← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقت صلاة الوتر السؤال هل يمكن الجمع بين الحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وتراً)، والحديث الذي فيه: النهي عن النوم قبل الوتر، مع العلم أن من صلى الوتر قبل النوم لا يمكن أن يصليه آخر الليل للحديث السابق؟ الجواب إن النبي ﷺ أمر بجعل آخر الصلاة في الليل وتراً، فقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر أوتر بركعة) أو: (فصل ركعة توتر لك ما سبق)، وقال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، لكنه لم يأمر الناس جميعاً بأن يجعلوا الوتر آخر الليل، بل أمر بعض أصحابه لما علم منهم ثقل النوم أن يوتروا قبل أن يناموا، ومن هؤلاء أبو هريرة ﵃، قال: (أوصاني خليلي ﷺ : أن أوتر قبل أن أنام)، فهذه الوصية تختص بأولئك، وليست بيد كل الناس، بل كان النبي ﷺ لا يوتر إلا في آخر الليل، فقد كان ينام قبل قيام الليل، وهذا هو التهجد؛ لأن التهجد معناه مجانبة الهجود، وإنما تسمى الصلاة تهجداً إذا كانت بعد نوم أو في وقت النوم، ولا تعارض بين الحديثين. فمن كان إذا نام علم أنه لم يستيقظ فلا ينم حتى يوتر، ومن كان يعلم أنه سيستيقظ وجرت العادة له بذلك فالأفضل له أن يؤخر صلاة الليل بعد أن ينام الناس؛ لقول النبي ﷺ : (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)، ولقوله ﷺ : (وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧])، لذلك من علم من نفسه أنه إن نام لم ينشط للصلاة، فليوتر قبل النوم، ومن علم من نفسه أنه سيستيقظ وينشط للصلاة فليؤخر صلاته إلى جوف الليل. اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم! لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، ولك الحمد كالذي تقول، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلى وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس وأخذت بالنواصي ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذين أشرقت له السماوات والأرض أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم! ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم! استعملنا في طاعتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! اجعلنا في قرة عين نبينا محمد ﷺ ، اللهم! اسقنا من حوضه بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! بيض وجهونا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم! لا تشوه وجوهنا بنارك، اللهم! لا تشوه وجهونا بنارك، اللهم لا تشوه وجهونا بنارك، الله استرنا بسترك الجميل، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم! أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ورد كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم! لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم! ثبت أقدامهم، وسدد سهامهم، واجمع كلمتهم.

стр. 912

صفات الثوب الذي يجوز أن تخرج به المرأة السؤال قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، هل يدخل في ضمن ذلك ما ظهر من الثوب، وما صفة الثوب الذي يطلب من المرأة الخروج فيه في السفر؟ وهل هو القبيح بحيث يكون في لباسها له عدم صيانة العرض، أم الحسن الذين لم يكون لافتاً للانتباه؟ الجواب إن قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فيه استثناء بما يحل للمرأة إبداؤه من الزينة، وهو ما ظهر؛ لأن المرأة لا يمكن أن يحرم عليها إبداء الزينة مطلقاً وهي تحتاج إلى الخروج ومخالطة الناس في البيع والشراء وغير ذلك، فأذن الله لها في إبداء ما ظهر منها. واختلف أهل العلم ما هو؟ فقال بعضهم: هو اللباس الظاهر. وقال بعضهم: ما كان في الوجه من الكحل ونحوه، وما كان في اليدين من الخاتم ونحوه. وهذا المذهب الأخير هو الذي ذهب إليه جمهورهم، فرأوا أن ما ظهر منها هو ما كان في الوجه واليدين، وبهذا فسر هذه الآية عدد من الصحابة، وفسرها غيرهم، بأن المقصود بذلك اللباس الظاهر، فاللباس ظاهر كله من الزينة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فالزينة المقصود بها ما يستر العورة من اللباس، فهذا هو القول الثاني، وعلى هذا فإن الملابس التي تخرج فيها المرأة لا يحل أن يكون فيها عطر قطعاً؛ لقول النبي ﷺ : (أيما امرأة تعطرت فخرجت من بيتها فهي زانية)، وكذلك لا ينبغي أن تكون من لباس الزينة الذي لا يلبس إلا في الأعياد ونحو ذلك، فهذا أيضاً مدعاة للريبة، وقد قال النبي ﷺ في خروج النساء للمسجد: (وليخرجن إذا خرجن تفلات)، أي: غير متزينات. وأما ما دون ذلك فهو من الأمور المشككة لا المتواطئة، فبالإمكان أن تكون ملابس حسنة ظاهرة لدى قوم وهي رخيصة الثمن غير حسنة لدى آخرين، ولا عبرة بما يحصل فيها التفاوت حينئذٍ من هذا الأمر، فإذا لم تكن الملابس مختصة بالزينة فالأمر فيها ميسور، أما الملابس القبيحة المزرية فلا ينبغي على من أنعم الله عليها من النساء بما تستتر به أن تتخذها للخروج؛ فإن ذلك من تواضع النفاق وهو ذميم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عباده)، والخروج في تلك الملابس من غير ضرورة من المذلة التي نهي عنها أهل الإسلام، ولذلك فهي من الأمور التي ينبغي التفريق بينها وبين التواضع، كما قال السيوطي ﵀: والمرء محتاج إلى أن يعرف فرق أمور في افتراقها خفا كالفرق بين العجز والتوكل والحب لله ومعه المنجلي إلى أن يقول: وعزة في أمر دين والعلو والاجتهاد في اتباع والغلو فعد منها التواضع والمذلة، فلا بد أن يفرق الإنسان بينهما.

стр. 913

أثر المجلات الحائطية في الدعوة السؤال هل تعتبر المجلة الحائطية أسلوباً نافعاً من أساليب الدعوة في المدارس؟ الجواب نعم. فهي أسلوب مؤثر قدر جرب نفعه، وبالأخص إذا كان إخراجها إخراجاً جيداً بالألوان وبالخطوط الجيدة.

стр. 914

مكانة الأطفال من الدعوة السؤال ما هو دور الأطفال في الدعوة؟ الجواب الأطفال هم قادة المستقبل، وهم علماؤه ومجاهدوه، وحكامه، ووزراؤه، ومعلموه، ودعاته، وأئمته، وتجاره، فيجب عليهم أن يتزودوا في صباهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (تفقهوا قبل أن تسودوا)، وكذلك يطلب منهم أن يكونوا أسوة حسنة ومثالاً يقتدى به لزملائهم ونظرائهم، فإن من فعل ذلك منهم تيسر له الالتزام فيما بعد بلوغه، واستطاع أن يكف جوارحه عما حرم الله عليه بعد البلوغ، وكان بذلك من بداية عهده ناشئاً في طاعة الله، وقد صح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعمل شماله ما تنفق يمينه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 915

أجر تعليم الأولاد للقرآن السؤال ما هو الحكم فيمن له أبناء في بلاد لا تتوافر فيها دراسة القرآن، هل حكمه الذهاب بهم إلى محضرة قرآنية، أم حضانتهم في بلدهم المذكور مع دراستهم ودراستُهم ضعيفة؟ الجواب إن استطاع هو أن يعملهم القرآن وأن يتعلمه معهم فذلك أولى وأزكى، وإن لم يستطع ذلك وعجز عنه فليبحث لهم عمن يعلمهم، وإذا أحضر معلماً إلى القرية التي هو فيها كتب له أجر ذلك التعليم وأجر تعليم الأولاد الآخرين، وكان ذلك من التعاون على البر والتقوى.

стр. 916

حكم هجران الأرحام والجيران السؤال ما حكم صلة الجار إذا كان قريباً نسبه ولم يكن بمحرم كبنات العم والخال، وهل يجوز للشخص أن يهجر جاره القريب فوق ثلاثة أيام؟ الجواب صلة الرحم من شعب الإيمان البارزة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حين خلق الرحم أمسكت بساق العرش فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطعية. فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟)، وكذلك فإن النبي ﷺ بالغ بالحض على صلة الرحم، وبين أن أفضل صلة الرحم صلة الرحم الكاشح الحاسد المشاكس، ولم يرد في الشرع تقييد للرحم بأن تكون محرماً، بل ذكر البخاري ﵀ في صلة الأرحام، فقال: صلة الرحم: تشريك القرابات فيما أوتي الإنسان من أنواع الخيرات، فيدخل في ذلك الزيارة والدعاء والسؤال عن الحال والإهداء والنصيحة وغير ذلك مما ينفع، ويشمل ذلك الأجنبية وغيرها من ذوي الرحم. لكن آكد ذوي الأرحام صلة هم الذين يتوارث الإنسان معهم، فالذين ترثهم ويرثونك هم آكد ذوي الأرحام رحماً، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وأما الجار فلا يحل هجرانه إلا على أساس معصيته؛ لما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يهجرن أحد أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذين يبدأ بالسلام)، وفي رواية: (وأفضلهما الذي يبدأ بالسلام)، فحرم النبي ﷺ أن يهجر الرجل أخاه فوق ثلاث، ومثل ذلك هجران المرأة المرأة فوق ثلاث، فالهجران إذا كان على أساس المعصية فلتهجره وقت مقارفة المعصية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. وأما الهجران المطلق فإنما يقصد به تأديب الإنسان المصر إذا علم أن ذلك يؤثر فيه، أما إذا علمت أن هجرانك لا يؤثر فيه ولا يرده عن باطله فلا تهجره بهجرة البدن.

стр. 917

حكم الاختلاط بالأجنبيات في الدراسة السؤال كيف يكون تعامل الطالب مع زملائه من الرجال والنساء المختلطين الذين يتسابقون فيما بينهم؟ الجواب يجب على الإنسان أن لا يخالط الأجنبيات، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، وخلطة الأجنبيات أعظمها خلطة الفروج وأدناها خلطة النظر، وقد حرم الله الأمرين، فدل ذلك على تحريم ما بينهما؛ لأنه قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وهذا أقوى شيء في الخلطة، فإذ حرم هذان الحدان حرم ما بينهما كالمصافحة والاقتراب، ولذلك حرم النبي ﷺ الدخول على النساء فقال: (إياكم والدخول على النساء. قالوا: والحمو يا رسول الله؟ قال: الحمو الموت)، وأمر النساء أن يقمن من وراء الرجال، وأن لا يمشين وسط الطرق، والحمو قريب الزوج ووالده وقريبه. نعم، لا بد من صلة الرحم، لكن لا يحل الاختلاط والخلوة، كذلك إذا كان الإنسان بين مجموعة من المنتهكين لحرمات الله كهؤلاء فيجب عليه أمران: أولهما: أن يهجر بقلبه. وهذه الهجرة هي التي تسمى بالهجرة الشعورية، أن يهجر ما هم عليه، وأن يبغضهم على مخالفتهم للحق، وأن يهجرهم بقلبه، ثم بعد ذلك الأمر الثاني: وهو تغيير ما استطاع، فإن استطاع تذكيرهم بالله وتخويفهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فليفعل، وإن لم يستطع ذلك فليهجرهم ما استطاع، إن استطاع الهجرة البدنية فبها ونعمت، وإن لم يستطع فليهجر الهجرة الشعورية.

стр. 918

حكم اشتراط النية لإزالة النجاسة السؤال ما حكم زوال النجاسة عن الثياب التي توضع في المغاسل لغسلها؟ الجواب من القواعد الشرعية المسلمة في المذاهب كلها أن التعبد في التطهير لا يحتاج إلى النية، فطهارة الخبث كلها لا تحتاج إلى النية، لأنها ليست مثل طهارة الحدث، فلا تحتاج إلى النية، فلذلك يطهر الثوب بالمطر إذا تعرض له وهو على شجرة، ويطهر إذا أخذته الريح فرمته في البحر أو نحوه، وكذلك الثياب إذا كانت متنجسة فغسلها الأجير، أما إذا علم أن الذين يمتهنون ذلك إنما يضعون الثياب في المياه المتغيرة، ولا يضعونها في الماء المطهر فتكون -الثياب- حينئذ داخلة في خلاف العلماء إذا زالت عين النجاسة بغير الماء المطلق، هل يبقى الحكم مؤثراً أو لا؟ فذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أن حكم النجاسة يزول تبعاً للعين، وذهب الجمهور إلى أن حكم النجاسة لا يزول إلا بالمطهر، وهو الماء الطهور الذي لم يتغير فيه أحد الأوصاف الثلاثة. والمسألة محل خلاف بين أهل العلم، فلذلك يمكن أن يوسع على المسلمين بها، لكن ينبغي أن ينصح الذين يزاولون هذه المهنة بأن يضعوا الثياب في ماء مطهر، سواءٌ كان ذلك في بداية غسلها أم في نهاية الغسل.

стр. 919

تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه) السؤال ما تفسير قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]؟ الجواب هذه الآية نزلت أول ما نزل الصوم، فقد كان الصوم على التخيير إن شاء الإنسان صام وإن شاء أطعم، وذلك في وقت حاجة المسلمين إلى الإطعام، ثم نسخ ذلك بالأمر الجاد بالصيام، فقد قال الله تعالى في بداية الأمر بالصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤]. فهنا: أمرهم إذ ذاك أن يصوموا، فمن كان عاجزاً عن الصوم يجب عليه الإطعام مقابل كل يوم، وذلك في وقت الحاجة إلى الإطعام، ثم جاء الأمر الجاد بالصيام بعد قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فلم يبق عذر في الصيام، ولم يبق التخيير الذي كان، بل نسخ التخيير بوجوب الصيام على من شهد الشهر، أي: من لم يكن مسافراً أو له عذر. وقد قال بعض أهل التفسير: إن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: على الذين لا يطيقونه. و (لا) في لسان العرب تأتي زائدة فتذكر ولا يراد بها النفي، وتحذف كذلك ويراد إثباتها، فمن إثباتها في الموضع الذي لا تقتضي فيه النفي قول الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١]، ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١]. ومن حذفها في الموضع الذي يراد إثابتها فيه، قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: على الذين لا يطيقون الصيام لعطش أو هرم (فدية) وهي: إطعام مسكين عن كل يوم مداً، وعموماً فبأي التفسيرين أخذت فصحيح، فالتفسير الأول تكون الآية على أساسه منسوخة، والتفسير الثاني تكون الآية على أساسه محكمة.

стр. 920

حكم المراء والجدال في المساجد السؤال ما حكم من يتجادلون في المسجد قبل صلاة الجمعة محتجين بالدعوة إلى سبيل الله؟ الجواب إذا كان ذلك في الحق وعلى أساس وبصيرة وبينة، وكان ذلك ليس مراءً في الدين وإنما هو مجادلة بالتي هي أحسن فلا حرج في ذلك في المساجد، ولهذا بنيت، وهو من العلم النافع، وإن كان ذلك بالمراء في الدين والمناورة والمكابرة التي يقصد بها الإنسان أن يعرف -كما قال علي: إنما أنت رجل يقول: اعرفوني اعرفوني، فقد عرفناك- فهذا ممنوع محرم في يوم الجمعة وفي غيره من الأيام.

стр. 921

السن الذي تشتهى فيه المرأة السؤال ما السن الذي تكون فيه المرأة أجنبية وتشتهى به؟ الجواب لا عبرة بالسنوات، وإنما العبرة بجسمها هي وبحال الإنسان أيضاً. وكذلك أيضاً الطفل، لكن إذا كانت مراهقة فقطعاً أصبحت أجنبية على كل الاحتمال، وكذلك الصبي إذا أصبح مراهقاً، أي: قريباً من البلوغ. أما تعريف الريبة فهي: ميل القلب الذي يتهم الإنسان فيه بأنه يريد ما لا يحل له.

стр. 922

تعريف العلماني السؤال ما كيفية دعوة العلمانيين بالحكمة، مع تعريف العلمانيين؟ الجواب إن دعوة العلمانيين إنما هي بحسب مستواهم وحالهم، فالعلماني معناه: الذي يقر بالإسلام في جانب من جوانب الحياة ويرده في الجوانب الأخرى. الذي يريد من الإسلام الصلاة والعبادة، ولكن لا يريد من الإسلام الحكم، ولا التشريع، ولا الجهاد، ولا الحدود، ولا المعاملات هذا هو العلماني، يقبل الإسلام في بعض الجوانب ويرفضه في بعض الجوانب، ويقول: ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وهذا النوع من الناس إنما يُجادَل بالتي هي أحسن، فيبين له أن الجميع من عند الله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، فالذي فرض الصلاة هو الذي حرم الربا، وهو الذي أوجب الحكم بما أنزل الله، وهو الذي شرع الأحكام كلها، ولا يمكن أن يؤخذ بعض تشريعه ويرد عليه بعضه، فهو الذي قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥].

стр. 923

كيفية دعوة الوالدين السؤال والدي لديه نية حسنة، ولكنه يمارس بعض البدع، ولا يفهم كغيره من الشيوخ هذه الصحوة المباركة، فعندما تذكر له هذه الجماعات يطلق العبارات التي يطلقها كثير من الشيوخ، كقولهم: هذا الدين الجديد. أو: المذهب الخامس فكيف يتعامل معه، وكيف يُفَهَّم، وكيف يكف عن ذلك؟ الجواب إن معاملة الوالدين في المجال الدعوي خاصة، ومثال هذا ما عامل به إبراهيم أباه عندما قال له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٣ - ٤٥]، فيحاول الولد أولاً الحصول على ثقة والده، ويحاول بره حتى يكون أحب أولاده إليه، فإذا كان أحب أولاده إليه فلا شك أنه سيؤثر فيه تأثيراً بالغاً. وأعرف رجلاً والده شيخ قبيلة، وهو من رجال المجتمع، لكنه كان براً به، فكان أحب أولاده إليه، فتأثر بسلوكه وهديه ودله تأثراً بالغاً، فكان الوالد بعد ذلك إذا رأى أي شيء يفعله ولده هذا، قال: ما فعل محمد محمود هذا إلا على أساس بينة من الله ورسوله. وبعد أن مات محمد محمود رحمة الله عليه كان هذا الوالد يناصر أهل الدعوة الذين كان محمد محمود منهم، ويقول: محمد محمود لا يصحب إلا الصالحين. وقد مات هذا الوالد ﵀ وهو من أنصار هذه الدعوة أو من أنصار هذا الدين ومن المجتهدين في الحق، وما تأثر إلا ببر ولده به، لكن ولده إنما ابتدأ بالبر والإقناع من غير أن يبدأ بالمناقشة والمجادلة، فأثر فيه تأثيراً بالغاً، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه.

стр. 924

علاج الرهبة من موقف الدعوة السؤال من إذا قام في دعوة الناس آخذته رهبة، كيف يعالج ذلك؟ الجواب هذا إنما يحصل في بداية الجانب التطبيقي من الدعوة، ويزول ذلك باعتلاء المنابر والتحدث أمام الناس، فإن لكل موقف رهبة، والإنسان في بداية أمره لابد أن يحصل له ذلك، وعثمان ﵁ حين صعد المنبر أول ما بويع خليفة وضع قدميه في المكان الذي كان النبي ﷺ يضع فيه قدميه، فارتج عليه فلم يستطع الكلام بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، فسكت طويلاً ثم قال: أنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال، ولئن بقيت لتأتينكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسراً. ونزل فكانت خطبته أبلغ خطبة، وهو أول من ارتج عليه على المنبر من هذه الأمة.

стр. 925

(لعن الله امرأة رفعت صوتها ولو بذكر الله) ليس بحديث السؤال هل الخبر: (لعن الله امرأة رفعت صوتها ولو بذكر الله) حديث؟ الجواب ليس حديثاً عن النبي ﷺ .

стр. 926

من مقامات التعليم والإنكار السؤال هل هذه المقامات خاصة بالإنكار، وهي مقام الابتداء، ومقام التردد، ومقام الإنكار؟ الجواب الجواب لا. فهذه المقامات في الدعوة مطلقاً، في تغيير المنكر والتعليم وغير ذلك، فأول ما يبتدئ به الإنسان ينبغي أن يكون اللين، ثم بعد ذلك يأتي بالموعظة، ثم بعد ذلك يأتي بالحجة الدامغة.

стр. 927

وسائل دعوة المسلمين السؤال كيف ندعوا المسلمين، خاصة المنحرفين انحرافاً بيناً كالعلمانيين والشيوعيين؟ الجواب هؤلاء ليسو من المسلمين، لكن دعوة المسلمين إنما هي تخويفهم بالله تعالى وتذكيرهم به، وتذكيرهم بأيام الله، وأخذه الشديد، وتذكيرهم بالموت وسرعة الانتقال من هذه الدار، فإن هذا مما ينفع المؤمنين، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فيدعون بوسائل الدعوة السبع، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] هذه الوسيلة الأولى، ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، هذه الوسيلة الثانية، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] هذه الوسيلة الثالثة، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، هذه الوسيلة الرابعة. وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] هذه الوسيلة الخامسة، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] هذه السادسة، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] هذه الوسيلة السابعة، فهذه السبع الوسائل بنص كتاب الله. فالوسيلة الأولى قوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]، فلا بد أن يكون الإنسان على بصيرة بما يدعو إليه، وعلى بصيرة بمن يدعوه وبأسلوب الدعوة. وقوله تعالى: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] هذه الوسيلة الثانية، فلا يمكن أن يكون الإنسان داعياً بنفسه وحده، بل لابد أن يجد من يساعده على ذلك ويعينه عليه. وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] هذه الوسيلة الثالثة، فلا بد أن يستعين الإنسان بالتوكل على الله وعبادته واللجأ إليه، فإن من وسائل الدعوة الدعاء، وإتقان العبادة، فمن لم تستطع التأثير فيه ببيانك ولسانك فأثر فيه بنور قلبك، وبدعائك، فإن لم يستجب لك فحاول التأثير فيه بالدعاء، فقلما يعجزك مع الدعاء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] هذه الوسيلة هي التميز، فلابد أن يكون الداعية متميزاً مخالفاً للذين يدعوهم فيما يدعوهم إليه، فلا يمكن أن يدعو إلى شيء وهو يخالف فيه، فلابد أن يتميز عن المشركين.

стр. 928

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) السؤال ما تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٨ - ٩]؟ الجواب قول الله تعالى: (ومن الناس) أي: من المشركين. (مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) أي: في ألوهيته، وينكر وحدانيته، ويزعم له شركاء. (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: بغير برهان ولا دليل. (وَلا هُدًى) أي: لم يأته في ذلك هداية من الله . (وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) أي: لم يجد ذلك في القرآن ولا في غيره من الكتب السماوية. (ثَانِيَ عِطْفِهِ) وهذه جلسة المجادل، فالذي يجلس للخصام يدني عطفه، وعطفه جنبه. (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: بالمجادلة في الله. (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) فهذا وعيد من الله لمن كان كذلك، وهذه الآيات التي وردت في المشركين أو المنافقين ليست خاصة بالذين وردت فيهم، بل الوعيد وارد على كل من فعل ذلك، فكل من حصل منه الفعل الذي جاء في القرآن الوعيد عليه أو في السنة فهو داخل في الوعيد، وورود العام على الخاص لا يمنع عموم الحكم.

стр. 929

حكم زيارة المرأة للرجل الأجنبي السؤال هل يجوز زيارة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي إذا كان مريضاً؟ الجواب إن عيادة المرضى تجب على الأقربين، فإن تهاونوا بها وجبت على الصاحب، فإن تهاون بها وجبت على الجيران، فإن تهاونوا بها وجبت على المسلمين عموماً، وهي من حق المسلم على أخيه إذا مرض أن يعوده، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، لكن من السنة في حال العيادة أن يخفف، وأن لا يزور في الأوقات المحرجة، وأن يدعو له بالشفاء، وأن يحمله على العزاء بأن يقول له: طهور وتكفير. أي: إن هذا تكفير لذنوبك وتطهير لك من أدرانك، وفيه خير لك. فيبين له ما يحمله على الصبر على المرض، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، لكن لا يحل للمرأة أن تخلو بالمريض الأجنبي؛ لأن الخلوة بين الأجانب حرام، وكذلك لا يحل لها أن تزوره في الريبة، فإن ما يؤدي إلى الريبة لا يجوز، أما في غير الريبة فلا حرج في ذلك، وهو مطلوب من حقوق المسلمين ويثاب الإنسان عليه، وقد كانت عائشة ﵂ وأمهات المؤمنين يعدن المرضى من المسلمين، وقد كانت عائشة تعود بلالاً ﵁ -وهو ليس بمحرم- لها في مرضه، وكذلك كانت أم سلمة ﵂ تعود شماس بن عثمان وغيره، وقد كانت امرأة من الأنصار تعود عثمان بن مظعون لما كان عندهم في البيت يعالجونه، فلما مات شهدت له بالخير، فبين لها النبي ﷺ الحذر من التزكية على الله.

стр. 930

وجوب قضاء الحامل والمرضع للصيام السؤال هل يجب على الحامل والمرضع قضاء رمضان؟ الجواب الإرضاع والحمل ليسا سبباً للإفطار إذا لم يكن معهما مرض، فإن كان معهما مرض أو خشية مرض أو زيادة مرض أو خشية زيادة مرض أو تأخر برء فإنهما سبب مبيح للإفطار أو موجب له، بحسب ما يترتب على ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر. أي: فيجب عليه أن يقضي عدة الأيام التي أفطرها من أيام أخر. وقد ورد حديث ضعيف بأن الحامل والمرضع ليس عليهما قضاء، ورد في ذلك أثر عن ابن عباس، لكن ذلك لا يصح ولا يمكن أن تعارض به الآية، فهي نص صريح من كلام الله.

стр. 931

حكم صلاة الجمعة في حق النساء السؤال هل تجب صلاة الجمعة على النساء؟ الجواب الجمعة لا تجب على النساء، لكن إذا صلينها أجزأت عن الظهر، وقد كن يشهدنها مع رسول الله ﷺ .

стр. 932

تفسير قول الله: (إنما يعمر مساجد الله) السؤال ما تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]؟ الجواب هنا بين الله أن عمارة المساجد باستغلالها في العبادة واستغلالها في طاعة الله لا يصدر إلا من مؤمن يريد وجه الله ويبتغي الدار الآخرة، فلذلك جاء بـ (إنما) التي هي أداة حصر، وقوله تعالى: (يعمر مساجد الله) يدخل فيه مساجد الجماعات والمصلَّيات وغيرها. وقوله: (من آمن بالله واليوم الآخر) الذي آمن بالله هو الذي يعرفه ويريد عبادته، والمؤمن بالله واليوم الآخر هو الذي يحتسب ويرجو الأجر فيما يعمل. وقوله تعالى: (وأقام الصلاة) لأنها هي التي تعمر بها المساجد. وقوله تعالى: (وآتى الزكاة) لأن الزكاة أخت الصلاة، ولذلك إنما يتركها المشركون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، وامتدح الذين يؤدونها فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧ - ١٥٨]، وقبل هذه الآية يذكر الأمر بالزكاة وحدها، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الذي ذكر فيه الأمر بالزكاة وحدها دون أن يرتبط ذلك بالصلاة: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. وقوله تعالى: (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) هذا من تمام الإيمان بالله؛ لأن الإيمان به يقتضي خشيته، فهو أحق أن يخشى. (فعسى أولئك) و (عسى) من الله الوجوب، ومعناها: يقارب أولئك (أن يكونوا من المهتدين)، فإنهم يهدون لذلك، وقد ورد عن النبي ﷺ في سنن الترمذي أنه قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) لأن الله تعالى يقول: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)) [التوبة:١٨])؛ لكن هذا الحديث فيه ضعف، ومع ذلك فالمقصود بارتياد المساجد والمقصود بعمارتها ما كان مقصوداً به وجه الله، ولا يقصد بذلك ما قصد به الرياء والتسميع، أو ما كان عابراً للإنسان دون أن يحتسب فيه وجه الله.

стр. 933

إن الدعاء هو العبادة إن الله غني عن عباده، وهم فقراء إليه، وقد أمرهم أن يسألوه ويدعوه، وفتح لهم أبواب رحمته، وعلمهم كيف يدعونه وبما يدعونه، فما على العباد إلا أن يطرقوا أبواب رحمته، ويطلبوه من فضله.

стр. 934

مشروعية الدعاء وآدابه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

стр. 935

الدعاء عبادة عباد الله! إن الله أمركم أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وإنه لا يخلف الميعاد، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدعاء هو العبادة).

стр. 936

آداب الدعاء فاجتهدوا في الدعاء لله ، وتأدبوا بالآداب التي شرع الله لكم في الدعاء، فإن الله شرع لكم في الدعاء أن يفتتح بالثناء على الله ، والصلاة على رسوله ﷺ ، وأن يختم بذلك. وألا يكون بإثم، ولا بقطيعة رحم، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم، ولا قطيعة رحم)، وصح عنه ﷺ أنه قال: (إن الله حيي كريم؛ يستحيي إذا مد العبد إليه يديه أن يردهما صفراً)، وصح عنه ﷺ كذلك أنه قال: (إن الله حيي كريم؛ لا يمل الإجابة حتى تملوا الدعاء)، فاجتهدوا في الدعاء لله ، واعلموا أن هذا الدعاء هو تحقيق العبادة لله. والأنبياء فيه لهم مقامات: فمنهم من يدعو بالتعريض، كما حصل لأيوب ﵇ فإنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، ومنهم من يصرح بالدعاء، كما كان إبراهيم ﵇ يدعو. والنبي ﷺ أخذ بالحالين، فتارة يصرح، وتارة يعرض. وكذلك فإن من آداب الدعاء التي شرعها الله الإلحاح بالدعاء والضراعة بين يدي الله ؛ فإن المتضرع بين يديه لا يمكن أن يُرد. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث دعوات مستجابات أقسم عليهن: دعوة المسافر حتى يعود، ودعوة الوالد على ولده، ودعوة المظلوم)؛ فهذه الدعوات الثلاث يقسم عليهن رسول الله ﷺ أنهن مستجابات لا ترد. وصحّ عنه ﷺ كذلك أنه قال: (للصائم دعوة لا ترد)، وكذلك صح عنه ﷺ أنه قال: (دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب).

стр. 937

فضل الضراعة إلى الله وإن الله يقدر ما شاء من قدره؛ ليرفع إليه عبيده أيديهم بالضراعة، وهو الحكيم الخبير؛ فكل أمره إنما هو لحكمة بالغة: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ولابد من الإيمان بقدره اللازم، ولابد أن يجأر إليه العباد بالضراعة في كل الأحوال، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إذا أحس العباد بالاستغناء؛ فإن الاستغناء سبب لحصول ما لا يرضي الله ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧]. وإن الله ينبه عباده على الضراعة إليه ودعائه وذكره بما يبتليهم به من أنواع البلاء، فإذا مدوا أيدي الضراعة إلى الله ، حقق ما كان قدر، وإنه هو الحكيم الخبير: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. وكثيراً ما يحال بين المرء وبين الرزق وغير ذلك مما يقدره الله، حتى يجأر إلى الله ويدعوه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣]. وقد صح عن النبي ﷺ في حديث عائشة في الصحيحين أنه قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبَّان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لا إله إلا الله يفعل ما يريد!!). فلابد من إخلاص العبودية لله سبحانه تعالى والضراعة إليه بالدعاء وذلك سر استجابته، وإن الله هو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وإن عطاءه غير محظور، وقد قال فيه: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]، يعطي عبده قبل المسألة، ويعطيه إذا سأل، ويضاعف له بما لا تبلغه فكرته، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. وصح عن النبي ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فهذا لا يمكن أن يدعو العباد به ولا أن يسألوه؛ لأنه لا يخطر على قلوبهم، ولا يمكن أن تراه أعينهم، ولا أن تسمع به آذانهم، لكن الله يبتدئهم بكرمه وجوده وإحسانه .

стр. 938

دعوة الغرباء مستجابة وإنكم هنا متعرضون لنفحات الله بما خصكم به في غربتكم هذه وخلوتكم، فاجتهدوا في الدعاء لله ، واعلموا أن ذلك من أبلغ القربات، وأشدها رجاء عند الله . وإن هذه الأمة محتاجة لدعائكم، فاجتهدوا لأمة محمد ﷺ في الدعاء، واعلموا أنه ﷺ كثيراً ما كان يدعو لأمته من يأتي منهم ومن حضر، وقد أخبر الله بلحاقكم بالسابقين، فقال تعالى في سورة الجمعة بعد الامتنان على هذه الأمة ببعثة محمد ﷺ : ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣]، و (لما) لنفي الماضي المنقطع، وهذا وعد من الله لكم أن تلحقوا بأصحاب محمد ﷺ . وقد صح عنه ﷺ أنه ذهب إلى المقبرة يوماً فأخذ عوداً فنكت به في الأرض فقال: (وددت لو رأيت إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، للواحد منهم أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله، منا أو منهم؟! قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً ولا يجدون على الحق أعواناً). وقد صح في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟! قال: قوم صالحون في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)، وفي رواية: (الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي رواية: (الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي).

стр. 939

فضل الدعاء يوم الجمعة إن الله أتاح لكم فرصة الدعاء، وشرعه لكم في الليل والنهار وفي كل الساعات، وبالأخص في يومكم هذا، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (خير أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائماً يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها)، فهذا اليوم فيه ساعة لا ترد فيها دعوة إلى الله ، يستجيب الله فيها، ويفتح خزائن خيره لعباده، فاجتهدوا في أن تصادفوا هذه الساعة المباركة، وقد أشار النبي ﷺ بيده يقللها، أي: أنها ساعة غير طويلة، لكن لا ترد فيها دعوة أبداً.

стр. 940

فضيلة الدعاء بأمور الآخرة ثم اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن من هداه الله للدعاء ينبغي أن تكون الآخرة أكبر همِّه، وأن يشتغل بما هنالك، وأن يعلم أن هذه الحياة الدنيا لا تساوي شيئاً، ولو عجل للإنسان فيها ملذاته وشهواته، وكل ما يرتجي ويبتغي، فذلك خسران له في الآخرة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]. وإن الشيطان كثيراً ما يسعى بالإنسان إذا أصابته نكبة من نكبات الدنيا إلى أن يهتم بحاله في الدنيا، وأن يغفل عن حاله في الآخرة، فعليكم عباد الله ألا تتبعوا خطوات الشيطان، وأن تعلموا أن ما يصيبكم في هذه الحياة لا يساوي شيئاً مما ينتظر الآخرين في الدار الآخرة، وأن تعلموا أن الله اختاركم حين أصابكم في هذه الحياة؛ ولذلك فإنه يقول في خطابه للكافرين يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠]. وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، ومن حديث خباب بن الأرت ﵁ كلاهما: (أنهما كانا صائمين، فقدم لهما طعام الإفطار، فلما رأياه ألواناً متنوعة بكيا حتى أبكيا من حولهما، فقال الناس لـ عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أبا المنذر؟! قال: إنا كنا أهل جاهلية وشر، فبعث الله إلينا محمداً ﷺ ، فآمنا واتبعنا، فعادانا الناس في ذات الله، فمنا من مات ولم يتعجل شيئاً من أجره، منهم أخي مصعب بن عمير؛ قتل يوم أحد، وليس له إلا سيفه عليه، وبردة إن نحن غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإن نحن غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخِر، فماتوا ولم يتعجلوا شيئاً من أجرهم، وبقينا وراءهم، ففتحت علينا الدنيا أبوابها، فنحن نهدِ بها، فخشينا أن يقال لنا يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠]). عباد الله! إن الله هو الكريم، اللطيف بعباده، الرحيم الذي لا تحجب عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، فتعرضوا لنفحاته ، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل). هي نفحات ربنا الكريم ، فتعرضوا لها، واسألوا الله من فضله كما أمركم الله، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.

стр. 941

اليقين والصبر من جنود الله التي تحمي العبد من الشبهات والشهوات الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وإخوانه. عباد الله! إن الله قواكم وأنعم عليكم بجندين من جنوده هما: جند اليقين، وجند الصبر، فاليقين يتغلب على الشبهات، لا يمكن أن تقف في وجهه أيَّة شبهة، فعليكم -عباد الله- أن تحققوا يقينكم بالله، وأن تعلموا أن المصير إليه، وأن القلوب كلها بين أصبعين من أصابعه، وأن السماوات السبع، والأرضين السبع في قبضة يمينه، وقد تعرف إليكم -عباد الله- بذلك فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يقبض السماوات، الأرضين السبع بيمينه يوم القيامة، فيهزهن ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، إنه ذو الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وإنه تعرف إليكم بهذا، فأيقنوا عباد الله وحققوا هذا اليقين، وبه تتعرفون إلى الله في الرخاء؛ ليعرفكم في الشدة. ثم الجند الثاني: هو جند الصبر، الذي شرعه الله لكم، وجعل مثوبته معية الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]. إن هذا الصبر العظيم هو جند لا تقف في وجهه الشهوات، وهو الذي يقتضي بالإنسان الاستمرار على سلوك طريق الحق؛ فلا يستزله البطر ولا يستزله الأشر، ولا تستزله الضراء، فهو مفتون لا محالة في السراء والضراء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فصاحب الصبر هو هو على كل الحالات، لا يمكن أن يستزل بحال من الأحوال.

стр. 942

من وحد الله في الدعاء ذاق العبودية ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أن الذي إذا رفع يديه لا يرفعهما إلا إلى لله، وإذا سأل لا يسأل إلا الله؛ هو الذي ذاق طعم العبودية لله ، وقد قال النبي ﷺ لابن عمه ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله)، فلا بد أن نتوكل على الله، وأن نسأله غاية المسألة، وتذكروا إخواني قول المكودي ﵀: إذا عرضت لي في زماني حاجة وقد أشكلت فيها علي المقاصدُ وقفت بباب الله وقفة ضارع فقلت إلهي إنني لك قاصد ولست تراني واقفاً عند باب من يقول فتاه سيدي اليوم راقدُ بل تذكروا قول السهيلي ﵀: بجمال وجهك سيدي أتشفع ولباب جودك بالدعا أتضرعُ يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقعُ يا من يرجَّى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن امنن فإن الخير عندك أجمعُ ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفعُ ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن منعت فأيَّ باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يُمنع حاشا لمجدك أن تقنط داعياً فالفضل أجزل والمواهب أوسع وتذكروا كذلك قول الحكيم: لا تسألن بنيَّ آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب فالله يغضب إن تركت سؤاله وبنيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ

стр. 943

افتقار العباد إلى الله إن الله تعرف إليكم بهذه الصفة إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]. وإنه شرفكم بشرف الانتساب إليه؛ فحققوا عبوديتكم له، وارفعوا إليه أيدي الضراعة، واذكروه على كل الأحوال؛ فقد صح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، سبحانه ربنا ما أكرمه وأحلمه وأعلمه!! عباد الله! إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته، وثلث بكم معاشر المؤمنين، فقال جل من قائل كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوَّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]. ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦]. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]. اللهم اسق عبادك وبلادك وبهيمتك، وانشر رحمتك على عبادك وأحي بلدك الميت. اللهم إن بالعباد والبلاد والخلائق والبهائم من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً. اللهم أنزل لنا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وسائر بلاد المسلمين عامة يا أرحم الراحمين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه شكراً حقيقياً يزدكم: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]، يغفر الله لنا ولكم.

стр. 944

كيف نعمل للإسلام بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وقد زالت الغربة الأولى للإسلام ليحل محلها العز والظهور والتمكين، بعد جهد متواصل وعمل دءوب، تجلى في سيرة النبي ﷺ ، وفي سيرة أصحابه ومن بعدهم، ونحن اليوم نعيش غربة جديدة للإسلام، ولن تزول هذه الغربة عن الإسلام إلا بعمل متواصل وجهود متضافرة من جميع فئات المسلمين.

стр. 945

تشريف الله لهذه الأمة على سائر الأمم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن جميع المسلمين يعلمون أن الله خلقهم لحكمة واضحة بينها في كتابه، وشرع لهم شرائع هذا الدين الذي هو خير شرائعه، وضمنه خير كتبه، وأرسل إليهم خير رسله، فشرفهم بذلك على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن هذه الأمة شهود عدول يوم القيامة، وإنه ما من نبي إلا يخاصم أمته في الملأ الأعلى، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. حتى إن نوحاً يخاصم أمته في الملأ الأعلى فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير! فيقول: مكثت فيكم ألف سنة إلا خمسين عاماً أدعوكم إلى الله. وهم ينكرون، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيؤتى برسول الله ﷺ وأمته فيشهدون لنوح أنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله . إن أمة يستشهدها الله تعالى في الملأ الأعلى ويرتضيها شاهدة على عباده لا بد أن تتحقق فيها صفات العدالة المطلوبة، ولا يمكن أن يكون الشهود على الأولين والآخرين من المجروحين الفاسقين، لا يمكن أن يرتضى هذا عند الله الذي هو أحكم الحاكمين.

стр. 946

واجب هذه الأمة إزاء هذا التشريف والتكريم لذلك فإن المطلوب من هذه الأمة أن تكون على الحكمة التي أرسل لها محمد ﷺ ، وأن تحقق هذه الصفات في نفسها، ويبدأ ذلك بمراعاة الفرد نفسه لتحقق هذه الصفات فيه، فقد علمت عبد الله فالزم، فالمؤمن الذي يحقق انتماءه لمحمد ﷺ ويرجو أن يبعث تحت لوائه يوم القيامة، وأن ينادى باسم إمامه محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء:٧١]. المؤمن الذي يرجو أن لا يدعى باسم إمام آخر غير محمد ﷺ ، ويرجو أن يكون من أولئك الذين يعرفون يوم القيامة بالغرة والتحجيل الذين يبيض الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يكون من الشهود على الناس لا بد أن يحقق في نفسه صفات مشروطة لذلك، ولا يمكن أن يتكل على مجرد التمني والتظني، فليس الأمر بالتمني ولا بالتظني، لا يتحقق هذا الأمر إلا بالجد والاجتهاد، فما أكثر المدعين الذين ينادون يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بالفضيحة، ويحل عليهم قول الله الحق: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. ما أكثر الذين يدعون انتماءهم لمحمد ﷺ في هذه الدنيا ولكنهم سيذادون عن حوضه يوم القيامة كما تذاد الإبلات الضلل يضربون على وجوههم، فيقول: يا رب! أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيقول: فسحقاً فسحقاً فسحقا.

стр. 947

أطوار هذه الأمة في تحملها لمسئولية هذا الدين الرسول ﷺ أخبرنا عن أطوار هذه الأمة وما ستتحمله من المسؤولية، فأخبر أن خير القرون هم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، هؤلاء إذا قرأنا شيئاً من أخبارهم وسيرهم واطلعنا على بعض النماذج منهم عرفنا كيف حققوا هذه الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ ، وكيف حصل لهم الشرف بها وأيقنوا وآمنوا وجاهدوا واتبعوا، ولم يغيروا ولم يبدلوا، وساروا على المحجة البيضاء غير مرتابين ولا شاكين، فوصلوا واتصلوا بحبل الحق فاستمسكوا به على بصيرة ويقين، وكانوا الزمرة الأولى، ثم جاء بعدهم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهنا سكت رسول الله ﷺ ، يقول الراوي: ما أدري هل ذكر قرنين أو ثلاثة. ثم إنه ثبت عن رسول الله ﷺ في صحيح البخاري أنه قال: (يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمدا؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم). إن هؤلاء قد سلكوا هذا الطريق حين عرفوه والتزموا به، وبذلك فازوا، وقدموا لله ما أمرهم بأن يقدموه، ولم يقدموا بين يدي الله ورسوله، بل تأدبوا بالأدب الحق ففازوا بذلك ونجحوا، ولكن وراءهم أقواما قد غيروا وبدلوا، ولم يستمسكوا بالطريق الذي سلكه هؤلاء فنجوا، وإنما اتكلوا على التظني والتمني، تجد أقواماً كباراً يزعمون أنهم من المتمسكين بالسنة، ولا يرضون أن ينسبوا إلا إلى سنة محمد ﷺ ، ولكن حين تنظر إلى حياتهم وواقعهم، وحين تسألهم عن الفترة التي يقضونها في الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله والبذل لله لا تجد شيئاً يذكر، وهنا ستعلم هل هم صادقون في دعواهم أو غير صادقين؟ إن سنة محمد ﷺ واضحة، وكل شخص يعرف أنه ﷺ مكث على هذه الأرض بعد بعثته ثلاثاً وعشرين سنة، وأن هذه المدة كان أكثرها في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله وإعلاء كلمة الله، وما عدا ذلك فوقت بسيط للحياة الطبيعية المعتادة، وهي أيضاً واجبات ينوي لها نية تصيرها مثل السابقات، فالذي يدعي التمسك بسنته عليه أن يراجع سنته وسيرته، وأن يقسم وقته حتى يرى الجزء الذي خصصه في مقابل الجزء الذي خصصه الرسول ﷺ لإعلاء كلمة الله.

стр. 948

حاجة الأمة لهذا الدين، وغنى الله رب العالمين إننا جميعاً نعلم أن الله غني عنا، وأنه هو الغني الحميد، وأنه إنما أرسل إلينا هذا الرسول ﷺ امتحاناً لنا، وأنه غني عن جهادنا، وغني عما نبذله من أموال، وأخبر أنه لا يسألنا أموالنا فقال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، ولكنه يحضنا على أن نقدم خيراً لأنفسنا، وحينئذ فإنه سيحفظه لنا حتى نناله في وقت الحاجة إليه، (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، الظالم إنما يظلم نفسه، والمطيع المتقي إنما يقدم ذلك لنفسه، فالله غني عن كل ذلك، والله حين أرسل رسوله ﷺ بهذا الدين لم يجعله بدار هوان، ولم ينزله إلى هذه الأرض ليتخذ ظهريا، وإنما أنزله وتعهد بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، وأن لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله هذا الدين، وأن يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، تعهد بذلك الله وهو الذي لا يخلف الميعاد، فقطار الدين منطلق، والالتحاق بركبه مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وما علينا إلا أن نبادر ونسارع، فالله شرع لنا هذه المسابقة والمسارعة، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، إن الملتحق بهذا الركب إنما يقدم لنفسه، وإنما يتشرف هو، ولن يشرف هذا الدين ولن يزيده شيئا، ولهذا يقول الله فيما روى عنه رسوله ﷺ : (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).

стр. 949

العمل للإسلام لا يكون إلا بقناعة وإرادة قوية المؤمن حين يسأل: كيف أعمل للإسلام؟ بعد قناعته بهذا الدين وإيمانه به وشهادته أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإيمانه باليوم الآخر والبعث بعد الموت فإن عليه أن يوجه هذا السؤال إلى نفسه، وحينئذ سيرى أن الله لم يدعه في مظنة ولا مهلكة، بل أرسل إليه رسولاً خاتماً للرسل، وأتاه بشريعة واضحة، وبين له معالمها لأقواله وأفعاله وتقريراته، ولم يكلف إلا بما يطيق، ولن يسأل إلا عما قامت عليه الحجة فيه، وكل ما لم يبلغه فإنه لم تقم عليه الحجة به، فإنه لن يُسأل إلا عما كان معلوماً من الدين بالضرورة لا يعذر أحد بجهله. لهذا فإن من انتمى إلى هذا الدين فأول واجب عليه أن يحقق انتماءه له، وأن يعلم أن هذا الانتماء قناعة، وأن القناعة أيا كانت مقتضية للعمل، فالذي يقتنع بأن عليه أن يكون عالماً ولكن لا يذهب إلى العلماء ولا إلى الكتب، وإنما يستقر في دويرة أهله، أو يذهب إلى الأسواق، أو إلى محلات بعيدة عن العلم لم يعمل من أجل قناعته، وبذلك لا تتحقق قناعته أبدا، كما ثبت عن رسول الله ﷺ -كما في السنة لـ ابن أبي عاصم - أنه قال: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم)، فلا يمكن أن تتحقق هذه الأمنية حينئذ، وكذلك الذي يقتنع بأن عليه أن يكون من التجار الكبار ومن الأغنياء المشار إليهم عليه أن يبكر بكور الطير إلى الأسواق، فيصفق فيها كما يصفق الناس، فإن نام في وقت الصبيحة واستقر في بيته ولم يعمل من أجل قناعته فإن قناعته لاغية، وإن من اقتنع بأنه قد جاء إلى هذه الدنيا لحكمة واضحة، وقامت عليه حجة بالغة، وأنه سيموت ويخرج من هذه الدنيا ويتركها وراء ظهره، وسيبعث من قبره، وسيوقف بين يدي الباري ، ويسأل قبل ذلك في قبره فيقال: من ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل عليه أن يحقق وأن يعمل من أجل قناعته هذه حتى تكون قناعة واقعية، فما أكثر المتمنين الذين يتمنون على الله الأماني، ويزعمون أنهم من الذين ستكون لهم الغرفات يوم القيامة، ما أكثر الذين لا يرضون إلا بالفردوس الأعلى من الجنة، ولا يرضون إلا بمجاورة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولكن حين ننظر إلى الذين يقدمون من أجل ذلك أعمالاً جساما ويخلصون في ذلك لله نجدهم قلة قليلة من هؤلاء. فالله أخبرنا عن المشركين وعن اليهود أنهم يودون أن يعطوا يوم القيامة براءة من النار، وأن يؤتوا صحفا منشرة، وأن يدخلوا الفردوس الأعلى من الجنة، ولكن الله رد عليهم هذه الأمنية وأخبر أنها كاذبة. والمشكلة أن كثيرا من المؤمنين يسلكون طريق اليهود والمشركين في ذلك، فيتمنون على الله الأماني ولا يقدمون شيئا، تجد المؤمن الذي أنعم الله عليه بالإيمان، وتربى في بيت مؤمن بين أبوين مؤمنين، وتعلم من دين الله أو أمكنه أن يتعلم على الأقل، وأنعم الله عليه بتمام جوارحه وقوة بدنه وتمام عقله وتفكيره، وكان في مجتمع فيه من يقتدى به وفيه من يستفاد منه، وتجده يبلغ الثلاثين من عمره أو الأربعين لم تبق له حجة على الله، ولم يقدم شيئا يذكر لدين الله، تمضي هذه السنون هباءً منثورا، ويا ليتها كانت هباءً منثورا، بل تكون حجة على أصحابها، وهي حجة لله عليهم، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. فيا ليت هذه السنوات التي مضت تمضي بما فيها من خيرٍ وشر، وتذهب بكل ما فيها، ويكون الشخص كأنما ولد من جديد، لكن المشكلة أنها تنقضي أيامها وتبقى تبعاتها، ولذلك كان كثير من السلف يقولون في دعائهم: اللهم إنا نعوذ بك من ذنوبٍ ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها. تنقطع اللذات وتبقى التبعات، ويمضي العمر على هذا والشخص يؤمل زيادةً في العمر ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فحينئذٍ تنقطع الآمال، ويندم الشخص على ما فرط في جنب الله حين لا ينفع الندم. فأنت -يا عبد الله! - في هذه الدنيا قد مكن لك فيها، وفتح لك كثير من المجالات، وأنعم الله عليك بكثير ٍمن النعم، وعلمت الخير أو أمكنك تعلمه، فلماذا لا تستفيد من كل هذه المجالات؟! إلى متى وأنت تغدو وتؤمل غيباً لا يتمناه إلا العاجزون؟! كثير من الذين يحبون نصرة الدين ويسعون لإعلاء كلمة الله يقولون نحن نرجو الوقت الذي ينزل فيه المسيح عيسى بن مريم فنجاهد معه، أو يخرج جيش المهدي ونجاهد معهم!! وما هذا الأمل الطويل الذي يوصلك بأزمانٍ قد لا تصلها أنت ولا ذريتك من بعدك؟! إنك لم تكلف بأن تنتظر هؤلاء، إنما كلفت بأن تنجي نفسك من عذاب الله، وأن تقدم شيئاً لدين الله، ولن تكلف إلا بما تطيقه وتستطيعه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. إن العمل لهذا الدين ليس مثل الأعمال الدنيوية التي يمكن أن يقدم فيها الشخص منافع لبعض الناس أو يرفع عنهم أضراراً دون أن يستشيرهم؛ لأنه يعلم أنهم بحاجةٍ إلى هذه المنافع وفي خشية من هذه المضار، فالله يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، لا يمكن أن تقدم نفعاً لله تعالى ولا أن ترفع عنه ضررا، إنما تنفع نفسك أو تضرها (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

стр. 950

واقعنا اليوم في زمن الغربة نحن اليوم في زمان الغربة، وفي زمان ضعف الدين وتراجعه، ولم يأتنا هذا من جهالةٍ، بل أخبرنا الرسول ﷺ الصادق المصدوق بذلك، وأخبرنا أن هذا الزمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وأخبرنا بهذه الفتن التي تموج كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا. وأخبرنا أن هذه الأزمان تكثر فيها الفتن وتنتشر، ويكثر فيها الهرج، ويرفع فيها العلم ويكثر الجهل، كل ذلك أخبر عنه الصادق المصدوق ﷺ ، ولكنه أخبرنا عن الاستمساك فيها وما ينجي منها، فأخبرنا أن النجاة بهذا الحبل المتين المستقيم الذي هو حبل الله، من استمسك به عصم، ألا وهو القرآن الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. وهذه السنة المبينة للقرآن التي جاء بها الرسول ﷺ ، وبين بها القرآن أتم بيان، فمن استمسك بهما عصم، ومن تركهما قصم الله ظهره، وانهوى على وجهه في النار، لذلك فإن الذي يتوقف عن العمل لنصرة الدين رجاء هذه الآمال الكاذبة مغرور ويخشى عليه من الخذلان، يخشى عليه من الخذلان حين يطيل الأمل ويتبعه، وتُمنيه النفس الأماني فينقاد لها، ويأتيه الشيطان كي يدعوه إلى بنيات الطريق ويقول له: وتكونوا من بعدها قوماً صالحين. حينئذٍ يغتر بأعماله التي يقوم بها، وينسى ما كلف به، وينسى ما أسلف وما فرط فيه من جنب الله فيما مضى من عمره، فيا ليت هؤلاء انتبهوا قبل أن يقعوا في الهاوية، وقبل أن توصد عليهم النار الحامية، يا ليت هؤلاء انتبهوا وأدركوا أن بقية العمر ما لها ثمن، ولذلك يقول الحكماء: إن عمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره. كل شخصٍ منا يعلم أن ما مضى من عمره قد ضيع، وأن بقيته لا يدرى متى تنقضي، فعمر ضيع أوله جدير بأن يحفظ آخره، فعلى الشخص حينئذٍ أن يحقق عهده مع الله الذي أخذه عليه، وأن يبدأ بنفسه ويحاول الإنطلاق بما أتاه الله من قوة، ويعلم أن الحرب القائمة سنة كونية وذات تاريخ طويل مستمر، فمنذ بعث أول رسولٍ إلى أهل الأرض وهذه الحرب قائمة بين الحق والباطل، يكون للباطل فيها بعض الصولات ولكنه يضمحل في النهاية، ويورث الله الأرض عباده المؤمنين المتقين، وبعدها تأتي صولة أخرى للباطل ثم يضمحل، وهكذا دواليك. إن الحرب قائمة على ساقها، ونازعة بأشدها، ونحن نشهدها في مختلف مجالات الحياة، نشهدها في مجال الاعتقاد، وفي مجال العمل، وفي مجال الاقتصاد، وفي مجال السياسة، وفي مجال الثقافة، وفي غير ذلك من المجالات، وفي بناء البيوت والمجال الاجتماعي الحرب شعواء على دين الله، وقبل ذلك نُبِذَ فيها ما جاء به محمد ﷺ في كثير ٍمن المجتمعات الإسلامية -إلا من عصم الله- وراء الظهور، وفي مجال الثقافة والعلم أصبح الناس يرجعون إلى مراجع مخالفةٍ لما جاء به محمد ﷺ ويقدمونها على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
следующие страницы →