Полный текст (1 083 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
المراد بالصوم في سبيل الله
السؤال
حديث: (من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) هل هذا خاص بالصوم في الجهاد في سبيل الله، أم هو عام؟
الجواب
قوله: (في سبيل الله) فيه قولان: الأول: أن المراد به الجهاد، أي: قتال الكفار والغزو.
ويلحق به الحج؛ فإنه من سبيل الله، الثاني: أن المراد به التطوع، أنه صام تطوعاً، والتطوع من سبيل الله، أي: مما يقرب إلى الله، وعلى هذا لا يكون خاصاً بالجهاد.
стр. 597
حكم من قضى الصوم يوم الجمعة وحكم صومه دون اعتقاد التخصيص
السؤال
إذا أفطر شخص يوماً من رمضان لعذر وأراد أن يقضيه يوم الجمعة فما الحكم؟ وما الحكم لمن أراد صوم يوم الجمعة منفرداً وهو لا يعتقد تخصيصه بصوم؟
الجواب
بعض العمال ما عندهم إجازة ولا عطلة إلا يوم الجمعة، ولا يستطيعون أن يصوموا وهم يعملون، ففي هذه الحال إذا كان عليه قضاء أو يريد تطوعاً مطلقاً جاز له أن يخص يوم الجمعة، ولكن لا يخصه لأجل أن فيه مزية، أو أن صيامه فيه مزية، أو أن له زيادة فضل على غيره، ولكن يخصه لأجل أنه لم يتيسر له الصوم إلا فيه.
فكثير من العمال يتعللون ويقولون: أيام الأسبوع كلها عندنا أيام عمل، والعمل قد يكون فيه مشقة، ومن الصعب أن نصوم ونحن نعمل، فلا يكون لنا إجازة ولا رخصة إلا يوم الجمعة، ونحن نحب أن نتقرب بالصوم، أو يكون علينا صيام قضاء! فنقول لهم: لا بأس أن تصوم يوم الجمعة لهذه المبررات.
كذلك من صامه خاصاً به، أي: خصص يوم الجمعة.
فنقول له: إن كان اعتقادك أن له مزية وله فضيلة على غيره فلا يجوز هذا الاعتقاد ولا يجوز هذا التخصيص؛ فإن النبي ﷺ ما أمر بإفطاره إلا نهياً عن اعتقاد مزية في صيامه.
ولا شك أن يوم الجمعة له مزية وفضل، وله مزية في الأعمال، ولكن الصيام يستثنى من هذه الأعمال.
стр. 598
وجه كون النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم بأنه عيد الأسبوع
السؤال
ذكر أن سبب النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام كونه عيداً، مع أنه يجوز صيامه إذا ضم إليه يوماً آخر؟
الجواب
الله أعلم أن السبب في كون تخصيصه لأجل مزية فيه، فالنهي عنه لأجل أنه عيد الأسبوع، ولأن الذين يصومونه قد يعتقدون أن في صيامه أجراً لكونه ذا فضل، ففي الحديث: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة) ، فما دام أنه خير الأيام فقد يعتقد بعض الناس أن له مزية وله فضيلة ولصيامه ميزة على غيره، فنهي عنه لأجل هذا الاعتقاد، ويزول هذا المحذور إذا صام يوماً قبله معه أو يوماً بعده.
стр. 599
حكم صيام أيام التشريق لمن لم يجد هدياً
السؤال
ما حكم صيام أيام التشريق لمن لم يجد هدياً؟
الجواب
رخص بذلك بعض الصحابة حتى يتحقق صوم الأيام الثلاثة في الحج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فإذا لم يجد الهدي أو قيمة الهدي، ومضت عليه الأيام التي قبل العيد، ولم تبق إلا الأيام الثلاثة التي بعد العيد فيصوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وهي أيام التشريق، فهذا مرخص فيه، أما لغير ذلك فلا يجوز.
стр. 600
حكم من نذر صيام عشر ذي الحجة
السؤال
من نذر أن يصوم عشر ذي الحجة.
فكم يوماً يصوم؟
الجواب
يصوم تسعة أيام، أما العاشر فلا يجوز، وتطلق العشر على التسع، يقال: صام العشر.
أو: صيام العشر أو نحو ذلك، ومعلوم أنه لا يجوز صوم العاشر، وإنما يجوز له أن يصوم التسعة فقط.
стр. 601
حكم من نذر صيام العيدين
السؤال
من نذر صيام يوم العيدين فهل يوفي بنذره؟
الجواب
لا يجوز، ولكن عليه أن يكفر ويصوم بدلهما، يكفر عن يمينه ويصوم يومين غيرهما.
стр. 602
حكم تردد النية بين الصوم والإفطار في النفل والواجب
السؤال
إذا كان الإنسان صائماً، ثم ترددت نيته في الإفطار وعدمه، فهل يعد مفطراً؟ وهل يقضي؟ وهل هناك فرق بين النفل وبين الواجب؟
الجواب
ذكر العلماء أن من عزم على الإفطار ولو لم يأكل بطل صومه، فلو سافر إنسان وعزم على أنه يفطر، ولكن ما وجد ماء ولا وجد أكلاً، ولما لم يجده أكمل صيامه نقول: بطل صومه بهذا العزم.
أما مسألة التردد فالأصل البقاء، فإذا لم يكن هناك عزم إنما هو تردد هل أتم صومي أو أقطعه، وهل أفطر أو أصوم فالأصل البقاء، فلا يضره هذا التردد إن شاء الله، وله صيامه، ولا يلزمه القضاء والحال هذه، ولا فرق، إلا أنه معروف أن النفل يصح بنية من النهار، فلو أن إنساناً أصبح مفطراً، ولكنه في وسط الضحى لم يجد طعاماً يأكله فنوى إكمال صيام ذلك اليوم صح صيامه، بشرط أن تكون النية قبل الزوال، وأن لا يكون قد أكل في ذلك النهار.
ويقولون: إنه ما يحسب له إلا من وقت النية، أما الفرض فلابد أن ينويه من الليل.
стр. 603
حكم تداخل النية بين الست من شوال وأيام البيض والإثنين والخميس
السؤال
هل الذي يصوم ستاً من شوال ويكون من بينها أيام البيض أو يوم الإثنين والخميس يكون له أجر الست وأجر صيام أيام البيض وأجر الإثنين والخميس؟
الجواب
يكون له ذلك إن شاء الله، وذلك لأنه حصل له صيام ستة أيام؛ فمثلاً: صام من الأسبوع الأول الإثنين والخميس، ومن الأسبوع الثاني الإثنين والخميس، ومن الأسبوع الثالث الإثنين والخميس، فيكون قد حصل له أنه صام الأيام التي تعرض فيها الأعمال كل إثنين وخميس، وحصل له صيام الست من شوال؛ لأن صيام الستة الأيام تصح ولو متفرقة، وكذلك لو صام أيام البيض وصام قبلها أو بعدها ثلاثاً صدق عليه أنه صام ستة أيام من شوال، وصدق عليه أنه صام أيام البيض، فله أجر هذا وهذا.
стр. 604
صفة تطهير المذي من الملابس والبدن
السؤال
إني رجل مذاء، وقد علمت حديث علي ﵁ في ذلك، ولكن بالنسبة للباس إذا أصابه المذي هل يغسل، أم يرش عليه الماء، أم يمر عليه بالماء؟ وهل الجواب يشمل ما خالط البول باعتبار نجاسة المذي والبول على السواء؟
الجواب
قد ورد فيه حديث علي المشار إليه، قال: (كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله، فقال: فيه الوضوء -أو: منه الوضوء -) ، وفي رواية: (قال: يغسل ذكره ويتوضأ) ، وفي رواية: (قال: اغسل ذكرك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة) ، ولم يذكر في الحديث غسل ذلك المذي الذي يصيب الثوب، ولا غسل ما يصيب الجسد منه، ولكن ذلك مأخوذ من أحاديث أخرى.
ويذهب بعض من العلماء إلى أن المذي طاهر، وأكثرهم على أنه نجس والذين قالوا: إنه طاهر قالوا: غسله من باب إزالة الوسخ ومن باب إزالة القذر، كما يغسل من البصاق ونحوه.
وعلى هذا ما دام أن هذا السائل يخرج منه هذا المذي بكثرة لقوة الغلمة وشدة الشهوة، يخرج منه بأدنى خطرة وبأدنى نظرة، كما يخرج من كثير من الشباب عندما يخطر بباله خاطر أو ينظر أدنى نظرة إلى امرأة أو إلى امرأته، فمثل هذا قد يتضرر بغسله من ثيابه ومن بدنه كل وقت، فنقول له: احرص على تنظيفه إذا تمكنت، ولو بمسحه بمنديل أو مسحه بخرقة أو نحو ذلك، وإذا صليت به أحياناً في الثوب أو في البدن فلا تعد صلاتك، والأصل أنه مثل المني أو أخف منه عند كثير منهم، وإن كان بعضهم ذهب إلى أنه مثل البول، وقال: يغسل كما يغسل البول.
وهو قول الكثير من العلماء، وبعضهم قال: يطهره الغسل والفرك والحك وما أشبه ذلك.
стр. 605
حكم من أدركه عيد الفطر في غير البلد التي ابتدأ الصيام فيها
السؤال
إنسان أدركه رمضان وهو في المملكة، ثم سافر في رمضان إلى بلد آخر، فهل يجعل الفطر على بلده أم البلد التي سافر إليها؟ وهل هناك فرق بين ما إذا كان سيصوم واحداً وثلاثين يوماً أو أقل؟
الجواب
يفطر مع أهل البلد التي هو فيها، سواء صام تسعة وعشرين أو واحداً وثلاثين، أو أقل أو أكثر.
فأحياناً بعض البلاد يتأخرون عن صوم المملكة يومين، فيسافر إليهم بعض من صام مع المملكة، فيكون الصوم عندنا تسعة وعشرين، فلا يصوم معهم إلا ثمانية وعشرين ثم يفطرون، أو بالعكس، فيصوم معهم ويفطر معنا، فلا يصوم إلا ثمانية وعشرين، ففي هذه الحال يقضي يوماً واحداً؛ لأن أقل الشهر تسعة وعشرون.
فعلى كل حال يفطر مع من أهل هلال شوال وهو عندهم، ويصوم مع من أهل هلال رمضان وهو عندهم، فإذا أهل هلال رمضان وهو في الهند، وتأخروا عن هذه البلاد يوماً أو يومين فلا يصوم إلا بصومهم.
стр. 606
حكم الإشارة باليد نحو القبلة عند التلبية بالحج والعمرة
السؤال
هل يشترط في التلبية عند الحج والعمرة أن يشير بيده باتجاه القبلة؟
الجواب
لا حاجة إلى الإشارة، فالتلبية إنما يرفع بها الرجل صوته، وأما المرأة فإنها تخفيها، وكونه يشير إلى جهة بيديه لا حاجة إلى ذلك، إنما التلبية لفظ وكلام، وليست متوقفة على إشارة ولا حركة.
стр. 607
حكم ركعتي الإحرام وحكم رمي الجمرات قبل طلوع الشمس لليوم الأول
السؤال
هل يجب أداء ركعتين قبل الإحرام؟ وما حكم رمي الجمرات قبل طلوع الشمس في اليوم الأول؟
الجواب
ركعتا الإحرام ليستا من ذوات الأسباب، فيفضل أن يصلي بعده ركعتين إن كان في وقت صلاة، كأن أحرم بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة الظهر، أو بعد المغرب، فهو أفضل، وإن كان في وقت نهي فإنه لا يصلي، بل يحرم بدون صلاة، كأن أحرم بعد العصر أو بعد الفجر، وإن كان في غير وقت نهي استحب له أن يصلي ركعتين، فإذا كان في الضحى، أو بعد الظهر، أو في الليل قبل الفطر أو بعد المغرب استحب له أن يصلي ركعتين تحية للمسجد وسنة للطهارة، فيكون قد جمع بين قول وفعل، فهذا بالنسبة إلى ركعتي الإحرام.
أما الرمي فيكون رمي جمرة العقبة بالنسبة للقادرين بعد طلوع الشمس، هذا هو الصحيح، والعجزة والضعفة يجوز لهم الرمي من آخر الليل، فإذا غاب القمر في الليلة العاشرة رخص لهم في ذلك، وبعض العلماء رخص لهم في النصف الأخير، ولكن لا ينبغي التوسع في الرخص في مثل هذا.
стр. 608
حكم من اعتمر ولم يحلق أو يقصر
السؤال
رجل اعتمر ولم يحلق رأسه ولم يقصر بعد أداء السعي، فماذا عليه؟
الجواب
هذا الذي ترك الحلق أو التقصير ولبس ثيابه يعتبر ترك نسكاً، فإن طالت المدة، فلبس الثياب وطالت المدة وباشر امرأته ونحو ذلك فقد انتهت العمرة وبطلت أعمالها، فيكون قد بقي عليه نسك وهو ذبح، فعليه أن يذبح فدية.
وأما إذا تذكر في الحال، أو تذكر بعد ساعة أو نصف ساعة أو نحوها أو بعد يوم أو ما أشبه ذلك، وقام بمباشرة امرأته ونحو ذلك فإن عليه أن يخلع ثيابه ويلبس إحرامه ويحلق أو يقصر، ويعتبر عمله هذا عملاً بجهالة، أي: لبسه قبل أن يتحلل، فهذا بالنسبة إلى الذي تحلل قبل الإحرام.
стр. 609
حكم استعمال المحرم للصابون والطعام المخلوط بالزعفران وغيره
السؤال
ما حكم استعمال الصابون للمحرم ومن أكل طعاماً فيه زعفران؟
الجواب
هناك أنواع من الصابون فيها طيب، فلا يجوز أن يستعمل الصابون المطيب، بل إذا احتاج إلى أن يغسل يديه بعد طعام ونحوه غسلها بصابون ليس فيه ريح طيب كالصابون التايت وما أشبهه.
أما استعماله للزعفران فلا يجوز؛ لأن الزعفران فيه طيب، فلا يستعمله في القهوة، وكل شيء يتطيب به وله رائحة زكية، حتى القرنفل لا يستعمل في القهوة ونحوه، فالقرنفل له رائحة زكية، فإذا فعل ذلك عن جهل فإنه معذور.
стр. 610
شرح عمدة الأحكام [٣٩]
الكعبة المشرفة جعلها الله قبلة المصلين ومهوى الأفئدة، وفي الفقه تتعلق بها أحكام، كالصلاة داخلها، واستلام بعض أركانها في الطواف، وتقبيل الحجر الأسود فيها، وغير ذلك.
стр. 611
شرح حديث دخوله ﷺ البيت وأسامة بن زيد
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (دخل رسول الله ﷺ البيت وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا الباب كنت أول داخل، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
بين العمودين اليمانيين) .
وعن عمر ﵁: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (رأيت رسول الله ﷺ -حين يقدم مكة- إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف.
يخب ثلاثة أشواط) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين) ] .
هذه الأحاديث تتعلق بالطواف بالبيت وما يتصل به، ومعلوم أن البيت الحرام هو الذي شرفت به مكة، فهو أشرف بقعة على وجه الأرض، هذا البيت هو الذي فرض الله حجه، فرض الله السفر إليه، وفرض التعبد حوله، وجعل قصده عبادة من العبادات، وجعل التوجه نحوه في الصلاة فرضاً على كل مسلم في شرق الأرض وفي غربها، أن يستقبلوه لشرفه، وأخبر تعالى بأنه بيته، وأضافه إلى نفسه فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] ، ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة:١٢٥] ، وأمر بعبادته لأنه ربه ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣] فهذا البيت الذي هو البيت الحرام الكعبة المشرفة له هذه الميزة.
وفي هذه الأحاديث أنه ﷺ دخل البيت في غزوة الفتح، لما فتح مكة في سنة ثمان واستولى عليها، أراد أن يدخل البيت الحرام، وكانت السدانة ومفتاحه عند بني عبد الدار، وكان الذي عنده المفتاح في ذلك الوقت هو أحد بني عبد الدار، ويقال له: عثمان الحجبي.
فسدنة الكعبة يقال لهم (الحجبة) ؛ لأنهم يحجبون الناس عنها، فطلب المفتاح من عثمان هذا، ولما أخذ المفتاح خاف بنو عبد الدار أن لا يرده عليهم، وقالوا: إنه أمانة.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] فرده إليهم، وأصبحوا هم سدنة الكعبة.
ودخل الكعبة لأجل أن يطهرها مما كان قد أدخله المشركون فيها، فوجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فدعا بماء فمحا تلك الصور، ولو كانت صورة الخليل وإسماعيل، ومحا الأزلام التي صورا على أنهما يستقسمان بها، وقال: (قاتلهم الله! والله ما استقسما بها قط) ، والاستقسام بالأزلام عادة جاهلية، جعلها الله من العادات السيئة، وقرنها بالخمر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] وقال: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [المائدة:٣] .
ثم لما دخلها صلى ركعتين بين العمودين؛ لأنها كانت على ستة أعمدة في ذلك الوقت، ولما خرجوا منها كان ابن عمر أحرص على أن يقتدي بالنبي ﷺ ، فسأل بلالاً: أين صلى؟ فذكر له أنه صلى بين العمودين المتقدمين، حرصاً منه على أن يصلي في موضع صلاة النبي ﷺ ، يقول: ونسيت أن أسأله كم ﷺ .
وفي بعض الروايات أنه صلى ركعتين.
وعلى كل حال فإنه لا يلزم كل أحد أن يدخل داخل الكعبة، ومن تيسر له فدخلها فله أن يصلي فيها ركعتين، ولا يلزم الدخول، وروي: (أن عائشة طلبت من النبي ﷺ أن تدخل البيت، فقال لها: صلي في الحجر؛ فإن الحجر من البيت) والحجر: هو حجر إسماعيل الذي في شمال البيت، فهذا بعضه من البيت، ومن صلى فيه فكأنه صلى داخل الكعبة.
وقد روي -أيضاً- أنه لما دخلها تأسف على دخولها، وقال: (أخشى أن أشق على أمتي) يعني: أن يعتقدوا أن دخولها سنة فيزدحموا عليها، فبين أنه لا يلزم دخولها، وإنما دخلها ليطهرها.
وقد ذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يجوز أن يصلي الفرض في داخلها، وأن من صلى الفرض في داخل البيت أو داخل الحجر لا تصح صلاته، وذلك لأنه لم يستقبل البيت كله، بل جعل بعضه خلف ظهره، والمصلي لا بد أن يستقبله كله، أما النافلة فيتسامح فيها، فيجوز استقبال جزء من الكعبة.
стр. 612
شرح قول عمر: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع)
الحديث يتعلق باستلام الحجر الأسود الذي هو في أحد أركان البيت، وهو في الركن الجنوبي الشرقي، هذا الحجر قد روي أنه من حجارة الجنة، وأنه لما نزل من الجنة كان أبيض من الثلج فسودته خطايا بني آدم، ولعل ذلك من باب المبالغة، فالصحيح أنه هكذا كان منذ أن وضع.
وقد شرف بأنه يستلم أو يقبل أو يشار إليه، وليس على وجه الأرض شيء يسن تقبيله إلا هذا الحجر الأسود، وتقبيله ليس لذاته، وإنما هو للاتباع، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ لما قبله أخبر بأن تقبيله إنما هو اتباع لا لاعتقاد، فقال: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) ، فجعل تقبيله من باب الاتباع لا من باب التعظيم له وذلك لأن عمر أدرك الجاهلية، وعرف أنهم يعظمون الأشجار والأحجار ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، فبين أن هذا كسائر الحجارة، وتقبيله لا لذاته.
стр. 613
مشروعية تقبيل الحجر الأسود وكيفيته
ما ذكره عمر يبين أنه يسن تقبيله، وثبت أنه ﷺ وقف عنده فقبله بأن وضع شفتيه عليه دون أن يظهر تصويتاً بالتقبيل، ولما رآه عمر، قال: (يا عمر! هاهنا تسكب العبرات) ، فلأجل ذلك كان بعض الصحابة يحرص على تقبيله، ومنهم عبد الله بن عمر، وكان يزاحم عليه حتى يقبله، ويروي أن النبي ﷺ قال في الحجر الأسود والركن اليماني: (إن مسحهما يحط الخطايا) ، ولكن ثبت أنه ﷺ قال لـ عمر: (إني أراك رجلاً قوياً، فلا تزاحم على الحجر، إن وجدت سعة فقبل أو فاستلم، وإلا فأشر وامضِ) ، فإذاً إن وجدت سعة وتيسر لك أن تقبله فقبله، فإن كان هناك زحام وقدرت على أن تستلمه بيدك -أي: تمسه بيدك- اليمنى وتقبلها كفى ذلك، وإن كان عليك مشقة وقدرت أن تستلمه بمحجن أو بعصا اكتفيت بذلك وقبلت العصا، فإذا لم يتيسر لك ذلك اكتفيت بالإشارة إليه مع التكبير دون أن تقبل شيئاً.
стр. 614
شرح حديث: (أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة)
في هذا الحديث أن الصحابة لما قدموا سنة سبع لعمرة القضية، وكانوا قد جاءوا إلى مكة سنة ست معتمرين صدهم المشركون، واصطلحوا على أن يأتوا في سنة سبع ويعتمروا، وتسمى عمرة القضية.
فلما جاءوا في سنة سبع وكان المشركون بمكة لا يزالون معادين للمسلمين ولا يزالون يحقرونهم ويمقتونهم ويبغضونهم، فأرادوا أن يصغروا شأنهم عند جهلة أهل مكة حتى لا يقع في قلوبهم لهم شيء من الهيبة، فقالوا لسفهائهم: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب.
أي: أن محمداً وأصحابه يأتونكم وهم ضعاف هزيلون، مرضى، قد أضعفتهم حمى المدينة، وقد أوهنتهم، وقد أنهكت قواهم، فهم ضعاف فلا تهابوهم، ولا تخشوا منهم، ولا يكن في قلوبكم شيء من الهيبة لهم، ولا تخافوا من سطوتهم عند القتال.
هكذا أرادوا أن يحقروا شأنهم عند سفهائهم، فسمع بذلك النبي ﷺ ، فأراد أن يظهر قوة المسلمين، وأراد أن يبطل ما يظنه المشركون من ضعفهم ومن هزالهم ومن مرضهم، فأمر الصحابة أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
فالطواف بالبيت سبعة أشواط، فأمرهم أن يرملوا في الثلاثة الأول، أي: يسرعون فالرمل هو إسراع المشي مع مقاربة الخطا، وهز المنكبين، وهو دليل على الجلد ودليل على القوة ودليل على النشاط، والمشركون كانوا ينظرون إليهم من عند جبل قعيقعان الذي هو في شمال البيت، وكان في المكان الذي يعرف الآن بالشامية أو ما جاورها، كانوا جلوساً في ذلك المكان المرتفع ينظرون إلى الصحابة وهم يطوفون، فكانوا في مكان مرتفع، والبيوت التي بينهم وبين الكعبة منخفضة لا تحول بينهم وبين النظر إليهم، فلما رأوهم يطوفون وهم يرملون ذلك الرمل، ويسرعون ذلك الإسراع هابوهم، وقالوا: كيف تقولون: إن الحمى قد وهنتهم؟! ما هم إلا كالغزلان.
أي: في سرعتهم وفي قوتهم، فكان ذلك مضعفاً لما في قلوبهم من احتقار الصحابة واحتقار المسلمين، وموقعاً في قلوبهم هيبة الإسلام وهيبة المسلمين وتخوفيهم من سطوتهم.
وإذا كانوا بين الركنين مشوا؛ لأنهم في ذلك المكان يستخفون عن المشركين الذين هم في جهة الشمال، فيمشون بين الركنين اليمانيين، فإذا برزوا للمشركين بعدما يتجاوزون الحجر بدءوا في الرمل، وهكذا حتى تموا ثلاثة أشواط وهم يسرعون، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط السبعة إلا الإبقاء عليهم، أي: إلا الرفق بهم وترك المشقة؛ لأنهم لو استمروا السبعة الأشواط كلها في رمل لشق ذلك عليهم مع ما فيهم من كبر السن ومن جهد السفر ونحو ذلك.
وعلى كل حال فما قصد بذلك إلا غيض المشركين، وأصبحت هذه سنة، فأصبح كل من قدم إلى مكة أول ما يبدأ بالطواف يرمل الثلاثة الأشواط، وذلك لأنه ﷺ لما قدم مكة في حجة الوداع وابتدأ في طواف القدوم خب ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، والخبب هو الرَمَل -أي: الإسراع-، وذلك ليعيد تلك الذكرى التي فعلها عندما قال أهل مكة ما قالوا، فنحن عندما نرمل نتذكر أولاً ما كان عليه المشركون من العداوة للمسلمين، ونتذكر -أيضاً- ما يظهره المسلمون من الجلد والقوة التي فيها إغاظة الكافرين، ونظهر -أيضاً- قوتنا ونشاطنا في هذه العبادة، لذلك أصبح كل من قدم مكة أول ما يطوف بالبيت يرمل ثلاثة أشواط.
وروي أن عمر ﵁ لما كان في خلافته قال: ما لنا وللرمل! وما لنا بإبداء المناسك -يعني: الاضطباع- وقد أذهب الله المشركين وأذهب ما كنا نظهر لأجلهم! ثم قال: سنة فعلها النبي ﷺ لا نتركها.
إذاً أصبح هذا من السنة، أي: الرمل أصبح سنة وإن كان قد انقضى سببه.
стр. 615
شرح حديث: (كان لا يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين)
أما الاستلام ففي الحديث أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الركنين اليمانيين، أما الركنان الشاميان فلا يستلمهما.
والبيت له أربعة أركان -أي: أربع زوايا-: ركنان يمانيان في جهة اليمن، وركنان شاميان في جهة الشام، والركن الشرقي الجنوبي هو الذي فيه الحجر الأسود، وهو -أيضاً- في جهة اليمن، والركن الغربي الجنوي يطلق عليه الركن اليماني، فهذان هما اللذان يستلمان، أما الركن اليماني فإنه يستلم باليد بأن يضع عليه يده دون أن يقبل، فإذا تيسر أن يضع عليه يده فإنه يفعل ذلك، فإذا لم يتيسر فإنه يمضي ولا يكبر ولا يشير إليه، أما الركن الذي فيه الحجر الأسود فإنه إن استطاع أن يقبله بوضع شفتيه فعل، فإذا لم يستطع تقبيله استلمه بيده وقبل يده، فإذا لم يقدر استلمه بعصاً وقبل العصا، فإذا لم يستطع أشار إليه بيده ومضى ولا يقبل شيئاً.
والدليل على أن يستلمه بالمحجن أو بالعصا هذا الحديث، وهو: أنه ﷺ في حجة الوداع طاف على بعيره ومعه محجن يستلم به الركن اليماني والحجر الأسود كلما حاذاهما.
وذكروا أن الناس في حجة الوداع تزاحموا عليه، كلهم يريد أن ينظر إليه كيف يطوف وكيف يعمل، فأحب أن يبرز لهم، فقرب بعيره وطاف على البعير، طاف السبعة الأشواط، ويحتمل أن ذلك طواف القدوم أو أنه طواف الإفاضة أو طواف الوداع، وكان في يده محجن -أي: عصاً محنية الرأس-، فكان كلما حاذى الركن اليماني دلى ذلك المحجن، ثم يستلم الركن اليماني، ثم إذا أتى على الحجر الأسود مد يده بذلك المحجن واستلم الركن الذي فيه الحجر.
أما الركنان الشاميان فلم يكن يستلمهما، لا بمحجن ولا بيده ولا يشير إليهما، ولعل السبب في ذلك ما نقل عن ابن عباس أنهما لم يكونا على قواعد إبراهيم، أما الركنان اليمانيان فعلى قواعد إبراهيم فالزاوية اليمانية وكذلك الجدار الغربي والجدار الشرقي كلاهما على قواعد إبراهيم، أما الجدار الشمالي فإنه قد نقص من جهة الشمال، فقد ترك المشركون عندما بنوا البيت جزءاً من البيت في جهته الشمالية نحو ستة أذرع أو سبعة أذرع من الحجر لم يبنوها، وذلك لأنهم قصرت بهم النفقة، فلما كان الركنان الشاميان ليسا على قواعد إبراهيم لم يستلمهما لا بإشارة ولا بيده.
وقد روي عن بعض السلف أنهم يستلمونهما، وروي أن معاوية طاف مع ابن عباس، فكان معاوية يستلم الأركان الأربعة كلها.
ويقول: ليس من البيت شيء مهجور.
فقال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، فلنا أسوة حسنة في النبي ﵊ في أنه لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، ولو كان سنة لفعله ولاستلم هذه الأركان كلها.
وبذلك نعرف في نهاية الكلام أن الطواف بهذا البيت العتيق يجب فيه الاتباع فنتبع فيه ولا نبتدع، ونقتدي فيه بما فعله النبي ﷺ ، وذلك لأن الله تعالى أمرنا بالطواف مطلقاً في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] .
والطواف في الأصل هو الاستدارة حول الشيء، وكذلك الطواف بين الصفا والمروة في قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] يعني: يصل الصفا ثم يصل المروة.
إذاً: الطواف بالبيت هو الدوران حوله، هذا هو الأصل.
وهذه الكيفية قد يكون فيها شيء من الإجمال، فنحتاج إلى أن نعرف كيفيتها على التفصيل، فنرجع إلى السنة النبوية، فنجد النبي ﷺ قد بينها بفعله مع قوله: (خذوا عني مناسككم) ، فنتبع النبي ﷺ في ذلك.
والطواف بهذا البيت ليس عبادة للبيت، ولكنه عبادة لرب البيت، وتعظيم لرب البيت، وذكر لرب البيت، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣] ، ولم يقل: فليعبدوا هذا البيت.
ولأجل ذلك قالت عائشة ﵂: (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله) .
إذاً الطائف بهذا البيت والذي يستلم ما يستلمه كل ذلك لا يذكر فيه البيت، وإنما يذكر رب البيت، ففي دعائه يقول: يا الله يا رب اللهم! اغفر لنا، اللهم! ارحمنا وأكرمنا.
ولا يقول: يا بيت الله وكذلك عند استلامه يقول: الله أكبر! أو: باسم الله، ولا يقول: باسم البيت، ولا يقول: يا بيت الله، فدل على أنه عندما يقول وعندما يفعل إنما يذكر الله، وإنما يعبد رب البيت وحده، فالطواف بالبيت عبادة للرب سبحانه، كما أن الصلاة واستقبال البيت فيها إنما هي عبادة لله تعالى.
стр. 616
شرح عمدة الأحكام [٤٠]
التمتع أحد أنساك الحج الثلاثة، وبه يجمع الإنسان بين الحج والعمرة مع إراحة نفسه من البقاء على الإحرام، خصوصاً إذا سبق يوم الحج بزمن طويل، وفيه أحكام تتعلق به ينبغي على المسلم معرفتها.
стр. 617
التمتع في الحج
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب التمتع عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي ﵁ قال: (سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم.
قال: وكأن أناساً كرهوها، فنمت فرأيت في المنام وكأن إنساناً ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة.
فأتيت ابن عباس فحدثته فقال: الله أكبر! سنة أبي القاسم ﷺ .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم قد أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدِ، ومن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فطاف رسول الله ﷺ حين قدم إلى مكة واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أشواط من السبعة، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا، وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثلما فعل رسول الله ﷺ من أهدى فساق الهدي من الناس) ] .
الأنساك في الحج ثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران.
وهذا التفريق والتقسيم اصطلاحي من الفقهاء، وإلا فهي في الحقيقة اثنان: تمتع، وإفراد.
فالإفراد: أن يحرم بالحج فقط، ولا يجعل معه عمرة.
وأما التمتع فهو أن يأتي بعمرة إما مع حجه مقترنة به -وهو القران- وإما منفصلة عنه، يأتي بها قبل الحج ويفرغ منها، هذا هو التمتع، وسمي تمتعاً لأن فيه انتفاعاً، والانتفاع هو أنه سافر سفراً واحداً حصل فيه على نسكين: نسك حج ونسك عمرة، فحصل فيه على الحج والعمرة جميعاً بسفر واحد، وقد كانوا قبل الإسلام يسافرون للحج في شهر الحج، ويسافرون للعمرة في نصف العام في شهر رجب، فيأتون بنسكين في سفرين، فلما جاء الإسلام أباح لهم أن يجمعوهما في سفر واحد يقضي فيه حجاً وعمرة تخفيفاً عليهم حتى لا تكون هناك مشقة، ولكن إذا تمتعوا واكتفوا بسفر واحد كان من جبران ذلك أن يهدوا هدياً، فسبب الهدي هو جبر ذلك النقص، ما دام أنه في سفر واحد حصل له نسكان كان عليه جبر ذلك بأن يأتي بهذا الهدي، أو يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، هذا هو نسك التمتع.
стр. 618
شرح حديث: (المتعة في الحج سنة أبي القاسم ﷺ
في الحديث الأول أن نصر بن عمران: أنه سأل ابن عباس عن متعة الحج فأمره بها، يعني: أمره بأن يتمتع في الحج.
يقول: فكأن أناساً كرهوها.
يعني: كرهوا المتعة، فنام أبو جمرة ورأى في المنام قائلاً يقول له: حج مبرور ومتعة متقبلة.
فسر بذلك، وقص هذا على ابن عباس خبر هذا الذي نبهه وذكر له أن المتعة متقبلة (متعة متقبلة) ، فلما أخبر ابن عباس قال: الله أكبر! سنة محمد ﷺ ، يعني: هذا المتعة هي سنة النبي ﷺ .
وهؤلاء الذين كرهوها وذكرهم أبو جمرة لهم سلف، وهناك من كانوا على طريقتهم، وذلك لأن الخلاف في شرعية متعة الحج قديم، وقد كان فيه خلاف بين أكابر الصحابة، حتى إن عمر ﵁ مع أقدميته ومع فضله كان ينهى عن متعة الحج، وكان يأمر بالإفراد، فأطاعه أناس، وصاروا لا يعتمرون مع الحج، بل يقتصرون إذا سافروا على الحج فقط، ثم يسافرون للعمرة في أثناء السنة.
وسبب نهي عمر تأويل منه، وذلك لأنه خاف أن يبقى البيت معطلاً في زمن من الأزمنة، وقال: إذا رخصنا للناس أن يعتمروا مع حجهم فإنهم يكتفون بهذه العمرة، فلا يأتون إلى مكة في أثناء السنة، أما إذا نهيناهم وقلنا: لا تعتمروا، لا تمتعوا، اقتصروا على الحج وأدوا العمرة مرة أخرى فإنهم يؤدونها في بقية السنة، فيأتي أناس يعتمرون في شهر محرم، ويأتي آخرون في شهر صفر، ويأتي آخرون في رجب، ويأتي آخرون في ربيع أو جمادى أو شعبان أو رمضان، فيبقى البيت معموراً بالطائفين طوال السنة ولا يبقى معطلاً، هذا هو ما أراد عمر ﵁ بنهيه عن التمتع الذي هو العمرة مع الحج، وهو اجتهاد منه.
وقد استدل بأن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] والإتمام معناه أن من شرع في الحج يتم الحج، ومن شرع في العمرة يتم العمرة، وظهر له أن الإنسان إذا توجه إلى مكة فإنه لابد أن يكون قاصداً أحد النسكين: إما الحج وإما العمرة، ولا يجمع بينهما، هذا هو الذي ظهر له.
ولا شك أنه اجتهاد منه، وكذلك تبعه على ذلك بعض الصحابة كـ عثمان وغيره، فكانوا ينهون -أيضاً- عن العمرة قبل الحج.
أما علي ﵁ فكان يرى القران، وهو الإحرام بالحج والعمرة جميعاً، ويستدل بقوله ﷺ : (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) ، وبأن النبي ﷺ كان يلبي بهما معاً، يقول: لبيك عمرة وحجاً.
ونقول: لا شك أن النبي ﷺ قد روي عنه أنه تمتع، وروي عنه أنه أفرد، وروي عنه أنه قرن، والروايات كلها صحيحة، ففي حديث عائشة ﵂ أخبرت أنه ﷺ قال: (من كان يريد الحج فليهل بالحج، ومن كان يريد العمرة فليهل بالعمرة) أي: أنه خيرهم، تقول عائشة: (وأهل رسول الله ﷺ بالحج، وكنت فيمن أهل بالعمرة) هكذا ذكرت عائشة أنه أهل بالحج، وظاهره أنه أفرد.
وفي حديث علي سمع النبي ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجاً) ، وكذلك رواه جابر، ورواه أنس أنه لبى بالحج والعمرة جميعاً، وظاهر هذا أنه قرن.
وفي حديث ابن عمر أنه تمتع، يقول ابن عمر ﵁ في هذا الحديث الطويل: (تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، فبدأ وأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) ، وظاهره: أنه أهل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم أهل بالحج، ولكن هذا دليل على أنه قرن، وأنه أدخل الحج على العمرة، وهذا جائز، أي: إدخال الحج على العمرة، وهو إدخال الأكبر على الأصغر، فالعمرة نسك أصغر، والحج نسك أكبر، فإذا أحرم بالعمرة وحدها جاز أن يدخل عليها الحج، وقد فعل ذلك ابن عمر ﵄، فقد خرج مرة إلى الحج، فلما نزل الحجاج بمكة.
قيل له: إنه كائن بين الناس قتال.
فقال: إن حبسنا عن مكة تحللنا كما فعلنا بالحديبية.
فأهل أول ما أهل بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحد، أشهدكم أني أهللت بحجة مع عمرتي، واشترى هدياً وساقه.
وذكر في هذا الحديث أن النبي ﷺ ساق الهدي، بمعنى أنه اشترى هدياً وساقه معه إلى مكة، وكان ساق سبعين بدنة، وجاء علي من اليمن بثلاثين، فأصبحت مائة بدنة، فنحرها كلها يوم النحر.
فهذا معنى كونه تمتع، أنه جمع النسكين في عمل واحد، هذا هو التمتع الذي هو الانتفاع، فسماه ابن عمر تمتعاً مع أنه قران، أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها فأصبح قارناً.
стр. 619
من ساق الهدي لم يتحلل حتى يبلغ الهدي محله
ذكر ابن عمر في هذا الحديث أنه ﷺ لما قدم مكة أمر أصحابه أن يتحللوا إلا من كان معه الهدي، وذلك لأن الذي معه الهدي لا يقدر أن يتحلل حتى ينحر هديه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: محل ذبحه.
فلذلك بقي على إحرامه لكونه قد ساق الهدي حتى نحر هديه يوم العيد، وأمر الذين معهم هدي أن يبقوا على إحرامهم حتى ينحروا هديهم يوم العيد، ثم يتحللوا.
أما الذين ليس معهم هدي -وهم أكثر الصحابة- فلم يسوقوا الهدي لعجزهم أو لفقرهم، فهؤلاء أمرهم بالتحلل حتى ولو كانوا مفردين ولو كانوا قارنين، أمرهم بأن يفسخوا حجهم إلى عمرة ففعلوا.
وقد كرهوا ذلك، كرهوا أن يحلوا إحرامهم إلى عمرة، وقالوا: كيف نحوله إلى عمرة وقد سمينا حجاً؟! وبعضهم سمى حجاً وعمرة، فقالوا: كيف نفسخ إحرامنا ونجعله عمرة وما نوينا إلا الحج؟! فألح عليهم وشدد، وقال: افعلوا ما آمركم به، فعند ذلك تحللوا، ولم يحبسهم هدي، فطافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، وقصروا من رءوسهم أو حلقوا وتحللوا، وكان ذلك في اليوم الرابع أو اليوم الخامس من شهر ذي الحجة، وبقوا متحللين، فلبسوا اللباس، وتطيبوا، وأتوا النساء، فأحل لهم التقصير والتقليم والنكاح ونحو ذلك مما كان محرماً عليهم بسبب الإحرام، ثم بقوا على حلهم إلى اليوم الثامن فأحرموا بالحج.
أما الذين معهم الهدي فإنهم بقوا على إحرامهم، فالذين تحللوا لم يحرموا بحج إلا في اليوم الثامن، وبقوا حلالاً تلك الأيام، والذين معهم الهدي حبسهم الهدي وبقوا على إحرامهم، سواء أكانوا مفردين -أي: بالحج فقط- أو قارنين -أي: بالحج والعمرة-.
والنبي ﷺ كان ممن أحرم بالحج والعمرة كما عرفنا، فبقي على إحرامه.
فلما قدم طاف وسعى، ففي هذا الحديث أنه طاف وسعى، وأنه بدأ بالطواف ورمل فيه، وبذلك أصبح الرمل سنة في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم، أو أول طواف يطوفه الحاج، وهو أن يسرع في المشي مع مقاربة الخطى، يقول ابن عمر في هذا الحديث: (فخب ثلاثاً ومشى أربعاً) .
وبعدما طاف صلى ركعتين خلف المقام، وهي سنة الطواف، وبعدها أتى إلى الصفا، وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم بقي على إحرامه حتى كمل حجه.
وابن عمر في هذا الحديث لم يذكر بقية أعماله؛ لأنها مشهورة، كوقوفه بعرفة، وكذلك عمله في عرفة ثم رجوعه إلى مزدلفة، وكذلك أعماله بمنى مشهورة معروفة، وإنما ذكر أنه بقي على إحرامه حتى قضى حجه ونحر هديه، ثم أفاض في يوم العيد وطاف بالبيت، واكتفى بالسعي الأول لأن القارن ليس عليه إلا سعي واحد، ثم بعدما رمى وحلق وطاف، تحلل التحلل كله، وهكذا فعل من كان معه هدي من المسلمين، هذه سنة النبي ﷺ ، وهو أنه أمر الذين معهم الهدي أن يبقوا على إحرامهم إما مفردين وإما قارنين حتى ينحروا هديهم.
وأما الذين ليس معهم هدي فإن الأفضل لهم أن يحرموا بالعمرة متمتعين، ومن أحرم منهم بالحج مفرداً فالأفضل له أن يتحلل إذا قدم مبكراً، فيفسخ حجه إلى عمرة، ويبقى بلباسه إلى يوم التروية، وكذلك من أحرم قارناً فسخ إحرامه وجعله عمرة، وفصل عمرته عن الحج.
هذا هو الأفضل، وهو الذي اختاره الإمام أحمد، وقال: إن عندي فيه سبعة عشر حديثاً.
يعني: في فسخ الحج إلى العمرة، ولو خالف في ذلك كثير من الأئمة، فأكثر الأئمة كالشافعية وكذلك الحنفية ونحوهم لا يرون الفسخ، إنما الذي يستحبه هو الإمام أحمد، وقدوته ابن عباس كما في هذا الحديث، فإنه شهد بأن ذلك سنة، وأنه هو الذي أمر به النبي ﷺ ، وهو آخر الأمرين منه، فيكون الأفضل فسخ الحج إلى العمرة أو فسخ القران إلى العمرة، وأن يكون الإنسان متمتعاً، وإن أحرم بالعمرة أولاً فهو أفضل؛ حتى لا يقال له: افسخ حجك أو نسكك إلى عمرة وتحلل، وإن قدم متأخراً وقد أحرم بالحج فقط أو قارناً فله أن يبقى على ذلك؛ لأنه إذا لم يكن هناك زمان يتمتع فيه بالمحظورات وبالمباحات فلا يصدق عليه أنه تمتع.
стр. 620
الخلاف في التمتع وفسخ الحج إلى العمرة
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [وعن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟! فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر) .
وعن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: (أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات.
قال رجل برأيه ما شاء) قال البخاري: يقال: إنه عمر.
ولـ مسلم نزلت آية المتعة -يعني: متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله ﷺ حتى مات.
ولهما بمعناه] .
الأحاديث تتعلق بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وسبب ذلك أن فيها خلافاً قوياً، خاصة في فسخ الحج إلى العمرة وصيرورة الحاج متمتعاً.
وقد ذكرنا أن الأنساك ثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد.
وأن أفضلها عند الإمام أحمد هو التمتع؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
وهناك ثلاثة أحاديث في التمتع بالعمرة إلى الحج، أو في فسخ الحج إلى العمرة، وأخذ من ذلك الإمام أحمد أن التمتع هو أفضل الأنساك، وقد وقع اختلاف كثير -حتى بين الصحابة- في أفضل الأنساك، فذهب بعضهم إلى أن أفضلها الإفراد، وهو المروي عن عمر ﵁، حيث كان ينهى عن العمرة في أشهر الحج، وينهى عن فسخ الحج إلى عمرة، وينهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج.
وقد ذكرنا عذره في ذلك، وأنه أراد بذلك أن لا يخلو البيت من طائفين، أن يكون البيت الحرام معموراً طوال السنة بالطائفين وبالمعتكفين وبالمصلين الذين يقدمون لأداء نسك العمرة، فإنهم إذا اعتمروا مع الحج لم يرجعوا، وأما إذا جاءوا وأدوا الحج فقط فإن العمرة تبقى في ذممهم، وتبقى واجبة عليهم، فيؤدونها متفرقين، فيأتي قوم يعتمرون في شهر محرم، وآخرون في شهر صفر، وآخرون في ربيع إلى آخر السنة، فلا يخلو البيت من طائفين، هذا قصد عمر، وهو مقصد مناسب، ولكن لا يجوز أن تترك السنة لأجل هذا التعليل.
كذلك -أيضاً- عمر ﵁ تأول، حيث إن الله تعالى أمر بالإتمام، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، يقول عمر: إذا بدأ في الحج فإن عليه إتمامه، وليس له أن يفسخه، فإن فسخه لا يكون إتماماً؛ لأنه قد لا يتيسر له الحج.
ويقول -أيضاً-: إن النبي ﷺ أحرم بالحج والعمرة قارناً، وبقي على إحرامه، وكذلك بقي الذين معه الذين ساقوا الهدي على إحرامهم إلى أن تحللوا يوم النحر، فلم يفسخوا حجهم إلى عمرة.
فهذا -أيضاً- مما علل به عمر ﵁ بقاء الحاج على نسكه وعدم فسخه الحج إلى عمرة.
وأيضاً مما علل به ﵁ أنهم إذا تحللوا بعد العمرة أو أفردوا الحج أو اعتمروا وتمتعوا وتحللوا بعد العمرة، ترفهوا وتنعموا وفعلوا المباحات ونحوها، حتى يأتي يوم عرفة أو يوم التروية، يقول في بعض الروايات عنه: يوشك أن يظلوا معرسين بهن في ظل الأراك حتى يوم التروية.
وكذلك قال هذه المقالة -أيضاً- بعض الصحابة لما أمروا بأن يتحللوا ويفسخوا إحرامهم إلى العمرة، ويجعلوا حجهم عمرة ويصيرون متمتعين، قالوا: ننطلق إلى منى وذَكَرُ أحدنا يقطر منياً! أي: ونحن حديثو عهد بالترفه وبالاستمتاع ونحو ذلك، كأنهم يقولون: إن الذي يذهب إلى عرفة يذهب وهو بعيد عن الترفه، وبعيد عن التنعم، وهو الذي يحرم بالحج من الميقات ويبقى على إحرامه إلى أن يقف بعرفة وهو على هذه الصفة أشعث أغبر بعيداً من التنعم ونحوه، هذا كان رأيهم.
ولكن قد ثبت أنه ﷺ أمر أصحابه بأن يتحللوا كما تقدم في حديث ابن عمر لما قدم النبي ﷺ والصحابة معه في صبح اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، وكان أكثرهم محرماً بالحج مفرداً، لا يذكرون إلا الحج، وكانوا -أيضاً- ليس معهم هدي، عند ذلك قال لهم: (من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فليتحلل وليحلق رأسه أو ليقصر وليجعلها عمرة) ، فكأنهم تثاقلوا وقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا حجاً؟! فقال: (افعلوا ما أمرتكم به) ، ثم تمنى أنه ما ساق الهدي، وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، أو لأحللت معكم) ، فجعل الذي منعه من التحلل هو كونه قد ساق الهدي.
وهكذا قال في حديث حفصة بنت عمر -إحدى أمهات المؤمنين- الذي تقدم، وذلك أن الناس لما تحللوا من العمرة في اليوم الرابع وبقوا محلين، ولبسوا الثياب وتطيبوا، وأتوا النساء وفعلوا محظورات الإحرام، بقي ﷺ على إحرامه، فقالت له حفصة: ما شأن الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك -أي: لماذا بقيت على إحرامك والناس قد تحللوا-؟ فاعتذر بأنه لبد رأسه، يقول: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر) كان شعر رأسه كثيراً، فجعل عليه شيئاً يمسكه ويتلبد معه كصمغ -مثلاً- أو شمع أو نحو ذلك يمسك بعض الشعر ببعض حتى لا يتشعث رأسه ولا ينتشر فيدخله التراب والغبار، بل يتماسك؛ لأنه عرف أنه سيطول إحرامه، فإنه بقي في الإحرام نحو خمسة عشر يوماً، أي: أحرم في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، ولم يتحلل إلا في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، فبقي نصف شهر، وهذه المدة طويلة، فيخشى أنه يدخل في شعر رأسه شيء من الغبار يتأذى به، فجعل فيه هذا الذي لبده.
قوله ﷺ : (وقلدت هديي) أي: سقت الهدي وجعلت في رقابه قلائد مهدياً له إلى الله تعالى.
وقد شرع الله تعالى الإهداء إلى البيت، وأمر به، ثم أمر -أيضاً- بأن يجعل له ما يميزه وهي القلائد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة:٢] ، فالقلائد: هي التي تجعل في رقاب الهدي، وقد قلد النبي ﷺ هديه، فجعل في رقبة كل بعير أو كل جمل أو كل ناقة قلادة يعرف بها أنها من الهدي، والله تعالى قد نهى عن التحلل حتى ينحر ذلك الهدي في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فلما كان معه هذا الهدي امتنع من التحلل، وبقي على إحرامه لسوقه للهدي، ولو لم يكن معه هذا الهدي لتحلل كما تحلل الذين ليس معهم هدي.
ولا شك أن هذا من أقوى الأدلة في استحباب فسخ الحج إلى العمرة لمن قدم حاجاً مفرداً أو قارناً، ولكن يقول العلماء الذين قالوا بالفسخ: إن ذلك فيما إذا كان القادم قدم مبكراً، فإن له أن يجعل إحرامه بعمرة.
فإذا قدم -مثلاً- في اليوم الخامس أو السادس من شهر ذي الحجة فعنده يومان أو ثلاثة أيام يتحلل فيهما.
فإذا قدم وهو مفرد نقول له: الأفضل أن تتحلل بعمرة وتجعل إحرامك عمرة وتقلب نيتك إلى العمرة، فطف بالبيت، واسع بين الصفا والمروة، وقصر من شعرك، وتحلل، والبس ثيابك، وتحل لك امرأتك، ويحل لك الطيب، وتحل لك المحظورات كلها، وإذا كان في اليوم الثامن فأحرم بالحج كما يحرم المتمتعون.
فإن قال: أنا أختار ما اختاره عمر للصحابة من البقاء على الإحرام قلنا له: لك ذلك، فلسنا ننتقد على عمر، ولكن نذكر الأفضل، فنقول: الأفضل ما اختاره النبي ﷺ لصحابته.
стр. 621
خلاف الصحابة في التحلل من الحج
قد ثبت تحلل الصحابة عن نحو سبعة عشر صحابياً، كلهم رووا أنه ﷺ أمر من لم يكن معه هدي أن يجعل إحرامه عمرة، وأن يفسخ ذلك الحج الذي أحرم به، وذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وخالفه في ذلك الشافعية ونحوهم، واختاروا ما ذهب إليه عمر، من أنه لا يجوز التحلل، ولا يجوز فسخ الحج إلى عمرة، واستدلوا بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٦] ، قالوا: لابد أن يكون الحج تاماً، فالذين ذهبوا إلى البقاء على الإحرام هم أبو بكر وعمر وعثمان، وكانوا يأمرون بالبقاء على الإحرام وينهون عن التحلل، وخالفهم في ذلك بعض الصحابة كـ ابن عباس ﵄، فكان يلزم بالتحلل لمن أحرم مفرداً أو قارناً، يلزمه بأن يتحلل، وأن يجعل إحرامه بعمرة، فقيل له: إن أبا بكر وعمر ينهيان عن التمتع! فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!! يقول: إن اجتهاد أبي بكر وعمر يخصهما، وإنه نظر نظراهُ واجتهاد اجتهداه، ولكن سنة النبي ﷺ أولى بأن تقدم.
ولكن مع ذلك نقول: رأي أبي بكر وعمر وعثمان ذهب إليه مالك والشافعي ونحوهما، أن من أحرم لا يتحلل، ورأي ابن عباس ذهب إليه الإمام أحمد، وقال: إنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، والذي تمناه، فذهب إليه هذا الإمام لقوة الأدلة ولكثرتها، ومع ذلك الكل على حق وعلى صواب، فالشافعية لا يبطلون إحرام من تمتع، ولا من فسخ الحج إلى عمرة، ولا يضللونه، وكذلك الحنابلة لا يضللون من بقي على إحرامه ولا يخطئونه، هذا هو القول المختار.
لكن قد ذهب بعض العلماء إلى وجوب فسخ الحج إلى العمرة، ورجح ذلك ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، واختار وجوب التحلل والإلزام به، واستدل بأنه ﷺ لما أمر أصحابه أن يتحللوا قال له بعضهم: (أرأيت عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد) .
ومما استدل به حديث عمران بن حصين الذي تقدم، فذكر أن النبي ﷺ أمر أصحابه بالمتعة -يعني: متعة الحج-، وأن الله تعالى أمر بها في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فما دام أنها وردت في القرآن، وفعلها الصحابة بأمر النبي ﷺ فليس لأحد أن يعترض عليها، وذكر أن عمر ﵁ إنما نهى عنها اجتهاداً اجتهده ورأياً رآه، وهذا معنى قوله: (قال رجل برأيه ما شاء) بعدما ذكر أنهم فعلوها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن ينسخها، ولم ينه عنها رسول الله ﷺ حتى مات، فبقيت من السنة، فلماذا نتركها ما دام أنه لم ينزل ما ينسخها، إنما عمر هو الذي نهى عنها لمجرد رأي رآه ولاجتهاد اجتهده.
وعلى كل حال فإن أفضل الأنساك الذي نختاره -إذا لم يكن الإنسان ساق الهدي- أن يحرم متمتعاً بالعمرة إلى الحج، وأنه إذا أحرم مفرداً وقدم مبكراً أن الأفضل له التحلل، وأما إذا كان معه الهدي فإن عليه أن يحرم بالقران أو بالإفراد، ولا يتحلل حتى ينحر هديه كما فعل النبي ﷺ ، وأن من قدم متأخراً في اليوم الثامن -مثلاً- أو مساء اليوم السابع فالأفضل له أن يبقى على إحرامه إذا كان مفرداً أو قارناً؛ إذ ليس هناك مدة يتمتع فيها، فما بقي إلا ساعات قليلة حتى يحرم الناس بالحج، فيبقى على إحرامه والحال هذه، وإذا اختار التحلل أو اختار إتمام العمرة فلا مانع من ذلك، والأمر فيه سعة.
стр. 622
شرح عمدة الأحكام [٤١]
إن ما يهديه الإنسان من بهيمة الأنعام إلى بيت الله من الأعمال المشروعة المستحبة، وهو من تعظيم شعائر الله وحرماته، وهذا الهدي قد يكون مستحباً وقد يكون مستحباً وقد يكون واجباً، وله آداب وشروط يتعين على المكلف الذي يريد الهدي معرفتها حتى لا يقع في مخالفة الشرع أو تفسد عبادته.
стр. 623
الهدي وأحكامه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الهدي: (عن عائشة ﵂ قالت: فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ، ثم أشعرها وقلدها -أو قلدتها- ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالاً) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (أهدى رسول الله ﷺ مرة غنماً) .
وعن أبي هريرة ﵁: (أن نبي الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، فرأيته راكبها يساير النبي ﷺ ، وفي لفظ: (قال في الثانية أو الثالثة: اركبها، ويلك، أو ويحك) .
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه من عندنا) .
وعن زياد بن جبير قال: (رأيت ابن عمر قد أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ ] .
جعلوا باب الهدي تابعاً للحج؛ وذلك لأن الغالب أن الهدي يكون مع حج أو يكون مع عمرة، وإن كان يجوز أن يهدي بلا إحرام، أو يرسل هدياً وإن لم يذهب مع هديه.
стр. 624
تعريف الهدي ومشروعيته
الهدي: هو ما يهديه الإنسان من بهيمة الأنعام إلى بيت الله تعالى ليذبح هناك ويتصدق بلحمه، ويوسع به على أهل مكة وعلى الوافدين إليها.
وقد كان هذا مألوفاً قبل الإسلام، كان الرجل إذا توجه إلى مكة لحج أو لعمرة أو لزيارة عزل من إبله أو من غنمه قطعة واحدة أو جمعاً وقلدها وسار بها إلى أن يصل إلى مكة، ثم نحرها وخلى بين المساكين وبينها ليأكلوا من لحمها.
وهكذا كان في الإسلام أيضاً، كان المسلمون كلما توجهوا إلى مكة اشتروا هدياً من بهيمة الأنعام من الإبل أو من البقر أو من الغنم وساروا بها حتى يصلوا إلى مكة، ثم إذا طافوا وسعوا وتحللوا نحروها وخلوا بين المسلمين المستحقين وبينها.
ولا يتحللون إلا بعد أن نحرها، قال الله تعال: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: حتى يأتي الوقت الذي يذبح فيه الهدي ويحل فيه ذبحه، ففي الحج: يوم النحر، وفي العمرة إذا لم يكن زمن حج إذا طاف وسعى للعمرة وقصر أو حلق نحر بعد ذلك هديه، وقد ذكر الله أيضاً ما تتميز به هذه الهدايا في موضعين من سورة المائدة، ففي أولها قول الله تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة:٢] ، وفي أواخرها قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ [المائدة:٩٧] ، فذكر مما جعله قياماً للناس الهدي والقلائد، ومعنى: (لا تحلوها) : لا تتعرضوا لها، فإذا رأيتم الهدي فلا تتعرضوا له بأذى حتى يصل إلى بيت الله الذي أهدي إليه، وإذا رأيتموه وفي رقابه قلائد فلا تأخذوا القلائد.
стр. 625
مشروعية تقليد الهدي وإشعاره
وكان من علامة ما يهدونه أن يجعلوا في رقابه قلائد، يفتلون قلائد من ليف أو من صوف أو من شعر، ثم يجعلونها في رقاب الإبل أو في رقاب الغنم والبقر، فإذا رؤيت معلقة فيها قلادة عُرف أنها هدي فامتنع الناس من التعرض لها، فلا يركبونها، ولا يحلبونها إلا إذا بقي بعد ولدها لبن، ولا ينحرونها، ولا يعترضونها، ولا يسرقونها، ويحترمونها؛ لأن لها حرمة؛ لأنها مهداة إلى بيت الله تعالى، معظم بها حرمات الله .
هكذا كان الهدي، وأكثر ما كانوا يهدون البدن التي هي الإبل، يقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] ، فهذا هو الأصل في الهدي، وقد كان النبي ﷺ يهدي كثيراً، ففي غزوة الحديبية سنة ست لما توجه إلى مكة ومعه أصحابه ساق معه مائة بدنة أو سبعين بدنة، وللصحابة الذين معه غيرها، فوصلوا إلى الحديبية، ولكن لم يمكنهم المشركون من أن يصلوا إلى البيت فصدوهم عنه، فقال النبي ﷺ : (انحروها في مكانكم وتحللوا) ، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ أي: مصدوداً (أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥] صدوكم وصدوا الهدي وصرفوه ومنعوه أن يبلغ محله.
ولما كان في سنة سبع واعتمر عمرة القضية ساق معه هدياً فذبحه في مكة بعدما تحلل من عمرته، ولما حج أبو بكر ﵁ سنة تسع أرسل معه النبي ﷺ هدياً، وبقي في المدينة ولم يذهب، ولما حج سنة عشر ساق معه هدياً، ومجموع ما ساقه من المدينة وما جاء به علي من اليمن مائة بدنة، فهذا دليل على أنه كان دائماً يرسل الهدي أو يسوق الهدي معه، وعمل بذلك الصحابة من بعده، فكانوا كلما ساروا إلى مكة -غالباً- يسوقون معهم هدياً إلى البيت ويقلدونه ويشعرونه.
أما تقليده فقد عرفنا أنهم يفتلون حبالاً من ليف أو من شعر ويجعلونها في رقابه، وقد يعلقون في رقاب الإبل أحذية، فإذا رأى إنسان هذا البعير أو هذا الجمل أو الناقة قد علق في رقبتها نعلان عرف أنها هدي فاحترمها ولم يتعرض لها، فالنعلان علامة على أنها هدي.
وكذلك من علاماتها الإشعار، وهو أنهم يشقون أسنمة الإبل حتى يسيل الدم، ثم يأخذون صوفة منها فيبلونها في ذلك الدم حتى ينقلب لونها أحمر، ثم يربطونها في ذروة البعير، فإذا رؤيت والدم قد ظهر لونه على تلك الصوفة أو على ذلك الوبر الذي في ذروة سنامه عرف بأنها هدي فلم يتعرض لها، وهذا الإشعار خاص بالإبل؛ لأنها تتحمل، أما الغنم فإنها لا تشعر، وذلك لصغرها، وكذلك اختلف في البقر، هل تشعر أم لا؟ ولم ينقل الإشعار إلا في الإبل، فالظاهر أنه يقتصر عليها، هذا معنى الهدي.
стр. 626
شرح حديث: (فتلت قلائد هدي النبي ﷺ بيدي)
الحديث الأول فيه أن عائشة تقول: (فتلت قلائد هدي النبي ﷺ بيدي -فتلت لكل بعير قلادة- فقلدها ثم بعث بها -وهذا كان في حجة أبي بكر - فبعث بها وأقام بالمدينة) ، بعث بها إلى مكة وأقام بالمدينة، ولم يحرم عليه شيء كان له حلالاً، وذلك لأن الإحرام إنما يلزم من ساقها وسار معها فإنه يحرم، ولا يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وقد تقدم لنا ما يدل على ذلك.
فـ عائشة أخبرت بأنها فتلت القلائد، فدل على سنية القلائد، وأخبرت بأنه قلدها أو هي قلدتها -قلد الهدي-، وأخبرت بأنه أرسلها -أي: مع أبي بكر -، وأنه أقام بالمدينة حلالاً ولم يحرم، فلم يحرم عليه أخذ الشعر ولا الطيب ولا نكاح زوجاته، فلم يحرم عليه شيء كان حلالاً، ولو كان ساقه وسار معه للزمه الإحرام، ولم يحلق ولم يحل من إحرامه حتى ينحر هديه، ودليل ذلك حديث حفصة الذي تقدم أنها قالت: (يا رسول الله! ما بال الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر) ، فبقي على إحرامه؛ لأنه منعه الهدي، فلم يحل حتى نحر يوم النحر.
стр. 627
شرح حديث: (أهدى رسول الله ﷺ مرة غنماً)
الحديث الثاني: ذكرت فيه عائشة ﵂: (أنه أهدى مرة غنماً) ، وهذا دليل على أن الغنم تهدى، وذلك لأنها من بهيمة الأنعام، ولأن أكلها مألوف، فهي من جملة ما يوسع به إذا ذبح في المناسك وفي المشاعر، يوسع به ويأكله المستضعفون ونحوهم.
стр. 628
شرح حديث: (أنه ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها)
الحديث الثالث: ذكر فيه أبو هريرة: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها) كأنه لم يكن معه إلا بدنة واحدة، وقد أشعرها وقد قلدها، ورأى أنه لا يتعرض لها؛ لأن الله تعالى نهى عن التعرض لها بقوله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ﴾ [المائدة:٢] ، يعني: لا تستحلوه فرأى أنه قد أخرجها من ملكه فلا ينتفع منها بشيء، فصار يمشي خلفها راجلاً ليس معه ما يركبه، فأرشده النبي ﷺ إلى أنه لا بأس بركوبها ولو كانت هدياً، فاعتذر وقال: إنها هدي، إنها بدنة، يعني: إنها من البدن التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] ، فهي من شعائر الله، ولكن رخص له وقال: (اركبها، -حتى قال-: ويحك أو ويلك) فركبها ذلك الرجل وارتفق بها فكان يساير النبي ﷺ -يسير محاذياً له- ولم ينكر عليه أحد، وهذا دليل على ركوبها عند الحاجة.
والأصل أنه لا ينتفع منها بشيء كما ذكرنا قريباً، فركوبها فيه انتفاع، ولكن لما كان هذا الرجل مضطراً إليها، ولم يكن معه مركب يركبه رخص له في أن يركبها، وركوبها أيضاً لا يضرها، وذلك لأنه فرد واحد وليس معه أثاث يثقلها فركبها وارتفق بها، ولم ينقص ذلك من قيمتها ولا من صفتها، فيجوز ركوبها عند الحاجة، وأما عند الاستغناء فلا يجوز، وذكرنا أيضاً أنه لا يجوز أن يُحلب من لبنها شيء إذا كان لها ولد، بل يترك ولدها يشرب لبنها، إلا إذا زاد عن حاجته فلا بأس بذلك، ولا بأس بحلبها وشرب لبنها عند الحاجة.
стр. 629
شرح حديث: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه)
أما حديث علي ﵁ فيقول فيه: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وأجلتها على المساكين، وأن لا يعطي الجزار منها شيئاً وقال: نحن نعطيه من عندنا) ، وكان ذلك في حجة الوداع، حين صف ﷺ البدن وأمر بأن تنحر، فدعا بسكين فجعل ينحر بيده حتى نحر بيده ثلاثاً وستين، ثم أعطى علياً فنحر ما بقي، ولما سقطت جنوبها احتاجت إلى من يسلخ جلودها وإلى من يقطع لحومها، فدعا جزارين يساعدون علياً، وأمر علياً أن يقوم عليها ويراقبها حتى تقسم، فأمره بأن يقوم عليها، فبدأ أولاً بسلخها وأخذ جلودها، وهي مما ينتفع به، فتصدق بها على المساكين الذين ينتفعون بها، وبعد ذلك لحومها قطعها وفرقها على المساكين أو أذن لهم فيها، وفي بعض الروايات أنه: (لما نحر عشراً وتساقطت قال: من شاء اقتطع) يعني: من أراد فليأت ويقتطع لنفسه ما أراد، أي: قدر حاجته، ولكن الحديث المشهور أنه أمر علياً أن يأتي بجزارين وأن يقطعوها ويعطوا هذا ويعطوا هذا، حتى قسمها كلها على المساكين.
وكانوا أيضاً قد جعلوا على ظهورها أجلة -أكسية من صوف أو نحوها- تحميها عن الشمس، وتحميها عن النسور وعن الغربان ونحوها حتى لا تنقر ظهورها- وتلك الأجلة قد أخرجها لله، فأمره أن يتصدق بالأجلة أيضاً ولا يستعيدها، وكذلك أيضاً القلائد التي في رقابها يتصدق بها، وكل شيء اتصل بها أخرجه لله، فليس له أن يسترجع شيئاً منها، هكذا أخبر في هذا الحديث: (أن أقوم على بدنه) -يعني: أراقبها- (وأن أتصدق بلحمها على المساكين) ، وجلودها عليهم، وأجلتها على من يحتاج إليها ومن ينتفع بها، وأما الجزارون فلم يعطهم من لحمها على أنه أجرة لهم، وذلك لأن تقسيمها، وكذلك تقطيعها من تمام تمكين المساكين منها، والجزار أجرته على صاحبها، فقال ﷺ : (نحن نعطيه من عندنا) لا نعطيه أجرته لحماً، أما إذا كان فقيراً فإنه يأخذ من لحمها صدقة مع سائر المستحقين.
وهكذا يقال أيضاً في الأضحية، فمن ذبح لك أضحية فلا تعطيه أجرته منها، بل أعطه أجرته من غيرها، وإذا كان مستضعفاً فأعطه من لحمها كسائر المستضعفين، هذا حكم الأضاحي.
وفي ذلك الوقت كان اللحم له قيمته، أعني لحم الإبل ولحم البقر ولحم الغنم، كان المساكين والحجاج كثيرون، وكان الذين ساقوا هدياً قلة، فالذين معهم هدي قليل والأكثرون ضعفاء لم يكن معهم ما يحملهم، أي: ركائبهم التي تحملهم.
فلذلك كان فيهم ضعف وحاجة إلى اللحم، فلما ذبحت هذه اللحوم اقتسموها وأكلوها، ولم يبق منها شيء في يومها يوم العيد، وانتهت تلك المائة من الإبل التي أهداها النبي ﷺ ، وقسم غيرها أيضاً مما أهداه غيره، ومع ذلك لم يبق منها شيء، ولم يفسد منها شيء.
أما في هذه الأزمنة فإنه لكثرة اللحوم فقد لا يقال باستحباب الهدي ما دام أن اللحوم في هذه الأزمنة لا ينتفع بأكثرها؛ إذ أنه غالباً يبقى كثير منها في بيوت الجزارة وتدفن -مثلاً-، أو تحرق، أو تترك حتى تنتن، أو يؤخذ منها شيء قليل والبقية تفسد؛ لأجل ذلك لم ير العلماء استحباب ذبح الهدايا أو استحباب الإهداء، واقتصروا على فدية التمتع وفدية القران ونحوها، فالإنسان إذا حج متمتعاً فليس عليه إلا فدية وهي شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، وأما كونه يهدي مائة من الإبل، أو يهدي عشراً من الإبل يذبحها فمن الذي ينتفع بها؟ قلّ أن يؤكل منها شيء؛ خاصة لحوم الإبل، وكذا لحوم البقر، وكذلك يقال في الغنم وإن كان في الغنم قد يوجد من يأكلها، وأما الفدية التي هي فدية التمتع والقران فهذه لازمة لكل من كان عنده فدية وعنده قدرة على ذبحها، ومن لم يجد فعليه الصيام كما ذكر الله تعالى، وعلى كل حال فهذه هي سنية الهدي، أنه تسن إذا كان ينتفع به، ولا تسن إذا لم يكن ينتفع به، فلو جاء زمان واحتيج فيه إلى اللحوم وقلّت فيه الهدايا وصار أكثر الحجاج لا يهدون ويقتصرون على الصيام مثلاً، أو يحرمون مفردين دون أن يتمتعوا وقلت اللحوم فحينئذٍ يعود الأمر إلى حالته وتشرع كثرة الهدايا لمن كان عنده فدية حتى توزع وتعم المسلمين في ذلك المكان، وحتى يتمكنوا من الأكل في تلك الأيام التي هي أيام أكل وشرب وذكر لله .
стр. 630
شرح حديث: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ
أما حديث ابن عمر ففيه كيفية ذبح الهدي، فقد رأى رجلاً قد أناخ بدنته ينحرها وهي باركة، فأمره بأن يقيمها وأن يعقلها وأن ينحرها وهي قائمة، وقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ ، فالنبي ﷺ عرضت عليه البدن وهي كلها قائمة، ولكن قد مسكت رءوسها بحبال، وكذلك عقلت إحدى قوائمها، وقامت على ثلاث فنحرها حتى سقطت، ذكر الله ذلك بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ صفها صفوفاً، اذكروا اسم الله عليها صواف ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ إذا سقطت جنوبها بعدما تنحر ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦] ، فدل على أن السنة والأفضل في الإبل أنها تنحر وهي قائمة معقولة إحدى يديها، وأنها بعدما تنحر تسقط على جنبها، ثم بعد ذلك يكمل ذبحها ويكمل سلخها وينتفع بها، أما البقر والغنم فإنها توضع على جنبها الأيسر وتوجه إلى القبلة وتذبح في أصل الرءوس، بخلاف الإبل فإنها تنحر في أصل الرقبة.
هذه كيفية الهدي وهذه سنته وسبب شرعيته.
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عروة بن الزبير قال: (سئل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول ﷺ يسير حين دفع؟ قال: يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ) ، العنق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك.
وعن عبد الله بن عمر ﵁: (أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج.
فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) .
وعن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: (أنه حج مع ابن مسعود فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي نزلت عليه سورة البقرة ﷺ .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم! ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم! ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين) ] .
стр. 631
شرح حديث: (كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)
الحديث الأول يتعلق بصفة سير النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ذكر أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، وفسر العنق بأنه انبساط السير والنص فوق ذلك.
وقف النبي ﷺ بعرفة على ناقته التي تسمى القصوى من حين صلى الظهر والناس معه وقوف على رواحلهم وطال بهم الوقوف ولم يزالوا واقفين على إبلهم، وبعضهم لم يكن معه ما يركبه فوقف على قدميه أو جلس كلهم يذكرون الله ويدعونه في يوم عرفة، ولم يزلوا كذلك حتى غربت الشمس، وقفوا ما لا يقل عن ست ساعات وهم على هذه الحال، ولا شك أن الإبل قد تعبت وكذلك الواقفون عليها قد تعبوا، فلما انصرفوا متوجهين إلى مزدلفة علموا أنهم إذا وصلوا إليها أناخوا رواحلهم وباتوا بها، فكان كثير منهم يسرع في سيره، وكانوا يزدحمون في الأماكن الضيقة، فعندما يأتون إلى أماكن ضيقة يزدحمون لكثرتهم، فكان يشير إليهم بقوله: (يا أيها الناس! السكينة، السكينة) ، أي: سيروا على تؤدة وتأنٍ ولا تعجلوا ولا تسرعوا السير فتشقوا على أنفسكم ويضيق بعضكم على بعض.
أما النبي ﷺ فإنه كان ينبسط في سيره، ذكر الراوي أنه كان قد قبض زمام ناقته، الذي تقاد به -وهو الحبل الذي يسمى (الخطام) الذي يربط في رأسها- فكان قد قبضه حتى إن رأسها ليصيب مورك الرحل، أي: موضع قدميه أو ساقيه من شدة قبضه لها حتى لا تسرع؛ لأنها إذا أسرع الذين أمامها وخلفها تسرع عادة، وهم يسرعون لما انصرفوا، ولكن حثهم على أنهم لا يسرعون، وأن ينبسطوا في السير.
والعنق: هو لوي عنق الناقة، كأنه التوى عنقها حتى صار كأنه حلقة، فرأسها يصيب ظهرها مما يلي طرف عنقها، هذا معنى (يسير العنق) ، وإذا أتى على كثيب من الكثب وحبل من الحبال الرملية أرخى لها قليلاً حتى تصعد، وهكذا إذا وجد فجوة -أي: متسعاً- أرخى لها فأسرعت، وهذا معنى قوله: (إذا وجد فجوة نص) ، هكذا سار وهكذا ساروا حتى وصلوا إلى مزدلفة، قطعوا تلك المسافة في نحو ساعتين من موقفهم من عرفة الذي عند جبل الرحمة إلى أن وصلوا إلى المشعر الحرام الذي يقال له: (قزح) ، فوصلوا في نحو ساعتين أو ساعتين ونصف؛ لأنهم يسيرون بتأن وبعضهم يسرع، فيمكن أن بعضهم يصل في ساعة ونصف أو في ساعتين.
والحاصل أنهم عند ما وصلوا بدءوا بصلاة العشاءين، ذكر في بعض الأحاديث أنه في أثناء الطريق مال إلى شعب من الشعاب ونزل وبال، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، ولما وصل إلى مزدلفة توضأ وأسبغ الوضوء وصلى، واضطجع بعد ذلك حتى أصبح.
ولما أصبح ودعا الله تعالى حتى أسفر جداً، وقبل أن تطلع الشمس توجه إلى منى، ولما أتى منى رمى الجمرة الأولى، ثم نحر بعدما رمى، فبدأ بالرمي، ثم بعده بالنحر -نحر الهدي-، ثم بعده بحلق رأسه، ثم أفاض إلى مكة، والصحابة لم يكونوا كلهم يشاهدون أفعاله، بل منهم من سبقه ومنهم من تأخر عنه، فلأجل ذلك اختلفوا، فبعضهم بدأ بالنحر، فنحر هديه أو فديته قبل أن يرمي، وبعضهم لما رمى بدأ بالحلق قبل أن ينحر، اجتهاداً منهم، فلم يرتبوا كما رتب النبي ﷺ ، فلما كان في أثناء الضحى بعدما نحر وبعدما حلق وقف للناس على بعيره، فتوافد عليه الناس يسألونه أسئلة كثيرة.
فذكر بعضهم: (أنه قدم النحر قبل الرمي، مع أن الرمي سنة منى، فقال: ارم ولا حرج، -أنت الآن قد نحرت قبل أن ترمي، اذهب فارم ولا حرج عليك-، وجاءه آخر وقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، قدمت الحلق قبل النحر، خلاف ما فعله النبي ﷺ لكونه نحر قبل أن يحلق، فقال: وانحر ولا حرج) ، وسئل عن مسائل كثيرة وكلها يقول فيها: لا حرج لا حرج.
فأفادنا هذا بأن أعمال يوم النحر أربعة، وأنه لا يلزم فيها الترتيب، فمن قدم فيها أو أخر فلا إثم عليه، إذا قدم الذبح قبل أن يرمي فلا حرج، وعليه أن يرمي ويكمل بقية الأعمال، وكذلك لو لم يتيسر له الذبح من ذلك اليوم، فنحر في اليوم الثاني أو في اليوم الثالث بعدما يتحلل فلا حرج عليه، يبدأ بالرمي، ثم يحلق، ثم يتحلل التحلل الأول، وكذلك لو طاف فلا حرج، لو قدم الطواف أيضاً قبل النحر فلا حرج، وكذلك لو أخر الرمي فحلق ونحر وطاف ولم يرم إلا في آخر النهار فلا حرج عليه أيضاً في ذلك، وكل ذلك من باب التوسعة، وذلك لأن المطلوب الإتيان بهذه الأعمال وقد أتى بها كما أمر، فما دام أنها قد حصلت فلا إثم عليه في تقديم أو تأخير.
وفي بعض الروايات أن رجلاً قال له: (رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج) ، والمراد بالمساء آخر النهار؛ لأنه ﷺ رمى في الضحى وأكثر الصحابة رموا جمرة العقبة في يوم العيد في الضحى، وهذا لم يرمها إلا بعد الزوال في آخر النهار، وآخر النهار يسمى مساء، فقال: (رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج) ، وفي بعض الروايات: (أن رجلاً قال له: سعيت قبل أن أطوف) قدم السعي، مع أن المشروع لمن دخل البيت أن يقدم الطواف؛ لأن الطواف تحية البيت، وهذا قدم السعي، (فقال: لا حرج) ، ولكن هذه الرواية لم تكن مشهورة، فليست في الصحيحين وإن كان سندها قوياً، وأكثر العلماء يخصونها بالجهل، أن من سعى جاهلاً قبل الطواف أجزأه سعيه، فلا يعيد السعي بعد الطواف، وأما المعتمد فلا؛ لأن فيه أنه لم يشعر، فدل هذا على أنه لم يكن شاعراً بالحكم.
ورمي الجمرة معلوم أنه في يوم العيد في النهار كله من طلوع الشمس إلى غروبها؛ لحديث ابن عباس أنه ﵊ قال له: (أي بني! لا ترم الجمرة حتى تطلع الشمس) .
стр. 632
موضع رمي الجمرات
كذلك موضع الرمي وموقفه إذا أراد أن يرمي دل عليه حديث ابن مسعود، فلما أراد أن يرمي جمرة العقبة قابلها، واستقبل جهة الشمال وجعل مكة أو البيت عن يساره ومنى عن يمينه، وقال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) يعني النبي ﷺ ، وكانت جمرة العقبة في أصل جبل صغير مبنية في أصله، ولا يتمكن أحد أن يرميها إلا من الجانب الجنوبي أو من الغربي قليلاً والشرقي، أما الجانب الشمالي فإنه مرتفع رأس جبل عقبة، فلذلك سميت جمرة العقبة، وقد أزيلت تلك العقبة في عهد الملك سعود في سنة خمس وسبعين من القرن الرابع عشر بعد أن أفتى بذلك المشايخ في ذلك الوقت، ورأوا أنها في الطريق -متوسطة في الطريق-، فأزالوها لتوسعة الطريق، وبقيت الجمرة بارزة كما هي الآن، ويمكن أن ترمى من الجهات كلها، لكن لما لم يكن في الجهة الشمالية حوض لم يُجوز الرمي منه؛ لأنه في الأصل ما كانت ترمى من الجهة الشمالية؛ لأنها في أصل جبل كما ذكرنا، فلذلك نقول: لا يجوز رميها إلا في الحوض، أو في الجهات التي فيها حوض، من الجهات الغربية جانب الحوض، وكذا الشرقية جانب الحوض، والجنوبية وسط الحوض، وهذا هو الأفضل، أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويتوسط الحوض.
وفي هذه الأزمنة قد بني فوقها سطح وجعل فيه أيضاً مرمى، فترمى من الأعلى وترمى من الأرض، فالذي يرميها من فوق يرميها من كل الجهات، وذلك لأن الحصيات تسقط في الحوض ولابد، فقد رفع الشاخص إلى أن برز للرامين، فيرمونه وتسقط الحصيات في الحوض، والمطلوب أن كل حصاة إما أن تصيب الشاخص وإما أن تصيب الحوض وتقع فيه ولو تدحرجت وسقطت على الأرض، ولو ضربت الشاخص مثلاً وقفزت وسقطت على الأرض اكتفي بذلك، ولا نطيل في الكلام على هذه الجمرات ونحوها.
فهذه الأحاديث تتعلق بشيءً من صفات الحج ومن أعمال الحجاج، ومعلوم أن صفة الحج مأخوذة من سيرة النبي ﷺ ومن سنته، وأنه هو الذي بين للأمة هذه المناسك، وقال: (خذوا عني مناسككم؛ فلعلي لا ألقاكم بعدها أبدا) ، وأنه ﷺ بين للناس كيف يرمون الجمرات في أيام الجمرات، وكذلك في أوقاتها، وبين بأفعاله وبأقواله جميع المناسك، فأصبحت واضحة المعالم والحمد لله.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 633
شرح عمدة الأحكام [٤٢]
شرع الله الطواف بالبيت وجعله عبادة يتقرب بها إليه كالصلاة، حتى يشترط له ما يشترط للصلاة، وهو آخر ما يكون من الحاج إذا غادر الأماكن المقدسة، ومن مناسك الحج المبيت بمنى ليالي التشريق وما يتبع ذلك من الأعمال.
стр. 634
شرح حديث: (حججنا مع النبي ﷺ فحاضت صفية)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ قالت: (حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله! إنها حائض.
قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا) ، وفي لفظ: قال النبي ﷺ : (عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم.
قال: فانفرى) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) .
وعنه قال: (جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما) ] .
هذه أحاديث تتعلق ببعض أحكام الحج.
فالحديث الأول حديث عائشة، ذكرت أنهم حجوا مع النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر، ولم تذكر في هذا الحديث تفاصيله؛ لأنها ذكرته في حديث آخر.
ولما كان يوم النحر -وكانت قد طهرت من حيضها يوم عرفة وتطهرت- أفاضوا يوم النحر إلى مكة للطواف، أي: طواف الإفاضة، وكل أزواجه ﷺ كن معه وهن تسع، كلهن طفن في ذلك اليوم، ولما كان في يوم المحصب وهو اليوم الرابع عشر الذي عزم فيه على السفر، ففي تلك الليلة أمرهم بأن يوادعوا، وكان من جملتهم صفية إحدى زوجاته ﷺ ، فأراد منها ما يريد الرجل من أهله، أن يقضي وطره أو يطأها، ولكن ذكروا له أنها حائض، ولم تكن طافت طواف الوداع، ولم يكونوا قد طافوا طواف الوداع، فخاف أن تحبسهم، فينتظرونها إلى أن تطهر مدة ستة أيام أو سبعة، ولكن لما أخبروه بأنها قد أفاضت -أي: طافت طواف الإفاضة- سمح لها ولهم بالخروج وأسقط عنها طواف الوداع.
стр. 635
شرح حديث: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت)
وكذلك الحديث الذي بعده حديث ابن عباس، يقول: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) ، ففي هذين الحديثين شرعية طواف الوداع.
следующие страницы →