← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المقاصد التي أمرنا بالحفاظ عليها أهمها الدين ومن هنا فإن علينا أجمعين أن نستحضر هذا الشق العظيم من تكاليفنا، وأن نعلم أن التكاليف التي اختارها الله وظيفة للأنبياء هي أشرف مما سواها، ولذلك فإن المقاصد الشرعية مبنية على ست مصالح هي أصول التشريع، وهذه المصالح لابد من مراعاتها، وهي: أولاً: الحفاظ على الدين، ثم الحفاظ على النفس، ثم الحفاظ على العقل، ثم الحفاظ على المال، ثم الحفاظ على العرض، ثم الحفاظ على النسب. فهذه الستة هي أصل المقاصد، وهي الضروريات بالنسبة للإنسان، وهذه أهمها مصلحة الدين، فإذا اقتضت مصلحة الدين إهمال الحفاظ على النفس تقدم الشخص لينال الشهادة في سبيل الله، وإذا اقتضت مصلحة الدين إهمال مصلحة المال جاء الشخص يحمل ماله في سبيل الله كما فعل أبو بكر ﵁، وإذا اقتضت مصلحة الدين التجرد من العرض جاء الإنسان يقول كما قال حسان ﵁: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء وإذا اقتضت مصلحة الدين أن تهمل لها مصلحة العقل بادر الإنسان لمصلحة الدين وجعلها أعظم مما سواها، فهو يطلب الشهادة ويطلب أن تقطع أعضاؤه في سبيل الله. فمعنى ذلك أنه قد بايع الله تعالى على كل ما عنده: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] , وأن الوفاء بحق هذه البيعة مسئول عنه، فهذا عهد الله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ [الأحزاب:١٥] , هذا عهد الله علينا أجمعين رجالاً ونساءً، عهد الله علينا هو هذه البيعة التي أخذ علينا أو أكد علينا في كتابه وفي التوراة والإنجيل، ولا يمكن أن يتجاهلها أحد، فيوم القيامة إذا جيء بكل إنسان منا يحمل طائره في عنقه ويخرج له كتاب يلقاه منشوراً، ويأتي معه سائق وشهيد، وتأتي نفسه بما كسبت رهينة فإنه سيكون مسئولاً يوم القيامة عما قدم لنصرة دين الله. وحينئذ ينبغي أن يبلغ الشاهد الغائب، وأن نستحضر مسئوليتنا عن دين الله تعالى، وأن نعلم أن أنفسنا لو اعتدي عليها أو اعتدي على أموالنا أو بيوتنا فستثور ثائرتنا للدفاع عن أنفسنا أو عن أموالنا أو عن بيوتنا، من رأى قوماً يأتون وبأيديهم المعاول وهم يريدون هدم بيته لابد أن يبذل جهده في دفعهم عنه، أليس كذلك؟ بلى. فمن رأى دينه يهدم فلم يشارك في الدفاع عنه فإن معناه أنه قد خسر الدنيا والآخرة، خسر في صفقته، فبيته الذي هو من طين تافه سينتقل عنه اليوم أو غداً كان أهم عنده وأكبر في نفسه من دينه الذي هو قيمته وهو حظه عند الله تعالى في الدنيا والآخرة. إن هذا المثال واضح للجميع، لكن المشكلة أن كثيراً منا يتناساه فيستحضره في المسجد، ويستحضره في وقت الدروس وينساه في غير ذلك. نسأل الله أن يعيننا على رعاية ودائعه وما أودعنا من شرائعه، وأن يجعلنا من الآخذين بها.

стр. 877

وجوب المشاركة في إعلاء كلمة الله ثم بعد هذا المشاركة في إدخال الناس في دين الله، وهي وظيفة الأنبياء، فإن رسول الله ﷺ حدد وظيفته في قوله: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراًَ، حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها وهذه الدواب، فجعل ينفيهن بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار)، فوظيفة الرسول ﷺ أن يمسك بحجز الناس عن النار، وهذه الوظيفة يتجاهلها كثير من الناس، فيظن أن إسلامه هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة فقط، ويتناسى أن عليه الحق في إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وإدخال الناس في دين الله، وأن مسئوليته عن هذا الوجه من الدين مثل مسئوليته عن صلاته وصيامه وزكاته وحجه؛ لأن الله خاطبنا في البداية بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن نكف أيدينا، ثم فرض علينا بعد ذلك إعلاء كلمة الله وإدخال الناس في دينه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء:٧٧]. ومن هنا فإن على المسلم أن يجعل من وقته ومما آتاه الله جزءاً كبيراً يخصصه لإعلاء كلمة الله ولنصرة دين الله ولإدخال الناس في دين الله، ولا يعذر أحد من المسلمين المنتمين للدين الذي يريدون أن ينالوا العزة بالدين في التقصير في هذا الوجه، لكن درجاتهم متفاوتة في خدمة الدين، فمنهم من يستطيع خدمته بيده، ومنهم من يستطيع خدمته بلسانه، ومنهم من يستطيع خدمته بماله، ومنهم من يستطيع خدمته بتفكيره، ومنهم من يستطيع خدمته فقط بتكثير سواد أهله بمجرد الكينونة معهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. ولا يعذر أحد في التقصير في وجه يعلم أنه ساع به لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ومن رأى أنه بإمكانه أن يشارك في إعلاء كلمة الله بوجه فقصر في ذلك كان غير معذور يوم القيامة، وكان هذا الدين بكامله خصماً له يوم القيامة، يأتي الإسلام ويخاصمه فيقول: انتسب إلي ولم يقم بحقي.

стр. 878

الحكمة في الدعوة [١] تعتبر الدعوة إلى الله الركيزة الأولى في تثبيت دعائم الدين الإسلامي، لذا أمر الله بها الأنبياء وأتباعهم؛ إذ بدعوتهم قامت الأديان وانتشر توحيد الله في البلدان. وقد تحدث أهل العلم عن الدعوات واستقبال الناس لها على أصنافهم، وعن سبل الدعوة والحكمة فيها، سواءٌ أكانت تلك الحكمة تجاه الأشخاص أم الأوقات أم الأزمان المناسبة لها؛ فإنها ما شرعت إلا لإقامة الدين وتغيير المنكر القائم بين الناس بحكمة وروية، ووضع للأمور في مواضعها.

стр. 879

التذكير بالله والدعوة إليه ضرورة دينية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله قد وصف نفسه بالدعوة، فقال في محكم كتابه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]. ووصف رسوله ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وأخبر أن أحسن الأقوال وأرضاها عند الله : الدعوة إلى الله، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. وأمر رسوله ﷺ أن يخبر عن نفسه وأتباعه بأن سبيلهم الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. وهذه الدعوة ضرورة من ضرورات البشرية، فكما يحتاج البشر إلى الماء والغذاء والهواء، فإنهم يحتاجون كذلك إلى تغذية قلوبهم، فهذه القلوب إذا لم تتغذ ماتت، وموتها أشد من موت الأبدان؛ لأنه مقتض لغفلتها وإعراضها عن الله ، فتتردى حتى تكون كالبهائم، أو ربما زادت عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، ولا يستغني عنها أحد، والله تعالى يخاطب رسوله ﷺ في كتابه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، ويخاطب رسله عليهم الصلاة السلام بذلك أجمعين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، ويخاطب عباده المؤمنين بذلك، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢])، وكل ذلك دعوة من الله ، ولا يمكن أن يستغني عنها البشر، فالإنسان يعيش في ظلمات الجاهلية في هذه الأرض، وكل ما فيها فتن تغويه وتصده عن سبيل الحق، وهو بمثابة من ادهن بالزيت، ثم رمى نفسه في التنور، ففتن الدنيا كذلك تحيط به من كل جانب، وأعراضها تتداول عليه وتتناوب، فإذا نجا من عرض لم ينج من غيره، كما بين الرسول ﷺ ذلك: حين خط خطاً مربعاً وخط خطاً في وسطه خارجاً منه، وخط خطاً معترضاً في الوسط، وخط خطوطاً صغيرة في الطرفين، ثم قال: (هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا عمله، وهذه الأعراض تصيبه، وأمله أطول من أجله). ومن هنا فإن على الإنسان أن يحاول أن يعتبر ويتذكر، وأن لا يغفل عن الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وليعلم أنه إن غفل ساعة عن الله دعاه ذلك إلى الغفلة ساعات، وإذا قسا قلبه يوماً واحداً فليداو هذه القسوة، وإلا فسوف تتراكم فيه القسوات وستزداد، ويصعب عليه حينئذ علاج قلبه بعد ما يتمكن منه المرض. ومن هنا شرع الشارع لنا الموعظة الأسبوعية في كل جمعة، ويراد بها أن ترق القلوب وتهفوا إلى بارئها ديان السماوات والأرض، وإذا لم يستطع الإنسان أن يجري دمعتيه من خشية الله في الأسبوع، فإنه سيزداد ذلك صعوبة في الأسبوع الذي يليه، ثم يزداد ذلك في الأسبوع الذي يليه، ومن هنا فإن من تخلف عن صلاة الجمعة ثلاث جمع على التوالي ختم على قلبه بطابع النفاق. من أجل هذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، ومن هنا كانت هذه الدعوة ضرورة من ضرورات البشرية، ولا يمكن أن يستغني عنها الناس، وإذا ظن بعض الناس أنه ربما استغنى عنها فهذا دليل على موت قلبه وأنه لم يعد يحس بما هو فيه، فقد تراكمت عليه الأمراض وتكاثرت حتى لم يعد يقدر هذه الأمراض ولا يستطيع الخلاص منها، ونسأل الله السلامة والعافية.

стр. 880

تذكر النبي الدائم لربه جل وعلا إن أعرف الناس بالله أحوجهم إلى التذكير به، فهذا ﷺ سيد ولد آدم وأكرم الخلق على الله ينادي عبد الله بن مسعود فيقول: (يا عبد الله! اقرأ عليَّ القرآن فيقول: كيف أقرأه عليك وعليك أنزل؟! فيقول: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال ابن مسعود: فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] قال: حسبك فنظرت فإذا عيناه تهملان). وكان رسول الله ﷺ أشد الناس اتعاظاً بآيات الله، فكان إذا رأى المطر مقبلاً أخذه الخروج والدخول والرعب، فقيل له في ذلك فقال: (خشيت أن أكون كأصحاب هود الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥])، فهذا من شدة خوفه لله وخشيته له، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أخوفكم لله وأتقاكم لله)، فكان رسول الله ﷺ لا يأمن مكر الله، ويحب التذكير بالله ، فقد ثبت عنه: (أن أعرابياً جاء فوقف في المسجد فأثنى على الله فأبلغ الثناء، فخرج رسول الله ﷺ مسرعاً إلى بيته فجاء بتبرٍ -أي: قطعة من الذهب- فقال: خذ هذا بحسن ثنائك على ربك)، فكان يحب أن يثنى على الله .

стр. 881

تذكر الإنسان بآيات الله وضرورته إن ما نشاهده في دموعنا من الجمود، وفي قلوبنا من القسوة سببه عدم انتفاعنا بالذكرى، وعدم انتفاعنا بالآيات والعبر التي نشاهدها، فآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات مسطورة، وآيات منظورة، فالآيات المسطورة هي التي نسمعها ونقرؤها في كتاب الله، والآية المنظورة هي ما يمر علينا من العجائب، كهذا الفجر الذي يطلع منذراً بانقضاء عهد وباستئناف يوم جديد، وهذه الشمس التي تزول ثم تغرب ويتغير نورها بعد أن كان مشعاً شديداً، وهذا الليل الذي قال فيه مالك: (الليل خلق عظيم)، وهذه الأرواح التي تنتقل وتموت وكل يوم نرى محمولين على الرقاب لا يرجعون أبداً، ولا ندري ما حالهم أفي روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار؟ وهذه النار، وهذه الأماكن التي نعيش فيها، وهذه الأماكن التي نصلي بها قد سبقنا إليها ملايين من البشر مروا بها، وكانت أعمالهم ترتفع من هذا المكان، فلا ندري ما نخلفهم فيه هل هو خير مما كانوا يعملون أو دون ذلك؟ نسأل الله أن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها. إننا نرى كثيراً من آيات الله العجيبة، وهي مرآة يجب أن نتذكر بها ونعتبر، ومن أجل هذا قال الله في محكم كتابه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. إننا نحتاج إلى أن نحيي قلوبنا، وأن نحدث صلة عميقة بالله ، وأن نجدد عهدنا به، وأن نتذاكر فيما بيننا، وأن يأمر بعضنا بعضاً وينهى بعضاً بعضاً، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة غير منسوخة، بل هي محكمة دائمة، وعلينا أن نتذاكر أمثال هذا، وأن يأمر بعضنا بعضاً، وأن لا نعد هذا حديثاً معاداً، وأن لا تمله أسماعنا ولا قلوبنا، وما هو إلا خير، وهو خير ما يعرض على الآذان وخير ما يصل إلى القلوب، فينبغي أن لا نمله وأن لا ننقطع عنه.

стр. 882

الدعوة بالتي هي أحسن وجاء فبال في المسجد، فجعل الناس يزحزحونه ويصيحون عليه، فقال ﷺ : (لا تزرموه لا تزرموه، فتركوه حتى قضى بوله، ثم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم دعاه فقال: إن هذه المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله والصلاة). وكذلك قال للرجل الآخر الذي تكلم في الصلاة فصمته الناس وضربوا على أفخاذهم، فلما سلم رسول الله ﷺ يقول: (دعاني فبأبي هو وأمي ما رأيت قبله ولا بعده معلماً أحسن منه، فوالله ما ضربني ولا كهرني، وإنما وضع يده على منكبي فقال: إن هذه الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن). وكذلك جاء رجل آخر إلى رسول الله ﷺ : يريد أن يؤمن وهو شاب حدث، فقال: يا محمد! إني أريد أن أتبعك وأدخل في دينك، لكني أريد أن أستثني شيئاً أشترطه، قال: وما هو؟ قال: الزنا. فقال: تستثني بالزنا! فضحك أصحاب رسول الله ﷺ ، وظنوا أن هذا الرجل من السفهاء، وأرادوا أن يؤدبوه، فقال رسول الله ﷺ : (دعوه لي. فدعاه حتى اقترب منه فناجاه فقال: هل ترتضيه لأمك؟ قال: لا. قال: هل ترتضيه لأختك؟ قال: لا. قال: هل ترتضيه لزوجتك؟ قال: لا. قال: هل ترتضيه لابنتك؟ قال: لا. فالنساء أمهات قوم، وزوجات قوم، وأخوات قوم، وبنات قوم. فقال: والله لقد صدقت، فنزعه الله من قلبي). هكذا تكون الدعوة بالتي هي أحسن، وهكذا أمر الله رسوله ﷺ وأمر المؤمنين عموماً، فقد أمر الله رسوله ﷺ -وأمره أمر لأمته- بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وأمر المؤمنين كذلك بالتي هي أحسن في مجادلة أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فأمرهم في مجادلة أهل الكتاب الذين هم أشد الأعداء وأعتاهم أن يجادلوهم بالتي هي أحسن، وأن لا يصدقوهم وأن لا يكذبوهم، وأن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فيأتوا بالمسلمات والمتفق عليها قبل أن يذكروا مسائل الخلاف، وهذا هو أدب الدعوة، فالصحيح أن يبتدئ الإنسان بذكر المسائل المتفق عليها قبل أن يذكر المسائل الخلافية، فإذا صحت المسائل الإجماعية -وهي الأصول والأسس- فإن ما عداها يسهل تغييره وتعديله بعد ذلك.

стр. 883

سهولة الدعوة ويسرها كنت في يوم من الأيام في بلد من بلاد الكفر، فلقيت رجلاً كان من أشد الناس عداوة لدين الله، وكان هندوسياً حاقداً على دين الإسلام، وقد أسلم وحسن إسلامه، فسألته: على يد من أسلمت؟ فقال: على يد هرة. أسلم على يد هرة! يقول: إنه خرج مع أصحاب له مسلمين، فوقف على باب المسجد ودخلوا، وجعل هو يستهزئ بمن دخل المسجد، فإذا هرة جميلة على باب المسجد، فأراد أن يمسكها ويداعبها فدخلت المسجد فاستترت، فلم يستطع أن يدخل لخوفه من المسجد، فوقف على بابه فجاءت فخرجت، فأراد أن يمسكها مرة أخرى فدخلت، وتكرر هذا الفعل منها عدة مرات، فقال: إن هذه الهرة تدعوني إلى الدخول هنا. فدخل فصادف أن وجد هداية الله هناك، وكان ذلك سبب إسلامه. وكذلك رجل آخر كان من اليهود المتعصبين الحاقدين، وكان طبيباً جراحاً عالمياً مشهوراً، وكان من أشد الناس عداوةً للإسلام والمسلمين، وكان يزعم أن المسلمين هم من أشد الناس قذارة وأقلهم نظافة، فلقيه زميل له من الأطباء المسلمين، فقال: تعال معي إلى المسجد فسأريك طريقة النظافة لدى المسلمين. فخرج به إلى مسجد كبير في لندن، فأراه الناس وهم يتوضئون، فقال: هكذا يتنظف المسلمون خمس مرات في كل يوم على الأقل. ووقف على باب المسجد وقال: انتظرني هنا فأنا سأصلي. فوقف يستمع قراءة القرآن من خارج أبواب المسجد مدوية، ولكنه كان يهزأ بها، وأراد أن يستمع إليها فوقف مقابل باب من أبواب المسجد، فلما سلم الناس خرج إليه عدد منهم، فجعلوا يتهامسون ويقفون حوله ويسألونه: لماذا جئت هنا؟ لماذا لم تصل؟ لماذا لم تدخل المسجد؟ فكثرت عليه الأسئلة، فأخبرهم بالحقيقة وقال: أنا يهودي لست مسلماً. فلما قال ذلك قالوا: سبحان الله! ما هذا النور الذي في وجهك؟! فضحك وسخر مما قالوا، فإذا الناس يبكون لأنهم رأوا نوراً يتلألأ في وجه هذا اليهودي، فتعجبوا من ذلك عجباً شديداً، وجاء صاحبه فقال: سبحان الله! ما هذا الذي أحدثته بعدي؟ إن في وجهك نوراً عجيباً. فتعجب الرجل من هذا فخرج إلى المرآة فنظر فإذا النور قد بقي منه شيء بسيط في وجهه، وإذا هو يخبو بالتدريج، فكان ذلك سبب إسلامه، فأعلن إسلامه في ذلك الموقف، وحسن إسلامه وأسلم على يديه والده وبعض أفراد أسرته. إن الدعوة إلى الله مباركة ميسرة سهلة، وعلنيا أن نلتزم بتيسيرها وسهولتها ولينها، فخير الدعاة إلى الله وأقربهم إليه وأعدلهم في الدعوة رسول الله ﷺ الذي علمه الله أساليب الدعوة، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقد كان رسول الله ﷺ ألين الناس معاملة للناس وأسهلهم، وأحسنهم خلقاً، فالذين عرفوه أقسموا أنهم ما رأوا أحسن منه خلقاً، يقول أنس بن مالك ﵁: (والله الذي لا إله غيره لقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت، ولا لشيء تركته لم تركت).

стр. 884

أقسام الناس تجاه الدعوة إلى الله الناس في سبيل هذه الدعوة أربعة أقسام: القسم الأول: قوم لا يتحملون سماعها ولا يطيقونها، فهي عندهم بمثابة البعبع المرعب، يخافونها خوفاً شديداً، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]، فيعتبرون هذه بمثابة الأسد، فيهربون منه كما تهرب الحمر من الأسد إذا رأته. القسم الثاني: قوم يستطيعون سماع الذكرى بآذانهم، ولكن آذانهم غير أمينة، فلا تحملها إلى قلوبهم، وهؤلاء بين آذانهم وقلوبهم حصن حصين لا تخترقه البشرى، وهم المنافقون الذين طبع الله على قلوبهم، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]. القسم الثالث: قوم يُفصِّلون في الذكرى، فيقبلون سماعها من بعض الناس ويرفضونها من بعض، ينظرون إلى بعض الناس نظرة إكبار وإجلال، ولا يدرون لعله في ميزان الله يوم القيامة أدنى بكثير مما يتوقعون، وينظرون إلى آخرين بعين السخط، ولا يدرون لعلهم أثقل بالميزان عند الله تعالى من ملء الأرض من أمثال أولئك، وإذا كان الإنسان هكذا فعلينا أن لا نحكم أهواءنا وأن لا نزن الناس بهذا الميزان، وأن ننظر إلى الناس على أنهم عباد الله يضع فيهم ما يشاء، وأنهم بمثابة الآنية لدى ربنا ، وكل إناء بالذي فيه ينضح، وكل إناء يجعل الله فيه ما يشاء. علينا أن نحترم عباد الله جميعاً، فنحن لا ندري ببواطنهم ولا مصيرهم وخاتمتهم، فأمر ذلك إلى الله ، فنحن نكره الأفعال السيئة ونحب الأعمال الصالحة، ولكن تقويمنا للأشخاص لا ينبغي أن يكون على أساس ازدراء وتكبر وسخرية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين: (أنه كان في ملأ من أصحابه، فمر رجل من المسلمين، فلما أدبر، سألهم فقال: ما تعدون هذا فيكم؟ فقالوا: هذا رجل من عوام المسلمين، جدير إذا تكلم أن لا يستمع له وإذا خطب أن لا ينكح ثم سكت رسول الله ﷺ ، فمر رجل آخر فقال: ما تعدون هذا فيكم؟ فقالوا: هذا سيد من سادات الناس ووجوههم، جدير إذا تكلم أن يستمع له وإذا خطب أن ينكح فقال: ذلك خير من ملء الأرض من هذا). وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (يؤتى بالرجل الضخم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)، فينبغي أن لا تكون المعايير الدنيوية المادية طاغية على تقويمنا وتقديرنا، ومن هنا فعلينا أن نستمع إلى القول وأن لا ننظر إلى القائل، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]، وفي المنافاة ليس لنا أن نفصل بين الناس إذا ذكروا أو تكلموا، وأن نأخذ ذكرى بعضهم وندع ذكرى بعضهم الآخر، أو نفضل بينهم على أساس ما نجده في صدورنا من معايير هذه الدنيا الفانية التي لا تزن عند الله شيئاً، وعلينا أن نستمع القول ونعتبره رسالة جاءت من ربنا إلينا، فنأخذ منه الصواب وما كان حسناً نافعاً، ونرد ما كان سيئاً قبيحاً غير مرضي عند الله ، ونستفيد بهذا من كل أحد، وهذا هو الميزان الصحيح والمعيار السليم. القسم الرابع: قوم يستمعون الذكرى ولا يفصلون فيها، فيسمعونها من كل مذكر ويستفيدون منها، فلا يعرضون عنها بحال من الأحوال بل يعتبرونها غنيمة وهبة ربانية وهدية أهديت إليهم، فيستفيدون منها على كل حال، هؤلاء هم أهل الإيمان الذين قال الله فيهم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:٧٣]، فهؤلاء يستفيدون من الذكرى مطلقاً، من أي إنسان صدرت، وبأية لهجة كانت، ومن أي لون كانت، وبأي أسلوب وجهت، ويستفيدون منها وينتفعون، فرب إنسان كانت هدايته على أساس كلمة صدرت من شخص هو دونه بمنظار البشر، و (رُب حامل فقه وليس بفقيه، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) كما ثبت عن رسول الله ﷺ .

стр. 885

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى ذكر الله لنا في كتابه سبع وسائل من وسائل الدعوة، واشتملت عليها آيتان من كتاب الله: الآية الأولى: آية سورة النحل، وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فهذه ثلاث وسائل في هذه الآية: أولها قوله: (بالحكمة). والحكمة في اللغة: وضع الشيء في موضعه. بمعنى: وضع اللين في موضعه، والشدة في موضعها، والقسوة في موضعها، والكلام في موضعه، والسيف في موضعه، فهذه هي الحكمة، ولهذا يقول أبو الطيب المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى فمن هنا كان لا بد للإنسان أن يكون خبيراً بأهل زمانه حتى يضع كل شيء في موضعه، والله نعى على اليهود أنهم يحرفون الكلم فيضعونه في غير موضعه، وأن وضع الكلم في مواضعه هو الذي يؤثر ويفيد هنا؛ فإن الأساليب البلاغية الرنانة إذا وجهها الإنسان إلى عوام الناس نفروا منه، ولم تجد آذناً صاغية، وإذا وجهها إلى أهل البلاغة أثرت فيهم واستجذبت قلوبهم وأثرت عليهم. ومن هنا كان الخطاب العام الذي يوجه إلى الناس عموماً ينبغي أن يكون على السليقة والفطرة، وأن لا يتقعر المتكلم في وجه الناس، وأن لا يأتي بالعبارات الرصينة التي قد تضجر عدداً كبيراً من الناس، وأن لا يأتي كذلك بالعبارة السوقية التي يستهجنها علية القوم وأشرافهم، فيكون الكلام وسطاً، وخير الأمور أوساطها. ولهذا فإن من الحكمة أن يكون الإنسان عارفاً بمن يخاطبه، وعارفاً بأوضاع الناس، ومطلعاً على أولوياتهم وظروفهم، حتى لا يخاطبهم في أمر قد تعداه القطار وأصبح على الآثار، فكثيراً ما يتكلم بعض الناس في خطبته أو درسه على أمر قد أصبح معدوماً لا وجود له في حياة الناس، فيكون قد أفسد عليهم جزءاً من وقتهم الثمين وشغلهم بما لا يعنيهم، وقد قال رسول الله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). كما أنه لا فائدة من إحياء أقوال بعض الطوائف التي اندثرت، أي: الكلام في بعض الفرق التي لا توجد في بلد من البلدان، فالكلام في فِرق ما عرفها أسلافهم وما علم لها تأريخ في هذا البلد ولا وصلت إليه مما لا يعني، ومما ينبغي أن يختص به أهل الاختصاص، وأن يكون لدى طلبة العلم المتخصصين، وأن لا ينشر على عوام الناس ومسامع عمومهم، وكذلك الكلام في أمور قد عرفها الناس وتداولوها، وعرفت المواقف منها، فإن تكرارها من الأمور التافهة، وقد قضى عليها الزمان وتجاوزها القطار، وكذلك الكلام في أمور لم يستوعبها الناس ولم تبلغها عقولهم بعد، فهو من الفتنة عليهم، ولذلك أخرج البخاري -تعليقاً من صحيحه- من حديث علي بن أبي طالب ﵁: (حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ وما أنت بمحدث قوماً بحديث لا تصل إليه عقولهم إلا كان فتنة عليهم). فلذلك ينبغي أن يكون الكلام على حسب السامع، وأن لا يكون على حسب المتكلم.

стр. 886

الحكمة في إفتاء السائلين هذه خطب رسول الله ﷺ ومواعظه وإرشاداته تتأثر بحسب السائل، كأن يأتيه رجل فيسأله مع خير العلم خير الإيمان، فإذا كان قوياً بطلاً أمره بالجهاد، وإذا كان ذا والدين ضعيفين أمره ببر الوالدين، وإذا كان من الأغنياء أمره بالإنفاق، وهكذا، ولهذا تجد في الأحاديث الصحيحة كثيراً من الأحاديث التي يفهمها بعض الناس على التعارض، أن رسول الله ﷺ يقول: (أفضل الإيمان كذا) أو: (خير الإيمان كذا)، أو يسأل عن خير الإيمان فيجيب جواباً، ثم يسأل عنه فيجيب جواباً آخر، وهذا ليس من التعارض في شيء، إنما هو بحسب حال السائل، ولهذا يقول البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عمرو بن خالد قال: أخبرنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف). وفي صحيح البخاري من حديث أبي ذر ﵁: (أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم أي؟ قال: حج مبرور. قال: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها على أهلها وأغلاها ثمناً)، وهذا يدلنا على أن الجواب بحسب حال السائل، وهذا من الفقه في الدعوة. وهذا عبد الله بن عباس ﵄ حبر هذه الأمة يأتيه رجل فيقول: يا ابن عباس! هل للقاتل عمداً من توبة؟ فيقول ابن عباس: لا. وفي مجلسه ذلك يأتيه رجل آخر، فيقول: يا ابن عباس! هل للقاتل عمداً من توبة؟ فيقول: نعم. فقيل له: سبحان الله! كيف أفتيت الأول بهذا وأفتيت الثاني بهذا؟! فقال: رأيت في وجه الأول الشرر يتطاير من عينيه فعلمت أنه يريد القتل عمداً فنهيته عن ذلك، ورأيت في الثاني انكساراً وتوبة وندماً؛ فعلمت أنه قد قتل وجاء تائباً، فما أردت أن أسد باب التوبة أمامه. فهذا من فقه الدعوة، وعلى الناس أن يأخذوا به، وأن يضعوا كل شيء في موضعه.

стр. 887

الحكمة في نصيحة الناس أول وسيلة من وسائل الدعوة التي ذكرها الله الحكمة، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أن يوجه المتكلم كلامه إلى عموم الناس، وأن لا يجرح الأفراد، وأن لا يتكلم فيهم، فقد كان رسول الله ﷺ إذا بلغه شيء عن إنسان وقف على المنبر فقال: (ما بال أقوام يفعلون كذا)، ولم يقل: إن فلاناً قد فعل كذا. أو: يا فلان لا تفعل كذا. فهذا تشهيرٌ على المنبر أمام الناس، ولو ناده بخاصة نفسه فنهاه عن ذلك الفعل لأمكن أن لا يبلغ ذلك الناس، فوسيلة الإعلام إذ ذاك هي المنبر، فكان يقف على المنبر فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا)، فيكون هذا أبلغ الزجر للناس، ويستفيد منه صاحب النازلة ومن سواه، ويشيع في الناس ولا يكون فيه ما ينفر من التجريح والفضيحة، فهذا مناف للنصيحة، ولذلك قال القاضي عياض ﵀: النصيحة ضد الفضيحة. النصيحة أن تنصح الإنسان وأنت تريد هدايته، وتحرص عليها غاية الحرص، فتحب له ما تحب لنفسك، وهذه لا بد أن تؤثر، ولا بد أن يستجيب لها الناس. وأما الفضيحة فهي أن تشهر به أو تجابهه بالكلمات النارية والكلام الشديد، وهذا ربما يكون قاطعاً لطريقه عن الهداية وصارفاً له عن وجه الحق، فتكون أنت من المنفرين، وقد قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس! إن منكم منفرين، إن منكم منفرين)، قال راوي الحديث: (ما رأيته في موعظة أشد منه غضباً من يومئذ)، فقد اشتد غضبه غاية الغضب عندما بلغه عن بعض أصحابه شدتهم على الناس، فلذلك لابد أن يأخذ الدعاة إلى الله تعالى بهذه الحكمة، وأن لا يتشددوا في خطابهم للناس، وأن يكونوا كما وصف الله أصحاب محمد ﷺ : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، فالله تعالى يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 888

الحكمة في مخاطبة المدعوين إن هذه الحكمة مقتضية لرحمة المؤمنين والغلظة والشدة على الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]. أما أهل الإيمان حتى لو فسقوا وبغوا فإن المؤمن عليه أن يكون حريصاً على هدايتهم، وأن يخاطبهم باللين بالتي هي أحسن، وكذلك خطابه مع الكفار الذين يريد هدايتهم ولم تنقطع الشعرة بينه وبينهم عليه أن يخاطبهم أيضاً بأسلوب مهذب، كما قال تعالى لموسى وهارون ﵉ حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فهذا تنبيه لموسى وهارون على أمر من أبجديات الدعوة، وهو من المخاطبة، فلا بد أن يوطد له الكلام، وأن يهيئه له، وأن يخاطبه بلين لعله يتذكر أو يخشى؛ لأنه إذا وجدت الشدة فسيقول له ما قاله عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وإذا خوطب بالتي هي أحسن فربما لان وهو ذو قسوة، وربما ضعف وهو ذو شدة؛ لأنك تصادف مكان اللين فيه، وتخاطبه من مقتله، وقد وصلت إلى قلبه، والنافذة ليست مغلقة، أما إذا خاطبته بالشدة فسيغلق الباب أمامك وستصطدم بالجدار ولن تصل إلى القلب، ومن هنا فإن العاقل إذا أراد الدخول يبحث عن النوافذ والأبواب المفتوحة، ولا يحاول اختراق الجدار، فالذي يريد الوصول إلى القلوب واختراق النفوس ينبغي أن يبحث عن النوافذ والأبواب المفتحة ويدخل منها بكل لطف ولين، وحينئذ يصل إلى مطلوبه بالتي هي أحسن، وليس معنى هذا أن يتنازل الإنسان عن دعوته وأمور دينه ليوصف بأنه هيّن لين، بل يأخذ ذلك مرحلياً فقط، ويجعله وسيلة لإبداء حرصه وحسن نيته للناس لعل الله أن يهدي به رجلاً واحداً. فمن أجل هذا تجد كثيراً ممن تعامله يومياً إذا خاطبتهم باللين وجدت فيهم ليناً، وإذا خاطبتهم بالشدة قابلوك بالمثل أو بأشد، ولذلك يحسن بك أن تأتي بلطف ولين، وأن تدخر قوتك لوقت الحاجة إليها، ولا تهمل قوتك ولا تكن من المستضعفين الأذلة، لكن ادخر هذه القوة إلى وقت الحاجة، أما قبل أن تحتاج إليها فإن إهدارها في غير موضعها ليس من الحكمة، وكثيراً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. وإني ل أذكر أن مجموعة من الطيبين الخيرين ذهبوا إلى مسجد في عدن قد بني على قبر، وكان فيه جماعة من المصلين يصلون، فأرادوا تغيير منكر معين وهو الطواف حول هذا القبر، فهدموا المسجد على المصلين، فقتلوا عدداً من المصلين وهم في سجودهم، فكانت طامة كبرى ومصيبة عظمى، وقتل هؤلاء وشرد بهم من سواهم، وأعيد بناء المسجد بأشد مما كان، وحرس أشد مما كان محروساً به، فهذا من التصرفات الرعناء التي يتصرفها بعض الناس من غير حكمة، فرسولنا ﷺ هو الأسوة الحسنة، وقد مكث ثلاث عشرة سنة بمكة لم يكسر صنماً واحداً، وكان على الكعبة حينها ثلاثمائة وستون صنماً، وقد كان يسكن في دار الأرقم وهي على الصفا، وعلى الصفا صنم اسمه (إساف)، وعلى المروة صنم اسمه (نائلة)، بل كان أهل الجاهلية يسمون المروة والصفا إسافاً ونائلة، كما قال أبو طالب: وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إساف ونائل ومع ذلك لم يكسر رسول الله ﷺ صنماً واحداً من هذه الأصنام، حتى جاء الفتح فوقف عليها وكسرها جميعاً، وكان يقول وهو يهدمها: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وأرسل السرايا فهدم كل الأصنام في البلدان المجاورة، ولو كان هدمها في وقت الاستضعاف وقوة المشركين لبنوها من الذهب بعد أن كانت من حجارة، وما كان من طين بنوه من فضة، وهكذا أخذ بالحكمة وعلمنا ذلك، وهذه الحكمة ليست مقتصرة على لين الكلام في الخطاب للناس، بل هي تشمل كذلك تأخير بعض التصرفات عن بعض الأوقات، وتعجيل بعض التصرفات في بعض الأوقات، وتعجيل إبداء الموقف من بعض الأمور، وإخفاء الموقف من بعض الأمور، وكذلك تقتضي أن يقدم لشخص الأولويات ويؤخر ما دونها، وأن يأخذ بأخف الضررين والحرامين، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وكما قال تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]. ومن أنواع هذه الحكمة في الدعوة أنه إذا أراد الإنسان أن يغير سلوكاً لدى آخر لا يجابهه بأن هذا السلوك محض ضلال وابتداع وشرك ونحو ذلك، بل يتعرف عليه أولاً، ويحاول أن يحصل على ثقته وصداقته، ثم يسأله عن هذا التصرف ما دليله عليه، وما حاجته إليه، فإن بين له دليلاً مرضياً قال: الحمد لله؛ فصاحبي غير مشرك وغير مبتدع، وإنما كان مجتهداً فإن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران. ومن الحكمة في الدعوة أن لا تحتكر أنت الصواب، وتجعل الحق هو ما عندك فقط، فتكون أنت المحتكر للحق وحده ومن سواك أهل باطل، فهذه طريقة غير صحيحة، كل الناس خطاؤون وخير الخطائين التوابون، ولا معصوم بعد رسول الله ﷺ من البشر، ومن هنا فعليك أن تنظر إلى الناس على أنهم عباد الله جميعاً كما أنك عبد من عباد الله، وأن لا تنظر إليهم على أنك رب وهم مملوكون لك، وأن لا تنظر إليهم على أنهم جميعاً أهل خطأ وأنت وحدك صاحب الصواب، بل تنظر إليهم على أنهم بشر مثلك مكلفون بنفس التكليف الذي أنت مكلف به، فقد امتن الله عليك ببعض النعم، فلا ينبغي لك أن تتجاهل تلك النعمة ولا أن تتغطى بها، ولا تقتضي منك العدول عن منهج الرسول الكريم ﷺ .

стр. 889

درجات تغيير المنكر وصورها على من أراد أن يدعو إلى الله أن تكون دعوته إلى الله موافقة لمنهج رسول الله ﷺ ، فالشدة ومخاطبة الناس بما يكرهون ليستا من منهج رسول الله ﷺ ولا من سنته ولا سيرته، ومن هنا فإن احتكار الصواب حتى مع المشركين لم يكن من منهج الرسول الكريم ﷺ ، ونحن نقرأ في سورة سبأ قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] أي كلام أبلغ انصافاً من هذا؟ هذا نزل به الروح الأمين من عند الله على قلب محمد ﷺ ، ويأمره الله أن يخاطب المشركين فيقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، فلا يمكن أن يجتمع ما عندنا وما عندكم فهما متناقضان، لكن أحدهما حق والآخر باطل. فما قال لهم: إن ما معنا هو المقطوع به أنه الحق، وما معكم هو المقطوع ببطلانه، بل قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، ثم تأتي آيات أخرى في مراحل لاحقة تبين أن الصواب هو ما جاء به محمد ﷺ ، وأن الخطأ ما لدى المشركين، وترد عليهم ما لديهم مما يخالف ما جاء به الرسول الكريم ﷺ ، لكنه في بداية دعوتهم لابد أن يخاطبوا بهذا الأسلوب اللين الهين، فإن الإنسان إذا جاء بالعنتريات وأراد أن يبدي للناس قوته ويحاول تغييرهم بالشدة لا يمكن أن يكون عمله هذا مجدياً ولا مثمراً، بل سيواجه بمثل ما قال الشاعر: جاء شقيق عارضاً رمحه إن بني عمك فيهم رماح ومن هنا فلا يفيد تصرفه شيئاً، بل ربما أدى هذا التصرف إلى تصرفات معاكسة، ومن أجل ذلك فمن أراد الإصلاح فعليه أن يأخذ بأسلوب الإصلاح، إذا رأى أمراً يمكنه إصلاحه فعليه أن يتكلم فيه بعموم، وأن لا ينزل ذلك على أفراد وأشخاص بأعيانهم. وإذا رأى منكراً لدى شخص معين فأراد أن يغيره، فليعلم أن المنكر درجات: الدرجة الأولى: محاولة نصيحته، وتغييره بيد الإنسان الذي فعله، فإذا أردت تغيير منكر بارز فأبلغ شيء في تغييره أن تغيره باليد التي فعلته، وإذا أقنعت صاحبه أن يتراجع عنه ويأتي لنفس الموقف الذي كان يتصرف فيه فيتصرف فيه على خلاف تصرفه الأول فهذا أبلغ تغيير للمنكر، وهو الذي فعله الرسول ﷺ مع المشركين، فـ عمر بن الخطاب الذي كان أشد الناس على المسلمين، عندما أسلم لم يترك موقفاً من المواقف التي كان يميل فيها على المسلمين إلا وقف فيه ينافح عنهم ويدافع عنهم، فغير منكره بيده. وكذلك وحشي الذي قتل حمزة ﵁، عندما أسلم قال: إن كل موقف وقفته مع المشركين لا بد أن أقف في مقابله موقفاً في نصرة الله ورسوله، وإن هذه الحربة التي قتلت بها حمزة لابد أن أقتل بها أشد أعداء الله لله، فخرج بها إلى مسيلمة حتى قتله بها، فأبلغ تغيير للمنكر أن يكون بيد أصحابه. الدرجة الثانية: أن يكون بيد أقرب الناس إلى من فعله، فإذا أتيت بولد الإنسان فربيته على خلاف منهجه فجاء لتغيير منكر أبيه فهذا أبلغ شيء لطمس أثر أبيه، فإذا أتيت بأخيه فغير منكره فهذا أبلغ شيء، ومن هنا فإن رسول الله ﷺ حينما أتاه جبريل بعد معركة أحد، فأبلغه أن الحارث بن سويد بن الصامت هو الذي قتل المجذر بن زياد ﵄، وأنه قتله غيلة في وقت المعركة، وأراد بذلك الاقتصاص؛ لأن المجذر كان قد قتل أباه في الجاهلية، وحين أخبره جبريل خرج رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف، ولم يأخذ معه أحداً من المهاجرين، بل خرج وحده، فأتاهم في دارهم، فتعجبوا من مجيء رسول الله ﷺ وحده، فقالوا: ما جاء به وحده إلا أمر فجاؤوا فقالوا: ما جاء بك يا رسول الله؟! فدعا عباد بن بشر، فقال: اضرب عنق الحارث بن سويد بن الصامت -وهو ابن عمه-. فقال الحارث: ولم يا رسول الله؟ والله ما أشركت ولا نافقت منذ أسلمت! فقال: أما إني لم أقتلك نفاقاً ولا شركاً، ولكني أقتلك بـ المجذر بن زياد، فقد أنزل الوحي أنك قتلته فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ووالله ما رآني أحد، وما جاءك ذلك إلا عن طريق الوحي، ومد عنقه فضربه ابن عمه وقتله. فلم تنتطح في أمره شاتان، ولم يستنكر هذا أحد، فالذي قتله ابن عمه. وكذلك الحال عندما أرسل رسول الله ﷺ سعد بن عبادة بن دليم على رأس كتيبته الخضراء، وبيده لواء المهاجرين والأنصار، فركزه ببطحاء مكة وقال: اليوم ذلت قريش وخابت، فجاءت قريش يشكونه إلى رسول الله ﷺ ، وجاء شاعرهم ضرار بن الخطاب فوقف بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا نبي الهدى إليك لجا حيي قريشٍ ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهم إله السماء والتقت حلقتا البطان على القوم ونودوا بالصيلم الصلعاء إن سعداً يريد قاصمة الظهـ ـر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغيـ ـظ رمانا بالنسر والعواء وغِرُ الصدر لا يهم بشيء غير سفك الدما وسبي النساء قد تلظى على البطاح وجاءت عنه هند بالسوءة السوآء إذ ينادي بذل حي قريش وابن حرب بذا من الشهداء فلئن أقحم اللواء ونادى يا حماة اللواء أهل اللواء ثم ثابت إليه من بهم الخز رج والأوس أنجم الهيجاء لتكونن بالبطاح قريش فقعة القاع في أكف الإماء فانهينه فإنه أسد الأسـ ـد لدى الغالي والغ في الدماء إنه مطرق يريد لنا الأمـ ـر سكوتاً كالحية الصماء حينها نادى رسول الله ﷺ سعداً فأخذ منه اللواء، فتوقع الناس أن يدفعه إلى رجل من قريش، فما فعل، بل دفعه إلى قيس بن سعد بن عبادة، فوقف قيس في مكان أبيه وركز اللواء في نفس المكان وقال: اليوم عزت قريش وطابت. فخالف مقالة أبيه، وغير ما كان عليه أبوه دون أن يقع خلاف بين المسلمين، ودون أن يكون رسول الله ﷺ قد انتزع المكرمة من الأنصار بعد أن أعطاهم إياها، فكان هذا من أساليب رسول الله ﷺ الدعوية البليغة. كذلك الأسلوب الآخر بعد هذا أن يحاول الإنسان أن يكون تغيير المنكر بيد غير متهمة فيه، وأهل الدعوة إلى الله وأهل الخير ملأ قليل وعددهم قليل في الناس، ولو اصطلموا وأخذوا من بين الناس لم يبق فيهم خير، كما قال ﷺ يوم بدر: (اللهم! إن تهلك هذه الطائفة لا تعبد في الأرض أبداً)، فمن الحكمة لهم أن يكون تغيير المنكر بأيد غير أيديهم، وأن يستغلوا أيد أخرى في تغيير ذلك، كما قال الشاعر: وكنا الأيمنين إذا التقينا وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة فيمن يليهم وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأُبنا بالملوك مصفدينا وكما قال الآخر: ترد زمامه أيدي رجال عليهم قد رددنا ما يلينا فيكون التغيير حينئذٍ بأيد غير متهمة فيه، وهذا من أبلغ التغيير، ثم إذا احتاجوا إلى التغيير بأيديهم كانوا على أتم استعداد لذلك، وقد بذلوا الجهود قبل ذلك، وعملوا بالتي هي أحسن، وقد أنصفوا وأنصفهم الناس، وعلموا أنهم لم يتسرعوا ولم يبادروا مبادرة سلبية، وجاءت أفعالهم في وقتها المناسب.

стр. 890

صفات الداعية إلى الله ومن مقتضيات هذه الحكمة أن يحاول الإنسان في دعوته إلى الله أن يكون في نفسه قدوة صالحة، إن من يسمع الناس منه الألفاظ النابية لا يمكن أن يأتمنوه على الوحي، ولا أن يقتنعوا بأنه قد ائتمنه الله على وحيه، فالله لم يكن ليجعل وحيه بدار هوان، ومن رآه الناس مخالفاً لأوامر الله ومخالفاً لهدي رسوله ﷺ لا يمكن أن يثقوا به، لكن إذا بدأ بنفسه واستقام، وكان قوله موافقاً لقول رسول الله ﷺ فإن الناس سيثقون به، وسيبادرون إلى تنفيذ ما يأمر به، وسيجد النواصي مطيعة قابلة لما يوجهها إليه.

стр. 891

حب الداعية لكل عباد الله إننا من منطلق عجزناً عن عبادة الله، ونحن نعلم أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وأننا عاجزون عن عبادته حق عبادته نحب أن يعبده من سوانا، فيسرنا كثيراً أن يعبده جبريل وميكائيل وإسرافيل، ويسرنا عبادة أي عبد عابد لله ، ونرضى ذلك، ونحب العابدين لله حباً شديداً؛ لأننا نعلم أننا عاجزون عن عبادته فنحب أن يعبد؛ لأنه أهل لذلك، وهذا من تمام محبتنا لله، إن من تمام محبتك لربك أن تحب أن يعبد ويشكر ويؤمن به ويوحد، وأن تحرص على زيادة أعداد المؤمنين به والموحدين له، وأن لا تحرص على الانتقاء منهم وأن تجعل المؤمنين قلة كما يفعله أهل الابتداع، يرون أن أصحاب رسول الله ﷺ قد ارتدوا إلا ستة، ويريدون أن ينحصر الإيمان في أقل عدد من الناس، وهذا سبقهم إليه اليهود، فقد قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، والله تعالى رد عليهم هذه المقالة، فالجنة واسعة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فلا يضرك أن يكون الملايين من الناس من أهل الجنة، ولا ينبغي أن تتضايق إذا رأيت عدداً كبيراً من الطوائف أو الأمم من أهل الجنة، فإنهم لن يضيقوا عليك مقامك في الجنة إن شاء الله، وأنا كفيل بذلك، فالجنة واسعة جداً، ومن استشعر سعة الجنة فإن عليه أن يتسع صدره لإخوانه المؤمنين، وأن يعلم أن العبرة بالخواتيم، ولا يدري ما الله صانع فيها، نسأل الله أن يحسن خاتمتنا.

стр. 892

اختيار الداعية للمكان والزمان المناسب للدعوة إن هذه الحكمة مقتضية لانتقاء الأماكن والأوقات للكلام والتصرفات، فيا رب كلمة تقول لصاحبها: دعني ويا رب كلمة لو قيلت في مكان كانت مفيدة مثمرة، ولو قيلت في مكان آخر كانت سيئة قبيحة، ويا رب فِعل لو فُعل في مكان كان حسناً، ولو فُعل في غيره كان قبيحاً. ولما رأى ﷺ أبو دجانة سماك بن خرشة ﵁ يتبختر يوم أحد بين الصفوف قال: (إنها لمشية يبغضها الله في غير هذا الموقف). وكذلك قال لـ عمر ﵁ حين أراد أن ينتزع ثنيتي سهيل بن عمرو فقال: يا رسول الله! دعني أنتزع ثنيتي سهيل لا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم. قال: (عسى أن يجعل له مقاماً تحمده عليه)، فكان ذلك عندما ارتد العرب عن دين الله، فوقف سهيل خطيباً في قريش بمكة فثبتهم على الدين. وكذلك فإن رسول الله ﷺ لما حصلت قضية الإفك، وأراد المنافقون أن يفرقوا بين المهاجرين والأنصار، وقال عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] رحل رسول الله ﷺ بالناس، فلم يعطهم فرصة للمناقشة، بل رحل وما زال بهم من وقت الظهيرة، ثم نزل في الليل، وقد صل بهم أربعاً وعشرين ساعة من السفر الجاد المضني، ويريد بذلك أن يشغلهم عن المناقشات الجانبية، وعن الأمور التي لا تدخل في الأولويات، فانشغلوا بذلك حتى وصلوا إلى المدينة. وكذلك ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه -وهو في حجته التي مات بعدها بقليل- أن رجالاً يقولون: إن بيعة أبي بكر كانت شتى، ولئن مات عمر لنبايعن فلاناً أو فلانا. فأراد أن يقوم في الناس خطيباً فيبين لهم سياسة الإسلام بعرفة، فأتاه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإنك هنا يغلب عليك الرعاع، ويحيطون بك من كل جانب، فيحملون قولك كل محمل، ولا يضعونه في موضعه، ولكن إذا رجعت إلى المدينة ونزلت بالدار واجتمع عليك المهاجرون والأنصار، فقل ما شئت. ففعل ذلك عمر، فهذا من تنزيل الكلم في مواضعه. وكذلك فإن من هذه الحكمة في الدعوة أن يدرك الإنسان الظروف المحيطة به، وأن لا يغامر المغامرات التي لا تجدي والتي لا تنفع، فالمغامرات التي هي غير مضمونة وغير موزونة هي من المبادرات المنهي عنها، فالرسول ﷺ عندما أرسل حذيفة إلى الأحزاب قال له: (ولا تحدث حدثاً حتى ترجع إليّ). فلذلك ليس من الحكمة في الدعوة أن يقوم الإنسان بمغامرة ليس وراءها ما يمدها ويقتضي استمرارها، وكثيراً ما يتصرف أقوام على غير مشورة فيغامرون مغامرة ربما جاءت ببلايا فيجر الحبل أحبلا، كما قال أبو طالب: ففي فضل حبل لا أباك ضربته بمنسأة قد جر حبلك أحبلا وقد شاهدنا تصرفاً يشبه هذا، فقد رأى أحدهم سائحة إيطالية فأطلق عليها رصاصة فجرح إصبعها فقط، فأخذ هو وكل من حوله، وتضرر بذلك عدد كبير من الصالحين الأتقياء، وأوذوا إيذاءً شديداً بسبب هذا التصرف الطائش. إن هذا النوع من المغامرات التي هي غير مضمونة وغير موزونة ليس من الحكمة ولا من الدعوة، إن من الحكمة في الدعوة أن يزن الإنسان أموره بميزان المصلحة، وأن لا تعجل، ويعلم أن العاقبة للمتقين، وأن الحق لابد أن يظهر، ومن هنا لا ينهزم ولا يضعف، ويزول عنه كل الخور، ويطول حينئذٍ نَفَسُه، وتقوى قوته، ويعد العدة ليوم آخر، كما قال الحارث بن هشام: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى رموا فرسي بأشقر مزبد فعلمت أني إن أقاتل واحداً أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي ففررت منهم والأحبة فيهم طمعاً لهم بلقاء يوم مفسد وإذا أعد عدته واستعد للمواجهة فحينئذٍ يمكن أن يكون هو صاحب القرار، أما أن يتجرَّأ على مواجهة غير موزونة وهي محسومة في البداية وقواها غير متكافئة فهذا ليس من الحكمة في شيء، وكثيراً ما يؤدي إلى أضرار تستمر العقود من السنين، وما زالت المغامرات التي حصلت في بعض البلاد الإسلامية إلى الآن والناس في بعض أضرارها، مغامرات غير موزونة وتصرفات ليست عن روية، فيحصل بسببها كثير من الفساد المستشري.

стр. 893

حرص النبي في دعوة أمته إن هذه الأمة لها حقوق على أفرادها، ولها أمجاد ضائعة، وأراض مغتصبة، وعدد كبير من المستضعفين المستذلين في مشارق الأرض ومغاربها، وكتاب وسنة، وتشريع قد أضيع وأهمل، وعلم وتراث لا بد أن يحمل، لها حقوق كثيرة أين نحن منها؟ إذا نظرنا إلى أنفسنا هذه النظرة لا يمكن أن نتكبر على الآخرين، بل نجد أنفسنا خداماً من خدام أمة محمد ﷺ ، وسنجد أنفسنا أحرص شيء على هداية هذه الأمة واستقامتها، وهذا هو المطلوب، ولهذا فإن الله امتن علينا بصفات محمد ﷺ التي فطره الله عليها، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ولاحظ هذه الصفات، فإن فيها خطاباً للبشرية بكاملها، فيدخل فيه الكافر والمؤمن: (جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ) أي: ليس من الملائكة ولا من الجن، بل هو من البشر. وفي قراءة أخرى: (من أنفَسكم) بفتح الفاء، أي: من أعلاكم منزلة. الصفة الثانية: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨] أي: يشق عليه عنت البشرية، يريد للبشرية جميعاً الهداية، ولا يحب أن يكب الله أحداً على وجهه في النار، يحب الهداية لـ أبي جهل ولغيره، وعندما جاءه ملك الجبال فعرض عليه أن يضم الأخشبين على قريش قال: (لا. لعل الله أن يخرج من أصلابهم قوماً يعبدون الله لا يشركون به شيئاً)، فهذا الحرص على هداية كل الناس المؤمن والكافر، فيحرص على أن يكونوا جميعاً من أهل الجنة (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ). لكن المختص بالمؤمنين هو قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فرأفته ورحمته تختص بالمؤمنين، أما حرصه على الهداية فيشمل الجميع، وهذا الحرص من المطلوب من كل مؤمن -وبالأخص الذين اختارهم الله لتكليفهم بالدعوة إليه- أن يجده في نفسه، وأن يتربى عليه، وأن يربي الناس عليه، وأن يكون حريصاً على هداية الناس وعدم تنفيرهم عن الحق، وأن يكون حريصاً على أن يهدي الله على يديه قوماً يعبدون الله لا يشركون به شيئاً.

стр. 894

النظر إلى المدعوين بعين الرحمة أخرج عبد الرزاق في المصنف أن رجلاً جاء إلى عطاء بن أبي رباح فقال: إنك يجتمع في مجلسك أنواع الناس -يقصد فرق الناس من الخوارج والشيعة وغيرهم-، وإني أكلمهم فيشتد عليهم، ولا أراك تفعل ذلك. فقال: إني سمعت قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، فيدخل في ذلك اليهودي والنصراني. فكان فهم عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى من هذه الآية أن يكون الخطاب في البداهة وفي أول الأمر بالتي هي أحسن ثم إذا احتيج بعد ذلك إلى المراحل الأخرى في التغيير كان الإنسان مستعداً لها، لكن ينبغي أن تكون بالتي هي أحسن، وبكل هدوء، وأن يعلم الإنسان أن التجهم والغلظة دليل على قسوة القلب، ولهذا فإن مالك ﵀ أخرج في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوَ قلوبكم، إن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية). وهذا الحديث خرج من مشكاة النبوة كما قال ابن القيم ﵀، وهو يأتي بأساليب دعوية رائعة، فيقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم؛ لأن كثرة الكلام مدعاة لقسوة القلب إذا لم تكن بالذكر، أما كثرة الذكر على اللسان فإنها مدعاة للين القلب واستقامة الجوارح، (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد) واكرهوها وغيروها، ولكن في الواقع أنتم عباد، وأنتم معهم في هذه السفينة التي ضرب بها الرسول ﷺ المثل، والذنوب تخرق السفينة، وأنتم تريدون سد هذا الخرق، وتريدون علاج ما أفسده هؤلاء، وأنتم تستحضرون قول موسى ﵇ فيما حكى الله عنه في كتابه عندما أخذته الرجفة قال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٥ - ١٥٦]، فهذا كلام العارفين بالله، كلام أنبياء الله الذين يعرفون الأدب مع الله وكيف يخاطبونه، لم تأخذهم القسوة ولا الشدة في مثل هذا الموقف، بل تبرؤوا في الإثم من أهل الإثم وردوه عليهم، ومع ذلك لم يجعلوا أنفسهم أرباباً، وهذا ما حكاه الله عن عيسى ﵇ أيضاً في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، وقد ثبت في حديث عائشة: (أن رسول الله ﷺ قام ليلة بهذه الآية) يصلي ليلة كاملة لم يقرأ من القرآن بعد الفاتحة إلا هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، وهذا من واقع حرص رسول الله ﷺ على أمته الذي أورثنا إياه، وعلينا جميعاً أن يكون لدينا هذا الحرص، علينا أن نهتم بأمة محمد ﷺ ، وأن نهتم بهدايتها وصلاح أمورها، وأن نهيئ أنفسنا لمسئولياتنا تجاه أمتنا، وأن نكون بذلك عند حسن ظن الأمة.

стр. 895

الأسئلة

стр. 896

وجوب الإحسان إلى الوالدين وبرهما السؤال هل المطلوب من إرضاء الوالدين مداراتهم، وهل لبر الوالدين حد أدنى أم لا حدود له؟ الجواب أمر الله الإنسان أن يحسن بوالديه إحساناً في عدة آيات من كتابه، وقرن ذلك بالإيمان في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فعلى هذا يجب الإحسان إلى الوالدين، وبرهما يتناول كثيراً من أنواع الإحسان المختلفة، ولكن ما يذكره الفقهاء من وجوب طاعتهما إذا أمرا بمكروه أو بمندوب أو جائز لا يدخل في دلالة النصوص، وإنما هو رأي فقط، ومن أجل ذلك فيجب الإحسان إليهما بخفض الجناح لهما، والمذلة بين أيديهما، وطاعتهما بما أمرا به موافقاً للشرع، ومحبتهما ونصيحتهما، وأن يبذل لهما الإنسان ماله وما استطاع من خدمته ونفسه، فهذا هو برهما في حياتهما، أما بعد موتهما فيدعى إلى صلة الرحم والوفاء بالوصية، ونحو ذلك.

стр. 897

فضل سماع الحديث النبوي السؤال هل يجوز للشخص سماع الحديث وهو يعرف صحيحه من سقيمه، وقد يعارض نصاً فقهياً لديه؟ الجواب الحديث المقصود به سنة رسول الله ﷺ ، وهي الهدى كله، ومن أعرض عنها أعرض عن الهدى الذي جاء به محمد ﷺ ، وعلى هذا فسماعه من أفضل العبادات، وتعلمه من أفضلها، وهو أسهل تعلماً من غيره، والرسول ﷺ أفصح الناس وأصدقهم لهجة وأصوبهم صواباً، فمن لم يفهم كلامه لا يمكن أن يفهم كلام غيره.

стр. 898

أحكام اللقطة السؤال ما حكم اللقطة في الأمصار الكبيرة؟ وكيف تعرف؟ وما حالها بعد السنتين هل يتصدق بها عن صاحبها؟ والقول بالتصدق بها أرأي أم له أصل؟ الجواب اللقطة التي يلتقطها الناس في الأمصار -في غير الحرمين- ينبغي أن تعرف كما أمر رسول الله ﷺ بذلك فقال: (اضبط متاعها وعفاصها، ثم عرفها سنة، ثم انتفع بها، فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر يطلبها فأعطه إياها)، فعلى هذا، على الإنسان أن يعرفها بمظانها، ومن مظانها -إذا كانت ذات بال أو ثقيلة- أن يعلن عنها في جريدة أو غير ذلك، ويحتسب ذلك على صاحبها، وإن كانت ليست ذات بال بأن كانت قيمتها زهيدة ضئيلة فلا تدخل في اللقطة، وليتصدق بها، وإن كانت متوسطة القيمة فله أن يعرفها في المكان الذي وجدها فيه وما حوله، وأن يكتب إعلاناً عنها أنه: من فقد شيئاً في هذا المكان فعليه أن يتصل بالرقم الفلاني. أو: من فقد شيئاً في هذا المكان فعليه أن يصل إلى فلان الفلاني في المكان الفلاني. فإن مضت السنة فله أن ينتفع بها، والأفضل له أن يتصدق بها، وإن جاء صاحبها يوماً من الدهر يطلبها فعليه أن يعطيه إياها.

стр. 899

طريقة تغيير قناعات الوالدين الواقعين في الشرك السؤال لي والدان يستغيثان بغير الله، ويكرهان الدعوة، فماذا يجب علي أن أفعله معهما؟ الجواب عليه أن يبر والديه، وأن يحسن إليهما حتى يؤثر فيهما، وإذا أصبح مؤثراً فيهما فسيحبان ما يحبه هو، وحينئذٍ يصرف عنهما كل قبيح من الأفعال والأخلاق والعقائد وغير ذلك، وهذا ليس قولاً نقوله من غير تجربة، بل هو أمر مجرب من لدن القدم، فمن لا تؤثر فيه ولا يجد منك الحرص على شئونه وأموره ولا يحبك لا يمكن أن تؤثر فيه، لكن من يثق بك تمام الثقة، يسهل عليك تغيير منكره، ويسهل عليك التأثير عليه، وأنا أعرف رجلاً كان معنا، وكان شاباً من شباب نواكشوط، وقد توفي -نسأل الله أن يغفر له ويرحمه- وكان من خيرة الشباب، وأبوه رجل كبير السن وشيخ قبيلة، ولكنه كان أبر أولاده به فحصل على ثقته، فكان أبوه -إلى الآن- إذا رأى رجلاً من الذين كان يعرفهم مع ابنه قال: محمد محمود -اسم الولد- لا يصحب إلا الخيرين. وذلك لتمام ثقته بولده؛ لأنه يقول: عرفته منذُ بلغ فما رأيت منه إلا خيراً. فحصل على ثقته، فكان الوالد يغير رغباته وقناعاته امتثالاً لرغبة ولده، ويغير كل القناعات، ومستعد أن يترك كل شيء؛ لأنه يثق بولده تمام الثقة.

стр. 900

الأسلوب المناسب لدعوة الأقارب السؤال كيف يعيش زوج مع زوجته وأهلها يدعونها إلى الباطل، ويكرهون الزوج لأنه من الدعاة، فكيف يدعوهم؟ وكيف يؤثر فيهم؟ الجواب الأسلوب المناسب هو: أن يحصل على ثقتهم. أولاً، فلا يحاول دعوتهم قبل أن يكون محل ثقة لديهم، بل يحسن إليهم ويريهم من نفسه الحرص على التعاون معهم، فإذا أصبح محل ثقة لديهم متدخلاً في كل شئونهم دعاهم حينئذ من واقع قوة تأثير، ويؤثر عليهم إن شاء الله.

стр. 901

حكم زواج الأب من زوجة ابنه من الرضاعة السؤال قال تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وقال ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فكيف يجمع بين الحديث والآية خاصة إذا كان الابن من الرضاع؟ الجواب هذه الآية لا تتعلق بالرضاعة، إنما بالمصاهرة، والله ذكر المحرمات وهن ثلاثة أقسام: محرمات من النسب، ومحرمات من المصاهرة، ومحرمات من الرضاعة. فالمحرمات من المصاهرة منهن: حلائل الأبناء، وهن زوجات أولاد الصلب، فلا يدخل في ذلك حلائل الأولاد من غير الصلب، وقد اختلف في الابن من الرضاعة هل تحرم زوجته إذا كان قد تزوجها؟ فجمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك، وقال آخرون: لا تدخل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فاشترطوا أن يكونوا من الصلب، والحديث إنما هو في الرضاعة، فلا يدخل في هذا الباب فلا تعارض بينه وبين الآية.

стр. 902

حكم الجمع بين المملوكتين في الوطء السؤال من المعلوم أن الجمع بين الأختين محرم، فهل ينطبق ذلك على المملوكتين؟ الجواب نعم. ينطبق على المملوكتين، فلا يحل وطء أختين بملك يمين حتى تخرج الأولى عن ملكه، وعند المالكية لا بد أن يخرجها عن ملكه وعن ملك من تحت يديه من أولاده الصغار أيضاً، وهذه المسألة اختلف فيها الصحابة قديماً، لكن القول الذي اتفقت عليه الأمة بعد ذلك هو مذهب علي بن أبي طالب بتحريم ذلك، وقد قال عثمان ﵁ حين سئل عن ذلك: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فلم يفت بهما، ولكن الأمة أجمعت بعد ذلك على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين.

стр. 903

السنة في العقيقة عن الأولاد السؤال هل صحيح أن سنة العقيقة تكون بشاتين للابن وشاة للبنت، وما هو أصل ذلك؟ الجواب جاء ذلك في الحديث الصحيح أن يعق عن الذكر بشاتين أو كبشين أملحين، وعن البنت بواحدة، ولكن جاء أيضاً في الصحيح أنه عق عن الحسن والحسين بشاة واحدة عن كل واحد منهما، فلذلك لا حرج في هذا، فأقل ما يعق به شاة واحدة، ولا حرج في الزيادة ما لم يصل ذلك إلى السرف.

стр. 904

طاعة الوالد فيما لا يعارض الشرع السؤال إن لي والداً يأمرني أن أترك علم الحديث وتعلمه حتى يكون لدي علم بالفروع، وكذلك يطلب مني الزواج مبكراً امتثالاً لقول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، ولكن يوسوس الشيطان لي ويعرض لي كثيراً من العقبات، فما هو نصحكم لي؟ الجواب أما ما ورد في السؤال الأول فما أمر به الوالد فهو مخالف لأمر الله فيما يتعلق بترك الدعوة وترك التعليم، فعلى الإنسان إذا تعلم شيئاً أن يعلمه، لكن عليه أيضاً أن يبر والده وأن يظهر ذلك، وأن لا يظهر مخالفته له. أما ما يتعلق بتعلم الفروع، فإذا أمر الوالد بذلك فهذا اختيار منه لولده أن يتقدم لعلم من العلوم المهمة قبل غيره، ورأي الوالد فيه بركة، ولا حرج أن يدرس بعض الفروع، ولكن عليه أن يبحث عن أدلتها مع ذلك ويدرسها معها. أما الاستفسار في السؤال الثاني فيما يتعلق في تعجيل الزواج فيحتاج إلى أن يعرف الإنسان واقع الشخص هل هو مستعد لذلك من الناحية البدنية والمادية، فإن كان كذلك فلا ينبغي له أن يؤخره، وإن لم يكن كذلك فقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].

стр. 905

حكم عضل المولى لموليته السؤال طلبت للزواج وخطبت عدة مرات ورفض والدي الموافقة على زواجي، والآن يريد أن يزوجني من ابن عمه، وأنا لا أرضى به زوجاً، فقد سبق أن تحرش بي حتى دخلت المستشفى، فأنا لا أرضى به لذلك ولا أحبه، والآن أريد أن أعرف حكم ما يريد والدي فعله بي؟ الجواب يقول الله تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فقد حرم الله العضل، والعضل معناه: منع ولي المرأة من الزواج. وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وإلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). وعلى هذا فالذي حصل من الوالد غير جائز، والعضل غير جائز، ولا يجوز له أن يأتي بفاسق يزوجه موليته لقرابته منه، وعليكم أن تحاولوا معه وتقنعوه، وإذا كان هناك واسطة يتصلون بالوالد ويبينون له أن هذا غير جائز فهذا أفضل، ولتلتزم هي حياءها مع الله ، وتسأله أن يجعل لها فرجاً ومخرجاً، نسأل الله أن يجعل لها فرجاً ومخرجاً، وأن يكتب لها الخير.

стр. 906

دعاء اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم! استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ولا منفرين يا أرحم الراحمين. اللهم! اهدنا واهد على أيدينا يا أرحم الراحمين، اللهم! اهدنا واهد بنا يا أرحم الراحمين، اللهم! اهدنا واهد بنا يا أرحم الراحمين، اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه يا أرحم الراحمين، اللهم! ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهم! اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، يا سامع الدعوات! يا أرحم الراحمين! اللهم! اغفر لكل المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم! اقض حوائجهم أجمعين، اللهم! لا تردهم خائبين، اللهم! إنهم رفعوا إليك أيدي الضراعة فلا تردهم خائبين، اللهم! املأ قلوبهم أجمعين من الإيمان، وأبدانهم من الصحة، وجوارحهم من الطاعة، وأيديهم من الخير، اللهم! اغفر ذنوبهم، واقض ديونهم، واشف مرضاهم، وارحم موتاهم يا أرحم الراحمين، اللهم! اهد قلوبهم، واجمع ذات بينهم يا أرحم الراحمين، اللهم! اجمع شملهم، واجمع كلمتهم على الحق يا أرحم الراحمين، اللهم! أصلح أولادهم ونساءهم يا أرحم الراحمين، اللهم! اغفر لأمة محمد ﷺ ، واخلف علينا بخير يا أرحم الراحمين، اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا أرحم الراحمين، اللهم! يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! الطف بالمستضعفين من المسلمين المستذلين في كل مكان، اللهم! الطف بهم يا أرحم الراحمين، اللهم! أنزل عليهم الرحمات يا أرحم الراحمين، اللهم! فرج كربهم، ونفس همهم، اللهم! اجعل العاقبة لهم يا أرحم الراحمين، اللهم! ثبت أقدامهم، وسدد سهامهم، واجمع كلمتهم على الحق يا أرحم الراحمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم! رد كيد الكافرين وانصرنا عليهم أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 907

الحكمة في الدعوة [٢] إن الأصل في الدعوة إلى الله تعالى أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وهذا الأسلوب مطلوب في حق الكافرين فضلاً عن عصاة المؤمنين، ولا يعارض هذا قتال المشركين، أو إقامة الحدود على الفاسقين، فكل له موطنه. ومن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى التطبيق العملي لكل أمور الدين؛ إذ به تكتمل الدائرة، ويسد الفراغ بين العلم والعمل.

стр. 908

كيفية دعوة غير المسلمين بالحكمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد سبق أن تحدثنا عن مفهوم الدعوة إلى الله خصائصها ومميزاتها وأسسها وضوابطها وسنتحدث -بحول الله- عن بعض وسائل الدعوة إلى الله، كما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، فلنأخذ من هذه الآية نبراساً نهتدي به إلى ما نقول، والله الموفق في القول والعمل. هذه الآية من أجمع ما ورد في كيفية الدعوة إلى الله وأساليبها، وقد نزلت في مكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وقد اختلف العلماء هل هي محكمة أم منسوخة بالآيات التي توجب قتال المشركين أينما ثقفوا، وقد ذهب ابن عطية في تفسيره إلى الجمع بين القولين -أي: إلى التفصيل- حيث يقول ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال -أي: حال اللين والرفق في الدعوة إلى الإسلام، وألا تتعدى مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة- هو منسوخ لا محالة، وأما من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفرة ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة في حقه إلى يوم القيامة، وأيضاً فهي محكمة في جهة العصاة، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. ويؤكد القرطبي نفس المعنى حيث يقول: هذه الآية نزلت بمكة وقت الأمر بمهادنة قريش، وقد أمر الله رسوله أن يدعو إلى الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في جهة العصاة الموحدين، ومنسوخة في بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل -والكلام ما زال للقرطبي -: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. وكلام هذين الإمامين يقرر بوضوح لا لبس فيه أن الأصل في الدعوة إلى الله أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وأن هذا الأسلوب مطلوب في حق الكفار، ولا يعدل عنه إلا إذا لم يجد في حقهم شيء، وأنه متعين في حق عصاة المسلمين والغادرين منهم، ويمنع الشارع العدول عنه إلا في حالات استثنائية محصورة محدودة كقتال الفئة الباغية، ففي القرآن آيات كثيرة تبيح للمؤمنين التعامل مع الكفار الذين لم يقاتلوهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم، كقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. وفيه أمر -أي: في القرآن- للنبي ﷺ بمنح الجوار لمن استجاره من المشركين، وإسماعه كلام الله، ثم إبلاغه مأمنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]، والبر، والقسط، والجوار، والوفاء بالعهد إلى مدته كلها أساليب دعوية فعالة لما تتركه من أثر إيجابي في نفوس المدعوين، وقد أدت في كثير من الأحيان إلى دفع أعداء الإسلام إلى اعتناق الإسلام والإيمان والدفاع عنه بعدما كانوا من ألد أعدائه، فقد نقل ابن القيم أن الذين استثناهم الله وأمر بالوفاء لهم بعهدهم قد دخلوا في الإسلام قبل أن تنقضي مدة عهدهم، وأن الذين تركوا ليسيحوا في الأرض أربعة أشهر لم يسيحوا في الأرض، وإنما أسلموا، ولا يعارض -أيها الأخ الحبيب- إعمال هذه الآية ما جاء من الأمر بقتال المشركين حيث وجدوا وترصدهم وحصارهم، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، وهو مشروع لتحرير البشرية من العبودية للعباد، وتعبيدها لرب العباد، وإزالة كل قوة تقف في وجه ذلك وإيقافها عند حدودها، ولا يقف الإسلام عند تحدي الدفاع عن أرض الإسلام كما بين ذلك بعض المسلمين خطأ واقعين تحت تأثير دعايات أعداء الله. يقول سيد قطب ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، يقول: إنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك، فهو لا يعلنها حرب إبادة، وإنما هي حرب هداية متى أمكن ذلك. فالمشركون الأفراد الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى له يكفل لهم الإسلام في دار الإسلام الأمن، ويأمر الله نبيه ﷺ أن يجيرهم حتى يبلغوا مأمنهم، هذا كله وهم مشركون: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]. إن هذا يعني أن الإسلام حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يثوب، وأن المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان، ذلك أنه في هذه الحالة أمن الإسلام حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه، فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين؛ لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب، وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يبلغوا بلداً يأمنون فيه على أنفسهم. ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان الذي منحه الإسلام لهم في دار الإسلام، ولكن قمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة بعد قمة، وهذه هي قمة من قممها، هذه الحراسة للمشرك عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم هذه السنين! هذه الحراسة له حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام، إنه منهج الهداية لا منهج الإبادة. والذين يتحدثون عن الجهاد في الإسلام فيصمونه بأنه كان لإكراه الناس على الاعتقاد، والذين يحملونهم هذا الاتهام ممن يقفون بالدين موقف الدفاع، فيروحون يدفعون هذه التهمة بأن الإسلام لا يقاتل إلا دفاعاً عن أهله في حدوده الإقليمية! هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى أن يتطلعوا إلى تلك القمة العالية التي يمثلها هذا التوجيه الكريم. فهذا الدين إعلام لمن يعلمون، وإشارة لمن يستشيرون، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه، ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله، وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله؛ فتحول بينهم وبين الهدى، كما تحول بينهم وبين التحرر من عبادة العبيد وتربطهم برب العبيد، والتي تحول بينهم وعبادة رب العبيد وتلجئهم إلى عبادة العبيد، ومتى حطم الإسلام هذه القوى وأزال هذه العقبات فالأفراد -على عقيدتهم- آمنون في كنفه، يعلمهم ولا يرهبهم، ويجيرهم ولا يقتلهم، ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم، هذا كله وهم يرفضون منهج الله! انتهى الاستشهاد. ولزوم أحكام هذه الآية -أي: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة- والجدال بالتي هي أحسن لزوم أحكامها في حق الغافلين من المسلمين وعصاتهم -إلا في حالات استثنائية محصورة كما ذكرنا- أمر واضح بين، فقد أمر القرآن المسلمين بالاعتصام بحبل الله جميعاً واجتناب الفرقة، ونهاهم عن التنازع والافتراق فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وقال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقال رسول الله ﷺ : (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره)، أو كما قال ﷺ . وقد نهى رسول الله ﷺ المسلمين أن يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) متفق عليه. بل إن رسول الله ﷺ يذهب إلى أبعد من ذلك حين ينهى عن الإشارة إلى المسلم بسلاح ونحوه ولو مزاحاً، فعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يديه، فيقع في حفرة من النار) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: قال أبو القاسم ﷺ : (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)، وروى النسائي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (قتل المؤمن عند الله أعظم من زوال الدنيا). وقد حرم رسول الله ﷺ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم في خطبة حجة الوداع، وكانت من آخر خطبه ﷺ ؛ لأنه ودع الناس فيها، ولقد نال المسلمين في ماضيهم من قريب وفي حاضرهم إ

стр. 909

التطبيق العملي للدعوة إن ما نذكره من مظاهر الحكمة كله يدخل في المجال النظري، أما المجال التطبيقي فيحتاج الإنسان فيه إلى تدريب وتعويد، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بمدة زمنية، فإذا أردت -يا عبد الله- أن تدعو نفسك إلى الصدق فاكتب آيات الصدق وأحاديثه في ورقة واجعلها في جيبك، وراجعها بين الفينة والأخرى، وألزم نفسك بالصدق طيلة أسبوع كامل؛ لأنك إذا قلت لها بأن تلتزم طيلة العمر فلن تستجيب لك. لكن إذا قلت لها: سأحاول الصدق مدة أسبوع فتستجيب لك، فإذا مضى أسبوع وقد استطاعت نفسك الإقلاع عن الكذب فقل لها: إنما أنت مخادعة، وأنت تستطيعين الصبر عن الكذب مدة الحياة، فقد صبرت أسبوعاً كاملاً عن الكذب. وهكذا إذا أردت الإقلاع عن الغيبة فاكتب آيات الغيبة وأحاديثها في ورقة واجعلها في جيبك، ثم راجعها بين الفينة والأخرى، ثم اجعل لنفسك أسبوعاً لا تسمع فيه غيبة ولا تشارك فيها ولا تنطق بها، فإذا نجحت في ذلك عاتب نفسك بهذا العتاب. وكذلك في التعود على الاستغناء بالله عمن سواه، فإذا أردت أن تعود نفسك ألا تسأل أحداً حاجة إلا الله فاكتب الآيات المتعلقة بذلك والأحاديث المتعلقة به، وراجعها بين الفينة والأخرى، وأدب نفسك بذلك أسبوعاً أو أسبوعين، ثم إذا نجحت فيه فقاض نفسك إلى ضميرك، وقل: قد نجحت في ذلك أسبوعاً أو أسبوعين فلم العناد؟ ولهذا بايع النبي ﷺ عشرة من أصحابه على أن لا يسألوا أحداً شيئاً، فكانوا بعد ذلك إذا وقعت عصا أحدهم وهو راكب لم يأمر أحداً أن يناوله عصاه، بل ينزل حتى يأخذ عصاه. ولذلك أخرج البخاري في الصحيح عن عمرو بن تغلب ﵁: عن النبي ﷺ قال: (إني لأعطي أقواماً خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار، وأكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان، منهم عمرو بن تغلب. قال عمرو: فقال كلمة ما أود لو أن لي بها حمر النعم). وكان عمرو لا يسأل أحد شيئاً، وكذلك حكيم بن حزام عندما سأل النبي ﷺ فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال له بعد أن ابتسم النبي ﷺ في وجهه: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن لم يأخذه بحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع. قال حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً. فكان بعد ذلك لا يأخذ هدية ولا عطية من أحد)، حتى إن عمر كان يدعوه ليأخذ حظه من بيت المال فيمتنع، فيشهد عليه الشهود أنه قد أعطاه نصيبه من بيت المال فتركه، فلابد أن يتعود الإنسان على هذا تطبيقياً في نفسه. ثم كذلك في التعاون مع الأهل، فإذا أردت أن لا تغضب، وأن تمتثل وصية النبي ﷺ في ذلك في قوله: (لا تغضب) فاكتب أحاديث الغضب واجعلها في ورقة في جيبك، وطبقها على أهلك. وإذا أردت التخلق بخلق النبي الكريم الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فابدأ بأمر يسير جداً، وهو أنه إن كان سائق أو خادم في البيت أو عامل في المكتب أو المتجر أو غير ذلك فحاول أن لا تقول له لشيء فعله: لم فعلت؟ ولا لشيء تركه: لم تركته؟ فهكذا كان النبي ﷺ ، كما قال أنس: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلت، ولا لشيء تركته: لم تركت)، ثم إذا نجحت في هذه التجربة في نفسك فحاول أن تطبقها على الآخرين فقد أصبحت أستاذاً في الدعوة، حاول أن تطبقها على الآخرين فقد أصبح في زماننا هذا علم متطور يدعى (علم النفس الدعوي) يدرس في الكليات، يعرف به الإنسان الأسلوب المؤثر، ويختار به الأساليب التي يستجيب لها الناس، ويستطيع به تقييد التجارب النافعة من حياته هو وحياة من يخالطهم من الناس، ومن عرف هذا العلم لم يخل وقت من أوقاته من درس يستفيده، فما من أحد يلحظه إلا تعلم منه درساً إما أن يكون درساً إيجابياً وإما أن يكون سلبياً، فإن رآه فعل أمراً محموداً تعلم منه درساً إيجابياً، وإن رآه فعل أمراً مذموماً تعلم منه درساً سلبياً فبادره بالترك، ولذلك فإن أنبياء الله ﵈ كانوا يستفيدون هذه الدروس حتى من البهائم، فنبي الله سليمان ﵇ استفاد من نصيحة الهدهد الذي قال له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]، والنبي ﷺ قال: (أتدرون ماذا قال هذا الطائر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه يقول: أكلت نصف تمرة، فعلى الدنيا العفاء)، فالدنيا كلها عليها الغبار، فائدتها أن يأكل الإنسان ما يغنيه. كذلك رأى النبي ﷺ امرأة تجري في السبي تبحث عن ولدها حتى وجدته فألصقته ببطنها وألقمته ثديها، فقال: (أترون هذه ملقية ولدها في النار؟ قالوا: لا. قال: فالله أشد رحمة بعبده المؤمن من هذه بولدها). إن هذا المقام إذا وصله الإنسان أصبح أستاذاً يمكن أن يستملي الدروس من تلقاء كل ما ينظر إليه، فالنبي ﷺ أخذ هذا الدرس من هذه المرأة التي تجري تبحث في السبي عن ولدها. وسار ذات يوم -بأبي هو وأمي ﷺ في طريقه بين المسجد والبقيع، فمر بسوق بني قينقاع، فرأى جدياً أسك ميتاً مرمياً فقال: (من يشتري مني هذا الجدي -والناس في السوق يقبلون على التبايع ويجمعون الدراهم والدنانير-؟ فقالوا: يا رسول الله! لو لم يكن ميتاً لكان عيباً أنه أسك! فقال: من يشتريه بأربعة دراهم؟ فقالوا: لا أحد يشتريه بذلك؛ إنه أسك صغير الأذنين ميت)، جيفة فلا أحد يشتريه بذلك، فجعله مثلاً للدنيا، وبين لهم حرص أهلها عليها، وأنهم إنما يتنافسون على الجدي، فهذه الأساليب المؤثرة هي التي تعلمها أصحاب النبي ﷺ منه بعد ذلك. فقد مر أبو هريرة بالسوق، فإذا الناس قد انقطعوا في البيع عند مجيء البضائع، وغفلوا عن أنفسهم من شدة حرصهم على الربح، فصاح فيهم: يا أهل السوق! قد حرمتم نصيبكم من ميراث رسول الله ﷺ . فاجتمعوا إليه حينما قال هذه الكلمة المؤثرة، فقال: قد تركت ميراث النبي ﷺ يقسم الآن في المسجد، فأدركوا نصيبكم منه. قالوا: من يرعى لنا تجارتنا؟ فقال: أنا أرعاها لكم حتى ترجعون. فخرج التجار يشتدون عدواً ويتسابقون إلى المسجد فدخلوا، فما رأوا إلا حلق العلم، فرجعوا فقالوا: ما رأينا إلا حلق العلم. فقال: هو ذاكم، هذا ميراث النبي ﷺ . فهذه الراحة اليسيرة التي أقبل فيها التجار إلى المسجد وخرجوا بنية صادقة يريدون نصيبهم من ميراث النبي ﷺ كانت راحة لهم من الانغماس في الدنيا بالبيع والشراء، أراحهم بها أبو هريرة ﵃ وقطعهم عن ذلك الإقبال الشديد والانهماك في الدنيا. ونظير هذا قول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، فهو مقتض أن يحصل على الرحمة من أقاربه وذويه الذين يكذبونه ولا يرضون باستجابة دعوته. ومن هذه التطبيقات ما حصل لرجل من الدعاة، فقد أعد برنامجاً دعوياً لمجموعة من الشباب، فقال: سنأخذ شهرين في الجانب النظري وأربعة أشهر في الجانب التطبيقي. فطال عليهم الجانب التطبيقي، فلما أكملوا الجانب النظري قال له أحد الشباب: أما أنا فلا أحتاج إلى التطبيق فسأطبق بنفسي. فقال: أحسنت وبارك الله فيك، اذهب واستعن بالله. فخرج -وكان اليوم يوم الجمعة- فدخل مسجداً لصلاة الجمعة، فقام الخطيب على المنبر، فافتتح خطبته بحديثٍ موضوعٍ طويل، فأطاله الرجل طولاً عجيباً لم يصبر عليه الشاب، فوقف في أثناء الخطبة يصيح ويقول: أخرجوا هذا الإمام من مسجدكم؛ فهو كذاب وضاع يكذب على رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)، وقال: (إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد)، و (من قال علي ما لم أقل فليلج النار)، وقال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فقال الإمام: أخرجوا هذا من هذا المسجد. فقام الناس عليه وأشبعوه ضرباً وأخرجوه من المسجد. فعاد حزيناً كئيباً إلى الشيخ فشكا إليه ما لقي من هؤلاء القوم في المسجد، وأن جوابهم لم يكن جواباً علمياً ولم يكن بالبرهان، وإنما كان بالعصا، فقال له الشيخ: اصبر يا بني عليهم أسبوعاً، فإذا كانت الجمعة القابلة فسنذهب ونطبق بعض الدروس التي سمعتها في هذا المسجد. فقبل الشاب ذلك مرغماً، فلما كان يوم الجمعة الآخر خرج الشيخ وطلابه إلى المسجد، فجاؤوا مبكرين، وأخذوا مقابل ظهر الإمام وجلسوا يذكرون الله، فصعد الإمام المنبر فبدأ خطبته بنفس الحديث الذي خطب به في المرة الماضية، وأخذ عليه الشيخ ووجد في نفسه تعصباً على هذا الحديث، فسكت الشيخ وهو يقلب رأسه كالمعجب بذلك، ولا يفعل ذلك إلا متعجباً لا معجباً به، فلما سلم الإمام تقدم الشيخ إليه، وسلم عليه تسليماً مبالغاً في احترامه، ثم وقف فأراد أن يتقدم فقدم إليه الإمام الميكرفون؛ لأنه عرف أنه سيثني عليه، فقال: أيها الناس! إن إمامكم هذا رجل مبارك، فمن أراد البركة وغفران الذنوب فلينتف شعرات من لحيته. فاجتمع عليه أهل المسجد حتى نتفوا لحيته، وما تركوه حتى سال الدم من لحيته، فاقترب إليه الشيخ فوضع يده على كتفه وقال: هل يكفيك هذا تأديباً على وضع الحديث على رسول الله ﷺ . فعرف الشاب أنه ما زال محتاجاً إلى التطبيق العملي. ومما يقابل هذا أن إماماً من الأئمة جاءه شاب يحمل شهادة - أظنها شهادة في الشريعة- وهو يحفظ القرآن، ويرى أنه أحق بالإمامة من الإمام، ومعه أوراق رسمية كأنه معين من جهة حكومية ليتولى إمامة المسجد، فتقدم وأخذ أوراقه ووقف إلى جانب الإمام، ففهم الإمام قصده،

стр. 910

الأسئلة

стр. 911

وقت صلاة الوتر السؤال هل يمكن الجمع بين الحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وتراً)، والحديث الذي فيه: النهي عن النوم قبل الوتر، مع العلم أن من صلى الوتر قبل النوم لا يمكن أن يصليه آخر الليل للحديث السابق؟ الجواب إن النبي ﷺ أمر بجعل آخر الصلاة في الليل وتراً، فقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر أوتر بركعة) أو: (فصل ركعة توتر لك ما سبق)، وقال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، لكنه لم يأمر الناس جميعاً بأن يجعلوا الوتر آخر الليل، بل أمر بعض أصحابه لما علم منهم ثقل النوم أن يوتروا قبل أن يناموا، ومن هؤلاء أبو هريرة ﵃، قال: (أوصاني خليلي ﷺ : أن أوتر قبل أن أنام)، فهذه الوصية تختص بأولئك، وليست بيد كل الناس، بل كان النبي ﷺ لا يوتر إلا في آخر الليل، فقد كان ينام قبل قيام الليل، وهذا هو التهجد؛ لأن التهجد معناه مجانبة الهجود، وإنما تسمى الصلاة تهجداً إذا كانت بعد نوم أو في وقت النوم، ولا تعارض بين الحديثين. فمن كان إذا نام علم أنه لم يستيقظ فلا ينم حتى يوتر، ومن كان يعلم أنه سيستيقظ وجرت العادة له بذلك فالأفضل له أن يؤخر صلاة الليل بعد أن ينام الناس؛ لقول النبي ﷺ : (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)، ولقوله ﷺ : (وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧])، لذلك من علم من نفسه أنه إن نام لم ينشط للصلاة، فليوتر قبل النوم، ومن علم من نفسه أنه سيستيقظ وينشط للصلاة فليؤخر صلاته إلى جوف الليل. اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم! لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، ولك الحمد كالذي تقول، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلى وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس وأخذت بالنواصي ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذين أشرقت له السماوات والأرض أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم! ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم! استعملنا في طاعتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! اجعلنا في قرة عين نبينا محمد ﷺ ، اللهم! اسقنا من حوضه بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! بيض وجهونا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم! لا تشوه وجوهنا بنارك، اللهم! لا تشوه وجهونا بنارك، اللهم لا تشوه وجهونا بنارك، الله استرنا بسترك الجميل، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم! أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ورد كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم! لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم! ثبت أقدامهم، وسدد سهامهم، واجمع كلمتهم.

стр. 912

صفات الثوب الذي يجوز أن تخرج به المرأة السؤال قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، هل يدخل في ضمن ذلك ما ظهر من الثوب، وما صفة الثوب الذي يطلب من المرأة الخروج فيه في السفر؟ وهل هو القبيح بحيث يكون في لباسها له عدم صيانة العرض، أم الحسن الذين لم يكون لافتاً للانتباه؟ الجواب إن قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فيه استثناء بما يحل للمرأة إبداؤه من الزينة، وهو ما ظهر؛ لأن المرأة لا يمكن أن يحرم عليها إبداء الزينة مطلقاً وهي تحتاج إلى الخروج ومخالطة الناس في البيع والشراء وغير ذلك، فأذن الله لها في إبداء ما ظهر منها. واختلف أهل العلم ما هو؟ فقال بعضهم: هو اللباس الظاهر. وقال بعضهم: ما كان في الوجه من الكحل ونحوه، وما كان في اليدين من الخاتم ونحوه. وهذا المذهب الأخير هو الذي ذهب إليه جمهورهم، فرأوا أن ما ظهر منها هو ما كان في الوجه واليدين، وبهذا فسر هذه الآية عدد من الصحابة، وفسرها غيرهم، بأن المقصود بذلك اللباس الظاهر، فاللباس ظاهر كله من الزينة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فالزينة المقصود بها ما يستر العورة من اللباس، فهذا هو القول الثاني، وعلى هذا فإن الملابس التي تخرج فيها المرأة لا يحل أن يكون فيها عطر قطعاً؛ لقول النبي ﷺ : (أيما امرأة تعطرت فخرجت من بيتها فهي زانية)، وكذلك لا ينبغي أن تكون من لباس الزينة الذي لا يلبس إلا في الأعياد ونحو ذلك، فهذا أيضاً مدعاة للريبة، وقد قال النبي ﷺ في خروج النساء للمسجد: (وليخرجن إذا خرجن تفلات)، أي: غير متزينات. وأما ما دون ذلك فهو من الأمور المشككة لا المتواطئة، فبالإمكان أن تكون ملابس حسنة ظاهرة لدى قوم وهي رخيصة الثمن غير حسنة لدى آخرين، ولا عبرة بما يحصل فيها التفاوت حينئذٍ من هذا الأمر، فإذا لم تكن الملابس مختصة بالزينة فالأمر فيها ميسور، أما الملابس القبيحة المزرية فلا ينبغي على من أنعم الله عليها من النساء بما تستتر به أن تتخذها للخروج؛ فإن ذلك من تواضع النفاق وهو ذميم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عباده)، والخروج في تلك الملابس من غير ضرورة من المذلة التي نهي عنها أهل الإسلام، ولذلك فهي من الأمور التي ينبغي التفريق بينها وبين التواضع، كما قال السيوطي ﵀: والمرء محتاج إلى أن يعرف فرق أمور في افتراقها خفا كالفرق بين العجز والتوكل والحب لله ومعه المنجلي إلى أن يقول: وعزة في أمر دين والعلو والاجتهاد في اتباع والغلو فعد منها التواضع والمذلة، فلا بد أن يفرق الإنسان بينهما.

стр. 913

أثر المجلات الحائطية في الدعوة السؤال هل تعتبر المجلة الحائطية أسلوباً نافعاً من أساليب الدعوة في المدارس؟ الجواب نعم. فهي أسلوب مؤثر قدر جرب نفعه، وبالأخص إذا كان إخراجها إخراجاً جيداً بالألوان وبالخطوط الجيدة.

стр. 914

مكانة الأطفال من الدعوة السؤال ما هو دور الأطفال في الدعوة؟ الجواب الأطفال هم قادة المستقبل، وهم علماؤه ومجاهدوه، وحكامه، ووزراؤه، ومعلموه، ودعاته، وأئمته، وتجاره، فيجب عليهم أن يتزودوا في صباهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (تفقهوا قبل أن تسودوا)، وكذلك يطلب منهم أن يكونوا أسوة حسنة ومثالاً يقتدى به لزملائهم ونظرائهم، فإن من فعل ذلك منهم تيسر له الالتزام فيما بعد بلوغه، واستطاع أن يكف جوارحه عما حرم الله عليه بعد البلوغ، وكان بذلك من بداية عهده ناشئاً في طاعة الله، وقد صح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعمل شماله ما تنفق يمينه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 915

أجر تعليم الأولاد للقرآن السؤال ما هو الحكم فيمن له أبناء في بلاد لا تتوافر فيها دراسة القرآن، هل حكمه الذهاب بهم إلى محضرة قرآنية، أم حضانتهم في بلدهم المذكور مع دراستهم ودراستُهم ضعيفة؟ الجواب إن استطاع هو أن يعملهم القرآن وأن يتعلمه معهم فذلك أولى وأزكى، وإن لم يستطع ذلك وعجز عنه فليبحث لهم عمن يعلمهم، وإذا أحضر معلماً إلى القرية التي هو فيها كتب له أجر ذلك التعليم وأجر تعليم الأولاد الآخرين، وكان ذلك من التعاون على البر والتقوى.
следующие страницы →