى عيسى.
فيأتونه فيقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول عيسى: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني عبدت من دون الله -لا يجد شيئاً يذكره إلا هذا- ولكن اذهبوا إلى محمد ﷺ .
فيأتونه فيقولون: يا محمد! أنت خاتم الرسل، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول محمد ﷺ : أنا لها، فيخر ساجداً تحت العرش، ويلهمه الله ثناء عليه لم يلهمه أحداً قبله، فيناديه: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط.
فيشفع للناس، فيخرجون من هول الموقف).
وهذه هي الشفاعة الكبرى التي تشمل آدم ومن دونه، فكل الخلائق يدخلون فيها.
стр. 1255
الشفاعة الصغرى
الشفاعة الثانية: الشفاعة الصغرى، وهي أخص الشفاعة، وهي الشفاعة لرجل من أهل النار قد أوجب، فيشفع له رسول الله ﷺ بتخفيف العذاب عنه، فيقف على ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، وفي رواية (تجعل جمرتان تحت أخمصيه يغلي منهما دماغه)، والراجح أنه أبو طالب، لا يمسه شيء من عذاب النار إلا جمرتان تحت أخمصيه يغلي منهما دماغه، وهذا بشفاعة النبي ﷺ .
ولا تحل الشفاعة لأي كافر سواه، وهذه من خصائصه لأن الله قال لإبراهيم ﵇: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤]، وأخبرنا أنه جعل لنا أسوة حسنة في إبراهيم إلا قول إبراهيم لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]، هذا ليس لنا أسوة فيه.
стр. 1256
الشفاعة الوسطى
الشفاعة الثالثة: الشفاعة الوسطى: وهي الشفاعة في دخول الجنة، وهي أيضاً من خصائص النبي ﷺ ، فهو أول من يحرك حلقة الباب، فيشفع لأهل الجنة في دخول الجنة بعد مجاوزة الصراط.
فهذه ثلاث شفاعات مختصة برسول الله ﷺ .
стр. 1257
ذكر أنواع الشفاعة الأخرى
بعد هذه الشفاعات تأتي شفاعة مختصة برب العالمين، وهي أنه إذا انتهت شفاعة الشافعين، ومكث أهل النار فيها ما مكثوا، فإن الله تعالى يقول: انتهت شفاعات الشافعين، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيؤمر بأقوام قد اسودوا وامتحشوا فيخرجون من النار، وهؤلاء هم الذين قالوا: لا إله إلا الله، ثم الذين في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان، أو الذين في قلوبهم مثقال خردلة من إيمان إلى آخره، وهؤلاء يتفاوتون بحسب ذلك، فأول من يأمر الله بإخراجهم من النار بعد نهاية شفاعة الشافعين من قال: لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك من كان في قلبه شيء من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم مثقال ذرة من إيمان، وهكذا.
وهذه الشفاعات ليست التي فيها الحثيات، بل هؤلاء يخرجون من النار بشفاعة أرحم الراحمين.
ثم بعد هذه تأتي الشفاعات الأخرى ومنها: الشفاعة الخامسة: الشفاعة في إخراج المذنبين من الموحدين من النار، فإن أهل التوحيد من كل الأمم يدخلون النار بمعصيتهم، ويخرجون منها بإيمانهم، من شاء الله له منهم ذلك، ومن شاء الله عفا عنه ولم يعذبه أصلاً، ومن شاء عذبه في البرزخ عذاب القبر ويذهب عنه به عذاب النار؛ لأن عذاب القبر من مكفرات الذنوب، ومن شاء عذبه بناره لكنه لا يخلد فيها، فمن كان من أهل الإيمان لا يخلد في النار، وهؤلاء يخرجون منها بالشفاعات، شفاعة الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، فهذه الشفاعة عامة شاملة من ناحية الشافع، خاصة من ناحية المشفوع، فهي مختصة بالذين في النار من أهل الإيمان.
ثم الشفاعة السادسة: وهي الشفاعة في الحقوق، فإن بعض الناس يأتي وله حقوق على غيره، فيجازيهم الله عنها بالشفاعة، ويقول: (يا عبدي! لك على فلان كذا وكذا، أيرضيك أن أعطيك كذا فتسامحه؟).
ثم بعد هذا الشفاعة السابعة: وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض المجرمين من المؤمنين، وهؤلاء لا يصلون إلى درجة الخروج من النار، ولكنهم يخفف عنهم العذاب بشفاعة الشافعين كنقص المدة ونقص أنواع العقاب، نسأل الله السلامة والعافية! ثم الشفاعة الأخيرة: الشفاعة لأهل الجنة في إعلاء منزلة بعضهم، وجمعه بأهله وأقاربه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]، وفي القراءة الأخرى (ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء).
فهؤلاء تلحق بهم ذرياتهم، وتجمع معهم، والذرية تطلق على الآباء والأبناء، فمن إطلاقها على الآباء قول الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]، فذريتهم التي حملت في الفلك المشحون معناها: آباؤهم الذين حملوا مع نوح.
وإطلاقها على العقب مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ [الأنعام:٨٤]، الآية.
فهذه هي الشفاعات الأخروية.
стр. 1258
الكلام على الشفاعة في الدنيا
الشفاعة في الدنيا هي الشفاعة عند الله تعالى في الوصول إلى الحقوق؛ وهي باستجابة الدعاء، وهذا لكل الرسل وللصالحين من عباد الله تعالى، وللملائكة المقربين فإنهم يشفعون للمؤمنين، وقد جاءت في ذلك آيتان إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة.
فالمطلقة قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥].
والمقيدة في قوله تعالى في سور المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].
فدعاء الملائكة لأهل الأرض مختص بالذين آمنوا واتبعوا.
كذلك الشفاعة بالدعاء للمطر ونحو ذلك، وقد كان الناس يلجئون إلى رسول الله ﷺ في هذا، فيدعو لهم فينزل المطر، ولذلك سره ﷺ حين أتاه رجل وهو على المنبر كما في حديث أنس فقال: يا رسول الله! هلكت البهائم وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يسقينا، فاستسقى وما في السماء قزعة فرأوا غمامة من قبل سلع، وجاء المطر واستمر أسبوعاً ثم جاء الرجل وهو على المنبر في الجمعة الأخرى يستصحي، فتهلل وجه رسول الله ﷺ وقال: (من يحفظ قول أبي طالب؟) فأنشده أبو بكر ﵁ قول أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل ومن هذا النوع استسقاء عمر بدعاء العباس، كما أخرج البخاري ذلك تعليقاً في الصحيح، فهذا الاستشفاع بدعاء الناس في الدنيا من قبيل الشفاعة؛ لكن من قبيل الشفاعة الدنيوية فقط، وإنما يختار له من يدعو ممن يظن به الخير ممن يعرف بذلك، ولهذا أوصى النبي ﷺ عمر بن الخطاب إذا أتاه أويس القرني أن يسأله أن يستغفر له.
والشفاعة العامة هي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي وعد الله به رسوله ﷺ في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون هو مقام الشفاعة، وهي المنزلة الرفيعة التي ادخرها الله لعبد عنده، وقد رجا رسول الله ﷺ أن يكون هو، فحقق الله له ذلك، وهذه الشفاعة هي مقصود الشيخ في قوله: كذا من الذي اصطفي به الشفاعة لأهل الموقف وأهل الموقف هم أهل المحشر، وسمي موقفاً لوقوف الناس أجمعين؛ لأن الناس حينئذ يقومون لرب العالمين، ولا يجلس أحد منهم من هول الموقف، ويطول بهم الوقوف حتى يذهب عرقهم في الأرض كثيراً، وحتى يلجمهم العرق ويتفاوت الناس في ذلك بحسب أعمالهم، منهم من يصل العرق إلى ثدييه، ومنهم من يصل إلى ترقوتيه، ومنهم من يلجمه إلجاماً.
стр. 1259
وجوب الإيمان بالسنة والعمل بها
فآمنوا به وما أتى به فاقفوا وإن لم يأت في كتابه أي: فآمنوا به ﷺ ، فإن الإيمان به هو شهادة أن محمداً رسول الله، وهو مكمل لشهادة أن لا إله إلا الله، لا يمكن أن تقبل شهادة أن لا إله إلا الله بعد بعثة محمد ﷺ إلا ممن شهد أن محمداً رسول الله، لذلك قال: (فآمنوا به).
والله تعالى أمر بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].
стр. 1260
ما أتى في السنة فقد أمر القرآن باتباعه
فآمنوا به وما أتى به فاقفوا وإن لم يأت في كتابه فمن تمام الإيمان به ﷺ أن يصدق في كل ما أخبر به، وأن يطاع في كل ما أمر به، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وهو ما بين النبي ﷺ ، وهذا قوله: (وما أتى به فاقفوا).
أي: كل ما جاء به من عند الله تعالى فيجب اقتفاؤه أمراً كان أو نهياً، فالأمر اقتفاؤه بعمله، والنهي اقتفاؤه باجتنابه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
(وإن لم يأت في كتابه)، أي: في القرآن، (فإنه أوتي مثله معه)، وهذا ما أخبر به النبي ﷺ في أحاديث متعددة منها حديث المقدام بن معدي كرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يوشك أن يأتي رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)، وكذلك قوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).
فعلى هذا فإن كل ما صح عن النبي ﷺ من التشريع سواء جاء في القرآن أو في السنة يجب اتباعه واقتفاؤه، ولذلك صح عن ابن مسعود أن امرأة أتته فقالت: (يا أبا عبد الرحمن سمعت أنك تلعنني، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله، وكانت هذه المرأة واشمة تشم النساء، فقالت: لقد قرأت المصحف من الجلدة إلى الجلدة وما وجدت فيه ذلك، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما وجدت قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، لقد سمعت رسول الله ﷺ يلعن الواشمات والمستوشمات).
стр. 1261
علاقة السنة بالقرآن
وعند قوله: (وإن لم يأت في كتابه) تأتي علاقة السنة بالقرآن، وقد ذكر العلماء ستة أوجه في علاقة السنة بالقرآن: الوجه الأول: أن تكون السنة مفسرة للقرآن، أي: شارحة له، وذلك مثل قوله ﷺ في حديث حفصة: (ألا إن الورود العبور)، وذلك تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، فبين أن الورود المقصود به العبور على الصراط.
ومثل قوله: (المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى).
الوجه الثاني: أن تكون مخصصة لعام القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فهذا عام؛ لأن (أل) في السارق حسية تشمل كل سارق، وكذلك السارقة، وقد خصص ذلك رسول الله ﷺ بسارق النصاب، وبين أنه ليس فيما دون ثلاثة دراهم قطع، وأنه من أخذ بفيه غير متخذ خبنة فلا قطع عليه، فهذا كله تخصيص للعام.
الوجه الثالث: أن تكون السنة مقيدة لمطلق القرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن الله أطلق الصيام والصدقة والنسك، ولكن قيد ذلك رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة فقيد الصيام بثلاثة أيام، والإطعام بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك بشاة.
الوجه الرابع: أن تكون السنة ناسخة للقرآن، وذلك مثل قوله ﷺ : (خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، كما في حديث عبادة بن الصامت.
وكذلك قوله ﷺ : (إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث).
فالحديث الأول ناسخ لآية النساء وهي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] , فبين ذلك السبيل السنة.
والحديث الثاني ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠].
وهذه وإن كانت محل خلاف لكن الراجح أنها منسوخة بالسنة فقط وليست بالكتاب؛ لأن السنة هي التي بينت أنه لا وصية لوارث، أما الكتاب فليس فيه تصريح أنه لا وصية لوارث.
الوجه الخامس: أن تكون السنة منسوخة بالكتاب، وذلك مثل صلاته ﷺ سبعة عشر شهراً إلى الشام بالمدينة فنسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فنسخت السنة بالكتاب.
الوجه السادس: أن تكون مضيفة حكماً ليس في الكتاب، وذلك مثل قوله ﷺ : (كل ذي مخلب من الطير فأكله حرام، وكل ذي ناب من السباع فأكله حرام).
ومثل حديث أبي هريرة ﵁ (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها).
ومنه قوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فهذه إضافة أحكام ليست في القرآن، لكن الحكم الأخير وهو تحريم نشر الحرمة بالرضاع، أصله في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، لكن لم يذكر الخالات من الرضاعة ولا العمات من الرضاعة ونحو ذلك، وقد ذكر ذلك في هذا الحديث.
أما الحديثان الأولان حديث النهي عن كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وحديث النهي عن أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، فهذا قطعاً فيه إضافة حكم ليس في القرآن.
стр. 1262
معاني السنة لغة واصطلاحاً
قال: فإنه أوتي مثله معه من حكمة وسنة متبعة بين أن ما أوتيه النبي ﷺ يسمى سنة ويسمى حكمة، والسنة في اللغة: الطريقة خيراً كانت أو شراً.
فمن إطلاقها على طريقة الخير قول الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء:٧٧]، ومن إطلاقها على الشر قول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
وتطلق كذلك على الصميم من كل شيء كقول غيلان: تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب وتطلق على الطريقة في الجبل.
واصطلاحاً: يختلف إطلاقها باختلاف العلم الذي هي فيه، ففي علم العقائد تطلق السنة على مقابل البدعة.
وقد تطلق على ما يقابل الشيعة بالخصوص فيكون ذلك إطلاقاً جزئياً يقال: أهل السنة والشيعة، تكون هنا غير مقابلة لكل بدعة، بل مقابلة لبدعة الشيعة فقط.
والسنة في اصطلاح أهل الحديث هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خلقي، سواء صلح دليلاً لحكم شرعي أو لم يصلح.
وعند الأصوليين هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلاً لحكم الشرع.
وعند الفقهاء هي: صفة المأمور به أمراً غير جازم.
وفي اصطلاح آخر لبعض الفقهاء أنها: ما فعله النبي ﷺ وأظهره في ملأ وواظب عليه ودل الدليل على عدم وجوبه، وهذا عند الذين يفرقون بين السنة والندب.
والسنة تسمى حكمة، والحكمة في الأصل جعل الشيء في موضعه، وتمام العقل وإتقان كل شيء، فهي من (أحكمه)، أي: أتقنه، والسنة تسمى حكمة، ولذلك عطفت على القرآن في عدد من الآيات كقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وكقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
فالحكمة التي يعلمها والتي تتلى هي السنة، وهي بيان للقرآن، ولذلك قال: (من حكمة وسنة متبعه).
قوله: (متبعة) هذا تقييد للسنة، وهو تقييد مهم؛ لأن العمل مهم في مجال الاستنان؛ لأن الحديث إذا روي قولاً دون عمل، أي: لم يعمل به الصحابة ولم يعرف تطبيقه فإنه لا يكون العمل به سنة، وكذلك السنة الفعلية إذا لم يصحبها عمل فذلك دليل على نسخها، وأبلغ دليل في هذا الباب أن كثيراً من أحاديث النبي ﷺ لم تصل إلينا ولم تنقل، والكتب التي ذهبت ولم تنقل قد استغنت عنها الأمة بما نقل، فهو كاف، والله تعالى تعهد بحفظ الدين، والدين نصفه في السنة، فما بلغنا من السنن ونقلته الأمة وعملت به فهو الدين المحفوظ، وما سواه فهو الأمور الشاذة التي هي من المتشابهات التي لا ينبغي اتباعها.
ولهذا حذر عدد من أئمة السلف من الذي يأخذ الغرائب ويتتبعها ويشذ عن جمهور الأمة ويخالفها، ولهذا فإن كثيراً من الشواذ يبحثون عن أي حديث فإذا وجدوه حتى لو لم يفهموا معناه أو كان محتملاً لعدة أوجه؛ حملوه على المعنى الشاذ الغريب وعملوا به، وأرادوا بذلك إظهار الفتنة والفوضى بين الناس، وهذا مخالف للمقصود الشرعي، ولذلك قال: (وسنة متبعة).
وقد نص عدد من الأئمة على هذا الشرط، منهم ابن عون وهو من أئمة التابعين، وسفيان بن عيينة، وكذلك الثوري وفي كلام الزهري تصريح بذلك حيث قال: آية محكمة أو سنة متبعة.
стр. 1263
الأسئلة [١]
стр. 1264
ذكر بعض أشعار الجن ومدى صحتها
السؤال
يذكر العلماء أشعاراً للجن في كتبهم، فكيف رويت هذه الأشعار، وكيف اطلعوا على صحتها؟
الجواب
بالنسبة للأشعار والمقامات الواردة عن الجن والمروية في كتب السير، فإن كثيراً من هذه الكتب القديمة لا يظن بأهلها الكذب مثل محمد بن إسحاق فهو حديث عهد جداً؛ لأنه من كبار أتباع التابعين، فقد لقي عدداً كبيراً من التابعين وعهده قريب، فهي مروية عن الصحابة.
وقد صح من أشعارهم بعض ما روي في صحيح البخاري مثل بكائهم على عمر بن الخطاب، ومثل أشعارهم في وقت الهجرة، فقد كان بعضهم من المسلمين لم يعرفهم رسول الله ﷺ إذ ذاك، ومنهم الصارخ الذي سمعه أهل مكة ينوه بـ أم معبد: جزى الله عنا والجزاء بفضله رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالحق وارتحلا به فيا سعد من أمسى رفيق محمد وكذلك قول الآخر: فإن يسلم السعدان يصبح محمدٌ بمكة لا يخشى خلاف المخالفِ فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصراً ويا سعد سعد الخزرجين الغطارفِ أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف وأشعارهم كثيرة، لكن بعض الأشعار تنسب إليهم ولم تثبت، مثل: نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده رميناه بسهميـ ـن فلم تخط فؤاده ونحو هذا، فهذا لا يصح عنهم.
والمقصود بصحة ذلك أن يسمعه الناس ولا يعرفون له قائلاً، بل يسمعون هاتفاً يصيح فيسمع الناس الكلام ويحفظونه ولا يعرفون له قائلاً، ولا يرون أحداً، فهذا المقصود من صحة الرواية عنهم.
стр. 1265
الصلاة على الأنبياء
السؤال
نرجو منكم الكلام على صيغة الصلاة على النبي، وهل تجوز الصلاة على غيره؟
الجواب
أما ما يتعلق بالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله أخبرنا أنه يصلي على النبي ﷺ ، وأمرنا أن نصلي ونسلم عليه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أن الله صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في حديث كعب بن عجرة، وهذا يقتضي الصلاة عليهم أجمعين؛ لأن آل إبراهيم يدخل فيهم دخولاً أولياً الأنبياء والرسل.
لكن اختلف أهل العلم في مشروعية ذلك، وأجمعوا على أنه يجب الصلاة على النبي ﷺ مرةً في العمر وعند ذكره، وأن ما زاد على ذلك مندوب، إلا في التشهد فقد اختلف فيه في التشهد الأخير هل هو على الوجوب، أو على السنية؟ وكذلك في خطبة الجمعة، هل الصلاة على النبي ﷺ فيها ركن من أركانها كما لدى الحنابلة في المشهور عنهم؟ أو ليس كذلك فتكون سنةً فقط.
وأما من سواه من الرسل فلا تجب الصلاة عليهم، لكنها من السنن والمندوبات، وذكرهم بالصلاة والسلام هو المروي عن كثير من السلف، فقد كانوا يقولون: إبراهيم ﷺ ، وتجدون ذلك في صحيح البخاري في كثير من المواضع، وقالت طائفة من الناس: بل الأفضل أن يخصص ذلك بالنبي ﷺ الذي أخبر الله أنه يصلي عليه، وأمرنا أن نصلي ونسلم عليه، وأما من سواه فيقال: ﵇، وهذا اللفظ أيضاً لا يختص بالرسل بل تجدون في صحيح البخاري إطلاقه على علي بن أبي طالب مثلاً وغيره مثل فاطمة ﵍.
وصيغة الصلاة والسلام على النبي إذا كانت بالعطف فلا خلاف أيضاً في أنه يجوز أن يلحق به من سواه، ولهذا يصلى على النبي ﵌، وآله يشمل كل مؤمن به كما سبق بيان ذلك، وكذلك على عباد الله الصالحين كما في حديث كعب بن عجرة، لكن البحث في الصلاة والسلام على غير النبي منفرداً دون عطف.
وقد صح في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وأبو أوفى رجل من الأنصار، وهو والد عبد الله بن أبي أوفى، كان يأتي بصدقته قبل أن يأتيه الساعي، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
ولم يكن مستنكراً في الصدر الأول أن يقال: صلى الله عليك يا فلان! أو نحو هذا، أو إذا ذكر فلان فقيل: صلى الله عليه من باب الدعاء، فهذا لم يكن مستنكراً في الصدر الأول، لكنه اليوم مستبشع أن تذكر شخصاً من الناس فتقول: ﷺ مثلاً، ولهذا ينبغي أن يخصص في زماننا هذا بالنبي ﷺ وإذا أطلق على نبي من أنبياء الله فلا إشكال أيضاً، لكن لا ينبغي أن يطلق على من دونهم ولا من سواهم.
ومما كان في الصدر الأول قول جرير: صلى على عزة الرحمن وابنتها لبنى وصلى على جاراتها الأخرِ
следующие страницы →