Полный текст (1 083 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
شرح عمدة الأحكام [٢٨]
الزكاة من أركان الإسلام، وهي سبب لحصول البركة والنماء في المال، وقد أوجبها الله في بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وأوجبها أيضاً في الزروع والثمار وفي الذهب والفضة، ولكن بشروط لابد من معرفتها كالنصاب والحول وغير ذلك مما بينه العلماء وشرحوه.
стр. 457
أحكام الزكاة
стр. 458
تعريف الزكاة وأهميتها وحكمتها
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الزكاة.
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لـ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) .
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة، وفي لفظ: إلا زكاة الفطر في الرقيق) ] .
ابتدأ في كتاب الزكاة، والزكاة قرينة الصلاة، وقد ذكرت الزكاة والصلاة في القرآن في مواضع عديدة قد تصل إلى ستين موضعاً أو نحوها، ولا شك أن اقترانها بالصلاة دليل على أهميتها، وذلك لأن الصلاة عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، فكما أن الله تعبد الإنسان في بدنه بعبادة محضة من قيام وركوع وسجود وذكر ودعاء وقراءة ونحوها فإنه قد تعبده في ماله، فهذا المال الذي رزقه الله إياه ويسر له أسبابه قد فرض عليه فيه حقاً، هذا الحق هو هذا الجزء المعين المعلوم منه الذي أمره الله بإخراجه، وسماه (زكاة) .
والزكاة في اللغة: النماء أو الطهارة.
يقولون: زكا المال إذا نما وكثر، أو إذا طهر ونقي، وزكيت الشيء: إذا طهرته ونقيته.
ومنه تزكية النفس، وهو تطهيرها وإزالة ما علق بها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] ، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] يعني: طهر نفسه من الأدناس ونحوها، فسميت الزكاة بذلك لأنها تطهر المال وتنميه؛ ولأنها قربة إلى الله وطاعة لأمره، وقد أكد الله تعالى الأمر بها، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] أي: تطهر أموالهم وتزكي أموالهم.
يعني: تنميها بهذه الزكاة، فهذا من الحكمة في شرعيتها.
ومن الحكمة أنها طعمة للفقراء، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] .
فجعل الله الزكاة حقاً، والحق هو الواجب، وجعلها في أموالهم، وبين مستحقها وأنه المحروم الذي هو فقير ولكنه لا يسأل، والسائل هو الذي يطلب من الناس ويستجدي، فهذان من جملة أهلها.
стр. 459
حكم الزكاة
وقد اتفق الصحابة ﵃ على قتال من منع الزكاة، فلما مات النبي ﷺ منع قوم الزكاة، فعند ذلك اجتمع الصحابة مع أبي بكر على قتالهم، وقال أبو بكر: إن الزكاة حق المال.
وقال: (لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) .
قال عمر: (فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) .
واستدلوا على ذلك بآيات وبأحاديث، فمن الآيات قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ، فما أمر بتخلية سبيلهم إلا بالتوبة من الشرك، وبالصلاة، وبالزكاة.
وثبت في الصحيح قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ، فهذا دليل من السنة، وقد جعلها النبي ﷺ ركناً من أركان الإسلام في قوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) ، جعل هذه أركاناً، وجعل الصلاة والزكاة ركنين مجتمعين لا متفرقين، لا يجوز أن يؤتى بواحد دون الآخر، فمن صلى ولم يزك لم تقبل صلاته، كما أن من لم يصل وزكى لم تقبل زكاته، فعرف بذلك أهمية هذا الحق.
стр. 460
كيف يتصرف العامل عليها فيها
وقد كان النبي ﷺ يبعث الجباة الذين هم عمال الزكاة العاملون عليها لجبايتها، ويبعثهم لتفريقها وإعطائها لمستحقيها، ومن ذلك ما في حديث معاذ هذا الذي رواه ابن عباس، وكان مبعث معاذ إلى اليمن في أول سنة عشر، وتوفي النبي ﷺ سنة إحدى عشرة وهو باليمن، بعثه يدعوهم إلى الله، ولهذا قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) أي: يدعو إلى الإسلام، وبعثه معلماً وذلك لأنه من أعلم الصحابة بكتاب الله وبأحكام الله كما شهد له بقوله: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) .
وبعثه يفرق الزكاة بعد جبايتها، وقال له في هذا الحديث: (واتق دعوة المظلوم) يعني: لا تأخذ منهم أكثر من الواجب عليهم فوظيفته أنه يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام، وبعد ذلك يعلمهم الأحكام والشرائع، ثم بعد ذلك يقبض منهم الحقوق التي عليهم، يقبض الزكاة ويفرقها، ويقبض الجزية ممن هي عنده ويرسلها إلى المدينة، أو يعطي منها من هو مستحق، وهكذا كان عمله الذي بعث به، ويقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فهذا شخص واحد وصحابي واحد بعث إلى قطر من الأقطار ودولة من الدول مترامية الأطراف، وهو وحده قام بهذه الأعمال كلها، قام بالدعوة إلى الله، وقام بجباية الزكوات وتفريقها، وقام بالقضاء بينهم عند اختلافهم، وقام بتعليمهم ما يخفى عليهم من أحكام الله وشرائعه.
وأوصاه النبي ﷺ في هذا الحديث وأخبره بأن فيهم أهل كتاب، أي: من هم من أهل الكتاب يهوداً أو نصارى، وذلك لأن أهل الكتاب معهم شيء من الجدل، ومعهم شيء من الحجج، فلابد أن يلقاهم مستعداً لمخاصمتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن حتى يظهر الحق على باطلهم، وهكذا كان معاذ ﵁ كلما لقي من عنده شيء من الشبهات أزالها وخاصمهم إلى أن يقبلوا الحق وينيبوا إليه.
فأولاً كان يبدأ بالدعوة إلى التوحيد، وذكر في هذا الحديث إحدى الشهادتين؛ وذلك لأن فيها النزاع؛ لأنهم كانوا يقولون: (لا إله إلا الله) ، ولكن يجعلون معه آلهة أخرى وإن لم يسموها آلهة، وقد أخبر النبي ﵊ بأنهم يعظمون الأموات، وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا صورته وعظموها، وذلك تعظيم وتأليه لها وإن لم يسموها آلهة، فقد بطل بذلك توحيدهم، فأمره بأن يجدد لهم التوحيد، وأن يحققوا كلمة لا إله إلا الله.
ولا شك -أيضاً- أنه لابد من الشهادة الثانية، وهي الشهادة بأن محمداً رسول الله، وذلك لأن الرسول ﵊ هو الواسطة، وهو الذي أمره بأن يدعو إلى التوحيد، فلابد أن يشهد العبد له بالرسالة حتى يتلقى الشريعة منه، ويتلقى رسالته التي هي هذا الدين.
بعد ذلك أمره بأن يدعوهم إلى الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام بالشهادتين فكأنهم دخلوا في الدين، والدين لابد أن يكون قائماً، والصلاة عماد الدين، فهي بمنزلة عمود الخيمة الذي لا تقوم الخيمة إلا عليه، فأمره بأن يؤكد لهم هذه الصلاة، وأن يخبرهم بأنها فريضة، ويخبرهم بأنها خمس صلوات في كل يوم وليلة، ولم يذكر له النوافل لأنها زائدة، ولأن معاذاً ﵁ سيخبرهم بالنوافل وبالرواتب وبالوتر وبذوات الأسباب من العبادات ونحو ذلك، اكتفاءً بأنه كان من أعلم الصحابة بالأحكام، فاكتفى بمعرفته، واكتفى بعلمه.
стр. 461
حكمة الزكاة وحق الفقير فيها
كذلك بعد الصلوات أمره بالزكاة، وأخبره بأنها صدقة، وذلك لأنها تدل على صدق من بذلها وتصديقه، فإذا قام بها وأداها اعتبر من المصدقين.
واسمها في الحقيقة زكاة، فسماها هنا صدقة، وذكر أهلها وذكر من تجب عليه فقال: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ، والأغنياء: هم الذين يملكون من المال نصاباً كما في حديث أبي سعيد، والفقراء: هم الذين لا يملكون إلا أقل من قوتهم الكافي.
فجعل هؤلاء هم أهلها الذين يستحقونها.
فتؤخذ من أغنيائهم، يعني: اقبضها من هؤلاء وفرقها على هؤلاء، وليس القصد من الزكاة أن تجبى إلى بيت المال، وأن يستكثر منها، وليس القصد من الزكاة أن يأخذها الأغنياء ويستبدوا بها، بل القصد منها أن تكون مخففة لفقر أولئك الفقراء، وذلك لأن الله تعالى لم يسوِ بين خلقه، بل جعل فيهم غنياً وفقيراً ومتوسطاً، فهذا الفقير الذي لا يجد القوت، أو لا يجد إلا بعض القوت، أو لا يجد إلا قوت بعض السنة أو بعض الشهر يشاهد أصحاب الأموال الذين يكون عندهم فضل أموال، ويكون عندهم زيادة كثيرة عن أقواتهم، فيبقى محروماً ليس له حق في ذلك، وهذا لا يأتي به الإسلام، ولا تأتي به شريعة سمحاء.
فجعل الله في أموال الأغنياء حقاً لهؤلاء المساكين والفقراء حتى يخفف ما هم فيه وما أصابهم من الفقر والفاقة وشدة المئونة، وحتى يسدوا بذلك جوعتهم وجوعة أطفالهم، ويكسوا بذلك عوراتهم، ولا يبقوا متضررين طوال حياتهم، فهذه هي الحكمة في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) .
وهذا هو العدل، ليس كما تفعل الرأسمالية الذين ليس لأحدهم هم إلا أن يجمع المال وأن يمسكه، ولا يرى فيه حقاً لله، ولا يرى فيه حقاً لأي إنسان، بل يجمع الأموال ويكدسها كعادة هؤلاء المستبدين، وليس كغير ذلك من الشرائع، بل الشريعة جعلت في هذا المال جزءاً يسيراً، فجعلت فيه -مثلاً- ربع العشر إذا كان من الفضة والذهب، أو أقل من ربع العشر إذا كان من الغنم، ففي الأربعين واحدة، وهي ربع العشر، وقد يكون فيه أقل من ربع العشر، كما إذا كان عند الإنسان مائة من الغنم، فليس فيها إلا شاة واحدة، وهذا جزء يسير من هذا المال لا يضر بصاحبه، فهذا حق للفقراء يعطونه من أموال الأغنياء، ليخفف الفقر عنهم ويوسع عليهم، وذلك أن الله ابتلى الأغنياء بالفقراء.
ولو كان الناس كلهم متساوين في الغنى لما وجد هؤلاء الأغنياء مصرفاً لأموال زكواتهم، ولكن الله من حكمته أن فاوت بين الناس في المكاسب وفي الحيل وفي جمع المال، حتى يجمع بعض الناس أموالاً يكون فيها حق، ويكونون بذلك أغنياء، فتؤخذ منهم وتعطى للفقراء.
стр. 462
وجوب إخراج الزكاة ولو لم يطلبها الحاكم
وفي قوله: (تؤخذ من أغنيائهم) دليل على أنهم يعطونها من طلبها ممن بعث لذلك، وإذا لم يأتهم من يطلبها أخرجوها بأنفسهم.
فقد لا يأتيهم من يطلبها من العمال والجباة، كزكاة الأموال الخفية، وزكاة النقود، وزكاة التجارات وما أشبهها، فالزكاة فيها واجبة، ولكن إذا لم يأتهم من يطلبها ممن يبعثهم السلطان لجبايتها أخرجوها هم، فحسبوا ما عندهم وعزلوها، وأعطوها لمستحقيها من ذوي الفاقة والفقر الذين جعلهم الله أهلاً لها.
стр. 463
صفة ما يؤخذ للزكاة
ثم نهاه عن الظلم بقوله: (وإياك كرائم أموالهم) ، وكرائم الأموال نفائسها وخيارها، فإذا كانت أموالهم من المواشي -مثلاً- فلا تأخذ خيار المال، ولا تأخذ أنفسها فتكون ظالماً لهم، ولكن خذ من الوسط، ولا تأخذ من الرديء فتظلم بذلك الفقراء وتعطيهم دون ما يستحقون، ولا تأخذ من خيارها وجيدها ونفيسها فتظلم ذلك الغني وتأخذ منه غير ما يجب عليه، ولكن خذ من الوسط (إن الله لم يكلفكم خيار أموالكم، ولا يقبل منكم شرارها، ولكن الوسط) .
وقد ذكر العلماء من الخيار -مثلاً- السمينة التي هي الغاية في السمن، أو اللبون التي هي الغاية في ذلك، وكذلك الربع التي تربي ولدها أو أولادها، وكذلك فحل الغنم الذي يحتاجون إليه وهو عندهم نفيس، وما أشبه ذلك.
وذكروا من الرديء أنه لا يقبل تيس؛ لأنه قد يكون رديئاً، ولا تقبل هزيلة ضعيفة ليس فيها -مثلاً- مخ، أو ليس فيها ما يرغب فيها، بل يأخذ من وسط المال لا من خياره ولا من شراره.
وإذا أخذ من شراره ظلم الفقراء كما قلنا، فلم يعطهم إلا أقل من حقهم، ويقال كذلك -أيضاً- في الإنسان الذي يدفع زكاة ماله من نفسه، فإذا كان عنده مال فيه جيد ورديء، مثل التمور التي يجنيها أو يجزها من نخله فيها جيد وفيها رديء وفيها متوسط، فلا يعطي الفقراء من خيار ماله، أي: لا يلزم بأن يدفع من خيار ماله؛ لأن في ذلك ظالماً له، ولا يدفع من شرار التمر ورديئه وحشفه وما لا رغبة فيه، فيكون بذلك ظالماً للفقراء، ولكن من وسطه وأغلبه، هذا هو الأصل.
فإذا أخذ الجابي خيار المال ظلم ذلك الغني وأخذ منه ما لا يستحق، فيخشى عليه من دعوة صاحب الغنم أو صاحب الإبل الذي أخذ منه شيئاً زائداً، وإذا دعا فإنه يعتبر مظلوماً، فلذلك قال: (واتق دعوة المظلوم) ، فإذا أخذت منه ما لا يستحق فأنت ظالم له وهو مظلوم، فربما يدعو عليك فتجاب دعوته، فدعوته ليس بينها وبين الله حجاب، أي أنها لا تحجب عن الله، بل يرفعها فوق الغمام، ويقول: (وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) أي: لأنصرنك أيها المظلوم، فتقبل دعوته ولو بعد حين، فليتقِ الإنسان الظلم، والحديث عام في أن المظلوم تجاب دعوته، سواء أكان الظلم بأخذ ما لا يجب عليه في الزكاة، أم بغير ذلك من أنواع الظلم.
стр. 464
أنصبة النقدين والإبل والزروع
أما حديث أبي سعيد فيتعلق بمقدار النصاب، وذلك لأن النبي ﷺ أجمل في حديث معاذ فقال: (تؤخذ من أغنيائهم) ، فمن هو الغني؟ الغني حدده النبي ﵊، فذكر أنه الذي يملك من الدراهم مائتي درهم، والدرهم قطعة من الفضة كان يتعامل بها، وهي معروفة الوزن، وأيضاً من الذهب عشرين مثقالاً أو عشرين ديناراً، والدينار قطعة من الذهب معروفة كانت ومتداولة، ومعروف قدرها، وقدرت الفضة بأنها ستة وخمسون ريالاً سعودياً بالريال الفضي المعروف قديماً الذي صنع في عهد الملك عبد العزيز ﵀، وكان مرسوماً عليه (ريال عربي سعودي واحد) ، أما بعد اختفائه وقيام هذه الأوراق النقدية فتعتبر قيمته، أي قيمة الستة والخمسين من الأوراق، فما دام أن الريال الفضي موجود فينظر إلى قيمته، فإذا طلب الريال الفضي فكم يبذل فيه من الريال الورقي؟ هل يبذل فيه عشرة أو عشرون أو ثلاثون، وتضرب في ستة وخمسين، فما بلغ فهو نصاب الفضة.
وأما نصاب الذهب فإنه عشرون مثقالاً، وقدرت بأنها من الجنيه المعروف أحد عشر جنيهاً ونصفاً.
والرسول ﵇ ذكر الفضة فقال: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ، والأواق: جمع أوقية من الفضة، والأوقية أربعون درهماً، والخمس الأواقي مائتا درهم، فيخبر بأن من كان عنده أقل من خمس أواق -أي: أقل من مائتي درهم- فلا زكاة عليه؛ لأنه فقير، وليس عنده إلا ما يسد حاجته، ولا يصدق عليه أنه غني.
أما الإبل فقدرها بخمس، فقال: (ليس فيما دون خمسٍ ذود صدقة) والذود اسم لا مفرد له، يعرفه أهل البادية بأنه الإبل؛ لأنها تذاد عن الحياض ونحوها، فيقول: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) أي: إذا لم يكن له إلا أربع من الإبل فلا تجب الزكاة عليه، فإذا بلغت خمساً ففيها الزكاة، وزكاتها من الغنم واحدة.
أما الغنم فأقل نصابها أربعون من الغنم، ففيها شاة، ولم تذكر في هذا الحديث، ولكن ذكرت في حديث غيره.
أما الخارج من الأرض فإن العادة أنه يكال ويقدر، فيقول في هذا الحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، والوسق: ستون صاعاً، والخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، والصاع النبوي مثل الصاع الموجود عندنا، إلا أنه يمسح مسحاً، فلا يجعل عليه علاوة، إنما يمسحونه مسحاً ثم يفرغونه.
فقدرها العلماء في هذا الزمان بأنها مائتان وسبعون صاعاً بالصاع الموجود الذي له علاوة؛ لأن الناس أصبحوا يكيلون ويجعلون علاوة، فمن كان عنده زرع حصل له منه مائتان وسبعون صاعاً ففيه الزكاة، وما دون ذلك فإنه أقل من نصاب فلا زكاة فيه.
والتمور كذلك أيضاً؛ لأن التمر كان يكال، فيجفف التمر ثم يكال في الصاع كما يكال القمح، فإذا بلغ ثمر النخل خمسة أوسق -أي: ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي- ففيه الزكاة، وما دون ذلك فلا زكاة فيه لكونه قليلاً، فيكون بقدر كفاية صاحبه، فهذا الحديث اشتمل على نصاب الزكوات.
стр. 465
حكم زكاة الخيل والعبيد
أما حديث أبي هريرة فأخبر بأن الأشياء المستعملة لا زكاة فيها إذا لم تكن للتجارة، فيقول: (ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة) ، فإذا كان للإنسان خيل يقاتل عليها فلا زكاة فيها، وكذلك إذا كان عنده عبيد يستخدمهم أو يؤجرهم، فليس عليه زكاة فيهم إلا زكاة الفطر التي أمر أن يخرجها بعد الفطر من رمضان، فإنه يخرج عن العبد.
стр. 466
شرح حديث: (العجماء جبار)
قال المؤلف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والعجماء: الدابة البهيم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة.
فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله تعالى، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً؛ فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها، ثم قال: يا عمر! أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه) .
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: (لما أفاء الله على نبيه ﷺ يوم حنين وقسم في الناس وفي المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي.
كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ.
قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ قالوا: الله ورسوله أمنّ.
قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا بكذا وبكذا ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) ] .
هذه الأحاديث تتعلق بالزكاة، وبعضها يتعلق بالغنائم، فالحديث الأول فيما لا زكاة فيه وما لا دية له، يقول ﷺ : (العجماء جبار) .
стр. 467
حكم جناية الدابة
العجماء: هي الدابة، والجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، ومعنى ذلك أن الدابة إذا أتلفت شيئاً فلا ضمان عليها؛ لأنها عجماء، فإذا قرب منها إنسان فرفسته فلا ضمان عليها، وإذا لفحت إنساناً بذنبها -مثلاً- أو عضته بفمها فلا ضمان عليها؛ لأنها بهيمة عجماء، وهو الذي أخطأ حيث قرب منها.
وكذلك إذا أتلفت شيئاً وصاحبها لم يفرط فلا ضمان عليه، فإذا أرسلها صاحبها في النهار لترعى فأتلفت زرعاً أو شجراً، أو دخلت بيتاً -مثلاً- وقد فتحه أهله فأكلت من طعامهم، أو أراقت ماءهم أو أدهانهم أو ألبانهم أو نحو ذلك فلا ضمان على صاحبها، حيث إن أهل البيت هم الذين فرطوا، وكذلك أهل الحروث ونحوهم، فهذا معنى كونها جباراً.
أما إذا كان صاحبها قد أطلقها في داخل البيوت، وهو يعلم أنه ليس لها إلا أن تدخل في البيوت، وليس بين الأبواب ما ترعاه ولا ما تأكله، أو أطلقها في الليل وهو يعلم أنه ليس لها إلا أن تذهب إلى الحروث فإنه يضمن حيث لم يحفظها.
وعلى كل حال فما أتلفته الدابة بيدها أو بفمها أو برجلها أو بذنبها، فإنه لا ضمان عليها لأنها بهيمة، فهذه هي العجماء.
стр. 468
الآبار والمناجم المحفورة في غير طريق الناس
قوله ﷺ : (والبئر جبار) : البئر إذا حفرت في غير طريق الناس، وكان القصد من حفرها أن ينتفع الناس بالشرب منها وبالارتواء ونحو ذلك، فسقط فيها إنسان أو سقطت فيها دابة فلا ضمان على من حفرها؛ لأنه حفرها لابن السبيل، ولم يضيق بها الطريق، أما إذا حفر حفرة في وسط الطريق فإنه يضمن ما سقط فيها؛ لكونه ضامناً لتغيير الطريق، فالبئر إذا سقط فيها شيء من دابة أو متاع أو إنسان أو نحو ذلك وهي في مكان واسع فإنها جبار، أي: هدر.
قوله ﵊: (والمعدن جبار) : المعدن: هو المنجم الذي يكون في الأرض تستخرج منه بعض المعادن، كمعدن الملح، ومعدن النحاس، ومعدن الكحل، ومعدن الجص، ومعدن الصهر، والمعادن الأخرى، حتى معدن الفضة أو معدن الذهب، فالمناجم التي تحفر وتؤخذ منها بعض الأشياء، فهي مشتركة إذا لم تكن في ملك أحد، فإذا جاء إليها إنسان فسقط في هذا المعدن فإنه جبار ولا شيء على من حفر هذه المناجم أو نحوها، وما ذهب فيها هدر، وإذا سقطت فيها دابة فلا ضمان على صاحبها.
стр. 469
حكم الركاز
قوله ﷺ : (وفي الركاز الخمس) : الركاز: هو ما وجد من دفن الجاهلية، فالكنز الذي يوجد مدفوناً وعليه آثار الكفار وليس للمسلمين يسمى ركازاً، فهو مثل الغنيمة يؤدي من وجده خمسه كما يؤدى من الغنيمة، وباقيه لمن وجده كالغانمين، هذا حكم الركاز.
أما إذا كانت عليه علامات المسلمين فإنه لقطة، فإذا كان مكتوباً عليه أسماء الله، أو اسم دولة مسلمة أو نحو ذلك على هذه الدراهم أو هذه الدنانير أو هذا الذهب المكنوز أو نحو ذلك، أو كانت صناعته تدل على أنه للمسلمين اعتبرناه لقطة، فعلى صاحبه أن يعرفه كما تعرف اللقطة، فإن وجد صاحبها وإلا أخرج منها جزءاً كربع أو خمس وباقيه له، وإذا لم يعرفها فإنها من بيت المال.
وعلى كل حال فالشاهد منه ذكر الركاز، وهو أنه يخرج منه الخمس، ولا يكون ذلك زكاة، بل غنيمة كما يخرج خمس الغنيمة.
стр. 470
شرح حديث منع العباس وخالد وابن جميل الزكاة
وأما الحديث الذي ففيه أنه ﷺ أرسل جماعة منهم عمر بن الخطاب يجمعون زكاة التجارة التي في المدينة، يمشون إلى التجار ويطلبون منهم الزكاة، فجمعوا من الزكاة ما جمعوا، وكلما جاءوا إلى تاجر أعطاهم زكاة تجارته أو زكاة ماله، ولما رجعوا أخبروه بأن هؤلاء الثلاثة قد منعوا الزكاة، فلام النبي ﷺ أحدهم وهو ابن جميل، ولم يعرف اسمه، بل هكذا ذكر، فقال: ما ينقم ابن جميل -يعني: ما ينكر وما يطلب- إلا أن كان فقيراً فأغناه الله.
أي ألا يتفضل إذ أغناه الله فيؤدي حق الله عليه؟ وهي هذه الزكاة التي هي قليل من كثير، فبعدما أغناه الله وأنعم عليه منع حق الله، أنكر عليه منعه للزكاة.
وأما خالد فاعتذر عنه؛ لأنه لم يكن عنده مال، بل جميع ما عنده قد أوقفه في سبيل الله، فعنده أدراع، وهي التي يقاتل بها، وليست للبيع بل هي وقف ومسبلة، وعنده أفراس وخيول وقد جعلها وقفاً، وعنده سيوف وقد جعلها -أيضاً- وقفاً، وعنده رماح، وعنده خناجر، وعنده أقواس، وعنده سهام، وكلها من آلات القتال، وقد سبلها لله، فليست ملكاً له، وهذا دليل على أن الأوقاف لا زكاة فيها؛ لأنها ليست ملكاً لإنسان، بل هي مما ينتفع به في وجوه الخير.
فإذا كان عند إنسان مال موقوف كالأسبال فلا زكاة فيه، ولكن عليه أن يخرج منه في سبيل الله وفي وجوه البر، فالذين على أيديهم أسبال وأوقاف لأموات قد جعلوها -مثلاً- في أعمال البر لا نأمرهم بأن يزكوها، ولكن نأمرهم بأن يصرفوا فضلها في وجوه الخير، فيتصدقون على المساكين منها، ويعمرون منها المساجد أو يساهمون في عمارة المساجد وفي عمارة المدارس الخيرية، وفي كفالة الأيتام ونحوهم، وفي الصدقة على الفقراء والمساكين، وفي إصلاح الطرق والموانئ وما أشبهها، وكذلك في نشر العلم وطبع الكتب والمصاحف، وفرش المساجد، والسقايات والبرادات ونحوها، وكذلك الصدقة على الأقارب والمستحقين، فهذه مصارف الأوقاف ونحوها، وأفضلها مصرف الجهاد، أي: على المجاهدين في سبيل الله، فليس فيها الزكاة التي في أموال التجار ونحوهم؛ لأنها كلها في سبيل الله.
أما العباس فقد كان من التجار، كان عنده تجارة وقد منع، وتعلل بأنه قد فدى نفسه، وقد فدى ابن أخيه لما أسر ببدر، لكن النبي ﷺ تحمل زكاة عمه وقال: (هي علي، ومثلها) ، وقال: (أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟!) أي: أخو أبيه، فهو وأبوه صنوان، والصنوان: هما الفرخان اللذان ينبتان في أصل النخلة، يقال: في هذه النخلة صنوان، أي: فرخان متساويان.
يقول: إن الرجل وأخاه بمنزلة الصنوين ينبتان في أصل النخلة، فهذا معنى كون عم الرجل صنو أبيه؛ فتحمل عنه هذه الصدقة وأداها عنه، وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يتحمل الإنسان صدقة الفرض عن قريبه، وقد ورد في بعض الروايات أن العباس كان قد قدم صدقته، فقد تعجل منه النبي ﷺ وقال: (إنا كنا قد احتجنا فأقرضنا العباس صدقة سنتين) ، فلذلك قال: هي علي ومثلها.
ولكن ظاهر الحديث أنه ﵊ تحملها عنه لقرابته.
стр. 471
شرح حديث غنائم غزوة حنين
وأما حديث المازني فكان ذلك في غزوة حنين لما غزا النبي ﷺ تلك الغزوة وغنم غنائم وأموالاً من هوازن، ورجع من الطائف بعدما حاصرها أربعين يوماً، بعد ذلك قسم تلك الغنائم، وأعطى رؤساء القبائل، فأعطى الكثير منها لرؤساء القبائل كأشراف قريش وبعض أشراف العرب، فأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى العباس بن مرداس مثل ذلك أو نحوه، وأعطى أبا سفيان كذا، وأعطى الحارث بن هشام، وأعطى صفوان بن أمية ثم أعطاه ثم أعطاه، وأعطى رجلاً غنماً بين جبلين، ولم يعطِ الأنصار.
وكان الأنصار ﵃ ممن قاتل معه قتالاً شديداً، وممن دافع، وممن أبلى بلاءً حسناً، ولم يعطهم شيئاً من تلك الغنيمة، ووكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان، فروي أنهم -أو بعضهم- أنكروا ذلك وقالوا: رسول الله يعطي صناديد قريش وسيوفنا تقطر من دمائهم، ولا يعطينا شيئاً! فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم، أو جمع جماعة منهم في قبة، فخطبهم بهذه الخطبة التي يذكرهم فيها فضل الله ، فأخبرهم بأنه وجدهم ضلالاً -يعني: ضالين- مخطئين الطريق، فدلهم الله به وهداهم، ووجدهم متفرقين متقاتلين متناحرين فهداهم الله به وجمعهم بعد ذلك التفرق، ووجدهم عالة -يعني: فقراء- في غاية من الإعواز فأغناهم الله به بما فتح عليهم، يذكرهم بذلك، وكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن.
أي: المنة لله، فالله هو الذي له المن وله الفضل، ورسوله كذلك، فلا منة لنا.
ثم إنه استجوبهم وقال: (لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا) أي: لو شئتم لذكرتم ما منكم وما لكم من الأثر، وفي بعض الروايات أنه قال: (لو شئتم لقلتم جئتنا وحيداً فقويناك، وجئتنا طريداً فآويناك، وجئتنا مخذولاً فنصرناك) ولكن لم يقولوا ذلك، بل قالوا: المنة لله ولرسوله.
ولما ذكرهم بذلك أخذ يذكر لهم فضائلهم فقال: (أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟) فما تذهبون به خير مما يذهب به الناس، الناس إنما ينصرفون بهذا المال وبهذا المتاع الدنيوي الذي هو عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وأنتم تحوزون الرسول إلى رحالكم، فهذا خير وأفضل مما أعطيه هؤلاء الناس.
يقول في هذا الحديث: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار) يعني: لولا أنني أحتسب أجر الهجرة لعددت نفسي أنصارياً، وهو ﷺ مهاجر، والمهاجر يبتغي أجر الهجرة، فيقول: إنني أبتغي أجر الهجرة مع المهاجرين، فتسميت مع المهاجرين لأني مهاجر، ولولا ذلك لقلت: أنا من الأنصار.
يعني: أنا أنصاري.
فذكرهم بأنه منهم، إلا أنه يتسمى بالهجرة لأجل أن يحصل على أجر المهاجرين.
كذلك يقول: (الأنصار شعار والناس دثار) يعني أنهم مقربون إليه، والشعار: هو اللباس الرقيق الذي يلي الجلد.
والدثار: هو اللحاف الذي يكون فوقه.
ومعلوم أن الإنسان لا يلبس مما يلي جلده إلا اللباس الرقيق اللين، أما الخشن كالصوف الغليظ والشعر وما نسج منه ونحو ذلك فإنه يجعله أعلى حتى لا يؤذيه بشعره أو بخشونته، فشبه الأنصار بأنهم أقرب إليه بمنزلة الشعار الذي يلي الجسد، وبقية الناس حتى بني عمه وحتى أهل مكة بمنزلة الدثار الذي هو أعلاه.
يقول في هذا الحديث: (إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) .
وقد وقع ذلك، حيث إن الناس بعده لما كانت الولاية في بني أمية وفي غيرهم استأثروا بالأموال، واستأثروا بالولايات، واستأثروا بالمناصب، ولم ينقل أنهم يولون أنصارياً، لا ولاية مال ولا جباية ولا إمارة ولا غير ذلك، بل استأثروا عليهم بهذه الولاية.
وقوله: (ستجدون بعدي أثرة) ، يعني: أن يستأثر الناس دونكم بالولايات وبالمناصب وبالأموال ونحوها، فاصبروا على ما ترون حتى تلقوني على الحوض، وعدهم بذلك، ولا شك أن ذلك منه تخفيف عليهم لما أصابهم، وحث لهم على الصبر، فرضوا بذلك وقنعوا.
стр. 472
إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة
واستدلوا بهذا الحديث على أنه يجوز أن تصرف الأموال في المؤلفة قلوبهم من الغنائم ونحوها، فإذا كانت الغنائم تصرف في المؤلفة قلوبهم فكذلك الزكاة، جعل الله منها نصيباً للمؤلفة قلوبهم، فمتى وجدوا أعطوا من الزكاة.
والمؤلفة قلوبهم هم الذين أسلموا لأجل الدنيا، فيعطون من الزكاة ويعطون من الغنيمة حتى يقوى بذلك إيمانهم، إما أن يكونوا ضعاف الإيمان فإذا أعطوا من المال رغبوا في الإسلام، فإذا جمعت زكوات أقوامهم وجبيت فيعطون منها، ليقوى إيمانهم، وإما أن يسلم نظراؤهم من الأكابر والأمراء والقادة والسادة، فإذا أعطوا أسلم ذلك الأمير وأسلم ذلك الثاني والثالث رغبة في العطاء وفي المال، وإما أن يعطوا لكف شرهم إذا كان يخشى منهم الانقلابات والشرور ويخشى منهم الفتك بالإسلام وبالمسلمين، فيعطون من زكاة المال أو من بيت المال أو نحو ذلك ما يكف شرهم، فهؤلاء هم المؤلفة.
فمن هؤلاء الذين هم قادة في قومهم هذا الرجل الذي هو من قادة العرب، ويقال له عيينة بن حصن، كان من أشراف العرب، وكذلك الأقرع بن حابس كان من أشراف تميم وأمرائهم، وهكذا العباس بن مرداس كان شريفاً مشهوراً في سليم، ولذلك لما أعطاه أقل منهم روى مسلم أنه أنشد شعراً يقول فيه: أتجعل نهبي ونهب العبيـ ـد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن يخفض اليوم لا يرفع فأعطاه النبي ﷺ مثلهم.
وكذلك لكف شرهم، ولأنهم ذوو ألسن وذوو نجدة يرجى أن ينصروا الإسلام، وأن يكف بذلك شرهم.
فهذا حكم المؤلفة قلوبهم، والصحيح أنهم باقون فإذا احتيج إليهم أعطوا، وإذا لم يحتج إليهم فلا حق لهم لا في زكاة ولا في بيت مال.
стр. 473
شرح عمدة الأحكام [٢٩]
فرض الله زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين، فيجب على المسلم إخراجها في وقتها حتى يتقبل الله صومه، ولأجل أن تحصل المواساة والمودة بين الأغنياء والفقراء، وقبل ذلك على المسلم أن يتعلم أحكامها ليعرف ما يجوز إخراجه وما لا يجوز، ولمن تعطى وعمن تخرج، ونحو ذلك.
стр. 474
أحكام صدقة الفطر
стр. 475
دليل مشروعيتها
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب صدقة الفطر.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (فرض النبي ﷺ صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير.
قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير) وفي لفظ: (أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مداً من هذه يعدل مدين.
قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ ] .
من جملة الزكاة زكاة الفطر، وتسمى صدقة الفطر، أي: الفطر من رمضان، أي أنها تخرج في آخر رمضان عندما يقرب إفطار الناس من رمضان وإنهاؤهم لصيامه، وقد استدل عليها بعضهم بقوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤-١٥] ، فحمل قوله: ((تزكى)) على زكاة الفطر، ((وذكر اسم ربه)) أي: كبر التكبيرات التي في العيد، ((وصلى)) أي: صلاة العيد، وهذا محتمل، وإن كان اللفظ على عمومه.
ولكن الأصل فيها الأحاديث الثابتة الصريحة الكثيرة عن النبي ﷺ أنه شرعها لأمته، ووردت الأدلة في تحديدها وفي وقتها وفي نوعها وفي أهلها وفي الحكمة منها.
стр. 476
الحكمة من مشروعيتها
فأما الحكمة فيها فقد ورد فيها حكمتان: أنها طعمة للمساكين، وأنها طهرة للصائم.
فالصائم قد يعتريه في صيامه شيء من الخلل وشيء من النقص، ويرتكب شيئاً من المحظورات والأقوال السيئة، فيحتاج إلى ما يطهر صيامه، فجعلت هذه الصدقة طهرة للصائم من اللغو والرفث، أي: تطهر صيامه إذا كان قد لغى أو قد رفث أو قد تكلم بسوء، فتمحو ذلك كله.
وأما كونها طعمة للمساكين: فورد في حديث: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) ، وذلك أن يوم عيد الفطر يوم يفرح فيه الناس بإتمام صيامهم، ويجعلونه يوم عيد يظهر فيه سرورهم وانبساطهم، ويظهرون فيه الشكر والاعتراف لربهم بالفضل والامتنان، فكان ينبغي اشتراك الصغير والكبير والغني والفقير والمأمور والأمير، في هذا الفرح وهذا الاغتباط، ولما كان في الأمة من هم فقراء معوزون ذوو حاجة غالبة إذا لم يتصدق عليهم فإنهم يظهرون للناس التكفف والاستجداء، ويسألونهم طعاماً وقوتاً وكسوة ونفقة، ومعلوم أن السؤال فيه شيء من الذل ومن الإهانة لأنفسهم، وفيه شيء من الصغار والإذلال، فأمر بأن يعطوا في هذا اليوم ما يكفيهم ذلك اليوم أو أياماً بعده، فيتصدق هؤلاء على هؤلاء حتى يستغنوا، ويخرجها الجميع.
وقال في بعض الروايات: (أما غنيكم فيطهره الله، وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما أعطى) ، ومعلوم أن الفقير أيضاً يخرج الصدقة، فيخرج هذه الزكاة، ولكن يأتيه أكثر مما أعطى؛ لأن الأغنياء لا يجدون مصرفاً إلا هذا الفقير، فإذا كان في البلد مائة بيت، منها -مثلاً- عشرة أبيات فقراء وتسعون أغنياء فإن هؤلاء الأغنياء يعطون هؤلاء الفقراء، والفقراء يعطي بعضهم بعضاً، فيكونون قد أعطوهم أكثر مما أخرجوه، فيجتمع عندهم نفقة زائدة، وإن كانوا كثيراً فكذلك، فلو كان النصف فقراء والنصف أغنياء فإن الفقراء يعطي بعضهم بعضاً، والأغنياء يعطون الفقراء، فيجتمع أنهم أغنوهم.
فهذه هي الحكمة فيها.
стр. 477
زمن إخراجها
أما زمانها فقد حدد بأنه قبل خروج الناس إلى الصلاة، فيخرجها قبل أن يخرج إلى صلاة العيد، وأجازوا أن يقدمها قبل ذلك بيوم أو بيومين، ولا يجوز بأكثر، وما ذاك إلا أنه لو أعطيها الفقير قبل العيد بأيام أمكن أن ينفقها، فيأتيه العيد وليس عنده شيء، فيحتاج إلى التسول وإلى الاستجداء، فأمر بأن تؤخر حتى يعطاها قبل العيد بيوم أو يومين، فيأتي العيد وعنده منها ما يكفيه، فهذه هي الحكمة.
فالأفضل أن تكون في ليلة العيد، أو في صباح العيد قبل الصلاة، أو في اليوم الأخير من رمضان وهو اليوم الثلاثون، أو في اليوم التاسع والعشرين، فالأفضل اليوم التاسع والعشرون، أو اليوم الثلاثون، أو ليلة الثلاثين، أو صباح الحادي والثلاثين الذي هو يوم العيد.
стр. 478
الأصناف التي تخرج منها
أما نوعها فإنها تخرج من هذه الخمسة، والصحيح -أيضاً- أنها تخرج من غيرها، فهذه الخمسة هي البر المعروف، والشعير وهو معروف أيضاً، والتمر وهو معروف، والأقط الذي يعمل من اللبن، والزبيب الذي هو حمل العنب، فهذه الخمسة يصلح أن تكون قوتاً.
فهناك من قوتهم الأقط يأكلونه أو يحرثونه، وهناك من لا يأكلون إلا التمر، وهناك من يأكلون البر، وهناك من لا يجدون إلا الشعير فيأكلونه.
فهذه الخمسة الأقوات كانت هي الغالب على أهل المدينة ومن حولهم لا يخرج قوتهم عن هذه الخمسة، ولكن إذا وجد آخرون يقتاتون غيره فإنهم -على الصحيح- يخرجون من قوت بلدهم، فإذا غلب على أهل البلاد أن قوتهم من الأرز -كما في هذه البلاد- فإنه يخرج من الأرز؛ لأنه قد يكون أنفع للمساكين وأقل تكلفة، وإذا كان أهل البلد لا يقتاتون إلا السلق فإنه يخرج منه، وإذا كانوا لا يقتاتون إلا الذرة فإنها يخرج منها، وإذا اقتاتوا الدخن فإنه يخرج منه، وهكذا أنواع المأكولات، يخرجون مما هو غالب في بلادهم، ومما أكل أهل بلدهم منه.
والحكمة فيه أنه قوت للمساكين، وإذا أخرج من غير القوت لم ينتفعوا به؛ لأنهم لم يعتادوه، فإذا أخرجوا -مثلاً- من الشعير والناس لا يعرفونه ولا يأكلونه علفوه الدواب كما في هذه الأزمنة، أو باعوه بثمن بخس لمن يعلفه الدواب، وإذا أخرجوا من التمر والناس لا يأكلونه كما في هذه الأزمنة فكذلك لن يأكلوه، ولن يجعلوه قوتاً، فنحن نقول: الأولى أن تنظر إلى الشيء الذي يأكلونه، فتعطيهم حتى يأكلوه ولا يبيعوه.
ويقول بعض العلماء: إنه يجوز إخراج القيمة.
وهو مروي عن الحنفية، ولكن الصحيح أنه لا يجوز، بل إنه لابد من إخراج طعام، والقيمة كانت موجودة في العهد النبوي، ولم ينقل أنه أمرهم بأن يخرجوا القيمة، وبأن يعطوهم الثمن، ولو كان الثمن أنفع أحياناً؛ لأنه يصلح أن ينتفعوا به في جميع الأشياء، ولكن ما ورد إلا القوت، فتخرج الصدقة من القوت الذي يؤكل، ولا تخرج من اللباس، ولا تخرج من الأحذية -مثلاً-، ولا تخرج من الدراهم قيمة، بل لابد أن تكون من الأقوات والأطعمة المعتادة، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل.
стр. 479
مقدار ما يخرج
لابد أن يخرج هذا المقدار، وهو الصاع، والصاع أربعة أمداد كما هو معروف، والمد يقدر بأنه ملء الكفين المتوسطتين من البر المعتاد أو من الشعير ونحوه.
ولكن صاعنا المعتاد الذي يجعل عليه علاوة كاف في ذلك، وإن كان أكثر من أربع حفنات، فهذا هو المقدار المجزئ، وقد عرفنا أن معاوية ﵁ أباح لهم أن يخرجوا مدين من البر، وذلك لأنه قدم إلى المدينة ورآهم يخرجون صاعاً من الشعير، ومعلوم أن الشعير قليل القيمة وأن أكثرهم لا يأكله، وأن البر ولو كان قليلاً أنفع لهم، وهو الذي يأكلونه ويقتاتونه، فأرشدهم إلى أن يخرجوا صاعاً من الشعير أو نصف صاع من البر، فقال لهم: إذا أخرجتم نصف صاع من البر فقيمته قيمة الصاع من الشعير، وربما يكون خيراً وأنفع للفقير؛ لأنه يؤكل، وأما الشعير فإنهم لا يأكلونه، فأفتى بأنهم يعدلون إلى نصف الصاع من البر حتى ينفع الفقراء، وهذا اجتهاد منه.
ونحن نقول: إذا عرفت أنك لا تخرج إلا من الشعير والشعير إنما يعطونه الدواب، أو من التمر الرديء ويعطى الدواب فالأفضل أن تعطيهم شيئاً يأكلونه ولو أقل من صاع، ولكن الاختيار لك ألا تنقص من الصاع كما عمل بذلك أبو سعيد -راوي الحديث-، فإنه يقول: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ .
التزم أبو سعيد ألا ينقص من الصاع، سواء من البر أو من الشعير أو من التمر أو من البر أو من الزبيب أو من الأقط، وهذا هو الأولى.
ونقول: الأفضل أن تخرج من الشيء الذي يأكلونه وينتفعون به كالبر والأرز ونحوه، وإذا كنت ولابد مخرجاً من الشعير الذي لا يؤكل فكونك تخرج نصف صاع من البر الذي يؤكل أفضل من كونك تخرج صاعاً من الشعير الذي هو علف للدواب، فهذا هو الأفضل.
стр. 480
حكم نقلها إلى غير محلها
ثم هل يجوز نقلها إلى بلاد بعيدة؟ ذهب الأكثرون إلى أنها لا تخرج من البلاد إذا كان فيها فقراء، وهذا هو القول الصحيح، فإذا كان في البلد فقراء واستعطت أن توصلها إليهم، وأنت تعرفهم وتتحقق بأنهم محتاجون وذوو فاقة، فأعطهم صدقتك، أما إذا كنت لا تعرف فقراء، أو ليس في البلد فقراء فإنه يجوز نقلها ولو إلى بلاد بعيدة، فيجوز نقلها -مثلاً- إلى مجاهدي الأفغان أو غيرهم من الذين يأكلونها وينتفعون بها وتقع عندهم موقعاً، ولكن لابد أن يذكر أنها زكاة فطر، ولابد أن يقدم إرسالها حتى تصل إليهم قبل خروج وقتها، فترسل قبل خروج الشهر في آخر الشهر ونحو ذلك، وأن يتحقق من الذي قبضها أنه سوف يشتري بها من الأطعمة المعتادة عندهم التي يأكلونها ويأكلون أمثالها، فإذا كان كذلك جاز إرسالها، وإلا فلا.
وعلى كل حال: فصدقة الفطر هي صدقة من الصدقات، يجب أن يخرجها الإنسان في هذا الزمان، فلو قدر أنه لم يتمكن جاز إخراجها في يوم العيد، وإذا فاتته ليلة العيد ولم يتمكن إلا بعدما صلى العيد أجزأت في ذلك اليوم، وأما إذا فات ولم يتمكن من إخراجها إلا بعد يوم العيد، فهل تسقط؟
الجواب
لا تسقط.
ولكن مع ذلك يخرجها ولو بعد يوم أو بعد أيام، ويعتبرها ديناً، فيعتبرها شيئاً وجب عليه فيخرجها، ولكنه مع ذلك آثم في تأخيره لها.
فهذه من الصدقات التي شرعها النبي ﷺ وحث أمته عليها ورغبهم فيها وأمر بأن تخرج.
стр. 481
من يلزم المكلف إخراجها عنه
أما من تخرج عنه: فإنها تخرج عن أهل البيت كلهم، عن الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، تخرج عمن ينفق عليه، فإذا كان في بيتك جماعة أنت تقوم بالنفقة عليهم فأخرج عنهم، فإخراجها عن الصغير والكبير وكذلك الذكر والأنثى والحر والعبد هو الواجب.
وقد تقول: كيف تخرج عن الذين لم يصوموا إذا كانت طهرة للصائم؟ نقول: شرعت حتى يكثر إخراجها، وحتى يكثر حظ المساكين، فإذا أخرج الغني عن عشرة يقوتهم أو عن عشرين من أهل بيته كثر الذي يأتي إلى الفقراء من هذا الطعام، حيث إنه لو لم يخرج إلا عن نفسه وعن زوجته إذا كان أطفاله لا يصومون لصغرهم لم تكثر الصدقة التي تأتي إلى المساكين، فشرع إخراجها عن الكل، كما أن الفقير -أيضاً- يخرجها عن الكل، أي: عن جميع أهل بيته.
ثم يخرجها -أيضاً- عمن يقوت من المسلمين، وكلمة (من المسلمين) وردت في رواية الإمام مالك، فأخذوا منها أنها لا تجب عن الكافر ولو كان ممن يقيته المسلم، فقد يكون في البيت خادمة أو خادمات لسن بمسلمات، وكذلك خدام وسواقون ونحوهم ليسوا بمسلمين، فهؤلاء لا يخرج عنهم، وذلك لأنهم ليسوا من المسلمين، وليسوا من الذين يحتاجون إلى تطهير، وليسوا ممن يصومون، فلا حاجة إلى أن يخرج عنهم؛ لأنها خاصة بالمسلمين ولا تعطى إلا للمسلمين.
стр. 482
شرح عمدة الأحكام [٣٠]
للصيام أحكام بينتها كتب الفقه، فمن ذلك ما يتعلق بالصوم قبل رمضان، وبأي شيء يثبت الصيام، وما يتعلق بالسحور، وكذلك إدراك المرء للفجر وهو جنب، ونحو ذلك من الأحكام.
стр. 483
أحكام الصيام
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الصيام.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) .
وعن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت ﵄ قال: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة.
قال أنس: قلت لـ زيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) ] .
هذا كتاب الصيام، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) ، فجعل صوم رمضان من أركان الإسلام، وقد فرضه الله تعالى في السنة الثانية من الهجرة، أي: بعد الهجرة بسنة، هاجر النبي ﷺ في السنة الأولى في شهر ربيع الأول، ولم يفرض تلك السنة، ولما دخلت السنة الثانية صام يوم عاشوراء تطوعاً أو فرضاً كما قاله بعض العلماء، وفي تلك السنة نزل صوم رمضان، فرضه الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] يعني: من حضر الشهر وأدركه فليصمه، فأصبحت هذه الآية قد حددت الصيام الذي فرضه الله، وأنه صوم شهر رمضان، فهذا هو دليل الصيام.
ولا شك أن الله تعالى ما فرضه إلا ليختبر عباده، وذلك أن هذا الصيام فيه شيء من الجهد، ففيه الجوع وفيه الظمأ والنصب، وفيه أن الناس قد يتعبون في طلب الأعمال والحرف وهم صيام، فيشق عليهم فيتحملون ذلك، فالله تعالى اختبر فضل العباد وامتثالهم لأوامره ليظهر من يطيع ومن يعصي، فإذا تقبل العبد ذلك بتقبل حسن وبرغبة كاملة دل ذلك على قوة يقينه وعلى تقبله للشريعة الإسلامية، وعلى تحمله لما أمر به، بل المؤمن يفرح بذلك ويسر؛ لأنه عبادة وطاعة، وكل عبادة يحبها الله فالعبد يحبها.
ولا أحب أن أطيل في المقدمة؛ لأن العلماء قد أطالوا في ذلك، ومن أراد التوسع في أحكام الصيام فليراجع الكتب التي تُقرأ دائماً في كل رمضان، وهي ميسرة ومبسطة والحمد لله.
ونأتي إلى هذه الأحاديث.
стр. 484
النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين وحكمته
الحديث الأول قوله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) .
والحكمة في ذلك أن يتميز رمضان، وأن تكون أيامه متميزة لها أول ولها آخر، فأولها اليوم الأول من شهر رمضان، فلا يصوم اليوم الذي قبله، ولا اليومين الذين قبله، وآخرها اليوم الثلاثون أو التاسع والعشرون إن كان ناقصاً، فلا يصوم اليوم الذي بعده وهو يوم العيد، فيكون رمضان متميزاً؛ لأنه الفرض وما عداه فهو نفل، والنفل يتميز عن الفرض، وذلك بحكمه وبصفته، هكذا قال العلماء.
وقد ورد -أيضاً- حديث في السنن فيه أكثر من ذلك، فيه قوله: (إذا انتصف شهر شعبان فلا تصوموا حتى رمضان) ، وهذا الحديث كأنه لم يثبت عند بعضهم، وذكر بعضهم أن فيه ضعفاً، ولكن إسناده على شرط مسلم، فهو صحيح من حيث السند، ولكنه غريب من حيث المتن، وقد تكلم العلماء على حكم الصيام قبل رمضان -أي: من آخر شعبان- وأوضحوا أنه لا بأس به، وقد استدل على ذلك بما روت عائشة ﵂، قالت: (كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم في شهر شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلاً) تعني أنه يكثر من صيام أيام شعبان، وإنما يفطر منه أياماً قليلة، ولعل ذلك ليقوى على استقبال شهر رمضان؛ فإن الإكثار من صوم شعبان يقوي على شهر رمضان.
وروي -أيضاً- في الصحيح (أن النبي ﷺ قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر -يعني: شعبان-؟ قال: لا.
قال: فإذا أفطرت فصم يومين) ، وسرر الشهر: آخره.
فدل على أنه يجوز الصوم من آخره، كاليوم الخامس والعشرين أو السادس والعشرين أو نحو ذلك، فأفاد أنه لا بأس أن يصام في آخر شعبان كما يصام في أوله.
فمفاد هذا الحديث والحكمة فيه أن لا يتقدم رمضان بيوم أو يومين حتى يتميز رمضان، ورخص في ذلك لصاحب العادة التي يصومها، مثاله: إذا كنت تصوم كل اثنين أو كل خميس، فوافق أن آخر شعبان يوم الإثنين أو يوم الخميس، فلك أن تصوم ذلك؛ لأن هذا صيام لسبب، ولا بأس بالصيام لسبب، ومثلوا -أيضاً- بمن اعتاد أن يصوم يوماً ويفطر يوماً من دهره كله، كما التزم بذلك بعض الصحابة، وهو صيام داود كما سيأتي.
فإذا وافق أن اليوم الذي يصومه هو آخر شعبان فلا بأس أن يصومه بهذا النية، أعني أنه يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيصوم اليوم التاسع والعشرين وهو آخر شعبان -مثلاً- أو يفطر التاسع والعشرين ويصوم الثلاثين إذا كان شعبان كاملاً، وعلى كل حال فلا بأس إذا كان له عادة.
وهكذا لو كان عليه أيام قضاء، فلو أن إنساناً أفطر من رمضان، أو امرأة أفطرت من نفاس أو حيض ولم يتيسر لها الصيام إلا في شعبان أو في آخر شعبان وجب حينئذ وتحتم، وقد ذكرت عائشة أنها أحياناً لا يتيسر لها صيام أيام القضاء إلا في شعبان أو في آخر شعبان، فدل على أنه لا بأس، فلو أن إنساناً -مثلاً- عليه خمسة أيام من رمضان الماضي وفرط فيها، ولم يتفرغ إلا في اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين من شعبان تحتم عليه أن يصوم الخمسة الباقية؛ لأنها من تمام فرضه للعام الماضي؛ لأنه إذا فرط حتى جاءه رمضان الثاني اعتبر مفرطاً، وألزم بالكفارة مع القضاء، والكفارة صيام أيامه التي ترك وإطعام مساكين بعدد أيامه.
فلو قدر -مثلاً- أنك أفطرت خمسة أيام من رمضان، ثم تفارطت الأيام وتتابعت الأشهر وأنت ما صمت، فجاءك رمضان الثاني وأنت ما صمت، فصمت رمضان الثاني والخمسة باقية عليك من الأول فماذا تفعل؟ عليك صيامها بعد رمضان، وعليك إطعام خمسة مساكين جزاءً لتفريطك وتأخيرك.
فنقول: يجوز لمن عليه صيام واجب أن يصوم آخر شعبان، ولو كان اليوم الذي يليه رمضان، وهكذا لو نذر أياماً وافق أنها آخر شعبان فإنه يصومها؛ لأن صيام النذر واجب.
стр. 485
ابتداء وقت وجوب الصيام
أما متى يبدأ في صيام رمضان فالصحيح أنه يجب إذا رأى الناس الهلال أو أكملوا شعبان ثلاثين يوماً، وكان النبي ﷺ يهتم لشعبان، فيأمر الناس بأن يهتموا به ليروه وينظروا في دخوله، فإذا دخل شعبان أخذ يعد الأيام، وأمر أصحابه بأن يعدوها، فإذا مضى تسعة وعشرون عند ذلك نظروا، فإن رأوه في ليلة الثلاثين صاموا وصار الشهر ناقصاً -أعني: شعبان-، فإن لم يروه أو كان هناك غيم أو قتر أصبحوا مفطرين وأتموا شعبان ثلاثين يوماً، فهذه هي العادة التي أمر بها ﵊.
لكن بعض العلماء أخذ من هذا الحديث معنى، فهذا الحديث يقول: (فإن غُم عليكم فاقدروا له) ، فقوله: (إن غم عليكم) يعني: إن كانت ليلة الثلاثين فيها غيم ولم تروه ولم تتمكنوا من رؤيته فإنكم تصومون.
هكذا قال بعضهم، قال: (اقدروا له) أي: ضيقوا له.
وكان ابن عمر -الذي هو راوي الحديث- إذا كانت ليلة الثلاثين أرسل من ينظر، فإن رأوه أصبح صائماً يوم الثلاثين، فإن لم يروه وكانت السماء صحواً أصبح مفطراً؛ لأنه تحقق أنه لم يثبت، ولو ثبت لرأوه، فإن كان هناك غيم أو قتر قد حال بينهم وبين رؤيته أصبح صائماً، وحمل ذلك على أن قوله: (اقدروا له) يعني: ضيقوا له واجعلوه أضيق شيء.
والتضييق أن يجعل شعبان تسعة وعشرين، هكذا عمل ابن عمر، فكأنه يصوم اليوم الثلاثين إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيم أو قتر.
ولكن الجمهور على أنه لا يصام ذلك اليوم -الذي هو يوم الثلاثين- إذا كان في السماء قتر أو غيم، بل يصبحون مفطرين؛ لأنه لابد أن يكون الصيام عن رؤية أو عن يقين بدخول الشهر، وذلك يتوقف على إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً.
وقد ثبت أنه ﷺ نهى عن صيام الشك، فقال سلمان: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، واليوم الذي يشك فيه هو اليوم الذي لا يدرى هل هو من شعبان أو من رمضان، فيفطرونه حتى يتحققوا أنهم لم يصوموا شيئاً إلا رمضان، حتى يكون رمضان متميزاً ليس فيه ما يخلطه بغيره، هكذا أمر في هذا الحديث، ويدل عليه أنه ﷺ في بعض الروايات قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا) ، ثم قال مرة: (وهكذا وهكذا وهكذا) يعني: مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين.
ثم قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكلموا العدة) أي: فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً.
هكذا أمرنا، فعلينا أن نفطر شعبان حتى نرى الهلال، أو نكمل ثلاثين يوماً إذا لم نره.
وهكذا رمضان، فنصوم إلى أن نرى هلال شوال، أو نكمل شهر رمضان ثلاثين يوماً، هذه هي السنة.
أما الصيام فمعروف أنه الإمساك بنية عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وهذه مدة يوم الصيام.
стр. 486
السحور وبركته
في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ شرع لأمته أن يتسحروا في آخر الليل، والسحور: هو الأكلة قبيل الإمساك.
فقال في هذا الحديث: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) ، وقد أمر أمته في عدة من الأحاديث أن يتسحروا ولو بتمرة أو بمذقة لبن أو نحو ذلك حتى يتم الامتثال.
وأما البركة التي في السحور فيقول بعضهم: إن الذي يتسحر يبارك له في عمله، فيوفق بأن يعمل أعمالاً صالحةً كثيرة في ذلك اليوم، بحيث إنه لا يعوقه الصيام عن الصلوات، ولا يعوقه عن الأذكار، ولا عن القراءة ولا عن الأدعية، ولا يعوقه الصيام ولا يقعده عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى دين الله والتعليم لشرع الله تعالى، وأيضاً لا يعوقه الصيام عن عمله وحرفته وكسبه الذي يكتسب به لنفسه ولولده إذا كان صاحب عمل، بخلاف ما إذا أجهده الصيام لقلة أكله ولكونه ما عهد الأكل إلا في أول الليل، فإنه إذا أصبح أصبح مثقلاً وأصبح متعباً، فلا يستطيع مواصلة عمل، ولا يستطيع أن يقوم بعمل دنيوي، ولا يستطيع أن يقوم بعمل ديني من الأعمال الصالحة التي ندب إليها، فلأجل ذلك رغب في أكلة السحور.
وقد ثبت -أيضاً- في الصحيح أنه ﷺ قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) ، وروي أنه ﷺ ترك السحور لما كان يواصل، فدل على أنه ليس بفرض، بل الأمر في قوله: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) الأمر للإرشاد، ولأجل ذلك علله بالبركة التي هي كثرة الخير، فأفاد أنه ليس بفرض، ولو كان فرضاً ما تركه لما واصل بأصحابه.
والوصال -كما سيأتي- هو ألا يأكل بين اليومين، أن يصل يوماً بيوم، فيأتيه الليل فلا يفطر ولا يأكل فيه حتى يصله باليوم الذي بعده، فيصوم -مثلاً- ستاً وثلاثين ساعة، يومين بينهما ليلة، هذا هو الوصال.
وقيل: أن يصل الليل باليوم فلا يفطر إلا عند السحر؛ لأنه ورد في حديث: (من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر) ، ولما واصل يومين أو أياماً دل ذلك على أن السحور ليس بفرض، ولكنه سنة وفضيلة، وعلى كل حال فهو من الأعمال التي رغب فيها النبي ﷺ .
стр. 487
وقت السحور المستحب
في الحديث الأخير أنه بين وقت السحور، والسَحور هو الفعل، والسُحور هو الأكل، يقولون: إنه إذا قال: تسحرت سُحوراً فالمعنى: أكلت طعاماً.
وإذا قيل: السَحور مرغب فيه فالمراد به الفعل، فهنا بين وقت التسحر وهو آخر الليل، وذلك أنه مشتق من السحر، والسحر هو آخر الليل، وجمعه أسحار، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] يعني: في آخر الليل.
وقال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤] يعني: في آخر الليل.
فالأكل في ذلك الوقت بنية الصيام يسمى سحوراً، وهو الذي ورد الترغيب فيه والحث عليه في هذه الأحاديث، ففي هذا أنه ﷺ أكل قبيل الأذان، فلم يكن بين فراغه من الأكل وأذان الصلاة إلا قدر خمسين آية، أي: قدر قراءة خمسين آية.
يقول زيد: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة.
قال أنس لـ زيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) يعني قراءة خمسين آية من معتاد القراءة، قراءة مجودة ولكن ليس فيها تمطيط ولا مد طويل، وقراءة لآيات متوسطة ليست آيات طويلة جداً، ولا آيات قصيرة كالآيات التي من آخر القرآن، بل الآيات المتوسطة التي من الجزء الثالث -أي: جزء (قد سمع الله) وما بعده-، فهذا متوسط الآيات، أو من أوائل سورة البقرة، قراءة خمسين آية لا تستغرق -مثلاً- بالقراءة المتوسطة عشر دقائق أو نحوها، فقد يستغرق عشراً وقد لا يستغرقها، فهذا دليل على أنه كان يؤخر السحور.
وقد ورد -أيضاً- الترغيب في تأخير السحور في قوله ﷺ : (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) ، فهذا دليل على تأخيره، يعني أنه يكون حقاً سحوراً، ولعل الحكمة في تأخيره أن يكون أقرب إلى الإمساك، فإنه إذا كان السحور في وسط الليل لم يكن اسمه سحوراً، وأيضاً لم يبق أثره في النهار، بخلاف ما إذا كان قرب الإمساك فإنه يبقى أثر الأكل، ولا يحس بالجوع إلا بعد مضي مدة لكونه حديث عهد بأكل وبشرب.
فالحاصل أن الشرع الشريف جاء بالترغيب في العبادة، والترغيب فيما يحبب العبد إليها والتنفير مما يثقلها، فلما كان الصيام بدون سحور قد يثقل العبادة على العباد أمرهم بالسحور حتى يحبها العباد وحتى يألفوها، وحتى يأتوا بها بصدق ورغبة ومحبة.
стр. 488
مسائل تهم الصائم
стр. 489
حكم الجنب إذا أدركه الفجر قبل الاغتسال
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام: [عن عائشة وأم سلمة ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت.
فقال: ما أهلكك -أو: ما لك-؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: فسكت النبي ﷺ ، فبينما نحن على ذلك إذ أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر -والعرق: المكتل- فقال: أين السائل؟ قال: أنا.
قال: خذ هذا فتصدق به.
قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك) الحرة: الأرض تركبها حجارة سود] .
هذه أحاديث تتعلق ببعض الأحكام في الصيام، فقد كان أول ما شرع الصيام إباحة الإفطار بعد غروب الشمس إلى أن ينام الإنسان، فإذا نام في وسط الليل أو في آخر الليل أو في أوله لزمه الإمساك إلى الغروب من الغد، فلم يجز له الأكل ولا الشرب ولا الجماع بقية الليلة التي نام فيها، ولم يكن هناك إباحة لأكل السحور في آخر الليل، فعلم الله أن عليهم في ذلك مشقة، فأباح لهم الأكل في الليل والجماع فيه بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] إلى قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فأباح لهم الجماع والأكل والشرب طوال الليل إلى الفجر، وأمرهم بالإمساك بعد الفجر إلى الليل، أي: إلى ابتداء الليل وهو غروب الشمس.
فهذه شرعية الصيام، واستقر الأمر على ذلك.
وروى أبو هريرة حديثاً رواه عن الفضل أن النبي ﷺ قال: (من أدركه الفجر وهو جنب فليقضِ ذلك اليوم) ، ثم إن أبا هريرة أخبر بأنه رواه عن الفضل، ولما نقل له أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً رجع عن الفتيا بهذا الحديث، وذكر العلماء أنه من الأحاديث المنسوخة، أي أنه كان قبل إباحة الأكل والشرب والوقاع في الليل، فإذا وطئ ولم يغتسل في الليل وأدركه الفجر قضى ذلك اليوم، وبعد ذلك استقر الأمر على الإباحة.
وما الحكم فيما إذا أصبح جنباً قبل أن يغتسل إذا انتبه من الليل في آخره وقد قرب الوقت للسحور وعليه جنابة، فهل يقدم الاغتسال ولو فاته السحور، أو يقدم السحور ولو طلع الفجر ويؤخر الاغتسال؟
الجواب
يقدم السحور.
وتقدم لنا أنه ﷺ قال: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) ، ويؤخر الاغتسال؛ فإن وقته واسع ولا يضر تأخيره، وإذا طلع الفجر قبل أن يغتسل اغتسل وصلى وأتم صيامه ولم يضر ذلك بصومه.
فأخبرت عائشة وأم سلمة في هذا الحديث بأن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من أهله في رمضان، أي: يدركه الفجر وهو جنب من أهله -أي: من جماع لا من احتلام- ثم بعد ذلك يغتسل ثم يصلي الفجر، ثم يتم صيامه، ولا يرده ذلك عن إتمام الصيام، وأخبرتا أن ذلك في رمضان، وأن هذا وقع منه مراراً في رمضان، فأفاد أن هذا الصوم لا يضره كونه أصبح وهو جنب، هكذا ثبت فعله عن النبي ﷺ .
ولا شك -أيضاً- أن الصحابة وقع منهم ذلك تكراراً، وذلك لأن هذا الفعل من ضروريات الحياة، فالإنسان غالباً قد يغلبه النوم بعد الوطء وقبل الاغتسال، فيؤخر الاغتسال إلى آخر الليل، فلا يستيقظ إلا قرب طلوع الفجر، فيؤثر أنه يتسحر ولو طلع الفجر، ويقع هذا كثيراً، فعليه أن يتم صيامه ولا يضر ذلك به، فهذا معنى الحديث الأول.
стр. 490
تناول الصائم مفطراً ناسياً
أما الحديث الثاني ففيه أن الله رفع النسيان والإثم عليه عن الصائم، يقول ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه) .
ومعلوم أن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والوقاع في نهار رمضان، ومعلوم أن الإنسان محل النسيان، وأنه كثيراً ما تعتريه الغفلة، وكثيراً ما يسهو وينسى صيامه، سيما إذا كان غير معتاد للصيام وغير منتبه له، فقد يقع منه نسيان صيامه فيتعاطى أكلاً أو شرباً، ففي هذه الحال لا يؤاخذه الله بذلك، وقد وردت الأدلة في عدم المؤاخذة بالنسيان، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ، وقال النبي ﷺ : (رُفع -أو: وضع- عن أمتي الخطأ والنسيان) ، وفي رواية: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان) ، فالله تعالى لا يؤاخذ على النسيان؛ لأن الإنسان طبيعته النسيان، كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب فإذا فعل شيئاً من هذه المحظورات وهو ناسٍ صيامه فلا يضره، حتى إن السهو والنسيان يقع في الصلاة ولا يبطلها، بل تجبر بسجدتي السهو كما هو معروف، فالسهو في الصلاة يجبر بالسجود، وأما السهو في الصيام وتعاطي أكل أو شرب فإنه يقع، فحينئذ يكمل صيامه، ويقال: أتم صيامك؛ فإن الله هو الذي أطعمك وهو الذي سقاك.
أي: يسر لك ذلك وأعطاك ما أعطاك.
فعليه أن يتم صيامه، ولا ينقص ذلك من أجره.
ويبقى أن تقول: إذا رأيته يأكل وأنا أعرف أنه ناسٍ هل أذكره أو لا أذكره؟ وكيف أذكره والله هو الذي أطعمه وسقاه؟ نقول: عليك أن تذكره؛ لأنه يحب ذلك، فالصائم يحب أن يتم صيامه، ويحب أن يكمله، ويحب أن يكون صومه أعظم أجراً، وذلك يتصور فيما إذا أكمل الصيام كما ينبغي، فكلما كان الصوم أشق وأكثر تعباً كان الأجر أكثر، فهو يحب ذلك.
وأيضاً فإن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأيته يأكل فإن عليك أن تأمره بالإمساك فهو من المعروف، وتنهاه عن الأكل فهو من المنكر.
وأيضاً فإن في تركه والناس ينظرون شيئاً من التهاون في أحكام الصيام وإساءة للظن به، حتى يظن أكثر الناس أنه لا يبالي بالصوم، وأنه لم يكن ممن صام وأنه وأنه، فلأجل ذلك يقولون: عليك أن تذكره.
ثم هل يلحق الجماع بذلك لو وطئ وهو ناسٍ، فهل يلحق بذلك ويقال: أتم صومك ولا شيء عليك؟ تكلم العلماء في ذلك، وأكثرهم يقولون: لا يكون.
وذلك لأن الجماع غالباً تطول مدته، ثم الجماع يكون بين اثنين، وغالباً أنه لا يتصور السهو والنسيان من الزوجين، ولكن لو قدر نسيان الزوجة والزوج معاً واجتماعهما على الجماع ولم ينتبها ولم يعرفا إلا بعد الانفصال، أو بعدما تذكرا انفصلا.
ففي هذه الحال نقول: يعفى عنه لدخوله في الأدلة، ولا يؤاخذ بذلك، هذا الذي اختاره كثير من المحققين؛ فإنه داخل في قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
стр. 491
مدافعة شهوة الجماع في نهار رمضان وكفارة الجماع
أما إذا كان الجماع عمداً سواء تذكره الزوجان أو تذكره أحدهما فإن فيه الكفارة، وقد دل عليها هذا الحديث الذي ذكره المصنف، وهي كفارة مثل كفارة الظهار.
فهذا الرجل ذكر أنه وقع في مهلكة، فقد عرف أن الجماع في نهار رمضان ذنب كبير، ولأجل ذلك قال: هلكت.
فقال له رسول الله ﷺ : (ما أهلكك؟) فأخبر بأنه وطئ امرأته في نهار رمضان، فهو يعرف أنه حرام ويعرف أنه ذنب وأن فيه هلكة، لكن النبي ﷺ لم يوبخه، ولم يشدد عليه بالتقريع، بل عذره؛ لأن الغالب أنه غلبته شهوته فلم يتمالك نفسه أن وقع في الجماع.
وبالمناسبة نقول: أولاً: كثيراً ما يقع هذا من الشباب، وبالأخص إذا تزوج قرب رمضان فإنه تغلبه الشهوة حتى في النهار، فيقع منه إفساد أيام كثيرة أو قليلة، فلأجل ذلك يستحب أن يؤخره إلى بعد رمضان، أو يقدمه على رمضان بأشهر.
ثانياً: إذا كان ممن تثور شهوته بمجرد المقاربة فلا يقرب من زوجته أو لا تقرب منه في نهار رمضان، بل ينام كل منهما على فراش بعيداً عن الآخر.
ثالثاً: إذا أحس بثوران شهوته فعليه أن يبتعد حتى تبرد شهوته، فإن غلبته فليس له الوطء، بل يخففها بالمباشرة أو نحو ذلك؛ فإن في المباشرة إبطالاً للصيام ولكن لا تلزم الكفارة، والمباشرة تعني مجرد اللمس والضم والتقبيل إلى أن يحصل الإنزال، أو نحو ذلك.
أما إذا غلبته نفسه فوقع في الجماع، ولم تندفع شهوته إلا بالإيلاج ففي هذه الحالة عليه الكفارة على الترتيب ككفارة الظهار، فيقال له: أعتق رقبة، وهي -على الصحيح- رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المخلة بالعمل، فلابد أن تكون سالمة من كل عيب يخل بالعمل أو يضر به ضرراً بيناً.
وإذا لم يجد رقبة أو لم يجد ثمنها ولم يستطع شراءها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر كمرض أو سفر ضروري، ويكفيه شهران هلاليان، ولو كان أحدهما ناقصاً أو كانا ناقصين.
فإذا لم يستطع انتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكيناً، والمساكين هم الذين تحل لهم الزكاة، فيطعم كل واحد منهم نصف صاع من الطعام المعتاد الذي يأكله هو وأهله، ويجوز أن يجمعهم جميعاً ويغديهم أو يعشيهم أو يعطيهم ما يكفيهم، فهذه كفارة الوطء في نهار رمضان.
بعد ذلك نقول: إذا لم يجد كما في حال هذا الرجل، حيث كان فقيراً، فلما جيء النبي ﷺ بهذا الطعام الذي في المكتل - إذ العرق مكتل يسع خمسة عشر صاعاً- قال: تصدق به على المساكين، فأخبر بأنهم فقراء، وأن أهل بيته هم أفقر أهل المدينة التي بين الحرتين؛ لأن المدينة بين حرتين حرة في الشرق وحرة في الغرب، والحرة: هي الأرض التي تركبها حجارة سوداء.
فقال: ما بين لابتيها -أي: الحرتين- أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي ﷺ تعجباً منه، حيث جاء وهو في غاية الوجل وفي غاية الخوف، وجاء وهو مشفق يخشى من العقوبة، ويخشى أنه وقع في مصيبة، وأنه ليس له التخلص من هذه المصيبة، ولا يدري ماذا يحكم عليه به، فلما رأى رقة النبي ﷺ وانتقاله من حالة إلى حالة، حيث عذره لما لم يجد الرقبة، وعذره لما لم يستطع الصيام، فعند ذلك رجا أن يعذره لما لم يجد الإطعام، ورجا -أيضاً- أن يعذره لما وجد الطعام فيطعمه أهله، فطلب أن يطعم أهله هذا الطعام، وقال: ليس هناك أحد أحوج إلى هذا الطعام من أهل بيتنا، فأمره بأن يطعمه أهله.
قال العلماء: لم يأمره أن يقضي إذا وجد، فدل على أنها تسقط بالعجز، فإذا لم يجد الإطعام سقطت عنه إلى غير بدل، ولكن عليه أن يقضي اليوم الذي أفسده، وعليه أن يتقي الله فلا يعود؛ لأن الكفارات شرعت للزجر عن مثل هذه الأمور، فهذه الكفارة كفارة فيها شيء من القوة، وفيها شيء من الشدة، ومع ذلك تساهل النبي ﷺ حتى جعل الطعام الذي يتصدق به طعاماً لأهله، فأباح له أن يأكله هو وأهله.
стр. 492
حكم المرأة في كفارة الجماع
لم يذكر في الحديث الكفارة على المرأة، ومعلوم أن الجماع لابد أن يكون بين اثنين، فلم يذكر المرأة، ولم يقل: عليها كفارة كما على زوجها.
والعلماء يقولون: إذا كانت مطاوعة فعليها كفارة كما على زوجها، وإذا كانت مكرهة - ملجأة- قد غصبها وألجأها، ولم يكن لها اختيار ولا قدرة على الامتناع فلا كفارة عليها سوى قضاء ذلك اليوم؛ لأن المكره معذور؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل:١٠٦] ، ولقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، فأما إذا كانت قد وافقت ورضيت بذلك فعليها كما على زوجها من الكفارة، هذا هو الذي عليه جماهير العلماء، وقالوا: إنه ﷺ سكت عن المرأة لمعرفته أنها فقيرة كما أن زوجها فقير، فإذا كان زوجها لم يجد ما يتصدق به فكيف بالمرأة تجد أو تستطيع؟! فسكت عنها لعذرها كعذر زوجها، أو أن في بيان الحكم لأحد الزوجين تنبيه على الزوج الثاني؛ فإنه إذا عرف أن على الزوج الذي هو أحد المجامعين كفارة فكذلك المرأة، فهذا جواب أهل الحديث عن تركه لذكر المرأة.
وذهب آخرون إلى أنه ليس عليها شيء ما دام أنها لم تذكر في الحديث، فكأنهم يقولون: الكفارة الواحدة تكفيهما معاً.
ولكن الصحيح أنه لابد لها من كفارة إذا كانت مختارة مطاوعة، أو كانت هي الطالبة أو نحو ذلك، فقد يكون هناك موانع منعت ذكر هذه المرأة، ولكن لا يساويها غيرها في تلك الموانع.
стр. 493
شرح عمدة الأحكام [٣١]
الصيام عبادة عظيمة، وهي حق من حقوق الله تعالى على عباده، ويتعلق بها جملة من الأحكام الشرعية، ومن ذلك قضاؤها من قبل المكلف نفسه وزمنها الذي يعد تجاوزه تفريطاً، وكذلك قضاؤها عن الميت الذي وجبت في ذمته، كما يتعلق بها بيان الهدي النبوي في الإفطار والسحور، وكذلك حكم الوصال، وغير ذلك مما ينبغي على المسلم أن لا يجهله.
стр. 494
قضاء الصيام
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم في رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان) .
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم.
قال: فدين الله أحق أن يقضى) .
وفي رواية: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم.
قال: فصومي عن أمك) ] .
هذه الأحاديث تتعلق بقضاء الصوم، سواء الذي يصوم عن نفسه قضاءً أو الذي يصوم عن غيره، فالحديث الأول بتعلق بقضاء الإنسان ما أفطره من أيام رمضان، فالله تعالى أباح الفطر لعذر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فأخبر بأنه أباح لنا الفطر لمرض أو لسفر لأجل العسر الذي يكون في السفر، وأنه لا يريد العسر بعباده وإنما يريد اليسر، وهذه إرادة دينية شرعية.
ولكن لابد من القضاء، فمن أكل في رمضان ثم زال عذره فلابد أن يبادر بالقضاء.
стр. 495
الفور والتراخي في قضاء الصوم
وقد اختلف العلماء: هل قضاء رمضان على الفور أو على التراخي؟ والمعنى: هل يبادر حينما ينتهي عذره، فحينما يخرج رمضان ويزول عذره يبادر ويصوم، أو يجوز له التأخير ولو شهراً وشهرين وأشهراً حيث إن الوقت واسع؟ وعلى كل حال فالجمهور على أن له أن يؤخره إذا كان الوقت واسعاً مع تأكد المبادرة واستحباب الصيام بالسرعة، وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، ولأنه إذا تمادى وأفطر شهر شوال قرب عليه الصيام -مثلاً- في شهر ذي القعدة، ثم كذلك في شهر ذي الحجة، ثم يتهاون بالصيام وتتوالى عليه الأشهر حتى يصل إلى رمضان وهو مفرط، فربما لم يتمكن من إكمال ما صامه، فيأتيه رمضان الثاني وهو لم يصم، فيعد بذلك مفرطاً، وربما مات قبل أن يقضي ما عليه، فيكون -أيضاً- بذلك مفرطاً إذا مات وهو على هذا الإهمال.
فلا جرم أنه يبادر، فيصوم أيامه التي عليه، هكذا ذكر العلماء لأجل المحافظة على أداء العمل في وقته، أو حين يتمكن مخافة العوارض.
أما عائشة فلها عذر، حيث ذكرت أنها لا تتمكن من القضاء إلا في شعبان، تعني قرب رمضان، فيكون عليها القضاء فلا تتمكن منه إلا في شهر شعبان، وذكرت أن لها عذراً وهو الشغل برسول الله ﷺ ، وذلك لكثرة سفرها معه، فقد كان يسافر كثيراً في غزواته وفي سراياه، وتسافر معه غالباً، والسفر مظنة المشقة.
وأيضاً قد تشتغل بحاجاتها الخاصة، وهذا الشغل يحول بينها وبين أن تصوم، وأيضاً قد تظن أن به حاجة إليها في نفسها كاستمتاع ونحوه، وذلك لا يمكنها من أن تصوم، فإذا ظنت أن به حاجة إليها أفطرت، وأيضاً قد تحتاج إلى استئذانه ولا تستطيع الاستئذان، فيكون لذلك لها عذر.
ثم نقول: هذا -أيضاً- لم يكن مستمراً، بل يمكن أنه وقع منها سنة أو سنتين، أي: وجد العذر في سنة.
ولكن الغالب أنها تصومه مبادرة بذلك، فتصومه حينما ينقضي عذرها، هذا هو الغالب عليها وعلى بقية أمهات المؤمنين وعلى الصحابة ﵃، فإذا كان عليهم أيام من رمضان صاموها مبادرة ولم يؤجلوها، هذا هو الأصل فيهم، وذلك لما عرف من حرصهم على أداء العبادة وعدم التفريط فيها مخافة أن يعرض ما يسبب أن بفرطوا، فلذلك يبادرون بالقضاء، فهذا هو المعتاد عندهم.
следующие страницы →