Полный текст (1 083 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
شرح حديث: (كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)
الحديث الأول يتعلق بصفة سير النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ذكر أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، وفسر العنق بأنه انبساط السير والنص فوق ذلك.
وقف النبي ﷺ بعرفة على ناقته التي تسمى القصوى من حين صلى الظهر والناس معه وقوف على رواحلهم وطال بهم الوقوف ولم يزالوا واقفين على إبلهم، وبعضهم لم يكن معه ما يركبه فوقف على قدميه أو جلس كلهم يذكرون الله ويدعونه في يوم عرفة، ولم يزلوا كذلك حتى غربت الشمس، وقفوا ما لا يقل عن ست ساعات وهم على هذه الحال، ولا شك أن الإبل قد تعبت وكذلك الواقفون عليها قد تعبوا، فلما انصرفوا متوجهين إلى مزدلفة علموا أنهم إذا وصلوا إليها أناخوا رواحلهم وباتوا بها، فكان كثير منهم يسرع في سيره، وكانوا يزدحمون في الأماكن الضيقة، فعندما يأتون إلى أماكن ضيقة يزدحمون لكثرتهم، فكان يشير إليهم بقوله: (يا أيها الناس! السكينة، السكينة) ، أي: سيروا على تؤدة وتأنٍ ولا تعجلوا ولا تسرعوا السير فتشقوا على أنفسكم ويضيق بعضكم على بعض.
أما النبي ﷺ فإنه كان ينبسط في سيره، ذكر الراوي أنه كان قد قبض زمام ناقته، الذي تقاد به -وهو الحبل الذي يسمى (الخطام) الذي يربط في رأسها- فكان قد قبضه حتى إن رأسها ليصيب مورك الرحل، أي: موضع قدميه أو ساقيه من شدة قبضه لها حتى لا تسرع؛ لأنها إذا أسرع الذين أمامها وخلفها تسرع عادة، وهم يسرعون لما انصرفوا، ولكن حثهم على أنهم لا يسرعون، وأن ينبسطوا في السير.
والعنق: هو لوي عنق الناقة، كأنه التوى عنقها حتى صار كأنه حلقة، فرأسها يصيب ظهرها مما يلي طرف عنقها، هذا معنى (يسير العنق) ، وإذا أتى على كثيب من الكثب وحبل من الحبال الرملية أرخى لها قليلاً حتى تصعد، وهكذا إذا وجد فجوة -أي: متسعاً- أرخى لها فأسرعت، وهذا معنى قوله: (إذا وجد فجوة نص) ، هكذا سار وهكذا ساروا حتى وصلوا إلى مزدلفة، قطعوا تلك المسافة في نحو ساعتين من موقفهم من عرفة الذي عند جبل الرحمة إلى أن وصلوا إلى المشعر الحرام الذي يقال له: (قزح) ، فوصلوا في نحو ساعتين أو ساعتين ونصف؛ لأنهم يسيرون بتأن وبعضهم يسرع، فيمكن أن بعضهم يصل في ساعة ونصف أو في ساعتين.
والحاصل أنهم عند ما وصلوا بدءوا بصلاة العشاءين، ذكر في بعض الأحاديث أنه في أثناء الطريق مال إلى شعب من الشعاب ونزل وبال، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، ولما وصل إلى مزدلفة توضأ وأسبغ الوضوء وصلى، واضطجع بعد ذلك حتى أصبح.
ولما أصبح ودعا الله تعالى حتى أسفر جداً، وقبل أن تطلع الشمس توجه إلى منى، ولما أتى منى رمى الجمرة الأولى، ثم نحر بعدما رمى، فبدأ بالرمي، ثم بعده بالنحر -نحر الهدي-، ثم بعده بحلق رأسه، ثم أفاض إلى مكة، والصحابة لم يكونوا كلهم يشاهدون أفعاله، بل منهم من سبقه ومنهم من تأخر عنه، فلأجل ذلك اختلفوا، فبعضهم بدأ بالنحر، فنحر هديه أو فديته قبل أن يرمي، وبعضهم لما رمى بدأ بالحلق قبل أن ينحر، اجتهاداً منهم، فلم يرتبوا كما رتب النبي ﷺ ، فلما كان في أثناء الضحى بعدما نحر وبعدما حلق وقف للناس على بعيره، فتوافد عليه الناس يسألونه أسئلة كثيرة.
فذكر بعضهم: (أنه قدم النحر قبل الرمي، مع أن الرمي سنة منى، فقال: ارم ولا حرج، -أنت الآن قد نحرت قبل أن ترمي، اذهب فارم ولا حرج عليك-، وجاءه آخر وقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، قدمت الحلق قبل النحر، خلاف ما فعله النبي ﷺ لكونه نحر قبل أن يحلق، فقال: وانحر ولا حرج) ، وسئل عن مسائل كثيرة وكلها يقول فيها: لا حرج لا حرج.
فأفادنا هذا بأن أعمال يوم النحر أربعة، وأنه لا يلزم فيها الترتيب، فمن قدم فيها أو أخر فلا إثم عليه، إذا قدم الذبح قبل أن يرمي فلا حرج، وعليه أن يرمي ويكمل بقية الأعمال، وكذلك لو لم يتيسر له الذبح من ذلك اليوم، فنحر في اليوم الثاني أو في اليوم الثالث بعدما يتحلل فلا حرج عليه، يبدأ بالرمي، ثم يحلق، ثم يتحلل التحلل الأول، وكذلك لو طاف فلا حرج، لو قدم الطواف أيضاً قبل النحر فلا حرج، وكذلك لو أخر الرمي فحلق ونحر وطاف ولم يرم إلا في آخر النهار فلا حرج عليه أيضاً في ذلك، وكل ذلك من باب التوسعة، وذلك لأن المطلوب الإتيان بهذه الأعمال وقد أتى بها كما أمر، فما دام أنها قد حصلت فلا إثم عليه في تقديم أو تأخير.
وفي بعض الروايات أن رجلاً قال له: (رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج) ، والمراد بالمساء آخر النهار؛ لأنه ﷺ رمى في الضحى وأكثر الصحابة رموا جمرة العقبة في يوم العيد في الضحى، وهذا لم يرمها إلا بعد الزوال في آخر النهار، وآخر النهار يسمى مساء، فقال: (رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج) ، وفي بعض الروايات: (أن رجلاً قال له: سعيت قبل أن أطوف) قدم السعي، مع أن المشروع لمن دخل البيت أن يقدم الطواف؛ لأن الطواف تحية البيت، وهذا قدم السعي، (فقال: لا حرج) ، ولكن هذه الرواية لم تكن مشهورة، فليست في الصحيحين وإن كان سندها قوياً، وأكثر العلماء يخصونها بالجهل، أن من سعى جاهلاً قبل الطواف أجزأه سعيه، فلا يعيد السعي بعد الطواف، وأما المعتمد فلا؛ لأن فيه أنه لم يشعر، فدل هذا على أنه لم يكن شاعراً بالحكم.
ورمي الجمرة معلوم أنه في يوم العيد في النهار كله من طلوع الشمس إلى غروبها؛ لحديث ابن عباس أنه ﵊ قال له: (أي بني! لا ترم الجمرة حتى تطلع الشمس) .
стр. 632
موضع رمي الجمرات
كذلك موضع الرمي وموقفه إذا أراد أن يرمي دل عليه حديث ابن مسعود، فلما أراد أن يرمي جمرة العقبة قابلها، واستقبل جهة الشمال وجعل مكة أو البيت عن يساره ومنى عن يمينه، وقال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) يعني النبي ﷺ ، وكانت جمرة العقبة في أصل جبل صغير مبنية في أصله، ولا يتمكن أحد أن يرميها إلا من الجانب الجنوبي أو من الغربي قليلاً والشرقي، أما الجانب الشمالي فإنه مرتفع رأس جبل عقبة، فلذلك سميت جمرة العقبة، وقد أزيلت تلك العقبة في عهد الملك سعود في سنة خمس وسبعين من القرن الرابع عشر بعد أن أفتى بذلك المشايخ في ذلك الوقت، ورأوا أنها في الطريق -متوسطة في الطريق-، فأزالوها لتوسعة الطريق، وبقيت الجمرة بارزة كما هي الآن، ويمكن أن ترمى من الجهات كلها، لكن لما لم يكن في الجهة الشمالية حوض لم يُجوز الرمي منه؛ لأنه في الأصل ما كانت ترمى من الجهة الشمالية؛ لأنها في أصل جبل كما ذكرنا، فلذلك نقول: لا يجوز رميها إلا في الحوض، أو في الجهات التي فيها حوض، من الجهات الغربية جانب الحوض، وكذا الشرقية جانب الحوض، والجنوبية وسط الحوض، وهذا هو الأفضل، أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويتوسط الحوض.
وفي هذه الأزمنة قد بني فوقها سطح وجعل فيه أيضاً مرمى، فترمى من الأعلى وترمى من الأرض، فالذي يرميها من فوق يرميها من كل الجهات، وذلك لأن الحصيات تسقط في الحوض ولابد، فقد رفع الشاخص إلى أن برز للرامين، فيرمونه وتسقط الحصيات في الحوض، والمطلوب أن كل حصاة إما أن تصيب الشاخص وإما أن تصيب الحوض وتقع فيه ولو تدحرجت وسقطت على الأرض، ولو ضربت الشاخص مثلاً وقفزت وسقطت على الأرض اكتفي بذلك، ولا نطيل في الكلام على هذه الجمرات ونحوها.
فهذه الأحاديث تتعلق بشيءً من صفات الحج ومن أعمال الحجاج، ومعلوم أن صفة الحج مأخوذة من سيرة النبي ﷺ ومن سنته، وأنه هو الذي بين للأمة هذه المناسك، وقال: (خذوا عني مناسككم؛ فلعلي لا ألقاكم بعدها أبدا) ، وأنه ﷺ بين للناس كيف يرمون الجمرات في أيام الجمرات، وكذلك في أوقاتها، وبين بأفعاله وبأقواله جميع المناسك، فأصبحت واضحة المعالم والحمد لله.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 633
شرح عمدة الأحكام [٤٢]
شرع الله الطواف بالبيت وجعله عبادة يتقرب بها إليه كالصلاة، حتى يشترط له ما يشترط للصلاة، وهو آخر ما يكون من الحاج إذا غادر الأماكن المقدسة، ومن مناسك الحج المبيت بمنى ليالي التشريق وما يتبع ذلك من الأعمال.
стр. 634
شرح حديث: (حججنا مع النبي ﷺ فحاضت صفية)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ قالت: (حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله! إنها حائض.
قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا) ، وفي لفظ: قال النبي ﷺ : (عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم.
قال: فانفرى) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) .
وعنه قال: (جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما) ] .
هذه أحاديث تتعلق ببعض أحكام الحج.
فالحديث الأول حديث عائشة، ذكرت أنهم حجوا مع النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر، ولم تذكر في هذا الحديث تفاصيله؛ لأنها ذكرته في حديث آخر.
ولما كان يوم النحر -وكانت قد طهرت من حيضها يوم عرفة وتطهرت- أفاضوا يوم النحر إلى مكة للطواف، أي: طواف الإفاضة، وكل أزواجه ﷺ كن معه وهن تسع، كلهن طفن في ذلك اليوم، ولما كان في يوم المحصب وهو اليوم الرابع عشر الذي عزم فيه على السفر، ففي تلك الليلة أمرهم بأن يوادعوا، وكان من جملتهم صفية إحدى زوجاته ﷺ ، فأراد منها ما يريد الرجل من أهله، أن يقضي وطره أو يطأها، ولكن ذكروا له أنها حائض، ولم تكن طافت طواف الوداع، ولم يكونوا قد طافوا طواف الوداع، فخاف أن تحبسهم، فينتظرونها إلى أن تطهر مدة ستة أيام أو سبعة، ولكن لما أخبروه بأنها قد أفاضت -أي: طافت طواف الإفاضة- سمح لها ولهم بالخروج وأسقط عنها طواف الوداع.
стр. 635
شرح حديث: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت)
وكذلك الحديث الذي بعده حديث ابن عباس، يقول: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) ، ففي هذين الحديثين شرعية طواف الوداع.
стр. 636
حكم طواف الوداع
ذهب جمهور العلماء إلى أنه واجب من الواجبات، وأنه يجب على كل حاج أن لا يخرج من البيت -من مكة- حتى يكون آخر عهده بالبيت بأن يطوف سبعة أشواط، ثم يرحل بعده، وسمي وداعاً لأنه يودع به مكة، ويودع مشاعر الحرم، يودع به تلك الشعائر وتلك الأماكن، وذلك لأن مكة إنما شرفت بالبيت، وإنما كانت لها ميزة بهذا البيت أنه موجود فيها وواقع فيها.
والعبادة التي يتعبد بها في البيت هي الطواف الذي هو عبادة من العبادات ولا يتم الحج إلا به، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] ، فالطواف به عبادة خاصة لا تصح الأنساك إلا به، ولا يصح الحج والعمرة إلا بالطواف، ولا يطاف بشيء إلا بهذا البيت العتيق، فهذا الطواف هو عبادة الله تعالى بالاستدارة حول هذا البيت، هو أول ما يبدأ به وهو آخر ما يعمله فأول ما يبدأ به طواف القدوم، ويسمى تحية مكة أو تحية البيت، فحينما يقدم يكون أول شيء يعمله أن يطوف بهذا البيت، فإن كان متمتعاً فطوافه للعمرة، وإن كان مفرداً أو قارناً فللقدوم، فأول شيء يبدأ به هذا البيت أن يطوف، وآخر شيء يعمله أن يطوف، أن يودع مكة بطواف.
ولما كان الحاج يغيب عن مكة مدة طويلة كان الطواف بالبيت أفضل الأعمال التي يتقرب بها، أي: أنه جاء إلى مكة بعد غيبة سنوات، وربما لا يرجع إليها، أو لا يأتي إليها إلا مرة واحدة في عمره بالنسبة لمن كان في السنوات الماضية أو القرون الماضية، وكذلك بالنسبة لأهل البلاد البعيدة الذين لا يتيسر لأحدهم أن يأتي إلا مرة واحدة، فلأجل ذلك كانت همتهم أن يكثروا من الطواف إذا تيسر لهم، وذلك لأن الطواف عبادة من العبادات وقربة من القربات، ولا يتيسر لهم في كل حين، فإذا قدموا إلى مكة اهتموا به وكان عليهم أن يستكثروا منه وأن يكرروا الطواف ليلاً ونهاراً، وقد أمر النبي ﷺ الحجبة بأن لا يردوا عنه أحداً، فقال ﵊: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) ، فمنعهم أن يغلقوا أبواب الحرم وأن يمنعوا الناس من الطواف في أية ساعة ولو نصف الليل أو آخر الليل أو نصف النهار أو ما أشبهه، ولما كان هذا الطواف قربة من القربات ابتدئ به في أول النسك وختم به في آخر النسك.
يقولون: إنه يكون آخر أعمال الحاج (أمر الناس -يعني الحجاج- أن يكون آخر عهدهم بالبيت) يعني: أن يطوفوا بالبيت، فلا يعملوا عملاً بعده، بل يجعلوه آخر الأعمال.
يقول العلماء: إذا أقام بعده إقامة طويلة أعاده أو اتجر بعده فاشترى شيئاً للتجارة، أو باع واشترى لأجل الربح فإن عمله يعتبر إقامة، فيعيد طواف الوداع ليكون آخر عمله هو طواف الوداع.
والإقامة التي يعيد الطواف لأجلها حددت بأنه إذا أقام يوماً أو أغلب اليوم، فلو طاف للوداع مثلاً في آخر الليل ولم يخرج إلا في أول الليل أمر بأن يعيد، ولو طاف للوداع أول الليل بعد غروب الشمس ولم يخرج إلا بعدما أصبح أمر بأن يعيد، أن يوادع مرة ثانية، أما إذا أخره بعضاً من نهار لشغل أو لاجتماع أو ما أشبه ذلك فإنه لا يعيده، فلو طاف -مثلاً- في الصباح بعدما طلعت الشمس، ولكن لم يتيسر له الخروج إلا في آخر النهار فإنه لا تلزمه الإعادة، وذلك لأنه عمله في ذلك الوقت ولم يعمل عملاً بعده، وكذلك لو طاف أول الليل وخرج آخر الليل لم يلزمه أن يعيده، أما إذا عمل عملاً بعده من أعمال المناسك فلابد أن يعيده، ونسمع أن كثيراًَ من الحجاج يتعجلون في اليوم الثاني عشر، فيذهب في الضحى في الساعة العاشرة أو الحادية عشر ويوادع، ثم يرجع ويرمي الجمرات في الساعة الثانية عشر أو الواحدة، ثم يسافر.
نقول: هذا ما كان آخر عهده بالبيت، بل كان آخر عهده بالجمرات، فلا يجزئه هذا الطواف، فإذا خرج -والحال هذه- فقد ترك نسكاً وهو طواف الوداع الذي يكون آخر العهد، فيكون عليه دم جبران، نقول له -والحال هذه-: عليك أن ترمي الجمرات بعد الزوال، وبعد ذلك تذهب إلى مكة وتطوف وتسافر، ولو كان هناك ازدحام فعليك أن تصبر على الزحام، أو تنتظر إلى أن يخف الزحام ولا يفوتك شيء.
فكونهم يتعجلون ويودعون قبل أن يرموا الجمار ويجعلون الجمرات آخر العهد هذا مخالفة للسنة، وهذا بالنسبة إلى الحج.
стр. 637
حكم طواف الوداع للمعتمر
أما بالنسبة للعمرة فهل لها طواف وداع؟ قد اختلف العلماء في ذلك، فعند كثير منهم كالمالكية ونحوهم أنه يودع للعمرة كما يودع للحج، وذلك لأنها أحد النسكين، ولأن المعتمر جاء وافداً من بلاد بعيدة، جاء وافداً إلى مكة ثم رجع، فأول ما يقدم يبدأ بطواف العمرة ويكفيه عن طواف القدوم، ثم يقيم يوماً أو أياماً أو نحو ذلك، فيكون -والحال هذه- كالذي يذهب ويترك مكة، فيكون عليه وداع كما على الحاج وداع، فالحاج بدأ بالطواف وختم به، فكذلك المعتمر بدأ بالطواف فيختم به، فهذا هو الأحوط، أنه يودع للعمرة كما يودع للحج، وهذا إذا أقام في مكة أكثر من يوم، أما إذا قدم مكة في الضحى -مثلاً- وطاف في ضحاه ثم خرج في ذلك اليوم كفاه طوافه للعمرة عن طوافه للوداع، وذلك لأنه لم يقم إقامة طويلة.
وهناك قول آخر أن العمرة لا يلزم لها وداع، وهذا الذي ذكر في كتب الفقهاء -فقهاء الحنابلة ونحوهم- أن العمرة لا يلزم لها طواف وداع، ولم يذكروه في شروطها، وقالوا: إنه ﷺ ما أمر بطواف الوداع إلا في الحج، ولم يأمر به في العمرة، فقد اعتمروا عمرة القضية ولم يأمرهم بهذا الطواف.
ولكن على كل حال حتى ولو كان هذا القول معمولاً به نقول: الأحوط للمسلم أن لا يخرج وهو يقدر إلا بعدما يطوف، فإن شق عليه أو زُحم أو انشغل وخرج بدون وداع لم نلزمه بأن يفدي كما يفدي لطواف الوداع في الحج.
ثم طواف الوداع لمن يريد أن يخرج، أما من لا يريد الخروج -كأهل مكة- فلا وداع عليهم، وذلك لأنهم لم يخرجوا، وكذلك لو خرج إنسان إلى جدة ثم رجع ووادع فلا حرج عليه، فلا يلزمه أن يوادع إذا أراد أن يخرج إلى جدة أو الطائف، ثم يرجع من يومه، وذلك لقصر المدة يوماً أو نصف يوم أو ما أشبه ذلك.
стр. 638
العودة إلى مكة لأداء طواف الوداع بعد السفر
كذلك في أيام الموسم، فلو أن أهل جدة شق عليهم الزحام في اليوم الثاني عشر والثالث عشر وذهبوا إلى جدة وأقاموا عند أهلهم يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام ولم يودعوا، ثم رجعوا وودعوا كفاهم ذلك، وذلك لأنهم حصل منهم طواف الوداع، والفقهاء قالوا: لا يرجع الذي ذهب مسافة قصر، وذلك لمشقة الرجوع في ذلك الوقت؛ لأن مسافة القصر مسيرة يومين، يقولون: لو أنه سار مسيرة يومين، ثم تذكر أنه يلزمه الوداع مع المشقة حين يرجع يومين أيضاً، فيفوته الركب فيسبقه الركبان فلأجل ذلك لا حاجة إلى أن يرجع، ولكن يلتزم دم جبران.
وعلى كل حال إذا لم يكن عليه مشقة في الرجوع يرجع، حتى ولو من الرياض، وفي هذه الأزمنة ليس عليه مشقة في تيسر الوصول ولقرب المسافات ولتيسر المواصلات السريعة، فلا مشقة عليه، ولو رجع من الرياض وطاف للوداع سقط عنه دم الجبران.
стр. 639
شرح حديث: (استأذن العباس أن يبيت بمكة)
هذا الحديث يتعلق بترك المبيت بمنى أيام منى للعذر، ومن الأعذار سقاية الحاج، في هذا الحديث أن العباس استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له.
وسقاية الحاج كان يقوم بها العباس ﵁ هو وخدم معه ومماليك له، كانوا يسقون من زمزم، يجتذبون الماء ويصبونه في حياض حتى يشرب الحجاج الذين يأتون إلى مكة للطواف؛ لأنه لا يخلو البيت من طائفين، فبعض الحجاج يأتون -مثلاً- بعد المغرب، وبعضهم يأتون بعد العشاء ثم يرجعون، وبعضهم يأتون نصف الليل، وبعضهم يأتون في آخر الليل، وبعضهم يأتون في صلاة الفجر، وبعضهم بعد طلوع الشمس، وبعضهم في الضحى فلا يخلو المكان من أناس يأتون إلى مكة ليطوفوا، وإذا جاؤوا احتاجوا إلى شراب، والشراب في ذلك الوقت هو من زمزم، وزمزم عميقة بعيدة القعر، ولا يحصل إخراج الماء إلا بالدلاء، ولابد من اجتذابه بالدلاء ويصب في حياض، وعندهم كيزان يشربون بها ويسقون بها الحجاج، فاحتاج العباس إلى أن يكون معهم ولو ترك المبيت، فرخص له ولخدمه ولأولاده الذين يساعدونه أن يبيتوا بمكة وسقط عنهم المبيت بمنى، والمبيت بمنى في ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر واجب من الواجبات لا يسقط إلا لأهل الأعذار كأهل السقاية وأهل الرعاية، فرخص لأهل السقاية أن يتركوا المبيت بمنى، ورخص للرعاة أن يتركوا المبيت، حيث إنهم يذهبون مع الإبل، أي: الركائب التي هي رواحل الحجاج، كانوا في ذلك الوقت يأتون على الإبل الرواحل ويحتاجون إلى من يرعاها، ولا يجدون لها علفاً فيما قرب من مكة، فتحتاج إلى من يذهب بها إلى أماكن الرعي، فيذهب بكل عشر من الإبل أو عشرين أو أربعين راع، وعند الأربعين أو الخمسين الأخرى راع آخر، فهؤلاء الرعاة يشق عليهم أن يأتوا كل يوم للمبيت، فلأجل ذلك رخص لهم في ترك المبيت بمنى، ورخص لهم أيضاً في تأخير الرمي -رمي الجمار-، فكانوا لا يرمون اليوم الأول الذي هو يوم العيد، ثم يؤخرون رمي الحادي عشر، وإذا جاء صباح اليوم الثاني عشر جاؤوا وإذا زالت الشمس رموا عن اليوم الحادي، ثم رموا عن اليوم الثاني عشر، ثم ارتحلوا إذا كانوا يريدون التعجل، فهؤلاء هم الذين يسقط عنهم المبيت: السقاة والرعاة، وأما غيرهم فلابد أن يبيتوا بمنى أو ما اتصل بمنى، ولا يسقط عنهم هذا المبيت، وذلك لأنه نسك من الأنساك، أي: إقامة الحاج بمنى في أيام منى يوم العيد ويومان بعده أو ثلاثة، فهو نسك من الأنساك، فلابد أن يقيموا فيها ويعملوا فيها الأعمال التي أمروا بها، فمن كان له عذر كعذر السقاة والرعاة وكالمريض الذي يرقد في أحد المستشفيات الداخلية يسقط عنه المبيت لأجل العذر، وكذلك من له شغل شاغل أو ضروري، كالمرافق للمريض ونحوه فإنه يسقط عنه، فأما من تركه بدون عذر فإنه يجبره بدم.
стр. 640
خطأ يرتكبه كثير من الحجاج في هذه الأزمنة
وكثير من الحجاج في هذه الأزمنة سواء من أهل مكة أو من غيرهم ينزلون في داخل مكة، يستأجر أحدهم شقة أو بيتاً ويقيم فيه، ويأتي إلى منى أول الليل فيقيم فيها، أو آخر الليل فيقيم أو ينام -مثلاً- على الرصيف ثلاث ساعات أو ساعتين، ثم بعد ذلك يرجع إلى مكانه ويقيم فيه ليله كله ونهاره كله، ويترفه بما يترفه به المقيمون، فمثل هؤلاء أخطئوا، وذلك لأنهم تركوا الشيء الذي فعل في عهد النبي ﷺ وصحابته، وهو ملازمة منى؛ فإن تلك الأيام تسمى أيام منى، ولابد للحجاج أن يبقوا فيها ولا يتحولوا عنها إلا لعذر، فكونك -مثلاً- تنزل في داخل مكة في العزيزية أو في الششة أو في الروضة أو في غيرها، ولا تأتي إلا ساعتين من الليل أو ثلاث ساعات ثم ترجع فما أعطيت منى حقها.
стр. 641
شرح حديث: (جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع)
هذا الحديث يتعلق بالجمع بين الصلاتين في ليلة جمع، وليلة جمع هي ليلة مزدلفة، فمزدلفة تسمى (جمعاً) ، فإذا قيل: أفاضوا إلى جمع.
باتوا في جمع.
ليلة جمع فالمراد بجمع (المزدلفة) ، فالنبي صلى الله عليه سلم لما انصرف من عرفة بعدما غربت الشمس توجه إلى مزدلفة، وكان يسير العنق فإذا وجد فجوة نصَّ، وكان يمسك زمام دابته، فإذا أتى حبلاً من الحبال الرملية أرخى لها حتى تصعد، وكان يقول لأصحابه: السكينة السكينة.
أي: أن يسيروا تؤدة.
والطريق بين الموقف الذي هو جبل الرحمة وبين المشعر الحرام يستغرق فيه أكثر من ساعتين، فلم يصلوا إلا بعد ساعتين ونصف مع أنهم أيضاً يسرعون، ولما وصلوا بادروا بإقامة الصلاة، فأول شيء بدؤوا به صلاة المغرب والعشاء؛ لأنهم أخروا المغرب ولم يصلوه حتى وصلوا إلى مزدلفة، فبدؤوا بإقامة الصلاة قبل حط الرحال.
فبدؤوا بالصلاة، صلوا المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، جمعوا بين الصلاتين جمع تأخير وقصروا العشاء الرباعية، ولم يصل النبي ﷺ ولا صحابته بينهما نافلة، ولم يتنفل بعدهما، وإنما اقتصر على الفريضة، وذلك لأنه مسافر، والسفر مظنة المشقة، وقد شق عليهم، وذلك لأنهم من نصف النهار من حين صلوا الظهر وهم وقوف على رواحلهم، أي: أكثر من ثمان ساعات، ففي هذه الأزمنة من نحو الساعة السادسة بالتوقيت العربي أو الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثامنة ليلاً أو نحو ذلك، فهذه المدة التي هي ثمان ساعات لابد أنهم فيها قد تعبوا وسئموا.
ثم بعد ذلك اضطجع النبي ﷺ واضطجعوا وناموا إلى آخر الليل، ثم بعد ذلك صلوا الفجر مبكرين، ثم ذكروا الله، ثم توجهوا إلى منى، هذه هي السنة، أن المسافر يؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى جمع، أي: إلى مزدلفة.
والناس في هذه الأزمنة يتفاوتون، فبعضهم يكون الطريق بالنسبة له من عرفة إلى مزدلفة في أربع دقائق، فيصلونها في وقت مبكر فلا يعوقهم عائق، فيقطعون الطريق في أربع دقائق وخمس دقائق وعشر دقائق وربع ساعة، فنقول: ساعة وصولكم صلوا.
وبعضهم يعوقهم السير ويتعثرون ولا يسيرون إلا ببطء، ولا يصلون إلا نصف الليل أو آخر الليل، نقول: تؤخرون الصلاة ولو لم تصلوا إلا الساعة الثانية أو الثالثة في آخر الليل، أخروا الصلاة مادمتم تأملون أنكم تصلون، أما الذين يخشون أن يطلع الفجر قبل أن يصلوا فإنهم لا يؤخرون الصلاة، فإذا خشوا فوات الوقت وطلوع الصبح صلوها في آخر الليل، صلوها قبل الفجر بساعة أو ساعتين، وصلوها ولو في الطريق، فيقال لهم: اجتنبوا عن الطريق قليلاً ثم قفوا وصلوا، ولا تؤخروها حتى يخرج وقتها.
أما السنة والنافلة بعدها فالأمر في ذلك مباح في هذه الأزمنة لوجود الراحة وعدم المشقة.
стр. 642
شرح عمدة الأحكام [٤٣]
المحرم بالحج أو العمرة متلبس بشعيرة عظيمة، فقد تجرد من دنياه ظاهراً، وحرم عليه ما يشعر بالترفه كالطيب ولبس المخيط ونحوهما، ومما يحرم عليه كذلك الصيد وغيره مما ينافي الغرض الذي لأجله خرج، وهو قصد وجه الله تعالى والدار الآخرة وترك شواغل الدنيا.
стр. 643
أكل المحرم من صيد الحلال
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب المحرم يأكل من صيد الحلال.
عن أبي قتادة الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة وقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فلم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟! فحملنا ما بقي من لحممها فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك؟ فقال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
قال: فكلوا ما بقي من لحمها) ، وفي رواية: (فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم.
فناولته العضد فأكلها) .
وعن الصعب بن جثَّامة الليثي (أنه أهدى إلى النبي ﷺ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم) ، وفي لفظ لـ مسلم: (رجل حما) ، وفي لفظ: (شق حمار) ، وفي لفظ: (عجز حمار) ، وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله.
] .
هذان الحديثان في حكم الصيد للمحرم، ولا شك أنه قد حرم على المحرم الاصطياد مادام محرماً، وأحل له إذا انتهى من الإحرام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] يعني: فيجوز أو فيحل لكم أن تصطادوا الصيد، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٦٩] يعني المسافرين: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، حرم عليكم صيد البر مادمتم حرماً أي: مادمتم محرمين فصيد البر محرم عليكم، وكذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] هذه الآية صريحة في أن الممنوع هو قتل الصيد، وأما الآية التي بعدها: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] فيحتمل أن المراد: حرم عليكم الاصطياد: ويحتمل أن المراد: حرم عليكم الأكل أكل الصيد.
ولما كان كذلك وقع الاشتباه عند الصحابة كما في القصة الأولى.
стр. 644
شرح حديث صيد أبي قتادة لحمار الوحش
في القصة الأولى أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً، ولفظة: (خرج حاجاً) موهمة أنه أحرم بالحج، ولكن المراد بالحج هنا الحج الأصغر وهو العمرة، أي: خرج معتمراً.
وذلك سنة ست أو سنة سبع في عمرة الحديبية أو عمرة القضاء، خرج معتمراً، ولما خرج من المدينة أحرم هو وأصحابه من ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة، وصرف طائفة أخرى وأمرهم بأن يسيروا على ساحل البحر لحمايتهم ولحراستهم لئلا يأتيهم أعداء من تلك الجهات، فسار أولئك الذين على ساحل البحر وكان معهم راوي الحديث وهو أبو قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي فارس رسول الله ﷺ ، فلما انصرفوا أحرموا كلهم لما حاذوا ذا الحليفة وأبو قتادة لم يحرم، وذلك لأنه سيمر بميقات أهل الشام ومصر وهو الجحفة، فأخر الإحرام إلى أن يصل إلى الجحفة، وبعدما أحرموا ونزلوا منزلاً وجلسوا فيه للراحة أو للأكل مرت بهم حمر وحش وهي من الصيد، وحمار الوحش نوع من الوعول إلا أنه أكبر منها، ولكنه ليس مثلها في سرعة السير ولا في الصعود على الجبال، وهو نوع من الصيد حلال كبير مأكول اللحم، فلما رآها أصحابه سكتوا، ولكن جعلوا ينظرون إليها، فلما رفع نظره رأى تلك الحمر فركب فرسه وقال: ناولوني رمحي.
فأبوا أن يناولوه، ناولوني السهام.
فأبوا أن يناولوه، وذلك لأنهم محرمون ويعرفون أن المحرم لا يجوز له أن يساعد في قتل الصيد، فنزل وأخذ سيفه وأخذ رمحه وأخذ سهامه وركب فرسه وسار خلف تلك الحمر ورماها بسهم فعقر منها حماراً أنثى وهي الأتان، ولما عقره نزل وذبحه وجاء به إلى أصحابه فجعلوا يأكلون منه، وذلك لأنهم تمسكوا بقوله تعالى: ((لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)) [المائدة:٩٥] ، فقالوا: ما قتلناه ونحن حرم وإنما قتله من ليس بمحرم.
فعند ذلك جعلوا يشوون منه أو يطبخونه ويأكلونه، ثم إنهم تذكروا الآية الثانية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، فقالوا: نخاف أن هذه الآية فيها تحريم الأكل كما في الآية الأولى تحريم الاصطياد.
فتوقفوا عن الأكل وحملوا بقية لحمه حتى أدركوا النبي ﷺ أمامهم فسألوه فقال: (هل منكم أحد أعانه على قتله أو على اصطياده؟ قالوا: لا.
هل منكم من أشار إليه أو دله عليه.
فقالوا: لا.
قال: فكلوا ما بقي) ، فأباح لهم أكل ما بقي، وفي رواية أنه قال: (هل بقي معكم شيء من لحمه؟ فقالوا: نعم.
فناوله العضد أو غيره فأكله) ليطيب بذلك نفوسهم وأنهم ما أكلوا شيئاً ممنوعاً، فهذا دليل على أنه يجوز للمحرم أن يأكل مما صاده الحلال الذي ليس بمحرم، وأن المنع إنما هو من الاصطياد، فالمحرم لا يجوز له أن يصطاد الصيد حتى ولو لم يأكله، بل ذكر العلماء أنه إذا صاد صيداً فذلك الصيد غير مباح، بل جعلوه بمنزلة الميتة؛ لأنه منهي عنه، قال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] ، أمر الله فيه بالجزاء، فدل على أنه لا يجوز الاصطياد ولا يحل للمحرم قتل أي شيء من الصيد.
стр. 645
الصيد الذي يحرم على المحرم صيده
والصيد اسم لكل ما يقتنص من الوحوش البرية المتوحشة بالطبع، التي طبعها التوحش وهي مأكولة، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، وسواء أكانت من الطيور أم من الدواب التي تدب على الأرض وهي صغيرة، حتى ولو كان يربوعاً، أو ضباً، أو أرنباً، أو وبراً، أو ضبياً، أو وعلاً، أو بقر وحش، أو حمر وحش، أو غنماً وحشية، أو ما أشبهها، كل الدواب البرية التي تصطاد وتؤكل ويحل أكلها تدخل في الآية.
стр. 646
ما يجوز للمحرم قتله من السباع والطير ونحوها
ولا يدخل في الآية ما ليس بحلال، فلا يدخل فيها قتل السباع، بل يجوز قتل السبع المعتدي كالذئب والأسد والنمر وغيره من الدواب التي تعتدي وتفترس بطبعها، ولا يدخل في ذلك المحرم من الطيور كالنسر والعقاب والغراب والحدأة وما أشبهها، ويدخل في ذلك من الطيور ما هو حلال حتى ولو عصفوراً أو حمرة أو حمامة أو سمانا أو غيرها من الطيور المباحة، وأدخل فيه بعضهم الجراد، فإنه من جملة ما يصاد، فيدخل في الصيد إلا إذا انفرش على الأرض ولم يكن بد من أن تطأه الأقدام أو تطأه خفاف الإبل أو تطأه عجلات السيارة، فلا يضر، وذلك لأنه لا يمكن التحرز منه، ولا فدية فيه.
стр. 647
الفدية التي يجب إخراجها على من قتل صيداً وهو محرم
وقد بين العلماء الفدية التي يفديها من قتل شيئاً من الصيد تعمداً عملاً بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] أي: فعليه من النعم مثلما قتل من الصيد أي: ما يقاربه وما يكون مماثله.
والنعم التي تكون منها الفدية الإبل والبقر والغنم، هذه هي التي تخرج منها فدية الجزاء الذي يسمى جزاء الصيد، فإذا قتل شيئاً من الصيد الذي حرم اصطياده بالإحرام قيل له: اخرج عنه فدية أو جزاء.
وقد بين العلماء الجزاء الذي يكون فيها، فبينوا -مثلاً- أن الضبع من جملة الصيد، وأن فيه كبشاً، والكبش هو الذكر من الضأن، وأن الأرنب والوبر ونحوهما فيه جفرة من المعز، وأن الضبي فيه الأنثى من المعز، وذلك لأنها تشبهه، وأن النعامة من الصيد فيها ناقة أو بعير -بدنة-، وذلك لأنها تشبهها في طول العنق، حتى قالوا: إن الحمامة وما يشبهها من الفواخت والقطا ونحوها الفدية فيها شاة، وذلك لأنها تشبهها في العب والشرب، تعب عباً، فهذه أمثلة لما قضى به الصحابة في جزاء الصيد.
والحاصل أنه إذا صاده وهو محرم متعمداً فلابد من الجزاء، أن يخرج جزاءه من بهيمة الأنعام، وذلك الجزاء يذبح بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم، وأما العمد والخطأ فقال بعض العلماء: إنهما سواء، فإذا قتله ولو مخطئاً فإنه يخرج الجزاء، وذلك لأن الصحابة ﵃ جاءهم من قتل شيئاً من الصيد ولم يسألوه: هل أنت متعمد أو أنت غير متعمد؟ والأصل أن أولئك الصحابة لا يمكن أن يتعمدوا القتل للصيد وهم قد عرفوا المنع، فالأقرب أنهم ليسوا متعمدين، ومع ذلك جعلوا فيه فدية، وذلك لأنه يعتبر إتلافاً، والإتلاف لابد فيه من الفدية حتى من الخاطئ، حتى لو قطع شجرة من شجر الحرم مخطئاً أمر بأن يخرج فدية بدلها، فكذلك إذا قتل حمامة من حمام الحرم ولو خاطئاً أمر بأن يخرج جزاءها شاة، وقد وقع أن عمر ﵁ خلع رداءه مرة وأرد أن يلقيه على وتد في الحرم، وكان عليه حمامة لم يشعر بها، فطارت من موضعها فوقعت في جانب فجاءها قط فافترسها وهو ينظر، فقال: أنا الذي أطرتها من مكانها وهي آمنة وعرضتها لهذا الخطر حتى افترست، فلابد أن أخرج لها فدية فأخرج لها فدية وهي شاة، مع أنه ما تعمد قتلها وما رماها، ولكن لما كان له شيء من التسبب في إطارتها وإزالتها لم يرتح حتى أخرج فديتها، فدل على أنه تخرج الفدية حتى ولو كان مخطئاً، هذا هو الأصل في منع المحرم من الصيد، وكذلك غير المحرم بالنسبة إلى صيد مكة.
مكة لما كانت محرمة لا يحل قطع الشجر فيها ولا يحل قتل الصيد ولا تنفيره صار فيها جزاء، ففي شجرها جزاء، وفي صيدها جزاء، حتى ولو قتل فيها عصفوراً لأمر بأن يدفع له جزاء.
стр. 648
شرح حديث: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)
في هذا الباب ذكر أيضاً حديثاً عن الصعب بن جثامة (أنه أهدى إلى النبي ﷺ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه من الكراهية قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) هذه القصة وقعت في حجة الوداع، أنه ﷺ أحرم هو وأصحابه من ذي الحليفة، ولما كانوا بالأبواء أو بودان -قرب مكة- جاءهم هذا الرجل الليثي من بني ليث فأهدى لهم بعضاً من حمار وحشي قد اصطاده وجعله كهدية له، فخاف النبي ﷺ أنه صاده لأجلهم وأنه تحرى قدومهم، فجعله ممنوعاً لهذا السبب فرده عليه، فأخذ العلماء من حديث أبي قتادة أنه أباح لهم أن يأكلوا ذلك الصيد الذي ما صادوه وإنما صاده رجل غير محرم ولم يصده لأجلهم، أما الصعب بن جثامة فصاده لأجلهم، كأنه حرص على اقتناصه إلى أن أدركه فرماه وعقره وجاء به.
والحاصل أنه فهم أنه صيد لأجله، وهذا هو الجمع بين الحديثين، فإذا قيل: لماذا أمرهم في حديث أبي قتادة أن يأكلوه وقال: هل منكم من أعانه في قتله؟ هل منكم أحد أشار إليه؟ فقالوا: لا.
قال: (كلوا ما بقي) مع أنه صاده لهم غالباً، أو أنه صاده لنفسه أو أنه صاده لأنه حلال، وفي حديث الصعب بن جثامة رده عليه وقال: لا نقبله لأنا محرمون؟! كأنه يقول: المحرم لا يأكل الصيد؛ لأن الله يقول: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] .
إذاً فالجمع بينهما أنه إذا صيد لأجلك وأنت محرم فلا تأكل منه، وأما إذا صيد لغيرك فصيد لحلال فلا بأس أن تأكل منه، هذه هو الجمع.
وقد ورد في ذلك حديث عن جابر في السنن، قال ﷺ : (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) أي: صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم.
فيكون في هذا جمعاً بين الحديثين، وهو أن أبا قتادة صاده لنفسه، وأن الصعب صاده لأجل المحرمين.
وأما الآية الثانية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، فالمراد اصطياد صيد البر، وقد عرفنا أن الصيد كل ما يقتنص، سواء من الطيور أو من الدواب التي يحرص على تتبعها والتي هي حلال ولا تدخل فيما حرمه الله ولا ما حرمه النبي ﷺ .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 649
شرح عمدة الأحكام [٤٤]
جاء الإسلام بما يصلح أمور الدين والدنيا، وكما شرع للعبادات أحكاماً عديدة شرع كذلك للمعاملات أحكاماً كثيرة، وكلها وفق الحكمة والرحمة، ومن أهم المعاملات البيوع، وقد بين الفقهاء أحكام البيوع من الكتاب والسنة، فعلى المسلم أن يعرف هذه الأحكام لحاجته الشديدة إليها.
стр. 650
أحكام البيوع
قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب البيوع: عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع) .
وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال: حتى يتفرقا-، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) ] .
ابتدأ المصنف بالأحاديث التي تتعلق بالمعاملات، والمعاملات هي التعامل بين الناس في طلب المكاسب وطلب الأرباح وطلب الحاجات، وأشهرها البيوع، وجمعت لأنها جمع بيع، والبيع: هو مبادلة مال أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد، غير رباً وقرض، والمنفعة المباحة مثل الدار، والمعنى أن البائع يستبدل بسلعته الثمن، والمشتري يستبدل بماله السلعة، فكأنهما تبادلا، يقول أحدهما: أعطني هذه السلعة وأعطيك هذا الثمن، أو: أعطني هذا الثمن وأعطيك هذه السلعة، فهذا معنى المبادلة.
وهذه المبادلة تسمى (البيع) ، وذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وفي قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] وما أشبه ذلك، فهذا البيع هو الذي ورد في السنة إباحته، وبلا شك أنه من ضروريات الحياة؛ لأن الإنسان تتعلق حاجته بما في يد غيره، وصاحبها لا يدفعها له ولا يبذلها إلا بعوض، فجعل الله هذه المعاوضة ليحصل بها منفعة للطرفين.
стр. 651
الحكمة من البيع
البيع من الحاجيات التي لا يستغنى عنها في هذه الحياة، ويحصل بها منفعة للطرفين، فالبائع يشتري السلعة برخص، ثم يبيعها بربح؛ فتنمو تجارته، والمشتري يبذل فيها الثمن ويستعملها لحاجته، ويحصل بها منفعته الضرورية التي هو بحاجة إليها، فهو بحاجة إلى ثوب ليلبسه، أو طعام ليأكله، أو دابة ليركبها أو ليأكل من لحمها، أو بيت ليسكنه، فهو بحاجة إلى سلعة يستعملها وليست عنده، وهناك آخر قد ملكها ويريد الربح فيها، فهذا يربح في سلعته، وهذا يستعملها ويبذل فيها مالاً، فهذا هو أصل شرعية البيوع.
والأصل في هذه البيوع أنها على الإباحة، ولا يحرم منها شيء إلا بدليل، ولا شك أن الشرع الشريف قد تدخل في مثل هذه الأمور، فحرم منها أشياء، وأباح أشياء، والغالب أن الذي حرمه هو الشيء الذي فيه ضرر على أحد المتبايعين، فنهي عن ذلك الضرر.
والله تعالى قد أرشد العباد إلى بعض الأمور، ونهى عن الضرر، كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢] ، وفي قوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، واشترط الرضا في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ، وأمر بالإشهاد فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] يعني: إذا خيف إنكار أحد المتعاقدين شرع الإشهاد، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
стр. 652
الخيار في البيع
الحديثان اللذان عندنا نقصر الكلام عليهما؛ لأن الكلام على غيرهما قد يخرجنا، فنقتصر على هذين الحديثين.
الحديث الأول: حديث ابن عمر، وفيه يقول ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً) .
الخيار معناه: أن لكل منهما أن يرجع، فالبائع والمشتري كلاهما يسمى بائعاً، فلهذا قال: (البيعان) ، وفي رواية: (المتبايعان بالخيار) .
وسبب ذلك أنه قد يندم أحدهما فيتمكن من استرجاع حقه ما داما مجتمعين، يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع) .
وهذا الخيار يسمى (خيار المجلس) ، وذلك لأنهما ما داما جالسين، أو قائمين، أو راكبين، وتبايعا بقول أحدهما: بعتك هذا الثوب، بعتك هذا الكيس، بعتك هذه السيارة؛ فقال الآخر: اشتريتها بكذا وكذا، فما داما يمشيان جميعاً، فرجع أحدهما وقال: ندمت، فإنه يتمكن من ذلك، فإن رجع البائع فإنه يقدر على الرجوع، وإن رجع المشتري فإنه يقدر على الرجوع، ولو كان قد دفع الثمن، فيسترد ثمنه ويرد السلعة، فهذا معنى الخيار؛ وذلك لأن البيع قد يقع في وقت قصير لا يحصل فيه تأمل ولا تفكر ولا إمعان نظر، فيندم أحدهما، فيندم البائع ويتذكر أنه بحاجة إلى ثوبه أو بحاجة إلى كتابه، فيقول: ندمت؛ أو يندم المشتري ويذكر أنه لا حاجة له في هذه السلعة، وأنه عنده مثلها، أو أنها رفيعة وغالية، فيقول: رد علي دراهمي، وخذ سلعتك، فهذا معنى كونهما بالخيار، فما داما جميعاً لم يتفرقا فإن الخيار ثابت.
стр. 653
حالات التفرق عن مجلس العقد
ذكر العلماء للتفرق حالات أقربها مثلاً أنهما إذا تفرقا، أدبر هذا وأدبر هذا، بحيث لو التفت إليه ودعاه باسمه لم يسمع، فلو دعاه باسمه دعاء معتاداً ولو برفع الصوت: يا فلان! فلم يسمع؛ يحسب هذا تفرقاً.
كذلك إذا كانا في منزل فخرج أحدهما من حجرة ودخل الحجرة الثانية، يعتبر تفرقا.
وكذلك لو اشترى منك في دكانك، وغاب عنك في زقاق آخر، أو في سكة أخرى، وخفي عليك؛ اعتبر هذا تفرقاً، فالتفرق يلزم البيع.
ولو قال أحدهما بعد ذلك: ندمت، قاله البائع أو قاله المشتري، لم يقبل منه؛ وذلك لأنه ينبني على هذا البيع ملكية التصرف ما دام أنه قد لزم، فالمشتري قد يلبس الثوب مثلاً، أو يلبس الحذاء، أو يأكل من الطعام إذا كان فاكهة أو نحو ذلك، والبائع قد يتصرف في النقود، فقد يفي بها ديناً، وقد يشتري بها سلعاً، وقد يصرفها، فإذا ندم بعد يوم، أو بعد نصف يوم أو بعدما تفرقا لا ينفعه هذا الندم.
ولو تفرقا وكانا قد اشترطا خياراً، فإن المسلمين على شروطهم، وذلك فيما إذا كان الأمر يحتاج إلى مشاورة في الأمور التي لها قيمة، ولها قدر، ولها مقام، كما لو اشترى أرضاً -مثلاً- بمائة ألف، وهو يحتاج إلى عمارتها، اشتراها بمائة ونقد بعض الثمن، ولكن اشترط وقال: لي الخيار خمسة أيام أو أسبوع أستشير وأنظر، فله -والحال هذه- أن يرجع في هذه الخمسة الأيام؛ لأنه قد يسأل عن الجيران فلا يناسبونه مثلاً، وقد يبحث عن الثمن فقد لا يجده مجتمعاً عنده أو نحو ذلك، فلذلك يصح شرط الخيار.
أما إذا لم يشترط فاشترى منك الأرض بمائة ألف وأعطاك مقدم الثمن خمسة آلاف أو أكثر أو أقل، ثم إنه ندم بعد يوم أو بعد نصف يوم أو بعد ساعة، بعدما تفرقا، وقال: ندمت، ورأيت أني مغبون، فخذ أرضك ورد علي ثمني فليس له ذلك؛ فإنه قد وجب البيع بالتفرق، فلا يقبل، ويستطيع البائع أن يشتكيه، ويأخذ منه بقية الثمن.
وكذلك لو ندم البائع، فلو فكر البائع وقال: إنني فكرت وإذا أنا بحاجة إلى أرضي، أو إلى بستاني، أو إلى عمارتي، ولا أستغني عنها، فخذ دراهمك ورد علي مفاتيحها، أو رد علي وثائقها، فامتنع المشتري؛ فله ذلك، ولا يقدر البائع أن يلزمه باسترجاعها؛ وذلك لأنه ملكها بهذا العقد بمجرد التفرق، فبمجرد ما يحصل التفرق بينهما -بدون شرط خيار- يلزم البيع، ولا يحصل بذلك لأحدهما رجوع، فهذا معنى أن لهما الخيار.
ولو أسقطاه في حالة اجتماعهما سقط قبل أن يتفرقا، فإذا اشترى منك سيارة بثلاثين ألفاً مثلاً وفحصها وعرف صلاحيتها، وقال البائع: أنا بعتها بيعاً منجزاً لا خيار لي، وليس لي أن أرجع، فقال المشتري: قبلتها واشتريتها وليس لي خيار، وليس لي أن أرجع، فأسقطاه جميعاً قبل أن يتفرقا، فإنه يسقط؛ وذلك لأنه ما أسقط سقط، فما داما قد تبايعا على ألا خيار بينهما فإنه يسقط، كما إذا اشترطاه مدة يوم، أو مدة يومين، أو مدة أسبوع يبقى، وهذا معنى قوله: (أو يخير أحدهما صاحبه، فإن خير أحدهما صاحبه وتبايعا على ذلك فقد وجب البيع) .
فالحاصل أنه يلزم البيع بالتفرق أو بإسقاط الخيار أو بمضي مدته التي اشترطت، فإذا شرط أن له الخيار خمسة أيام أو نحوها، ومضت قبل أن يستقيل؛ فإنه يلزم البيع.
لكن لو اشترى منك -مثلاً- بيتاً، وبعدما سلمك الثمن ندم بعد يوم أو بعد أيام، وتبين له أنه مغبون وأنه خاسر، وجاء إليك وقال: رد علي دراهمي فقد ندمت، فإن هذا يسمى نادماً، ويسمى رد دراهمه عليه (إقالة) ، ويسمى هو: مستقيلاً، ويندب لك أن تقيله؛ لأنه ورد في الحديث قوله ﷺ : (من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة) ، وسواء أكان الذي ندم هو البائع أم المشتري، فقد يندم البائع ويقول: تسرعت في بيع هذا المسكن الذي أسكن فيه أنا وأولادي أو في بيع هذه السيارة التي أركبها، ندمت فرد علي بيتي أو سيارتي وخذ دراهمك فإني قد ندمت، فيستحب لك أن تقيله وترد عليه بيعه، وهذا بعد التفرق، أما قبل التفرق فليس له أن يمتنع، فمن ندم منهما فليس للآخر أن يمتنع، بل يفسخ بمجرد طلبه الفسخ؛ لأن لكل منهما الفسخ.
ويمكن أيضاً أن يكون لأحدهما الخيار دون الآخر، فلو تبايعا وهما في المجلس فقال البائع: أنا بعته جزماً ولا خيار لي، وسكت المشتري، ثم ندم المشتري؛ فله الخيار، وأما البائع فليس له خيار إذا ندم، وليس له الإقالة، وكذا العكس.
стр. 654
النصح في البيع
قوله ﷺ في حديث حكيم: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) في هذا الحديث يحث ﷺ على الصدق وعلى البيان، فيقول: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما) ، وهذه الجملة قد تحتاج إلى كلام طويل، ولكن نذكر فيها كلمات قليلة يظهر بها المعنى المراد إن شاء الله، فنقول: واجب على البائع أن ينصح لأخيه المشتري، وأن يبين له الحقيقة التي يقع فيها، فإذا علم مثلاً أنه مغبون، وأن السلع رخيصة، فعليه أن يبين، ولا ينتهز غفلته؛ وذلك لأن المشتري قد يدخل السوق ولا يشعر أن السلع قد رخصت فيشتري غالياً، فيشتري -مثلاً- العمامة بخمسين، ويشتري الثوب بأربعين، وهما رخيصان عند الناس ولا يدري، فالمشتري جاهل، ففي نظره أن هذه هي قيمة السلع، ولكن البائع عالم بأنه مغبون، وعالم بأنه سيجد أرخص منها فيبيعه، وفي هذه الحال نقول: على المشتري أن يبحث، وعلى البائع أن ينصح ويبين.
وكذلك -أيضاً- كثير من الباعة قد يكتمون العيوب ويظهرون المصالح، فيبيع السيارة وهو يعلم أن فيها عيباً، ويعلم أن فيها نقصاً، ويقول: أبيعك هذه السيارة التي أمامك وأنا غير مسئول عنها، فنقول: لا يكفي ذلك؛ لقوله: (فإن صدقا وبينا) ، فلا تكتم العيب الذي تعلمه، بل أخبر بما تعلمه فيها، وقل: ينقصها كذا وكذا، وفيها عيب كذا وكذا، ولست بمسئول عن غيره من العيوب، فلا أدري، وهذا هو الذي أعرفه، هذا هو البيان، وكذلك في جميع الحالات، فلابد من بيان ما تعرفه في هذه السلعة، فهذا معنى قوله: (صدقا وبينا) .
وكذلك لو استرشد البائع وقال: أنا أبيعك بما يبيع الناس، والبائع جاهل ببيع هذه السلع من أكياس أو غتر أو ثياب، فجاء بها إلى هذا السوق وقال: أبيعك مثلما يبيع الناس أو مثلما يشترون، فخدعته أنت وقلت: الناس يشترونها بخمسين، وأنت تعلم أنهم يشترونها بستين أو بخمسة وخمسين أو نحو ذلك، فصدقك وباعك، ففي هذه الحال تكون قد كتمت، والرسول ﷺ يقول: (وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) ، فعليك أن تبين وتقول: الناس يشترونها بخمسة وخمسين ويطلبون الربح فيها، فأنا أشتري كما يشتري الناس.
وكذلك لو قال لك: بعني مثلما يبيع الناس، وأنت تعرف أن الناس يبيعون بعشرة، فكتمت وقلت: الناس يبيعون بخمسة عشر، وأنت كاذب، وتعرف أنهم يبيعون بعشرة، وهم مع ذلك يربحون؛ لأنهم قد اشتروا بتسعة أو اشتروا بثمانية، فلا شك أن هذا أيضاً من الكذب والكتمان، (فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) .
والأمثلة على ذلك كثيرة لا نطيل بها، ففي كل الحالات يلتزم الإنسان الصدق، فلا ينتهز غفلة المشتري ويزيد عليه ويكتمه ما يعرفه الناس، وكذلك لا ينتهز غفلته فيشتري منه وهو جاهل.
وكثير من الناس إذا رأى رغبة في الأرض الفلانية أتى إلى صاحبها وخدعه، واشترى منه وهو يعلم أنها محل رغبة، وأن الناس سيقبلون عليها، وأن سعرها قد يرتفع وهو لا يعلم، فيخدعه ويشتريها برخص، وهذا من الكتمان.
وكذلك كثير من الناس يعلم أن هذه المساكن -مثلاً- قد نزعت ملكيتها، وسيعوض أهلها، فيأتي إلى أهلها أو إلى بعضهم ويشتريها منهم برخص، ويكتمهم الخير حتى يكون له التعويض، وأشباه ذلك، وهذا كله من الكتمان، وهو داخل في هذا الحديث: (فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) .
والبركة: هي كثرة الخير، أخبر أنه مع الصدق والبيان تحصل البركة، ومع الكذب والكتمان يحصل المحق، والمحق قد يكون حقيقياً، وقد يكون معنوياً، والحقيقي هو أنه ولو كثرت أمواله، ولو كثرت أرباحه وتجارته، فإنه لا يجد لها أثراً، بحيث يبقى قلبه فقيراً، أو أنه يتسلط عليها وينفقها في أشياء لا أهمية لها، فلا يجد لها موقعاً، أو أن الله تعالى يتلفها إتلافاً ظاهراً، فيبقى فقيراً مدقعاً بسبب كونه لم ينصح لإخوته المسلمين، ولم يصدقهم، ولم يبين لهم.
стр. 655
شرح عمدة الأحكام [٤٥]
من البيوع المحرمة شرعاً بيع حبل الحبلة، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، وكذلك بيع المزابنة، وكل بيع يشتمل على غرر أو غبن أو غش أو نحو ذلك.
стр. 656
شرح حديث: (نهى عن بيع حبل الحبلة)
قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها.
قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري) .
وعن أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر، قال: أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟) ] .
الحديث الأول داخل في بيع الغرر الذي ورد النهي عنه، وقد كثرت الأمثلة لبيع الغرر.
والحكمة فيه أنه لابد من وجود غبن لأحد المتبايعين، ولا شك أن الغبن والغلبة تسبب بغضاء وحقداً فيما بين المتبايعين، إذا علم أنه خدعه في بيعه، فإنه يحقد عليه، ويضمر له العداوة، ولا يثق به بعد ذلك، وكلما رآه تذكر أنه الذي خدعه، وأنه الذي ضره، فلا يكون بينهما أخوة ولا محبة، وهذا ينافي ما يهدف إليه الشرع الشريف، فالشرع بأمر المسلمين بالمودة وبالمحبة، ويأمر المسلمين بأن يتحابوا فيما بينهم، وأن يتآلفوا وأن يتآخوا، ونهاهم عن أسباب التقاطع بقوله: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا) ، وإذا اجتنب المسلمون مثل هذه البيوع التي فيها خداع وفيها غرر فإنه -بغير شك- تصفو قلوبهم، ويصيرون إخوة فيما بينهم، ويتحابون، وكلما تحابوا وتآخوا تعاونوا على الخير، وتعانوا على البر والتقوى، وتعانوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى إظهار دين الله تعالى، وقوى بعضهم بعضاً، وساعد بعضهم بعضاً، بخلاف ما إذا تباغضوا وتحاقدوا وتقاطعوا، فلا شك أنه يحصل بينهم التهاجر والتقاطع، ويستبد كل منهم برأيه، ويحقد كل على أخيه، فلا تحصل الأخوة المطلوبة بين المسلمين.
فهذا من الحكم التي استنتجها المسلمون من تدخل الشرع في هذه الأمور، وإلا فالأصل أن النبي ﷺ أقر الناس على معاملاتهم وعلى مبايعاتهم، ولم يأمرهم بأن يستعملوا صيغة كذا وكذا، فلم يقل لهم: لا تبع إلا بقولك: (بعت) ، ولا تشتر إلا بقولك: (اشتريت) ، ولا تبع إلا بصفة كذا وكذا، بل أقرهم على معاملاتهم، ولكن تدخل ببعض الأشياء لأجل ما فيها من المصلحة، وما في تركها من المضرة.
ففي الحديث الأول النهي عن بيع حبل الحبلة.
وفي الحديث الذي بعده النهي عن بيع الثمار حتى تزهو.
وفي الحديث الذي بعده النهي عن بيعها حتى يبدو صلاحها.
стр. 657
معنى بيع حبل الحبلة
بيع حبل الحبلة فسر في الحديث بأنه بيع كان يتبايعه الجاهليون، يبيع أحدهم ناقته بحمل ناقة أخرى، أو بولد ولدها، أو يبيع ولد الولد، فيقول: بعتك ولد ما في بطن هذه الناقة، إذا حملت هذه الناقة ثم حملت الناقة التي تلدها، فإذا ولدت بكرة فإني أبيعك ذلك المولود، ولا شك أن هذا غرر؛ لأنه بيع معدوم، قد يحصل وقد لا يحصل، فقد يكون الحمل جملاً وقد يكون ناقة، وقد يكون الحمل يحصل بعد سنتين، وقد لا يحصل إلا بعد أربع سنين، فيكون في ذلك غرراً، هذا إذا قلنا: إن المبيع هو حمل الحمل، أي: إذا حبلت هذه وحبلت بنتها فولدت فخذ ما تلده البنت.
وهناك من يقول: إن المراد الأجل، كأن يقول مثلاً: بعتك هذا الكيس إلى أجل بعيد، وهو أن تلد هذه الناقة، ثم تلد بنتها التي تلد، فعلى هذا يكون أجلاً مجهولاً؛ لأنه غير محدد، فهو إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج بنتها التي في بطنها، فيكون ذلك أجلاً مجهولاً.
فالحاصل أن هذا من البيوع الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإزالتها ونسخها.
стр. 658
شرح حديث: (نهى عن بيع الثمار حتى تزهي)
الحديث الذي بعده فيه النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، أو حتى تزهو، والمراد بالثمار: الثمرة التي تؤكل بعدما تثمر، كالرطب والعنب والتين والرمان وسائر الثمار التي تؤخذ من أشجارها، فهذه الثمار لا شك أنها مقصودة، فإن الذين يغرسون الأشجار يقصدون من غرسها أن تثمر، فإذا أثمرت انتفعوا بثمرها، فإما أن يبيعوه وإما أن يأكلوه وهو رطب، وإما أن يتركوه إلى أن يجف، ثم يأخذونه وهو تمر أو زبيب أو نحو ذلك، وينتفعون به، فالثمرة هي المقصودة.
وكانوا كثيراً ما يحتاج أحدهم إلى نقود قبل أن تثمر ثمرته، فيأتي إليه أحد التجار فيقول: بعتك ثمرة هذه النخلة -أو ثمرة هذا العنب- والتمر لا يزال بسراً، فإذا باعه وهو بسر، وجاء وقت النضوج، إذا هو قد أصابه مرض من بياض أو نشاف أو غير ذلك من عاهات تصيب الثمر، فعند ذلك يكون المشتري قد اشترى شيئاً لا يناسبه ولا يصلح له، فيقول: هذه لا تصلح، فأعطني غيرها، أعطني ثمر النخلة الثانية أو الثالثة؛ فيتشاجرون عند ذلك أو يختلفون، فإذا رأى هذه الثمرة قد تحات ثمرها قال: ما بعتني هذه، إنما بعتني الأخرى، فيحصل بعد ذلك اختلاف فيما بينهم، ويكثر ترافعهم؛ لذلك نهى النبي ﷺ عن هذا البيع الذي هو البيع قبل أن يبدو الصلاح، فإذا بدا الصلاح، فالأصل أو العادة أن العاهات التي تصيبها قليلة، فحيئنذٍ يجوز البيع، ثم فسر بدو الصلاح في النخل بأن تحمر أو تصفر.
ومعلوم أن النخل أول ما يخرج من أكمامه يكون لونه أخضر، وعندما يقرب من النضج ينقلب بعضه إلى أحمر -وهو الذي يكون رطبه أسود-، وإلى أصفر وهو الذي يكون رطبه أحمر.
فبدو الصلاح أن يتغير لونه من الخضرة بأن يكون أحمر أو أصفر، فإذا وصل إلى هذه الألوان جاز بيعه والحال هذه لقلة الآفات التي تعتريه في هذه الحال.
هذا هو الأصل، فالصحيح أنه يجوز بيعه إذا وصل إلى هذه الحال.
أما بالنسبة للعنب فيجوز بيعه إذا بدا صلاحه، وبدو صلاحه أن بعضه يسود، فإذا انقلب إلى أسود أو إلى أحمر فذلك بدو صلاحه، والذي يبقى على لون الخضرة فإذا تموه حلواًً -أي: إذا انقلب ماؤه بعدما كان حامضاً إلى كونه حلواً- ففي هذه الحال يجوز بيعه.
وبقية الثمار كثمر التوت، والرمان، والبرتقال، والليمون، وسائر الثمار، لا يجوز بيع الثمرة وحدها إلا بعدما يبدو صلاحها، أي: حتى ينتفع بها فيصلح قطعها والانتفاع بها، فأما إذا كان قطعها قبل بدو ثمارها فلا يجوز بيعها والحال هذه.
стр. 659
وضع الجوائح
يقول في تمام الحديث: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) ، استدلوا بهذه الجملة على مسألة وضع الجوائح، وقد ورد فيها حديث: (أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح) .
وصورة ذلك: إذا اشترى إنسان ثمرة، ثم أصابتها جائحة قبل أن تصلح، فيقول: إنها تذهب على البائع، وإن البائع يرد الثمن إلى المشتري؛ حيث إن المشتري لم يحصل له شيء، ولم ينتفع بهذا البيع، ولم يقبض شيئاً، أما صاحب الشجر فإنه مقدم على مثل هذه الأمور، وتصيبه هذه الجوائح وهذه الآفات عادة، فليس له إلا الصبر والتسلي، فيقدر أنه ما باع شيئاً.
مثال ذلك: إذا اشتريت -مثلاً- ثمرة النخل قبل بدو صلاحه أو بعد بدو الصلاح، ثم بعدما اشتريتها أصابتها جائحة، جاءها برد فتحاتت، أو أصابتها ريح مثلاً فقلعتها، أو صواعق فأحرقتها، آفة من الآفات أو مرض من الأمراض، فإنها تذهب على البائع الذي هو المالك، ويرد عليك أنت المشتري ثمنك ودراهمك، وهذا ذهب إليه كثير من العلماء، وخصه بعضهم بما إذا باعها قبل أن يبدو الصلاح، أما إذا باعها بعدما بدا صلاحها وجاز بيعها فما دام المشتري قد أقدم على الشراء ودفع الثمن، والبائع قد خلى بينه وبينها، وأصابتها هذه الآفة السماوية التي لا صنع لآدمي فيها؛ فإنه -والحال هذه- يصبر كما يصبر البائع.
стр. 660
شرح حديث: (نهى عن تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد)
قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد.
قال: فقلت لـ ابن عباس: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة.
والمزابنة: أن يبيع تمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، أو كان براً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله) ] .
في هذين الحديثين بعض البيوع المنهي عنها، وقد ذكرنا أن الأصل في البيوع الإباحة، وأن النبي ﷺ ترك الناس على معاملاتهم وعلى مبايعاتهم، إلا أنه نهى عما فيه ضرر، فكل شيء فيه ضرر على المتبايعين أو على أحدهما أو يسبب شحناء أو يسبب غبناً أو يوقع في الغرر أو نحو ذلك فقد نهى عنه، والنهي لأجل مصلحة المسلمين؛ وذلك لأن الضرر يسبب العداوة بين المسلمين، ويسبب المقاطعة، ويسبب التهاجر فيما بينهم والشحناء، ويحمل كل منهم على الآخر، ويكون بينهم ضغائن وعداوة، والإسلام جاء بما يجمع شمل المسلمين.
стр. 661
حكم تلقي الركبان
المسألة الأولى: تلقي الركبان، والمراد بهم الذين يجلبون السلع إلى البلاد، وسماهم ركباناً لأنهم في الغالب يكونون على رواحلهم قد ركبوها، ولكن الحكم يعم حتى ولو كانوا مشاة، كما لو كانوا يسوقون إبلهم أو بقرهم أو غنمهم ويمشون على أرجلهم، فإنه لا يجوز تلقيهم، وكذلك إذا كانوا قد جلبوا طعاماً، أو جلبوا أقمشة، أو جلبوا سلعاً أخرى، وهم يجهلون الأسعار في هذه البلاد، فالذي يتقبلهم ويتلقاهم خارج البلاد قد يخدعهم وقد يغرهم ويقول: إنها رخيصة، وإنها لا تساوي كذا وكذا، وإنكم لو بعتموني لربحتم أكثر من غيركم، فيبيعونه برخص.
أو يشترون منه بغلاء إذا كانوا جاهلين بالأسعار، وهم يريدون أن يشتروا طعاماً، أو يشتروا قماشاً، أو يشتروا أواني أو سلعاً أخرى، فيأتيهم ويخدعهم ويقول: إنها غالية رفيعة، وإنها توجد عندي بكذا، فيبيعهم بأكثر مما يبيع الناس به، فهذا لا يجوز، وإذا حصل ذلك وهبطوا الأسواق ووجدوه قد خدعهم في بيع أو في شراء ولو بشيء يسير كما لو غبنهم بواحد في العشرة أو واحد في العشرين يكون لهم الخيار؛ وذلك لأنه عصى وخالف النهي، فلهم أن يستردوا سلعهم التي اشتراها منهم، أو يرد عليهم السلع التي باعهم بزيادة، هذه المسألة الأولى.
стр. 662
حكم بيع الحاضر للبادي
المسألة الثانية: بيع حاضر لباد، وفسره ابن عباس بأن يكون له سمساراً، والسمسار هو الذي يسمى الدلال الذي يبيع السلع للناس، والمعنى أنه لا يجوز له أن يتقبل البوادي، وغالباً هم الأعراب، فقال: (لا يبع حاضر لباد) ، فالحاضر هو صاحب البلد، والبادي هو صاحب البادية، والحكم معلق بكل من كان خارج البلد جاهلاً بالسعر، فإذا جاء صاحب السلع سواء كان بدوياً أو قروياً، فجاء بسلع يريد أن يبيعها، فيبيع المواشي، أو يبيع هذا الطعام، أو يبيع الأدهان التي معه أو السلع، فجاء لقصد بيعها لا لقصد خزنها، فإنه لو قصد أن يخزنها فجئته وأمرته أن يبيعها فقد نفعت الناس، أما إذا جاء لقصد أن يبيعها، وكان جاهلاً بالسعر، لا يدري بأسعار الناس، ولا ما هم فيه -فإنه إن كان عالماً فلا يزيده صاحب البلد شيئاً ليس عنده- وكان عازماً على أن يبيعها في حالها لا يتأنى بها، وكان أهل البلد بحاجة إلى هذا الطعام، أو بحاجة إلى هذا الدهن، أو هذا الأقط، أو بحاجة إلى هذه المواشي؛ لذبحها أو للبنها أو ما أشبه ذلك، بخلاف ما إذا كانت البلد مستغنية عنها، أو كان يوجد أمثالها كثير.
فالحاصل أنه إذا اجتمع كونه جاهلاً، وكونه جاء بها ليبيعها، وكونه عازماً على بيعها بسعر يومها، وكون الحاضر هو الذي جاء إليه أو تلقاه، وكون الناس بحاجة إليها؛ ففي هذه الحال لا يكون له سمساراً، فلا يقل: أعطني سلعك، أنا صاحب البلد أبيعها بتأنّ، حتى تربح فيها أكثر، فينفعه ويضر الناس، بل يقول في الحديث: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) ، فيتركه ليبيعها كما يشاء، فهذا هو الأصل في بيع حاضر لباد.
стр. 663
بيع المزابنة
المسألة الثالثة: بيع المزابنة، وهي مشتقة من الزبن، وهو الدفع، فالأصل في الزبن أنه الدفع، ومنه قول الله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨] وهم خزنة النار؛ لأنهم يدفعون الكفار في النار دفعاً، فالعادة أن هذين اللذين يتبايعان هذه المبايعة يقع بينهما شيء من الاختلاف، وكل منهما يدفع الآخر إما دفعاً حسياً أو دفعاً معنوياً.
وذكر للمزابنة ثلاثة أمثلة: المثال الأول: أن يبيع التمر الذي في رءوس النخل بتمر مقطوع، فإن هذا فيه جهل، وفيه عدم تحقق التماثل؛ لأن التمر من الأشياء الربوية، فلا يجوز أن يباع إلا بمثله كيلاً مثلاً بمثل، فكونه يقول -مثلاً-: اشتريت منك ثمرة هذه النخلة بهذا المكتل من التمر -تمر بتمر من غير تحقق التماثل- لا يجوز، وهذا من المزابنة.
المثال الثاني: إذا كان عنده شجرة عنب، والعادة أنه يتركها حتى تصير زبيباً، فيقول: بعني ثمرة هذه الشجرة -شجرة العنب- بهذا المكتل من الزبيب، أو: بعشرة آصع أو: بعشرين صاعاً زبيباً، خذها الآن واترك لي ثمرة هذه الشجرة من العنب لآخذها، سواء زادت عن عشرين أو نقصت، وهذا أيضاً فيه اختلاف؛ وذلك لأنه لا يتحقق التساوي، فقد يكون ثمر الشجرة أربعين صاعاً، وقد لا يصفو منه إلا عشرة؛ لأنه شيء مجهول ولوكانوا ينظرون إليه، وكذلك ثمر النخلة، فلا يتحقق هنا التماثل.
المثال الثالث: في ثمر الزرع، فإذا جاء إليك وزرعك قد أثمر، وقد بدا سنبله؛ فقال: بعني زرعك هذا بمائة صاع، أو بهذه الأكياس التي فيها مائة صاع أو مائتان أو خمسمائة، خذ مني هذه الأكياس وأعطني هذا الزرع؛ فهذه الأكياس معلوم وزنها، ومعلوم كيلها، والزرع مجهول لا يدرى هل يكون كثيراً أو قليلاً، فلا يتحقق التماثل.
فهذه أمثلة للمزابنة، والنبي ﵊ مثل بها، وأراد بذلك كل شيء يماثلها مما فيه غرر؛ لأنه أمر إذا بيع شيء من المكيلات أنه لابد من التساوي والتماثل، ولعله يأتينا ما يستثنى من ذلك إن شاء الله.
стр. 664
شرح عمدة الأحكام [٤٦]
حرم الله ورسوله بيع كل حرام كالخمر والميتة والخنزير والأصنام، وذلك لنجاستها وخبثها، أو لضررها على العقل أو النفس أو الدين وغير ذلك، فالإسلام يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويدعو إلى معالي الأمور، وينهى عن سفاسفها.
стр. 665
العرايا وأحكامها
стр. 666
تعريف العرية
قال المصنف رحمه الله تعالى وإياه: [باب العرايا وغير ذلك.
عن زيد بن ثابت ﵁ (أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها) ولـ مسلم: (يخرصها تمراً يأكلونها رطباً) .
وعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق) ] .
هذا الحديث يتعلق بالعرايا، والعرايا هي النخلة يباع ثمرها وهو في قنوانه بتمر، وهي مستثناة من مسألة المزابنة، وقد تقدم أنه ﷺ (نهى عن المزابنة، ورخص في العرايا) ؛ وذلك لأن من أنواع الربا بيع التمر بالتمر دون أن يكون متساوياً، أما بيع بعضه ببعض متساوياً فإنه جائز ولا يكون ربا، مثال ذلك: أن يبيع صاع تمر بصاع تمر، هذا له نظر في هذا، وهذا له نظر في هذا، فيجوز، ولا يجوز التفاوت في شيء من ذلك عن قصد، وقد ورد أنه ﷺ أرسل مرة بلالاً يأتيه بتمر من تمر خيبر، فجاءه بتمر جنيب-يعني: جيد قوي نظيف حسن- فتعجب وقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟! فقال: لا والله.
إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً) ، والجمع: هو التمر المجموع.
أي: يكون فيه الرديء والجيد.
والجنيب: هو التمر الذي كله جيد، وكله نظيف، وكله طيب.
يقول: إذا كان عندك تمر رديء، وتريد أن تبدله بتمر جيد فلا تقل: أعطني صاعاً من هذا بصاعين من هذا، فإن هذا ربا، بل هو عين الربا، فلا يباع التمر إلا مثلاً بمثل متساوياً، كما لا يباع البر بالبر إلا مثلاً بمثل، وكذلك جميع الحبوب ولو اختلفت القيم، فلا يباع كيس أرز بكيس أرز من جنس آخر أحسن منه، بل يباع بمثله ولو اختلفت القيم، وإذا كان الإنسان عنده أرز رديء وأراد أن يشتري به أرزاً جيداً؛ باع الرديء بدراهم واشترى بالدراهم جيداً، وهكذا في التمور، وهكذا في الزبيب، وهكذا في الشعير، وهكذا في القمح، وهكذا في كل الحبوب، فلابد -كما سيأتينا في الربا- من بيعها بالدراهم ثم شراء غيرها.
ويستثنى من ذلك مسألة العرايا، فيتسامح فيها لأجل الحاجة، فأما لغير حاجة فلا يجوز، وذلك لعدم تحقق التساوي، وقد سئل النبي ﷺ : هل يباع الرطب بالتمر؟ فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فقال: فلا إذاً) ، فبين العلة، فالرطب معلوم أنه ثقيل؛ لأن فيه ماء، فإذا وزنت تمراً جافاً بتمر فيه ماؤه كالرطب فإنه قد يتوازن، ولكن متى جف ويبس هذا الرطب خف وزنه وقل كيله، فلا يكون متساوياً، فمن أراد أن يشتري رطباً بتمر فإن عليه أن يبيع التمر بدراهم، ويشتري بالدراهم رطباً.
وذكرنا أنه استثنى من بيع التمر بالرطب مسألة العرايا، وسببها أن بعض الناس يكون عندهم بقية تمر من السنة الماضية، ويأتي الرطب وهو غير موجود عندهم، ويحبون التفكه بأكل الرطب، وليس عندهم دراهم يشترون بها الرطب، فيشترون بالتمر رطباً، فرخص لهم للحاجة.
стр. 667
شروط جواز العرية
يشترط في بيع العرايا خمسة شروط: الشرط الأول: أن يأكلوها رطباً، فإذا تركوها حتى صارت تمراً لم يصح البيع.
الشرط الثاني: ألا يجدوا دراهم، فإذا وجدوا دراهم اشتروا بها رطباً ليأكلوه.
الشرط الثالث: أن يكون دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، أي: أقل من ثلاثمائة صاع، والصاع يقارب نحو ثلاثة كيلو أو أقل؛ وذلك لأنه لا يكون -غالباً- أحد يحتاج إلى أكل تسعمائة كيلو في وقت الرطب، فلذلك لابد أن يكون خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.
الشرط الرابع: التقدير أو الخرص، وهو أن يأتي الذي يعرف قدرها فيقف تحت النخلة فيقول: أقدر بأنها مائة كيلو، أو أنها مائة وخمسون، فهناك من عندهم معرفة بتقديرها وإن لم يصرموها، فإذا قدروها باعوها بقدر ذلك من التمر القديم.
الشرط الخامس: الحلول والتقابض قبل التفرق، فيحضر صاحب التمر تمره تحت النخلة في زنبيل أو نحو ذلك ويقول: اشتريت منك ثمرة هذه النخلة الذي في رءوسها وفي قنوانها بهذا التمر الذي في هذا الفرق، أو في هذه العيبة ونحوها، فيقول: قد بعتك، فهذا يأخذ تمره، وهذا يخلي بينه وبين هذه النخلة ليقتطفها، وليأخذها شيئاً فشيئاً ليتفكه في أيام أكل الرطب، ويطعم أهله.
стр. 668
إشكال وجوابه
قد يقال: إن بينهما تفاوتاً؛ وذلك لأن قيمة الرطب أغلى بكثير من قيمة التمر الذي قد مضى عليه سنة، والغالب أنه قد اسود وقد بدأ فيه التغير! فنقول: هذا صحيح، ولكن قد يكون أفضل عند كثير من الناس، ومعلوم أن التمر الذي قد مضى عليه سنة أحسن حلاوة وأقوى طعماً من التمر الجديد، وإن كان التمر الجديد له حلاوة وله فاكهة وله لذة حاضرة، ولكن لاشك أن التمر الذي قد نضج وقد مضى عليه مدة وهو ناضج يكون أقوى طعماً، وهذا من جهة.
ومن جهة ثانية أن أهل النخل قد يحتاجون إليه علفاً لدوابهم، وقد يكون التمر الذي في النخل لا يصلح علفاً، فيأخذون هذا التمر في عيبة ونحوها ويبيعونه بهذا الرطب الذي في النخلة.
وقد ذكرنا أيضاً أنه لابد من البدو والصلاح، فلابد أن يكون قد بدا صلاحه في هذه الشجرة، وبدو الصلاح أن يحمر أو يصفر، ومعلوم أن التمر عندما يكون بسراً أو بلحاً يكون لونه أخضر كله، ثم إذا قارب النضج وقارب الاستواء فإنه يصير إما أصفر وإما أحمر، ومعلوم هذا كما هو مشاهد، ثم بعد ذلك يبدأ في النضج ليكون رطباً، وما كان أحمر يكون لونه أسود أو قريباً من السواد، وغيره يكون لونه أحمر، فلا يباع إلا إذا بدا صلاحه، فالعرايا لا تباع إلا إذا بدا صلاحها.
وقد تقدم أنه يجوز بيعها بالدراهم، ولكن تبقى في رءوسها، وتكون إذا تلفت من ضمان صاحبها وهو صاحب النخل، وهي المسألة التي تقدمت وعرفت بوضع الجوائح، فهذه مسألة العرايا.
стр. 669
تفسير آخر للعرايا
قال بعضهم: إن العرايا هي المنح، وذلك أن أصحاب النخل ينزل عندهم بعض المجاورين فيعرونهم نخلاً، فيقول: هذه النخلة أعريتكها، لك ثمرتها مجاناً أو يقول لأخيه الذي ليس له نخل أو لابن أخيه أو لابن عمه أو لقريبه: أعريتك هذه النخلة، يعني: أعطيتك ثمرها بدون مقابل، فيكون هذا من جملة ما يسمى: (عرية) ، ولكن الأصل في العرايا أنها ما يؤكل رطباً، وقد عرف أن أهل النخل يأكلون كثيراً من تمرهم ويعطونه بدون مقابل لأهليهم ولأقاربهم.
وقد كان النبي ﷺ إذا بعث الخراصين الذين يخرصون النخل يقول لهم: (دعوا الثلث، فإن لم تدعوه فدعوا الربع) فإن كان عند أحدهم مائة وعشرون نخلة، فالغالب أنه سوف يأكل منها قسطاً ويعريه لأقاربه، فيقول لهم: اتركوا له الثلث- نحو أربعين نخلة-، فإذا رأيتم أنه أكثر من حاجته فاتركوا له الربع- أي: ثلاثين من مائة وعشرين يأكل هذه هو وأهله رطباً، ويعري هذه، ويعطي هذه، ويمنح هذا، ونحو ذلك- واخرصوا الباقي وقدروه؛ لتؤخذ منه الزكاة.
стр. 670
العرايا تختص بالتمر
مسألة العرايا تختص بالتمر على الصحيح، وبعضهم ألحق بها الزبيب، والزبيب هو ثمر العنب، ومعلوم أيضاً أن العنب ما دام عنباً فإنه لذيذ وشهي، وإذا أصبح زبيباً فقد تقل قيمته، وقد تقل لذته، ولكن لا يزال مرغوباً فيه، فإذا كان إنسان عنده زبيب من العام الماضي، وليس عنده دراهم ويحب أن يأكل من العنب الجديد، فقال لصاحب شجرة العنب: بعني ثمرة هذه الشجرة بهذا الزبيب الذي في هذا المكتل الذي قدره -مثلاً- مائة صاع أو نحو ذلك، فهل يجوز ذلك؟ أجازه بعضهم، ومنعه الآخرون وقالوا: لم تكن العادة أن الحاجة إلى العنب تكون كالحاجة إلى الرطب؛ فإن الرطب يكون قوتاً، وأما الزبيب والعنب فإنما هو فاكهة يتفكه بها.
فعلى هذا تختص العرايا بالنخل الذي يباع بالرطب، وفي هذه الأزمنة الناس يجدون النقود، وما داموا يجدون النقود والدراهم فليسوا بحاجة إلى أن يشتروا الرطب بالتمر، سواء أكان ذلك التمر جافاً وقديماً أم ليس بقديم، فيشترون الرطب أينما كان، كما تشتري -مثلاً- عشرين نخلة بثمرتها كل نخلة بمائة أو بمائتين أو نحو ذلك، ولو تركتها إلى أن أثمرت لا يضر ذلك، إنما الشروط هذه فيما إذا باع ثمرة النخلة بتمر.
следующие страницы →