← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تعريف العرية قال المصنف رحمه الله تعالى وإياه: [باب العرايا وغير ذلك. عن زيد بن ثابت ﵁ (أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها) ولـ مسلم: (يخرصها تمراً يأكلونها رطباً) . وعن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق) ] . هذا الحديث يتعلق بالعرايا، والعرايا هي النخلة يباع ثمرها وهو في قنوانه بتمر، وهي مستثناة من مسألة المزابنة، وقد تقدم أنه ﷺ (نهى عن المزابنة، ورخص في العرايا) ؛ وذلك لأن من أنواع الربا بيع التمر بالتمر دون أن يكون متساوياً، أما بيع بعضه ببعض متساوياً فإنه جائز ولا يكون ربا، مثال ذلك: أن يبيع صاع تمر بصاع تمر، هذا له نظر في هذا، وهذا له نظر في هذا، فيجوز، ولا يجوز التفاوت في شيء من ذلك عن قصد، وقد ورد أنه ﷺ أرسل مرة بلالاً يأتيه بتمر من تمر خيبر، فجاءه بتمر جنيب-يعني: جيد قوي نظيف حسن- فتعجب وقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟! فقال: لا والله. إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً) ، والجمع: هو التمر المجموع. أي: يكون فيه الرديء والجيد. والجنيب: هو التمر الذي كله جيد، وكله نظيف، وكله طيب. يقول: إذا كان عندك تمر رديء، وتريد أن تبدله بتمر جيد فلا تقل: أعطني صاعاً من هذا بصاعين من هذا، فإن هذا ربا، بل هو عين الربا، فلا يباع التمر إلا مثلاً بمثل متساوياً، كما لا يباع البر بالبر إلا مثلاً بمثل، وكذلك جميع الحبوب ولو اختلفت القيم، فلا يباع كيس أرز بكيس أرز من جنس آخر أحسن منه، بل يباع بمثله ولو اختلفت القيم، وإذا كان الإنسان عنده أرز رديء وأراد أن يشتري به أرزاً جيداً؛ باع الرديء بدراهم واشترى بالدراهم جيداً، وهكذا في التمور، وهكذا في الزبيب، وهكذا في الشعير، وهكذا في القمح، وهكذا في كل الحبوب، فلابد -كما سيأتينا في الربا- من بيعها بالدراهم ثم شراء غيرها. ويستثنى من ذلك مسألة العرايا، فيتسامح فيها لأجل الحاجة، فأما لغير حاجة فلا يجوز، وذلك لعدم تحقق التساوي، وقد سئل النبي ﷺ : هل يباع الرطب بالتمر؟ فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فقال: فلا إذاً) ، فبين العلة، فالرطب معلوم أنه ثقيل؛ لأن فيه ماء، فإذا وزنت تمراً جافاً بتمر فيه ماؤه كالرطب فإنه قد يتوازن، ولكن متى جف ويبس هذا الرطب خف وزنه وقل كيله، فلا يكون متساوياً، فمن أراد أن يشتري رطباً بتمر فإن عليه أن يبيع التمر بدراهم، ويشتري بالدراهم رطباً. وذكرنا أنه استثنى من بيع التمر بالرطب مسألة العرايا، وسببها أن بعض الناس يكون عندهم بقية تمر من السنة الماضية، ويأتي الرطب وهو غير موجود عندهم، ويحبون التفكه بأكل الرطب، وليس عندهم دراهم يشترون بها الرطب، فيشترون بالتمر رطباً، فرخص لهم للحاجة.

стр. 667

شروط جواز العرية يشترط في بيع العرايا خمسة شروط: الشرط الأول: أن يأكلوها رطباً، فإذا تركوها حتى صارت تمراً لم يصح البيع. الشرط الثاني: ألا يجدوا دراهم، فإذا وجدوا دراهم اشتروا بها رطباً ليأكلوه. الشرط الثالث: أن يكون دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، أي: أقل من ثلاثمائة صاع، والصاع يقارب نحو ثلاثة كيلو أو أقل؛ وذلك لأنه لا يكون -غالباً- أحد يحتاج إلى أكل تسعمائة كيلو في وقت الرطب، فلذلك لابد أن يكون خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. الشرط الرابع: التقدير أو الخرص، وهو أن يأتي الذي يعرف قدرها فيقف تحت النخلة فيقول: أقدر بأنها مائة كيلو، أو أنها مائة وخمسون، فهناك من عندهم معرفة بتقديرها وإن لم يصرموها، فإذا قدروها باعوها بقدر ذلك من التمر القديم. الشرط الخامس: الحلول والتقابض قبل التفرق، فيحضر صاحب التمر تمره تحت النخلة في زنبيل أو نحو ذلك ويقول: اشتريت منك ثمرة هذه النخلة الذي في رءوسها وفي قنوانها بهذا التمر الذي في هذا الفرق، أو في هذه العيبة ونحوها، فيقول: قد بعتك، فهذا يأخذ تمره، وهذا يخلي بينه وبين هذه النخلة ليقتطفها، وليأخذها شيئاً فشيئاً ليتفكه في أيام أكل الرطب، ويطعم أهله.

стр. 668

إشكال وجوابه قد يقال: إن بينهما تفاوتاً؛ وذلك لأن قيمة الرطب أغلى بكثير من قيمة التمر الذي قد مضى عليه سنة، والغالب أنه قد اسود وقد بدأ فيه التغير! فنقول: هذا صحيح، ولكن قد يكون أفضل عند كثير من الناس، ومعلوم أن التمر الذي قد مضى عليه سنة أحسن حلاوة وأقوى طعماً من التمر الجديد، وإن كان التمر الجديد له حلاوة وله فاكهة وله لذة حاضرة، ولكن لاشك أن التمر الذي قد نضج وقد مضى عليه مدة وهو ناضج يكون أقوى طعماً، وهذا من جهة. ومن جهة ثانية أن أهل النخل قد يحتاجون إليه علفاً لدوابهم، وقد يكون التمر الذي في النخل لا يصلح علفاً، فيأخذون هذا التمر في عيبة ونحوها ويبيعونه بهذا الرطب الذي في النخلة. وقد ذكرنا أيضاً أنه لابد من البدو والصلاح، فلابد أن يكون قد بدا صلاحه في هذه الشجرة، وبدو الصلاح أن يحمر أو يصفر، ومعلوم أن التمر عندما يكون بسراً أو بلحاً يكون لونه أخضر كله، ثم إذا قارب النضج وقارب الاستواء فإنه يصير إما أصفر وإما أحمر، ومعلوم هذا كما هو مشاهد، ثم بعد ذلك يبدأ في النضج ليكون رطباً، وما كان أحمر يكون لونه أسود أو قريباً من السواد، وغيره يكون لونه أحمر، فلا يباع إلا إذا بدا صلاحه، فالعرايا لا تباع إلا إذا بدا صلاحها. وقد تقدم أنه يجوز بيعها بالدراهم، ولكن تبقى في رءوسها، وتكون إذا تلفت من ضمان صاحبها وهو صاحب النخل، وهي المسألة التي تقدمت وعرفت بوضع الجوائح، فهذه مسألة العرايا.

стр. 669

تفسير آخر للعرايا قال بعضهم: إن العرايا هي المنح، وذلك أن أصحاب النخل ينزل عندهم بعض المجاورين فيعرونهم نخلاً، فيقول: هذه النخلة أعريتكها، لك ثمرتها مجاناً أو يقول لأخيه الذي ليس له نخل أو لابن أخيه أو لابن عمه أو لقريبه: أعريتك هذه النخلة، يعني: أعطيتك ثمرها بدون مقابل، فيكون هذا من جملة ما يسمى: (عرية) ، ولكن الأصل في العرايا أنها ما يؤكل رطباً، وقد عرف أن أهل النخل يأكلون كثيراً من تمرهم ويعطونه بدون مقابل لأهليهم ولأقاربهم. وقد كان النبي ﷺ إذا بعث الخراصين الذين يخرصون النخل يقول لهم: (دعوا الثلث، فإن لم تدعوه فدعوا الربع) فإن كان عند أحدهم مائة وعشرون نخلة، فالغالب أنه سوف يأكل منها قسطاً ويعريه لأقاربه، فيقول لهم: اتركوا له الثلث- نحو أربعين نخلة-، فإذا رأيتم أنه أكثر من حاجته فاتركوا له الربع- أي: ثلاثين من مائة وعشرين يأكل هذه هو وأهله رطباً، ويعري هذه، ويعطي هذه، ويمنح هذا، ونحو ذلك- واخرصوا الباقي وقدروه؛ لتؤخذ منه الزكاة.

стр. 670

العرايا تختص بالتمر مسألة العرايا تختص بالتمر على الصحيح، وبعضهم ألحق بها الزبيب، والزبيب هو ثمر العنب، ومعلوم أيضاً أن العنب ما دام عنباً فإنه لذيذ وشهي، وإذا أصبح زبيباً فقد تقل قيمته، وقد تقل لذته، ولكن لا يزال مرغوباً فيه، فإذا كان إنسان عنده زبيب من العام الماضي، وليس عنده دراهم ويحب أن يأكل من العنب الجديد، فقال لصاحب شجرة العنب: بعني ثمرة هذه الشجرة بهذا الزبيب الذي في هذا المكتل الذي قدره -مثلاً- مائة صاع أو نحو ذلك، فهل يجوز ذلك؟ أجازه بعضهم، ومنعه الآخرون وقالوا: لم تكن العادة أن الحاجة إلى العنب تكون كالحاجة إلى الرطب؛ فإن الرطب يكون قوتاً، وأما الزبيب والعنب فإنما هو فاكهة يتفكه بها. فعلى هذا تختص العرايا بالنخل الذي يباع بالرطب، وفي هذه الأزمنة الناس يجدون النقود، وما داموا يجدون النقود والدراهم فليسوا بحاجة إلى أن يشتروا الرطب بالتمر، سواء أكان ذلك التمر جافاً وقديماً أم ليس بقديم، فيشترون الرطب أينما كان، كما تشتري -مثلاً- عشرين نخلة بثمرتها كل نخلة بمائة أو بمائتين أو نحو ذلك، ولو تركتها إلى أن أثمرت لا يضر ذلك، إنما الشروط هذه فيما إذا باع ثمرة النخلة بتمر.

стр. 671

شرح حديث: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) (جملوه) أي: أذابوه] . هذا الحديث يدل على تحريم بيع كل ما هو حرام، وإذا كان أكله حراماً واقتناؤه حراماً فثمنه حرام، والله تعالى حرم الميتة، فثمنها حرام، وذلك لأنه لا يجوز أكلها، فكذلك لا يجوز أكل ثمنها ولو وجد من يستحلها، وكذلك كل الدواب المحرمة لا يحل ثمنها، فمثلاً: الكلاب والخنازير محرمة الأكل، فكذلك ثمنها محرم، فالذين يبتاعون الخنازير في البلاد الغربية ليسوا بمسلمين، ولو باعه مسلم أو ملكه مسلم لم يحل له أن يأخذ عليه عوضاً، فعوضه محرم، وقد ورد في الأحاديث تحريم ثمن الكلب، وكما أن أكله ولحمه حرام فثمنه حرام ولو وجد من يأكله أو يستحل ثمنه، فإذا حرم الله بيع شيء، فإن من باعه قد أكل حراماً، وإذا حرم أكل شيء؛ فإن بيعه يكون حراماً. وحرم الله الخمر، وإذا كانت محرمة فإن ثمنها حرام، بل ورد لعن عشرة في الخمر في قوله ﵇: (لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها) ، فهؤلاء اشتركوا في الإثم، والشاهد أنه جعل ثمنها محرماً. ولما حرمت الخمر في أول الأمر كان هناك بعض الصحابة عندهم خمر لأيتام، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في بيعها؛ حتى لا تذهب على اليتامى، وكان هناك من يشتريها من اليهود، فقال النبي ﷺ : (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) .

стр. 672

حكم بيع ما هو محرم يحرم بيع كل شيء محرم، مثل الصور التي أمرنا بإتلافها، كما في حديث: (لا تدع صورة إلا طمستها) ، فهذه الصور محرم اقتناؤها ومحرم أيضاً ثمنها، فالذي يأكل من ثمنها يعتبر قد أكل حراماً، والذي يبيعها أو يجعلها بضاعته يتعامل بحرام. كذلك الصليب نحن مأمورون بأن نتلفه؛ لأنه معبود النصارى، فالذين يبيعون الصلبان ويستفيدون من ثمنها، فيشترونها ثم يربحون فيها أو يعملونها ثم يبيعونها، لا شك أنهم يبيعون حراماً ويأكلون حراماً، وكذلك جميع المعبودات، والنبي ﷺ مثل بالأصنام التي هي عبارة عن صور منحوتة، ينحتون صورة من خشب أو من حجر على صورة شخص أو رجل صالح، ثم يبيعونها لمن يعبدها أو لمن ينصبها أو لمن يتبرك بها. فهذه الصور -ولو كانت صور صالحين، سواء أكانت منقوشة أم منحوتة- داخلة في الأصنام التي أخبر النبي ﷺ أن بيعها حرام. فهذه المحرمات سواء أكانت تباع على من يستحلهاكبيع الخمر لليهود، وبيع الصلبان للنصارى، أم تباع على مسلم يرى حرمتها، أم تباع على مسلم يرى حلَّها ولكن البائع يرى حرمتها كبيع الكلاب والخنازير وما أشبهها، أم تباع على من تباح له كالميتة يبيعها لمضطر -جائع- وهي ميتة، فحلال له أن يأكل منها، لكن ثمنها حرام، فهذا الذي يبيعها وهو يعلم أنها ميتة إن كان جائعاً فله أن يأكل منها، وأما كونه يبيعها فليس له ذلك. وهكذا يقال في آلات اللهو والملاهي كلها، فنحن مأمورون بإتلافها، وبمحق العود والطنبور والطبول والمزامير وما أشبهها، وثمنها يكون حراماً، فمن باعها وأكل ثمنها يعتبر قد أكل حراماً، فهذا معنى قوله في بعض روايات الحديث: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) يعني: إذا حرم عينها حرم بيعها؛ وذلك لأن الأصل كون أكلها حراماً لكونه يكسب البدن داءً خبيثاً.

стр. 673

حكمة تحريم الميتة حرم الله الميتة؛ لكونها قذرة، والتغذي بها يؤذي ويسبب أمراضاً، وإنما أباحها للضرورة، فأباحها لمن اشتد به الحال وخشي الموت من الجوع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] ، ولكن عند الاستغناء يحرم أكلها، وإذا كان يحرم أكلها فكذلك يحرم أيضاً بيعها. وكذلك ما حرم الخنزير إلا لمضرته؛ وذلك لكونه قذراً ونجساً، وغذاؤه خبيث، فإذا كان نجساً ومستقذراً فإن أكله يكسب آكله خبثاً وضرراً، فإذا كان كذلك؛ فإنك إذا بعته على من يأكله شاركته في هذا الإثم.

стр. 674

حكم بيع شحوم الميتة لما أخبر النبي ﷺ بأن الله حرم بيع الميتة استشكل بعض الصحابة أنه قد ينتفع بشيء منها، فهل يكون هذا الانتفاع مسوغاً لبيع ذلك الشحم؟ فإن شحم الميتة ذكروا أنه ينتفع به في غير الأكل في هذه الثلاثة الأشياء: الأول: تطلى به السفن، فالسفينة معلوم أنها تصنع من خشب، وأنها تسبح في البحر، ومعلوم أن ماء البحر لملوحته قد تتآكل منه خشب السفينة، فتحتاج إلى أنهم يدهنونها قبل أن تدخل في البحر؛ حتى يكون ذلك الدهن مضاداً لتأثير الماء في الخشبة، فهذا معنى أنها تدهن بها السفن، أي: تطلى بها السفن، فيطلون بها ظاهر السفينة. الثاني: يدهنون به الجلود بمنزلة الدباغ، فالجلد أو بعض الأواني الجلدية كالقربة والسقاء والدلو قد يكون يابساً، ويحتاج إلى ما يلينه، فيلينونه بدهن. الثالث: كانوا يوقدون السرج بالشحم، ليس عندهم الكهرباء الموجودة الآن، ولا الأجهزة الجديدة، ولا ما استحدث من النفط كالغاز أو القاز أو ما أشبهه، فما كانوا يوقدون السراج إلا بالشحم أو بالزيت، فقالوا: هل يجوز لنا أن نوقد السرج - التي هي المصابيح - بشحم الميتة؟ وهل يجوز لنا أن نطلي السفينة بشحم الميتة؟ فالناقة إذا ماتت نأخذ شحمها ونذيبه ونطلي به السفينة، ولا يتأثر به شيء؛ لأنه لا يصلى عليه ولا يضر أحداً، والدلو أو نحوه إذا كان يابساً لا يضره أن ندهنه بهذا الشحم، فقال النبي ﷺ : (لا، هو حرام) . ومن العلماء من يقول: إنه ما حرم إلا البيع، وكأنهم يقولون: مادام أن هذه الشحوم ينتفع بها؛ فيوقد بها السراج، وتطلى بها السفينة، ويدهن بها الجلد قبل دبغه، فألا يكون ذلك مبرراً في أن نبيعها على من يدهن بها وينتفع بها؟ فقال النبي ﷺ : (لا، هو حرام) .

стр. 675

حكم استخدام شحوم الميتة ونحوها لا خلاف أن بيع شحوم الميتة حرام، ولو كان من يشتريها يوقد بها السراج، ولو كان من يشتريها يدهن بها السفينة، بيعها حرام مطلقاً، ولكن هل يجوز أن تطلى بها السفن أو تتخذ سرجاً؟ في ذلك خلاف، والأقرب أنه إذا كانت لا تتعدى نجاستها فإن ذلك جائز، فالسراج مثلاً إذا لم يكن في المسجد جاز أن يوقد بالدهن المتنجس، أو بالدهن النجس، أما في المسجد فلا يجوز؛ وذلك لأنه يتحلل منه دخان، وذلك الدخان دخان نجاسة، وأما في البيوت وغيرها فإنه لا تتعدى نجاستها. وأما طلاء السفينة، فالسفينة لا تتعدى منها النجاسة؛ وذلك لأنها تخوض في لجّة البحر، والبحر لا يتنجس؛ لعمقه ولكثرة مائه، فلا تتعدى نجاستها، ولأن الذي يطلى إنما هو ظاهرها الذي يلي البحر، وأما باطنها الذي يركبون فيه فلا يطلى، فلأجل ذلك يجوز أن تطلى بالشحم المتنجس أو النجس أو نحو ذلك.

стр. 676

الحيلة في بيع الحرام لما أخبر النبي ﷺ الصحابة بحكم شحوم الميتة أخبرهم بفعل اليهود في احتيالهم على أكل الحرام، فقد حرم الله على اليهود بعض الشحوم وبعض اللحوم، فحرم عليهم كل ذي ظفر، وهو الإبل، فحرام عليهم أكل لحمها وشرب لبنها أو شرب مرقها أو الادهان بدهنها، وكذلك ما يشبهها في الخلقة كالنعام لا يأكلونه. وحرم عليهم من شحوم البقر والغنم شحم الثربة وشحم الكليتين وشحم القلب ونحوها، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أي: خف، ﴿وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٦] ، فأباح لهم شحم الظهر، وأباح لهم شحم الإلية؛ لأنه مختلط بعظم، وأباح لهم شحم الحوايا التي هي شحم الأمعاء، وحرم عليهم بقية الشحوم التي في البطن، وشحم الكلية وما أشبه ذلك، ولما حرمت عليهم هذه الشحوم، وكذلك شحوم الإبل، احتالوا فأذابوها؛ فصاروا يجمعون هذا الشحم ثم يذيبونه حتى يذوب على النار، ثم يبيعونه على العرب الذين هو مباح لهم، ويأكلون ثمنه، وهذه حيلة إلى أكل ما هو حرام، فإن الله لما حرم الثمن حرم الأكل، فكان مما يتبع ذلك تحريم الثمن، فنهى النبي ﷺ أمته عن مثل هذه الحيلة. وورد في حديث قوله ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) ، والحيلة كونه يأتي الحرام من جهة وهو يعلم أنه حرام، فيقول: ما أتيته من الجهة التي هو حرام فيها، وإنما من جهة أخرى، مثل حيلة أصحاب السبت، لما حرم الله عليهم صيد السمك في يوم السبت، وابتلاهم بأن كانت الأسماك تخرج في ذلك اليوم، وإذا كان في يوم الأحد غابت عنهم واختفت في البحر، فأهمهم ذلك، كيف أنها لا تخرج إلا في اليوم الذي منعوا من الصيد فيه؟ فاحتالوا بأن نصبوا شباكهم في يوم جمعة، فإذا خرجت يوم السبت أمسكتها الشباك، ثم يأخذونها في يوم الأحد، فأصبحوا يمسكونها في يوم السبت بأن تمسكها لهم شبكاتهم، فعاقبهم الله بالعقوبة التي ذكرها في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٦] . والحاصل أن الحيل نهى عنها النبي ﷺ ، أي: كون الإنسان يحتال فيقول: هذا الشيء حرام علي أكله، وما دام أن هناك من يأكله، فلماذا لا أبيعه عليه وآكل ثمنه؟ وقد سمعت أن هناك من يستحل أكل الكلاب من هؤلاء النصارى من بلاد الفلبين ونحوهم، فهم يستحلون أكل الكلاب، يقتنصونها ويقتلونها ثم يأكلونها، وكذلك يأكلون السنانير (القطط) ، وكأنها عندهم شيء معتاد ونظيف لا محذور فيه، وبعض الشباب أو بعض الصبيان قد يجلبون إليهم في محلهم القطط ونحوها، ويعوضونهم عليها، ولا شك أن هذا حرام، ولو كان أولئك أطفالاً لم يبلغوا، ولكن على أوليائهم إذا عرفوا ذلك أن ينهوهم عن مثل ذلك وأن يخبروهم بحرمته. وعلى كل حال لا تجوز المساعدة على أكل شيء محرم بأي نوع من أنواع الإعانات والمساعدات.

стр. 677

شرح عمدة الأحكام [٤٧] بيع السلم هو بيع فيه تعجيل الثمن وتأخير السلعة، وقد أباحته الشريعة لحاجة البائع والمشتري، لكن يشترط فيه شروط تخفف من الغرر، وتحقق أكبر قدر يمكن من المصلحة.

стр. 678

أحكام السلم

стр. 679

معنى السلم قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب السلم. عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم) . هذا الحديث يتعلق بالسلم الذي هو تعجيل الثمن وتأخير السلع، فيكون الثمن حاضراً والسلعة المشتراة غائبة مؤجلة بأجل محدود، سواء أكان الأجل قريباً أم بعيداً، وجاءت الرخصة فيه من باب التوسعة؛ فكما أن الثمن يكون غائباً والسلعة حاضرة فكذلك العكس، فيكون الثمن حاضراً والسلعة غائبة، ولكن لابد وأن تكون السلعة موصوفة مضبوطة بالصفة؛ حتى لا يقع الاختلاف، وذلك لأن الغائب الذي يقع عليه البيع لا بد من معرفته، فالثمن الذي يدفع لا بد أن يكون معروفاً، والمثمن -الذي هو السلعة- لا بد أيضاً أن يكون معروفاً؛ حتى لا يقع فيهما شيء من الاشتباه.

стр. 680

شروط السلم في هذا الحديث يقول: (قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) ، ومعنى كونهم يسلمون في الثمار أن يأتي الرجل إلى صاحب النخل فيقول: أشتري منك -مثلاً- مائة صاع من ثمر النخل لمدة سنة أو لمدة ثلاث سنين أعطيك ثمنها الآن، وإذا حلت تعطيني الثمرة التي اشتريتها منك في ذمتك، ويكون البيع رخيصاً؛ وذلك لأنه قدم الثمن وانتفع به، والحاجة داعية إليه. فأرشدهم النبي ﷺ إلى أنه لا بد من تحديد المثمن الذي هو المبيع، إما بوزن إذا كان يوزن، وإما بكيل إذا كان يكال، ولا بد أيضاً من تحديد الزمن الذي يحل فيه، فيقول مثلاً - إذا كان مما يكال كالحبوب والبر والشعير والذرة ونحو ذلك -: اشتريت منك في ذمتك مائة صاع من الذرة التي لونها كذا وكذا، أو من البر، أو من الشعير، أو من الأرز تعطينيها بعد خمسة أشهر أو بعد سنة أو بعد سنتين، وكل صاع قيمته ريال أو درهم. فيحتاج البائع إلى الدراهم لينتفع بها، فيبيع التمر أو البر رخيصاً حتى تحصل له هذه الدراهم ليشتري بها حاجاته الضرورية، فإذا حل الأجل وصرم النخل مثلاً أو حصد الزرع فعند ذلك يدفع ما حصل عليه الاتفاق، فيحصل لكل منهما منفعة.

стр. 681

الحكمة من إباحة السلم السلم من الارتفاقات التي يرتفق بها وينتفع بها؛ وذلك لأن صاحب النخل أو صاحب المزرعة قد يكون بحاجة إلى دراهم ليشتري بها حاجاته ككسوة أولاده مثلاً أو غذائهم، ولا يجد لهم غذاءً مثلاً، ولا يجد لهم كسوة، والثمر متأخر -ثمر النخل- يحتاج إلى ثمانية أشهر أو إلى عشرة أشهر أو إلى سنة، ولا يجد أحداً يقرضه ولا يهبه، فيضطر إلى أن يبيع من الثمر قبل أن يحمر، ويأتيه إنسان عنده دراهم ليس بحاجة لها، فيقول: أنا أشتري منك مائة صاع من التمر، أو ألفاً، أو مائة صاع من البر أو نحوه، كل صاع بريال بدل أن يكون الصاع -لو كان موجوداً- بخمسة أو بثلاثة أو نحو ذلك، ولكن لحاجتك أنت إلى الدراهم وأنت صاحب الزرع بعته رخيصاً، كل صاع بريال أو بريالين؛ حتى تنتفع بالدراهم الآن، وحتى تقضي بها حاجتك. فإذا حصد الزرع جاء هو وأخذ مائة صاع قد حصل عليها رخيصة فباعها وربح فيها، فأنت - يا صاحب الزرع أو الثمر - انتفعت بحصول الدراهم لك وقضاء حوائجك ونفقة أولادك وبذرك وسقيك ونحو ذلك، وصاحب الدراهم انتفع حيث ربح فحصلت له هذه السلعة رخيصة، فربح فيها أكثر مما يربح غيره. فهذا وجه كون السلم نافعاً للاثنين، نافعاً للبائع الذي باع رخيصاً وانتفع بالثمن مقدماً، ونافعاً للمشتري الذي اشترى رخيصاً وربح في بيعه.

стр. 682

ما يصح فيه السلم يصح السلم في الثمار كالزبيب والتمر، ولو لم يكن المشتري صاحب نخل، فيقول: أنا بحاجة إلى دراهم لأقضي بها حاجتي، فأبيعك مائة صاع من التمر أو من الزبيب كل صاع بريال وأعطني النقود الآن، وإذا مضت سنة أعطيتك الزبيب أو التمر أو نحو ذلك، فيكون هذا قضاءً لحاجته، فإذا حل الأجل ذهب واشترى لك ما التزمه في ذمته، فإن كان له ثمر أعطاك منه، وإلا اشترى لك من الأسواق وقضاك. ويصح أيضاً في الثياب أو ما يباع ذرعاً، فيصح أن تشتري منه مائة ثوب مؤجلة يعطيكها بعد سنة كل ثوب بخمسة، مع أن قيمتها الآن كل ثوب بعشرة، ولكن هو بحاجة إلى الدراهم لينتفع بها، وأنت لست بحاجة إلى هذه الدراهم، وتريد أن تربح فيها، فبعد سنة يعطيك مائة ثوب تبيعها مثلاً بألفين أو بألف، ولا شك أن هذا فيه مصلحة للاثنين. كذلك أيضاً يصح السلم في اللحوم ويصح في الخبز، فيصح -مثلاً- أن تعطي الخباز مائة ريال أو مائتين على أن يبيعك كل ستة أرغفة بريال، إذا كان هو بحاجة إلى الدراهم، وأنت لست بحاجة إليها، فتتفقان على أن يبيعك كل ستة أرغفة بريال، ففي كل يوم يعطيك ستة إلى أن تنقضي مائة يوم. فأنت ربحت حيث حصل لك ستة أرغفة بدل أربعة، وهو ربح حيث انتفع بهذه الدراهم واشترى بها دقيقاً، أو اشترى بها حوائج أو نحو ذلك. وكذلك صاحب اللحم، فإذا كان اللحم يباع الكيلو منه -مثلاً- بعشرة، وكان صاحب اللحم بحاجة إلى دراهم فقلت له: أنا أشتري في ذمتك -مثلاً- خمسمائة كيلو من اللحم الذي صفته كذا وكذا، الكيلو بسبعة أو بستة، أسلمها لك الآن، وتعطيني كل يوم كيلوين أو ثلاثة من اللحم، وثمنها مقدم لك. فتأخذها كل يوم إلى أن ينتهي مالك عنده من اللحم، ويصح ذلك، فأنت دفعت الدراهم نقداً وهو انتفع بها، وأنت حصلت على رخص السعر، فبدل أن الناس يشترون بعشرة اشتريت أنت بستة أو بسبعة أو نحو ذلك. ويصح أيضاً في المواشي، فقد ثبت أنه ﷺ استسلف من رجل بكراً -والبكر: هو ولد الناقة- فاشتراه في ذمته، فقال: بعتك بكراً بكذا فأعطاه الثمن، فلما حل الأجل جاءه ليطلبه، فلم يجد إلا خياراً رباعياً، وقال: (إن خيركم أحسنكم قضاءً) ، فيجوز أن تدفع لصاحب الغنم -مثلاً- ألفاً على أن يعطيك خمساً من الغنم في وقت الأضحية، تكون كل واحدة بمائتين، مع أنها في ذلك اليوم قد تساوي أربعمائة أو خمسمائة، ولكنه بحاجة إلى ثمنها، لكن لا بد من وصفها؛ أي: وصف السن واللون وما أشبه ذلك. وكذلك يصح حتى في الأشياء الجديدة، والتجار يتفقون الآن مع المصانع على أن يقدموا لهم الثمن، أعني: أصحاب المصانع الخارجية الذين يصنعون الأدوات كالقدور والصحون والأواني والسكاكين والملاعق، بل وحتى المكائن والسيارات، الأشياء الكبيرة والصغيرة، فالآن يقدمون ثمنها قبل خمسة أشهر أو قبل عشرة أشهر، ويتفقون على السعر، وإن كانوا أيضاً قد يفرقون الثمن بأن يدفعوا الدفعة الأولى في وقت التعاقد، والدفعة الثانية في وقت التحميل، والدفعة الثالثة في وقت الوصول، أو ما أشبه ذلك، وهذا أيضاً يسمى سلماً؛ وذلك لأنهم لو لم يحصل لهم هذا الثمن مقدماً لباعوه غالياً، ولما حصل لهم بعضه مقدماً باعوه رخيصاً؛ فيربحون هم بتحصيل الثمن، ويربح المشتري بوجودها رخيصة، فهذا معنى أن السلم من الارتفاقات التي أباحها الإسلام، والتي فيها مصلحة للبائع ومصلحة للمشتري، فالبائع ينتفع بالثمن في وقت حاجته وضرورته، والمشتري تحصل له السلعة رخيصة فيربح فيها أكثر مما يربح غيره.

стр. 683

شرح عمدة الأحكام [٤٨] المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، والشروط الواجب الوفاء بها تكون على الطرفين، وعدم الوفاء بها داخل في إخلاف الوعد الذي هو صفة من صفات المنافقين، وللشروط أحكام بينها أهل العلم.

стр. 684

شرح حديث عائشة: (جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الشروط في البيع: عن عائشة ﵂ قالت: (جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي ﷺ ، فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) ] . هذه قصة واقعية، وهذه الأَمَة كانت مملوكة لبعض الأنصار، وكانت تحب أن تتحرر، فاشترت نفسها بثمن مؤجل، وجاءت إلى عائشة تطلب منها أن تعينها في هذا الثمن حتى تعتق، ولكن عائشة عرضت عليها أن تشتريها بالثمن الذي طلبه أهلها، وتدفعه لهم لتكون مملوكة لها، ثم بعد ذلك تعتقها. ومن المعلوم: أنها إذا أعتقتها أصبحت مولاة لها، ولكن لما أخبرت أهلها الذين كاتبوها قالوا: نريد أن تكوني مولاة لنا، ولا يكون الولاء لغيرنا، فسمع بذلك النبي ﷺ فتعجب! كيف يكون لهم الولاء وهم قد أخذوا الثمن؛ وقد باعوها؟! لا يمكن أن يكون الولاء إلا لمن منّ بالعتق، فعند ذلك خطب هذه الخطبة، وأخبر بأن الولاء لمن أعتق، ولا يجوز اشتراط الولاء لغير المعتق.

стр. 685

الشروط في البيوع لازمة إلا شرطاً محرماً المؤلف جعل هذا الحديث في باب الشروط في البيع، والشروط: هي ما يلتزمه أحد المتعاقدين للآخر مما له فيه مصلحة، كأن يشترط أنه ينتفع بالعين مدة قبل تسليمها للمشتري، أو يشترط عليه المشتري أن الثمن غائب، أو يشترط البائع أن الثمن الغائب فيه رهن، أو فيه كفيل، أو يشترط المشتري أن يكون الثمن أقساطاً، أو يكون الثمن من النقود كذا وكذا، جنيهاً مثلاً، أو ديناراً، فإذا كان هذا الشرط لا خلاف فيه، وليس فيه محذور؛ لزم العمل به، فقد قال النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) فإذا أحل حراماً أو حرم حلالاً فلا يجوز العمل به، فمثلاً: اشتراط أن الولاء لغير المعتق يحرم حلالاً، ويغير شرعاً. ومثله: إذا أعتق الأمة واشترط أن يطأها وهي عتيقة، فهذا أحل حراماً. وهكذا لو اشترط عليه إذا اشترى الأمة ألا حق له في الاستمتاع، مع كونه قد دفع ثمنها، فهذا شرط حرم حلالاً. وكذا لو اشترط عليه ألا ينتفع بالعين، كأن يقول له: بعتك الثوب ولا تلبسه، أو بعتك البيت ولا تسكنه، أو بعتك الأرض ولا تحرثها؛ فهذا شرط يحرم حلالاً. إذاً: الشروط التي تُلتزم هي ما لا محذور فيها، ولا تخالف شيئاً من قواعد الشرع المشهورة المقعدة. فهؤلاء باعوا هذه الأمة، بمعنى: أنهم باعوها نفسها، وهذا يُسمى: الكتابة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] بمعنى: أنك إذا ملكت عبداً وطلب ذلك العبد أن يشتري نفسه بثمن مؤجل، كأن يقول: ثمني - مثلاً- خمسة آلاف، ولكن أنا أشتري نفسي بعشرة آلاف، أشتغل عند الناس، أو أجعل لي حرفة أو صنعة، ثم أعطيك كل سنة ألفاً أو ألفين، فتمكنه، فيشتغل، ويكتسب، ويتجر، ويغزو ليغنم، ويسافر للتجارة، ويجمع من حرفته ومن كسبه، ويعطيك كل سنة القسط، فإذا أعطاك القسط الأخير فأعتقه، مع أنك مأمور بأن تحط عنه بعض الأقساط، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] . فهذه الأمة- بريرة - اشترت نفسها على أن تسلم لأهلها كل شهر أو كل سنة كذا وكذا، وكأنها شعرت بأنها عاجزة، فاستعانت بـ عائشة، فـ عائشة قالت: أنا أشتريك وأدفع الثمن دفعة واحدة، ويكون الولاء لي، أي: تكونين مولاة لي، فذهبت تلك الجارية إلى أهلها وأخبرتهم، فطمعوا وقالوا: نحن نريد الولاء، ولكن لما أخبرت عائشة النبي ﷺ بكلامهم أنكر ذلك الكلام؛ لأنه شرط يخالف شرع الله، فصعد المنبر وقال: (ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) . فولاء العتاقة يكون للسيد الذي منّ على عبده بتحريره، فيكون مولاه، وتكون منه النصرة، ويكون منه الإرث، فيرث المعتق ذلك العبد إذا مات، وكذلك يواليه وينصره، وينضم إليه، ويكون كأحد أفراد الأسرة؛ فلذلك طمع هؤلاء في الولاء، ولكن عائشة لما طمعت في ولاء تلك الجارية رأتها أهلاً لأن تشتريها، ولم يكن لها رغبة فيها إلا أن يكون الولاء لها. فالحاصل: أن الشروط التي تخالف الشرع لاغية، والشروط التي توافق الشرع ثابتة، وقد تقدم قوله ﷺ : (من اشترى نخلاً قد أُبر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع) فإذا كان لك نخل قد طلع ثمره فبعته، فالثمرة تكون لك؛ لأنك سقيته سنة أو نحوها، وهذه الثمرة تعلق نظرك بها، لكن لو قال المشتري: أنا أشتريه بكذا بشرط أن هذه الثمرة لي صح الشرط والبيع؛ وهذا شرط لا يخالف الشرع؛ لأنه شيء معلوم، فأما الشرط الذي يخالف الشرع ويخالف القواعد الشرعية فإنه لا يحوز.

стр. 686

شرح حديث جابر: (أنه كان يسير على جمل فأعيا) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن جابر بن عبد الله ﵁: (أنه كان يسير على جمل فأعيا، فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه، فسار سيراً لم يسر مثله قط، ثم قال: بعنيه بأوقية، قلت: لا. ثم قال: بعنيه، فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في إثري، فقال: أتراني ما كستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها) ] . حديث جابر ذكر أنه كان في غزوة من الغزوات، وكان على جمل، وذلك الجمل أعيا كسائر الجمال التي قد تعيا من طول السفر، وهزل وضعف حتى كاد أن يهمله ويسيبه؛ لكونه أصبح بطيء السير، لا يستطيع أن يحمل شيئاً، ولا أن يسير مع الإبل، فلما هم بأن يسيبه (لحقه النبي ﷺ فدعا له، ونخسه) فعند ذلك سار سيراً عجيباً سريعاً حتى كاد يسبق الإبل، وحتى كان جابر يمسكه لئلا يتقدم عليها؛ وذلك لبركة دعوة النبي ﷺ ، فلما سار هذا السير طلب أن يشتريه، فقال: (بعنيه) وكان جابر يقول: (ليس عندنا ما ننضح عليه غيره) يعني: أنه كان هو الذي يسقون عليه النخل، ولكن لم يكن بد من أن يتنزل على رغبة النبي ﷺ ، فباعه بوقية؛ والوقية: أربعون درهماً من الفضة، فلما باعه عرف أنه بحاجته إلى أن يصل إلى المدينة، فاستثنى حملانه؛ أي: اشترط ظهره بأن يبقى معه، يحمل عليه متاعه حتى يصل إلى المدينة، فوافقه النبي ﷺ على هذا الشرط، فلما وصل إلى المدينة وأنزل رحله أتاه بالجمل، فأناخه عند المسجد، وجاء إلى النبي ﷺ فنقده ثمنه أربعين درهماً، فلما نقده ثمنه ورجع، رأى أن يرده عليه، فدعاه ورد عليه جمله، وسمح له بالدراهم. استدلوا بهذا الحديث على جواز الشرط في البيع؛ وذلك لأن جابراً اشترط بقاءه عنده إلى المدينة ليحمل عليه متاعه. وفيه دليل على جواز المماكسة، فإنه لما امتنع من بيعه كرر عليه وقال: (بعنيه) مرة بعد مرة، فتجوز المماكسة، يعني: المراجعة في البيع. وفيه دليل على أنه ﷺ قد رفق بـ جابر؛ حيث رد عليه جمله لما رأى حاجته إليه، فأفاد ذلك أنه يجوز البيع والشراء، وأنه يجوز الاستثناء في البيع والشرط، واستثناء المنفعة فيه.

стр. 687

شرح حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ) حديث أبي هريرة اشتمل على خمس جمل: الجملة الأولى: قوله: (لا يبع حاضر لبادٍ) . والحاضر: هو القروي، والباد: هو البدوي، فالمقيم في البلد يسمى: حاضراً، والمقيم في البر المتنقل يسمى: بادياً. والمعنى: أنه لا يبيع المقيم للمسافر، بل يترك المسافر يبيع ويشتري لنفسه. وقد تقدم مثل هذا الحديث، وفيه قول ابن عباس: (لا يكون له سمساراً) والسمسار: هو الدلال أو ما يسمى: الواسطة، وعلل في بعض الروايات بقوله: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) . وبين العلماء ما يشترط لذلك: الشرط الأول: أنه يبطل إذا قدم البادي بسلعته لبيعها، أما إذا قدم بها ليخزنها فلا بأس أن يأتيه الحاضر ويشير عليه ببيعها للتوسعة على الناس. الشرط الثاني: أن يقصده الحاضر في بيته، أو في منزله ويقول له: دعني أبيع لك سلعك، فإني أعرف بالسلع، أما إذا كان البادي هو الذي قصد الحاضر وقال: بعه لي، فإني لا أعرف، فلا مانع من ذلك، يعني: إذا قدم البادي لبيعها، وكان يريد أن يبيعها بالسعر الحاضر لا أن يتأنى بها، أما إذا كان يريد التأني بها ولا يبيعها إلا بعد أيام فلا بأس أن يتدخل الحاضر. الشرط الثالث: أن يكون الناس محتاجين إلى تلك السلع، أما إذا كان أمثالها كثير في الأسواق، فلا بأس أن يتدخل الحاضر وأن يبيعها. قال الفقهاء: يبطل البيع إذا قدم البادي لبيعها بسعر يومها جاهلاً بسعرها، وبالناس حاجة إليها، فلا يجوز حينئذ للحاضر أن يتلقاه.

стр. 688

حكم النجش في البيع الجملة الثانية: النهي عن النجش. النجش هو: أن يزيد الرجل في السلعة وهو لا يريد شراءها، فإذا كانت السلعة تباع بالمزاد العلني فجاء وأخذ يزيد فيها، فلا يجوز، وقد يعمل هذا ويقصد نفع البائع، أو إضرار المشتري. مثلاً: عرضت الأرض أو السيارة للبيع بالمزاد العلني، فرآك تزيد فيها راغباً فيها، فأخذ يزيد عليك، فكلما زدت مائة زاد مائة أو مائتين، حتى زادت على القدر المعتاد، ويقصد بذلك أن يضرك أيها المشتري؛ لأنه عرف أنك تريدها، أو يقصد زيادة الثمن للبائع ليكثر الثمن الذي يُبذل له، فهذا يسمى: النجش، وقد نهى النبي ﷺ عن النجش وقال: (لا تناجشوا) . وقد ذكر العلماء: أنه إذا زاد الناجش زيادة زائدة على الثمن المعتاد، وعلم المشتري أن هذا الناجش ليس له غرض في شرائها، فإنه يخير بين أن يبقى على الثمن الذي دفعه وبين أن يردها، فإذا علم أنه زاد وهو لا يريدها فله أن يردها ويأخذ ثمنه، ويقول: إنني قد غُبنت فيها، وزاد علي من ليس له نظر فيها، واعتقدت أنه صادق في أنها تساوي ذلك، وإذا هو كاذب.

стр. 689

حكم البيع على بيع الغير الجملة الثالثة: قوله ﷺ : (لا يبع بعضكم على بيع بعض) . صورة ذلك: إذا كنت تبيع سلعاً وجارك يبيع مثلها، ورأيت إنساناً عند جارك قد اشترى ثوباً -مثلاً- بعشرة، وما بقي إلا أن يدفع الثمن، فأشرت إليه أن يأتي إليك، وقلت له: ائتني؛ فأنا أبيعك بأرخص، أنت اشتريت الثوب بعشرة وأنا أعطيك مثله بثمانية، فتُعتبر في هذه الصورة بعت على بيع أخيك. أو مثلاً: رأيت إنساناً قد اشترى ثوباً بعشرة، وما بقي إلا أن يبيعه صاحب الثوب ويسلم له الثوب، فقلت لصاحب الثوب: لا تبعه؛ أنا أعطيك فيه اثني عشر، وقصدك بذلك أن تفسخ هذا البيع، وأن تفسده. والعلة في ذلك: أنه سبب للبغضاء والحقد بين المسلمين، فجارك هذا سيحقد عليك، ويقول: كلما بعت سلعة أفسد علي بيعتي، ودعا الزبائن وأخذهم علي، وباع لهم، وقد تكون سلعة أقل قيمة من سلعتي، فعند ذلك تحصل العداوة، وتحصل البغضاء بين المسلمين. ولا شك أن ذلك مما ينهى عنه؛ لما يسببه من العداوة، والمطلوب بين المسلمين التآخي والتحاب، وأن يبتعدوا عن كل خصلة تسبب العداوة والمقاطعة. فإذا رآك أخوك تفسد عليه بيعه، أو تفسد عليه شراءه، حقد، وحنق عليك، وأبغضك، وأخذ كل منكما يسب الآخر، هذا هو سبب النهي عن كونك تبيع على بيعه أو تشتري على شرائه.

стр. 690

حكم الخطبة على خطبة الغير الجملة الرابعة: قوله ﷺ : (ولا يخطب على خطبة أخيه) . الخطبة بكسر الخاء: هي خطبة المرأة، وذلك بأن تعلم أنه قد خطب فلانة بنت فلان، وأن أهلها قد قبلوه، أو لم يقبلوه ولكن توقفوا للسؤال عنه، فتأتي إليهم وتخطب أنت منهم، وتقول: أنا أعطيكم أكثر مهراً، أو أنا أحسن منه جمالاً، أو أحسن منه خلقاً، أو أفضل منه رتبة، أو علماً، أو نحو ذلك، فإذا أتيتهم قبلوك أنت، وردوا أخاك الذي سبقك بالخطبة. ولا شك أنه إذا علم بأنك قد أفسدت عليه حنق عليك وحقد، وصارت بينكما الشحناء والبغضاء. والواجب: إذا علمت بأنه قد خطبها إنسان قبلك فليس لك أن تتقدم عليه، ولا أن تخطب على خطبته، إلا إذا أذن لك، أو رده أهلها، فإذا ردوه وقالوا: لا نقبلك، أو لم تقبلك المرأة، فعند ذلك تقدم، أو أذن لك وقال: أنا خطبت، يمكن أن يقبلوا ويمكن ألا يقبلوا، فأنت مباح لك أن تخطبها، فيمكن أن يقبلوا ويمكن ألا يقبلوا، أي: أنك أنت وهو سواء في الخصال، يعني: كل منكما فيه من الخصال التي تؤهله للقبول أو عدم القبول ما هو معروف، فلا بأس في ذلك. فالحاصل: أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه إلا بعد أن يرد، أو بعد أن يأذن.

стр. 691

حكم طلب المرأة طلاق ضرتها الجملة الخامسة والأخيرة: (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها) . يتصور هذا فيما إذا خطب رجل امرأة وعنده زوجة، فقالت له: لا أتزوجك إلا أن تطلق امرأتك، فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنها تفرق بين زوجين متآلفين، وليس لها ذلك، بل إما أن تتزوجه وإما أن ترده، إما أن تتزوجه على ما هو عليه، وإما أن تقول: لا حاجة لي فيك، أو لا أريدك، فأما أن تقول له: طلق امرأتك، فهذا لا يجوز. ومثله أيضاً: لو أن امرأة اتصلت بك، وقالت لك: أنا أريدك زوجاً، وذكرت لك جمالها، ومالها، وحسبها، ونسبها، وشرفها، وشبابها، وما أشبه ذلك، ومدحت لك نفسها، وقالت لك: طلق امرأتك حتى أتزوجك، فهذه عرضت عليك نفسها وطلبت منك أن تتزوجها، واشترطت أن تطلق امرأتك التي قبلها، فلا شك أن هذا لا يجوز؛ وذلك لأنها تسبب الفرقة بين الزوجين، ولا يجوز لها أن تفعل هذا الفعل، بل إذا رغبت في الرجل تزوجته على ما هو عليه، ولها نصيبها، وإذا لم ترغبه توقفت فيه، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] .

стр. 692

شرح عمدة الأحكام [٤٩] الربا كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وله صور كثيرة، ولذا يجب على كل من يتعامل بالبيع والشراء والصرف والقرض أن يعرف الربا وأحكامه، حتى لا يقع فيه فيقع في اللعنة والإثم.

стр. 693

أحكام الربا والصرف قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الربا والصرف: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) ،وفي لفظ: (إلا يداً بيد) ،وفي لفظ: (إلا وزناً بوزن، مثلاً بمثل، سواء بسواء) ] . هذا الباب يتعلق بالربا والصرف، والربا لغة: الزيادة والنمو، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] يعني: نمت، ومنه: تسمية المرتفع من الأرض: الربوة، قال تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] فالربوة: هي المكان المرتفع الذي نبا عن غيره وربا عما سواه، وكذلك قوله تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة:٢٦٥] أي: بمكان مرتفع. والربا في الاصطلاح: هو زيادة في شيء مخصوص، أي: من المعاملات. وأصله: أن أهل الجاهلية كانوا يتعاملون بالبيع والشراء ونحوه، فإذا حل الدين قالوا لصاحبه: إما أن تعطي، وإما أن تربي الدين الذي عليك، فإما أن تسلمه لنا الآن وإلا تركناه وزدنا عليك فيه، فإذا كان -مثلاً- ألفاً نؤجله سنة أخرى ونصيره ألفاً ومائتين مثلاً، فإذا حل الألف والمائتان جاء إليه في السنة التي بعدها فقال: إما أن تعطي وإما أن تربي، فإذا لم يجد قال: أزيده ثلاثمائة ليصبح ألفاً وخمسمائة، فإذا حلت جاء إليه وقال: إما أن تعطي وإما أن تربي، فإذا لم يجد زاده مثلاً أربعمائة ليصبح ألفاً وستمائة وهكذا يزداد الدين في ذمة المدين ويترابى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] أي: أنه يتضاعف شيئاً فشيئاً؛ لأنه في كل سنة يزداد ذلك الربا الذي في الذمة، فلأجل ذلك حرمه الله؛ وذلك لما فيه من الإضرار على أولئك المساكين الذين في ذمتهم ذلك المال وذلك الدين، فإنه يُزاد عليهم وهم لم ينتفعوا بشيء، بل يتضاعف عليهم. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] أي: ليكثر في أموال الناس؛ فيعطيه -مثلاً- مائة ويقول: أكتبها عليك بمائة وعشرة، فإذا حلت وأخره قال: هي عليك بمائة وعشرين، أو بمائة وثلاثين، ثم بمائة وخمسين وهكذا يربو في أموال الناس، ويزيد في أموالهم شيئاً فشيئاً، هذا هو الأصل في الربا.

стр. 694

أقسام الربا ذكر العلماء أن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا فضل، وربا نسيئة. وربا النسيئة هو الذي كان مشهوراً قبل الإسلام، وهو: مشتق من النسء الذي هو: التأخير؛ من نسأ الشيء، يعني: أخره؛ وذلك لأنهم يقولون: ننسأ الدين، يعني: نؤخره ونزيد في قدره، مثلاً يقولون: نعطيك هذا الصاع ونجعله بصاعين مؤخرين، أو نعطيك هذه المائة ونجعلها بمائة وخمسين أو بمائتين إلى أجل، وهذا هو ربا النسيئة. وصورة ذلك: أن يعطيه هذا المال ويجعله بزيادة، كأن يقول: أعطيك ألفاً وأكتبها عليك بألف ومائتين ديناً مؤجلاً لمدة شهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فهذا ربا نسيئة. كذلك ربا الفضل: جاءت الأحاديث بالمنع من ربا الفضل، وأنه داخل في النهي الذي أكده الله؛ وذلك لأن الله عظم شأن الربا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وتوعد الله عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] وهذا وعيد للكفار، فيدل على أنه من كبائر الذنوب، وأن أصحابه يدخلون النار إلا أن يتوبوا؛ ولأجل ذلك جعله النبي ﷺ من السبع الموبقات كما قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا) إلى آخره، فجعل أكل الربا من السبع الموبقات اعتماداً على هذه الآية؛ حيث توعد الله عليه بالنار. وأخبر النبي ﷺ بلعن من تعاطاه أو أعان عليه، فقال: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) يعني: أنهم تعاونوا عليه.

стр. 695

سبب تحريم الربا شدد العلماء في الربا، واستدلوا بالأدلة التي تحذر منه، وتحرض على الابتعاد عنه، والتحفظ عن تعاطيه. ولعل السبب: أنه ظلم للعباد، وبالأخص يُظلم به الفقراء والمستضعفون، وسواء كان ربا الفضل أو ربا النسيئة الذي هو ربا الجاهلية، فكلاهما ظلم للفقراء، وتكثير للديون عليهم، وإضرار بهم لا سيما في وقت الحاجة.

стр. 696

حكم الصرف أحاديث الباب تتعلق بربا الفضل، وتتعلق بالصرف، وهو أحد قسمي الباب، فإن الباب معقود للربا والصرف. والصرف هو: بيع نقد بنقد، والنقود تختلف، ففي هذه الدولة نقدان أصليان؛ نقد من الذهب؛ وهو: الجنيه السعودي، ونقد من الفضة؛ وهو: الريال السعودي، أو ما يقوم مقامه من الأوراق النقدية، والنقد الثالث الذي هو الفلوس أو القروش ملحق أيضاً بالنقد الفضي؛ وذلك لأنه بدل عنه، أو قائم مقامه، أو فرع عنه. فبيع نقد بنقد يسمى: صرفاً، فلابد فيه من التقابض؛ بأن يكون يداً بيد، فإذا اشتريت جنيهاً بدراهم، فلابد من التقابض؛ لأن الجنيه يكون معمولاً من الذهب، وجميع الذهب يكون ربوياً، والعلة فيه هي العلة في الجنيه وفي الدينار، فلا يباع الذهب إلا يداً بيد إذا بيع بفضة أو بنقد آخر. وفي الحقيقة: الكلام في مثل هذا قد يحتاج إلى إطالة، والمهم أن نعرف أنك -مثلاً- إذا اشتريت ذهباً فإنك تشتريه يداً بيد، فإن بقي عليك شيء فإنك تأخذه على أنه ذهب، لا على أنه دراهم. مثال ذلك: إذا اشتريت أسورة من الذهب التي تُجعل في اليدين، أو قلائد تُجعل في الرقبة، أو أقراطاً تُجعل في الأذن، أو خواتيم تُجعل في الأصابع، أو ما أشبهها من الذهب المصوغ الذي قد أصبح حلياً يتحلى به، فإذا اشتريته وقيمته -مثلاً- عشرة آلاف، ووزنه -مثلاً- ثلاثمائة جرام، ولم تجد معك إلا نصف الثمن، فالبائع لا يقول: في ذمتك ثلاثمائة جرام، بل يكتب: في ذمتك مائة وخمسون جراماً، فإذا أتيت لتقضيه ووجدت الذهب قد رخص فإنك تشتريه جديداً برخص، وإن كان قد ارتفع وغلي فإنك تشتريه شراءً جديداً ولو كان في ذمتك، ولو كان في بيتك، فتقول: عندي لك مائة وخمسون جراماً من الذهب، وهذه قيمتها معي، فإذا قال: ارتفعت قيمتها عن الأمس أو انخفضت، فتجددون لها قيمة، وهذه هي السلامة من بيعها بثمن مؤجل؛ وهذا معنى قوله: (لا تبيعوا منها غائباً بناجز) يعني: إذا كان الذهب غائباً وبعتموه بناجز، أو الفضة غائبة وبعتموها بناجز كان ذلك ربا. وأما إذا كان أحدهما في الذمة، فإنه يجوز المحاسبة والبيع عنه، ولهذا جاء في حديث ابن عمر: (كنا نبيع الإبل بالبقيع، فنبيع بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، فقال النبي ﷺ : لا بأس، ما لم تفترقا وبينكما شيء) فهذا صرف بعين وذمة، فأصبح ذلك جائزاً. وأما قوله: (لا تشفوا بعضها على بعض) فإنه قال ذلك في الذهب، وكذلك في الفضة، أي: لا تبيعوا منها كثيراً بقليل، والشف بمعنى: الزيادة، فقوله: (لا تشفوا) يعني: لا تزيدوا، فلا تبيعوا -مثلاً- حلياً قديماً بحلي جديد أكثر قيمة، فلا تقل مثلاً: هذا حلي وزنه عشرون قيراطاً ولكنه مستعمل، بعني بدله خمسة عشر قيراطاً جديداً، فإن هذا لا يجوز، بل لابد أن يكون مثلاً بمثل، عشرين وعشرين، وإذا لم يوافق صاحب الذهب فإنك تبيعه المستعمل بدراهم، ثم تشتري بالدراهم جديداً، فأما أن تقول: حلي بحلي أكثر منه أو أقل فهذا لا يجوز، وهذا معنى قوله: (لا تشفوا بعضها على بعض) وهذا في الذهب، وهو كذلك في الفضة؛ لأن الفضة يصنع منها أيضاً حلي، فتصنع خواتيم من الفضة، وتصنع أيضاً خلاخل من الفضة، وتصنع أيضاً أسورة من الفضة، ومع ذلك قد تباع بالفضة النقدية، وبالريال النقدي الذي هو فضة، أو ما يقوم مقامه من الأوراق النقدية، ومع ذلك لا يجوز أن يباع إلا مثلاً بمثل أو بقيمته. أما بيعه بالعروض فلا بأس أن يباع بالعروض ولو غائبة، فلو مثلاً: كان هناك حلي وزنه -مثلاً- عشرون قيراطاً، فاشتريته بخمسة أكياس أرز، فإنه يجوز ولو كان الأرز غائباً؛ لأنه ليس من جنسه.

стр. 697

الأصناف الربوية ذكر العلماء أن ربا الفضل ورد في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، هكذا ورد في حديث عبادة، ومعناه: أنه لا يجوز أن يباع صاع بر بصاعين، أو صاع تمر بصاعي تمر، ولو كان يداً بيد؛ وذلك لأنه فيه ربا، والربا هنا: هو الزيادة، فهذا صاع بصاعين، وقد نهى عنه النبي ﷺ ، كما جاء عنه أنه: (أرسل مرة بلالاً ليأتيه بتمر من تمر خيبر، فجاءه بتمر جنيب -يعني: جيد-وقال: إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة -نشتري صاعاً جيداً بصاعين رديئين- فقال: هذا عين الربا، إذا أردت أن تشتري من الطيب فبع التمر الذي معك -التمر الرديء- بدراهم واشتر بالدراهم تمراً جنيباً) ، وكذلك سائر أنواع الربويات، فإذا كان عندك -مثلاً- بر رديء وتريد برأ طيباً فبع الرديء بدراهم، ثم تشتري بالدراهم جيداً. ويلحق به أيضاً كل المكيلات، فالأرز مثلاً يختلف، فقد يكون عندك أرز رديء وأنت بحاجة إلى أرز جيد، فتبيع الرديء بدراهم، وتشتري بالدراهم من الذي تريده. ومثله التمر، لا يجوز أن تبيع صاعاً من تمر بصاعين، ولا كيلو بكيلوين. ومثله الزبيب، لا يجوز أن تبيع زبيباً كيلو بكيلوين. وهكذا المكيلات كلها: الذرة، والدخن، والعدس، والفول، والبن، والقرنفل، والهيل، وما أشبهها، لا يجوز أن يباع منها شيء إلا مثلاً بمثل، وإن كان الناس لا يتعاملون بذلك عادة، لكن ينهى عن ذلك. مثلاً: الإنسان قد يكون عنده كيلو من الهيل الرديء، وهناك أناس آخرون يريدونه لأنه أرخص، فيقولون: أعطنا هذا الكيس الرديء بنصف كيس جيد، فيقال: لا، وإنما بعه بدراهم واشتر بالدراهم من الجيد الذي تريده. وهكذا كل شيء يوزن ويباع بالوزن، مثل: اللحوم، والحديد، والقطن، والموزونات الأخرى بأنواعها، فلا شك أن فيها علة الربا، فيقال: كل شيء يكال فإنه لا يباع إلا مثلاً بمثل، وكل شيء يباع وزناًَ فإنه لا يباع إلا مثلاً بمثل، وأما الذي لا يكال ولا يوزن كالأقمشة، فهذه لا بأس بها، فيجوز أن تبيع ثوباً بثوبين. وكذلك الذي يباع بالعدد، كالخضار التي تباع بالعدد، كالقرع والبطيخ، يجوز أن تبيع واحدة باثنتين أو بثلاث؛ وذلك لأنه ليس بمكيل ولا بموزون؛ ولأنه يتسامح فيه. وورد مثل ذلك أيضاً في بيع الحيوان، ورد أنه يجوز أن تبيع شاة بشاتين؛ لأنها قد تتفاوت، ولا يكون ذلك ربا. فالحاصل: أن هذه العلة، وهي: كون الشيء يكال أو يوزن أصلاً لا يجوز بيع جنسه بجنسه إلا يداً بيد، ومثلاً بمثل، أما إذا بيع بغير جنسه فيشترط فيه التقابض، لقوله ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) فإذا بعت تمراً بزبيب جاز التفاوت ولزم التقابض، فتقول مثلاً: بعتك كيلو زبيب بثلاثة كيلو تمر، لكن هاء وهاء؛ يعني: خذ وأعط، وهذا هو معنى قوله: (هاء وهاء) يعني: حاضر بحاضر، فلا يباع غائب بناجز، وكذلك مثلاً: بر برز، يجوز أن يباع صاع بصاعين، وكذلك بر بشعير، يجوز أن يباع صاع بصاعين، ولكن لابد أن يكونا حالين حاضرين (هاء وهاء) حتى لا يكون في البيع ربا النساء الذي هو التأخير. فنتفطن لهذا؛ حتى لا نقع فيه ونحن لا نشعر.

стр. 698

شرح حديث: (جاء بلال إلى النبي ﵊ بتمر برني) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاء بلال إلى الرسول ﷺ بتمر برني، فقال له رسول الله ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوه أوه! عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به) . وعن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ عن الصرف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، وكلاهما يقول: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق ديناً) . وعن أبي بكرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواءً بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يداً بيد، فقال: هكذا سمعت) ] .

стр. 699

حكم شراء تمر بتمر آخر أكثر منه أو أقل هذه الأحاديث تتعلق بربا الفضل وتتعلق بالصرف، أما الربا فقد عرفنا أنه ينقسم إلى: ربا فضل، وربا نسيئة، وهذه الأحاديث تتعلق بربا الفضل. الحديث الأول: فيه قصة وهي: أن بلالاً قبض تمراً من خيبر من نصيب المسلمين، ولما قبضه جاء إلى النبي ﷺ بتمر جيد، فاستغرب من أين هذا التمر؟ وكأنهم يعرفون أن تمر خيبر الذي يقبض من أهلها مجموع ومخلوط رديء وجيد، ولكن استنكر هذا التمر الجيد، فقال بلال: (إني اشتريت صاعاً بصاعين من هذا؛ لأجل إطعامك من التمر الجيد والطيب، فعند ذلك قال: (أوه) ، وهي كلمة يعبر بها عن الإنكار، أي: أنكر عليه، ثم قال: (عين الربا) ، أي: هذا عين الربا، ويسمى ربا الفضل، وأمره بعد ذلك أن يبيع التمر الرديء بدراهم، ثم يشتري بالدراهم من التمر الطيب؛ حتى يسلم من الربا. فكونه يأتي إلى بائع التمر الجيد ويقول: بعني صاعاً بصاعين، فهذا رباً؛ لأن التمر لا يجوز أن يباع بتمر، إلا مثلاً بمثل، ولو اختلفت القيمة. وهذا -أيضاً- يدخل فيه جميع الربويات، فالبر بالبر لا يجوز أن تبيع منه صاعاً بصاعين، ولا صاعاً من أرز بصاعين، ولو كان أحدهما أغلى ثمناً، فإذا كان عندك رزٌ رديء وتريد رزاً جيداً فبع الرديء بالدراهم ثم اشتر ما تشاء، وكذلك جميع المكيلات وجميع الموزونات، لا يباع جنساً بجنسه إلا مثلاً بمثل، أو أن تبيع الرديء بدراهم وتشتري بالدراهم ما تريده من الجيد، هكذا اتفقت هذه الأحاديث.

стр. 700

كيفية التعامل الشرعي في الأصناف الربوية تقدم قوله ﵇: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، يداً بيد) إلخ، وقوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا هاء وهاء) يعني: خذ وأعط، يداً بيد، مثلاً بمثل. وكذلك الفضة بالفضة، لا تباع إلا مثلاً بمثل يداً بيد؛ وذلك حتى لا يكون فيها تفاوت، فيشترط في المثليات التماثل والتقابض، وفي غيرها التقابض. وبيع الجنس بجنسه، متساوياً أو متفاضلاً قد يكون قليلاً، ولكن الذي يقع الناس فيه كثيراً هو بيعه بغير جنسه من المكيلات، فلابد فيه من التقابض وإن لم يكن هناك تساوي، فإذا بيع -مثلاً- لحمٌ بلحم فلابد من التقابض، فبيع لحم إبل بلحم غنم يجوز فيه التفاوت، فيجوز رطل غنم برطلين من لحم الإبل، لكن لابد أن يكون يداً بيد، وكذلك المكيلات يجوز بيع صاع بر بصاعين من الشعير أو بصاعين من الأرز؛ وذلك لأنهما جنسان، فيجوز صاع بر بصاعين شعير أو نحوه، أو صاع أرز بصاعين شعير؛ وذلك لأنهما جنسان، ولكن لابد من التقابض قبل التفرق، ولابد أن يكون يداً بيد، وكذلك بقية المكيلات المختلفة. فمثلاً: قد تحتاج إلى زبيب وليس عندك دراهم، فتشتري الزبيب بالتمر، فتشتري -إذا كان بالكيل- صاع زبيب بصاعين من التمر، أو بالوزن رطل زبيب برطلين من التمر، يجوز ذلك، ولكن بشرط أن يكون يداً بيد، فلابد من التقابض، وهكذا يقال في سائر المبيعات التي هي من الأجناس. وقد عرفنا أن الذي يدخله الربا ما كان مكيلاً أو موزوناً، وأما الأشياء التي لا توزن عادةً ولا تكال فلا بأس من التفاوت فيها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشاً للغزو، لعل عددهم كان -مثلاً- ستمائة، وكانت الإبل التي عندهم قدر أربعمائة أو خمسمائة، لا تكفي هذا الجيش الذي يريد الغزو، فقال له ﷺ : (اشتر على إبل الصدقة) ، وإبل الصدقة قد تأتي بعد نصف سنة أو بعد ثمانية أشهر، فلم يجد بدّاً من أن يشتري من الناس، فصار يشتري البعير بالبعيرين من إبل الصدقة، حتى اشترى ما جهز به بقية ذلك الجيش. فدل هذا على أنه يجوز أن يشترى البعير بالبعيرين، ولو كان أحدهما غائباً؛ لأن إبل الصدقة غائبة، فعلى هذا يجوز أن تشتري شاة بشاتين سواء كانت حاضرة أو غائبة، وفرساً بفرسين، وكذلك في الأدوات سيارة بسيارتين، وكذلك في الأكسية ثوباً بثوبين حاضراً أو غائباً؛ لا بأس في ذلك كله؛ لأنه ليس مما يدخله الربا.

стр. 701

كيفية التعامل الشرعي في الصرف القسم الثاني في الباب هو: الصرف؛ فإن الباب معقود بأمرين: الربا والصرف، ولا شك أن الصرف يكون فيه ربا، والصرف هو: بيع نقد بنقد، وبيع النقود بالنقود كثيراً ما يحصل بينها تفاوت، ولو كان مسماها واحداً؛ فإن الزمن القديم كانت العملات تصنع من الذهب والفضة، فكل شيء يصنع من الذهب يسمى ديناراً، وما صنع من الفضة يسمى درهماً، وما صنع من النحاس يُسمى فلساً، وجمعه فلوس، ودانق جمعه دوانق، وكلها يتعامل بها إلا أن بعضها أقل قيمة، فالفلوس أقل قيمة من الدراهم، والفلوس تكون من النحاس، والفضة تكون منها الدراهم، وهي أقل قيمة من الدنانير التي هي من ذهب. فعلى هذا احتيج إلى صرف هذه الأشياء بعضها ببعض، فيأتي الإنسان بالفلوس التي تصنع من النحاس، ومثلها أيضاً في هذه الأزمنة القروش التي تصنع من المعدن إلى إنسان آخر ويقول: أصرفها لي بدراهم من الفضة، أو يأتي صاحب الفضة بالدراهم ويقول: أريد أن تصرفها لي بفلوس، ومعلوم التفاوت بينها، فمثلاً: قد تكون عشرون قرشاً بريال، أو أربعون فلساً بدرهم، فيجوز أن تكون أربعون بواحد؛ لأن هذا نوع وهذا نوع، ولكن لابد من التقابض، بأن يكون يداً بيد. وكذلك الذهب مع الفضة، فالفضة دراهم، والذهب دنانير، فيأتي صاحب الدينار ويقول: اصرف لي هذا الدينار بدراهم فيقول: قيمته عشرة دراهم أو عشرون درهماً، فيقال: لابد من التقابض يداً بيد، هذا هو حكم صرف النقود بعضها ببعض. وفي هذه الأزمنة حلت محلها هذه الأوراق النقدية التي قامت مقام الفضة في جميع الدول إلا ما شاء الله، ولما قامت مقامها أصبحت نقداً، ومعلوم أن الأوراق لا قيمة لها، ولولا أن الحكومات أكدت التعامل بها وجعلتها قائمة مقام الفضة لما قبلت، وهذه الحكومات جعلت عندها رصيداً لها من الفضة أو من الذهب، فعلى هذا تأخذ حكم الفضة في كونها يتعامل بها كما يتعامل بالفضة، ويدخلها من الصرف ما يدخل الفضة، فلابد إذا صرفت بالدراهم أو صرفت بالدنانير من التقابض مع وجود التفاوت ولو اتفقت الأسماء. فمثلاً: عندنا الريال السعودي والريال اليمني والريال القطري، الاسم واحد ولكن بينها تفاوت، فيجوز صرف الريال السعودي بثلاثة أو بأربعة ريالات يمنية أو قطرية، ولكن لابد من التقابض، بأن يكون يداً بيد، هذا معنى قوله: (هاء وهاء) أي: خذ وأعط، فلابد من التقابض قبل التفرق، وكذلك سائر العملات -ولو اختلفت الأسماء- يجوز فيها التفاوت؛ ومع ذلك لابد من التقابض، فعندنا -مثلاً- الدولار الأمريكي والدينار الكويتي أو العراقي، والجنيه المصري أو السوداني، والليرة السورية أو التركية، والربية الهندية، ونحوها، ولا شك أن هذه عملات من أوراق، وهي تتعرض لأن يأتي عليها التلف، فتغرق بالماء، وتحرق بالنار، وتحملها الرياح وتفرقها، ولكن لما كانت عملات قائمة مقام الذهب والفضة جعل لها قيمة، فأخذت مأخذ أصلها وهو الفضة؛ فلزم عند صرف بعضها ببعض من التقابض قبل التفرق. فإذا أردت صرف الريال السعودي بالليرة السورية -مثلاً- فلابد من التقابض، خذ وأعط، أو أردت صرف الجنية السعودي بجنيه مصري فلابد من التقابض مع وجود التفاوت، ولو كان الاسم واحداً والتفاوت كثيراً، ولو كان هذا جنية وهذا جنية فلابد من التقابض قبل التفرق، خذ وأعط. إذاً: صرف العملات بعضها ببعض، لابد فيه من التقابض، وأجاز بعض المشايخ عند الحوالة الاكتفاء بالإسناد أو ما يسمى (الشيكات) ، وجعلوا ذلك قائماً مقام التقابض؛ وذلك لأنه قد لا يتيسر وجود العملة الثانية التي أريد صرفها. فمثلاً: تريد حوالة ريالات سعودية إلى بلاد أخرى كمصر أو سوريا، وقبل أن يرسلوها يحولونها من ريال إلى ليرة أو إلى جنيه، ولا يسلمونك نفس الجنيه المصري، وإنما يقولون: ليس موجوداً عندنا، إنما هو موجود في فرعنا الذي في مصر أو في دمشق، ويسلمون لك شيكاً، فبعض المشايخ جعل هذا الشيك قائماً مقام النقد، وجعله كافياً في القبض، وتساهلوا في ذلك لوجود المشقة. وبعضهم يقول: إذا أردت الحوالة فاجعلها عندهم أمانة، فمثلاً: إذا أردت أن تحول خمسة آلاف ريال سعودي إلى مصر فإنهم يقبضون منك الخمسة الآلاف ويعطونك سنداً بأن عندنا خمسة آلاف لفلان يقبض قيمتها في القاهرة، وقد تكون الخمسة الآلاف يوم الحوالة -مثلاً- بثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه مصري، فذهبت بعد خمسة أيام إلى فرعهم في مصر، وقلت: عندكم لي خمسة آلاف ريال سعودي، أعطوني بدلها جنيهات مصرية، فقبل خمسة أيام قيمتها ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقالوا: الآن قيمتها قد نقصت، فلا تساوي الخمسة الآلاف إلا ثلاثة آلاف، فماذا تقبض منهم؟ هل تقبض ثلاثة آلاف ونصف الذي هو سعرها عندما سلمت لهم الخمسة الآلاف أو ليس لك إلا سعرها في الوقت الحاضر الذي سلُمت لك وهو ثلاثة آلاف؟ الجواب ليس لك إلا سعرها في الوقت الحاضر. وكذلك لو ارتفعت: فلو أعطيتهم خمسة آلاف وقيمتها في ذلك اليوم ثلاثة آلاف، وذهبت إلى المصرف ووجدت قيمتها أربعة آلاف، فلك أربعة آلاف جنيه، يعني: لك قيمتها في وقت القبض، وبهذا يسلم المسلم من الربا. فإذا حولت دراهم إلى بلاد أخرى فيها الجنيه أو فيها الليرة أو نحو ذلك فحولها بالريالات السعودية، ثم هناك يقبضونها بقيمتها، لكن قد يقول أهل المصارف: لا يمكن أن نرسلها بدون مصلحة؛ بل نحن نريد المصلحة، فنقول: لا شك أنكم تأخذون مصلحة؛ فإنهم يأخذون مصلحة حتى في البلد الواحد، فأنت -مثلاً- لو كان معك جنيه سعودي وأتيت به صاحب المصرف لقال: آخذه منك بخمسمائة، فإذا أخذت الخمسمائة، ورجعت إليه بعد يوم وقلت: بعني جنيهاً فسيقول: أبيعك بخمسمائة وخمسين؛ لأنه ما صرف عليك إلا ليربح، فقد يشتريه منك بأربعمائة وخمسين، ويبيعك أو يبيع غيرك بخمسمائة وهكذا، فأهل المصارف لابد أنهم يربحون، سواءً ربحوا هنا أو ربحوا هناك، فالمصلحة لهم، وبهذا يسلمون من الربا في الصرف.

стр. 702

حكم بيع الذهب المصوغ بآخر غير مصوغ أو العكس بيع الذهب المصوغ مشتهر، ومعلوم أن الذهب المصوغ والفضة المصوغة لها قيمة تزيد على قيمتها عندما كانت غير مصوغة؛ لأنه لا شك أن الصياغة لها قيمة، فأنت -مثلاً- إذا كان عندك قطع أو سبائك ذهب وجئت إلى الصائغ وأمرته أن يصوغها لك حلياً: قلائد، أسورة، خواتيم، أقراطاً، أو أي شيء مما يتحلى به؛ فلا شك أنه لا يصوغه إلا بمصلحة، فيقول: أجرتي على هذا مائة أو ألف، فمثلاً: إذا كان قيمته عشرين ألفاً فقد يأخذ عليه -مثلاً- ألفاً مقابل الصياغة، فإذا أردت بيعه بذهب فنقول: بعض العلماء يجوز بيعه بذهب زائد على وزنه، فإذا كان وزنه -مثلاً- ربع كيلو، وتريد أن تبيعه بذهب مضروب جنيهات؛ فيجوز أن تزيد فيه، وقد تقول: هذا ما يستعمل إلا نقوداً، ولكن الصحيح: أنه لا يباع إلا بمثله، وإذا أراد الفائدة فيبيعه بغير جنسه، يبيعه بفضة أو يبيعه بأوراق نقدية أو نحو ذلك. وهكذا أيضاً كثيراً ما يحدث شراء الحلي بثمن مؤجل، وهذا لا يجوز، فالحلي من النقود أصله نقود، فلا يجوز بيعه إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، لكن إذا لم يكن معك نقود كافية، ودخلت تشتري قلائد أو نحوها، ووجدت وزنها -مثلاً- مائة جرام، وقيمتها عشرون ألفاً، فنظرت وإذا معك عشرة آلاف، فأخذت القلائد التي وزنها مائة جرام وأعطيته عشرة آلاف، فقال البائع: أين العشرة الأخرى؟ فقلت: ليست معي، فماذا يكتب في ذمتك؟ لا يكتب: في ذمتك عشرة آلاف، بل يكتب: في ذمتك مائة جرام من الذهب عيار كذا وكذا، سباكة كذا وكذا، فإذا أتيته بالقيمة بعد خمسة أيام فوجدت أن خمسين جراماً قيمتها اثنا عشر ألفاً أو قيمتها ثمانية آلاف فلا يستحق عليك إلا ثمنها وقت الوفاء، فاكتبها في ذمتك ذهباً ولا تكتب دراهم حتى لا يكون بيع ذهب بفضة مع عدم التقابض، فيكون في ذمتك ذهب، فبهذا يسلم المتبايعان من الوقوع في المخالفات.

стр. 703

شرح عمدة الأحكام [٥٠] من يسر الشريعة الإسلامية أنها وسعت المعاملة بين الناس وسهلتها، ووضعت لها الضوابط التي تبين الحلال من الحرام فيها، وكذلك وضعت أحكاماً يحفظ بها الحق لصاحبه، ومن ذلك الرهن، فإن به يضمن صاحب المال ماله، وفيه أيضاً التوسعة على الناس في المداينة فيما بينهم.

стр. 704

أحكام الرهن

стр. 705

تعريف الرهن وبيان الحكمة من مشروعيته قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الرهن وغيره: عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) ] . هذا الباب عقده المصنف لأحاديث تتعلق بموضوعات من البيوع ونحوه، وبدأ بهذا الحديث الذي يتعلق بالرهن، والرهن معروف ذكره الله تعالى في القرآن فقال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، وقرأها بعضهم: (فرهن مقبوضة) أي: جمع رهن، وكل شيء يمسك لأجل حق من الحقوق يسمى رهناً، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] أي: مرهونة بكسبها. والإنسان قد يحتاج إلى سلعة يشتريها وليس معه ثمنها، وصاحبها لا يريد أن يفرط في دراهمه أو في قيمة سلعته، فيقول له: أطلب منك رهناً أتوثق به أنك تُسلِّم الدين إذا حل، أو إذا وجدته، فالرهن: وثيقة يمكن أخذ المال أو ثمن المبيع منها أو من ثمنها، فالراهن أعطى هذه السلعة للمرتهن ليتوثق من حقه، فكلاهما منتفع، والراهن قد يصعب عليه أن يجد الثمن أو يجد من يقرضه، أو يجد من يبيعه بمؤجل بدون رهن، والمرتهن قد لا يثق به، فيقول: من المصلحة أني أعطيه هذه السلعة بثمن غائب وأقبض السلعة الأخرى وثيقةً إذا حل الدين؛ إما أن يوفيني وإما أن أبيعها وأقبض دراهمي من ثمنها، هذا هو الأصل. ولا شك أن الله تعالى شرعه للتوسعة على الطرفين، فالراهن يتوسع حيث إنه قد لا يجد الثمن الآن، ولكن يمكن أن يجده بعد شهر أو بعد شهرين أو بعد سنة، كأن يأتيه من كسب له أو يأتيه من حق له أو يأتيه من حرفة أو من دين أو من مال أو نحو ذلك، فيطلب هذا المال، أو يطلب -مثلاً- طعاماً لأهله، أو كسوة ضرورية لأهله، أو طعاماً لضيف نزل به، أو بيتاً يستأجره، ولا يحد الأجرة، أو ما أشبه ذلك. والمرتهن ينتفع أيضاً، حيث يحصل له زيادة في الثمن لأجل التأجيل، فهو يبيعه هذه السلعة مؤجلة لمدة سنة، وقيمتها -مثلاً- نقداً بمائة ولكن يبيعها له بمائة وعشرة؛ لأجل الدين، ولأجل غيبة الثمن، وحينئذٍ ينتفع بزيادة الثمن ويتوثق بهذا الرهن، فإذا باعك إنسان كيساً قيمته مائة، واشتريته منه بمائة وعشرين لمدة سنة، ورهنته سيفك أو درعك، أو رهنته بيتك أو دابتك أو سيارتك ليتوثق بها، وأنت واثق بأنك ستجد قيمة هذا الكيس بعد شهرين أو بعد سنة أو نحو ذلك، فإذا وجدته دفعت له قيمة الكيس وخلصت رهنك، والبائع انتفع بزيادة ماله، وبقبضه لهذا الرهن الذي هو وثيقة.
следующие страницы →