Полный текст (1 083 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
زيارة المعتكف للمحادثة
تجوز زيارته للمحادثة في بعض الأحيان، كما في هذه القصة، وهي قصة صفية، وصفية هي إحدى أمهات المؤمنين، وكانت من سبي خيبر، قتل أبوها مع بني قريظة، ثم قتل زوجها في غزوة خيبر، وأصبحت مفجوعة، وتزوجها النبي ﷺ رجاء أن يثبتها وأن تطمئن في حياتها، ولما تزوجها كان يؤنسها، وكان يحرص على جبر نفسها وقلبها وعلى ما يجلب لها الطمأنينة والحياة السعيدة، فلأجل ذلك أقرها على زيارته، وقد جاءته وهو معتكف وتحدثت معه وتحدث معها؛ لأنها غريبة ليس لها في المدينة ولد ولا والد ولا أخ ولا قريب، فهي وحيدة في هذه البلاد، فلأجل ذلك آنسها وأقرها على زيارته وهو معتكف، ولم يذكروا أن غيرها من زوجاته كن يأتينه للتحدث معه؛ لأن زوجاته الباقيات كن عند أهلن، وأهلهن معهن غالباً، فلعل هذا هو السبب في أنه أقرها على زيارته وتحديثه، وكذلك كونه قام معها ليقلبها بعدما تحدثت معه وقامت لترجع، وكان بيتها خارج المسجد في بيت أسامة الذي كان فيه بعدها، فقام معها ليؤنسها إلى أن تخرج من المسجد.
فلما خرجت من المسجد ومشى معها قليلاً رآه رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا مشيهما، فخاف أن يظنا ظناً سيئاً فيقولا: هذا النبي ﷺ يمشي مع امرأة في هذا الليل وفي ظلمة الليل.
فيوسوس لهما الشيطان بأنها امرأة أجنبية فيقعان في الهلاك، فعند ذلك أزال ذلك وقال: (إنها صفية بنت حيي) يعني: ليست أجنبية فلا تظنوا أنني أمشي مع امرأة أجنبية، فأخبرهم بذلك حتى لا يظنوا به ظناً سيئاً، وأخبر بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ينفذ بين لحمه ودمه فيجري مع عروقه، وأنه يخشى أن يقذف في قلبيهما شيئاً، أن يوسوس لهما فيقذف في قلبيهما أن محمداً يمشي مع امرأة أجنبية في هذا الليل المظلم، فيهلكان بهذا الظن السيئ.
وعلى كل حال فيجوز للمعتكف أن يحدث من يزوره، ولكن يكون حديثاً قليلاً، ويكون -أيضاً- في حد ما هو مباح شرعاً بغير جدل وبغير كلام في العورات ولا كلام في الأعراض ولا كلام في الدنيا ولا في أهلها ولا في منافسة أهلها فيها، بل يكون كلاماً ذا حاجة وضرورة، إما فائدة، وإما سؤال عن حاجة ملحة أو نحو ذلك، فمثل هذا يجوز للمعتكف أن يتكلم به، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 527
شرح عمدة الأحكام [٣٥]
الحج عبادة عظيمة لها مكانتها في الإسلام، وهو مع ذلك يجمع من المعاني شيئاً كثيراً، ففيه تلتقي جموع المسلمين من كل بلد، وفيه يستوي الحجاج في لباسهم وأعمالهم، ونحو ذلك، وقد جعل له الشرع أحكاماً تخصه، حيث أوجب الإحرام له من مواقيته الزمانية والمكانية المحددة التي لا يجوز تجاوزها، وجعل له هيئات ولباساً يختص به.
стр. 528
أحكام الحج
стр. 529
حكم الحج
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الحج باب المواقيت عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل) قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم) ] .
هذا كتاب الحج، بدأه بالمواقيت، وجعل العلماء الحج آخر أركان الإسلام، فلما ذكروا أركان الإسلام العملية بدءوا بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بالصوم، ثم الحج، فرتبوها على ترتيب الحديث في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) ، أما الشهادتان فأفردت لهما مؤلفات لأنهما متعلقتان بالعقائد، ولما كانت بقية الأركان من الأعمال جعلت في كتب الأحكام.
والحج ركن من أركان الإسلام كما في هذا الحديث، والحج: هو قصد البيت الحرام لأداء هذا النسك في زمن مخصوص من شخص مخصوص.
أما حكمه فقد ذكرنا أنه ركن من أركان الإسلام، ولكن لا يجب إلا على المستطيع، ولا يجب إلا مرة في العمر، وما زاد على ذلك فهو تطوع، وقد كان معمولاً به في الشرائع قبلنا، كان الأنبياء الذين قبلنا يحجون البيت، وقد ذكر الله تعالى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت -يعني: جدد بناءه- لما وضع ابنه إسماعيل عند مكانه، قال: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، فكيف يكون وضعه عند البيت مع أنه لم يبنَ؟! نقول: قد كان مبنياً قبل إبراهيم، بل قبل آدم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٦-٩٧] ، فأخذوا من هذه الآية أنه أول بيت بني على وجه الأرض، قيل: إنه بني قبل خلق آدم بكذا وكذا سنة، ولما أهبط آدم أمر بأن يطوف عليه كما تطوف الملائكة حول عرش الله تعالى أو حول البيت المعمور تعبداً لله، فكان ذلك منه عبادة من العبادات، وحجه الأنبياء قبل النبي ﷺ ، فقد حجه نوح وهود ولوط وشعيب وصالح ونحوهم من الأنبياء.
ثم بقي البيت معظماً حتى في الجاهلية، فأهل الجاهلية الذين قبل الإسلام بقي فيهم هذا البيت مقدساً محترماً عندهم، يحجونه ويقصدونه من أماكن نائية، ويطوفون به، ويحترمون -أيضاً- البلدة كلها، يحترمون مكة لأنها البلد الذي احتوى على هذا البيت، فهي حرم، فيلقى فيها الرجل قاتل أبيه فلا يهيجه ولا يفزعه احتراماً لهذا البيت، فلذلك أصبح هذا البيت محجوجاً حتى قبل الإسلام، ولما جاء الإسلام فرض الله تعالى هذا الحج على لسان نبيه ﷺ ، والصحيح أنه فرض في سنة عشر أو سنة تسع، وقد كان قبل ذلك مسنوناً مرغباً فيه غير واجب، أما بعد أن فرض فقد أصبح ركناً من أركان الإسلام.
стр. 530
مواقيت الحج الزمانية
نقتصر هنا على ذكر المواقيت الذي ذكرت في الحديث؛ لأن الكلام على الحج وعلى أحكامه ليس هذا محله، فنقول: هذا الباب في باب المواقيت.
وقد ذكر العلماء أن للحج مواقيت زمانية ومواقيت مكانية.
فالمواقيت الزمانية هي أشهر الحج، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، وذكر في الأحاديث أن هذه الأشهر شهر شوال -وهو الشهر العاشر- وشهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة التي هي العشر الأول، أي: شهران وبعض شهر، أطلق الله عليها أنها أشهر تغليباً، وهذه الأشهر هي التي يصح الإحرام بالحج فيها، أما ما قبلها فلا يحرم بالحج فيها.
وقد اختلف فيمن أحرم بالحج في آخر رمضان وأراد أن يبقى على إحرامه إلى يوم عرفه، فأكثرهم على أنه لا يصح إحرامه؛ لأنه أحرم قبل الوقت، فهو كمن كبر لصلاة الظهر قبل الزوال، أو كبر تحريمة الفجر قبل طلوع الفجر، أو كبر لصلاة المغرب قبل غروب الشمس، فلا تنعقد صلاته، فيقولون: كذلك من أحرم بالحج قبل أن تدخل أشهر الحج -أي: في آخر يوم من رمضان- فلا يصح.
أما أشهر الحج فإذا أحرم فيها بالحج فإنه ينعقد حجه، فلو أحرم يوم عيد الفطر وبقي على إحرامه بالحج إلى يوم عرفة ثم تحلل يوم العيد صح حجه، وإن كان الأفضل له -كما سيأتي- أن يتحلل بعمرة.
وعلى كل حال فهذا معنى كونها مواقيت للحج، أي: يصح الإحرام بالحج فيها لا فيما قبلها ولا فيما بعدها؛ لأنه لو أحرم بالحج في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة يقال: فات محله وانتهت أيام الحج.
فهذه مواقيته الزمانية.
أما المواقيت المكانية فهي مواقيت الإحرام المعروفة، وواحدها ميقات.
стр. 531
فضل مكة وما خصها الله تعالى به
اختصت مكة بأنها بلد المناسك التي تقضى فيها هذه المناسك، وإذا أقبل إليها العباد فإنهم يحرمون، يدخلون في النسك قبل أن يصلوا إليها بمدة وبمسافة، والحكمة في ذلك أن يتهيئوا لهذا العبادة ويلبسوا لباساً يختص بهذه العبادة يميز المحرم عن غير المحرم.
وذكر العلماء أن إبراهيم حين حكى الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أنه دعا فقال: أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا.
وأن هذه الدعوة سمعها القريب والبعيد، وأنه بلغها من في الأصلاب ومن يأتي، وأن الآتين إلى هذه البلد -التي هي مكة- إذا أقبلوا إليها تجردوا من لباسهم ورفعوا هذا الشعار الذي هو شعار الإجابة، ولبوا بقولهم: لبيك اللهم لبيك.
أي: مجيبين لذلك النداء الذي هو نداء الله الذي أمر إبراهيم أن ينادي به.
فمن فضيلة هذه البلد أن المتنسكين إذا أقبلوا إليها رفعوا أصواتهم بالتلبية، وجردوا أبدانهم من لباسهم المعتاد، وارتدوا أردية خاصة وألبسة خاصة تشبه أكفان الموتى، واستعدوا للأعمال الصالحة، فكان ذلك من ميزتهم وعلامتهم أنهم جاءوا مجيبين لتلك الدعوة وجاءوا لعبادة الله ، فهذه هي الحكمة في جعل هذه المواقيت، ولما كانت مكة في وسط القرى سماها الله تعالى أم القرى، قال تعالى: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢] ، وكان الناس يأتونها من كل الجهات الأربع، من جهة الغرب، ومن جهة الشرق، ومن جهة الشمال، ومن جهة الجنوب، يأتونها من هذه الجهات، فكل جهة إذا أقبلوا منها إليها استعدوا، فجعل لهم مكاناً يستعدون فيه.
стр. 532
مواقيت الحج المكانية
لأجل ما سبق وقت النبي ﷺ هذه المواقيت لأهل كل جهة، فأهل المدينة وكذلك من كان في جهة المدينة من أهل البلاد الشمالية، كأهل تبوك، ووادي القرى، وأهل دومة الجندل، وأهل الحدود الشمالية يأتون إلى المدينة ويحرمون من ميقاتها، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وهو موضع قرب المدينة بينه وبين المسجد النبوي ستة أميال، معروف الآن، ويسميه أهل المدينة (أبيار علي) أو (بئر علي) ، وهذه التسمية محدثة، سماها بذلك الرافضة، وفي المدينة كثير من الرافضة سموها به، وإلا فاسمها على الأصل (ذو الحليفة) .
وذكر شيخ الإسلام أن الرافضة يزعمون أن فيها بئراً قد قاتل علي فيها الجن، فقالوا: (أبيار علي) أو: (بئر علي) وكذبوا، فلم يقاتل علي أحداً من الجن، وكذلك جميع الصحابة ما ذكر أنهم قاتلوا أحداً من الجن، لا في ذلك المكان ولا في غيره.
فإذاً تسميتها بئر علي أو آبار علي تسمية من الشيعة الذين يغالون في علي ويدعون فيه هذه الكرامة ونحوها، وإلا فأصلها أنها (ذو الحليفة) ، كان فيها حلفاء -النبات المعروف- صغيرة، فسميت باسمها.
وبينها وبين مكة في ذلك الوقت عشر مراحل، والمرحلة: مسيرة ثنتي عشرة ساعة للدابة.
أي: عشرة أيام، فلما أحرموا أقاموا بين مكة والمدينة عشرة أيام أو نحواً منها وهم محرمون، أما في هذه الأزمنة فلها طريق، وأصبح يزيد على أربعمائة كيلو متر قيلاً، فأصبحت تقطع في ثلاث ساعات ونصف، أو في أربع ساعات بدل أن كانت تقطع في عشرة أيام، كل يوم يسيرون فيه ثنتي عشرة ساعة.
ولا شك أن النصب والتعب يكون أعظم للأجر، فالصحابة الذين أحرموا وبقوا على إحرامهم عشرة أيام أجرهم أكبر من الذين يكون إحرامهم أربع ساعات أو نحوها، وعلى كل حال فتيسير الطرق وتسهيلها وتقاربها وقطعها في هذه المسافة أو المدة القصيرة بواسطة هذه الناقلات والسيارات التي قربت البعيد من نعم الله التي يجب أن تشكر، والتي خففت المئونة، وأصبح لا عذر لأحد ولا مشقة عليه في أن يأتي إلى المناسك وأن يعمر هذه المشاعر التي هي مشاعر الحج والعمرة.
أما ميقات أهل نجد فهو قرن المنازل، وأصله جبال صغيرة متسلسلة أمام الوادي الذي يقال له: (وادي السيل) أو قريباً منه في جهة الجنوب، ولكن لما كان الطريق لا يسهل إلا مع هذا الطريق جعلوا الميقات هو هذا الوادي أو نحوه، فأصبح محاذياً له من جهة الجنوب، وقرن المنازل -أو قرن الثعالب- محاذٍ للوادي من جهة الجنوب قليلاً، فهو عبارة عن مرتفع فوق طرف الوادي معروف باسم (قرن المنازل) .
وكانوا يحرمون منه لكونهم يأتون مع طرق في وسط أو مع وسط الجبال، ولكن السيارات لم يكن لها طرق إلا مع هذا المكان السهل، فأصبح الناس يحرمون من هذا الوادي.
ومثله -أيضاً- الميقات الذي في طرف الجبل أو رأس الجبل الذي هو جبل كرى، هذا الوادي -أيضاً- يسمى وادي محرم، ويسمى -أيضاً- قرن المنازل، وهو محاذٍ لقرن المنازل من جهة الجنوب الغربي، بني فيه -أيضاً- مسجد، ويحرم به من نزل من ذلك الوادي الذي هو طريق كرى، فمن أحرم من كل منهما فقد أحرم من ميقات أهل نجد.
كذلك ميقات أهل اليمن يعرف بـ (يلملم) ، وفي هذا الأزمنة يسمونه السعدية، وهو ميقات مشهور بينه وبين مكة -أيضاً- مرحلتان كما بين ميقات أهل نجد وبين مكة، ومرحلتان في ذلك الوقت معناهما مسيرة يومين، أما في هذه الأزمنة فما بقي بينه وبين مكة إلا نحو ثمانين كيلو متر تقطع في أقل من ساعة، وذلك بعد تسهيل هذه الطرق.
وعلى كل حال: فهذه مواقيت معترف بها، أما ميقات أهل الشام، وأهل مصر، وأهل المغرب الذين يأتون من جهة المغرب وينزلون بالسواحل فميقاتهم الجحفة، وهي قريبة من الساحل، وهذه الجحفة كانت قديماً تسمى (مهيعة) ، وكانت عامرة، ثم إنه حصل فيها وباء وأمراض، فخربت البلد، وصار الناس يحرمون من رابغ -البلدة المعروفة بهذا الاسم-.
وفي هذه الأزمنة أعادت الحكومة الميقات إلى الجحفة، وبنت فيها الحكومة -أيدها الله- مسجداً كمساجد المواقيت التي في السعدية وفي وادي محرم وفي السيل، بنت مسجداً كبيراً يحرم منه من يمر من ذلك الميقات، كالذين يأتون -مثلاً- من بلاد السواحل كينبع وضبع والوجه، وما إلى تلك الجهات، حتى أهل رابغ يحرمون منه، وقد يمرون على الميقات ويحرمون منه، وكذلك الذين يأتون من خارج البلد -أي: خارج المملكة- الذين يأتون في السفن إذا حاذوا ميقات الجحفة أحرموا منه، وكذلك أهل البواخر، وهناك -أيضاً- بواخر ترسي في ينبع ميقات أهلها.
والجحفة أبعد من قرن المنازل، بينها وبين مكة ثلاث مراحل، فهذه هي المواقيت.
يقول في الحديث: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن ممن أراد الحج والعمرة) يعني: من أتى إلى مكة قاصداً الحج أو قاصداً العمرة ومر على ميقات من هذه المواقيت فإنه لا يتجاوزه إلا محرماً.
стр. 533
ميقات من كان دون المواقيت
ومن كان دون ذلك فمحله حيث أنشأ، حتى أهل مكة يهلون من مكة، فميقات أهل مكة للحج من مكة، وميقاتهم للعمرة من أدنى الحرم، فإذا أرادوا أن يعتمروا خرجوا إلى أمن الحرم كالتنعيم أو الجعرانة أو نحوها، فإنه ﷺ لما أراد أن يعمر عائشة أعمرها من التنعيم، ولما اعتمر هو في سنة ثمان اعتمر أو أحرم من الجعرانة، ويجوز أن يحرم من أية جهة، وأن يحرم من أي مكان خارج حدود الحرم، فيخرج -مثلاً- إلى عرفة، أو إلى طريق جدة، إذا تجاوز حدود الحرم ويحرم ثم يدخل مكة بعمرة فيقضي عمرته.
стр. 534
ميقات أهل العراق ومن في جهتهم
تلك هي المواقيت، ولما فتحت العراق في زمن عمر قال أهل العراق: إن طريق أهل نجد جائر عن طريقنا، يشق علينا أن نذهب حتى نحرم من طريق أهل نجد الذي هو قرن المنازل! فقال عمر: انظروا حذوها من طريقكم -يعني: ما يحاذيها- فنظروا فوجدوا الوادي الذي يسمى الآن (الضريبة) ، ويسمى قديماً (ذات عرق) محاذياً للسيل، فجعل ميقاتاً لأهل خراسان الذي يعرف الآن بـ (إيران) ، ولأهل العراق، ولمن في تلك الجهات يحرمون من الميقات الخامس الذي يسمى الآن الضريبة، ولكنه الآن لا يمر به طريق، فلأجل ذلك لا يحرم منه أحد.
стр. 535
المار على الميقات وحكمه
المواقيت المكانية حكمها أنه لا يمر عليها أحد قاصداً مكة يريد الحج أو يريد العمرة إلا ويحرم منها، ويلزمه أن يحرم من هذه المواقيت، أما إذا قصد مكة لا لقصد الحج ولا لقصد العمرة وإنما لزيارة -مثلاً- أو لقضاء شغل عرض له أو نحو ذلك فإنه لا يلزمه؛ لأن الرسول قال: (ممن أراد الحج والعمرة) ، أما إذا مر وهو لا يريد الحج وإنما يريد الزيارة لأقارب له أو نحو ذلك، أو كان عابر سبيل يمر على مكة -مثلاً- ويتجاوزها إلى جدة فإنه لا يحرم ولا يلزمه إحرام.
وفي هذه الأزمنة جاءت المراكب الجوية، وهي هذه الطائرات لا تمر مروراً دقيقاً بهذه المواقيت بحيث تنزل عندها ونحو ذلك، ولكنها تحاذيها في الجو، فيلزم الإنسان الذي يركب الطائرة أن يحرم عند هذا الميقات، وإن احتاط وأحرم قبله فهو أولى وأفضل، ولا يجوز أن يؤخر الإحرام إلى أن ينزل بجدة؛ فإن جدة دون المواقيت، فجدة إنما هي ميقات لأهل جدة، فأما أهل الرياض -مثلاً- وأهل الشرقية وأهل الحدود الشمالية الذين يركبون في الطائرات فلابد أن يحرموا إذا حاذوا الميقات الذي يمرون به، فإن كانوا في جهة الشمال فإذا حاذوا ميقات أهل المدينة أحرموا، وإن كانوا من جهة الشرق فإذا حاذوا ميقات أهل نجد إما قرن المنازل وإما ذات عرق أحرموا، ويجب الانتباه، فإن كثيراً منهم يغفلون، ولا يشعر أحدهم إلا وقد وقعت الطائرة وهو لم يحرم، فيحرمون من جدة ويقعون في مجاوزة الميقات، ومن جاوز الميقات وهو عازم على الإحرام وأحرم بعدما جاوزه فقد ترك نسكاً، فيكون عليه دم.
فنقول للذين لا يحرمون إلا من جدة: عليكم دم عن مجاوزة الميقات.
أما إذا نزل جدة وهو لم يحرم، وركب سيارة ورجع إلى السيل وأحرم منه فإنه يسقط عنه الدم، وذلك لأنه ما أحرم إلا من الميقات.
أما إذا أحرم من جدة فلا ينفعه الرجوع، فلو رجع وهو محرم لا يفيده ولا يسقط عنه الدم.
وعلى كل حال فينتبه لمثل هذا.
وكثير من الراكبين يقولون: إنه اعترتنا غفلة، أو إن قائد الطائرة لم ينبهنا على محاذاة الميقات، أو غفلنا حتى نزلنا في جدة أو حتى تجاوزنا الميقات.
فنقول: قد أخطأتم، فعلى الذي يريد الإحرام أن يكون مستعداً، حتى لو أحرم وهو في الرياض، فلو لبس إحرامه ونوى ولبى وهو في الرياض لا يضره، فزيادة ساعة أو نصف ساعة يحرمها لا يضره، ويسقط عنه الدم، ولا تضره الزيادة، فالزيادة خير من النقص، فهي من باب الاحتياط ومن باب أخذ الحذر.
ولا يغتر بمن أفتى أن جدة ميقات للذين يركبون في الطائرات؛ فإن تلك فتوى خاطئة.
ويمكن أن تكون جدة ميقاتاً للذين يأتون من السودان أو مما يحاذي جدة من جهة المغرب، فبلاد السودان أو ما يحاذيها لا يمرون بشيء من المواقيت إذا جاءوا في الطائرة أو جاءوا -مثلاً- في الباخرة، فنقول لهم: ميقاتكم جدة، أما الذين يجيئون من مصر أو من الشام أو نحوهم فإنهم يمرون على مواقيت قبل جدة، فيمرون على الجحفة، أو يمرون على ميقات أهل المدينة ذي الحليفة، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوا مواقيتهم إلا بإحرام، فيتفطن لذلك حتى يحتاط الإنسان، وحتى لا يقع في مجاوزة الحد فيلزم بدم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 536
شرح عمدة الأحكام [٣٦]
الإحرام بالعمرة أو الحج عبادة لها معناها وأثرها على صاحبها، وهي هيئة توحي بالذل والافتقار إلى الله تعالى، ولذلك خصها الشرع الحكيم بقيود تعزز ذلك المعنى هي المسماة محظورات الإحرام.
стр. 537
أحكام تتعلق بالمحرم
стр. 538
ما يلبسه المحرم حال إحرامه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ما يلبس المحرم من الثياب قال ﷺ : (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعليه فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس) ، وللبخاري ﵀: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفة: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليبس سراويل) يعني: للمحرم.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ (أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل] .
في هذا الحديث لباس المحرم، والإحرام: هو نية النسك.
والنسك: هو العمل الذي يتلبس به المحرم إذا قدم إلى مكة أو إذا أقبل إليها، ولا شك أن القاصدين مكة إما أن يقصدوا حجاً أو عمرة أو يجمعوا بينهما، فالذي يقصد حجاً يسمى مفرداً، والذي يقصد عمرة يسمى معتمراً، وإن كان في أشهر الحج يسمى متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والذي يجمع بينهما يسمى قارناً، وقد عرفنا أن الحجاج إذا اقبلوا إلى مكة رفعوا أصواتهم بالتلبية مجيبين دعوة الله على لسان إبراهيم حيث أمره بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] ، فيقولون: (لبيك لبيك) .
ويأتون مسرعين رافعين أصوتهم بالتلبية، أي: لبيك أيها الداعي، لبيك أيها المنادي.
ثم يتجردون من لباسهم المعتاد، ويلبسون لباساً خاصاً هو الذي شرعه وبينه لهم النبي ﷺ ، فيتركون لباس الرفاهية ولباس التنعم الذي كانوا قد اعتادوه، ولباس التوسع الذي توسعوا به في حياتهم، ويختصون بلباس واحد وبزي واحد يشترك فيه صغيرهم وكبيرهم، وأميرهم ومأمورهم، وسيدهم ومسودهم، وحرهم وعبدهم، لا فرق بين أسودهم وأحمرهم وأبيضهم، كلهم على حد سواء في هذا اللباس.
فلأجل ذلك ثبت أنه ﷺ أحرم في إزار شد به عورته، وفي رداء ألقاه على ظهره.
والإزار: هو ما يستر العورة من السرة إلى الركبة أو إلى ما تحت الركبة، والرداء: ما يرتدي به ويلف به جسمه فيلقيه على ظهره ويرده على منكبيه وعلى صدره، ويستر به عضديه وجنبيه وظهره وبطنه، هذا هو الرداء، وأحرم في نعلين لبسهما في قدميه، فهذا هو الذي أحرم فيه.
стр. 539
ما لا يجوز للمحرم لبسه من الثياب
نهي عن الألبسة المعتادة، وفي هذا الحديث أنه نهى عن لباس القمص، ةالقمص: جمع قميص.
والقميص: هو كل ثوب له جيب وأكمام.
والجيب: هو الفتحة التي هي مدخل الرأس.
والأكمام: هي التي تدخل منها اليدان.
فكل ثوب له جيب وله أكمام يسمى قميصاً، فيدخل في ذلك الدراعة المعروفة، ويدخل في ذلك الجبة وما أشبهها، ويدخل في ذلك الفروة وإن كانت مشقوقة المقدم، ويدخل في ذلك الحلة التي تلبس -أيضاً- ولها جيب وأكمام، وما أشبه ذلك، وتدخل في ذلك -أيضاً- الأكسية الموجودة الآن، كالفانيلة المعروفة، أو الأكوات المسماة بهذا، أو البالطو أو ما أشبه ذلك، فهذه الأكسية كلها داخلة في القمص، فلا يلبسها المحرم.
وكذلك -أيضاً- لا يلبس البرانس، والبرانس: جمع برنس، وهي شبيهة بالقمص، ولكن تزيد عليها أن لها رءوساً تستر الرأس، فكل ثوب رأسه منه فإنه يسمى برنساً، فيجعل في مؤخر فتحة الرأس مثل المظلة يستر بها رأسه، فهذا يسمى البرنس، فلا يلبسه، وخصه لأن له اسماً خاصاً.
ونهى المحرم أن يلبس العمائم، واحدها عمامة، وهي ما يستر به الرأس، فكل شيء يستر الرأس فإنه يسمى عمامة، سمي بذلك لأنه يعم الرأس، فيدخل في ذلك القلنسوة -وتعرف بالطاقية-، ويدخل في ذلك الغترة المعروفة الآن، ويدخل في ذلك العصابة التي تلف على الرأس ويجعل طرفها تحت الحنك، فكل شيء يغطي الرأس يسمى عمامة، فلا يلبسه المحرم، بل يكشف رأسه، فيترك المحرم رأسه مكشوفاً، حتى لو مات وهو محرم لا يجوز تغطية رأسه، وسيأتينا في الرجل الذي مات محرماً قوله ﷺ : (لا تحنطوه ولا تغطوا رأسه، ولا تمسوه طيباً؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ، ولما أمرهم بأن يغسلوه بماء وسدر قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه) ، فدل على أن المحرم الرجل لا يغطي رأسه بأي غطاء.
واستثنوا من ذلك إذا حمل متاعه على رأسه فلا بأس، فلو كان معه فراش وعجز عن حمله بيديه ووضعه على رأسه فإنه لا يسمى ساتراً، ولا يسمى غطاءً، وإنما يسمى شيئاً حمله على رأسه، واستثنوا استظلاله، فقالوا: يجوز أن يستظل، وإن كان الأفضل له أن يبرز في الضحى -أي: في الشمس والهواء-، ولكن قد يحتاج إلى أن يستظل بمظلة أو بخيمة أو بسقف سيارة أو بظل شجرة أو نحو ذلك، ولا ينافي ذلك الإحرام، ولا يلصق رأسه بذلك الشيء الذي استظل به، فلو كان معه مظلة فلا يلصقها على رأسه بل يرفعها، وهكذا.
стр. 540
لبس النعال للمحرم
وكذلك منع المحرم من أن يلبس الخفاف، والخفاف: جمع خف، والخف: هو الذي يستر القدم إلى الكعبين، والخفاف هي التي تصنع من الجلود ونحوها وتلبس على القدمين، فلا يجوز لبسها للمحرم.
ومثلها -أيضاً- الجوارب -الشراب- التي تستر القدم إلى فوق الكعب، فهي داخلة في ذلك.
لكن لا تلبسه إلا عند العدم، فإذا لم يجد نعلين واحتاج إلى أن يلبس ما يقي قدميه من الحجارة ونحوها جاز له أن يلبس الخفين، واختلف هل يقطعهما أم لا، والصحيح أن القطع منسوخ، والقطع ثبت في حديث ابن عمر، ولم يذكر في حديث ابن عباس، فذلك كان تركه رخصة؛ لأن حديث ابن عمر كان بالمدينة، وذكر فيه قطع الخفين إلى ما تحت الكعبين، وحديث ابن عباس كان في عرفة، وقد حضره من لم يحضره في المدينة ولم يتعرض للقطع، فدل على أنه رخص في اللبس بدون قطع، هذا هو الصحيح.
أما الأحذية التي هي أسفل من الكعبين فهذه -أيضاً- بمنزلة الخف المقطوع لا يلبسها إلا عند الحاجة إذا لم يجد نعلين، فإن وجد النعلين فلا يلبس الخف مقطوعاً ولا غير مقطوع ما دام أنه ما رخص له في لبس الخف ولا ما يشبه الخف إلا عند عدم النعلين، فإذا وجدت النعلان اكتفى بهما ولم يلبس الخف المقطوع ولا غير المقطوع.
فإذا عدم النعلين ووجد خفين فالصحيح أنه لا يقطعهما، وإن وجد الأحذية التي هي شبيهة بالخفاف المقطوعة فهو أولى، أي: هي أولى أن يلبسها حتى يخرج من الخلاف.
стр. 541
لبس الثياب المصبوغة للمحرم
أما الثياب المصبوغة فلا يجوز لبسها للمحرم، بل ولغير المحرم، فمكروه أن يلبس الثياب المصبوغة بالورس أو بالزعفران أو بالعصفر، أي: الأصباغ التي تصفرها وتجعلها كأنها مصبوغة بهذه الأشياء، فلا يجوز لبسها للرجال، ويكره المزعفر والمعصفر والمورس.
والورس: نبات معروف يصبغ به، ومثله أو قريب منه العصفر، وهو شبيه بالزعفران، وكلاهما يصبغ به، وتوجد ثياب ملونة لونها كأنه اللون الذي فيه الورس أو الزعفران، فنقول: لا يلبسها المحرم، فإذا وجد هذه الأردية أو الأزر التي هي صفراء شبيهة بالمعصفر فلا يلبسها، بل يختار الثياب البيض، والثوب هنا يطلق على كل ما يلبس على البدن وإن لم يكن مفصلاً، فالرداء يسمى ثوباً، فلا يلبس الرداء المعصفر أو الذي هو كلون المعصفر، وكذلك الإزار المعصفر أو هو كلون المعصفر لا يلبسه.
стр. 542
ما لا يجوز للمحرمة لبسه
وكذلك -أيضاً- نهى المرأة في هذا الحديث أن تلبس النقاب، والنقاب: هو البرقع الذي يكون للعينين فيه نقب بقدر العينين.
وجائز للمرأة أن تلبسه إذا لم تكن محرمة، ولكن تكون الثقوب بقدر حدقة العين، فلا تكون واسعة بحيث يبدو الأنف، أو ما بين العينين كلاهما، أو تبدو الوجنة والحاجب؛ فإن هذا فتنة، إنما تقتصر على لباس يكون ثقب العين فيه قليلاً، فإذا كانت محرمة فلا تلبس هذا اللثام، ولا تلبس هذا البرقع، بل تكتفي بالخمار.
والصحيح أن المرأة تستر وجهها وتغطي وجهها إذا كانت محرمة، ولا بأس إذا مس الغطاء والخمار وجهها أو بشرة وجهها، كما قالت عائشة ﵂: (كان الرجال إذا مروا علينا ونحن في هوادجنا سبلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) ، ولم تقل: إننا نتوقع أن يمس بشرة الوجه.
بل الظاهر أنه إذا تدلى على الوجه أنه يمس الأنف ويمس الجبين ويمس الفم، فلا بأس بذلك، ولا دليل على أن المرأة تتوقى ستر الوجه بمباشر، بل الأصل أنها تستر وجهها في الإحرام إذا كانت أمام الرجال، وبالأخص إذا كانت في الطواف، أو كانت في المسجد الحرام الذي يكثر فيه المشاة ويكثر فيه الرجال، فتستر وجهها ولو كانت محرمة، ولا يجوز أن تكشفه أمام الرجال الأجانب.
ونهيت المرأة في هذا الحديث -أيضاً- أن تلبس القفازين، والقفاز: هو اللباس الذي يلبس على الكف، الذي يفصل بقدر الكفين.
فهذه لا تلبسها المحرمة، ولكن لها أن تستر كفيها بأطراف الأكمام، ولها أن تسترهما بعباءتها ونحوها، لها ذلك ولا فدية عليها، ولو مس الغطاء بشرة وجهها ولو غطت يديها.
فهذه الأكسية التي نهي عنها المحرم، أما البقية فإنه يباح له أن يلبسها، فإذا تجنب كل لباس له أكمام وله جيب دخل في ذلك كل ما فيه التفاصيل.
والفقهاء يقولون: لا يلبس المخيط.
وكلمة (المخيط) فيها إجمال، ولكن عبارتهم تقتضي أنه لا يلبس الشيء الذي فصل على قدر جزء من البدن، سواء كانت خياطته بالإبر أو بالماكينة، أم نسج على تفصيل ذلك العضو، فمثلاً الشراب الذي في القدم قد لا يكون مخيطاً، ولكنه منسوج هكذا، ومع ذلك لا يلبسه، أما النعال فالنعال المعروفة يجوز لبسها ولو كان فيها خياطة، وقد يوجد في بعضها خياطة، ولا يقال: إنها ممنوعة لأنها مخيطة.
فلا تدخل في المخيط؛ لأن المخيط هو ما فصل على قدر جزء من البدن من الأغطية القطنية والصوفية والكتان وما أشبه ذلك.
فهذا ما يتعلق باللباس.
стр. 543
التلبية معناها وصيغتها وهدي النبي ﷺ فيها
بقي الحديث الذي يتعلق بالتلبية، وقد عرفنا أن التلبية إجابة للنداء الذي أمر الله به خليله إبراهيم ﵇، فالحجاج والعمار إذا أقبلوا إلى مكة رفعوا أصواتهم بهذه التلبية.
ورفع الصوت بها سنة، وفي الحديث قال النبي ﷺ : (إن جبريل أمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) ، والإهلال: هو التلبية، وكل شيء فيه رفع للصوت فإنه يسمى إهلالاً، يقال: استهل بكذا، أي: ابتدأ به ورفع صوته.
ومنه سمي الهلال؛ لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم عادة، وكذلك (استهل الصبي) أي: رفع صوته عندما يولد.
فالإهلال هو التلبية.
ورفع الصوت بها علامة على أنه محرم.
والإحرام في الأصل هو النية، أن تنوي بقلبك أنك دخلت في النسك، فإذا نويت بقلبك فهناك عليك أن تتجنب المحظورات، فتتجنب لبس المخيط كما فصلنا، وتتجنب تغطية الرأس، وتتجنب الطيب، وقص الشعر، وقص الأظفار، وقتل الصيد الذي حرمه الله على المحرم، وتتجنب النساء مباشرة أو تقبيلاً، وتتجنب الوطء، وتتجنب عقد النكاح إذا دخلت النسك عند ما تنوي بقلبك، وليس اللباس هو الإحرام، فلو لبست الإحرام وأنت في الرياض جاز لك ذلك ما دام أنك ما نويت، فإن لبست الإزار ولبست الرداء وركبت -مثلاً- السيارة جاز لك أن تطيب؛ لأنك ما أحرمت، إنما لبست، وليس اللباس هو الإحرام، وجاز لك -مثلاً- أن تنقص من أظفارك وأن تنقص من شعرك؛ لأنك ما نويت ولا أحرمت، فالإحرام هو النية والعزم بالقلب على الدخول في النسك.
والحاصل أن المحرم متى عزم بقلبه على أن يدخل في النسك فهو محرم، وهنالك يترك المحظورات، وهنالك يرفع صوته بالإهلال الذي هو علامة على هذا النسك حج أو عمرة.
والتلبية النبوية المشهورة: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ، كرر فيها قوله: (لا شريك لك) مرتين، وذلك رداً على تلبية الكفار، فالكفار كانوا يدخلون الشرك في تلبيتهم، فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
وكان النبي ﷺ إذا قالوا: لبيك لا شريك لك يقول لهم: (قدقد) أي: قفوا، فلا تتجاوزوا ولا تفسدوا تلبيتكم، ولا تجعلوا فيها شركاً.
فلما كان في تلبيتهم هذه الكلمة الشركية كرر (لا شريك لك) مرتين ليحقق بذلك أن التلبية لله وحده، وأنه لا يجوز أن يشرك معه، وهكذا شرع هذه التلبية.
وإذا قلت: ما معنى هذه التلبية؟ نقول: إذا دعاك أبوك أو أخ لك أكبر منك أو عمك ونحو ذلك لبيت دعوته فقلت: لبيك يا أبتي لبيك يا أخي فهي علامة على استجابة وعلامة على إجابة الدعاء، ولا شك -أيضاً- أنها علامة على القبول، على تقبل ما يرشدك إليه وما يدعوك إليه، فإذا دعاك وقلت: (لبيك) فإنك تقول: إنني قابل لما قلته ملتزم به.
واشتقاقها من (لب بالمكان) إذا لصق به، ومنه سميت اللبابة التي في داخل اللباس (لبابة اللباس) لأنها ملاصقة له، فكذلك (لب بالمكان) أي: لصق به.
ولفظها لفظ المثنى (لبيك) ، فما قال: (لبك) ، ولكن (لبيك) يعني: مرتين، فلفظها لفظ المثنى، ولهذا يقول بعضهم: دعوت لما نابني مسوراً فلبى فلبي يدي مسور فجعلها بلفظ المثنى.
وليس المراد منها التثنية فقط، بل المراد التكرار، فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] ليس المراد به مرتان فقط، فإنه في مرتين لا ينقلب البصر خاسئاً وهو حسير، بل المراد تكرار النظر، فكذلك قوله: (لبيك) ليس المراد إجابتك مرتين، بل المراد تكرار الإجابة.
فالملبي كأنه يقول: أنا مقيم على طاعتك، وأنا ملازم لدعوتك، وأنا ملازم لأمرك مرات بعد مرات وكرات بعد كرات.
فهكذا يكون معنى هذه التلبية، إجابة الدعوة ولزومها والالتزام بالطاعة، والالتزام بالامتثال الذي أمر به، كأنه يجيب الدعوة، ويلتزم بما دعي إليه، وكأنه يقول: أنت -يا رب- دعوتني لأمر، فأنا قد أجبتك، وقد ألزمت نفسي، وقد التزمت بأن أتقيد بأمرك، وأنا مقيم على طاعتك مرة بعد مرة، وكرات بعد كرات، لا أتخلى عن طاعتك.
وإذا كان كذلك فإن الملبي يعرف أنه قد عاهد ربه على أن يلازم طاعته، وعلى أن لا يتخلى عنها في وقت من الأوقات.
إذاً فالتلبية كأنها عهد، وكأنها التزام، وكأنها مبايعة من الإنسان لله ، إذا أتى لأداء هذا النسك، ورفع صوته بهذا الشعار، والتزم بما تعهد به، ورجع وهو على هذا الالتزام ولم يخل به، ولم يأت بما يناقضه، فبذلك يصير من الموفين بعهدهم إذا عاهدوا.
فهذه التلبية هي شعار للمتلبس بهذا النسك بحج أو عمرة، يكثر من هذه التلبية، ولا يقطعها إلا إذا شرع في رمي جمرة العقبة إن كان إحرامه لحج، أو إذا شرع في طواف العمرة إن كان إحرامه بعمرة، فيكررها، وتتأكد في عشرة أماكن، تتأكد إذا رقى على مرتفع، أو هبط في واد، أو ركب دابته، أو نزل منها، أو أقبل الليل، أو أقبل النهار، أو تلاقت الرفاق، أو سمع ملبياً، أو صلى مكتوبة، أو فعل محظوراً في عشرة مواضع تتأكد، وفي بقية الأماكن والأوقات تكون مشروعة مندوبة للإكثار منها، فالتلبية النبوية هي التي سمعنا، والزيادة عليها جائزة، فقد ثبت أنه ﷺ كان يسمع أصحابه يزيدون ولا يغير عليهم ولا ينكر عليهم، فمنها زيادة ابن عمر في قوله: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والشر ليس إليك، نحن عبادك الوافدون إليك، الراغبون فيما لديك.
وكذلك قوله: لبيك والرغباء إليك والعمل.
أو: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
أو: لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً، وكل هذا جائز؛ وذلك لأن فيه تعهداً من العبد بهذه الأعمال، وكذلك التزام بذلك، وكذلك -أيضاً- فيه وصف لله بما هو أهله من هذه الصفات؛ لأنه منه الخير، وإليه الخير، ومنه العطاء، وأن الشر ليس إليه، فإذا التزم الإنسان بمثل هذه رجي -إن شاء الله- أن تتقبل أنساكه وعباداته، وأن يحفظه الله تعالى في بقية حياته.
стр. 544
شرح عمدة الأحكام [٣٧]
стр. 545
حكم صلاة الجماعة للمسافر
السؤال
هل تجب صلاة الجماعة في المسجد على المسافر الذي وصل إحدى البلاد وما زال تحت حكم المسافر، مع ذكر الدليل؟
الجواب
تجب عليه ولو كان مسافراً، وذلك للأحاديث الدالة على أن الجماعة مخاطب بها كل من سمع النداء، ولكن المسافر إذا كان معه مسافر آخر وصلوا جماعة قصراً حصل لهم فضل الجماعة.
وكذلك -أيضاً- إذا كان المسافر فرداً، فالمسافر المنفرد واحد، فنقول له: لا تصل وحدك فيفوتك فضل الجماعة؛ فإن المنفرد إنما له جزء واحد من سبعة وعشرين جزءاً من صلاة الجماعة؛ لقوله ﵊: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة بسبع وعشرين درجة) .
فنحن نقول: يؤمر ويكلف المنفرد أن يصلي مع الجماعة ولو كان مسافراً، وإذا صلى معهم أتم ولا يقصر؛ لأن من صلى مع الجماعة والمتمين لزمه أن يتم ولزمه أن يصلي تماماً، وأما إذا كان معه جماعة فإنهم يقصرون.
فالحاصل أنكم إذا قدمتم بلداً وأنتم مسافرون ولكنكم لا تقيمون فيها وإنما تمرون عابرين فاقصروا الصلاة وأنتم جماعة، أما إذا قدمتها وأنت وحدك فلا تصل وحدك فتفوتك صلاة الجماعة ما دمت قادراً على أن تصلي مع الجماعة وتحصل لك فضيلة.
стр. 546
الصلاة في الطائرة مع تخلف بعض الأركان أو الشروط
السؤال
هل يجوز أداء صلاة الفريضة في الطائرة، وكذلك الجمع بين الصلاتين؟ وما الحكم إذا تعذر على المصلي استقبال القبلة في الطائرة؟
الجواب
لا بأس إذا خاف خروج الوقت، فإذا خاف أن الشمس تطلع وهو لم يصلِ الفجر، ولا يستطيع أن يأتي بالصلاة على الهيئة المطلوبة صلى ولو على كرسي، فإن كان هناك مكان متسع يتمكن أن يصلي فيه وهو قائم يستقبل القبلة لزمه ذلك، فإذا لم يتمكن صلى ولو على كرسيه، ولو كان وجهه لغير القبلة؛ لكونه معذوراً في ذلك؛ لأنه لم يتمكن من استقبال القبلة ولم يجد مكاناً يصلي فيه، وقد يكون المكان المخصص -مثلاً- يتسع لاثنين أو لأربعة أو لعشرة، والطائرة قد يكون فيها مائة أو مئات لا يتسع لهم هذا المكان، فأين يصلون إذا كان الوقت قصيراً من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؟! ففي هذه الحال يصلون إذا خافوا خروج الوقت على كراسيهم ولو لغير القبلة لأجل العذر.
وهكذا -مثلاً- إذا أخروا العصر وعرفوا أنهم لا ينزلون إلا بعد غروب الشمس، وأن الطائرة لا تنزل إلا بعد غروب الشمس، ووقت العصر يخرج بغروب الشمس، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن يصلوا وهم على كراسيهم ولو لغير جهة القبلة للعذر، وإن تمكن أحدهم أن يصلي وهو قائم صلى، وإلا اكتفى بالصلاة جالساً.
стр. 547
جمع المسافر بين الصلاتين في غير وقت السير
السؤال
ما صحة حديث معاذ الذي في الموطأ (أن الرسول ﷺ جمع نازلاً في تبوك) ؟
الجواب
الحديث صححه بعضهم، وأجابوا عنه بأنه لعذر إما لشغل وإما لمرض أو نحو ذلك، كالجمع بين صلاتين كالظهرين أو العشاءين في المدينة من غير سفر ولا مطر، ةذلك -أيضاً- لعذر، وعلى كل حال فالمعتاد والأكثر أنه ﵊ ما كان يجمع إلا إذا جد به السير، إذا كان على ظهر سير، وأما إذا كان نازلاً فإنه كان يوقت، كما كان في منى، إذ إنه نزل في منى أربعة أيام: يوم العيد وثلاثة أيام بعده أو يومين بعده يصلي كل وقت في وقته، فيصلي الظهر في وقته ركعتين، والعصر في وقته ركعتين، والمغرب في وقته، والعشاء في وقته ركعتين، فيكون قد وقّت وقصر لكونه على أهبة السفر فيعتبر مسافراً، ولكن لم يكن المسافر الذي يباح له الجمع بين الصلاتين؛ لأن الجمع -كما عرفنا- يختص بمن كان على ظهر سير.
стр. 548
دخول وقت الرباعية في السفر وصلاتها في الحضر
السؤال
إذا كنت مسافراً وجد بي السير، فدخل الظهر وأخرته إلى العصر، ووصلت إلى بلدي التي أقيم فيها بعد دخول وقت العصر، فهل يجوز لي أن أصلي الظهر ركعتين جمعاً مع العصر؟
الجواب
من أخر الوقت حتى وصل إلى بلده فإنه يصلي تماماً، وذلك لأن القصر إنما كان للسفر، وبعد الدخول ليس هو على سفر، وصورة ذلك: إذا دخل عليك وقت الظهر وأنت في الطريق وأخرته، ووصلت البلد وأنت لم تصل الظهر أو العصر، إما قبل أن يدخل العصر وإما بعد أن يدخل، فهذا الفرض الذي دخل عليك وأنت في الطريق وأخرته حتى وصلت إلى أهلك صله تماماً، أي: صل الظهر أربعاً.
وهكذا لو مضى عليك الوقتان، فلو أنك ما أتيت إلى البلد إلا بعد العصر في الساعة الرابعة والنصف -مثلاً- أو الخامسة، ولم تصل ظهراً ولا عصراً تصليها أربعاً وأربعاً، فتصلي كل وقت أربعاً، وتجمعهما، فإذا وصلت بادرت وصليت أربعاً ظهراً وأربعاً عصراً، وهكذا -أيضاً- العشاء، فإذا دخل عليك وقت العشاء وأنت في الطريق ولكنك أخرته فوصلت إلى بلدك وأنت لم تصل فلا تقل: هذا الظهر قد وجب علي ركعتين وأنا في الطريق، والآن وصلت فأصليه ركعتين والناس قد صلوا الساعة التاسعة أو العاشرة.
نقول: ما دمت وصلت إلى البلد فإنك تصليه تماماً، تصلي العشاء أربع ركعات لكونك لست على سفر.
وهكذا لو ذكر صلاة سفر في حضر، وصورة ذلك: إذا ترك صلاة الظهر نسياناً من يوم السبت، وجاء يوم الأحد وهو في بلده، فذكر أنه وهو في السفر ما صلى العصر التي مرت به في يوم السبت، وهو في الطريق نسيها، نقول في هذه الحال: يصليها في البلد أربع ركعات، ولو أنه صلاها في الطريق أو صلاها في السفر صلاها ركعتين، فهو الآن من أهل الأربع، فيصليها أربعاً.
والعكس، فلو قدر -مثلاً- أنك وأنت عند أهلك نسيت صلاة الظهر، ثم سافرت في يوم السبت آخر النهار وما صليت الظهر نسياناً وقد صليت العصر، فذكرتها في يوم الأحد وأنت في الطريق، فإنك تصليها أربعاً احتياطاً للصلاة؛ لأنها وجبت عليك أربعاً وأنت في البلد وأخرتها بتفريط أو نحو ذلك، فتصليها أربعاً.
وهذا كله من باب الاحتياط للفرائض والإتيان بها كاملة كما أمر الله .
ويلاحظ -أيضاً- أن كثيراً من الناس إذا أقبلوا على البلد قبل العصر وهم في الطريق آتين، صلوا الظهر والعصر، فيصلونها في الساعة الثانية عشرة أو نحوها، ثم يأتون إلى البلاد في الساعة الثانية قبل أن يدخل العصر، ويقولون: قد صلينا العصر، وانتهينا.
نقول: صليتموها ركعتين، وأنتم الآن من أهل الأربع، فأعيدوها، فما دام أنكم وصلتم في الوقت، ودخل عليكم الوقت وأنتم من أهل الأربع لزمكم أن تصلوها أربعاً.
وهكذا -مثلاً- العشاء، فلو أنهم أقبلوا -مثلاً- من المدينة أو من القصيم، ولما قربوا من البلد غربت عليهم الشمس، وصلوا المغرب، وصلوا معه العشاء ركعتين، وجاءوا -مثلاً- إلى الرياض في الساعة الثامنة قبل أن يدخل الوقت، أو قبل دخول وقت العشاء، وقالوا: قد صلينا العشاء ركعتين في الطريق.
نقول: أنتم الآن من أهل الأربع، وأنتم صليتموها هناك ركعتين، وقد وجبت عليكم الأربع، فعليكم أن تعيدوها.
أما لو صلوها أربعاً هناك إن كان ممن يباح لهم الجمع أجزأ ذلك عنهم إن شاء الله.
والله تعالى أعلم.
стр. 549
غسل الجمعة من ليلتها
السؤال
هل الاغتسال بعد المغرب من يوم الخميس يعتبر غسلاً للجمعة؟
الجواب
إذا علمنا أن الحكمة فيه أن يكون الإنسان نظيفاً فعندما يحضر إلى المسجد يكون نظيف البدن فإنه يحصل بذلك أنه قد اغتسل.
ولكن على كل حال فما دام في الأحاديث الأمر بالاغتسال يوم الجمعة، كحديث: (من جاء الجمعة فليغتسل) ، وحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ، فالأفضل أن يكون بعد صلاة الصبح وقبل صلاة الجمعة.
стр. 550
المقدار الزمني لخطبة الجمعة
السؤال
هل لخطبة الجمعة مقدار محدد من الزمن، أم لابد من إتمام الموضع الذي تطرق له الإمام؟
الجواب
الكثيرون من الناس يستطيلون الخطبة إذا كانت عشرين دقيقة أو خمس عشرة دقيقة، وينفرون من الخطيب، وقد يقطعون الخطبة وقد يخرجون، ولا شك أن هذا خلاف الأصل، فالأصل أن الخطبة كانت تمكث مدة، لذلك احتيج إلى أن يجلس بينهما للاستراحة، فلو لم يكن هناك طول لما جلس بينهما يستريح.
وعلى كل حال فقد يكون الموضوع قصيراً فينهيه في خمس دقائق أو في عشر دقائق ويعطيه حقه، ولكن في مثل هذه الحال ينبغي أن يطرق عدة مواضيع حتى يستفاد من ذلك، وقد يكون الموضوع طويلاً، فالأولى أن يبسطه ويتوسع فيه، فيبسط ذلك الموضع حتى يستوفي الكلام حوله، ولو بلغ خمس عشرة دقيقة أو عشرين دقيقة أو ثلاثين دقيقة حتى يبلغ ويأتي بالأمثلة والأدلة والتعليلات والتحذير من المخالفة وما أشبه ذلك، فإذا تكلم -مثلاً- على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ذكر الأدلة، وذكر الأمثلة، وذكر المصالح التي تترتب على ذلك، وذكر المفاسد التي تنجم عن التهاون بذلك، وذكر الكيفية التي يستعملها، ومتى يكون المكلف أهلاً لهذه الوظيفة وما أشبه ذلك.
وإذا تكلم على الدعوة إلى الله تعالى تكلم على الأدلة، وتكلم على الحكم والمصالح، وتكلم على الأساليب، وتكلم على الأهلية التي يكون بها أهلاً لأن يدعو إلى الله، وما أشبه ذلك.
وقد يكون الخطيب مستحضراً لكثير من الأدلة، وقد لا يستحضر إلا بعضها، ولكل مقام مقال.
стр. 551
حكم رفع اليدين في دعاء خطبة الجمعة
السؤال
هل للإمام أن يرفع يديه في خطبة الجمعة للدعاء، وكذلك المأمومون هل لهم ذلك؟
الجواب
يرفعون أيديهم إذا رفع الإمام، والحديث عام، وهو قوله (إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) ، و (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء) ، وأن رفع اليدين من باب الاستجداء والاستعطاء من الله تعالى فهو سبب للعطاء، وما دام كذلك فإن الإمام يرفع يديه، والمأمومون يرفعون أيديهم للتأمين، وهذا هو الصحيح.
وأما الحديث الذي يستدل به من ينهى عن ذلك، وهو أن بعض الصحابة دخل ورجل من بني أمية يخطب وهو يحرك يديه، فقال: (قبح الله هاتين اليدين؛ ما كان النبي ﷺ يحرك إلا إصبعه) يعني: للتشهد.
فنقول: فعل هذا الخطيب ليس في الدعاء، إنما هو في أثناء الخطبة، وهو يحرك يديه بكثرة، يحرك يديه من باب الاهتمام بالأمر، فأنكر عليه كثرة مد اليدين ورفعهما وتحريكهما، فذكر أنه ﵊ في أثناء الخطبة إنما كان يحرك إصبعه للتشهد، وليس رفع اليدين للدعاء تحريكاً، إنما الذي أنكر هو التحريك الذي هو مستمر باطراد بيديه.
стр. 552
وقت الامتناع عن الكلام في خطبة الجمعة
السؤال
متى تبدأ فترة النهي عن الحديث وقت صلاة الجمعة؟
الجواب
عند ابتداء الخطبة، إذا ابتدأ الإمام يخطب الخطبة الأولى فبعد ذلك يلزم المأمومين أن ينصتوا، وأن يقطعوا الحديث، وأن لا يتكلم أحد بأدنى كلمة، حتى ولو كانت أمراً بالمعروف ونحو ذلك، وقد قال النبي ﷺ : (إذا قلت لصاحبك: أنصت.
والإمام يخطب، فقد لغوت) ، وكلمة (أنصت) لفظة واحدة، وهي أمر بخير، ومع ذلك جعلها لغواً، والحكمة في ذلك: أن الخطيب يوجه كلماته إلى الحاضرين، فيجب أن يكون كل من الحاضرين منصتاً لما يوجه إليه مصغياً بأذنيه، لا يتحرك لسانه، ولا تتحرك يداه حركة تشوش عليه أو تسبب غيبة فكره، ولأجل ذلك قال: (ومن مس الحصى فقد لغا) ، وكان المسجد فيه حصا وليس مفروشاً، فكان أحدهم إذا جلس أخذ يمسح الحصى ويسويه، فجعل ذلك -أيضاً- من اللغو ومن العبث، وكل ذلك لأجل أن لا يكون هناك حركة تشوش على المصلي.
стр. 553
تحية المسجد يوم الجمعة قبل وقت الظهر
السؤال
إذا دخلت المسجد والإمام يخطب قبل دخول وقت الظهر بعشر دقائق هل أجلس أو أصلي ركعتين؟
الجواب
يوم الجمعة ليس فيه نهي، ولأجل ذلك يؤمر بأن يصلي كل من دخل، كما في الحديث، فإنه لما دخل رجل والنبي ﷺ يخطب ورآه قد جلس -وهذا الرجل اسمه سليك الغطفاني - قال له: (أصليت يا سليك؟ قال: لا.
قال: قم فاركع ركعتين) ، ولو لم تزل الشمس، ولو كانت في وسط النهار، أي: عندما يقوم قائم الظهيرة، فيصلي كلما جاء، سواء في وقت النهي أو بعده أو قبله، يصلي تحية المسجد، أو يصلي ما كتب له.
والصلاة قبل الجمعة مرغب فيها، ففي الحديث الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة، ولبس أحسن ثيابه، ومشى ولم يركب، وأتى إلى المسجد، وصلى ما كتب له كان ذلك كفارة لما بينه وبين الجمعة الآتية) ، فأباح له أن يصلي ما كتب له، ولو عشر ركعات أو عشرين ركعة، ولم يحدد له عدداً.
стр. 554
إذا وصل المسافر إلى بلده وقت الجمعة وقد صلاها ظهراً
السؤال
ما الحكم فيمن كان مسافراً يوم الجمعة إلى بلده فصلى الجمعة ظهراً في سفره، ثم وصل إلى بلده قبل خروج وقت صلاة الجمعة؟
الجواب
ما دام أنه لم يأت إلا بعد صلاة الجماعة تجزئه صلاة الظهر التي صلاها ولو قصراً، إنما تلزمه إذا جاء قبل أن تصلى، فيلزمه أن يتوجه إلى المسجد ويصليها مع الحاضرين، ولا يجزئه صلاته قبل ذلك، والأصل أن المسافر لا يصلي الصلاة إذا كان قد قرب إلى بلده إلا بعد أن يصل، أو أن يخشى خروج الوقت، فإذا أقبل -مثلاً- إلى الرياض من المنطقة الشرقية -مثلاً- وزالت الشمس، وبينه وبين الرياض -مثلاً- ساعة فله أن يصلي الظهر قصراً هناك، فيصليها ظهراً، ويأتي بعد أن تصلي الجمعة ويخرجوا من المساجد بنصف ساعة أو بساعة أو نحو ذلك، ولا يقال له: إن الوقت لا يزال وقت الجمعة؛ إذ كيف يصلي جمعة وهو وحده؟ بل تجزيه صلاة الظهر قصراً.
стр. 555
الإمام والتبكير إلى المسجد
السؤال
علمنا ما للمأموم من التبكير في صلاة الجمعة من فضل في الساعة الأولى أو الثانية أو غيرها، فما للإمام؟ هل يلزمه أن يأتي ويدخل المسجد، أم ماذا يفعل حتى يحصل على ذلك الأجر؟
الجواب
لا يلزمه، فإذا تأهب لذلك واستعد واشتغل بما يشتغل به المأمومون من قربات أو صلوات ولو كان في بيته مستعداً لذلك فهو على أجر، وله هذا الأجر، ويجوز أن يأتي ويقف في الصف الأول مبكراً، ويشتغل بالصلوات، ويشتغل بالقربات وبالقراءة إلى أن يحين وقت الخطبة، ثم يبدأ فيخطب، ويعتقد كثير من العامة أنه لا يجوز لإمام أن يدخل إلا وقت الصلاة، ويقولون: إن هذا فعل النبي ﷺ .
نقول: النبي ﵊ كان بيته في داخل المسجد، فهو في حكم المسجد، فيجلس فيه إلى أن يحين وقت الإقامة أو وقت الخطبة، ثم يأتي فيقصد المنبر أو المحراب للصلاة، فيكون حكمه حكم من هو في داخل المسجد.
فعلى كل حال إذا رأى الإمام من المصلحة أن يجلس في بيته متأهباً مغتسلاً مشتغلاً بقراءة أو مشتغلاً بقربة أو بصلاة نفل فهو على خير وله أجر، وإن رأى أن يأتي إلى المسجد ويجلس في جانب أو حجرة من حجره أو في صف من صفوفه ويشتغل بالقرب فله أجر إن شاء الله.
стр. 556
الاكتفاء بالغسل عن الوضوء
السؤال
مكلف عليه الوضوء فاغتسل، فهل يجزئ هذا الغسل عن الوضوء؟
الجواب
يجزئ مع النية والترتيب، والنية أن ينوي رفع الحدث الأصغر والأكبر، والترتيب أن يبدأ بالمضمضة وغسل وجهه بعد الاستنجاء مثلاً، ثم بعد ذلك يغسل يديه، ثم بعد ذلك يغسل رأسه، ثم من رأسه يغسل بقية بدنه حتى يغسل قدميه آخر ما يغسل، فيكون قد رتب، فبدأ بوجهه ثم يديه ثم رأسه ثم عنقه ثم منكبيه ثم بطنه وظهره ثم فخذيه ثم ساقيه ثم قدميه، فيكون قد رتب، وهذا الترتيب لازم في الوضوء، فالترتيب ركن من أركان الوضوء.
وهذا هو الصحيح، وهناك قول أنهما يتداخلان، فإذا نوى رفع الحدث الأكبر دخل فيه الأصغر، والأصغر هو الوضوء، والأكبر هو الغسل، فيقول بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -: إنه لا يجب الوضوء مع الغسل، بل يكفي ويدخل الوضوء في الغسل.
стр. 557
عدد خطب العيد وحكم صيام أيام التشريق
السؤال
الخطبة في العيدين هل هي واحدة أو اثنتين؟ وما حكم صيام أيام التشريق؟
الجواب
مشاهد أن خطبة العيد خطبتان، يخطب في كل عيد خطبة ثم يجلس ثم يخطب خطبة، لا خلاف في ذلك، ثم بعد ذلك تنتهي، وبانتهاء الخطبة تنتهي الصلاة ويدخل وقت ذبح الأضاحي.
أما الصيام فإنه حرام أن يصوم يوم العيد، سواء عيد الفطر أو عيد الأضحى، أما أيام التشريق فالصحيح -أيضاً- أنه حرام صيامها، إلا في مكة لمن لم يجد الهدي واحتاج إلى أن يصوم ثلاثة أيام بمكة فله أن يصوم أيام التشريق: يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فأما غير أهل مكة فليس لهم أن يصوموها؛ وذلك لأنها بقية أيام العيد، والناس فيها يأكلون من أضاحيهم ومن نسكهم، ولهذا علل النهي عن صوم يوم العيد في بعض الأحاديث أنه ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم عيد الفطر الذي تفطرون فيه من صيامكم، وعيد النحر الذي تأكلون فيه من نسككم، ولا شك أن الثلاثة هي أيام ذبح وأيام نسك، فنهي عن صيامها حتى يتمكن الناس من أن يأكلوا فيها ويذكروا الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
والله تعالى أعلم.
стр. 558
توجيه المحتضر إلى القبلة
السؤال
ذكر الشارح ﵀ أن المحتضر يوجه إلى القبلة، فهل هذا مشروع؟
الجواب
هو مشروع، ودليله ما روي في الحديث أن النبي ﷺ لما عد كبائر الذنوب ذكر منها استحلال الكعبة، وقال: (كبائر الذنوب قول الزور، وشهادة الزور، والشرك بالله -إلى أن قال:- واستحلال القبلة قبلتكم أحياءً وأمواتاً) ، فمن قوله: (قبلتكم أحياء وأمواتاً) أخذوا من ذلك انه إذا احتضر يوجه إلى القبلة، يكون وجهه إلى القبلة حتى تخرج روحه وهو على أحسن الحالات وأفضلها، فيموت موجهاً إلى القبلة التي يتوجه إليها وهو يصلي، فهذا دليله (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) .
وقد روي -أيضاً- عن حذيفة أنه لما حضره الموت قال: وجهوني.
أو روي عن غيره من الصحابة أنهم كانوا يأمرون المحتضر أن يوجه إلى القبلة حتى تخرج روحه وهو على تلك الحال، وقد أنكر ذلك -أيضاً- بعض السلف كـ سعيد بن المسيب، ولعله لم يبلغه الأثر.
وعلى كل حال فمشروع توجيهه إلى القبلة حتى يموت على أحسن حال.
стр. 559
حكم صلاة العيدين
السؤال
ما هو القول الراجح في حكم صلاة العيدين؟
الجواب
الراجح -كما هو قول الجمهور- أنها فرض كفاية، ولكنها من الفروض المؤكدة، حيث جاء فيها هذا التأكيد والأمر للنساء، فقد روي أن عائشة ﵂ في آخر حياتها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.
كأنها رأت أن النساء في زمانها قد حصل منهن شيء من التبرج أو التجمل الذي تحصل به الفتنة في زمانها الذي هو القرن الأول، فقالت: إن هذا الذي هو تجمل وتطيب ولبس لأحسن الثياب ولبس لكامل الحلي وما أشبه ذلك مما تحصل به الفتنة، وخروجها -والحال هذه- تحصل به مفسدة؛ حيث إن الناس لابد أن ينظروا إليها، سيما إذا كان يجمعهن بالرجال طريق واحد أو نحو ذلك، فهذا دليل على أن عائشة فهمت أن أمر النساء الذي كان في عهد النبي ﷺ بإخراج ذوات الخدور وإخراج الأبكار والمخدرات ونحوهن أن ذلك لمناسبة وأنه لا يدل على الوجوب.
стр. 560
ما يحصل به الركن من ركوعي صلاة الكسوف
السؤال
لو دخلت في صلاة الكسوف وقد رفع الإمام من الركوع الأول من الركعة الأولى، فهل أكون قد لحقت تلك الركعة؟
الجواب
الصحيح أن الركن يحصل بالركعة الأولى، فالركوع الأول هو الركن الذي هو من أركان الصلاة، والقيام الثاني يعتبر سنة، والركوع الثاني يعتبر -أيضاً- سنة، والسنة لا تقوم مقام الركن، ولأجل هذا يجوز -عند بعض العلماء- عدم تكرار الركوع، فيجوز أن يصليها بركوع واحد كصلاة الفجر، إلا أنه يطيل فيها الأركان، فما دام أن الركوع الأول هو الركن فمن أدركه أدرك الركعة، ومن فاته فاتته تلك الركعة، فيقوم ويقضيها، ولو أدرك القيام الثاني والركوع الثاني أي: فاته القيام الأول والركوع الأول، لكن أدرك القيام الثاني وأدرك الركوع الثاني وأدرك الرفع وأدرك السجدتين ورجع فلابد أنه يقضي؛ لأنه فاته القيام الأول وفاته الركوع الأول، فهو بمنزلة الركوع في صلاة الفجر.
стр. 561
سهو المصلي في الكسوف عن الركوع الثاني
السؤال
إذا سها الإمام في صلاة الكسوف فركع ركوعاً واحداً ثم سجد، فهل يفعل في الركعة الثانية مثل الأولى، أم أنه يأتي بالصيغة الواردة ثم يسجد للسهو؟
الجواب
ذكرنا أن بعض العلماء أجاز أن يقتصر على ركوع واحد، وأن تكون كصلاة الفجر، إلا أنه يطيلها، ولكن هذا خلاف السنة، حيث ورد التكرار تكرار كل ركوع، وتكرار الركوع الأول في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية، يكرره مرتين أو ثلاثاً كما ذكرنا.
ولا سجود عليه إذا اقتصر على ركوع، لكن لو كان ذلك عن غفلة أو عن نسيان فإنه يسجد؛ وذلك لأنه أخلف الصلاة عما كان عزم عليه، فلو دخل على أنه سيجعل الركعة الأولى بركوعين، ولكنه لما رفع من الركوع الأول نسي أن يقرأ فسجد بعدما قال: (ربنا ولك الحمد) واستمر في سجوده سجدتين، وقام للركعة الثانية، وقرأ فيها ثم ركع، ثم رفع وقرأ ثم ركع، ثم رفع وسجد، فأتى في الركعة الثانية بركوعين وبقيامين، والركعة الأولى ليس فيها إلا قيام وركوع، فجائز ذلك، وعليه السجود لكونه لم يأتِ بما عزم عليه وسها وفعل شيئاً نسياناً.
стр. 562
الخطبة لصلاة الخسوف
السؤال
هل يشرع لصلاة الخسوف خطبة؟
الجواب
لا يشرع لها الخطبة التي تشرع في خطبة العيد أو في خطبة الجمعة، ولكن يشرع بعدها موعظة وتذكير لما يفعل في هذه الصلاة، وكذلك بأسبابها، وكذلك بنتائجها، فيذكرهم الخطيب الذي هو الإمام ويعظهم، ويحثهم في مثلها على أن لا يتهاونوا بآيات الله، وأن يسارعوا إلى الصلاة التي وجد لها سبب، فأما أن يصعد المنبر ويخطب خطبة مبتدأة بالحمد وبالشهادة وبالصلاة على النبي ﷺ وبالوصية بتقوى ونحو ذلك فلا يشرع ذلك؛ لأنه لم يرد إلا موعظة بعدها.
стр. 563
صلاة حراس المسلمين متناوبين
السؤال
هل يجوز للجنود في مواجهة العدو أن يصلوا مجموعتين، كل مجموعة بإمامهم، على أن تحرس كل مجموعة الأخرى في أثناء صلاتهم؟
الجواب
إذا كانوا مضطرين إلى الحراسة، فيجوز لهم ما دام أن معهم من يصلح إماماً، فلا بأس أن يصلوا جماعتين أو جماعات على قدر الحاجة، والأولى أن يتركوا أقل عدد يمكن قيامهم بالحراسة، فإذا كان الجنود -مثلاً- ألفاً، وفي الإمكان أن يقوم بالحراسة كاملةً مائة، فإن تسعمائة يصلون الصلاة في وقتها خلف إمام، والبقية الذين يحرسون إذا جاء أولئك يصلون خلف إمام آخر، فلا بأس أن ينقسموا إلى قسمين، فإذا كانت الحراسة لا يكفيها مائة ولابد من أكثر ولو خمسمائة انقسموا قسمين، فيصلي خمسمائة ويحرس الباقون، ثم يصلي الباقون ويحرس الذين قد صلوا.
وعلى كل حال إذا كان هناك عمل مهم يحتاج إلى حراسة وإلى مراقبة له فإنه يجعل فيه من يكفي ويصلي الباقون.
وكثيراً ما يذكر لنا بعض الذين يلازمون الحراسة أنه يمضي عليهم وقت أو وقتان وهم ملازمون للحراسة، وأن ذلك يلزمون به من قبل رؤسائهم ومدرائهم، فنقول لهم: ما دام كذلك فإذا دخل الوقت ورأيت واحداً منهم قد صلى ففي الإمكان أن يأتي مكانك عشر دقائق حتى تصلي، كما لو احتجت إلى المرحاض أو إلى الحمام للتخلي فإنك تأتي بواحد يقوم مقامك، فكذلك وقت الصلاة الذي لا يستغرق أكثر من عشر دقائق على الأكثر، فتأتي بواحد يقوم مقامك، وإذا كان لا يكفي واحد تأتي باثنين أو بعشرة حتى يؤدوا الواجب، وحتى تؤدي الصلاة في وقتها، فأما أن تستمر في الحراسة حتى يخرج الوقت فإن هذا لا يجوز، فلابد من أداء الصلاة في وقتها ما دام هناك تمكن.
стр. 564
حكم سجود السهو للنافلة
السؤال
هل يلزم سجود السهو للمتنفل كالمفترض، فلو قام المتنفل إلى ثالثة سهواً ثم رأى أن يتنفل بأربع فما حكم فعله؟ وهل يسجد للسهو؟
الجواب
ما دام أنه دخل بنية ركعتين فإذا قام للثالثة وتذكر أنها ثالثة قطعها وجلس، حتى ولو ركع، وحتى ولو رفع، فساعة أن يتذكر أنها ثالثة يجلس؛ لأنه دخل على أن نيته ركعتان، ثم إذا تشهد سجد للسهو ثم سلم.
стр. 565
ما يفعله المسبوق إن سها إمامه
السؤال
كيف يعمل المأموم المسبوق الذي سها إمامه سهواً لا يعلمه -أي: قبله- أو يعلمه، سواء أكان سجوده قبل السلام أم بعده؟
الجواب
المأموم يتابع إمامه، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً، فيسجد معه بسجوده، ولو كان السهو قد سبقه، وورد في كلام الفقهاء: لا سهو على مأموم إذا كان خلف الإمام، وإذا سها الإمام سجد المأموم معه تبعاً له.
فالحاصل أنك إذا أتيت والإمام عليه سجود سهو فاسجد معه، حتى لو كان السهو في الركعة التي سبقتك اسجد معه، وإذا كان السجود قبل السلام فإنك تسجد معه ثم تقوم بعدما يسلم وتكمل ما فاتك.
أما إذا كان السجود بعد السلام فإذا قمت وأنت لا تدري أن عليه سجوداً فلك الخيار أن ترجع إذا رأيته سجد وتسجد معه، ثم إذا سلم مرة ثانية قمت لإكمال ما سبقك، أو تستمر على انفرادك، وإذا كان في آخر صلاتك تسجد للسهو عوضاً عما فاتك من سجودك مع إمامك، ولكن الأولى أنك إذا قمت لتأتي بالركعة التي فاتتك بعدما سلم الإمام، ثم سجد أو تذكر أن عليه سجود وسجد أن ترجع حتى ولو كنت واقفاً، فارجع واسجد معه سجدتين، وإذا سلم الثانية فقم.
следующие страницы →