← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مدافعة شهوة الجماع في نهار رمضان وكفارة الجماع أما إذا كان الجماع عمداً سواء تذكره الزوجان أو تذكره أحدهما فإن فيه الكفارة، وقد دل عليها هذا الحديث الذي ذكره المصنف، وهي كفارة مثل كفارة الظهار. فهذا الرجل ذكر أنه وقع في مهلكة، فقد عرف أن الجماع في نهار رمضان ذنب كبير، ولأجل ذلك قال: هلكت. فقال له رسول الله ﷺ : (ما أهلكك؟) فأخبر بأنه وطئ امرأته في نهار رمضان، فهو يعرف أنه حرام ويعرف أنه ذنب وأن فيه هلكة، لكن النبي ﷺ لم يوبخه، ولم يشدد عليه بالتقريع، بل عذره؛ لأن الغالب أنه غلبته شهوته فلم يتمالك نفسه أن وقع في الجماع. وبالمناسبة نقول: أولاً: كثيراً ما يقع هذا من الشباب، وبالأخص إذا تزوج قرب رمضان فإنه تغلبه الشهوة حتى في النهار، فيقع منه إفساد أيام كثيرة أو قليلة، فلأجل ذلك يستحب أن يؤخره إلى بعد رمضان، أو يقدمه على رمضان بأشهر. ثانياً: إذا كان ممن تثور شهوته بمجرد المقاربة فلا يقرب من زوجته أو لا تقرب منه في نهار رمضان، بل ينام كل منهما على فراش بعيداً عن الآخر. ثالثاً: إذا أحس بثوران شهوته فعليه أن يبتعد حتى تبرد شهوته، فإن غلبته فليس له الوطء، بل يخففها بالمباشرة أو نحو ذلك؛ فإن في المباشرة إبطالاً للصيام ولكن لا تلزم الكفارة، والمباشرة تعني مجرد اللمس والضم والتقبيل إلى أن يحصل الإنزال، أو نحو ذلك. أما إذا غلبته نفسه فوقع في الجماع، ولم تندفع شهوته إلا بالإيلاج ففي هذه الحالة عليه الكفارة على الترتيب ككفارة الظهار، فيقال له: أعتق رقبة، وهي -على الصحيح- رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المخلة بالعمل، فلابد أن تكون سالمة من كل عيب يخل بالعمل أو يضر به ضرراً بيناً. وإذا لم يجد رقبة أو لم يجد ثمنها ولم يستطع شراءها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر كمرض أو سفر ضروري، ويكفيه شهران هلاليان، ولو كان أحدهما ناقصاً أو كانا ناقصين. فإذا لم يستطع انتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكيناً، والمساكين هم الذين تحل لهم الزكاة، فيطعم كل واحد منهم نصف صاع من الطعام المعتاد الذي يأكله هو وأهله، ويجوز أن يجمعهم جميعاً ويغديهم أو يعشيهم أو يعطيهم ما يكفيهم، فهذه كفارة الوطء في نهار رمضان. بعد ذلك نقول: إذا لم يجد كما في حال هذا الرجل، حيث كان فقيراً، فلما جيء النبي ﷺ بهذا الطعام الذي في المكتل - إذ العرق مكتل يسع خمسة عشر صاعاً- قال: تصدق به على المساكين، فأخبر بأنهم فقراء، وأن أهل بيته هم أفقر أهل المدينة التي بين الحرتين؛ لأن المدينة بين حرتين حرة في الشرق وحرة في الغرب، والحرة: هي الأرض التي تركبها حجارة سوداء. فقال: ما بين لابتيها -أي: الحرتين- أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي ﷺ تعجباً منه، حيث جاء وهو في غاية الوجل وفي غاية الخوف، وجاء وهو مشفق يخشى من العقوبة، ويخشى أنه وقع في مصيبة، وأنه ليس له التخلص من هذه المصيبة، ولا يدري ماذا يحكم عليه به، فلما رأى رقة النبي ﷺ وانتقاله من حالة إلى حالة، حيث عذره لما لم يجد الرقبة، وعذره لما لم يستطع الصيام، فعند ذلك رجا أن يعذره لما لم يجد الإطعام، ورجا -أيضاً- أن يعذره لما وجد الطعام فيطعمه أهله، فطلب أن يطعم أهله هذا الطعام، وقال: ليس هناك أحد أحوج إلى هذا الطعام من أهل بيتنا، فأمره بأن يطعمه أهله. قال العلماء: لم يأمره أن يقضي إذا وجد، فدل على أنها تسقط بالعجز، فإذا لم يجد الإطعام سقطت عنه إلى غير بدل، ولكن عليه أن يقضي اليوم الذي أفسده، وعليه أن يتقي الله فلا يعود؛ لأن الكفارات شرعت للزجر عن مثل هذه الأمور، فهذه الكفارة كفارة فيها شيء من القوة، وفيها شيء من الشدة، ومع ذلك تساهل النبي ﷺ حتى جعل الطعام الذي يتصدق به طعاماً لأهله، فأباح له أن يأكله هو وأهله.

стр. 492

حكم المرأة في كفارة الجماع لم يذكر في الحديث الكفارة على المرأة، ومعلوم أن الجماع لابد أن يكون بين اثنين، فلم يذكر المرأة، ولم يقل: عليها كفارة كما على زوجها. والعلماء يقولون: إذا كانت مطاوعة فعليها كفارة كما على زوجها، وإذا كانت مكرهة - ملجأة- قد غصبها وألجأها، ولم يكن لها اختيار ولا قدرة على الامتناع فلا كفارة عليها سوى قضاء ذلك اليوم؛ لأن المكره معذور؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل:١٠٦] ، ولقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، فأما إذا كانت قد وافقت ورضيت بذلك فعليها كما على زوجها من الكفارة، هذا هو الذي عليه جماهير العلماء، وقالوا: إنه ﷺ سكت عن المرأة لمعرفته أنها فقيرة كما أن زوجها فقير، فإذا كان زوجها لم يجد ما يتصدق به فكيف بالمرأة تجد أو تستطيع؟! فسكت عنها لعذرها كعذر زوجها، أو أن في بيان الحكم لأحد الزوجين تنبيه على الزوج الثاني؛ فإنه إذا عرف أن على الزوج الذي هو أحد المجامعين كفارة فكذلك المرأة، فهذا جواب أهل الحديث عن تركه لذكر المرأة. وذهب آخرون إلى أنه ليس عليها شيء ما دام أنها لم تذكر في الحديث، فكأنهم يقولون: الكفارة الواحدة تكفيهما معاً. ولكن الصحيح أنه لابد لها من كفارة إذا كانت مختارة مطاوعة، أو كانت هي الطالبة أو نحو ذلك، فقد يكون هناك موانع منعت ذكر هذه المرأة، ولكن لا يساويها غيرها في تلك الموانع.

стр. 493

شرح عمدة الأحكام [٣١] الصيام عبادة عظيمة، وهي حق من حقوق الله تعالى على عباده، ويتعلق بها جملة من الأحكام الشرعية، ومن ذلك قضاؤها من قبل المكلف نفسه وزمنها الذي يعد تجاوزه تفريطاً، وكذلك قضاؤها عن الميت الذي وجبت في ذمته، كما يتعلق بها بيان الهدي النبوي في الإفطار والسحور، وكذلك حكم الوصال، وغير ذلك مما ينبغي على المسلم أن لا يجهله.

стр. 494

قضاء الصيام قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم في رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان) . وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) . وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) . وفي رواية: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك) ] . هذه الأحاديث تتعلق بقضاء الصوم، سواء الذي يصوم عن نفسه قضاءً أو الذي يصوم عن غيره، فالحديث الأول بتعلق بقضاء الإنسان ما أفطره من أيام رمضان، فالله تعالى أباح الفطر لعذر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فأخبر بأنه أباح لنا الفطر لمرض أو لسفر لأجل العسر الذي يكون في السفر، وأنه لا يريد العسر بعباده وإنما يريد اليسر، وهذه إرادة دينية شرعية. ولكن لابد من القضاء، فمن أكل في رمضان ثم زال عذره فلابد أن يبادر بالقضاء.

стр. 495

الفور والتراخي في قضاء الصوم وقد اختلف العلماء: هل قضاء رمضان على الفور أو على التراخي؟ والمعنى: هل يبادر حينما ينتهي عذره، فحينما يخرج رمضان ويزول عذره يبادر ويصوم، أو يجوز له التأخير ولو شهراً وشهرين وأشهراً حيث إن الوقت واسع؟ وعلى كل حال فالجمهور على أن له أن يؤخره إذا كان الوقت واسعاً مع تأكد المبادرة واستحباب الصيام بالسرعة، وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، ولأنه إذا تمادى وأفطر شهر شوال قرب عليه الصيام -مثلاً- في شهر ذي القعدة، ثم كذلك في شهر ذي الحجة، ثم يتهاون بالصيام وتتوالى عليه الأشهر حتى يصل إلى رمضان وهو مفرط، فربما لم يتمكن من إكمال ما صامه، فيأتيه رمضان الثاني وهو لم يصم، فيعد بذلك مفرطاً، وربما مات قبل أن يقضي ما عليه، فيكون -أيضاً- بذلك مفرطاً إذا مات وهو على هذا الإهمال. فلا جرم أنه يبادر، فيصوم أيامه التي عليه، هكذا ذكر العلماء لأجل المحافظة على أداء العمل في وقته، أو حين يتمكن مخافة العوارض. أما عائشة فلها عذر، حيث ذكرت أنها لا تتمكن من القضاء إلا في شعبان، تعني قرب رمضان، فيكون عليها القضاء فلا تتمكن منه إلا في شهر شعبان، وذكرت أن لها عذراً وهو الشغل برسول الله ﷺ ، وذلك لكثرة سفرها معه، فقد كان يسافر كثيراً في غزواته وفي سراياه، وتسافر معه غالباً، والسفر مظنة المشقة. وأيضاً قد تشتغل بحاجاتها الخاصة، وهذا الشغل يحول بينها وبين أن تصوم، وأيضاً قد تظن أن به حاجة إليها في نفسها كاستمتاع ونحوه، وذلك لا يمكنها من أن تصوم، فإذا ظنت أن به حاجة إليها أفطرت، وأيضاً قد تحتاج إلى استئذانه ولا تستطيع الاستئذان، فيكون لذلك لها عذر. ثم نقول: هذا -أيضاً- لم يكن مستمراً، بل يمكن أنه وقع منها سنة أو سنتين، أي: وجد العذر في سنة. ولكن الغالب أنها تصومه مبادرة بذلك، فتصومه حينما ينقضي عذرها، هذا هو الغالب عليها وعلى بقية أمهات المؤمنين وعلى الصحابة ﵃، فإذا كان عليهم أيام من رمضان صاموها مبادرة ولم يؤجلوها، هذا هو الأصل فيهم، وذلك لما عرف من حرصهم على أداء العبادة وعدم التفريط فيها مخافة أن يعرض ما يسبب أن بفرطوا، فلذلك يبادرون بالقضاء، فهذا هو المعتاد عندهم.

стр. 496

حكم تقديم صوم النفل على الفرض يستدل بهذا الحديث بعض الناس على أنه يجوز أن يصوم الإنسان نفلاً وعليه فرض، ويقول: عائشة لا تقضي أيامها إلا في شعبان، ولابد أنها تصوم النوافل، وتصوم -مثلاً- الست من شوال، وتصوم تسع ذي الحجة أو يوم عرفة، وتصوم -مثلاً- يوم عاشوراء أو تاسوعاء، فلابد أنها تتنفل في هذا العام، ومع ذلك يبقى عليها الفرض! والصحيح أنه لا يجوز أن يتنفل قبل أن يؤدي الفرض، فالذي عليه أيام من رمضان يقدمها، ويبدأ بها ولو كان حتى قبل الست من شوال، وحتى ولو فات شوال، فلو أن إنساناً أفطر رمضان كله ثم زال عذره في أول شوال نقول له: صم شهر شوال ما عدا يوم العيد، واجعله عن رمضان، وتسقط عنك الست من شوال، وإن صمتها بعد الانتهاء من أيامك التي عليك فلك الأجر، ولو من ذي القعدة، وذلك لأن هذا قدر ما تستطيعه. ومثله المرأة، فلو نفست في رمضان كله ونفست في عشرة أيام من شوال ولم تطهر إلا في العاشر من شهر شوال نقول: تصوم بقية شهر شوال عشرين يوماً، وتصوم عشرة أيام من ذي القعدة، ولها أن تصوم ستاً من ذي القعدة أيضاً بعد أن تفصل بين الفرض والنفل بفاصل. وأما كون الإنسان يكون عليه أيام من رمضان فيصوم الست قبلها، وهي باقية عليه، أو يصوم يوم عرفة وعليه قضاء، أو يصوم عاشوراء وعليه قضاء فهذا لا يصح، ولو صامها بدون أن ينوي أنها أيامه التي عليه فإن ذلك لا يجزيه، فلو أنه صام تسعة أيام من ذي الحجة وعليه تسعة أيام من رمضان، ونيته صيام هذه التسع لا القضاء فالصحيح أن أيامه باقية عليه وأن هذه بنيتها؛ لأنه نواها تطوعاً، فلا يسقط شيء من أيامها التي عليه. ومن العلماء من يقول: تنقلب إلى أيامه التي أفطر من رمضان. هكذا قالوا، واستدلوا بالحج، وهو أن من حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه انقلبت حجته عن نفسه؛ لقوله في الحديث: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) لذلك الذي كان يلبي عن شبرمة، فالحج صحيح، إلا أنه لا يصح أن يحج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، وذلك لأن العمل لغيره، فأما هذان العملان فهما له، فصيام النفل وصيام الفرض كلاهما عن نفسه، فالفرض آكد، والفرض لابد له من نية، والنفل يصح بنية من النهار. فبذلك نعرف أنه لا يتنفل حتى يقضي أيام فرضه، وإذا تنفل بدون نية الفرض وقعت عن النفل ولم تقع عن الفرض، فهذا مدلول هذا الحديث.

стр. 497

قضاء الصوم عن الميت ذكر المؤلف أحاديث في الصيام عن الميت، قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) . وهذا الحديث متفق عليه، ولمَّا رواه أبو داود صرفه إلى أنه في النذر خاصة، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، وقال: إن الولي لا يقضي عن الميت صيام الفرض، وإنما يقضي عنه صيام النفل. والمسألة فيها خلاف في قضاء الصوم عن الميت، فهل يقضى عنه كل الصيام الفرض والنذر، أو لا يقضى عنه إلا النذر فقط؟ فذهب الإمام أحمد إلى أن القضاء خاص بالنذر؛ لرواية في بعض الأحاديث كما سيأتي، وذكر أن هناك حديثاً بلفظ: (لا يصلِ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد) ، لكن هذا الحديث محمول على الأحياء، فلا يصوم أحد من الأحياء عن أحد، بمعنى أن تقول له: أفطر -يا أخي- وأنا أصوم عنك صيام الفرض -مثلاً- أو صيام القضاء أو: اترك الصلاة وأنا أصلي لك. أو: صلاتي لك. وذلك لأن هذه العبادات تعبد الله بها الإنسان نفسه، فهو مأمور بأن يفعل العبادة بنفسه، ولا يصح أن يوكل غيره في العبادات، والعبادات البدنية مقصود بها إظهار العبودية، فالصيام مقصود به التعبد لله بترك هذه الشهوات، والصلاة مقصود بها تعبد هذا البدن وهذا الجسد بالذل والخضوع لله بهذه الصلاة، فلا يصح أن يتعبد عنه غيره. لكن استثني من ذلك الميت لهذه الأحاديث، فهذا الحديث عام: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، فالصحيح أنه عام يدخل فيه الفرض والنفل، فالفرض مثاله إذا أفطر لمرض أو لسفر ثم تمادى بعد أن انتهى رمضان فلم يصم، ثم أتاه الأجل فمات، فإنه -والحال هذه- يصوم عنه وليه. وخص العلماء ذلك بما إذا كان متمكناً ولم يفعل، مثاله: إذا مرض في رمضان عشرة أيام، وبعدما خرج رمضان شفي وزال مرضه وصح جسمه وتمكن من الصيام واستطاع الصيام، ولكنه أفطر لا لعذر بل إهمالاً وتفريطاً، ثم بعد ذلك عاوده المرض ومات في ذلك المرض الثاني، فنقول: يصام عنه، وذلك لأنه فرط؛ حيث قدر على الصيام ولم يصم. أما إذا لم يفرط فلا، وصورة ذلك: إذا مرض في رمضان وأفطر لهذا المرض، واستمر به مرضه بعد رمضان شهراً أو شهرين أو أشهراً وهو على فراشه لا يستطيع أن يصوم لمرضه الشديد الذي لا يتمكن معه من الصيام، فنقول: إذا مات وهو على هذه الحال فلا قضاء عليه ولا كفارة ولا إطعام، ولا قضاء على وليه، وذلك لأنه لم يجب عليه، إنما يجب عليه إذا تمكن، وهذا لم يتمكن، بل بقي على حالته حتى أتاه أجله، فلا يعد مفرطاً ولا مهملاً. فعرفنا هنا الفرق بين من فرط ومن لم يفرط، فيقضى عن الذي فرط حيث تمكن ولم يفعل، ولا يقضى عن الذي لم يفرط بل استمر به المرض والعذر إلى أن مات، فهذا بالنسبة للقضاء. وهذا إذا جعلنا القضاء عامّاً عن الفرض والنفل، بمعنى أنه يصوم عنه وليه أيامه التي من رمضان، ويصوم عنه أيامه التي نذرها. أما النفل -الذي هو نفل مطلق- فالصحيح أنه يجوز أن يصوم يوماً أو أياماً ويهدي ثوابها لأبيه الميت، أو لأمه، أو لقريبه الميت، ويصل إليه الثواب إن شاء الله. وقد ذهب الإمام أحمد -كما عرفنا- إلى أن القضاء خاص بصيام النذر، وصورة ذلك أن يقول -مثلاً-: إن ولد لي ولد في هذا الشهر فلله عليه أن أصوم شهراً، أو أصوم عشرة أيام أو أسبوعاً. أو يقول: إن شفيت من هذا المرض فلله علي أن أصوم شهراً. أو يقول: إن شفي مريضي. أو: إن قدم غائبي سالماً. أو: إن قدمت تجارتي سالمة. أو: إن ربحت في هذه التجارة كذا وكذا فلله عليه أن أصوم كذاوكذا يوماً. فحصل الشخص، أو ربحت تجارته أو قدمت، أو شفي مريضه، أو شفي هو، أو نجح في أمره، أو حصل الذي شرط ولكنه مات قبل أن يصوم ففي هذه الحال يصوم عنه وليه كما يقضي عنه بقية النذور، فإذا نذر صدقة، أو نذر حجاً، أو نذر اعتكافاً أو نحو ذلك فإنه يقضيه عنه وليه، فكذلك الصيام إذا نذر الصوم ولم يصم حتى مات فإن عليه أن يصوم وليه. أما الفرض فعند الإمام أحمد أنه لا يقضيه، ولكن يتصدق عنه، فيخرج من تركته بقدر ما عليه من أيام رمضان عن كل يوم نصف صاع، فإذا كان عليه عشرة أيام تصدق من تركته بخمسة آصع من البر أو من الأرز عن كل يوم طعام مسكين، هكذا قال الإمام أحمد، فيقول: يطعم عن الفرض كرمضان، ويقضى النذر. وأما أكثر الأئمة فيقولون: لا فرق بينهما، بل يقضى الجميع، فالنذر والفرض كلاهما يقضى، يقضيه أحد أقاربه لهذا الحديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) .

стр. 498

كيفية الصيام عن الميت في كل ما يقضى عنه الولي هنا يدخل فيه كل الورثة، فيجوز أن يقتسم الورثة هذا الصوم، فإذا كان له خمسة أبناء وخمس بنات والأيام التي عليه عشرة فقالوا: نصوم نحن العشرة يوماً واحداً. فصاموا كلهم يوماً واحداً يكون بمنزلة صيام عشرة أيام، فيقضي ذلك عنه. ويجوز أن يختص به أحدهم، فإذا قالت -مثلاً- أمه: أتبرع بأن أصوم عنه أو قالت زوجته، أو أن أخته صامت عنه، وكذلك ابنه أو أبوه فيجوز أن يتولى ذلك واحد منهم. ويستثنى من ذلك الكفارة، فالصحيح أنه يجب فيها التتابع، وحينئذ يتولاها واحد، فإذا كان الميت عليه كفارة ككفارة القتل صيام شهرين متتابعين، أو كفارة الوطء في نهار رمضان صيام شهرين متتابعين، أو كفارة الظهار صيام شهرين متتابعين ففي هذه الحالة يتولاها واحد يقوم بالصيام لشهرين متتابعين؛ لأنا لو قلنا: يصوم عشرة -مثلاً- ستة أيام لم يكن في ذلك مشقة عليهم، والآية جاءت بلفظ التتابع، فلابد أن تكون الأيام متتابعة يوماً بعد يوم بعد يوم إلى أن يتم العدد. وهذا اختاره بعضهم، وهو الراجح، وإن كان هناك قول بالجواز.

стр. 499

حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وفي الأحاديث الأخرى حديث ابن عباس وحديث عائشة أن رجلاً وامرأة سألا النبي ﷺ ، فالرجل قال: إن أبي مات وعليه صوم. والمرأة قالت: إن أبي مات وعليه صوم. والرجل قال: صوم شهر. والمرأة قالت: صوم نذر. وكل منهما استأذن أن يقضي عن أبيه، فقال النبي ﷺ : (أفرأيتَ لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) ، فالله أحق أن يقضى دينه، فهذا الصوم دين لله شبهه النبي ﷺ بدين الآدمي، وهذا فيه -أيضاً- دليل على المبادرة بقضاء دين الآدمي، فإذا مات قريب لك وأنت الذي ترثه وكان عليه دين ولم يخلف تركة فإنك مطالب بذلك، مطالب بأن توفي عنه؛ لما في هذا الحديث: (أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) . ويقال كذلك في هذا الصوم، شبهه النبي ﷺ بالدين، لكن معروف أن الدين يكون في التركة، ويقدم على الإرث وعلى الوصايا وعلى الحقوق كلها؛ لأن الميت قد استوفى حقوق الناس في حياته، فيعطون دينهم ويوفون حقهم من تركته. أما إذا لم يكن له تركة فإن وفاء الدين على ورثته الذين لو كان فقيراً للزمتهم نفقته، فكذلك يوفون دينه، وذلك لأنهم أقرب له، فأولاده -مثلاً- يقومون بنفقته إذا احتاج، فيوفون دينه إذا كان عليه دين وهم ذو سعة وذو مقدرة، وكذلك أبواه، فإذا كان لا مال له كلف الأب أو الأم بالوفاء عنه كما يكلفان بالنفقة عليه في حياته، وهكذا -أيضاً- الإخوة والأخوات والأعمام ونحوهم، يكلفون بأن يقضوا الدين كما أنهم يكلفون بالنفقة، وكما أنه لو خلف مالاً لورثوه فكذلك يوفون ما عليه من الحقوق. فالنبي ﷺ جعل الدين في ذمة الميت، وجعل هذا الصيام من جملة الدين أو شبيهاً بالدين، فكما يوفى الدين فكذلك توفى هذه الحقوق التي هي لله، وقال: (فدين الله أحق أن يقضى) .

стр. 500

تابع أحكام الصيام قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى) رواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ﵃. ولـ مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالصيام، كان النبي ﷺ يرغب في الصيام ويحببه إلى العباد، ويخبرهم بأنه من أحب الأعمال إلى الله تعالى، بل ورد ما يدل على أن الله تعالى اختاره لنفسه، ففي الحديث قوله ﷺ : (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) ، فلما أخبر بأن الله اصطفى الصيام كان يرغب فيه ويخبرهم بالأشياء التي تحبب الصيام إليهم، فمن ذلك تأخير السحور وتعجيل الفطر حتى لا يكلف؛ لأنهم إذا أخروا الفطور صعب عليهم، حيث يمسكون جزءاً من الليل، وكذلك إذا عجلوا السحور فتسحروا قبل الفجر بساعة أو بساعات زادت مدة الإمساك، فبدل أن يمسكوا النهار أمسكوا النهار وأمسكوا جزءاً من الليل، وكذلك إذا وصلوا الليل بالنهار فأمسكوا النهار كله والليل كله كان في ذلك -أيضاً- تنفير لهم عن الصيام وتثقيل له عليهم، فلا جرم حبب إليهم الأشياء التي يكون الصيام بها خفيفاً عليهم ومحبوباً عندهم بحيث تألفه نفوسهم، وبحيث تطمئن إلى محبته ولا يستثقلونه.

стр. 501

هدي النبي ﷺ في وقت الفطور والسحور قوله ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) الخير الذي وصفهم به هو أنهم يحبون هذا العمل الذي هو الصيام، وأنهم يسيرون على النهج القويم، وأنهم يتمسكون بالسنة، وأنهم يؤدون العمل الذي أمروا به، ولا شك أن العمل الذي أمروا به هو الإمساك -إمساك النهار-، والله تعالى قد حدد النهار، وحدد وقت الإفطار في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فجعل الإمساك يبدأ من تبين الخيطين، والخيطان هما الليل والنهار، يعني: إذا تبين الخيط الأبيض الذي بدأ وهو ضياء الصبح والخيط الأسود انفصل -وهو سواد الليل- كان هذا وقت الإمساك. كذلك -أيضاً- أمر بالإمساك إلى الليل فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فالليل يبدأ بغروب الشمس كما حدده النبي ﷺ ، فما دام الأمر كذلك فإن الذي يتمسك بالسنة ويؤديها هو الذي لا يزال بخير، والسنة هنا هي إمساك هذا الزمن الذي حدده الله تعالى، فيقول: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) . وقد ورد -أيضاً- الترغيب في تعجيل الفجر، فثبت في بعض الأحاديث أن اليهود لا يفطرون حتى تشتبك النجوم، فأمرنا بمخالفتهم، وثبت -أيضاً- أنهم لا يتسحرون، فقال النبي ﷺ : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) أي: هي الفارقة بين صيامنا الذي هو صيام الإسلام وصيامهم الذي هو صيام اليهودية أكلة السحر فهي الفاصلة بيننا وبينهم.

стр. 502

وقت الإفطار، وهل هو أمر أو حكم ؟ في حديث عمر قوله ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم) حدد بهذا وقت الإفطار، وهو إقبال الليل من جهة المشرق وإقبال النهار من جهة المغرب وغروب الشمس. وإذا نظرت بعدما تغيب الشمس وجدت سواداً في جهة الشرق، فهذا هو الليل إذا أقبل، وكذلك تنظر بعد غروب الشمس إلى بياض النهار قد انعزل وتبع الشمس، فهذا هو إدبار النهار من جهة الغروب، ولا يكون ذلك إلا بغروب الشمس، فإذا تم غروب الشمس عند ذلك يبدأ طلوع الليل وبدوه وإقباله من جهة الشرق، فذلك وقت الإفطار. واختلف في معنى قوله: (فقد أفطر الصائم) فقيل: معناه: فليفطر. أي: إذا أقبل الليل وأدبر النهار فأفطروا فهذا وقت الإفطار. وقيل: معناه: فقد أفطر حكماً وإن لم يتناول مفطراً. أي: أصبح في حكم المفطر وإن لم يأكل شيئاً، وعلى هذا فيكون الذي يواصل أو يستمر في عدم الأكل لا يثاب على استمراره، ولا يعد هذا من الصيام، وذلك لأن الليل ليس من الصيام، فالليل ليس زمناً للصيام، فالصيام زمنه هو النهار. وقد ذكرنا الحكمة، وهي أنه متى قل الزمن كان الصيام محبوباً عند النفس وغير شاق عليها، فإذا قل الزمن الذي بين الإمساك وبين الإفطار صار هذا الزمن زمناً معتاداً ليس فيه ثقل وليس فيه مشقة، فيتمكن المسلم المعتاد أن يمسكه ولا يتضرر، ويقدر بخمس عشرة ساعة أكثر ما يكون أو مع زيادة قليلة، وقد ينقص إلى أن يكون زمن الإمساك اثنتي عشرة ساعة أو نحو ذلك، وهذا لا مشقة فيه. وإذا وجد في بعض البلاد مشقة ففيهم احتمال لذلك، فقد يوجد في بعض البلاد أن يطول النهار فيها، فيكون النهار في ثماني عشرة ساعة أو سبع عشرة ساعة، وقد يصل إلى تسع عشرة وإلى عشرين ساعة، ولكن الغالب أنه يكون بارداً، فالزمن زمن برودة، ولا يجتمع -غالباً- طول نهار مع حر، بل يكون الوقت فيه برودة وسهولة فيسهل الصوم، والله تعالى لا يكلف العباد إلا بما يطيقونه، ولكن لو قدر في تلك البلاد أنهم لا يطيقون لطول النهار وكذلك لصعوبته ولكونه شديد الحر جاز لهم أن يفطروا ثم يقضوه إذا قصر النهار، وذلك لأنه يطول في زمان ويقصر في زمان كما يكون عندنا، ففي الصيف يكون النهار خمس عشرة ساعة أو أكثر، وفي الشتاء يكون النهار نحو ثلاث عشرة أو اثنتا عشرة ساعة، فكذلك عندهم، فإذا وصل في الصيف إلى عشرين ساعة فينقص في الشتاء إلى اثنتي عشرة ساعة أو ثلاث عشرة ساعة أو نحو ذلك، وهو محتمل، فأباح بعض العلماء أن يفطروا في رمضان لأجل طول النهار وعدم احتماله، ثم إنهم يصومون إذا أطاقوا الصيام في أثناء السنة ولا حرج عليهم. ومثلوا لذلك بمن سافر في رمضان والزمن شديد الحر وأفطر، ثم صامه في الشتاء والزمن قصير النهار وفيه برودة، ولا إثم في ذلك ولا حرج إن شاء الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .

стр. 503

الوصال وحكمه حديث النهي عن الوصال رواه جماعة من الصحابة كما ذكر المصنف، رواه عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وعائشة، رووا أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، فقال الصحابة: (إنك تواصل يا رسول الله! قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى) ، وفي رواية: (إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) . والوصال: صلة الليل بالنهار، وهو ألا يفطر بينهما، وربما واصل يومين وليلة، فيتسحر فيأتي الإفطار فلا يفطر، ويستمر في عدم الأكل إلى السحر، أو يفطر ثم يتوقف عن الأكل ولا يستحر، وينوي الصيام من المغرب إلى المغرب من اليوم الثاني، أو ينوي الصيام من الفجر إلى الفجر الثاني، أو يمسك ستاً وثلاثين ساعة، أي: يومين وليلة فهذا هو الوصال. ولا شك أن فيه مشقة، وذلك لأن نفس الإنسان ضعيفة لا تعيش عيشة تامة إلا على ميل إلى شهواتها، ولا شك أن من أعظم ما تعيش به وتبقى به هذه النفس هو الأكل والشرب الذي به حياتها وبه بقاؤها، وقد جعلهما الله تعالى غذاءً لهذه النفس وسبباً في حياتها، وأمراً ظاهراً في بقائها وفي قوتها، فإذا ترك الإنسان الأكل والشراب هذه المدة أجهد نفسه وأضرها، وربما أدى به ذلك إلى أن يضعف عن الواجبات، وربما أدى به إلى المرض أو إلى الموت إذا واصل أياماً طويلة، وربما أدى به إلى كراهة الصيام إذا واصل هذه الساعات ستاً وثلاثين ساعة أو أكثر وهو لا يأكل ولا يشرب، فلا شك أنه يجهده ذلك أو يمرضه، فلذلك نهى عن الوصال، وأمرنا بأن نفطر عند وقت الإفطار ونتسحر عند وقت السحور، ونستعين بهذه الأكلات وهذه الوجبات على الأعمال الصالحة. فالعبد إذا نوى بأكله التقوي على الطاعة، والتقوي على العبادة كان ذلك مثاباً عليه، وإذا نوى بشربه التقوي على طاعة الله حتى لا يضعف بدنه عن صلاته ولا عن قيامه ولا عن عبادته ولا عن جهاده ولا عن كسبه لأهله ونحو ذلك، فنوى بذلك هذه الأشياء أثيب عليه، أما إذا زهد في الطيبات وأضعف نفسه وأهلكها فيوشك أن يمل من العبادة وأن يضعف جهده ويضعف جلده، فيؤدي به ذلك إلى أن يبغض العبادة ولا يعود إليها. وعلى كل حال ففي هذا الحديث أن الصحابة قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل! ويظهر أنهم رأوه لا يفطر إذا أفطروا، فرأوا أنه يواصل الليل بالنهار، أو يصل النهار بجزء من الليل، فأخبر بأنه يطعمه الله ويسقيه، فقال: (إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) ، واختلف في هذا الإطعام والسقي، فقيل: إنه حقيقي، فيؤتى من الجنة بطعام وشراب لا يطلع عليه الناس. وهناك قول آخر، وهو أن الإطعام والسقي الذي ذكر ليس طعاماً حقيقياً، وإنما هو ما يفتح الله على قلبه من الإلهامات، وما يتوارد عليه من الأذكار والفتوحات، فتقوم مقام الطعام والشراب، ويعبر عن ذلك بعضهم بأن هذه قوى معنوية يمده الله بها من آثار ذكره، ومن آثار شكره، ومن آثار عبادته، فيقويه الله حتى يكون ذلك قائماً مقام الزاد ومقام الأكل والشرب، وفي ذلك يقول بعضهم: لها أحاديث ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد وهذا هو المعنى الصحيح، أي أنه لم يكن أكلاً وشرباً حقيقياً، وإنما هو فتوحات وإلهامات تفيض على روحه من ربه فتقوم مقام الطعام والشراب. وعلى كل حال فقد نهاهم عن الوصال، وأخبر بأنه ليس كمثلهم، فليس لهم من الإلهامات والفيوض التي يفتحها الله عليه ما له، فعليهم أن يستعينوا بالأكل والشرب على ما أمروا به. وفي بعض الروايات أنهم لما رأوه يواصل استمروا في الوصال، يقول الراوي: (فواصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، وقال: لو تأخر لزدتكم. كالمنكل لهم لما أبوا أن ينتهوا) . وقد ورد في بعض الروايات -كما ذكر المصنف- قوله ﷺ : (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر) ، وفي بعض الروايات: (أنه ﷺ إذا دخل العشر كان يجعل عشاءه سحوراً) ، فكان يتناول فطوراً يسيراً، فيفطر على تمرات أو على رطبات أو على جرعات من ماء، ثم يؤخر العشاء فيجعله سحوراً ليكون أخف له عند قيامه من الليل، فمن أراد أن يقتدي به تناول إفطاراً خفيفاً. وأخر العشاء إلى الليل ليكون أقوى له على القيام، ومن رأى أن نفسه لا تصبر على ذلك فله أن يتزود من الأكل بما يكون له متاعاً. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 504

شرح عمدة الأحكام [٣٢] الصوم من أعمال البر الفاضلة، وقد أوجب الشرع صيام شهر رمضان ورغب فيما عدا ذلك من الأيام، وجعل المراوحة بين الصوم والفطر من أفضل ما يتقرب به من أراد الصيام تخفيفاً على النفس ودفعاً لها إلى محبة الطاعة، كما نهى الشرع مع ذلك عن صيام بعض الأيام.

стр. 505

أعمال من الخير فاضلة قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب أفضل الصيام وغيره. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (أخبر النبي ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت. فقال النبي ﷺ : أنت الذي قلت ذلك؟ فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر. قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوماً وأفطر يومين. قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام. قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك. فقال: لا أفضل من ذلك) ، وفي رواية قال: (لا صوم فوق صوم أخي داود ﵇، شطر الدهر صم يوماً وأفطر يوماً) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحب الصيام إلى الله صيام داود ﵇، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام ثلثه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) ] . هذه الأحاديث تتعلق بصيام التطوع، فالله تعالى فرض جنس الصيام وهو شهر رمضان فرضه وألزم به، وجعله ركناً من أركان الإسلام، ورغب النبي ﷺ في التطوع في جنس الصيام زائداً عن الفرض، وفعل جنس ذلك، فثبت عنه أنه كان يسرد الصيام أحياناً حتى يقولوا: لا يفطر. ويسرد الفطر أحياناً حتى يقولوا: لا يصوم. ولكنه لم يستكمل صيام شهر بأكمله إلا شهر رمضان، وغالباً كان يصوم من كل شهر أياماً، وقد حث ورغب على جنس الصيام، فرغب في صيام ستة أيام من شهر شوال، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) ، ورغب في صيام أيام عشر ذي الحجة ما عدا العاشر وهو يوم العيد، وأخبر في بعض الروايات بفضل صيامهن، وبالأخص صيام يوم عرفة كما تقدم، وكذلك رغب في صيام يوم عاشوراء، وهكذا في التنفل المطلق، ورغب في صيام كل اثنين وكل خميس، وأخبر بأن الأعمال تعرض فيهما على الله، يقول: (فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) . ورغب في صيام أيام البيض التي هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، ورغب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو موضوع هذه الأحاديث. وقد أوصى بذلك بعض أصحابه، فأوصى أبا هريرة، وأوصى أبا ذر، أوصى كلاً منهما بثلاث، يقول: (أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) ، فأما الوتر قبل النوم فجعله من باب الاحتياط، وقيل: إن أبا هريرة كان يدرس الحديث في أول الليل، فلا يتمكن من القيام في آخر الليل، فكان يصلي أول الليل، ويوتر قبل أن ينام، لكنه بعد ذلك كان يقوم أكثر الليل أو ثلث الليل. وأما ركعتا الضحى فالمراد أن يصلي في الضحى ركعتين نفلاً، وإن زاد فله أجر. أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فقد أوصاه بذلك، وأصى به -أيضاً- عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان عبد الله في أول شبابه من العباد المبالغين في العبادة، فالتزم أن يصوم النهار وأن يقوم الليل، أن يصوم الدهر كله ولا يفطر أبداً، وأن يقوم الليل كله ولا ينام أبداً، فالتزم بذلك حتى إنه لما تزوج لم يتفرغ لزوجته، فشكاه أبوه إلى النبي ﷺ ، فلما حضر عنده قال له: (إن لنفسك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) ، وذلك حين التزم بهذا الأمر الذي فيه مشقه، وهو صيام النهار كله وقطع نفسه عن الشهوات وقيام الليل كله وعدم التفرغ لأية شهوة من الشهوات المباحة، حتى إنه كان يقرأ القرآن كله في كل ليلة، فقال له: (كم تصوم؟ قال: كل يوم. فقال: كم تختم؟ قال: كل ليلة) يعني أنه يختم القرآن في كل ليلة ويصوم النهار، فعند ذلك أخبره بأنه إذا فعل ذلك كلف نفسه وشق على نفسه في الصيام، فأنزله إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأمره أولاً بأن يقتصر على ثلاثة أيام من كل شهر، يقول: قلت: إني أطيق أفضل أو أكثر من ذلك. فعند ذلك نقله إلى أن يصوم ثلث الدهر، فيفطر يومين ويصوم يوماً، ولكنه لم يقتنع، وطلب أن يزداد في الصيام، وقال: إني أطيق أفضل من ذلك أو أكثر من ذلك. فرفعه إلى أن يصوم النصف، أن يصوم نصف الدهر، فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ولكنه -أيضاً- لم يقتنع، بل طلب الزيادة، وتمنى أن يصوم أكثر الدهر، لكن النبي ﷺ قصره على ذلك ولم يرخص له في الزيادة على نصف الدهر، فيصوم صوم داود، يصوم يوماً ويفطر يوماً، فالتزم بذلك. وأمره في القيام أن يقوم ثلث الليل، والثلث كثير، وأمره بأن يقرأ في كل ليلة سُبع القرآن، فيختم في كل سبع ليال، والتزم. ولكنه أسف بعد ذلك، فلما طالت به الحياة ثقل عليه هذا الصوم الذي هو الاستمرار في أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وثقل عليه ذلك، وتمنى أن يكون قبل الرخصة، وتمنى أن يكون قبل صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولكن لم يترك ما التزمه في عهد النبي ﷺ ، وكره أن يترك شيئاً فارق عليه النبي ﷺ ، فكان أحياناً إذا أراد أن يريح نفسه أفطر أياماً وأحصاهن، فيفطر -مثلاً- عشرة أيام متوالية ليريح نفسه، ثم يصوم بعددهن عشرة أيام متوالية كراهية أن يترك شيئاً فارق عليه النبي ﷺ ، أما القيام فكان إذا أراد أن يخف عليه القرآن عرضه على بعض أهله نهاراً، فيقرأ السبع في النهار، فيقرأ -مثلاً- في الليلة الأولى البقرة وآل عمران والنساء، ثم قبل أن يأتي الليل يعرضها، فيقرأها على بعضهم حتى تخف عليه في الليل، وهكذا التزم. فالتزم بذلك إلى أن توفي وهو على ذلك، ولم يخل بما فارق عليه النبي ﷺ . وقد أخبر النبي ﷺ أن هذا صوم داود، وأن أفضل القيام قيام داود، وقد كان داود يصوم يوماً ويفطر يوماً، وداود ﵇ نبي من أنبياء الله قد آتاه الله الملك والحكمة كما أخبر بذلك في قوله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١] . وكذلك قد فضله بفضائل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:١٧-٢٠] فكان من الشاكرين امتثالاً لقول الله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] . فالتزم داود أن لا يمر على أهله وقت إلا وفيهم مصل أو تال أو عابد بأية عبادة حتى يكونوا شاكرين لما أعطاهم الله تعالى، فالتزم داود هذا الوصف، أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، أما في القيام فالتزم أن ينام النصف الأول من الليل، ثم يقوم ثلث الليل -وثلث الليل بعد النصف-، ثم يريح نفسه سدس الليل الأخير الذي قبيل الفجر، فيكون قيامه الثلث الذي في وسط الليل الذي يبدأ من نصف الليل الثاني، هكذا كان قيام داود، وهكذا كان صيامه. وعلى كل حال فمن قدر على هذا الذي هو صوم داود صامه وله أجر، ومن اقتصر على أن يصوم أيام البيض فله ما نواه وله أجره، ومن زاد على ذلك فله أجره، ومن صام كل إثنين وكل خميس لما ذكرنا من أن الأعمال ترفع فيهما فإن له أجره، ومن اقتصر على صيام أيام البيض أو ثلاثة أيام من كل شهر فله أجره. وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويستمر على ذلك، ولكنه يصومها من أول الشهر، ولا ينتظر أيام البيض، فقيل له: لماذا لا تؤخرها إلى أيام البيض؟ فقال: وما يدريني أني أعيش إلى البيض. يقول: ربما أموت قبل أيام البيض، أو ربما يشغلني شاغل. فكان يقدمها. وعلى كل حال فمن أراد أن يتطوع بهذه الأيام فيصوم ثلاثة أيام من كل شهر جاز أن يصومها ثلاثة من أول الشهر، وجاز من وسطه، وجاز من آخره، وجاز أن تكون متوالية وأن تكون متفرقة، فيصوم من أوله يوماً ومن وسطه يوماً ومن آخره يوماً، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً إلى أن يتم الثلاثة، والكل جائز، ويصدق عليه أنه صام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي عشر الشهر، وقد بين النبي ﵇ أن الحكمة فيها أن الحسنة بعشر أمثالها، وحينئذ كأنه صام الشهر كله، فإذا صام ثلاثة أيام فكأنها ثلاثون يوماً -أي: كأنها الشهر-، ثم يصوم من الشهر الثاني ثلاثة أيام فكأنه صام الثلاثين يوماً، فيصبح كأنه قد صام الدهر، مع أنه لم يصم إلا عُشر الدهر، ولكن الله تعالى يضاعف لمن يشاء.

стр. 506

صيام الدهر الممنوع منه والجائز أما صيام الدهر فقد ورد النهي عنه، ففي بعض الأحاديث أنه ﵊ قال: (لا صام من صام الدهر) ، وفي رواية: (لا صام من صام الدهر ولا أفطر) يعني أنه أشغل نفسه وأتعب نفسه، فلا صام صياماً يحصل له به الامتثال، ولا أفطر. ومع ذلك فقد نُقل عن كثير من السلف أنهم يسردون الصيام، ولا يفطرون إلا يوم العيد أو أيام التشريق، ولا يفطرون إلا الأيام التي نهي عنها، فيسرد أحدهم الصوم، ومع ذلك يخفي نفسه ويخفي حالته، فلا يشعر به أحد حتى أهله، فكان بعضهم إذا أصبح أخذ رغيفين من خبز أهله وخرج بهما، فيظن أهله أنه أكلهما، ويظن أهل السوق أنه قد أكل في بيته، فإذا دخل السوق تصدق بهما على المساكين، فيتم صيامه ولا يشعر به أحد. وعلى كل حال فهذا من باب الاجتهاد، وإن كان فيه شيء من التشديد على النفس، وفيه شيء من الضيق والضرر على النفس، وأما صيام يوم وإفطار يوم فإن فيه راحة النفس في نصف الأيام، وفيه تعويدها على هذا الصبر الذي هو صيام هذه الأيام الكثيرة، وفيه الاقتداء بنبي من أنبياء الله تعالى.

стр. 507

أيام منهي عن صيامها

стр. 508

صوم يوم الجمعة منفرداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن محمد بن عباد بن جعفر قال: (سألت جابر بن عبد الله: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. وزاد مسلم: ورب الكعبة) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده) . وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر -واسمه سعد بن عبيد - قال: (شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر الذي تأكلون فيه من نسككم) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: النحر والفطر، وعن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر) أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) ] . هذه أحاديث تتعلق بصيام التطوع، أي: ما يصح صومه وما لا يجوز صومه، فالحديثان الأولان في حكم صوم يوم الجمعة، وقد يجب صوم يوم الجمعة كما إذا كان في أيام رمضان، ففي شهر رمضان تقع عدة أيام جمعاً أربع أو خمس جمع، ويصومها المسلمون ولا يفطرونها، وذلك لأنها في وسط الشهر الذي أمروا بصيامه، وكذلك إذا كان الإنسان يسرد الصوم، فإنه إذا مر به يوم الجمعة في أثناء صيامه فإنه يصومه، وكذلك إذا كان يخصه أو ناسب له لموجب أو لسبب فإنه يصومه. مثاله: إذا كان الإنسان يصوم يوماً ويفطر يوماً كصوم داود، ووافق أنه أفطر يوم الخميس وصام يوم الجمعة، وأفطر يوم السبت وصام يوم الأحد، وأفطر يوم الإثنين وصام يوم الثلاثاء، وهكذا، ففي هذا يكون قد صام يوم الجمعة مع فطره لليومين الذي قبله والذي بعده، ولكن قصد بذلك أن يتبع، فيصوم يوماً ويفطر يوماً. أما صومه المنهي عنه في هذه الأحاديث في قول جابر: (إي ورب الكعبة) فيعني: نهى عن صوم الجمعة ورب الكعبة. أي: أقسم بذلك، وهو أنه نهى عن صوم يوم الجمعة. وفي الحديث الثاني أنه رخص فيه إذا ضم إليه يوماً، فإذا صام معه يوماً قبله أو يوماً بعده فإن ذلك يجوز الصيام ويزيل المحذور، وفي بعض الروايات: أن النبي ﷺ دخل على إحدى أمهات المؤمنين وهي صائمة يوم الجمعة -أو على إحدى بناته- فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا. قال: أتصومين غداً -يعني يوم السبت- قالت: لا. قال: فأفطري، فنهاها عن إفراد يوم الجمعة، فدل على أن النهي يختص بتخصيص يوم الجمعة بدون أن يصوم معه يوماً قبله أو يوماً بعده، فيزول المحذور إذا صام يوم الخميس والجمعة، أو صام يوم الجمعة والسبت. فهذا وجه النهي، وسببه أن يوم الجمعة عيد الأسبوع، فتخصيصه بالصيام ليس له مزية، والأعياد الأصل أنها أيام إفطار، فعيد الأسبوع هو يوم الجمعة، ولعل النهي -أيضاً- لئلا يعتقد أن له مزية لأنه يوم الأعمال أو يوم الراحة أو نحو ذلك، ومن المعلوم أن عيد الأسبوع للنصارى يوم الأحد، وعيد الأسبوع لليهود يوم السبت، وعيد الأسبوع لهذه الأمة يوم الجمعة، فلأجل ذلك نهي عن إفراده بالصوم.

стр. 509

صوم يومي العيدين أما الحديث الذي بعده فهو في النهي عن صوم يومي العيدين: يوم عيد الفطر وهو أول يوم من شوال، ويوم عيد النحر وهو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة كما هو معروف. وصوم هذين اليومين حرام، ووردت أدلة تدل على التحريم، وعلل النهي عن صوم يوم النحر بأنه اليوم الذي يُذبح فيه النسك، فيقول: (تأكلون فيه من نسككم) ، فالحجاج يذبحون فيه قربانهم وفديتهم، وغير الحجاج يذبحون فيه أضاحيهم، وكلها مناسك ونسك يذبحونها، فمن آثار ذلك أن لا يصوموا، وأن يأكلوا من ذبائحهم ومن الطعام الذي أحله الله لهم وأمرهم بالأكل منها في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] ، ولو صاموا لما أكلوا منها أكلاً مطلقاً، وإن كانوا قد يأكلون إذا أفطروا ليلاً، ولكن الأكل المعتاد هو الأكل منها حينما تذبح نهاراً، وبذلك تعرف حكمة الله. وكذلك -أيضاً- لا شك أنه يوم فرح، فيوم العيد -عيد الأضحى- يوم فرح، وذلك لأن الحجاج يفرحون بإتمام نسكهم، وغير الحجاج يفرحون بإتمام أعمالهم حيث عملوا فيها من الأعمال ما يرجون ثوابه، فصاموا في تلك الأيام وتصدقوا، وكذلك ذكروا الله وكبروه وعبدوه، فكان عليهم أن يشكروا نعمة الله، وأن يفرحوا بما أعطاهم الله تعالى وبما أباح لهم، ويوم الفرح هو اليوم الذي تسر فيه النفوس، فلا يناسب أن يصوموه. وأيضاً فإن هذا اليوم مع الأيام التي بعده -وهي أيام التشريق- كلها أيام ذبح، ولو صاموا لشق عليهم الصوم مع الاشتغال بذبح القربان وبالتصدق به وما أشبه ذلك، ولو صامه الحجاج لشقت عليهم الأعمال التي يعملونها، فإنهم في يوم العيد يذبحون، وكذلك يرمون ويحلقون ويطوفون ويسعون، فيتكلفون تكلفاً، والصيام قد يتعبهم، فنهوا عن الصيام حتى ولو كانوا من أهل مكة، وكذلك تبعهم غيرهم من أهل القرى في أنهم لا يشرع لهم الصيام في هذه الأيام.

стр. 510

صوم أيام التشريق أما أيام التشريق الثلاثة التي بعد العيد -وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة- فهذه -أيضاً- لا يجوز صومها، وهي أيام أكل وشرب، وتسمى أيام منى، وثبت أنه ﷺ قال: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ، والأكل والشرب ينافي أن يكون هناك صيام؛ لأنه يقلل من التمتع بنعم الله تعالى وبرزقه، فناسب أن الحجاج وكذلك غيرهم من المقيمين يفطرون في أيام التشريق، ولأنهم في تلك الأيام غالباً يذبحون، ولا يزال عندهم بقية من لحوم الأضاحي، فناسب أنهم يأكلون منها ولا يصومون. أما يوم عرفة فقد تقدم أنه اليوم الذي فضله كبير، وأن صيامه عظيم وأجره كبير، إلا للحجاج، فالحجاج يفطرون يوم عرفة، وورد النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، وورد الأمر بصوم عرفة لغير الحجاج، فيعتبر يوم عرفة للحجاج من أيام الأعياد، وفي حديث أنه ﷺ قال: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) . أما عيد الفطر -وهو اليوم الأول من شهر شوال- فإنه يحرم أيضاً صومه؛ لكثرة الأحاديث التي تنهى عن صيامه، والحكمة فيه أنه يوم فرح. وبأي شيء هذا الفرح؟ إن الفرح المذكور بإكمال الصيام، فالله تعالى إذا وفق العباد فأكملوا صيام شهرهم وقضوه وأتموه، وأتموا هذا الشهر بكماله قياماً وصياماً وقراءة وعبادة، وانتهى هذا الشهر ناسب أن يظهروا الفرح بهذه الأعمال، فجعل لهم يوم عيد بعد هذا الشهر مباشرة، فاليوم الذي يلي رمضان جعل يوم عيد يظهرون فيه سرورهم وابتهاجهم، ولا يجوز لهم -والحال هذه- أن يصوموا. وأيضاً فأمرهم بالفطر ليحصل الفصل بين رمضان وغيره، ليحصل أنهم أفطروا اليوم الذي يلي رمضان، فيتميز رمضان عن غيره كما أمروا أن يميزوا أوله. وبذلك عرف أن صيام هذين اليومين -يوم الفطر ويوم النحر- ممنوع ومحرم لهذه الحكم. وفي هذا الحديث النهي عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى، والنهي عن صلاتين: صلاة بعد العصر وصلاة بعد الفجر، أي: في أوقات النهي، وقد تقدم الكلام عليها في الصلاة. وكذلك النهي عن لبستين: عن اشتمال الصماء وعن الاحتباء، وهو أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وهذه تتعلق باللباس. واشتمال الصماء: هو لبسه للثوب الذي ليس له منافذ، أن يلف على بدنه رداءً -مثلاً- أو كساءً ولا يجعل ليديه مخرجاً يخرجهما منه، فيكون كأنه أصم، فكأن هذا الثوب أصم، والصمم هو انسداد الأذنين، فكذلك اشتمال الصماء هو الالتفاف بالثوب الذي ليس له منافذ، ولعل الحكمة فيه أنه ربما يحتاج إلى إخراج يده، فإذا أخرج يده من تحت الثوب الذي ليس عليه غيره بدت عورته أو نحو ذلك، أو مس عورته، أو أنه قد يحتاج إلى عمل بيديه ولا يستطيع العمل بهما ما دام قد التف بهذا الثوب، فهذا اشتمال الصماء. وأما الاحتباء فهو أن يجلس الإنسان على إليتيه وينصب قدميه ويرفع ركبتيه، ويلف على ظهره وعلى ساقيه ثوباً ليس بين عورته وبين الأرض شيئاً، فيحتبي في هذا الثوب وهو جالس. والحكمة في النهي أنه ربما يقوم فتبدو عورته، وربما يميل يمنة أو يسرة فتبدو عورته، والإنسان مأمور بأن يحفظ عورته ويسترها عن الناس؛ لأنها كاسمها عورة وسوءة، وقد جعل الله عقوبة آدم وحواء لما أكلا من الشجرة أن بدت لهما سوءاتهما، أي: عوراتهما. فالإنسان يحافظ على ستر ما يعيبه أو ينشر له سمعة سيئة.

стр. 511

فضل الصيام في سبيل الله تعالى بقي الحديث الأخير الذي يقول فيه ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) ، وهو حديث صحيح، وفيه فضل الصوم في سبيل الله، قيل: المراد الصوم وهو غازٍ، فأكثر ما يطلق سبيل الله على الغزو، فعندما يذكر الله هذا الاسم ينصرف إلى الغزاة، ففي قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٩] أي: في الغزو. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة:٢٠] وما أشبه ذلك، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥] ، فسبيل الله المراد به الغزو. ومعلوم أن الغزو غالباً يكون في سفر، والغازي يحتاج إلى سفر وأن يقطع مسافة قد تستغرق سنة، وقد تستغرق شهراً، وقد تستغرق أياماً في هذا الغزو، ومع ذلك فالسفر مظنة المشقة، ومع ذلك رغب في الصوم فيه، ووردت أدلة في النهي عن السفر مع المشقة، كقوله: (ليس من البر الصوم في السفر) كما تقدم، ولكن إذا لم يكن هناك مشقة، أو كان الإنسان لا يعوقه الصوم وصام في هذا الغزو حصل على أجر وظفر بمضاعفة الثواب، فلأجل ذلك جعل الله الصوم في سبيل الله سبباً لإبعاده عن جهنم، قال ﷺ : (بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) . وهناك قول أن المراد بقوله: (من صام يوماً في سبيل الله) أن المراد بسبيل الله ليس هو الغزو، وإنما المراد سبيل الله الذي هو الطريق الموصل إلى الله، يقولون: كل شيء يوصل إلى الله فإنه من سبيل الله. فلذلك يقولون: صلى في سبيل الله. تصدق في سبيل الله، صام في سبيل الله. حج في سبيل الله. وروي أن رجلاً سبل بعيراً له في سبيل الله، فقال النبي ﷺ : (الحج من سبيل الله) يعني: أعطه من يحج عليه، وكأنه في سبيل الله في الغزو، فدل على أن سبيل الله هو كل عمل يبتغى به وجه الله، فمعناه: أن من صام يوماً ابتغاء وجه الله، وطلباً لما يوصل إلى الله فإنه يستحق هذا الثواب، وهو أنه يبعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً، وذلك فضل كبير! فيدل على فضل صوم التطوع، وأن الإنسان إذا صام تقرباً إلى الله تعالى وأكثر من الصوم، فكل يوم يصومه له هذا الأجر؛ ولذلك كان النبي ﷺ أحياناً يكثر الصوم، فيسرد الصوم حتى يقال: لا يفطر، وأحياناً يسرد الفطر حتى يقال: لا يصوم، ولكنه غالباً يصوم من كل شهر، ويرغب في الصيام من كل شهر، ولو ثلاثة أيام أو ما تيسر منه؛ ذلك لأن الصيام عمل بر يحبه الله تعالى، وقد اصطفاه لنفسه في قوله: (الصوم لي وأنا أجزي به) والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 512

شرح عمدة الأحكام [٣٣] لقد رحم الله تعالى أمة محمد ﷺ في عبادتها؛ حيث شرع لها أبواباً من الخير قليلة العمل كثيرة الأجر، فمن تلك الطاعات العبادة في ليلة القدر، فإنها تزيد على عبادة عمر كبير، وقد بينت السنة ما يتعلق بهذه الليلة المباركة من الفضائل والأعمال.

стр. 513

ليلة القدر وما ورد فيها قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب ليلة القدر. عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) . وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً، حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين) ] . هذا الباب فيه هذه الأحاديث التي تتعلق بليلة القدر، وسبب ذكرها أنها في رمضان، وأن رمضان هو شهر الصوم، فبعدما ذكرت الأحكام التي تتعلق بالصوم كان من تمام ذلك أن تعرف الليلة التي في شهر رمضان، وهي ليلة القدر. وقد اختص رمضان بالصيام، وفضل فيه القيام الذي هو التهجد والتراويح ونحو ذلك، وخص -أيضاً- بفضل ليلة فيه، وهي ليلة القدر، وهي -بغير شك- في رمضان، وذلك لأن الله أخبر بنزول القرآن في رمضان، وأخبر بنزوله في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] أنزل القرآن في رمضان، وفي أي رمضان أنزل؟ لقد أنزل في ليلة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] ، فإذا كان أنزل في رمضان وأنزل في ليلة القدر دل على أنها في رمضان وأنها ليلة من لياليه.

стр. 514

تسمية ليلة القدر بهذا الاسم أما سبب تسميتها فقيل: سميت لأنها تقدر فيها الأمور، فيكتب الله في تلك الليلة ما يكون في تلك السنة. ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣-٤] ، و (يفرق) : يفصل ويكتب وينقل، فينقل الملائكة بأمر الله في تلك الليلة ما يكون في تلك السنة، فهذا هو القدر، فـ (ليلة القدر) أي: ليلة التقدير. أو: ليلة القضاء والقدر الذي يكتبه الله في تلك الليلة. وقيل: سميت (ليلة القدر) لعظم قدرها، أي: الليلة التي لها قدر، ولها فضل، والقدر بمعنى الشرف، أي: ليلة الشرف وليلة الفضل وليلة الميزة التي تميزت بها عن غيرها، أو الليلة ذات القدر. وعلى كل حال فإنها ليلة فاضلة قد أخبر الله بفضلها، فقال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] أي: العبادة فيها أفضل من العبادة في ألف شهر. أو نحو ذلك من الأقوال.

стр. 515

قيام ليلة القدر أخبر النبي ﷺ بفضل قيامها في قوله: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ، والإيمان معناه التصديق بأن العمل قربة إلى الله، والاحتساب هو طلب الثواب أو رجاء الأجر، والجزاء هو غفران ما تقدم من ذنبه، والقيام هو أن يصلي أكثر تلك الليلة، نصفها أو ثلثيها أو نحو ذلك، يقال: قام ليلة القدر. أي: قامها كلها، أو قام أكثرها، أو قام نصفها، أو نحو ذلك، فإذا فعل ذلك فإنه يعتبر قد حصل على الأجر الذي رتب على هذه الليلة، وبذلك تعرف ميزتها وفضلها. كذلك قد وردت الأدلة الكثيرة على فضلها، وقد أخفى الله تعيينها، والحكمة في ذلك أن يجتهد العباد في ليالي الشهر، فلو أخبروا بعينها وأنها الليلة السابعة أو السادسة أو الخامسة لم يجتهدوا في بقية الليالي، بل ينامون ليالي الشهر كله، فإذا جاءت تلك الليلة قاموها وحصلوا على الأجر، والله تعالى يحب من عباده أن يكثروا العمل، ويحب من عباده أن يشتغلوا بالعبادة في الأوقات كلها في عدة ليال في شهر أو في أشهر أو في عشر ليال أو ما أشبه ذلك، فليست العبادة في ليلة واحدة كالعبادة في خمس ليال أو في عشر ليال، ولو كان الذي يوافق تلك الليلة يحصل على هذا الأجر الذي هو ألف شهر، ولكن مع كثرة العمل حتى يرجو موافقتها يحصل له مضاعفة الأجر والثواب، وبهذا تعرف الحكمة في إخفائها حتى يجتهد العباد في ليالي الشهر. فعلى العباد أن يجتهدوا رجاء أن يوفقوا لموافقة تلك الليلة.

стр. 516

تعيين ليلة القدر عند الفقهاء وقد اختلف الناس في تعيين ليلة القدر، فرجح بعضهم أنها ليلة سبع وعشرين، وهذا المختار عند الإمام أحمد، فعنده أنها أرجى الليالي من غير جزم، واستدل بما روي عن أبي بن كعب أنه قيل له: إن فلاناً يقول: من قام السنة كلها وقعت له ليلة القدر. فعجب أبي بن كعب وقال: (لقد علم أنها في رمضان، ولقد علم أنها في العشر الأواخر، ولقد علم أنها في السبع الأواخر، ولقد علم أنها ليلة سبع وعشرين، وهي التي أمرنا رسول الله ﷺ أن نقومها) ، وذكر أنه راقب الشمس عشرين سنة صبيحتها تطلع بلا شعاع، وهذا هو الذي رجحه أحمد. وذهب الشافعي إلى ترجيح ليلة إحدى وعشرين، واستدل بحديث أبي سعيد الذي سبق، وفيه أن النبي ﷺ رأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فمطرت السماء ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد، وكان المسجد على عريش -يعني: لم يكن مسقوفاً بالطين-، فلما أصبح النبي ﵊ بعدما صلى الفجر رأى أبو سعيد على جبهته وأنفه أثر الماء والطين، فرجح أن تلك الليلة هي ليلة القدر، وهذا ما رجحه الشافعي لهذا الحديث. والآخرون قالوا: إنها ليست يقينية. وذهب بعضهم إلى أنها تتنقل، أي أنها في سنة تكون في العشر الأواخر، وفي سنة تكون في السبع الأواخر، وفي سنة تكون في الوسط، وسنة تكون في العشر الأول، وسنة تكون -مثلاً- ليلة إحدى وعشرين، وأخرى ليلة ثنتين وعشرين ونحو ذلك، فلأجل ذلك قالوا: إنما تقع للإنسان إذا قام العشر كلها، وهذا هو السبب في تخصيص العشر الأواخر بزيادة صلاة وزيادة اهتمام اتباعاً للسنة النبوية، وقد ثبت أنه ﷺ (كان إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) ، وفي رواية: (أحيا ليله كله) ، فأفاد بأنه يخص العشر الأواخر بزيادة اجتهاد وأعمال لا يعملها في غيرها رجاء أن تحصل له تلك الليلة، ورجاء أن تقتدي به أمته في ذلك. وكذلك رجح بعضهم أنها في السبع الأواخر، واستدل بهذا الحديث عن ابن عمر، فقد ذكر ابن عمر أن رجالاً كثيرين من أصحاب النبي ﷺ أروا في المنام ليلة القدر أنها في السبع الأواخر، فلما توافقت رؤياهم قال النبي ﷺ : (أرى رؤياكم قد تواطأت -يعني: توافقت- في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) . والسبع الأواخر قيل: أولها ليلة ثلاث وعشرين على تقدير أن الشهر ناقص. وقيل: أولها ليلة أربع وعشرين على تقدير كمال الشهر. فتكون هذه السبع محل اجتهاد.

стр. 517

ليلة القدر ووتر ليالي العشر في الحديث بعده وفي حديث أبي سعيد أنه حث على أن تلتمس في الوتر من العشر الأواخر، قال: (فإن غلب أحدكم فلا يغلبن على السبع الأواخر) . والوتر هي الليالي الأوتار، فليلة إحدى وعشرين وتر، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين هذه الليالي الوتر، والوتر هو العدد الفرد الذي فيه زيادة فرد، والشفع هو الاثنان، فليلة اثنتين وعشرين شفع، وليلة أربع وعشرين شفع، وليلة ست وعشرين، وليلة ثمان وعشرين وليلة ثلاثين، هذه تسمى ليالي الشفع، ومعروف بأن العدد ينقسم إلى شفع ووتر، كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] . فعرفنا بذلك أن هذه الليلة تترجح أنها في الوتر، ولكن لا ندري هل المراد الوتر مما بقي أو الوتر مما مضى، وحينئذ يكون ذلك حثاً على قيام العشر كلها، فالوتر مما مضى أن تكون ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين، فهذا الوتر بالنسبة للماضي، والوتر بالنسبة للباقي هو ما ورد في الحديث: (التمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى، في ثالثة تبقى، في آخر ليلة) ، فهذا وتر، وقوله: (تاسعة تبقى) إذا كان الشهر كاملاً فهي ليلة ثنتين وعشرين، فهذه (التاسعة الباقية) وهكذا، فيكون ذلك حثاً على الاجتهاد في هذه الليالي كلها، أعني ليالي العشر. ولا شك أن الحرص على قيام هذه الليالي حرص على كثرة الأعمال، والإنسان يحب أن يعمل عملاً كثيراً يثاب عليه، والعمل الذي يعمله في هذه الليلة هو العبادة، الصلاة مع طول القيام ومع الخشوع والخضوع، وثبت في الحديث أن عائشة قالت: يا رسول الله! إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ فقال: (قولي: اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني) أمرها بأن تطلب العفو، والعفو هو التجاوز عن الخطأ، كأنه أمرها بأن تعترف بأنها مقصرة وليس لها مطلب إلا العفو، وهكذا سائر العباد، فالعبد عليه أن يحتقر عمله ولو كان كثيراً، فيكون منتهى طلبه المغفرة والعفو عن الخطأ وعن التقصير، فهذا مطلب من المطالب التي تطلب في ليلة القدر، والدعاء فيها مرجو أن يستجاب، وكذلك كثرة الذكر وكثرة القراءة وطول القيام وما أشبه ذلك، فإذا أدام العبد ذلك رجي أن يثيبه الله وأن تحصل له المغفرة التي رتبت على تلك الأعمال، والله أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 518

شرح عمدة الأحكام [٣٤] من رحمة الله تعالى فتح أبواب الطاعة والخير لعباده ليقبلوا على ربهم ويزدادوا من الخيرات، ومن هذه الطاعات والقربات عبادة الاعتكاف، وهي عبادة عظيمة لها فضلها في الشرع، سيما إذا كانت في رمضان في عشره الأواخر؛ إذ تكون سبباً -بإذن الله- في إدراك ليلة القدر.

стр. 519

أحكام الاعتكاف قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الاعتكاف. عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده) ، وفي لفظ: (كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه) . وعن عائشة ﵂: (أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه) ، وفي رواية: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) ، وفي رواية أن عائشة قالت: (إني كنت لا أدخل البيت إلا لحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة -وفي رواية: يوماً- في المسجد الحرام. قال: أوف بنذرك) ، ولم يذكر بعض الرواة يوماً ولا ليلة. وعن صفية بنت حيي ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفاً في المسجد، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته، ثم قمت لأنصرف فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا في المشي، فقال ﷺ : على رسلكما؛ إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفت أن يقذف في قلوبكما شراً -أو قال: شيئاً-) ، وفي رواية: (أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنصرف فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة) ثم ذكره بمعناه] . قد ذكر الله الاعتكاف في قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فأخذوا من الآية أن الاعتكاف يختص بالمساجد، وذكره في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] ، فجعل العاكفين بعد أهل الطواف، فدل على أن الاعتكاف من أفضل القربات، حيث ذكر بين الطائفين والمصلين.

стр. 520

تعريف الاعتكاف ومشروعيته الاعتكاف: هو لزوم المسجد لطاعة الله، لزوم المسجد والبقاء فيه مدة لا تقل عن يوم للتفرغ للعبادة والانقطاع عن الدنيا وعن أشغالها وعن أهلها، وهو سنة ومشروع، وفيه فضل، ولكنه لا يجب إلا بالنذر، فإذا نذره وجب عليه الوفاء، ففي حديث عمر الذي مر بنا ذكر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة، وفي رواية: (أن يعتكف يوماً في المسجد الحرام، فقال ﷺ : أوف بنذرك) . أمره بأن يفي بنذره، كأنه قال: علي لله أن أعتكف يوماً أو أعتكف ليلة في هذا المسجد ولم يتمكن من الاعتكاف فيه لما أسلم وأخرجه الكفار، فأمره أن يوفي بنذره بعدما فتحت مكة وأصبح متمكناً، فيجب الاعتكاف بالنذر، فإذا نذرت أن تعتكف وجب عليك الوفاء بالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] ، ولقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) ، ولا شك أن الاعتكاف طاعة لله، فمن نذره وجب عليه الوفاء. وكذلك فعله النبي ﷺ ، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، ذلك لأن العشر الأواخر هي أفضل الشهر، فإن أفضله آخره، وفيها ترجى ليلة القدر، فيعتكفها من ليلة إحدى وعشرين إلى نهاية الشهر، وهكذا كان يعتكف. وذكروا أنه كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح من يوم العشرين أو من يوم واحدٍ وعشرين، ولكن الأقرب أنه يدخل من ليلة إحدى وعشرين لأنها أول العشر الأواخر. فيعتكف هذه العشر إلى آخرها، ويجوز للمعتكف أن يعتكف بعضها، كأن يعتكف الخمس الأواخر، أو يعتكف -مثلاً- الثلاث الأواخر، أو السبع الأواخر؛ لأنه عبادة يفعل منه ما يستطيعه، فإن استطاع أن يعتكف العشر كلها أو بعضها فكلما زاد فله أجر. وكذلك -أيضاً- لا شك أن الاعتكاف من الأعمال الصالحة؛ لأنه يتفرغ فيه للعبادة، فلأجل ذلك لو أكثر منه لكان ذلك مثاباً عليه، فلو اعتكف الشهر كله، أو اعتكف شهرين فله الأجر لذلك، ولكن قد ينقطع بذلك عن أشغاله الدنيوية الضرورية، فلأجل ذلك ثبت أنه ﷺ مرة اعتكف العشر الوسطى، ولما كان في آخر ليلة منها -وهي التي يخرج من صبيحتها- أمر من اعتكف معه أن يعتكفوا العشر الأواخر، فاعتكف في ذلك العام عشرين يوماً، فدل على أنه يجوز أن يزيد في الاعتكاف على العشر، وإذا اعتكف عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً أو أكثر أو أقل فله أجر على ذلك، وكلما زادت المدة زاد الأجر فيحتسب الإنسان ويتفرغ جزءاً من زمانه حتى يحيي هذه السنة ويعبد الله تعالى بقدر ما يتيسر له.

стр. 521

الحكمة من مشروعية الاعتكاف ذكروا أن الحكمة من الاعتكاف أن يتفرغ للعبادة ويشتغل بالقربات، وذلك لأن الإنسان في سائر وقته يشتغل بالدنيا، ويشتغل باللهو، ويشتغل بالمجالس العادية التي تذهب عليه كثيراً من وقته في غير طاعة، فيذهب عليه وقت طويل كل يوم، إما في كسب الدنيا وإما في لهو وسهو، فهو يحب أن يقطع هذه الأشياء ويجعل له وقتاً خاصة للعبادة، فينقطع للعبادة ويتفرغ لها وينقطع عن الدنيا وأشغالها وأهلها، ويلزم المسجد ويشتغل بالقربات، فإذا كان في المسجد فإنه يتنقل من عبادة إلى عبادة، فهو إما أن يشتغل بالصلاة، وإما أن يشتغل بالقراءة، وإما أن يشتغل بالذكر، وإما أن يشتغل بالفكر، وإما أن يشتغل بالتدبر والتعقل، وإما أن يحمي نفسه ويحفظ نفسه عن الآثام ونحوها، فهو منزو منفرد منقطع عن ملذات الدنيا وعن شهواتها وعن أهلها، وعن مكاسبهم وأرباحهم، وعن تجاراتهم وأشغالهم وحرفهم لا يهتم بشيء منها، انقطع عن الخلق كلهم واشتغل بالخالق وأقبل على الله تعالى، وفرغ قلبه للعبادة، فأصبح قلبه يتعبد ولسانه وبصره وسمعه ويداه ورجلاه وجميع بدنه، أصبح بدنه كله وجسده كله في عبادة، كل جزء من أجزائه يشتغل بعبادة، فلا شك أنه -والحال هذه- يكتسب أجراً ويكتسب حسنات، وتمحى عنه سيئات، ويحمي نفسه عن الآثام ونحوها، فلأجل ذلك أصبح الاعتكاف من أفضل القربات ومن الأعمال الصالحة. ومعلوم أن الإنسان في حياته لا يخلو من أن يغفل أو يسيء أو يذنب، فإذا أحس بأن قلبه قد قسا من هذه الغفلة، أو أنه قد أذنب في حياته وارتكب بعض السيئات، وقصر في بعض الطاعات بحيث لا يجد للطاعة لذة، ولا يجد في قلبه تفرغاً، ولا يحس بآلام الذنوب والمعاصي التي تكاثرت عليه وتراكمت عليه، فلابد أن يعالج قلبه، وكيف يعالج قلبه؟ إنه يعالجه بأن يتفرغ في جزء من وقته لهذه العبادة؛ حتى يكون هذا التفرغ مؤثراً ومفيداً له فائدة عظيمة، وعند ذلك يصحو القلب ويقبل على الله ويحب العبادة ويستكثر من الطاعات وأنواع القربات والحسنات، وينفطم عن السيئات والمخالفات، ويبغض كل ما هو شاغل عن الله ، فهذه من فوائد الاعتكاف. لذلك يجد الإنسان من قلبه قسوة، وإذا اعتكف يوماً أو أسبوعاً أو عشرة أيام وجد في قلبه رقة، ووجد في قلبه محبة للعبادة وبغضاً للهو والسهو، وبغضاً للمعاصي ولو كانت من الصغائر، وبغضاً لأهلها.

стр. 522

سبب كون الاعتكاف مشروعاً في المسجد وإذا قيل: لماذا خص بالمسجد؛ فإن المساجد يكثر فيها الناس، يأتونها للصلوات ويأتونها للقراءة ونحو ذلك، فلماذا لم يكن في مكان خاص لا يخالطه أحد ولا يراه أحد؟! نقول: خص الاعتكاف بالمسجد لأنه لابد للمعتكف من أداء الصلاة جماعة، وكل خلوة تشغل عن الجماعة فلا خير فيها، فصلاة الجماعة وأداء الصلاة جماعة واجب من واجبات الإسلام، والخلوة التي هي الاعتكاف سنة من السنن، فلا تترك الصلوات الواجبة مع الجماعة لأجل سنة من السنن، فلأجل ذلك أمكن الجمع بين الخلوة وبين أداء الواجب، فجعل الاعتكاف في المساجد. وهذا بخلاف ما يفعله غلاة الصوفية الذين يجعلون لهم خلوات يجمع فيها -كما يقولون- أحدهم همومه وأفكاره، فينفرد -مثلاً- عشر ساعات أو أكثر أو أقل يفكر في نفسه، ثم يفكر فيمن فوقه، ثم يفكر في العالم العلوي والسفلي، إلى أن تجتمع عليه أفكاره. ولا شك أن تلك الخلوة الطويلة وذلك الفكر ولو حصل منه جمعية وحصل منه اتصال بالخالق وما أشبه ذلك فإنه غير مشروع، بخلاف الاعتكاف، فإنه الخلوة المشروعة التي أباحها الله، بل حث عليها.

стр. 523

مسائل متعلقة بالاعتكاف أما أحكام الاعتكاف فقد عرفنا أن أقله يوم أو ليلة، فلا يصح أن يسمى من جلس في المسجد ساعة أو ساعتين معتكفاً، فالاعتكاف لابد أن يكون زمناً طويلاً، فأقله اثنا عشرة ساعة أو نحوها، يوم كامل أو ليلة كاملة، واليوم المتوسط اثنا عشرة ساعة. وكذلك -أيضاً- يجب الاعتكاف بالنذر، فإذا نذر أصبح واجباً عليه، كما فعل ذلك عمر. وكذلك -أيضاً- إذا عين مسجداً خاصاً بالنذر لم يتعين إلا أن يكون من المساجد الثلاثة، فإذا نذر -مثلاً- أن يعتكف في مسجد أسبوعاً لم يلزمه ذلك المسجد، بل يجوز أن يعتكف في غيره من المساجد والجوامع التي هي مثل ذلك المسجد؛ لأنه لا مزية لذلك المسجد على غيره، إلا المسجد الحرام فإنه يلزمه أن يفي به، فإذا نذر أن يعتكف في المسجد الحرام وجب عليه الاعتكاف فيه، ولم يجز له أن يعتكف في غيره من المساجد؛ لأنه أفضل المساجد، والصلاة فيه أكثر من غيره مضاعفة. وكذلك المسجد النبوي إذا نذر أن يعتكف فيه لم يجزه غيره من المساجد إلا المسجد الحرام؛ فإنه أفضل، وكذلك المسجد الأقصى إذا نذر الاعتكاف فيه لم يجز أن يعتكف في غيره إلا مسجدي مكة والمدينة؛ فإنهما أفضل منه، أما بقية المساجد فمن عين مسجداً لم يتعين. فـ عمر ﵁ عين المسجد الحرام، فقال: (إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال ﷺ : أوف بنذرك) ، ولم يقل له: اعتكف في مسجد المدينة ولا في غيره من المساجد، بل ألزمه بأن يفي بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام ولا يقوم غيره مقامه.

стр. 524

المعتكف وما يجري منه مع زوجته أما أعمال المعتكف ففي هذه الأحاديث أنه ﷺ كان يدني رأسه إلى زوجته عائشة فترجله وهو معتكف، وكان شعر رأسه قد أرسله إلى المنكب أو نحوه، فيحتاج إلى ترجيل وتسريح الشعر ودهنه ومشطه بالمشط ونحوه، فترجله عائشة وهو معتكف، ولا يكون ذلك مباشرة، فالمباشرة التي نهى الله عنها في قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] المراد بها الجماع ونحوه، فإنه لا يجوز أن يطأ امرأته وهو معتكف للنص الصريح في النهي عن ذلك، وللإجماع عليه.

стр. 525

خروج المعتكف من المسجد كذلك لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، فإذا خرج -مثلاً- لقضاء حاجة الإنسان كبول أو طهارة أو نحو ذلك فحينما يفرغ يرجع، ولا يطيل البقاء. وكذلك -أيضاً- لا يعود مريضاً، ولا يتبع جنازة، وذلك لأن هذه الأمور من الأمور العادية، وهو في عباده، ولأنها تشغله عما هو مشغول به، وهو مأمور بأن يجمع قلبه وبأن يتفرغ، وبأن يشتغل بالقربات، وبأن يترك اللهو ونحوه. وهذه الأمور تعرضه إلى أن يخرج ويطيل الخروج ويكثر الخروج، فإن المرضى قد يكثرون، وكذلك الموتى، فلا يتبع جنازة ولا يعود مريضاً، هذا على الصحيح. وقد ذكرت عائشة أنها تدخل البيت إذا كانت معتكفة وفيه المريض فلا تسأل عنه إلا وهي مارة، فما تجلس عنده وتسأله وتقول: كيف أنت. وكيف حالك. إنما تسأل فتقول: كيف فلان، وهي مارة ولا تقف ولا تجلس إلا لحاجة. وهكذا ذكروا عن المعتكف أنه لا يخرج إلا لضرورة، فإذا لم يجد من يأتيه بطعامه وشرابه جاز له أن يذهب ليأتي به، وإذا لم يكن هناك في المسجد مكان لتناول الأكل كالمسجد الحرام جاز أن يخرج لأجل الأكل الضروري في وقته، ثم يرجع حينما ينتهي أو نحو ذلك. وكذلك -أيضاً- لا يجوز له أن يجعل معتكفه مقراً للاجتماعات، فيجتمع عليه الناس ويشتغلون بالقيل والقال وبالضحك والقهقهة ونحو ذلك، بل ينفرد عنهم ويبتعد عنهم.

стр. 526

زيارة المعتكف للمحادثة تجوز زيارته للمحادثة في بعض الأحيان، كما في هذه القصة، وهي قصة صفية، وصفية هي إحدى أمهات المؤمنين، وكانت من سبي خيبر، قتل أبوها مع بني قريظة، ثم قتل زوجها في غزوة خيبر، وأصبحت مفجوعة، وتزوجها النبي ﷺ رجاء أن يثبتها وأن تطمئن في حياتها، ولما تزوجها كان يؤنسها، وكان يحرص على جبر نفسها وقلبها وعلى ما يجلب لها الطمأنينة والحياة السعيدة، فلأجل ذلك أقرها على زيارته، وقد جاءته وهو معتكف وتحدثت معه وتحدث معها؛ لأنها غريبة ليس لها في المدينة ولد ولا والد ولا أخ ولا قريب، فهي وحيدة في هذه البلاد، فلأجل ذلك آنسها وأقرها على زيارته وهو معتكف، ولم يذكروا أن غيرها من زوجاته كن يأتينه للتحدث معه؛ لأن زوجاته الباقيات كن عند أهلن، وأهلهن معهن غالباً، فلعل هذا هو السبب في أنه أقرها على زيارته وتحديثه، وكذلك كونه قام معها ليقلبها بعدما تحدثت معه وقامت لترجع، وكان بيتها خارج المسجد في بيت أسامة الذي كان فيه بعدها، فقام معها ليؤنسها إلى أن تخرج من المسجد. فلما خرجت من المسجد ومشى معها قليلاً رآه رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا مشيهما، فخاف أن يظنا ظناً سيئاً فيقولا: هذا النبي ﷺ يمشي مع امرأة في هذا الليل وفي ظلمة الليل. فيوسوس لهما الشيطان بأنها امرأة أجنبية فيقعان في الهلاك، فعند ذلك أزال ذلك وقال: (إنها صفية بنت حيي) يعني: ليست أجنبية فلا تظنوا أنني أمشي مع امرأة أجنبية، فأخبرهم بذلك حتى لا يظنوا به ظناً سيئاً، وأخبر بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ينفذ بين لحمه ودمه فيجري مع عروقه، وأنه يخشى أن يقذف في قلبيهما شيئاً، أن يوسوس لهما فيقذف في قلبيهما أن محمداً يمشي مع امرأة أجنبية في هذا الليل المظلم، فيهلكان بهذا الظن السيئ. وعلى كل حال فيجوز للمعتكف أن يحدث من يزوره، ولكن يكون حديثاً قليلاً، ويكون -أيضاً- في حد ما هو مباح شرعاً بغير جدل وبغير كلام في العورات ولا كلام في الأعراض ولا كلام في الدنيا ولا في أهلها ولا في منافسة أهلها فيها، بل يكون كلاماً ذا حاجة وضرورة، إما فائدة، وإما سؤال عن حاجة ملحة أو نحو ذلك، فمثل هذا يجوز للمعتكف أن يتكلم به، والله أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 527

شرح عمدة الأحكام [٣٥] الحج عبادة عظيمة لها مكانتها في الإسلام، وهو مع ذلك يجمع من المعاني شيئاً كثيراً، ففيه تلتقي جموع المسلمين من كل بلد، وفيه يستوي الحجاج في لباسهم وأعمالهم، ونحو ذلك، وقد جعل له الشرع أحكاماً تخصه، حيث أوجب الإحرام له من مواقيته الزمانية والمكانية المحددة التي لا يجوز تجاوزها، وجعل له هيئات ولباساً يختص به.

стр. 528

أحكام الحج

стр. 529

حكم الحج قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الحج باب المواقيت عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل) قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم) ] . هذا كتاب الحج، بدأه بالمواقيت، وجعل العلماء الحج آخر أركان الإسلام، فلما ذكروا أركان الإسلام العملية بدءوا بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بالصوم، ثم الحج، فرتبوها على ترتيب الحديث في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) ، أما الشهادتان فأفردت لهما مؤلفات لأنهما متعلقتان بالعقائد، ولما كانت بقية الأركان من الأعمال جعلت في كتب الأحكام. والحج ركن من أركان الإسلام كما في هذا الحديث، والحج: هو قصد البيت الحرام لأداء هذا النسك في زمن مخصوص من شخص مخصوص. أما حكمه فقد ذكرنا أنه ركن من أركان الإسلام، ولكن لا يجب إلا على المستطيع، ولا يجب إلا مرة في العمر، وما زاد على ذلك فهو تطوع، وقد كان معمولاً به في الشرائع قبلنا، كان الأنبياء الذين قبلنا يحجون البيت، وقد ذكر الله تعالى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت -يعني: جدد بناءه- لما وضع ابنه إسماعيل عند مكانه، قال: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، فكيف يكون وضعه عند البيت مع أنه لم يبنَ؟! نقول: قد كان مبنياً قبل إبراهيم، بل قبل آدم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٦-٩٧] ، فأخذوا من هذه الآية أنه أول بيت بني على وجه الأرض، قيل: إنه بني قبل خلق آدم بكذا وكذا سنة، ولما أهبط آدم أمر بأن يطوف عليه كما تطوف الملائكة حول عرش الله تعالى أو حول البيت المعمور تعبداً لله، فكان ذلك منه عبادة من العبادات، وحجه الأنبياء قبل النبي ﷺ ، فقد حجه نوح وهود ولوط وشعيب وصالح ونحوهم من الأنبياء. ثم بقي البيت معظماً حتى في الجاهلية، فأهل الجاهلية الذين قبل الإسلام بقي فيهم هذا البيت مقدساً محترماً عندهم، يحجونه ويقصدونه من أماكن نائية، ويطوفون به، ويحترمون -أيضاً- البلدة كلها، يحترمون مكة لأنها البلد الذي احتوى على هذا البيت، فهي حرم، فيلقى فيها الرجل قاتل أبيه فلا يهيجه ولا يفزعه احتراماً لهذا البيت، فلذلك أصبح هذا البيت محجوجاً حتى قبل الإسلام، ولما جاء الإسلام فرض الله تعالى هذا الحج على لسان نبيه ﷺ ، والصحيح أنه فرض في سنة عشر أو سنة تسع، وقد كان قبل ذلك مسنوناً مرغباً فيه غير واجب، أما بعد أن فرض فقد أصبح ركناً من أركان الإسلام.

стр. 530

مواقيت الحج الزمانية نقتصر هنا على ذكر المواقيت الذي ذكرت في الحديث؛ لأن الكلام على الحج وعلى أحكامه ليس هذا محله، فنقول: هذا الباب في باب المواقيت. وقد ذكر العلماء أن للحج مواقيت زمانية ومواقيت مكانية. فالمواقيت الزمانية هي أشهر الحج، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، وذكر في الأحاديث أن هذه الأشهر شهر شوال -وهو الشهر العاشر- وشهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة التي هي العشر الأول، أي: شهران وبعض شهر، أطلق الله عليها أنها أشهر تغليباً، وهذه الأشهر هي التي يصح الإحرام بالحج فيها، أما ما قبلها فلا يحرم بالحج فيها. وقد اختلف فيمن أحرم بالحج في آخر رمضان وأراد أن يبقى على إحرامه إلى يوم عرفه، فأكثرهم على أنه لا يصح إحرامه؛ لأنه أحرم قبل الوقت، فهو كمن كبر لصلاة الظهر قبل الزوال، أو كبر تحريمة الفجر قبل طلوع الفجر، أو كبر لصلاة المغرب قبل غروب الشمس، فلا تنعقد صلاته، فيقولون: كذلك من أحرم بالحج قبل أن تدخل أشهر الحج -أي: في آخر يوم من رمضان- فلا يصح. أما أشهر الحج فإذا أحرم فيها بالحج فإنه ينعقد حجه، فلو أحرم يوم عيد الفطر وبقي على إحرامه بالحج إلى يوم عرفة ثم تحلل يوم العيد صح حجه، وإن كان الأفضل له -كما سيأتي- أن يتحلل بعمرة. وعلى كل حال فهذا معنى كونها مواقيت للحج، أي: يصح الإحرام بالحج فيها لا فيما قبلها ولا فيما بعدها؛ لأنه لو أحرم بالحج في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة يقال: فات محله وانتهت أيام الحج. فهذه مواقيته الزمانية. أما المواقيت المكانية فهي مواقيت الإحرام المعروفة، وواحدها ميقات.
следующие страницы →