← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

واجب هذه الأمة إزاء هذا التشريف والتكريم لذلك فإن المطلوب من هذه الأمة أن تكون على الحكمة التي أرسل لها محمد ﷺ ، وأن تحقق هذه الصفات في نفسها، ويبدأ ذلك بمراعاة الفرد نفسه لتحقق هذه الصفات فيه، فقد علمت عبد الله فالزم، فالمؤمن الذي يحقق انتماءه لمحمد ﷺ ويرجو أن يبعث تحت لوائه يوم القيامة، وأن ينادى باسم إمامه محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء:٧١]. المؤمن الذي يرجو أن لا يدعى باسم إمام آخر غير محمد ﷺ ، ويرجو أن يكون من أولئك الذين يعرفون يوم القيامة بالغرة والتحجيل الذين يبيض الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يكون من الشهود على الناس لا بد أن يحقق في نفسه صفات مشروطة لذلك، ولا يمكن أن يتكل على مجرد التمني والتظني، فليس الأمر بالتمني ولا بالتظني، لا يتحقق هذا الأمر إلا بالجد والاجتهاد، فما أكثر المدعين الذين ينادون يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بالفضيحة، ويحل عليهم قول الله الحق: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. ما أكثر الذين يدعون انتماءهم لمحمد ﷺ في هذه الدنيا ولكنهم سيذادون عن حوضه يوم القيامة كما تذاد الإبلات الضلل يضربون على وجوههم، فيقول: يا رب! أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيقول: فسحقاً فسحقاً فسحقا.

стр. 947

أطوار هذه الأمة في تحملها لمسئولية هذا الدين الرسول ﷺ أخبرنا عن أطوار هذه الأمة وما ستتحمله من المسؤولية، فأخبر أن خير القرون هم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، هؤلاء إذا قرأنا شيئاً من أخبارهم وسيرهم واطلعنا على بعض النماذج منهم عرفنا كيف حققوا هذه الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ ، وكيف حصل لهم الشرف بها وأيقنوا وآمنوا وجاهدوا واتبعوا، ولم يغيروا ولم يبدلوا، وساروا على المحجة البيضاء غير مرتابين ولا شاكين، فوصلوا واتصلوا بحبل الحق فاستمسكوا به على بصيرة ويقين، وكانوا الزمرة الأولى، ثم جاء بعدهم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهنا سكت رسول الله ﷺ ، يقول الراوي: ما أدري هل ذكر قرنين أو ثلاثة. ثم إنه ثبت عن رسول الله ﷺ في صحيح البخاري أنه قال: (يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمدا؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم). إن هؤلاء قد سلكوا هذا الطريق حين عرفوه والتزموا به، وبذلك فازوا، وقدموا لله ما أمرهم بأن يقدموه، ولم يقدموا بين يدي الله ورسوله، بل تأدبوا بالأدب الحق ففازوا بذلك ونجحوا، ولكن وراءهم أقواما قد غيروا وبدلوا، ولم يستمسكوا بالطريق الذي سلكه هؤلاء فنجوا، وإنما اتكلوا على التظني والتمني، تجد أقواماً كباراً يزعمون أنهم من المتمسكين بالسنة، ولا يرضون أن ينسبوا إلا إلى سنة محمد ﷺ ، ولكن حين تنظر إلى حياتهم وواقعهم، وحين تسألهم عن الفترة التي يقضونها في الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله والبذل لله لا تجد شيئاً يذكر، وهنا ستعلم هل هم صادقون في دعواهم أو غير صادقين؟ إن سنة محمد ﷺ واضحة، وكل شخص يعرف أنه ﷺ مكث على هذه الأرض بعد بعثته ثلاثاً وعشرين سنة، وأن هذه المدة كان أكثرها في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله وإعلاء كلمة الله، وما عدا ذلك فوقت بسيط للحياة الطبيعية المعتادة، وهي أيضاً واجبات ينوي لها نية تصيرها مثل السابقات، فالذي يدعي التمسك بسنته عليه أن يراجع سنته وسيرته، وأن يقسم وقته حتى يرى الجزء الذي خصصه في مقابل الجزء الذي خصصه الرسول ﷺ لإعلاء كلمة الله.

стр. 948

حاجة الأمة لهذا الدين، وغنى الله رب العالمين إننا جميعاً نعلم أن الله غني عنا، وأنه هو الغني الحميد، وأنه إنما أرسل إلينا هذا الرسول ﷺ امتحاناً لنا، وأنه غني عن جهادنا، وغني عما نبذله من أموال، وأخبر أنه لا يسألنا أموالنا فقال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، ولكنه يحضنا على أن نقدم خيراً لأنفسنا، وحينئذ فإنه سيحفظه لنا حتى نناله في وقت الحاجة إليه، (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، الظالم إنما يظلم نفسه، والمطيع المتقي إنما يقدم ذلك لنفسه، فالله غني عن كل ذلك، والله حين أرسل رسوله ﷺ بهذا الدين لم يجعله بدار هوان، ولم ينزله إلى هذه الأرض ليتخذ ظهريا، وإنما أنزله وتعهد بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، وأن لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله هذا الدين، وأن يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، تعهد بذلك الله وهو الذي لا يخلف الميعاد، فقطار الدين منطلق، والالتحاق بركبه مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وما علينا إلا أن نبادر ونسارع، فالله شرع لنا هذه المسابقة والمسارعة، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، إن الملتحق بهذا الركب إنما يقدم لنفسه، وإنما يتشرف هو، ولن يشرف هذا الدين ولن يزيده شيئا، ولهذا يقول الله فيما روى عنه رسوله ﷺ : (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).

стр. 949

العمل للإسلام لا يكون إلا بقناعة وإرادة قوية المؤمن حين يسأل: كيف أعمل للإسلام؟ بعد قناعته بهذا الدين وإيمانه به وشهادته أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإيمانه باليوم الآخر والبعث بعد الموت فإن عليه أن يوجه هذا السؤال إلى نفسه، وحينئذ سيرى أن الله لم يدعه في مظنة ولا مهلكة، بل أرسل إليه رسولاً خاتماً للرسل، وأتاه بشريعة واضحة، وبين له معالمها لأقواله وأفعاله وتقريراته، ولم يكلف إلا بما يطيق، ولن يسأل إلا عما قامت عليه الحجة فيه، وكل ما لم يبلغه فإنه لم تقم عليه الحجة به، فإنه لن يُسأل إلا عما كان معلوماً من الدين بالضرورة لا يعذر أحد بجهله. لهذا فإن من انتمى إلى هذا الدين فأول واجب عليه أن يحقق انتماءه له، وأن يعلم أن هذا الانتماء قناعة، وأن القناعة أيا كانت مقتضية للعمل، فالذي يقتنع بأن عليه أن يكون عالماً ولكن لا يذهب إلى العلماء ولا إلى الكتب، وإنما يستقر في دويرة أهله، أو يذهب إلى الأسواق، أو إلى محلات بعيدة عن العلم لم يعمل من أجل قناعته، وبذلك لا تتحقق قناعته أبدا، كما ثبت عن رسول الله ﷺ -كما في السنة لـ ابن أبي عاصم - أنه قال: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم)، فلا يمكن أن تتحقق هذه الأمنية حينئذ، وكذلك الذي يقتنع بأن عليه أن يكون من التجار الكبار ومن الأغنياء المشار إليهم عليه أن يبكر بكور الطير إلى الأسواق، فيصفق فيها كما يصفق الناس، فإن نام في وقت الصبيحة واستقر في بيته ولم يعمل من أجل قناعته فإن قناعته لاغية، وإن من اقتنع بأنه قد جاء إلى هذه الدنيا لحكمة واضحة، وقامت عليه حجة بالغة، وأنه سيموت ويخرج من هذه الدنيا ويتركها وراء ظهره، وسيبعث من قبره، وسيوقف بين يدي الباري ، ويسأل قبل ذلك في قبره فيقال: من ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل عليه أن يحقق وأن يعمل من أجل قناعته هذه حتى تكون قناعة واقعية، فما أكثر المتمنين الذين يتمنون على الله الأماني، ويزعمون أنهم من الذين ستكون لهم الغرفات يوم القيامة، ما أكثر الذين لا يرضون إلا بالفردوس الأعلى من الجنة، ولا يرضون إلا بمجاورة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولكن حين ننظر إلى الذين يقدمون من أجل ذلك أعمالاً جساما ويخلصون في ذلك لله نجدهم قلة قليلة من هؤلاء. فالله أخبرنا عن المشركين وعن اليهود أنهم يودون أن يعطوا يوم القيامة براءة من النار، وأن يؤتوا صحفا منشرة، وأن يدخلوا الفردوس الأعلى من الجنة، ولكن الله رد عليهم هذه الأمنية وأخبر أنها كاذبة. والمشكلة أن كثيرا من المؤمنين يسلكون طريق اليهود والمشركين في ذلك، فيتمنون على الله الأماني ولا يقدمون شيئا، تجد المؤمن الذي أنعم الله عليه بالإيمان، وتربى في بيت مؤمن بين أبوين مؤمنين، وتعلم من دين الله أو أمكنه أن يتعلم على الأقل، وأنعم الله عليه بتمام جوارحه وقوة بدنه وتمام عقله وتفكيره، وكان في مجتمع فيه من يقتدى به وفيه من يستفاد منه، وتجده يبلغ الثلاثين من عمره أو الأربعين لم تبق له حجة على الله، ولم يقدم شيئا يذكر لدين الله، تمضي هذه السنون هباءً منثورا، ويا ليتها كانت هباءً منثورا، بل تكون حجة على أصحابها، وهي حجة لله عليهم، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. فيا ليت هذه السنوات التي مضت تمضي بما فيها من خيرٍ وشر، وتذهب بكل ما فيها، ويكون الشخص كأنما ولد من جديد، لكن المشكلة أنها تنقضي أيامها وتبقى تبعاتها، ولذلك كان كثير من السلف يقولون في دعائهم: اللهم إنا نعوذ بك من ذنوبٍ ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها. تنقطع اللذات وتبقى التبعات، ويمضي العمر على هذا والشخص يؤمل زيادةً في العمر ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فحينئذٍ تنقطع الآمال، ويندم الشخص على ما فرط في جنب الله حين لا ينفع الندم. فأنت -يا عبد الله! - في هذه الدنيا قد مكن لك فيها، وفتح لك كثير من المجالات، وأنعم الله عليك بكثير ٍمن النعم، وعلمت الخير أو أمكنك تعلمه، فلماذا لا تستفيد من كل هذه المجالات؟! إلى متى وأنت تغدو وتؤمل غيباً لا يتمناه إلا العاجزون؟! كثير من الذين يحبون نصرة الدين ويسعون لإعلاء كلمة الله يقولون نحن نرجو الوقت الذي ينزل فيه المسيح عيسى بن مريم فنجاهد معه، أو يخرج جيش المهدي ونجاهد معهم!! وما هذا الأمل الطويل الذي يوصلك بأزمانٍ قد لا تصلها أنت ولا ذريتك من بعدك؟! إنك لم تكلف بأن تنتظر هؤلاء، إنما كلفت بأن تنجي نفسك من عذاب الله، وأن تقدم شيئاً لدين الله، ولن تكلف إلا بما تطيقه وتستطيعه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. إن العمل لهذا الدين ليس مثل الأعمال الدنيوية التي يمكن أن يقدم فيها الشخص منافع لبعض الناس أو يرفع عنهم أضراراً دون أن يستشيرهم؛ لأنه يعلم أنهم بحاجةٍ إلى هذه المنافع وفي خشية من هذه المضار، فالله يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، لا يمكن أن تقدم نفعاً لله تعالى ولا أن ترفع عنه ضررا، إنما تنفع نفسك أو تضرها (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

стр. 950

واقعنا اليوم في زمن الغربة نحن اليوم في زمان الغربة، وفي زمان ضعف الدين وتراجعه، ولم يأتنا هذا من جهالةٍ، بل أخبرنا الرسول ﷺ الصادق المصدوق بذلك، وأخبرنا أن هذا الزمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وأخبرنا بهذه الفتن التي تموج كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا. وأخبرنا أن هذه الأزمان تكثر فيها الفتن وتنتشر، ويكثر فيها الهرج، ويرفع فيها العلم ويكثر الجهل، كل ذلك أخبر عنه الصادق المصدوق ﷺ ، ولكنه أخبرنا عن الاستمساك فيها وما ينجي منها، فأخبرنا أن النجاة بهذا الحبل المتين المستقيم الذي هو حبل الله، من استمسك به عصم، ألا وهو القرآن الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. وهذه السنة المبينة للقرآن التي جاء بها الرسول ﷺ ، وبين بها القرآن أتم بيان، فمن استمسك بهما عصم، ومن تركهما قصم الله ظهره، وانهوى على وجهه في النار، لذلك فإن الذي يتوقف عن العمل لنصرة الدين رجاء هذه الآمال الكاذبة مغرور ويخشى عليه من الخذلان، يخشى عليه من الخذلان حين يطيل الأمل ويتبعه، وتُمنيه النفس الأماني فينقاد لها، ويأتيه الشيطان كي يدعوه إلى بنيات الطريق ويقول له: وتكونوا من بعدها قوماً صالحين. حينئذٍ يغتر بأعماله التي يقوم بها، وينسى ما كلف به، وينسى ما أسلف وما فرط فيه من جنب الله فيما مضى من عمره، فيا ليت هؤلاء انتبهوا قبل أن يقعوا في الهاوية، وقبل أن توصد عليهم النار الحامية، يا ليت هؤلاء انتبهوا وأدركوا أن بقية العمر ما لها ثمن، ولذلك يقول الحكماء: إن عمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره. كل شخصٍ منا يعلم أن ما مضى من عمره قد ضيع، وأن بقيته لا يدرى متى تنقضي، فعمر ضيع أوله جدير بأن يحفظ آخره، فعلى الشخص حينئذٍ أن يحقق عهده مع الله الذي أخذه عليه، وأن يبدأ بنفسه ويحاول الإنطلاق بما أتاه الله من قوة، ويعلم أن الحرب القائمة سنة كونية وذات تاريخ طويل مستمر، فمنذ بعث أول رسولٍ إلى أهل الأرض وهذه الحرب قائمة بين الحق والباطل، يكون للباطل فيها بعض الصولات ولكنه يضمحل في النهاية، ويورث الله الأرض عباده المؤمنين المتقين، وبعدها تأتي صولة أخرى للباطل ثم يضمحل، وهكذا دواليك. إن الحرب قائمة على ساقها، ونازعة بأشدها، ونحن نشهدها في مختلف مجالات الحياة، نشهدها في مجال الاعتقاد، وفي مجال العمل، وفي مجال الاقتصاد، وفي مجال السياسة، وفي مجال الثقافة، وفي غير ذلك من المجالات، وفي بناء البيوت والمجال الاجتماعي الحرب شعواء على دين الله، وقبل ذلك نُبِذَ فيها ما جاء به محمد ﷺ في كثير ٍمن المجتمعات الإسلامية -إلا من عصم الله- وراء الظهور، وفي مجال الثقافة والعلم أصبح الناس يرجعون إلى مراجع مخالفةٍ لما جاء به محمد ﷺ ويقدمونها على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

стр. 951

الحرب على الإسلام في مجال التحاكم والتشريع وفي مجال التشريع والتحاكم يرجع الناس إلى قوانين هي من وضع أقوامٍ لو نظر إلى مصالحهم الدنيوية وكيف يتصرفون فيها لرأيت أنهم من أسفه الناس، ومع ذلك يوكل إليهم التشريع للأمم، كل واحدٍ منهم لا يحسن القيام على نفسه، ولا على ما أودعه الله وما جعل تحت يده من أهله وأولاده وماله، ومع ذلك يأتي بقوانين يضعها لتطبق على عباد الله في أرض الله، إن هؤلاء السفهاء الذين يشرعون للناس أحكاماً غير شرع الله إنما يتلقون ذلك من قبل شياطينهم ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، وإنهم بذلك حين شرعوا هذه القوانين ونصبوها في الأرض ودعوا الناس إليها بل أجبروهم على التحاكم إليها وترك كتاب الله ظهرياً وراء ظهورهم سيكون عليهم إثمهم وإثم من لحقهم واتبعهم على ذلك المنهج. إن جهالة المسلمين اليوم بكثيرٍ من شرع الله ، وأن يعيش الكبير منهم عمره كاملاً ويموت، بل قد تموت الأجيال المتلاحقة، فتجد أربعة أجيال وخمسة من المسلمين في قطرٍ واحد، وهذه الأجيال الخمسة لم يشهد الواحد منها حداً مقاماً على الأرض، ولم يشهد التحاكم الواقعي إلى دين الله تعالى في حياته، خمسة أجيال متلاحقة!! إن هؤلاء حين انصرفوا عن منهج الله ستكون عليهم آثام هذه الأجيال بكاملها، وهذه الآثام ليست تابعةً لدول، فهذه المؤسسات التي يسميها الناس الدول أو الشركات أو المجالس أو الإدارات لا تبعث يوم القيامة، إنما يبعث الأفراد، والمسئولية يوم القيامة فردية، في الدنيا يقال: فلان من قتله؟ فيقال: قتلته الدولة الفلانية. أو يقال: المال الفلاني من أخذه؟ فيقال: أخذته الدولة أو المؤسسة الفلانية، أو المحكمة الفلانية. لكن يوم القيامة المسئولية محددة، وفلان هو المسئول عن هذا بعينه، لا يبعث يوم القيامة أحد رئيساً ولا وزيراً ولا حاكماً ولا قاضياً، يبعثون يوم القيامة عباداً سواسية، كل شخصٍ منهم يتحمل أوزاره على عنقه، وهو المسئول عنها وعن كل من عمل بها. فلا تظن أن هذه المؤسسات التي تشاهدها باقية أو أنها دائمة، وانظر إلى القبور تخبرك بالحق الذي لا غبار عليه ولا مرية فيه، وانظر إلى القبور التي يستوي فيها الحاكمون والمحكومون، يأتي الدود والرمل على كل ما هنالك، فيذهب كل ذلك للملة والتراب والمهلة، وهو بعد ذلك سيبعث ويسأل عن أعماله. وترى كثيراً من الذين كانوا صناديد في هذه الأرض وأذلوا الناس في مشارق الأرض ومغاربها بسلطانهم وقد أصبحوا لا تدرى جثثهم في أي مكان من الأرض استقرت، وتجد الفقراء المساكين يمشون على قبورهم وهم لا يشعرون، أين الجبابرة الذين أخرجوا إبراهيم من كوثا؟! وأين نمرود الذي رمى به في النار؟ وأين الفراعنة الأقوياء؟ وأين القياصرة والكياسرة؟ كل هؤلاء إذا سألت عن قبورهم لا تجد من يخبرك عنها، وتجد أن كثيراً منهم حين عاد إلى الأرض التي منها بدأ أصبحت ذراته في هذا التراب يمشي عليها الفقراء والمعبّدون الخادمون، وأصبحت رفاتهم مزارع للفقراء، ما هي إلا مدة يسيرة تعود فيها الأمور وتحول كما كانت، ولكن بني الإنسان يغترون بهذه المدة اليسيرة، فحين يجلس شخص على كرسيٍ ما يتوقع أنه دائم على ذلك وأنه لا يتحرك، حينئذ يطغى ويبغي ويفعل ما سولت له نفسه، كما أخبر الله تعالى عن اليهود بذلك: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء:٧]، لكن هذا منقطع زائل، ويبقى بعده الحجة لله على عباده، والمسائلة بين يديه والعرض عليه، فحينئذٍ إما إلى جنةٍ وإما إلى نار.

стр. 952

ضعف المسلمين لا يجوز أن يولد الهزيمة في العمل للإسلام إن كثيراً من الناس حين يطرح هذا السؤال -وهو: كيف نعمل للإسلام- ينطلق من نظرة عجلى ضيقة فيقول: نحن اليوم في أمة الإسلام ونراها وهي أضعف الأمم وأذلها، وأبعدها عن النهج الصحيح، حتى في أمور الدنيا تكون في مؤخرة الركب دائماً، ولا يوزن لها أي ميزان، وقد انتشر فيها من أنواع المخالفات والمعاصي ما لا يمكن عده فضلاً عن إصلاحه، وتأتي الهزيمة من هذا الوجه! فيقول الشخص كيف أعمل وأنا في هذا السيل الجارف؟! فيجد نفسه مضطراً بأن يسير في اتجاه السير، وبذلك يخسر نفسه؛ لأنه ليس مثل أولئك الهالكين الذين لم يرفعوا رؤوسهم بما جاء به محمد ﷺ ، فأولئك قد حددوا طريقهم وساروا فيها عن قناعةٍ، وهم الذين اتخذوا القرار بأن يضلوا سواء السبيل، ولكن هذا المسكين قد انجرف في السيول الجارفة دون أن يتخذ قراراً بذلك، بل هو تابع سيكون مستضعفاً في الدنيا مستضعفاً في الآخرة، ولذلك في خصومتهم مع الذين استكبروا يوم القيامة نجد هؤلاء المستضعفين يشكونهم إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]. ولكن ذلك لا يغني عنهم من الله شيئا، فهؤلاء الذين ساروا مع هذا السيل في اتجاهه قد خسروا أنفسهم وقامت عليهم الحجة بقناعتهم، فلذلك غووا وضلوا عن سواء السبيل، فلم ينالوا حظاً في الدنيا ولا حظاً في الآخرة.

стр. 953

العمل للإسلام مسئولية جميع المسلمين نجد كثيراً من الناس يقول: إن مسئولية إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه مسئولية شاقة ينبغي أن يتحملها الرؤساء والقادة والعلماء فقط، وأما من عداهم من الناس فما عليهم إلا السمع والطاعة وهز الرؤوس إلى الأمام لكل من قام. وهم رعاع وهمج يرعون كما ترعى البهائم، وهذا معناه أنهم يعلمون أنه لا خير فيهم؛ إذ لو كان فيهم خير لعلموا أن هذا لا يمكن أن يقدموه حجةً بين يدي الله في العرض عليه، ولعلموا بأن مسئوليتهم لا تقف عند هذا الحد، وأن المسئولية شاملة عامة، فليس الغزو لدين الله تعالى والتخريب فيه خاصاً بالمجال السياسي أو العلمي فقط حتى يُعدل فيه باللائمة على السياسة والقادة أو على العلماء، بل الفساد سائد وسائر في جميع المجالات، وأنت -يا عبد الله- آلة من الآلات فحاول أن تُستغل في خير، حاول أن يكون لك جزء بسيط من الإصلاح، ولا تحتقر ذلك الجزء؛ فالله يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٢٠ - ١٢١].

стр. 954

كيف نستطيع أن نعمل الكثير للإسلام إنك حين تصلح نفسك وتجعل منها نموذجاً صالحاً ملتزماً بشرع الله تعالى مسارعاً إلى الخير محققاً لزومية اتباع رسول ﷺ تكون قد انتصرت على نفسك، وكان ذلك إرشاداً لمن سواك، وضرب مثلٍ لهم ليقتفوا أثرك، وحين تعجز عن هذا فلا تعجز عن أن تكف الشر وأن تقتصر على أن لا تكون آلةً تستغل في الشر، فما أكثر الذين يستغلون من حيث لا يشعرون، ما أكثر الذين يقادون بأزمتهم إلى الشر من حيث لا يشعرون فيستغلون في معصية الله ، تستغل أوقاتهم بالمعصية ويسخرون لها، وتستغل أموالهم في المعصية وتؤخذ منهم لذلك، أو يؤدونها طائعةً بها أنفسهم. ولو أن رئيساً أو جباراً من أهل الأرض أخبر قوماً أنه سيزورهم، فهل ترى أن تجارهم وأغنيائهم سيبخلون فيما يقدمون في ضيافته من المال؟ سيقدمون له كثيراً من الأموال التي لو عرضت عليه من قبل لما رضي بإفساد هذا المال الكثير في هذه اللحظات القليلة؛ لأن إفساده سيعود بالضرر عليه هو، لكن لو أنهم سمعوا قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] فهل ترى أنهم سيقدمون العشر فقط من هذه المبالغ التي يقدمونها في سبيل وجهاء الدنيا وطواغيتها؟ إنه مع الأسف قلّ من ينظر هذه النظرة، وقل من يوجه هذا السؤال إلى نفسه، ولذلك ليس هذا فقط مختصاً بالجانب المالي، بل حين ننظر إلى الوقت ونجد أن عمر الإنسان في الواقع إنما هو أربع وعشرون ساعة فتقسيمه لها إذا راجع نفسه وحاسبها وهو على فراشه حين ينام، وسأل نفسه: كم أنفقتُ من هذه الأربع والعشرين ساعة في مرضات الله سيجد أن ذلك قليل جداً، وأنه كان بالإمكان أن يكون كل ما أنفق في سبيل الله، فإن ذهب يلتمس درهماً للمعاش فلو أخلص النية لله لكان ذلك في سبيل الله؛ حيث أدى حقاً واجباً عليه من نفقةٍ أهلٍ أو قضاء دينٍ أو خدمةٍ أياً كانت، فلو أخلص في ذلك لله لكان إنفاقاً في سبيل الله، وإن جلس وقتاً مع صديقٍ له أو أخ في الله فلو نوى لذلك وقصد به الخير وجعله من التزاور في ذات الله لكان ذلك في سبيل الله، ولكن المشكلة أن الناس سفهاء في الأوقات رغم رشدهم في الأموال، الأوقات تمضي دون حساب، والأموال تحاسب بالدوانق. كذلك فإن الشخص عندما يقوم على تربية أهل بيته، ويجد نفسه مسئولاً عن زوجةٍ وأولادٍ وإخوةٍ صغارٍ وجيرانٍ، وقد يكون له أثر في بعض الأحيان حتى على قبيلةٍ بكاملها، فيجد أنه كان بالإمكان أن يصلح، وأن يعلم أن هؤلاء رعية له، وهم خصومه يوم القيامة، وعليه أن يربيهم أحسن تربية، وأن يدعوهم إلى الالتزام بمنهج الله ، وأن يحببه إليهم، وأن يسعى على الأقل أن لا يتخذوه سبيلاً إلى المخالفة والمعصية، وما أزال أذكر رجلاً من التجار الذين نحسبهم -والله حسيبهم- من أهل الخير والصلاح، ففي سنة ستٍ وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد قام أولاده مع نهضة الجهل والشيوعية التي سادت في بعض ولاياتنا الداخلية، ولكن هذا الرجل الغيور دعا أولاده فقال: اخلعوا الملابس التي تلبسونها والنعال التي تتخذونها وكل ما لديكم، فهو من مالي وكسبي، وأنا الذي بذلت فيه عرق جبيني، ولا يمكن أن يحاسبني الله عليه وأنتم تتصرفون فيه في معصية الله. فكان هذا الموقف شجاعاً، ومع ذلك لم ينقصه شيئاً في المجتمع ولا عند الناس، وكان في مرضات الله ، ولذلك هدى الله به بعض أولاده للخير، وما زالت فيهم لمسة تربيته إلى وقتنا هذا. إننا بحاجةٍ إلى أن تكون لدينا هذه الجراءة، فالذي يعاهد الله على أن يكون جندياً من الجنود لا بد أن يعلم أن الجندية لا بد أن تمر بكثير ٍمن التدريب، فهل تظنُّ أن شخصاً يمكن أن يكون عقيداً دون أن يمر بكثيرٍ من التدريبات، وأن يكون خادماً لكثير ٍمن الجنود والضباط؟! لا يمكن أن يتم هذا، فلذلك لا بد قبل هذا أن يبذل كثيراً من المجاهدة وأن يمر بكثير ٍمن المراحل، ونحن نعلم أن أول الفكرة آخر العمل، فالذي يفكر في نصرة دين الله وهو في بيته أول فكرةٍ تدور في خلده وخاطره هو أن يرجع الناس جميعاً إلى دين الله أفواجاً، وأن يقيموا خلافة رسول الله ﷺ ، وأن يطبقوا القرآن ويتحاكموا إليه ويلغوا كل القوانين ويدوسوها بأقدامهم، وأن يعلوا راية الجهاد في سبيل الله وتنطلق تحتها الصائفة والشاتية، ولكن هذا هو غاية لا بد قبلها من كثيرٍ من الوسائل والخطوات التي تأتي بالتدريج، فقد لا تعيش أنت إلى ذلك الزمان، ولكن اجعل ما بقي من عمرك في سبيل الله، حاول أن يكون عمرك أنت إعداداً لأجيالٍ من أولادك وأولاد غيرك يسلكون هذا الطريق لعلهم يصلون إلى هناك وإلى ما ترغب فيه، حاول أن تكون مصلحاً إصلاحاً بسيطاً جداً في أسرةٍ خاصة، فهذا البيت من بيوت المسلمين حاول أن تجنبه الآثام والمعاصي الكبار كبائر الإثم والفواحش، حاول أن يكون هذا البيت يتلى فيه كتاب الله، وحاول أن يقام فيه دين الله، وأن يكون فيه الآمر واحداً ويكون البقية مأمورين، وأن يحاولوا الالتزام بهدي رسول الله ﷺ وسلوكه، حاول أن يتقيدوا بالأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ ، وأن يكونوا جميعاً من ذوي النفوس الشفافة المقبلة على الخير التي ليست لديها عبيّة الجاهلية ولا دعاويها ولا تفاخرها بالآباء، وحاول أن تخرج لنا أهل بيتٍ يمكن أن يخرج من أصلابهم قوم يحققون هذه الأمنية التي تتمناها، إذا تجاوزت هذا وكنت سيداً مطاعاً أو كان مشاراً إليك بالبنان فاجعل من بيوت قبيلتك أو بيوت المجتمع التي تؤثر فيه بيوتاً مثل بيتك، فأصلح هذه البيوت حتى تكون نموذجاً في هذا المجتمع، فكيفما تكونوا يولَّ عليكم، فإذا وجدنا من كل أربعين بيتٍ بيتاً واحداً يشع منه نور القرآن، ويستمسك أهله بسنة رسوله ﷺ ، ويلتزمون في العقائد والعبادات والأخلاق والآداب بسنة رسولنا ﷺ ، فإنه سيرفع بهم البلاء عن الأمة. إن ما نجده ونعيشه من هذه الأخطار والابتعاد عن هذا الشرع هو بلاء أصبنا به بسبب ذنوبنا، وإننا إذا أقلعنا عن هذه الذنوب وعدنا فسيرفع الله عنا هذا الوباء، ولذلك قال أحد الدعاة المشاهير: أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم يقمها الله في بلادكم. فإذا بدأ الشخص بنفسه وبيته، ولم يسر مع الهالكين الغاوين، وحاول أن يكبح نفسه وأن يلتزم بالحق وأن يعض عليه بالنواجذ، وأن لا يتصرف تصرفاً إلا وهو يعد الجواب عنه بين يدي الله تعالى، وحاول أن يكون مصلحاً لكل من له عليه أمر أو يمكن أن يؤثر فيه فإن المجتمع سيصلح بكامله، ويرفع عنه هذا العقاب الذي قد ساده، إذا وجدنا من يربي أولاده على أن يكونوا من حملة كتاب الله في صباهم، ومن المحبين لسنة رسول ﷺ ، ومن الراغبين في السؤال عما يجهلون من الدين، ومن الذين يتحلون بالأخلاق الإسلامية الحميدة، ومن الذين يحبون هذه المساجد التي يشع منها هذا النور وتنطلق منها هذه الدعوة فإننا نكون حينئذٍ قد تحقق لدينا كسب كبير، وعملنا للإسلام عملاً جاداً، وبهذا تخرج الحشود من المسلمين وكل شخص منها عاقد العزم على أن يأتينا بأفرادٍ، فإذا مات لم نخسر مكانه في المسجد، فننظر إلى مكانه في الصف الأول أو في صفٍ من الصفوف فنجد من يخلفه فيه من ولده، سواءٌ أكان ولداً طينياً أم ولداً دينياً، فالطيني ولده لصلبه، والديني من أثر فيه ودعاه إلى الحق، وهداه بما تحمله من الهداية وبما آتاه الله تعالى من العلم، وبذلك يزداد العدد ويكثر السواد، وتحصل الهيبة المطلوبة في نصرة الدين، فالرسول ﷺ عندما كان يأمر المسلمين أن يُخرجوا إلى صلاة العيد العواتقَ والحيَّضَ ورباتِ الخدور يشهدن الخير ويكثرن سواد المسلمين ويشهدن دعوة المؤمنين كان بهذا يرشد إلى أهمية اجتماع المسلمين واحتشادهم في حشدٍ عظيم يغيظ أعداء الله ويحقق نصرة دين الله تعالى ويعلي كلمته.

стр. 955

رغبة أكثر المسلمين اليوم في تطبيق شرع الله وبذلك يعلم في هذه العصور المتأخرة التي ركن الناس فيها إلى جمع الأصوات، وتحاكموا فيها إلى الحكم الديمقراطي، يعلم أن رغبة المسلمين وكثرتهم الكاثرة إنما هي في دين الله، وأن من أراد أن يحصل على أصواتهم ويصل إلى رغباتهم فليحقق دين الله وليطبقه عليهم، وأنهم لا يرضون قانوناً سواه، وأنهم ينبذون ذلك ويخالفونه، ولا يمنعهم من الإعلان بذلك أي مانع، فلا يمنعهم من إظهار الحق حياء ولا عجز ولا مسكنة، فهم الذين أعزهم الله بالإيمان، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولا يمنعهم خوف، فهم الذين يعلمون قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ولا يمنعهم طمع، فهم الذين يقرأون قول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فلذلك على من يريد سيادة المسلمين أو يريد جمع أصواتهم أن يطبق عليهم شرع الله ، وأن يعز دين الله ، وأن يعلم أن كل ما سوى ذلك لن يجد مساحةً في قلوب المسلمين المخلصة المؤمنة المنيبة التي تتذكر الموت وتتذكر أنها مهما داهنت ومهما استكانت ومهما انصرفت عن الحق فإن ذلك لا يمكن أن يكون جواباً بين يدي الله ، تعلم أن الموتة واحدة وأنها مفروضة على كل بني آدم. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلةٍ حدباء محمول يعلمون أنهم جميعاً صائرون إلى الموت، وأن موتتهم واحدة، وبذلك لا يهمهم ولا يحزنهم شيء من مصائب هذه الدنيا، ولا يزنون لذلك أي ميزان في مقابل سخط الله، فهم يعلمون أنهم لو عذبوا طيلة أعمارهم في هذه الدنيا ثم كان بعد ذلك الجنة فإنهم لم يخسروا شيئاً، ولو تنعموا طيلة أعمارهم في هذه الدنيا بأعلى ما فيها من أنواع النعيم ثم كانت بعد ذلك النار فإنهم لم يربحوا شيئا، ولذلك قال خليفة رسول الله ﷺ : (واعلموا أنه لا خير بخيرٍ بعده النار، ولا شر بشرٍ بعده الجنة). إن المؤمنين إذا حققوا هذا في أنفسهم فقد انطلقوا على الطريق الصحيح وساروا عليه، فمن عاش منهم عاش عزيزاً، ومن مات منهم مات على الحق وهو سائر في مرضات الله وعلى منهج رسوله ﷺ ، أما من لم يحقق انتمائه ولا ولاءه، بل قال: إنه مع السائرين. وينظر إلى الكثرة الكاثرة ويغتر بأهل الدنيا وما هم فيه، فإن حضر الصلاة في المسجد وسمع إعلاناً عن كلمةٍ أو درسٍ قال أستمع وأحضر. ولكنه لا يريد أن ينطلق بشيءٍ إلى بيته مما هنالك، فيفسد وقته في غير طائل، وتقوم عليه الحجة ببعض ما يسمع، وينطلق إلى بيته ولم يأخذ معه شيئاً لا في يده ولا في قلبه، إن هؤلاء إنما هم من الغثاء الذي يعلو على سطح الماء ثم يزول، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]. إن على المؤمن أن يحقق قول الله : ﴿فَبَشِّر عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]، وليعلم أن سعيه في تعليم الناس ما جاء به الرسول ﷺ إن كان عاجزاً عن تعليمه أو تعلمه كأن يكون شيخاً كبيراً فانياً قد ولى شبابه وانقطعت قريحته، أو كان مشتغلاً بتجارته ولا يستطيع أن يعلم ولا أن يتعلم فإن عليه أن يعين متعلماً، وبذلك يكتب له مثل ثوابه، ويكون قد عمل للإسلام، وإن كان لا يستطيع أن يجاهد في سبيل الله بيده، ولا يستطيع أن يكون تحت بارقة السيوف في الصفوف الأمامية وأن يحل أزرار قميصه لاستقبال الرصاص ويقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] إن لم يستطع ذلك وحالت بينه وبين ذلك نفسه الضعيفة أو شيطانه فإن عليه أن يجاهد بماله وأن يبذله في سبيل الله، فإن كان لا يستطيع هذه ولا تلك فإن عليه أن يجاهد بلسانه وهو سلاح الضعفاء، عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإذا رأى خيراً حاول أن يعد من أهله وأن يكون بذلك مناصراً للحق ساعٍ فيه مهما كان.

стр. 956

الإيجابية والسلبية في حياة المؤمن من غير المقبول أن يكون المؤمن سلبياً لا أثر له في هذه الحياة، يخرج منها كما دخلها، فإذا حمل على الرقاب إلى قبره لا يتذكر الناس أن شخصاً كان يقف في الصف يصلي معهم في المسجد ويكثر سواد المسلمين، ولا يتذكرون أنه كان يقول كلمة الحق يقصد بها وجه الله ، ولا يتذكرون أنه كان من الذين ينكئون أعداء الله تعالى بما يملكون، ولعلك تتذكر قول الرسول ﷺ حين عاد سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو مريض فقال: (اللهم! اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي لك إلى صلاة)، وكثير من المرضى اليوم لا يتذكر الذين يعرفونهم أنهم سينكئون عدواً لله أو يمشون إلى صلاة، بل هم غثاء كغثاء السيل، إن عاشوا فليس عيشهم لدين الله، وإن ماتوا فلم ينتقص أهل دين الله بشيء، ما أكثر هؤلاء وما أقل أولئك الذين يقال فيهم ما قال الرسول ﷺ في سعد بن أبي وقاص. إن على المؤمن أن يجعل من حياته منهاجاً وبرنامجاً واضحاً ينكأ فيه أعداء الله، ويوالي فيه أولياء الله، ويمشي فيه إلى الصلاة، ويحقق فيه جهاده لنفسه وصبره ومصابرته على الحق، ويتحقق فيه بالأخلاق الحميدة والآداب النبيلة، فإذا مات مات على الطريق الصحيح، وإن عاش فإن الله يكتب له العزة على ذلك، وأما من لم يرفع بهذا رأساً ولم يسر عليه فسواءٌ عاش أو مات فإنه كما قال القائل: فستة رهطٍ به خمسة وخمسة رهطٍ به أربعة إن على المؤمن أن يكون إيجابياً في حياته، وأن يكون مؤثراً فيها، وأن ينظر إلى الذين يحتذي بهم فيحاول أن يسد مسدهم لأمة محمدٍ ﷺ ، ينظر إلى أقوامٍ يقومون بالحق ولا تأخذهم في الله لومة لائم، أو يجاهدون في سبيل الله، أو ينصحون الناس ويدعونهم إلى الخير، أو يؤمونهم أو يعلمونهم الخير، ويعلم أن حياتهم غير دائمة، وأنهم قد أدوا ما عليهم، فيحاول أن يلتحق بهم وأن يسد مسد أحدهم لهذه الأمة، حتى لا يبقى مكانه فراغاً لو اخترم من بين صفوف هذه الأمة، يشعر بأن حياته هذه التي لا يدري متى طولها إلا الله أشرف أحوالها أن تكون كحياة الغلام الذي قال للملك حين أراد قتله وبذل في ذلك كل ما يستطيعه فلم ينجح قال: إذا أردت قتلي فاجمع الناس في صعيدٍ واحد، ثم انصبني غرضاً، وأخرج سهماً من كنانتك واجعله في قوسك وقل: (بسم الله رب الغلام) وارمني به فحينئذٍ سأموت. ففعل الملك ذلك وجمع الناس في صعيدٍ واحد وقال: (بسم الله رب الغلام) ورماه، فمات الغلام، فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام. فكان موت هذا الغلام فتحاً لدين الله. نحن جميعاً نعلم أننا سنموت، لكن هل يكون موتنا فتحاً لدين الله؟ وهل تكون حياتنا كذلك؟ ونحن نقرأ قول الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهل نحقق هذا في أنفسنا، أو نكون من الذين تلعنهم هذه الآية حين يقرؤونها؟ وهل حققنا في أنفسنا أن حياتنا ويقظتنا ومنامنا وقيامنا ودعاءنا وخطواتنا وأموالنا وكل أمورنا حتى الموت في سبيل الله؟ إننا نقرأ سورة يس في قصة الرجل الداعي إلى الله ، فبعد أن دخل الجنة أراد أن يكون داعياً بعد الموت، كان داعياً في حال الحياة ولكنه لم يرض بذلك بل قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، ليكون داعياً بعد الموت، وقص الله عنه ذلك وجعله يتلى في كتاب الله إلى أن يرفعه الله، فنحن جميعاً نشهد لهذا الرجل حين نقرأ كلام ربنا أنه كان داعيةً في حياته ثم كان داعيةً بعد موته حين قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] لا يريد بهذا أن يذكر في الدنيا فهو قد قدم إلى ما قدّم ورأى مصيره الحتمي، وعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً، وقد أقسم الرسول ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو ل (موضع سوط أحدكم في الجنة خير له من الدنيا وما فيها)، وهو قد دخل الجنة، لكنه يريد بهذا الدعوة إلى الله ، وليلتزم الناس بمنهجه، وليعلموا أنه لو قتل على هذا المنهج فإنه لن يذوق من مرارة الموت إلا قدر القرصة كما يقرص الشخص، وأنه بذلك يرفع عنه كل الأذى، وأنه قد انطلق إلى مرضات الله. إننا جميعاً مطالبون بأن نحقق من حياتنا حياةً لله ، ومن موتنا موتاً لله ، كل شخصٍ منا إذا فكر في الموت ووعظه الواعظون بالموت تذكر أنه ربما مات على سرير المرض في أحد المستشفيات، أو مات على فراشه في بيته، أو مات في حادث سيارةٍ أو غير ذلك من الموتات المألوفة لدينا، ولكنَّ قلةً منا هم الذين يفكرون في أن تكون موتهم لله ، ولا يريدون أن يموتوا على فرشهم كما يموت العير، وبذلك يحققون قول خالد بن الوليد ﵁: (لا وألت نفس الجبان، إنه لم يبق من جسمي مغرس إبرةٍ إلا وفيه ضربة بسيفٍ أو طعنة برمحٍ أو رشقة بنبلٍ، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير). إن التعرض للمهالك لا يقرب الأجل، فالأجل مكتوب ولكنه يزيد في الأجر، والرسول ﷺ يقول: (كفى ببارقة السيوف) أي: شاهداً. وقد أخبر الرسول ﷺ أن كل أحدٍ ينقطع عمله بموته إلا الشهيد في سبيل الله، فإنه يجرى عليه عمله كاملاً كما كان يفعله في حياته لا ينقطع عنه، وبذلك يكون الشهيد أطول الناس عمراً، فـ حمزة بن عبد المطلب -مثلاً- وإخوانه الذين قتلوا يوم أحدٍ قد قال فيهم المنافقون: إن هؤلاء قد خسروا أنفسهم وبادروا إلى القتل وماتوا، وكان الأولى بهم أن يدخلوا في الحصون ويغلقوها عليهم، وبذلك ينجون من القتل. لكن أعمار المنافقين قد انقطعت وباتوا في حصونهم، فخرجوا إلى المقابر، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٦ - ١٥٨]، لكن هؤلاء الذين قتلوا يوم أحدٍ ما زالت أعمارهم إلى وقتنا هذا، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠] كل أولئك الذين ماتوا في غير الشهادة قد انقطعت أعمالهم وختم عليها، وهؤلاء الذين ماتوا بالشهادة استمرت أعمالهم وليس فيها رياء ولا سمعة، ولا يمكن أن ينقص الشيطان منها شيئا، من كان منهم يقوم الليل ويصوم النهار ما زال عمله كذلك، يكتب له في الصباح نية الصيام، ويكتب له في المساء فرحة الإفطار، ويكتب له في الليل قيام الليل دون أن يتأثر ذلك برياءٍ ولا بسمعةٍ، ودون أن ينتقص الشيطان منه شيئا، وكذلك من مات مرابطاً في سبيل الله، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه (يأمن الفتان)، وأن (رباط ليلةٍ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)، بل إن الرسول ﷺ الذي شرفه الله بكل ما شرفه به يتمنى أن يقتل في سبيل الله ثم يحيا فيقاتل ثم يقتل ثم يحيا فيقاتل فيقتل، فيقول: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سريةٍ تغزوا في سبيل الله، ولقد وددت لو أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل)، وهو رسول الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وجعل منزلته أعظم من كل المنازل عند الله ، ومع ذلك يتمنى هذا. إننا -ونحن نعلم هذا وندين الله به ونحققه- لا يطلب منا ما لا نطيقه وما لا نستطيعه، فالأمر سهل بسيط بين أيدينا، وهو أن يبدأُ المرء بإصلاح نفسه بتعلم ما أمره الله بتعلمه، ويجاهد نفسه على العمل بذلك، ويجاهد نفسه على الدعوة إلى الله ، ويجاهد نفسه على الصبر على الأذى في سبيل ذلك، وإذا كان عاجزاً عن جهاد الكافرين والمنافقين بيده جاهدهم بلسانه وماله، وأيضاً أبغضهم بقلبه، فيحقق المطلوب منه، وتكون له حجة وعهد عند الله ، ولا شك أن هذا من الأمور البسيطة التي لا يمكن أن يعتذر الشخص بعجزه عنها، فأنت عندما تخطو خطواتك إلى المسجد فتجلس فيه لتتعلم علماً فقد جاهدت في سبيل الله إذا نويت ذلك، ولهذا أخرج مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه قال: (من خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ورجع غانما)، وكذلك الأعمال التي تقوم بها في حياتك، ففي كثيرٍ من الأحيان يكون نصفها من الأعمال الصالحات الباقيات، ولكن عليك أن تنوي لها الخير وأن تخلص فيها النية لله، فتحاول أن تكون مخلصاً في تصرفاتك حتى في ثنايا العمل، فقد يجلس الشخص مجلساً لم يصلح نيته قبله، ولكنه حين يتذكر في أثنائه نيته ويراجعها يكتب له بقية مجلسه ولا يفوته، وبذلك لا يخسر كل شيء. إن من سار في بداية خطواته إلى المسجد أو إلى العلم أو إلى تكثير سواد المسلمين أو حضور درسٍ أو محاضرة أو بيانٍ إن نوى ذلك كانت الحصى تشهد له، ولا يرفع خطوةً إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها سيئة وكتبت له بها حسنة

стр. 957

الصبر في الابتلاء والمحن إن المحن والبلايا من سنن الله في خلقه، فمن وقعت له محنة فليرض بمقدور الله، وليصبر على ما أصابه، فإن عقبى الصابرين حميدة، ولا شك أن الصبر يتحقق بأمور يتعلمها المرء ويتذكرها، وقد أرشد إليها القرآن والسنة، فعلى المسلم تعلمها والتحلي بها.

стр. 958

منزلة الصبر بين صفات أهل الإيمان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، تبرأت من حولي وقوتي واعتصمت بحول الله وقوته. موضوع هذا الدرس: الصبر في الابتلاء والمحن. إن الله سلط على المؤمنين بعض البلايا والمحن، وآتاهم معها جنداً عظيماً من جنوده، هو الصبر، وقواهم به عليها، وهذا الصبر مزية عظيمة ومنزلة رفيعة، فلذلك بين الله درجة أهله في كتابه فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. وقد جعله الله بوتقة لكل الصفات المرضية والقيم الرفيعة، فبعدما ذكر صفات المؤمنين من عباد الرحمن الذين يستحقون رضوانه، قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، وكذلك في مجادلة أهل النار قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١]، فجعل كل ما قاموا به داخلاً في بوتقة الصبر. والصبر ذو منزلة عظيمة بين صفات المؤمنين، ولذلك يعده أهل السلوك مقاماً من مقامات اليقين، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن من جمع بين الصبر واليقين نال الإمامة في الدين، لأن اليقين به يقضى على الشبهات، والصبر به يقضى على الشهوات، ودليل هذا من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، حين جمعوا بين الصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين. وقد رتب الله عليه الأجر العظيم، ولذلك فإن النبي ﷺ كان يوصي به عند المصائب، فقد أرسلت إليه ابنته تدعوه لشهود ولدها، وهو يقعقع -أي: نفسه تقعقع في حال الموت- فأرسل إليها قال: فلتصبر ولتحتسب، فعزمت عليه أن يحضر فأتى ﷺ ووضع الصبي في حجره حتى فاضت نفسه. وكذلك: (أتى امرأة أخرى وهي عند قبر تبكي، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، فقيل لها: إنه رسول الله، فندمت وأتته في بيته فلم تلق عنده حاجباً ولا بواباً، فقالت: يا رسول الله إني تائبة ووالله ما عرفتك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فالصبر الذي يثاب عليه صاحبه هذا الثواب العظيم هو ما كان عند الصدمة الأولى، أي: عند أول إحساس الإنسان بالابتلاء، أما إذا انهار في البداية وجزع ثم عاوده الصبر بعد ذلك، فما من مصيبة تحل بالإنسان إلا سيسلوها وينساها مهما كان ذلك؛ ولهذا فعلى الإنسان أن يعلم أن الدنيا كلها زائلة، وأن كل ما فيها سيذهب، وإذا أعجب الإنسان أي شيء فيها فليعلم أنه بعد مدة يسيرة سيجده في القمامات، فكل ما يتنافس فيه الناس من متاع هذه الدنيا الفاني فلن تمضي فترة يسيرة إلا وتراه مرمياً في القمامة. فعلى هذا على الإنسان إذا أصيب بشيء من أحوالها أن يعلم أنها زائلة، وأن كل ما فيها عرض سيال، وحال سريع الزوال، وبقاء الحال من المحال.

стр. 959

التحذير من الجزع والخوف على الإنسان أن يعلم أن الجزع قبيح ووصف ذميم، وهو من الخور والضعف، ولا يرد شيئاً من قدر الله ، وإنما يزيد الشامتين شماتة، ويزيد الأعداء تمكناً من الإنسان، ولن يحقق له أي هدف من أهدافه، ولن يوصله إلى أي مستوى من المستويات التي يطلبها؛ ولهذا كان أهل الجاهلية يتجلدون لأعدائهم، حتى قال أحدهم: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع فالجزع لا خير فيه؛ لأنه اعتراض على الله في قدره وملكه، وكل ما في هذه الدنيا يتصرف فيه الباري تصرف المالك في ملكه، فإذا أخذ شيئاً منه فهو الذي منحه من قبل، وهو الذي أخذه بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. فقوله: (قالوا إنا لله)، أي: نحن مملوكون له فتصرفه فينا تصرف المالك في ملكه، وهو نافذ ماض لا اعتراض لنا عليه. (وإنا إليه راجعون) أي: نحن أيضاً سنعود إليه ، وسيجازينا بحسب أعمالنا، ومن هنا كان الصبر مما يرجى ثوابه عند الله ، وقد أعد لمن صبر وقال ذلك عند المصيبة هذا الجزاء العظيم الذي قال فيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (نعم العلاوة ونعم الرفدان) فالعلاوة هي قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، والرفدان ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]؛ فعليهم صلوات وبركات ورحمة منه ، وهم المهتدون بشهادة الله تعالى لهم بذلك. وأيضاً فإن الجزع مدعاة لسخط الله ومقته، إذ هو اعتراض عليه في ملكه، وقد روي أن الإمام سليمان بن مهران الأعمش كانت له زوجة هو بها معجب، فماتت فجأة، فحزن عليها حزناً شديداً، واحتجب عن الناس ولم يخرج لتدريس من يدرسون العلم، فبينما هو على ذلك جاءت امرأة فاستأذنت عليه، فلم يأذن لها، فقالت: إنها لن تبرح الباب حتى يخاطبها، وإنها في ضرورة وأمر ماس لا بد من إجابة الشيخ فيه. فلما رأى إلحاحها وإصرارها دنا من الباب، فسلم فخاطبته فقالت: إن لي أختاً كانت أعارتني علقاً ثميناً وتمتعت به مدة من الزمن، ثم بعد هذا أرادت أن أعيده إليها، وأنا لا أصبر عنه ولا أقبل ذلك، فقال: أنت ظالمة! كيف تحسن إليك هذه المدة الطويلة بهذا العلق الثمين، وتنتفعين به هذه المدة، ثم بعد ذلك تطلبه وهي مالكته فتمتنعين من إرجاعه إليها؟ فقالت: أيها الشيخ! إن الله كان قد أسدى إليك أهلك وهي ملك له وليست ملكاً لك، ثم أخذها واستردها فما هي إلا وديعة، فكأن الشيخ سري عنه ما به، فدعا لها وانصرفت. وهذا المعنى أخذته من قول لبيد بن ربيعة العامري ﵁: وما المال والأهلون إلا وديعة ولا بد يوماً أن ترد الودائع وكذلك فإن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄ لما توفي العباس حزن عليه فأتاه الناس للعزاء، وكان منهم رجل من الأعراب فخاطبه بهذين البيتين البليغين فقال: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس فكان ذلك سبب صبره وثباته. وكذلك فقد كتب أحد العلماء إلى نظير له في العلم ابتلي بمصيبة، فأراد تثبيته فيها فكتب إليه: إنا معزوك لا أنّا على ثقة من البقاء ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته ولا المعزي وإن عاشا إلى حين فكان ذلك بليغاً في الرثاء والعزاء. وكذلك فإن مما يحمل الإنسان على التجمل: تذكره أنه هو أيضاً سائر في هذا الطريق، فمدة بقائه في الدنيا محدودة ولم يأتها لينال فيها كل مبتغاه، فإنما ذلك في الجنة، فهذه الدنيا لا يمكن أن تأتي على وفق المراد المطلوب. ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار فليس شيء من النعيم المقيم الدائم الخالد إلا في الجنة.

стр. 960

أنواع الصبر والصبر ثلاثة أقسام هي:

стр. 961

الصبر على قضاء الله وقدره القسم الثالث من أقسام الصبر: الصبر على قضاء الله وقدره، وهو الصبر عند الابتلاء.

стр. 962

الصبر عن المعصية أولاً: الصبر عن معصية الله: بأن يصبر الإنسان نفسه عن المعصية، فيلجمها بلجام التقوى، ويمنعها أن تقع في المعصية أو أن تحبها، أو أن تتعلق بها من أي وجه، وذلك مقتضٍ منه لكراهيته لكل ما كرهه الله له، وهذا النوع من الصبر ثلاثة أقسام: الأول: يصبر القلب بأن لا يحبها وأن لا يتعلق بها، وأن لا يجلس في مجالسها، وأن لا يجالس أهلها وأن لا يأنس بهم، فذلك كله يرجع إلى القلب والعاطفة. الثاني الصبر عما يتعلق بمباشرتها وممارستها، فلا يقربها ويقوي وازعه الديني الذي يمنعه من مزاولتها ومواقعتها. الثالث من الصبر عن المعصية: سرعة الإقلاع إذا استزله الشيطان إليها، والرجوع والتوبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]. والإنسان مطالب بتقوية الوزاع الديني الذي يمنعه من الوقوع في المعصية، بأن يعظ نفسه ويذكرها ويحاسبها، وقد روي عن إبراهيم بن أدهم ﵀ أن رجلاً أتاه فقال له: إن نفسي لا تطاوعني في ترك المعصية فعظني، فقال: إذا أردت أن تعصي الله فاذهب إلى مكان لا يراك فيه فاعصه، قال: كيف أختفي منه وهو يعلم السر وأخفى، لا تحجب عنه سماء سماءً ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره. فقال: كيف تبارزه بالمعصية وهو يراك وأنت تعلم قدرته عليك؟ فقال: زدني رحمك الله. فقال: إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من كل نعمة أنعم بها عليك وردها عليه ثم اعصه. قال: كيف أرد عليه نعمته وأنا من نعمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]؟ قال: كيف تأكل خيره وتستعين به على معصيته، إنه اللؤم؟ قال: زدني يرحمك الله. قال: إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من أرضه وسمائه واعصه. قال: إلى أين أخرج من أرضه وسمائه؟ قال: كيف تعصيه في بيته وتحت سلطانه وإمرته وأنت ضيف عنده، إن ذلك غاية ما يمكن من اللؤم؟ فلهذا لا بد أن يعظ الإنسان نفسه ويزجرها حتى يقوي وازعه الذي هو برهان الله في قلبه، فيمنعه من الوقوع في المعصية.

стр. 963

الصبر على الطاعة القسم الثاني من أقسام الصبر: هو الصبر على طاعة الله: وهو يقتضي من الإنسان الصدق إذا قرأ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فلا بد أن يجتهد الإنسان في أن يصبر نفسه على طاعة الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. والصبر على طاعة الله ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على طاعة الله قبلها بالاستعداد لها والعزيمة عليها. الثاني: الصبر عليها في أثنائها بالحضور فيها والخشوع، وأدائها كما شرعها الله. الثالث: الصبر عليها بعدها بعدم إبطالها باللواحق المبطلة كالمن والأذى والرياء والسمعة، وغير ذلك مما يبطل العمل، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 964

وسائل تحقيق الصبر ويتحقق هذا الصبر بوسائل كثيرة نعد منها ما يلي:

стр. 965

معرفة أن الصبر من المروءة عاشراً: تذكر أن الثبات والصبر من المروءة: فليتذكر الإنسان أن الثبات والصبر من أعظم خصال المروءة، وأن عليه أن يتحلى بهما لتمام مروءته، ولهذا فإن معاوية ﵁ قال: (والله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا أبيات لـ عمر بن الإطنابة، وهي قوله: أبت لي عفتي وأبى إبائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشئت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات وأحمي بعد عن عرض صريح). فإذا كان الإنسان يعلم أن ثباته وصبره هو من المروءة ومن الخصال الحميدة، فذلك مدعاة لأن يصبر ويصمد ويثبت، وهنا أذكر أبيات جعفر بن عتبة الكلابي فإنه يقول: هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق عجبت لمسراها وأنى تخلصت إليّ وباب السجن دوني مغلق ألمت فحيت ثم قامت فودعت فلما تولت كادت النفس تزهق فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من الموت أفرق ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم ولا أنني بالمشي بالقيد أخرق ولكن اعترتني من هواك صبابة كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق

стр. 966

تذكر العاقبة الحسنة الحادي عشر من أسباب الثبات والصبر: تذكر العاقبة الحسنة: فإن الذين صبروا وثبتوا سيكونون أبطالاً، وسيخلدهم التاريخ ويدخلون من بابه الواسع، ويُعجب بهم أعداؤهم قبل أصدقائهم، وبذلك سيحققون أكبر المكاسب وأغلاها لدى الناس، ومن المعروف أن كل إنسان لا يزال يتذكر للصابرين الثابتين مقامهم، وهو يرى أنهم من أمثال الجبال الصامدة أو هم أعظم من الجبال، فذلك الإعجاب لا يمكن أن يقع إلا على أساس اتصاف الإنسان بصفة عظيمة تستحق الإشادة والتقدير، وهذه الصفة هي صبره وثباته مع كل ما يصيبه من أنواع الضغوط التي يتعرض لها.

стр. 967

تذكر قرب الفرج ثامناً: تذكر قرب الفرج: فالفرج إنما يأتي مع الشدة، والنصر إنما يكون مع الصبر كما بين ذلك رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وقال: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. فليتذكر الإنسان قرب الفرج، وأن الهم والمحنة إنما هي بأمر الله، وتقريبها وتصريفها وتغييرها بيده ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ما بين طرفة عين وانتباهتها يقلب الأمر من حال إلى حال ولذلك فإن أبا عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة، وأحد النحويين المشهورين كان من القراء الذين اختارهم الحجاج، في العراق عند تنقيطه للمصحف وضبطه له وتحزيبه وتعشيره، فكان يقرأ على الحجاج فقرأ في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، والحجاج يقرأ بقراءة أهل الحجاز وهي (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ) فأنكر عليه الحجاج فقال: هكذا سمعت، وحدثه أن روايته هكذا، وقال: لتأتين بشاهد من العربية على أن (فعلة) تأتي بمعنى المرة خلال شهر أو لأجعلنك نكالاً، فخرج أبو عمرو في الأعراب في الصحراء يتلمس الشاهد على ذلك حتى لم يبق من الشهر إلا يوم واحد خرج مهموماً مغموماً، فإذا راكب يتغنى وينشد أبياتاً سمعها أبو عمرو فإذا فيها الشاهد، وإذا هو يقول: قد يموت الجبان في آخر الصـ ـف وينجو مقارع الأبطال ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال وهذا الشاهد في قوله: ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال فالفُرجة والفَرجة معناهما واحد وهما للمرة كالغُرفة والغَرفة، ففرح بذلك أبو عمرو فرحاً شديداً، فلما استقبله الراكب قال: ما وراءك من الخبر. قال: مات الحجاج فإذا هو فرح آخر. فقال: ما أدري بأيهما أفرح أبموت الحجاج أم بوجود الشاهد! فالفرج قريب جداً.

стр. 968

تذكر أن البشر لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً تاسعاً: أن يتذكر الإنسان أن الناس لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتاً ولا نشوراً: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، وأنهم إنما تسلطوا عليه بتسليط الله تعالى لهم، ولولا تسليط الله لما استطاعوا الوصول إلى شيء من ذلك، وأن النمل إذا سلطه الله كان كالأسود، وإذا لم تسلط الأسود فلا ضرر يخشى منها: ما للورى بدفاع جندك طاقة نمل مسلطة ضراغم عثَّرَ فإذا تذكر الإنسان هذا الحال هان عليه ما يلقاه من المخلوقين، ولم يغتر بأي وعد منهم، ولم يحزن لأي وعيد، فهو يعلم أن قلوبهم بين إصبعين من أصابع الرحمن، وأن أرواحهم في قبضة يده متى ما شاء أخذها، وأنهم لا يمكن أن يصلوا إليه بشيء إلا بشيء قد كتب عليه من قبل، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). فليتذكر الإنسان أن الذين يخاف من بطشهم ونكالهم هم عرضة للموت في كل حين، وعرضة لزوال الأمر، وعرضة لتغير القلوب والآراء، وليتذكر أن قلوبهم بين إصبعين من أصابع الرحمن متى شاء غير آراءهم وغير اتجاهاتهم، وكل ذلك قريب جداً، ومن هنا فلن يغتر بوعدهم، ولن يحزن لوعيدهم.

стр. 969

التماس المنحة في المحنة سابعاً: التماس المنحة في المحنة: فإن لله حكماً بليغة، وكثيراً ما تتحول المحنة إلى منحة، وذلك من لطف الله ، ولهذا يقول أحد العلماء: لا تكره المكروه عند حلوله إن الحوادث لم تزل متباينه كم نعمة لا تستقل بشكرها لله في طي المكاره كامنه فكثيراً هي المحن والبلايا التي تئول إلى منحة، ولولاها لما تحقق للإنسان مراده، فهذا يوسف ﵇ أراد الله أن يجعله ملكاً على مصر، ولو جاء بجيش عرمرم إلى مصر لقاتله ملوكها ولم يستطع أن يتملك على أهلها، ولكن أتى به عبداً وسلط عليه أقرب الأقربين ليرموه في الجب، وقديماً يقول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند ومع ذلك فيؤتى به في صورة عبد ويباع بثمن بخس دراهم معدودة، ويسجن بعد ذلك مدة طويلة ليكون بهذا ملكاً، ولهذا عرف العلامة المختار بن بونه ﵀ اللطف بقوله: واللطف إبراز الأمور جاء في صور أضداد كما ليوسف صيره رقاً لكي ينالا ملكاً وعزاً ربه تعالى وكثيراً ما تأتي تلك المنح الربانية لملتمسها في داخل المحنة، فحصار الشعب الذي فرض على رسول الله ﷺ والمؤمنين من أصحابه وبني هاشم وبني المطلب بمكة ودام ثلاث سنين ظاهره محنة ولكن باطنه منحة، فقد اختار الله لهم محضناً تربوياً يتربون فيه على قيم الإيمان ويعتزلهم فيه أهل الجاهلية، ويجدون به هجرة داخل بلادهم، وانقطاعاً عن كل مظاهر الجاهلية وفسادها حتى يحققوا قيم الإيمان من الإيثار والإخاء، والتعاون على البر والتقوى، والنصيحة لله ورسوله، والصبر والجلد في الحق، ولم يكونوا لينالوا هذه المدرسة لولا أن فرض عليهم هذا الحصار الجائر، فذلك من منحة الله . وكل من أصيب ببلاء وهو من المؤمنين فهو عرضة لرحمة الله، فالله قد وسعت رحمته كل شيء. وأحق الناس بالرحمة الضعفاء، ولذلك قال عيسى بن مريم فيما أخرج مالك في الموطأ وأحمد في الزهد عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية)، فأهل البلاء يستحقون الرحمة، ومن هنا من ابتلي فصبر فقد تعرض لنفحات الله ومنحه.

стр. 970

تذكر سنن المرسلين والسلف الصالح سادساً: تذكر سنن المرسلين وأتباعهم: فإذا تذكر الإنسان أن أنبياء الله وهم أكرم الخلق على الله، وأعلاهم قدراً ومكانة، قد ابتلوا بأنواع البلايا والمحن فصبروا وصمدوا؛ تذكر أنه ما هو إلا حلقة صغيرة من سلسلة طويلة فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ومن على آثارهم من المتقين والمخلصين في كل زمان ومكان، وكل نكبة أصابت حلقة من حلقات السلسلة فستصيب السلسلة كلها، ومن هنا فهو يرحب بتلك النكبات لأنها أصابت من هو خير منه، وهي نكبات مباركة، فيلتمس فيها البركة لأنها قد أصابت أنبياء الله المباركين، وقراءة الإنسان لسيرهم وقصصهم الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ من أبلغ ما يعين على الثبات. وقد قال عبد الله بن المبارك ﵀: حكايات الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده. ومصداق ذلك من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠]، وذلك في خواتم سورة هود بعد أن قص الله فيها قصة نوح وقصة هود وقصة صالح وقصة إبراهيم وقصة لوط وقصة شعيب وقصة موسى وهارون، فكل ما أصابهم من قبل يثبت فؤاد المؤمن، لعلمه بأنهم أكرم على الله منه وخير منه، وأن الله قادر على أن لا يصيبهم ذلك البلاء، ولو كان عدم إصابة البلاء خيراً لاختار الله ذلك لأنبيائه، ولكنه علم أن البلاء خير لهم فاختاره لهم، ومن هنا فإذا أصابك شيء مما أصاب الأنبياء فاستقبله بما استقبله الأنبياء. وقد صح عن نبينا ﷺ (أنه كان يقسم غنيمة يوماً فدخل عليه رجل أشعث أغبر، ثائر الرأس مشمر الثياب غائر العينين فقال: اعدل يا رسول الله، إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله! فقال رسول الله ﷺ : ويلك! ومن يعدل إن لم يعدل رسول الله، ثم ابتسم وقال: رحم الله أخي موسى! قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فتذكر أذى بني إسرائيل لموسى وهم يعلمون أنه رسول الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٥]. وكذلك صح عنه ﷺ أنه قال: (رحم الله أخي يوسف! لو مكثت في السجن ما مكث ثم أتاني الداعي لأجبته)، فيوسف ﵇ مكث في السجن ما مكث، ثم أتاه الداعي من الملك يدعوه للخروج إليه فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، ولم يستعجل في الخروج من السجن حتى تظهر براءته، وحتى تقر النسوة بما سمعن من امرأة العزيز، فكان ذلك من الثبات وعدم الاستعجال، وهذا ما بينه ﷺ في قوله هنا: (رحم الله أخي يوسف لو مكثت في السجن ما مكث ثم أتاني الداعي لأجبته). وكذلك تذكر حال أتباع المرسلين في كل زمان، وما ثبتهم الله به من الصبر في المحن والبلايا، وبالأخص أصحاب محمد ﷺ الذين حققوا أروع الأمثلة، فهذا خبيب ﵁ عندما صلبته قريش وهو حي على الخشب قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع وهكذا أتباعهم من بعدهم والقرون الفاضلة من هذه الأمة، وقد برز فيها من النماذج من الصابرين الشيء الكثير، ومن هذه النماذج الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فقد صبر على المحنة والبلاء ثماني عشرة سنة وهو صامد ثابت تحت السياط وفي الأغلال والحديد يعذب ليقول كلمة واحدة فلم يقلها، وصبر على مبدئه وثبت عليه حتى فرج الله تلك الغمة وأزالها عن الأمة، وقد ذكر أنه مما أعانه على الثبات في فتنة محنة خلق القرآن أن شيخاً كبيراً من أهل العراق أتاه وهو في الحديد يساق إلى السياط فقال له: يا أحمد أنت اليوم رأس في أهل الإسلام فاتق الله فيهم؛ فإنك إن أجبت أجاب من وراءك، فكان ذلك من وسائل ثباته، وتذكر الإنسان لمسئوليته عمن يأتي بعده معين له على هذا الثبات. ولذلك فإن المودودي ﵀ عندما أطلق الرصاص وهو قائم يخطب فقال له الناس: اجلس؛ قال: إذا جلست أنا فمن يقوم؟ إذاً: من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتذكرها الإنسان في حال البلاء: أن يتذكر: إذا جلست أنا فمن يقوم؟

стр. 971

تبرؤ العبد من حوله وقوته رابعاً: البراءة من الحول والقوة إلى الله والتوكل عليه وحده: فلا بد لمن أصيب بالبلاء أن يبرأ من حوله وقوته إلى الله وأن يعلم أنه لا يثبت إلا بتثبيت الله له، ولا يصبر إلا بتثبيت الله له، وأنه لا حول له على دفع ما نزل به من قدر الله، ولا قوة به على مغالبة أقدار الله، فلا بد أن يستسلم إلى الله ، وأن يعرف أن الأمر كله إليه ومن عنده، ومن هنا فعليه أن يحسن التوكل على الله وحده، وهذا ما حصل في أنبياء الله. فهذا نوح ﵇ عندما تمالأ عليه أهل الأرض جميعاً قال لهم: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١]. وهذا هود ﵇ عندما اجتمع رأي قومه على التخلص منه قال لهم: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. وهذا إبراهيم عندما رماه قومه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، وقال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. وهذا محمد ﷺ وأصحابه حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].

стр. 972

معرفة الابتلاء خامساً: المعرفة بالابتلاء والاستعداد له: فمما يعين على الصبر عند البلاء والثبات فيه أن يعرف الإنسان سنة الله بالابتلاء، فهي سنة ماضية وحكمة بالغة، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. والاستعداد للبلاء بأن يعلم الإنسان أنه يسلك طريق المكاره، فإن النبي ﷺ يقول (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وفي رواية: (حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات). وصح عنه ﷺ : (أن الله لما خلق الجنة زينها ثم أرسل جبريل فأطاف بها، فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فلما خلق النار وجعل فيها من الرجز والعذاب أرسل جبريل فأطاف بها فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد فيدخلها، ثم أمر بالجنة فحجبت بالمكاره، فأرسل جبريل فأطاف بها فقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، ثم أمر بالنار فحفت بالشهوات، فأرسل جبريل فأطاف بها فقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد). فالسائر في هذا الطريق يعلم أنه سيمتحن بكثير من المحن والبلايا، فلا بد أن يستعد لها بتهيئة نفسه لذلك، وقد قال أحد الحكماء: يمثل ذو اللب في لبه مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعـ ـه لما كان في نفسه مثلا وذو الجهل يأمن أيامه وينسى مصارع من قد خلا فإن دهمته صروف الزمان ببعض مصائبه أعولا فلا فائدة من العويل، بل لا بد من الاستعداد للابتلاء، وأن يعلم الإنسان تقلب أحوال الدنيا وعدم استقرارها، ويستعد لذلك، وبالأخص إذا علم حكمة الله في الابتلاء، وأن من حكمة الله أن يرفع به أقواماً درجات إذا صبروا، فالنبي ﷺ يقول: (عجباً لأمر المؤمن، كل أمر المؤمن له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). وقال ﷺ : (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كانت تكفيراً من ذنبه حتى الشوكة يشاكها)، وقال: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل الأمثل)،وبين أنه لا يزال البلاء بالعبد حتى يفد على الله وليس معه ذنب.

стр. 973

الإيمان بالقدر أولاً: تقوية الإيمان بالقدر، بأن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه رفعت الأقلام وجفت الصحف بما هو كائن، وليتذكر أنه وهو جنين في بطن أمه كتب معه رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، وكل ما يصيبه قد كتب ولا تغيير في ذلك. ومن قوي إيمانه ثبته الله عند الابتلاء والمحن، لقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وتقوية الإيمان سبب للثبات والأمن كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ولا شك أن من كان أقوى إيماناً كان أثبت عند المحن والبلاء. ولننظر إلى سحرة فرعون الذين كانوا قبل إيمانهم أشد الناس عداوة لله ولرسله، وأبعدهم عن مقامات أهل الإيمان، ولكنهم أخلصوا لله في تلك اللحظة، فتعرضوا لمحنة فنجحوا وثبتوا وصبروا، فقذف الله في قلوبهم من الإيمان والعلم الشيء الكثير جداً، ولذلك حين ضغط عليهم فرعون وهددهم بأنه سيقتلهم ويصلبهم في جذوع النخل، وسيهينهم بأنواع الإهانة: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢]، فعرفوا أن الله هو الذي فطرهم فآمنوا به، وحققوا ذلك وأقسموا به تأكيداً. فانظر إلى الحال الذي وصلوا إليه من الإيمان الآن، بعد أن كانوا يقولون قريباً: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، فقد كانوا يقسمون قبل ثوان بعزة فرعون، وهم الآن يقولون: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، فعرفوا أن ملك فرعون وما يهدد به كله من أمور هذه الدنيا الفانية الزائلة التي لا تدوم، ومن هنا فهم راغبون فيما في الآخرة من الأمور الدائمة الخالدة التي لا انقطاع فيها، لهذا قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]. فقد عرفوا الله بصفاته فعرفوا أنه هو الذي يغفر الذنب ويقبل التوب عن عباده: ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]، ووصفوه بصفات الكمال والجلال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥] وهاتان الجملتان هما خلاصة علم الأولين والآخرين، فعلم الأولين والآخرين يدور على هاتين النقطتين: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٤ - ٧٦]. فغاية ما يصل إليه المخلوق من العلم أن يؤمن بالله وبشرعه وثوابه لمن أحسن وعقوبته لمن أساء، وأن يؤمن بالمصير إليه وبجنته وناره، فذلك خلاصة علم الأولين والآخرين: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥] قذف الله كل هذا العلم في قلوبهم في هذه اللحظات عندما ثبتوا وآمنوا، وهذا ما لا يتوصل إليه الدارسون والباحثون في السنوات العديدة.

стр. 974

تقوى الله ثانياً: التقوى: فاتقاء الله سبب للثبات والصبر، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف:٩٠] في قصة يوسف، فبين أن التقوى والصبر من المتلازمات. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فدل ذلك على أن من اتقى سيعلمه الله ما يحتاج إليه، ومن ذلك ما يحتاج إليه من الحجج المثبتة، وما يحتاج إليه من الصبر أيضاً.

стр. 975

اللجوء إلى الله ثالثاً: الدعاء واللجوء إلى الله : فهو من أبلغ ما يثبت الله به قلوب المؤمنين، ومن أبلغ ما يزيد في الصبر، فالدعاء يرد القدر، وقد قال النبي ﷺ (لا يرد القدر إلا الدعاء وهو يصطرع في السماء مع البلاء). وأيضاً فإن الدعاء هو مخ العبادة أو هو العبادة، واللجوء إلى الله لا يرد صاحبه، وبالأخص في حال الاضطرار والمحنة والبلاء، فالله يقول في كتابه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢].

стр. 976

الصبر على المغريات كالصبر على البلاء ومثل هذا: الصبر أمام الإغراءات المختلفة، فما نذكره من الصبر أمام البلاء والمحن مثله الصبر أمام الإغراءات المختلفة في أمور الدنيا، فوسائله هي هذه الوسائل أيضاً، وأن يتذكر الإنسان أنه يعجب كثيراً بأولئك الذين يصمدون ويصبرون أمام الإغراءات ولا ينجذبون وراءها، وأنهم هم الأبطال الذين يثني الناس عليهم ويخلدهم التاريخ، فذلك مقتضى منه أن يقتدي بهم ويسير في ركابهم. وهذا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان حين أراد غزو العراق لقتال مصعب بن الزبير ﵄ بكت أم أولاده، وحزنت لذلك وأرادت أن يؤمر رجلاً على الجيش وأن يبقى هو في الشام في مأمن من هذه الغزوة فقال: قاتل الله كثير بن عبد الرحمن لكأنه ينظر إلينا الآن حين قال: إذا ما أراد الغزو لم تثن همه حصان عليها نوم در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه بكت فبكى مما شجاها قطينها وكذلك عندما كان في حرب ابن الأشعث أهدى إليه أحد امرأته جارية فكلمها، فأعجب بثقافتها وذكائها وبشكلها وأدبها فباتت عنده فكف نفسه عنها وقال: والله ما يمنعني إلا أبيات لأحد العرب، فلو اقتربت منك لكنت ألأم العرب، والأبيات هي قول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار فقال: فلو اقتربت منك لكنت ألأم العرب، وهو يتذكر هذه الأبيات. ولا شك أن الصمود أمام المغريات هو مثل الصبر في الابتلاء والمحن، لأن الابتلاء يكون بالخير وبالشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]. فيحتاج الإنسان إلى تذكر هذه الوسائل ومعرفة عاقبة الصبر ليقتضي ذلك منه الاستمرار على منهج الحق وما يعي، وأن يعلم أنه إذا انهار فلن يتحقق له شيء، وإنما يهدم كل شيء كان قد أحرزه من قبل، وجزعه مذلة له وخنوع أمام الآخرين، والموت في حال العزة خير من الجزع والحياة الذميمة، ولهذا قال أبو تمام في مرثيته لـ محمد بن حميد كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم ترق ماءها عذر توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السَفَرُ السفْرُ وما كان إلا زاد من قل ماله وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر فتى مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصر فهذا البيت عجيب جداً: فتى مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصر فأغرز في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر فعلى الإنسان أن يعلم العاقبة والنتيجة المترتبة على الصبر في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا جميل حميد، وصبره لن ينقص شيئاً من أجله ولا من عمله ولا من مكانته ولا من رزقه، ومقامه في الآخرة سيرتفع ويزداد عند الناس كذلك بذكره وإعلاء منزلته، وقديماً قال الشاعر: أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر فلا بد أن يتذكر الإنسان نفاذ القدر واستمراره، وأن يعلم أن علياً ﵁ حين سئل عن الشجاعة ماهي؟ قال: صبر ساعة. فإذا كان الإنسان يستطيع الصبر ساعة على البلاء فعاقبة ذلك محمودة جداً، ومكانه رفيع، والإنسان لن ينال ذلك المقام الرفيع حتى يجتاز قنطرة الصبر على المحن والبلايا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] * ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٨]. ويكفي من ذلك محبة الله للصابرين، وعلى الإنسان أن يعلم أن الموتة التي كتب الله عليه واحدة، وستناله مهما كانت حاله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]. هو الموت ما منه ملاذ ومهرب إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب وقديماً قال الشاعر: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتنا على دينه وأن يلزمنا التمسك بالسنة عند فساد الأمة، وأن ينصرنا على أعدائه وأعدائنا، وأن يجعلنا قرة عين نبينا محمد ﷺ ، وأن يغنينا بأجر الشكر على النعمة عن أجر الصبر على النقمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢] تبرأت من حولي وقوتي واعتصمت بحول الله وقوته.

стр. 977

معرفة الله لقد اهتم العلماء بالعلم حتى ألفوا فيه منظومات يسهل حفظها وفهم مضمونها، والشيخ هنا يشرح بعض أبيات من منظومة في العقائد، بين فيها معرفة الله من جهة وجوبها وطريقة تحصيلها.

стр. 978

الغاية والهدف من دراسة علم العقائد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد من الله علينا بإكمال شرح نظم الشيخ المتعلق بالعقائد، وقد ترك الشيخ حفظه الله تعالى التفصيل في بعض المسائل اعتماداً على تفصيل ذكره في نظمه لجامع خليل، فإن أصل الكتاب كان نظماً لمختصر خليل في الفقه المالكي، وكذلك نظم في آخره الجامع لـ خليل نفسه. هذا الجامع كتاب يجمع العقائد والآداب والأخلاق الشرعية، وكثيراً من الأحكام المتعلقة بالسلوك عموماً، قد نظمه الشيخ في حوالي خمسمائة بيت، والمبحث العقدي منه بين أيدينا اليوم، وهو أبيات قليلة تضيف بعض التفصيلات لما سبق، ومع هذا فقد تقيد الشيخ في أغلبها بترتيب خليل، فليست العهدة الكاملة فيما يذكر هنا على الشيخ بل العهدة مشتركة، فمنها ما هو على خليل بن إسحاق المالكي مؤلف المختصر للتوضيح وغيرهما. يقول الشيخ حفظه الله: فيلزم القاصد نهج الجنه لكي تسير النفس مطمئنه أن يمعن النظر في الدلائل ويستدل لوجود الفاعل بفعله ليحصل اليقين له أن له رباً كريماً عدّله بين في هذه الأبيات فائدة دراسة هذا العلم، فكل عمل لا يعرف الإنسان هدفه لا يمكن أن يقومه. ومن هنا فدراستنا لأي علم من العلوم لابد أن نحدد لها هدفاً حتى نستطيع تقييمها ومدى استفادتنا منها، وهل وصلنا إلى النتيجة المرضية المطلوبة أو لم نستفد ولم نصل إلى تلك النتيجة؟ فهدف دراسة علم العقائد هو معرفة الله وحصول اليقين في قلب المؤمن، أي: زيادة إيمانه وثباته واستقراره، وهذا اليقين الذي يحتاج إليه الإنسان في كل أموره تطلب زيادته في المجال العقدي أكثر من زيادته في غيره، ومنطلقه من البحث على الدلائل: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، هذا مبدأ اليقين كله. فمبدأ اليقين أن يبحث الإنسان عن الدليل في كل أمر حتى لا ينطلق من مجرد الخلط والجهل وحتى يكون على بصيرة من أمره في كل ما يعتقد أو يقول. ومن هنا قال: (فيلزم القاصد نهج الجنه)، أي: يجب على السالك طريق الجنة، أي: المؤمن الذي يريد رضوان الله وجنته. (لكي تسير النفس مطمئنه) معناه: لكي يختم له بحسنى فتكون نفسه وقت الممات من النفوس التي تخاطب فيقال لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩]. (لكي تسير النفس) معناه: تخرج من هذه الدنيا -وهي سائرة لا محالة، (مطمئنة) أي: لتكون كذلك، والنفوس ثلاثة أقسام: الأول: النفس المطمئنة، وهي التي حصل لها اليقين واستقر فيها الإيمان وثبت. الثاني: النفس اللوامة، وهي التي آمنت ولكنها لم يكتمل فيها اليقين بعد. الثالث: النفس الأمارة بالسوء، وهي التي تنتاب صاحبها الشكوك والأوهام، وكل هذه النفوس للمؤمن، وللكافر تقسيمات أخرى.

стр. 979

الحث على طلب المراتب السامية ويجب على الإنسان أن يطلب أعلى المراتب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا سألتم فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة)، ونهى أن يسأل بوجه الله الكريم إلا الفردوس الأعلى من الجنة، فلا ينبغي للمسلم أن يرضى بالدون، بل معرفة الله تعالى تقتضي من الإنسان أن يكون ذا همة عالية تسمو به إلى المراتب العلية فيتعلق بما عند الله ، ويتدرج في درجات الإيمان، ويحاول زيادة الاطمئنان كلما تقدم به العمر إلى أن يكون خير عمره آخره، فحينئذٍ يبلغ المستوى المطلوب، ويقدم على الله وهو عنه راضٍ، وهذا هو الهدف المطلوب من التعرف عليه. فنحن محتاجون إلى أن نعرف ربنا لنحبه ونتعلق به ونطلب ما عنده، ونثبت إيماننا وطمأنينتنا ويقيننا، ولهذا فإن إبراهيم ﵇ الذي وصل إلى مقام الخلد، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، وهذا امتحان امتحنه الله به، (أولم تؤمن)، فهو قد طلب وقد حدد هدفه في مطلبه، لكن الله امتحنه فقال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠]، وهو يعلم أنه قد آمن، فنجح إبراهيم في هذا الامتحان كغيره من الامتحانات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، ولهذا استحق الإمامة، قال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، ولذلك يقول العلماء: إذا جمع المرء بين الصبر واليقين نال الإمامة في الدين، لقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].

стр. 980

مواطن الحاجة إلى اليقين والمرء أحوج ما يكون إلى اليقين في حالين:

стр. 981

الموطن الأول: حالة الفتنة الحال الأول: حال الفتنة والشبهة، فعندما يأتي ليل الفتن وسيلها الجارف يحتاج المؤمن إلى ما يثبته، وهو هذا اليقين الذي يجعله لا ينجرف وراء الفتن ولا يذهب وراء كل ناعق، ويمسك بالمحجة البيضاء لا يميل عنها يميناً ولا شمالاً ولا يسلك بنيات الطريق ولا أبواباً مفتحة. وهذا الحال يذكرنا بحالنا اليوم، فالفتن تزداد في آخر الزمان، وقد حدثنا الرسول ﷺ عن هذه الفتن فقال: (يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، فكم شاهدنا من الناس من نرى بحسب الظاهر -والسرائر علمها إلى الله- أنه يبيع دينه بعرض من الدنيا. هذا من هذه الفتن التي حذرنا منها الرسول ﷺ ، فلذلك يجب على المسلم أن يستمسك باليقين، فإذا عرض عليه بيع دينه بأي ثمن تذكر أن هذا الدين هو هو، وأن بيعه له خسارة في الدنيا والآخرة، وأنه إن لم يسلك طريق إبراهيم فقد سفه نفسه كما شهد الله وهو عليم بذلك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]. ومن هنا فعليه أن يثبت وأن يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن ما كتب له لابد أن يناله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وليتذكر هذا عند كل الصدمات والأزمات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. فإذا جاءت أية نازلة وأية فتنة فإن أهل الإيمان يثبتون ويراجعون أنفسهم ويتذكرون أول ما يتذكرون اللجوء إلى الله والعلاقة به، ومن هنا لا يستفزون بهذه الفتنة فينجون منها: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 982

الموطن الثاني: وقت الموت الحال الثاني الذي يحتاج فيه إلى اليقين: هو وقت الإدبار عن هذه الدنيا والإقبال على الآخرة، عندما تخور الجوارح وتضعف، فذلك مدعاة لضعف العقل والتصور، والإنسان في ذلك الوقت محتاج إلى ما يثبته وهو أحوج أحواله إلى اللطف، ولذلك قال خليل رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه هذا: (ونسألك اللطف والإعانة في جميع الأحوال وحال حلول الإنسان في رمسه. فحال الانقطاع عن الدنيا والإقبال على الآخرة يحتاج فيه الإنسان إلى اليقين والثبات، ولذلك قال أحد سلفنا الصالح: أأرجع بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني هذا وقت الثبات. فما يدل لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين فالثبات على ما جاء به النبي ﷺ وعدم تبديله وتحريفه بأي شيء يحتاج إليه الإنسان في وقت ضعفه وكبره وعجزه وانقطاعه عن الدنيا وإقباله على الآخرة. أأرجع بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني

стр. 983

أمور يتحصل بها اليقين فلذلك قال: (لكي تسير النفس مطمئنه) ماذا يلزمه؟ أن يمعن النظر في الدلائل، وإنما يحصل اليقين بأمرين: الأمر الأول: نظري. والأمر الثاني: عملي. فالأمر النظري: هو استعمال الدلائل؛ ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. والأمر العملي هو زيادة التقرب إلى الله تعالى لتأتي مواهبه التي وعد بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]. فالإنسان محتاج إلى هذين الأمرين، ولذلك فالعلم كله ينقسم إلى علمين: - علم مكتسب، وهو: العلم الصادر عن طريق الدلائل. - وعلم لدني، أي: موهوب من عند الله ، وهذا نتيجة العمل، فيوازي الإنسان بين هذين الجانبين، ويزيد علمه بالعمل فيتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، ويكثر من النوافل فيفتح الله له فتوحاً نافعة. وكذلك يزيد علمه بالاستطلاع والدلائل ويهتم بهذا الجانب النظري أيضاً فلا يتكل على أحد الجانبين وحده بل يسير في خطين متوازيين لابد من اجتماعهما؛ لأن الإيمان قول وعمل، قول يشمل الاعتقاد، وعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فلابد من إمعان النظر في الدلائل. والدلائل جمع دليل، والدليل في اللغة يطلق على المرشد، ومنه قول الشاعر: إذا حل دين اليحصبي فقل له تزود بزاد واستعن بدليل سيصبح فقيع أكتم الريش واقعاً بقال قلا أو من وراء دبيل فقوله: (واستعن بدليل)، أي: بمرشد في المتاهات والمسافات الشاسعة. ويطلق كذلك على الأمارة، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٦]، أي: جعلنا الشمس عليه علامة، فإذا وجدت الشمس وجد الظل وإذا غربت عدم الظل. وهو في الاصطلاح: ما يثبت الشيء، وللأصوليين والمناطقة اصطلاحات في تعريف الدليل، فالأصوليون يقولون: الدليل هو ما يحصل بصحيح النظر فيه العلم بمطلوب الخبر، وبعضهم يقول: ما يؤدي صحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والفرق بين التعريفين: أن التعريف الأول يقتضي أن الدليل هو ما أدى إلى القطع فقط، وغيرها لا تسمى دلائل وإنما تسمى أمارات، وهذا اصطلاح لبعض المتكلمين، فتقيد به بعض الأصوليين. والقول الثاني أرجح وهو: أن الدليل هو ما يؤدي صحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري سواء كان ذلك باليقين أو بالظن. وقولنا: (ما يؤدي)، أي: بعد الأخذ به، فالدليل سابق على المدلول، فإذا كنت تريد معرفة حكم شرعي، فاعلم أن الآية قد نزلت، وأن الله قد أمر بهذا، فأمر الله المنزل من عنده هو الدليل، وهو سابق على المدلول وهو معرفتك أنت بالحكم الذي طلب منك. فمثلاً: وجوب الوضوء مطلوب خبري، والمطلوب معناه: ما يتعلق به الطلب، وهو الذي يكون قبل الاستدلال دعوى ووقت الاستدلال مطلوباً وبعد الاستدلال نتيجة؛ لأنه نتيجة الدليل، فله ثلاثة أحوال: قبل الاستدلال. ووقت الاستدلال. وبعد الاستدلال. فهذا هو الذي يسمى مطلوباً، وهو إما أن يكون إنشائياً وإما أن يكون خبرياً، فالإنشائي تنطلق فيه من نفسك ولا تحتاج فيه إلى غيرك؛ لأنه إيقاع توقعه مثل: بعت واشتريت وأعتقت. والخبري المنسوب إلى الخبر، والخبر هو ما يقبل الصدق والكذب لذاته، أي: يمكن أن يكون صادقاً ويمكن أن يكون كاذباً لذاته بخلاف الإنشاء، فهو لا يقبل الصدق والكذب لذاته ولا يسمى خبراً، لكن إن كان الخبر لا يقبل الصدق والكذب لكن لا لذاته بل للمتكلم به ككلام الله تعالى، والخبر من رسوله ﷺ ، فهذا لا يقبل التكذيب أبداً بل هو صدق قطعاً؛ لكن عدم قبوله للكذب ليس راجعاً إلى ذات الخبر وإنما هو راجع إلى المتكلم به، وهكذا.

стр. 984

أقسام الدلائل والدلائل تنقسم إلى قسمين: - دلائل نقلية. - ودلائل عقلية. والدلائل العقلية مقدمة على الدلائل النقلية من ناحية التصور؛ لأن الإنسان قبل أن يصدق بالنقل لابد أن يعتمد على قناعة عقلية به، فمن لم يصدق بصدق رسول الله ﷺ ورسالته لا يمكن أن يقتنع بالقرآن أو بالحديث، لكن إذا اقتنع عقلياً بالمعجزة وبصدق النبي ﷺ يكون الدليل النقلي حينئذٍ مجبراً له، ومن هنا فالدليل العقلي مقدم على الدليل النقلي في التصور؛ لأنه لا يمكن أن ينطلق الإنسان من مجرد النقل دون أن يعتمد على عقل في إثبات أصل النقل؛ لأن النقل مبني على العقل. والدلائل النقلية تشمل التفكر بالآيات المسطورة والأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ ، وكذلك عن أقوال الراسخين في العلم والمتفقهين فيه الذين كلامهم نور على نور يشرح ويبين مراد الله ومراد الرسول ﷺ . والدلائل العقلية هي: التفكر في آيات الله المنظورة كالنفس، والسماء والأرض وما بينهما، هذه آيات الله المنظورة: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ [الذاريات:٢١]، فأول ما يتفكر فيه الإنسان أن يتبصر في نفسه، ثم في السماوات والأرض وما بينهما: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦]. ويروى أنه قيل لأعرابي: بما عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟! فاستفاد هذا الأعرابي من الآيات المنظورة فهداه ذلك إلى القناعة بالآيات المذكورة، ولهذا قال: (أن يمعن النظر في الدلائل).

стр. 985

إمعان النظر في الدلائل والنظر المقصود به: التفكر في المعقولات، فالنظر هو إعمال النفس، وإعمال النفس ينقسم إلى قسمين: إما أن تعمل في الحسيات التي يدركها البصر أو السمع أو الذوق أو الشم أو اللمس، وهذا يسمى تخيلاً، أو أن يتعلق بالمعنويات وهي المعقولات التي يتعلق بها العقل ولا تتعلق بها الحواس، وهذا الذي يسمى فكراً، فهذا الفرق بين التفكر والتخيل، فالتخيل يقع في المحسوسات والتفكر في المعقولات.
следующие страницы →