← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كيفية التعامل الشرعي في الصرف القسم الثاني في الباب هو: الصرف؛ فإن الباب معقود بأمرين: الربا والصرف، ولا شك أن الصرف يكون فيه ربا، والصرف هو: بيع نقد بنقد، وبيع النقود بالنقود كثيراً ما يحصل بينها تفاوت، ولو كان مسماها واحداً؛ فإن الزمن القديم كانت العملات تصنع من الذهب والفضة، فكل شيء يصنع من الذهب يسمى ديناراً، وما صنع من الفضة يسمى درهماً، وما صنع من النحاس يُسمى فلساً، وجمعه فلوس، ودانق جمعه دوانق، وكلها يتعامل بها إلا أن بعضها أقل قيمة، فالفلوس أقل قيمة من الدراهم، والفلوس تكون من النحاس، والفضة تكون منها الدراهم، وهي أقل قيمة من الدنانير التي هي من ذهب. فعلى هذا احتيج إلى صرف هذه الأشياء بعضها ببعض، فيأتي الإنسان بالفلوس التي تصنع من النحاس، ومثلها أيضاً في هذه الأزمنة القروش التي تصنع من المعدن إلى إنسان آخر ويقول: أصرفها لي بدراهم من الفضة، أو يأتي صاحب الفضة بالدراهم ويقول: أريد أن تصرفها لي بفلوس، ومعلوم التفاوت بينها، فمثلاً: قد تكون عشرون قرشاً بريال، أو أربعون فلساً بدرهم، فيجوز أن تكون أربعون بواحد؛ لأن هذا نوع وهذا نوع، ولكن لابد من التقابض، بأن يكون يداً بيد. وكذلك الذهب مع الفضة، فالفضة دراهم، والذهب دنانير، فيأتي صاحب الدينار ويقول: اصرف لي هذا الدينار بدراهم فيقول: قيمته عشرة دراهم أو عشرون درهماً، فيقال: لابد من التقابض يداً بيد، هذا هو حكم صرف النقود بعضها ببعض. وفي هذه الأزمنة حلت محلها هذه الأوراق النقدية التي قامت مقام الفضة في جميع الدول إلا ما شاء الله، ولما قامت مقامها أصبحت نقداً، ومعلوم أن الأوراق لا قيمة لها، ولولا أن الحكومات أكدت التعامل بها وجعلتها قائمة مقام الفضة لما قبلت، وهذه الحكومات جعلت عندها رصيداً لها من الفضة أو من الذهب، فعلى هذا تأخذ حكم الفضة في كونها يتعامل بها كما يتعامل بالفضة، ويدخلها من الصرف ما يدخل الفضة، فلابد إذا صرفت بالدراهم أو صرفت بالدنانير من التقابض مع وجود التفاوت ولو اتفقت الأسماء. فمثلاً: عندنا الريال السعودي والريال اليمني والريال القطري، الاسم واحد ولكن بينها تفاوت، فيجوز صرف الريال السعودي بثلاثة أو بأربعة ريالات يمنية أو قطرية، ولكن لابد من التقابض، بأن يكون يداً بيد، هذا معنى قوله: (هاء وهاء) أي: خذ وأعط، فلابد من التقابض قبل التفرق، وكذلك سائر العملات -ولو اختلفت الأسماء- يجوز فيها التفاوت؛ ومع ذلك لابد من التقابض، فعندنا -مثلاً- الدولار الأمريكي والدينار الكويتي أو العراقي، والجنيه المصري أو السوداني، والليرة السورية أو التركية، والربية الهندية، ونحوها، ولا شك أن هذه عملات من أوراق، وهي تتعرض لأن يأتي عليها التلف، فتغرق بالماء، وتحرق بالنار، وتحملها الرياح وتفرقها، ولكن لما كانت عملات قائمة مقام الذهب والفضة جعل لها قيمة، فأخذت مأخذ أصلها وهو الفضة؛ فلزم عند صرف بعضها ببعض من التقابض قبل التفرق. فإذا أردت صرف الريال السعودي بالليرة السورية -مثلاً- فلابد من التقابض، خذ وأعط، أو أردت صرف الجنية السعودي بجنيه مصري فلابد من التقابض مع وجود التفاوت، ولو كان الاسم واحداً والتفاوت كثيراً، ولو كان هذا جنية وهذا جنية فلابد من التقابض قبل التفرق، خذ وأعط. إذاً: صرف العملات بعضها ببعض، لابد فيه من التقابض، وأجاز بعض المشايخ عند الحوالة الاكتفاء بالإسناد أو ما يسمى (الشيكات) ، وجعلوا ذلك قائماً مقام التقابض؛ وذلك لأنه قد لا يتيسر وجود العملة الثانية التي أريد صرفها. فمثلاً: تريد حوالة ريالات سعودية إلى بلاد أخرى كمصر أو سوريا، وقبل أن يرسلوها يحولونها من ريال إلى ليرة أو إلى جنيه، ولا يسلمونك نفس الجنيه المصري، وإنما يقولون: ليس موجوداً عندنا، إنما هو موجود في فرعنا الذي في مصر أو في دمشق، ويسلمون لك شيكاً، فبعض المشايخ جعل هذا الشيك قائماً مقام النقد، وجعله كافياً في القبض، وتساهلوا في ذلك لوجود المشقة. وبعضهم يقول: إذا أردت الحوالة فاجعلها عندهم أمانة، فمثلاً: إذا أردت أن تحول خمسة آلاف ريال سعودي إلى مصر فإنهم يقبضون منك الخمسة الآلاف ويعطونك سنداً بأن عندنا خمسة آلاف لفلان يقبض قيمتها في القاهرة، وقد تكون الخمسة الآلاف يوم الحوالة -مثلاً- بثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه مصري، فذهبت بعد خمسة أيام إلى فرعهم في مصر، وقلت: عندكم لي خمسة آلاف ريال سعودي، أعطوني بدلها جنيهات مصرية، فقبل خمسة أيام قيمتها ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقالوا: الآن قيمتها قد نقصت، فلا تساوي الخمسة الآلاف إلا ثلاثة آلاف، فماذا تقبض منهم؟ هل تقبض ثلاثة آلاف ونصف الذي هو سعرها عندما سلمت لهم الخمسة الآلاف أو ليس لك إلا سعرها في الوقت الحاضر الذي سلُمت لك وهو ثلاثة آلاف؟ الجواب ليس لك إلا سعرها في الوقت الحاضر. وكذلك لو ارتفعت: فلو أعطيتهم خمسة آلاف وقيمتها في ذلك اليوم ثلاثة آلاف، وذهبت إلى المصرف ووجدت قيمتها أربعة آلاف، فلك أربعة آلاف جنيه، يعني: لك قيمتها في وقت القبض، وبهذا يسلم المسلم من الربا. فإذا حولت دراهم إلى بلاد أخرى فيها الجنيه أو فيها الليرة أو نحو ذلك فحولها بالريالات السعودية، ثم هناك يقبضونها بقيمتها، لكن قد يقول أهل المصارف: لا يمكن أن نرسلها بدون مصلحة؛ بل نحن نريد المصلحة، فنقول: لا شك أنكم تأخذون مصلحة؛ فإنهم يأخذون مصلحة حتى في البلد الواحد، فأنت -مثلاً- لو كان معك جنيه سعودي وأتيت به صاحب المصرف لقال: آخذه منك بخمسمائة، فإذا أخذت الخمسمائة، ورجعت إليه بعد يوم وقلت: بعني جنيهاً فسيقول: أبيعك بخمسمائة وخمسين؛ لأنه ما صرف عليك إلا ليربح، فقد يشتريه منك بأربعمائة وخمسين، ويبيعك أو يبيع غيرك بخمسمائة وهكذا، فأهل المصارف لابد أنهم يربحون، سواءً ربحوا هنا أو ربحوا هناك، فالمصلحة لهم، وبهذا يسلمون من الربا في الصرف.

стр. 702

حكم بيع الذهب المصوغ بآخر غير مصوغ أو العكس بيع الذهب المصوغ مشتهر، ومعلوم أن الذهب المصوغ والفضة المصوغة لها قيمة تزيد على قيمتها عندما كانت غير مصوغة؛ لأنه لا شك أن الصياغة لها قيمة، فأنت -مثلاً- إذا كان عندك قطع أو سبائك ذهب وجئت إلى الصائغ وأمرته أن يصوغها لك حلياً: قلائد، أسورة، خواتيم، أقراطاً، أو أي شيء مما يتحلى به؛ فلا شك أنه لا يصوغه إلا بمصلحة، فيقول: أجرتي على هذا مائة أو ألف، فمثلاً: إذا كان قيمته عشرين ألفاً فقد يأخذ عليه -مثلاً- ألفاً مقابل الصياغة، فإذا أردت بيعه بذهب فنقول: بعض العلماء يجوز بيعه بذهب زائد على وزنه، فإذا كان وزنه -مثلاً- ربع كيلو، وتريد أن تبيعه بذهب مضروب جنيهات؛ فيجوز أن تزيد فيه، وقد تقول: هذا ما يستعمل إلا نقوداً، ولكن الصحيح: أنه لا يباع إلا بمثله، وإذا أراد الفائدة فيبيعه بغير جنسه، يبيعه بفضة أو يبيعه بأوراق نقدية أو نحو ذلك. وهكذا أيضاً كثيراً ما يحدث شراء الحلي بثمن مؤجل، وهذا لا يجوز، فالحلي من النقود أصله نقود، فلا يجوز بيعه إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، لكن إذا لم يكن معك نقود كافية، ودخلت تشتري قلائد أو نحوها، ووجدت وزنها -مثلاً- مائة جرام، وقيمتها عشرون ألفاً، فنظرت وإذا معك عشرة آلاف، فأخذت القلائد التي وزنها مائة جرام وأعطيته عشرة آلاف، فقال البائع: أين العشرة الأخرى؟ فقلت: ليست معي، فماذا يكتب في ذمتك؟ لا يكتب: في ذمتك عشرة آلاف، بل يكتب: في ذمتك مائة جرام من الذهب عيار كذا وكذا، سباكة كذا وكذا، فإذا أتيته بالقيمة بعد خمسة أيام فوجدت أن خمسين جراماً قيمتها اثنا عشر ألفاً أو قيمتها ثمانية آلاف فلا يستحق عليك إلا ثمنها وقت الوفاء، فاكتبها في ذمتك ذهباً ولا تكتب دراهم حتى لا يكون بيع ذهب بفضة مع عدم التقابض، فيكون في ذمتك ذهب، فبهذا يسلم المتبايعان من الوقوع في المخالفات.

стр. 703

شرح عمدة الأحكام [٥٠] من يسر الشريعة الإسلامية أنها وسعت المعاملة بين الناس وسهلتها، ووضعت لها الضوابط التي تبين الحلال من الحرام فيها، وكذلك وضعت أحكاماً يحفظ بها الحق لصاحبه، ومن ذلك الرهن، فإن به يضمن صاحب المال ماله، وفيه أيضاً التوسعة على الناس في المداينة فيما بينهم.

стр. 704

أحكام الرهن

стр. 705

تعريف الرهن وبيان الحكمة من مشروعيته قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الرهن وغيره: عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) ] . هذا الباب عقده المصنف لأحاديث تتعلق بموضوعات من البيوع ونحوه، وبدأ بهذا الحديث الذي يتعلق بالرهن، والرهن معروف ذكره الله تعالى في القرآن فقال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، وقرأها بعضهم: (فرهن مقبوضة) أي: جمع رهن، وكل شيء يمسك لأجل حق من الحقوق يسمى رهناً، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] أي: مرهونة بكسبها. والإنسان قد يحتاج إلى سلعة يشتريها وليس معه ثمنها، وصاحبها لا يريد أن يفرط في دراهمه أو في قيمة سلعته، فيقول له: أطلب منك رهناً أتوثق به أنك تُسلِّم الدين إذا حل، أو إذا وجدته، فالرهن: وثيقة يمكن أخذ المال أو ثمن المبيع منها أو من ثمنها، فالراهن أعطى هذه السلعة للمرتهن ليتوثق من حقه، فكلاهما منتفع، والراهن قد يصعب عليه أن يجد الثمن أو يجد من يقرضه، أو يجد من يبيعه بمؤجل بدون رهن، والمرتهن قد لا يثق به، فيقول: من المصلحة أني أعطيه هذه السلعة بثمن غائب وأقبض السلعة الأخرى وثيقةً إذا حل الدين؛ إما أن يوفيني وإما أن أبيعها وأقبض دراهمي من ثمنها، هذا هو الأصل. ولا شك أن الله تعالى شرعه للتوسعة على الطرفين، فالراهن يتوسع حيث إنه قد لا يجد الثمن الآن، ولكن يمكن أن يجده بعد شهر أو بعد شهرين أو بعد سنة، كأن يأتيه من كسب له أو يأتيه من حق له أو يأتيه من حرفة أو من دين أو من مال أو نحو ذلك، فيطلب هذا المال، أو يطلب -مثلاً- طعاماً لأهله، أو كسوة ضرورية لأهله، أو طعاماً لضيف نزل به، أو بيتاً يستأجره، ولا يحد الأجرة، أو ما أشبه ذلك. والمرتهن ينتفع أيضاً، حيث يحصل له زيادة في الثمن لأجل التأجيل، فهو يبيعه هذه السلعة مؤجلة لمدة سنة، وقيمتها -مثلاً- نقداً بمائة ولكن يبيعها له بمائة وعشرة؛ لأجل الدين، ولأجل غيبة الثمن، وحينئذٍ ينتفع بزيادة الثمن ويتوثق بهذا الرهن، فإذا باعك إنسان كيساً قيمته مائة، واشتريته منه بمائة وعشرين لمدة سنة، ورهنته سيفك أو درعك، أو رهنته بيتك أو دابتك أو سيارتك ليتوثق بها، وأنت واثق بأنك ستجد قيمة هذا الكيس بعد شهرين أو بعد سنة أو نحو ذلك، فإذا وجدته دفعت له قيمة الكيس وخلصت رهنك، والبائع انتفع بزيادة ماله، وبقبضه لهذا الرهن الذي هو وثيقة.

стр. 706

قبض الرهن لابد من قبض العين المرهونة، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] والمقبوضة هي: التي يمسكها المرتهن عنده، فيمسك سيفك أو يمسك جملك الذي رهنته أو كيسك أو ما أشبه ذلك؛ لأن في إمساكه توثقاً في حقه، وقد اختلف في هذا الشرط، فبعضهم يقول: يصح بدون قبض، فيصح -مثلاً- أن تقول: هذه السيارة رهن، ولكن استعملها -أيها الراهن- فهي سيارتك، وإذا لم توفني بعتها، أو هذا البيت رهني، وأنت ساكن فيه، إذا حل ديني وما أوفيتني بعته، فنقول: لعل هذا يجوز، ولكن لابد من وثيقة يقبضها، ففي الدار يقبض الحجة أو وثيقة الملكية ويمسكها حتى لا تباع، وفي السيارة يقبض الاستمارة التي لا يمكن أن تباع إلا بها؛ مخافة أن الراهن يبيعها وينتفع بثمنها، ويبطل حق المرتهن، وأما إذا رهنه ولم يقبضه فقد فرط. فالحاصل: أنه لابد أن يقبض المرتهن شيئاً من الرهن أو يقبض الرهن كله، فيمسك المرتهن السلاح كالدرع والسيف والقوس وكذلك الأسلحة الجديدة مثل المسدس والرشاش أو ما أشبه، كذلك أيضاً السلع الأخرى التي يمكن رهنها، لو رهن عندك ثوباً أو رهن عندك كيساً أو رهن نعلاً له قيمة أو رهن طعاماً يمكن أن ينتفع به فيما بعد أو يباع ولا يخشى فساده؛ صح ذلك.

стр. 707

الأشياء التي يصح فيها الرهن يصح الرهن في كل شيئ يجوز بيعه، والعبد المكاتب يصح رهنه؛ لأنه يجوز بيعه، وأما الذي لا يجوز بيعه -كالأمة التي استولدها سيدها- فلا يصح رهنه. وهناك شيء يجوز رهنه ولا يجوز بيعه حالاً، وهو الزرع الأخضر، فالزرع الأخضر يجوز رهنه، ولا يجوز بيعه إلا بشرط القطع؛ وذلك لأن الرهن لا يباع في الحال، بل يتأنى به، فهذا الزرع إذا استحصد يمكن بيعه إذا حل الدين بشرط التبقية، ويكون للمشتري أو للبائع الثمرة أو نحو ذلك. وهكذا لا يجوز بيع ثمر النخل حتى يبدو صلاحه، ولا يجوز بيعه قبل أن يبدو صلاحه إلا بشرط القطع، ولكن يجوز رهنه، فيجوز أن يقول: رهنتك ثمرة هذه النخلة؛ لأنه يمكن أن يتركها إلى أن تثمر، ثم تباع إذا حل الدين. فإذا حل الدين فإنه يطالب بوفائه ويقول: أوفني ديني، فإذا لم يوفه قال له: خذ الرهن وبعه وأوفني من ثمنه، فإذا امتنع رفعه إلى الحاكم كقاضي البلد، والحاكم يقول له: بع الرهن واقض دينك من ثمنه، فإذا لم يفعل تولى الحاكم القاضي بيعه وإيفاء الثمن.

стр. 708

حكم الرهن في الحضر اختلف هل يجوز الرهن في الحضر أو لا يجوز؟ وذلك لأن الآية الكريمة قيدته بالسفر، قال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، فقال: بعضهم لا يجوز الرهن في الحضر، ويجوز الكتاب، والكتابة وثيقة تكفي عن الرهن. والصحيح أنه يجوز في الحضر كما يجوز في السفر، فإن في هذا الحديث: (أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي ورهنه درعاً له) ، وفي بعض الروايات: (توفي ودرعه مرهونة عند يهوديٍ بطعام اشتراه لأهله) ، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، ولو قلت: لماذا لم يجد النبي ﷺ من يقرضه؟ فنقول: النبي ﷺ محبوب عند الصحابة، ولو طلب منهم أموالهم لأعطوه ولبذلوا له ما في إمكانهم، ولكنه لا يحب أن يضايقهم، ولا يحب أن يكون على أحد منهم شيء من المضايقة أو نحوها، فعدل إلى الشراء من يهودي، وقد يكون ذلك اليهودي من يهود خيبر، أو من يهود فدك أو نحو ذلك، وقد يكون أيضاً من يهود المدينة قبل إجلائهم. والحاصل: أنه اشترى من هذا اليهودي طعاماً لأهله، ورهنه درعاً، ومعلوم أن هذا كان في المدينة، والمدينة أهلها حضر، ولم يكن على سفر، فدل على أنه -كما يجوز الرهن في السفر- يجوز في الحضر؛ وذلك لوجود العلة، فإن العلة هي الوثيقة، أي: كونه يجعل هذا الدين وثيقة يتوثق بها صاحبها حتى إذا حل وجد ما يؤمِّن له رد ثمنه أو رد دينه إليه.

стр. 709

حكم الوثائق وذكر بعض أنواعها الوثائق كثيرة، فمنها: الكتابة التي تكتب بين المتبايعين إذا كان البيع مؤجلاً، وقد أمر الله بها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فهي وثيقة، والإشهاد وثيقة، وذلك بأن يُشهد اثنين على أن فلاناً استدان مني كذا وكذا، حتى لا يضيع حقه. والرهن وثيقة؛ لأنه يتوثق به على ضمان أخذ حقه عند حلوله. والكفيل أو الضمين وثيقة؛ لأنه إذا عجز عن أخذ حقه من المدين رجع إلى الكفيل أو الضمين وأخذ الحق منه؛ لأن هذا قد تكفل بأداء الحق أو بإحضاره أو نحو ذلك، وبلا شك أن هذا دليل على عناية الشرع بحفظ الحقوق، والنهي عن التساهل في حقوق بني الإنسان، فالناس تأتيهم حاجات، ويحتاج بعضهم إلى بعض، فأحدهم يحتاج إلى من يقرضه، يحتاج إلى من يتصدق عليه، أو ما أشبه ذلك، فما دام أنه تمسه الحاجة ولابد فإنه يأتي بما يضمن أنه يرد على صاحب الحق حقه. والإنسان البائع قد يربح في بيعه بالثمن الغائب، ولكن يريد أن يتوثق من ثمنه، والمقرض الذي أقرض أخاه ولم يربح عليه، ولكنه نفعه؛ يريد وثيقة يتوثق بها، وهكذا بقية المنافع. فشرعية هذه الوثائق دليل على أن الشرع الشريف اعتنى بالحقوق، وأمر بأن تقيد وتثبت، ونهى عن الاختلاف والتساهل بحقوق بني الإنسان، وورد الشرع بالتحذير من أخذ حق لمسلم، وأن التساهل في أخذ الحقوق يعتبر اعتداءً على المسلمين، وأن الإنسان إذا استدان ديناً فإذا وثق به أهل الدين فعليه أن يحسن الظن، وأن يوفي بالوعد، وربه يساعده، كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) .

стр. 710

شرح حديث: (مطل الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ] . هذا الحديث فيه فائدتان: الفائدة الأولى: وجوب وفاء الدين إذا كان الإنسان غنياً. الفائدة الثانية: قبول الحوالة إذا أحيل على مليء. فأما المسألة الأولى فدل عليها قوله ﷺ : (مطل الغني ظلم) ، والمطل هو: تأخير القضاء، سمي مطلاً لأنه يطول على صاحب الدين طلب حقه؛ لأنه كلما طلب ماله ودينه مطله، يعني: طول عليه المدة وقال: أمهلني أو اصبر عليّ أو قال: أخر عني الطلب، فلا يزال يطلب ويطلب حتى تطول المدة، وهذا يعتبر ظلماً، ولكنه خاصٌ بما إذا كان غنياً؛ لأنه قال: (مطل الغني) فدل على أنه إذا كان فقيراً فإنه معذور، ويجب على صاحب الحق أن يمهله، وأن يؤخر عنه الطلب لإعساره، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] أي: إذا كان صاحب الدين معسراً فأنظروه وأمهلوه وأخروا الطلب عنه إلى أن يوسر ويجد ما يوفي به دينه، هكذا دلت هذه الآية. نقول: لا شك أن الغني هو الذي يجد ما يوفي به حق الغرماء وحق الدين، وأنه يجب على المسلم أن يحتاط عند أخذ أموال الناس، ولا يدخل نفسه في أمور لا يستطيعها ويقدر على التخلف عنها، كما ورد في بعض الأحاديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) ، بمعنى أن ذلك راجع إلى نيته. فإذا كان إنسان نيته صالحة، وما استدان هذه الأموال إلا لأجل أن يقضي حاجةً له ضروريةً لا غنى له عنها، وليس في إمكانه الصبر عنها، وقد عزم على أنه يقضي هذه الحقوق متى تيسر له القضاء، وأنه سيسعى في وفائها، فإن الله سبحانه سيعينه على الوفاء، وأما إذا كان من المسرفين المفسدين الذين يتباهون بالنفقات الطائلة التي لا يطيقونها، ويستدينون لها الأموال، وتتراكم عليهم الديون، وأحدهم يعرف أنه ليس عنده ما يوفي به، وأنه عاجز عن الكسب، أو ليس له دخلٌ يكفي لهذه الديون، ومع ذلك يقدم على استدانة الأموال والإسراف فيها؛ فإن هذا يتلفه الله، وأما إذا كان عنده ثروة وعنده غنى، وطالب صاحب الحق بحقه، فإن عليه أن يأتيه بحقه ولا يؤخره ولا يمهله عن أداء الحق الذي وجب عليه، فمطله والحال هذا ظلم وأي ظلم! وذلك؛ لأن الناس يرغبون في الحصول على أموالهم وجمعها وتحصيلها لديهم، ولا يستغنون عن اقتنائها وتنميتها وتثميرها والتصرف فيها، فإذا أعطوها إنساناً كقرضٍ أو كدين أو نحو ذلك، فبلا شك أن هذا المدين يلزم أن يوفي ما عليه متى قضى حاجته، ولا يماطل وهو يعرف حاجة أهل المال إلى مالهم، لكن إذا كان صاحب المال غنياً عنها، وليس بحاجة إليها وقال له: لا حاجة لي حاضرة بهذا المال، وأنت في حلٍ منه مادمت معسراً، ومادمت أنا لستُ بحاجة إليه، ولو بقي عليك سنين؛ ففي هذه الحال جائز له أن يؤخر الوفاء، وإنما يأثم إذا رأى أن أصحابه بحاجة إليه، وعنده استطاعه، وقد طالبه أهل المال بحقوقهم، وطلبوا منه الوفاء، ومع ذلك أخر الوفاء ومطلهم؛ فهذا لا يجوز، وقد ورد في حديث آخر: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) ، واللي هنا هو: التأخير، يعني: تأخيره للوفاء، والواجد هو: الغني الذي يجد الوفاء، فذكر أن ليه يحل عرضه، يعني: شكايته، ويحل عقوبته أي: يحل حبسه؛ حيث إنه قد ظلم صاحب الحق بتأخير الوفاء عنه.

стр. 711

أركان الحوالة وشروطها قوله: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ، هذا الحديث يتعلق بالحوالة، والإتباع هو: الإحالة، وقد ذكر العلماء أن أركانها أربعة: -المحيل. -والمحال عليه. -والمحتال. -والمحال به. فلابد من رضا المحيل؛ لأنه صاحب الدين، ولابد من رضا المحتال إذا كان المحال عليه مفلساً أو معسراً، وأما إذا كان المحال عليه مليئاً فلا يشترط رضا المحتال. فمثلاً: إذا كان لك دين عند زيد، وجاءك عمرو يطلب منك ديناً هو عندك له، فقلت له: أحلتك على زيد، فإن عنده لي ديناً، وزيدٌ غني قادرٌ على الوفاء، ففي هذه الحالة يلزم عمراً أن يذهب إليه، ويقبض منه حقه، فأنت المحيل وافقت على أنه يقبضه، وعمرو هو المحتال رضي بذلك، وزيد هو المحال عليه لا يشترط رضاه؛ وذلك لأنه يلزمه وفاء الدين الذي في ذمته لك أو لوكيلك، فالمحتال كأنه وكيل عنك، يقوم مقامك في القبض. فيشترط أن يكون المحال عليه مليئاً، فإن كان المحتال لا يعرف حال المحال عليه، يظنه من أهل الملاءة والثروة، ولكن ظهر أنه مفلس لا قدرة له على الوفاء، فيرجع إليك؛ لأنك أحلته على مفلس، فالإحالة لا تكون إلا على مليء يتمكن من الوفاء، والمليء هو المليء بقوله، والمليء ببدنه، والملي بماله. المليء بقوله هو: أن يكون بشوشاً سهل الجانب يتقبل طلبك، فأما إذا كان عبوساً شرساً ثقيل الكلام، سيء الأخلاق، يلقاك بوجه عبوس، ويردك رداً عنيفاً، ولو كان عنده أموال كثيرة، ولكنك إذا أقبلت عليه نفر في وجهك، وعبس عليك، واشتدت نظرته إليك؛ فأنت تحتشم أن تذهب لاقتضاء الحق منه؛ فلا تقبل الإحالة عليه. كذلك مثلاً: إذا كان سهل الجانب، سلس القول، لين الكلام، لطيف المقال، وكثير المال، ولكن له منصب ومكان رفيع، ولا تقدر أن تصل إليه، وإذا أقبلت إليه رُدعت دونه؛ وبينك وبينه أبواب وحجاب وحراس فلا تصل إليه، ولا تقدر أن تشتكيه؛ لكونه ذا منصب ورفعة، لا يجلس معك عند الحاكم، ولا تقدر أن ترافعه، فلك والحالة هذه أن ترجع إلى المحيل؛ لأنه ليس مليئاً بقوله وببدنه، بل لابد أن يكون مليئاً ببدنه وبقوله وبماله. فإذا تمت هذه الشروط انتقل الحق من ذمتك -أيها المحيل- إلى ذمة المحال عليه، وبرئت -أيها المحيل- وأصبح الحق واحداً، وبدل ما كان الحق على اثنين يصبح على واحد؛ وذلك لأنك عليك حق لزيد، ولك حق على عمرو، فجاءك زيد يقتضي، فقلت: لي حق على عمرو، فذهب إليه، فيصبح الحق واحداً بدل ما كان على اثنين. ولابد أن يكون الدين الذي لك والدين الذي عليك من جنس واحد، فإن كان الدين الذي عليك ذهباً، والدين الذي لك فضة، أو الدين الذي عليك ريالات سعودية، والدين الذي لك دولارات أمريكية؛ فإن الدين مختلف؛ فلا تصح الإحالة هذه؛ وذلك لأن من شرطها أن يتفق الدينان؛ ولأن الريال سيصرف من غير تقابض، والصرف -الذي هو تحويل العملة إلى عملة أخرى أو بيع نقدٍ بنقد- لابد فيه من التقابض، فاشترط فيه أن يكون الدينان من جنس واحد، حتى ولو لم يكونا نقوداً، فلو كان الدين الذي عليك طعاماً، والدين الذي لك هو طعام، فإنه تجوز الإحالة، فتحيله ببر على بر، أو بتمر على تمر، أو بقماش على قماش من جنسه، أو ما أشبه ذلك، كل ذلك الحوالة فيه جائزة، وذلك لأن هذا ونحوه مما جاءت الشريعة بإباحته، تسهيلاً على العباد، وتهويناً عليهم. ثم لابد أن يكون المحيل والمحال عليه في بلد واحد، أما إذا كان المحال عليه في بلد بعيد، بحيث إن المحتال يتكلف السفر، ويصرف أموالاً في السفر في الذهاب والإياب؛ فإن له ألا يقبل الإحالة؛ وذلك لأنه والحال هذه عليه مشقة. فعرف بذلك أن هذه المعاملة -التي هي الحوالة- الأصل فيها أنها شرعت للتسهيل على العباد، ولئلا يتكلف الإنسان الطلب مرتين، بل يكون الطلب مرةً واحدة، وأمر المحتال أن يذهب إلى المحال عليه تخفيفاً على المحيل، وأمر المحال عليه أن يدفع له، وألا يماطله، فكما يدفعه إلى صاحبه يدفعه إلى وكيله.

стр. 712

شرح عمدة الأحكام [٥١] للمفلس أحكام شرعية كثيرة، ومن ذلك الحجر عليه، ومنعه من التصرف، ومحاصة الغرماء في ماله، ومن أدرك منهم ماله بعينه فهو أحق به من غيره، وغير ذلك من الأحكام.

стр. 713

أحكام التفليس قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب ما يتعلق بالإفلاس: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره) ] .

стр. 714

تعريف المفلس هذا الحديث يتعلق بباب التفليس أو الإفلاس. والمفلس: هو الذي يقلّ ماله، وتكثر ديونه؛ وسمي بذلك من باب أنه ليس له مال إلا ما لا قيمة له، تشبيهاً بمن لا يملك إلا الفلوس. والفلوس: هي النقود الرخيصة، كما يقال: هذا لا يساوي فلساً، فالفلس هو عملة رخيصة، كانت تسمى قديماً الفلس، وتسمى أيضاً الدانق، وفي هذه الأزمان تسمى الهللة أو نحوها. فالمفلس هو: الذي قل ماله ولم يبق عنده إلا هذه الفلوس، وكثر دينه، ولا شك أنه بسبب كثرة ديونه وقلة أمواله يكثر الذين يطالبونه بحقوقهم، ويطلبون منه الاستيفاء. فإذا رأوا أمواله قليلة بالنسبة إلى ديونه، رجعوا إلى الحاكم أو القاضي وطلبوا أن يحجر عليه، ويمنعه من أن يتصرف في ماله الموجود، ويمنع أحداً من أن يشتري منه أو يبيع عليه ويضيف ديناً إلى دينه. وعند ذلك يأمر الحاكم بإحصاء ديونه بعدما يحجر عليه، وإذا: أحصيت ديونه، باع أمواله التي يمكن أن يستغني عنها، وقسمها على الغرماء أهل الديون، وأعطى كل ذي حق بقدر حقه بالنسبة. فإذا كانت ديونه -مثلاً- عشرين ألفاً، وأمواله بعدما صفيت لم تكن إلا خمسة آلاف، فنسبتها الربع من الديون، فيعطى كل ذي دينٍِ ربع دينه، يقال: هذا نصيبك، والبقية تبقى في ذمة المدين، هكذا العمل بمن حجر عليه.

стр. 715

من وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق به بشروط ذكر في هذا الحديث: (أن من وجد ماله بعينه فهو أحق به) ، صورة ذلك: إذا حجر الحاكم على المفلس في أمواله، ووجدت سلعتك بعينها التي بعته، فأنت أحق بها، هذا مقتضى الحديث. واشترطوا لذلك شروطاً: الشرط الأول: ألا تكون قد قبضت من ثمنها شيئاً، فإذا وجدت كيسك الذي بعته بمائة بعينه؛ لم يبعه ولم يأكل منه ولم يرهنه؛ وجدته بعينه، وأنت لم تستلم من المائة شيئاً؛ فأنت أحق به، ولو قال أهل الديون الأخرى: نبيعه ونأخذ من ثمنه بالنسبة وأنت معنا، ف الجواب أنت أحق به؛ لأنه عين مالك. الشرط الثاني: ألا يكون قد تغير، فإذا تغير بأن فصل الثوب، أو خاطه، أو لبسه حتى اخلولق مثلاً، أو استعمل السيارة -مثلاً- حتى تغيرت، أو هدم البيت وجدد عمارته؛ فإن صاحبه يصير كأسوة الغرماء؛ وذلك لأنه لم يجد ماله بعينه، بل وجده قد تغير. الشرط الثالث: ألا يتعلق به حق للغير، فإذا كان قد رهن السيارة عند إنسان، أو باعه نصفها مثلاً، أو وهبها أو وهب بعضها لإنسان آخر؛ فإنها تخرج من كون صاحبها أحق بها، بل يكون كأسوة الغرماء، فيستوي مع بقية الغرماء، فتباع السيارة أو السلعة، ويقسم ثمنها على الغرماء بقدر ديونهم. كذلك أيضاً: لابد أن يكون الدين ثابتاً في الذمة، فإذا كان الدين ليس بثابت فإنه لا يلحق بسائر الغرماء. والدين الذي ليس بثابت مثل دين السلم، ومثل دين الكتابة بأن يشتري العبد نفسه، وما أشبه ذلك؛ فلاشك أنه والحال هذه ليس الدين ثابتاً. فالأصل أن الإنسان لا يتجارى في كثرة الديون والاستدانة من الناس، حتى يسرف في أموالهم ويأخذها وهو لا يجد وفاء لها، وإذا قدر أنه احتاج وكثرت ديونه، فعليه أن يجتهد في الوفاء، وأن يوفيهم بقدر ما يستطيعه.

стр. 716

معنى الحجر الأصل في الحجر على المفلس ما روي: أن معاذ بن جبل ﵁ كان شاباً يحب كثرة الإنفاق وكثرة الصدقة والتبرع، فكان يستدين ويقترض حتى كثر الذين يطالبونه، ولما كثروا سألهم النبي ﷺ أن يتسامحوا عنه، ولو تركوا أحداً لأجل أحدٍ لتركوا معاذاً لأجل النبي ﷺ ، ولكنهم ذكروا أنهم يطالبونه بأموال هم بحاجةٍ إليها، وأن بعضها مال أيتام، فلم يجد النبي ﷺ بدّاً من الحجر عليه، ومنع كل أحد أن يبيع منه أو يشتري منه، ثم جمع أمواله التي يمكن أن يستغني عنها، وباعها وأعطى الغرماء بعض حقهم، وقال لهم: (ليس لكم إلا ذلك) ، ثم أرسله إلى اليمن كعامل لينجبر ما حصل عليه، وليصيب من سهم العاملين على الزكاة. والحاصل: أن الحجر: هو أن يمنع الإنسان من التصرف ببيع أو شراء فيما يملكه من المال، ثم بعد ذلك يباع ويصفى ويقسم على الغرماء، فإذا وجدنا أن ماله بقدر ديونه أو أكثر من ديونه فإنه لا يحجر عليه، ولكن يؤمر بأن يوفي ديونه. وإذا لم يوجد له مال أصلاً، وعليه ديون، وليس له ما يوفيها به، ولا يملك شيئاً، فمثل هذا عاجزٌ، وليس لأحد أن يشدد في طلبه، بل يجب إنظاره، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ، والذي لا يقدر على وفاء شيء من دينه فلا يحجر عليه؛ لأنه لا مال له حتى يحجر عليه، وإنما يحجر على الذي له مالٌ أقل من الديون الحالة المطالب بها. فهذه الأموال التي عنده التي يحجر عليه فيها هي أموالٌ اكتسبها أو اشترها بنقدٍ مثلاً، أو ربح بها أو استغنى عنها، وهي من جملة ما يملكه، فمثلاً: إذا كان عنده عقار، وقد أوفى ثمنه، فإنه يباع ويقسم ثمنه، وإذا كان عنده دواب كبقرٍ أو غنمٍ أو نحوها، وقد أوفى ثمنها أو بعض ثمنها، فإنها تباع إذا لم يكن بحاجةٍ إليها، ويترك له ما هو مضطر إليه، فيترك له البيت الذي يسكنه، والدابة التي هو في حاجة إلى لبنها لقوت أولاده، ويترك له آلته التي يعمل بها، فإن كان عنده سيارة أجرة فلا تباع؛ لأنه يكتسب عليها، وإن كان له حرفةٌ تركت آلة حرفته، كماكينته التي يعمل عليها مثلاً، أو التي يخيط عليها إذا كان خياطاً، أو التي يغسل عليها إذا كان غسالاً مثلاً، أو آلة حدادة، أو آلة نجارةٍ، أو آلة خرزٍ، أو آلة بناءٍ، أو ما أشبه ذلك، هذه تبقى له حتى يتكسب ما يوفي بقية ديونه، ويتكسب ما يقوت عياله وهكذا. ولا يجوز أن يتمادى في الإنفاق ويتمادى في الإسراف وأهل الديون يطالبونه بحقوقهم، وقد ذكر العلماء أنه إذا كان عنده شيء لا يستحقه كله، فإنه يباع ويشترى له بقدره، فإذا كان له سيارة قيمتها سبعون ألفاً، فإنها تباع ويشترى له سيارةٌ قيمتها عشرون أو خمسة وعشرون؛ لأنه فقير، وهذه التي تناسب الفقير، وإذا كان له بيتٌ قيمته مثلاً ثمانمائة ألف أو نحوه، ويكفيه بيتٌ قيمته أربعمائة، فيباع ذلك البيت، ويشترى له بيت بأربعمائة يكنه ويكن أولاده، ويقضي ديونه، وكذلك جميع ما يمكن أن يستغني عنه، وكل ذلك لأجل تبرئة ذمته، وإعطاء الحقوق لأهلها. فأما إذا كانت السلعة موجودة، وصاحبها لم يقبض من ثمنها شيئاً، فإنه أحق بها، ولو كان ثمنها مؤجلاً، كم لو قال: هذه سيارتي قيمتها في الحال خمسون ألفاً وأنا بعتها بثمانين ألف، نقول: خذ سيارتك عن الثمانين التي هي رأس مالك، وليس لك شيء، ولا تساهم مع أهل الديون؛ لأنك وجدت عين مالك، ولم تكن قد قبضت منها شيئاً، ولم تكن قد نقص من قيمتها، وهكذا بقية السلع. وبذلك يعرف أن الشرع جاء بحفظ حقوق المسلمين، وبالنهي عن التساهل فيها، أو التسبب في إتلافها وأن ذلك دليلٌ على كمال هذه الشريعة، واشتمالها على جلب المصالح ودفع المفاسد.

стр. 717

شرح عمدة الأحكام [٥٢] جاءت الشريعة بجلب المصالح ودفع المفاسد، ومن قواعدها أن الضرر يزال، ومن الأمثلة على هذه القاعدة الشفعة، فإذا اشترك اثنان في شيء ثم باع أحدهما نصيبه من غير أن يعلم الآخر فإن له أن يشفع، فيشتري نصيب شريكه دفعاً للضرر عنه بالشريك الجديد، وللشفعة أحكام كثيرة بينها أهل العلم ﵏.

стр. 718

أحكام الشفعة قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الصرف، فلا شفعة) أخرجه البخاري في صحيحه] .

стр. 719

تعريف الشفعة هذا الحديث يتعلق بالشفعة في الشركات، واشتقاقها من الشفع، وهو من العدد الزوج؛ لأن سهم الشريك يعتبر واحداً، فإذا ضم إليه سهم شريكه الذي باعه أصبح اثنين، أي: أصبح شفعاً بعد أن كان وتراً، وبذلك سميت شفعةً، حيث إنه يشفع سهمه بسهم شريكه. وصورتها: أن يكون بين اثنين بيتٌ أو أرضٌ أو دكانٌ أو نحو ذلك، كلاهما يملك نصفه، فيبيع أحدهما نصفه على طرفٍ ثالث، فإذا علم الشريك فإنه أحق بذلك السهم الذي باعه شريكه، حتى يكون الشقص الذي بيع ملكاً له، وحتى يكون ذلك العقار كله ملكاً له خالصاً، ويزول عنه ضرر الشركة؛ وذلك لأن العادة أن الإنسان يتضرر بالشراكة، ويحب أن يكون الملك له خالصاً لا يزاحمه فيه أحد، بل يتصرف فيه كما يشاء دون أن يكون هناك من يضايقه في ملكه أو في تصرفه.

стр. 720

شرعت الشفعة لإزالة ضرر الشراكة عادةً أن الأرض المزروعة مثلاً أو الدكان المشترك إذا كان بين اثنين أو ثلاثة أو نحوهم، فإن التصرف لا يكون متوافقاً غالباً، بل يكون هذا له نظر، وهذا له نظرٌ، فتختلف آراؤهم، وتختلف وجهاتهم، وكل منهم يزعم أن نظره هو السديد، وأن رأيه هو الصواب، فيختلفون عند ذلك، ويتمنى كل واحد منهم أن يكون بعيداً عن هذه المشاركة، وأن يكون مستقلاً بملك يتصرف فيه التصرف التام بحيث لا يعقبه أحدٌ. وقد ذكر الله عادة الشركاء فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤] يعني: عادةً أن الخلطاء بعضهم يعترض على البعض وينتقده لشيء من تصرفه، وهذا الانتقاد يسيء إليه؛ لأنه يحب أن تكون إشارته ونظره وتصرفه ليس فيها ما ينتقد، فلأجل ذلك شرعت الشفعة؛ لإزالة ضرر المشاركة وضرر المخالطة عن الشريك، هذا هو السبب في شرعيتها. ومعلومٌ أن الشراكة قد يكون فيها خير، وأن الشركاء قد يعملون ما لا يعمله الأفراد، وقد يعجز الإنسان بمفرده فيحتاج إلى من يشاركه في أمر من الأمور، فإذا أراد مثلاً زرعاً ولم يستطع أن يشتري الأدوات ولا يشتري الأرض الزراعية، فيحتاج أن يشاركه فلانٌ وفلان حتى يجتمع من رأس مالهما ما يكونان قادرين معه على شراء المعدات والأدوات الزراعية التي ينتجون منها، بخلاف ما لو كان واحداً. ثم بعد ذلك قد ينتقد بعضهم بعضاً في التصرف، فيؤدي ذلك إلى أنهم إما أن يقتسموا، وإما أن يبيع بعضهم سهمه على شركائه، وإما أن يبيع على غيرهم، فإذا باع سهمه على غيرهم فإنهم أحق به بثمنه، وهو ما يسمى بالشفعة.

стр. 721

ما لا تدخله الشفعة الشفعة لا تكون في المنقولات، وذلك لعدم الضرر فيها؛ لأن العادة أن المنقول يمكن بيعه على طرفٍ ثالث، وقسمة ثمنه. وكذلك لا تكون فيما ينقسم بالأجزاء، وذلك لسهولة قسمه، وانفراد كلٍ منهم بنصيبه، فإذا كان بينهما أكياس برٍ أو أكياس أرز أو سكر أو نحو ذلك، فباع أحدهما نصفها، فليس للآخر أن يشفع؛ وذلك لأنها من المنقول، والمنقول يسهل قسمته؛ لأنه قبل بيع شريكه يقدر أن يقتسما وأن يقول: هذه الأكياس العشرة نقتسمها لي خمسة، ولك خمسة، أو هذا الكيس الذي فيه أربعون صاعاً نقتسمه لي عشرون، ولك عشرون، فلا شفعة في المكيل والموزون ونحو ذلك. وإذا كان بينهم ثياب يمكن أن يقتسموها أو يبيعوها ويقتسموا ثمنها، فإذا كان بينهم شيء ينقل كسلاح، أو سيارة، أو دواب كإبل أو غنم أو نحو ذلك، فهذه لا حاجة إلى الشفعة فيها، وما ذاك إلا أنها يمكن تجزئتها ويمكن بيعها، فإن احتاجوا إلى توزيعها أمكنهم تقييمها، فيقولون: قيمة هذا البعير مائة لك أو لي، أو نبيعه ونقتسم ثمنه، قد لا يقدرون على قسمه وهو حي، فالبعير مثلاً لا يقسم إلا لحماً، وكذلك الشاة ونحوها، ولكن قد يبيعونه ويقتسمون ثمنه، فمثل هذا لا شفعة فيه، أي أن المنقولات التي يمكن نقلها لا شفعة فيها، لسهولة توزيعها، وكذلك المعدودات لا شفعة فيها، وهي التي تعد عدداً كدواب وغنم مشتركةٌ بينهما ونحوها، فيمكن توزيعها وقسمتها دون أن يحتاج إلى أن يشفع الذي لم يبع. وبكل حال فالشفعة إنما شرعت في العقارات ونحوها؛ لإزالة الضرر؛ لأنه لا يمكن إزالة الضرر عن المشرك إلا بالشفعة.

стр. 722

لزوم الشفعة وقد ذكروا أنه إذا طلب الشريك القسمة فيما يمكن قسمه أجبر على قسمه، فإذا كانت الأرض التي بينهما يمكن أن تقسم، ولا يحصل في قسمتها ضررٌ على واحد منهما؛ أجبر الآخر على القسم، كأن تكون مزرعة كبيرة مساحتها ألف متر أو ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف أو نحوها، فهذه تنقسم، ولا ضرر على من أخذ نصفها، ففي إمكانه أن يزرع، وفي إمكانه أن يغرس، وفي إمكانه أن يحرث، وفي إمكانه أن يبيع أو يبني، فيلزم بقسمتها. أما إذا كانت صغيرة، كما إذا كان بينهما دكان صغير طوله مثلاً ثلاثة أمتار، وعرضه متر أو متر ونصف، وطلب أحدهما أن يقسم هذا الدكان، فلا شك أنه إذا قسم قل نفعه، فإذا قسمناه وجعلنا لكل واحد ٍمنهما سبعون سم -مثلاً- فماذا ينتفع به، فلا يقسم إلا بتراضيهما، إذا رضي كل منهما. أما إذا لم يرض فيقال له: إما أن تبيع، وإما أن تقسم، إما أن تبيع سهمك أو تشتري سهم شريكك، أو ترضى بالقسمة ولو كان عليك فيها ضرر؛ وذلك لإزالة ضرر الشراكة، الشريك مثلاً قد يقول: أنا ما انتفعت بهذا الدكان، أريد أن أبيعه، فإما أن تشتريه مني وإما أن تتركني أبيعه على غيرك، وإما أن تأخذ سهمي وتعطيني ثمنه مثلاً، وإما أن تقسمه؛ فهذا بلا شك يلزمه، أما الشيء الذي لا ضرر عليه فيه، فإنه لا بأس بقسمته، وتلزم قسمته عند الطلب.

стр. 723

ما تدخله الشفعة الشفعة تثبت في العقار، والعقار يعم المزارع والدكاكين والمساكن والبساتين؛ كل هذه فيها الشفعة، فإذا كان البستان بين اثنين أو بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه فإن لصاحبه ولشريكه انتزاع ذلك الشقص من المشتري بثمنه؛ وذلك لأنه أحق به. مثلاً: إذا كانت المزرعة بين اثنين، فباع أحدهما نصفه بخمسين ألفاً، فإن الشريك يقول: أنا أحق بها، وأنت أيها المشتري طرف ثالث، فخذ الخمسين التي دفعتها، والملك يبقى لي كله، حتى أسلم من ضرر المشاركة، قد لا تناسب أنت معي؛ قد لا يمازج طبعك طبعي. كذلك لو كان الملك بين ثلاثة لكل منهما ثلثه، فباع أحدهم ثلثه، فالآخران لهما الخيار إما أن ينتزعا هذا الثلث الذي بيع لكل منهما نصف الثلث؛ ليكون الملك بينهما، وإما أن يأخذه أحدهما ليكون له الثلثان وللآخر الثلث، وإما أن يتركاه للمشتري ويبقيا على نصيبهما، ويدخل المشتري معهما وينزل منزلة البائع.

стр. 724

الشفعة في المشاع تكون الشفعة إذا كان الملك مشاعاً، والملك المشاع: هو أن تكون هذه البقعة مملوكة للشركاء، كل واحد يملك جزءاً منها، يقول: هذا المنزل لي نصفه، وهذا الدكان لي نصفه، وهذه البقعة لي نصفها؛ كل جزء منها لك نصفه، هذا معنى كونه مشاعاً، يعني: أن ملكه شائع فيها. يقول: إنه ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، يعني: بعد القسم، لو أن الشريكين اتفقا على القسم، فقسما الأرض بينهما نصفين، وحدد كل واحد نصفه بحدود، وهي الرسوم والنصب التي ينصبونها لتميز نصيب هذا من هذا، أو اتفقا على بناء جدار فاصل بينهما، ثم كل منهما عرف طريقه: هذا طريقه من هنا، وهذا طريقه من هنا، ملك هذا من هنا، وملك هذا من هنا، وفصل بينهما بفاصل، وبعد ذلك باع أحدهما، لم يقدر الآخر على الشفعة؛ لأنه لم يعد شريكاً، بل كل منهما ملكه مستقل، ولو كان شريكاً في الفاصل أو الحاجز أو الجدار فلا يعد هذا شراكة. هذا معنى كونه حددت الطرق، أي: بينت وأظهرت وصرفت الطرق ووقعت الحدود، وعلم كل واحد نصيبه. وكذلك لو كان بينهما داراً واسعة اتفقا على قسمتها، فاقتسماها نصفين، وجعل هذا نصفه شرقاً، وهذا نصفه غرباً، وحجزا بينهما بحائط، وجعل هذا له فتحةٌ على الطريق وهذا له فتحة، وهذا له باب من هنا، وهذا له باب من هنا، ثم باع أحدهما جزأه، لم يقدر شريكه سابقاً على أن يشفع؛ وذلك لكونه لا ضرر عليه بعد هذه القسمة.

стр. 725

متى يشفع الجار ؟ كل شيء قسم وتصرف كل منهما في نصيبه، لا شفعة فيه بعد ذلك، إلا إذا بقي بينهما شيء مشترك ينتفعان به جميعاً غير الطريق، فإن له أن يشفع، فإذا كان بينهما هذه الغرفة، أو اقتسما الدور الأرضي، وبقي العلوي مشتركاً بينهما، أو بقيت في الدار غرفةٌ مشتركة كالمجلس الكبير مثلاً لم يزل مشتركاً، فإن له الشفعة، وكذلك لو كانا مشتركين في مرفق من المرافق، كأن اشتركا مثلاً في بيارةٍ بينهما أو في بئر يسقيان منها جميعاً، هذا يسقي منها، وهذا يسقي منها، وباع أحدهما نصيبه منها، فإن للآخر الشفعة. وبكل حالٍ شرعت الشفعة؛ لأجل إزالة الضرر، وذلك بأن يبيع شريكك نصيبه من هذا العقار، فتقول: أنا متضرر بشراكتك، فكيف تأتيني بشريكٍ آخر لا أعرفه، فأنا أحق بها، فتعطي المشتري قدر المال الذي اشترى به ويكون العقار كله ملكاً لك، وتكون سالماً من ضرر المشاركة.

стр. 726

شرح عمدة الأحكام [٥٣] الوقف من محاسن الإسلام، وأجره مستمر ما بقي، فحري بأهل الأموال أن يوقفوا في حياتهم ما يكون صدقة جارية لهم، وللوقف أحكام بينها الفقهاء رحمهم الله تعالى.

стр. 727

أحكام الوقف قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق على أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، قال: فتصدق بها عمر للفقراء، وفي القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمولٍ فيه -وفي لفظٍ: غير متأثل) ] .

стр. 728

تعريف الوقف هذا الحديث يتعلق بالوقف، والوقف هو: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ويكون في كل عينٍ ينتفع بها مع بقاء عينها، وهو من أفضل القربات. في هذا الحديث أن عمر ﵁ ملك هذه الأرض وأعجبته؛ لكونها ذات غلة وذات منفعة، وأحب أن يقدمها لآخرته، فأشار عليه النبي ﷺ أن يتصدق بها، ولكن صدقة لا تباع ولا تبدل ولا تنقل، بل ينتفع بها مع بقاء عينها، ولا تجري فيها سهام المواريث، ولا يتصرف فيها المالك تصرفه في ملكه المطلق، بل ينتفع بها مع بقاء أصلها ويتصدق بغلتها. وهذا هو شأن الوقف: أن يجعل غلته في كل شيء ينفع في الآخرة، فتصدق بها على الفقراء والمستضعفين؛ لأنهم مستحقون وفيهم الأجر، لسد حاجتهم، وكذلك المساكين، وهم أخف حاجة من الفقراء، الفقراء: هم الذين يكون دخلهم أقل من نصف حاجتهم، والمساكين يكون دخلهم أكثر من النصف ودون الكل، والجميع يحتاجون إلى تمام الكفاية. كذلك ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع الذي لا يجد ما يوصله إلى بلده، ولو كان له في بلده مال، لكن سافر وطال سفره، فنفذ ما معه أو سرقت نفقته، أو طال سفره ولم يكن يظن أنه يطول، أو ظن أنه يجد ما يرجع به إلى أهله فلم يجد، فأصبح منقطعاً، ويقال له: ابن السبيل؛ لأن السبيل هي الطريق، فكأنه لملازمته لها ابن لها. وكذلك الضيف الذي ينزل على أهل القرية له حق الإكرام، بأن يقروه جائزته يومه وليلته. وهكذا أيضاً الوجوه العامة الخيرية يصرف فيها الوقف، فهذا مصرف وقف عمر جعله في هؤلاء. وأعطى الأقارب من الفقراء والمساكين؛ لأن لهم زيادة حق، والصدقة عليهم صدقة وصلة، ورد في الحديث عنه ﷺ : (صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى اثنتان صدقةٌ وصلة) ؛ فلذلك جعل عمر فيها حقاً لذوي القربى. هذا هو الوقف، يكون في غلة الشيء الذي يمكن استغلاله مع بقاء عينه، فإذا كان الوقف أرضاً تغل، أي: تزرع مثلاً، ويحصل من زرعها ما يزيد على نفقتها، فهذا الزائد هو الذي يصرف للفقراء والأقارب والمعوزين. وإذا كان فيها شجر؛ كنخل وعنبٍ ورمان وتينٍ، وما أشبهه مما له ثمرٌ ينتفع به فيؤكل أو يباع أو نحو ذلك؛ فثمرته تصرف -إما بعد بيعها وإما قبله- للمعوزين وللمحتاجين، ويكون لصاحبها الذي أوقفها أجرٌ بقدر ما انتفع بها. وإذا كان الوقف -مثلاً- داراً جعلها مسكناً للمستضعفين أو غيرهم، صدقة على أنها وقف، فقد ثبت أن الزبير ﵁ أوقف داراً وجعلها للمردودة من بناته، أي: المطلقة من بناته تسكن في هذه الدار، ولا تورث ولا تباع. إذا جعل الإنسان داراً موقوفةً للمحتاج من أولاده أو أولاد أولاده، فهذا أيضاً من الوقف الذي ينتفع به مع بقاء عينه.

стр. 729

فضل الوقف للموقف أجر، والوقف هو المراد بالصدقة الجارية، يقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، فبدأ بالصدقة الجارية. فالدار التي تؤجر ويتصدق بأجرتها صدقة جارية، والأرض التي فيها شجرٌ أو لها أجرة أو فيها ثمرةٌ أو نحو ذلك، يتصدق بثمرها وغلتها؛ فهذه صدقة جارية، وكذلك الأعيان التي ينتفع بها تعتبر أيضاً صدقةً جارية، ولو لم يكن فيها غلة، ولكن ينتفع بها، فالمساجد التي يتعبد فيها، إذا بنى الإنسان مسجداً فإنه يعتبر صدقةً جارية، وكذلك جميع المنافع التي يرتفق بها تعتبر صدقة جارية، مثل فُرُش المساجد حيث يرتفق بها المصلون، فتعتبر من الأوقاف الجارية النافعة، ومكيفاتها مثلاً ومراوحها وأدوارها ونحو ذلك من الصدقات الجارية.

стр. 730

وقف المنقولات يجوز وقف الكتب التي ينتفع بها، ووقفها من الصدقات الجارية؛ وذلك لأنها باقية ينتفع بها من يقرأ فيها أو يسمع منها أو نحو ذلك مع بقاء عينها، فلذلك اعتبرت من الأعمال الخيرية التي يجري أجرها لمن سبلها، ويقال كذلك في كل الأشياء التي يمكن أن ينتفع بها. كانوا في قديم الزمان يوقفون الأجهزة التي ينتفع بها في المنافع العامة أو الخاصة، فيوقف مثلاً الإنسان الأسلحة التي يقاتل بها في سبيل الله، ويرجو بذلك الأجر من الله، ومنهم خالد بن الوليد ﵁، يقول فيه النبي ﷺ لما قيل إنه منع الزكاة: (أما خالد فإنكم تظلمون خالداً، لقد حبّس عتاده -وفي رواية: وأعبده- وسلاحه في سبيل الله) ، كان عنده أسلحة فقالوا له: أعطنا زكاة هذه الدروع وزكاة هذه الرماح وزكاة هذه السيوف وزكاة هذه الخناجر ونحوها، فامتنع وقال: هذه في سبيل الله، إذا غزونا أعطيت كل سيفٍ أو كل رمحٍ أو كل قوسٍ من يقاتل به، فتصبح كأنها غير مملوكة له، ولو كانت في بيته، فلذلك كان يريد أجرها، فهذه مما ينتفع بها مع بقاء عينها. كذلك أيضاً كانوا يوقفون العتاد لمن يحج إذا كان عاجزاً عن الحج، فيركبونه على الفرس أو على الراحلة من الإبل أو نحوها، ويقولون: هذه الراحلة أو هذا البعير مسبلٌ للمجاهدين أو للحجاج، وكذلك: هذه الرحال التي كانوا يجعلونها على ظهور الإبل والركائب يسبلونها أيضاً لمن ينتفع بها، وكذلك أيضاً الأشياء التي يحتاج إليها في البلد كانوا يوقفونها، ولا يزال موجوداً في هذا البلد أشياء موقوفة، وإن كان قد قل الانتفاع بها، فيوجد عند القدماء من أهل البلد قدورٌ مسبلةٌ لمن يطبخ فيها مثلاً، أو أرحية لم يطحن عليها، أو أسلحةٌ لمن يحتاج إليها، أو ما أشبه ذلك، فهذه من الأوقاف. وتجددت أشياء وقامت مقامها، وأصبح يمكن إيقافها، ويمكن تسبيلها، فمثلاً بدل ما كانوا يوقفون القربة أصبحوا يوقفون البرادات ونحوها مما يقوم مقامها في كونها يحصل بها تبريد المياه لمن يشرب، بدل ما يشرب ماءً حاراً. كذلك بدل ما كانوا يوقفون المراوح اليدوية أصبحوا يوقفون مراوح كهربائية أو مكيفات أو ما أشبهها مما يحصل به الكفاية، ويحصل لمن أوقفها الأجر، والأجهزة كلها فيه أجر، حتى مثلاً هذه الطاولة الذي أوقفها له عليها أجرٌ، وهذه الأجهزة المكبرة ونحوها الذي أوقفها له أجرٌ، وهذه الفرش في هذه المساجد وهذه الأدوار ونحوها الذي أوقفها يحتسب في ذلك الأجر، ويجري عليه أجرها ما دام ينتفع بها. المدارس الخيرية التي يدرس فيها القرآن ونحوه، ويوقف فيها المصاحف والرسائل ونحوها، ولا شك أيضاً أن فيها أجراً، حيث إنه ينتفع بها، ويلحق بذلك الرسائل والأشرطة الإسلامية إذا سبلها الإنسان، فله أجرٌ ما دام ينتفع بها.

стр. 731

تنجيز الوقف وخروجه من ملك الواقف الوقف يسمى وقفاً منجزاً، أي: ليس للواقف أن يرجع فيه؛ وذلك لأنه أخرجه لله، وإذا أخرجه فإنه يخرجه من ملكيته، وفي وقف عمر قال: (لا يباع أصلها) ، فإذاً: لا يجوز الرجوع فيها متى أوقفها. لو أن إنساناً أوقف مكيفات في مسجد، ثم إن ذلك المسجد هدم، وألغي لطريق أو لحاجة إلى توسعة أو نحو ذلك، فهذه الأدوات التي فيه، تنقل لمسجدٍ آخر، فليس له أن يرجع في مكيفاته ولا في نوافذه ولا في فرشه، ولا في أبوابه، ولا في المكبرات أو الأشياء التي تبرع بها، لا يجوز له أن يعود فيها؛ وذلك لأنه أخرجها لله، فتصرف إما للوكالة التي تتولى ذلك، وهي في هذه الأزمنة وزارة الأوقاف، فإنها هي التي تتولى غلال الأوقاف أشجاراً أو عقاراً أو ما أشبه ذلك، وإما أن ينقل إلى مسجد آخر أو مرتفق آخر ينتفع به، ولا يجوز لصاحبها أن يتملكها. الإنسان مثلاً إذا قال: أشهدكم أن بيتي هذا وقفٌ منجز، ولكن أسكن فيه مادمت حياً، أو يسكن فيه المحتاج من ولدي، ثم بعد ذلك بدا له أن يعود فيه وأن يبيعه، نقول: لا يجوز لك أن ترجع فيه، ولا يجوز لك أن تبيعه، ولا أن تتملكه؛ لأنه وقف خرج عن ملكية الواقف، وأصبح ملكاً للمنتفعين به، أو ليس لملك لأحد، ولكن غلته لمن ينتفع به أو لمن جعل له، أو يصرف لمن يستحقه.

стр. 732

ناظر الوقف يجوز أن يجعل على الوقف ناظر، والناظر هو الوكيل، إذا كان الوقف مثلاً عقاراً احتاج إلى ناظر، فهذا الناظر هو الذي يؤجره، وهو الذي يقبض الأجرة، وهو الذي يستغله، وهو الذي يعمر منه ما وهى وما فسد ويصلحه، وهو الذي يصلحه إذا خرب، كما إذا كان جهازاً من الأجهزة يحتاج إلى إصلاح، فلابد أن يكون له ناظر. هذا الناظر قد يلقى مشقةً وتعباً؛ فلذلك يستحق أن يجعل له جزء من الغلة، فـ عمر ﵁ في هذا الأثر ذكر أن الذي يليه يجوز له أن يأكل، ويجوز له أن يطعم صديقه، أو يطعم زواره، ولكن لا يتمول منه مالاً، إنما يأكل منه بقدر نفقته أو بقدر تعبه وعمله، فإذا زاره أصدقاؤه أو نحوهم أطعمهم من ثمر هذا الشجر من فاكهة أو ما أشبهها، أما أن يتخذ منه مالاً فلا، فإذا لم يجد إلا بأجرة، جاز أن يقول مثلاً: لك من غلته (٣%) ، أو (٥%) ، أو ما أشبه ذلك، على أن تصلح ما وهى منه، إذا تصدعت حيطانه تصلحها مثلاً، وإذا وهى سقفه تتعاهده، وإذا خربت أدواته تصلحها، وما أشبه ذلك، فإنه: غالباً بحاجة إلى من يقوم عليه. فالحاصل أن الذي يوقف هذه الأوقاف يريد بذلك استمرار الأجر، وأن يأتيه أجرها بعد موته، ويستمر العمل الصالح له وهو ميتٌ، حيث ينتفع بهذه الأدوات أو بهذه الغلات أو ما أشبهها، ويدعو له أيضاً الذين ينتفعون بذلك، ويترحمون عليه، فيحصل بذلك على أجر؛ ولذلك فإن أكثر الصحابة ﵃ جعلوا أوقافاً وأحباساً، وعرفت أحباسهم في مكة وفي المدينة وفي البصرة والكوفة، وفي غيرها من المدن والقرى، واستمر الانتفاع بها أزمنةً عديدة إلا أن اضمحلت المنفعة بها أو تلاشت وقلَّت؛ فعند ذلك نقلت إلى غيرها. ولا يزال هناك أوقافٌ تعرف بأوقاف كذا وكذا، وقد تجعل في جهةٍ خاصة كأن يقال مثلاً: هذا البيت وقف على هذا المسجد، يعمر به أو نحو ذلك، أو تابعٌ له، كوقف على الإمام الذي يصلي به أو من يؤذن فيه أو ما أشبه ذلك، أو يقال: وقفٌ على الكعبة، كالذي يوقف أمواله على الكعبة، أو على المسجد الحرام، وهي أوقافٌ كثيرةٌ، أو في شيء خاصٍ، كانوا يوقفون مثلاً على الأدوات التي يحتاج إليها أهل المسجد كمياه الشرب أو مياه الطهارة والوضوء أو آبار يحفرونها أو مياه يجرونها لمن يتطهر في هذا المسجد، أو ما أشبه ذلك، وكل ذلك يلتمسون به بقاء الأجر واستمراره بعد الوفاة.

стр. 733

شرح عمدة الأحكام [٥٤] شرعت الهدية لإزالة الشحناء وغرس المحبة، وهي إما هدية بثواب أو بغير ثواب، وإما أن تكون من الوالد لولده أو لأجنبي، وهي على كل حال تختلف عن الصدقة في مقصودها وبعض أحكامها. وقد وجب في الشرع المساواة بين الأولاد في العطية، وذلك إذا لم يكن هناك سبب يقتضي المحاباة، فإن قام سبب المحاباة جازت.

стр. 734

حكم استرداد الهبة ونحوها يقول المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [وعن عمر ﵁ قال: (حملت على فرسٍ في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، فظننت أن يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ فقال: لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه -وفي لفظ: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه، يقيء ثم يعود فيه) ] .

стр. 735

النهي عن الرجوع في الهبة فهذا حديث عن عمر، ذكر فيه أنه كان عنده فرس فأراد أن يتصدق به على رجل، وقال لذلك الرجل: هذا لك تغزو عليه، وتركبه، وتنتفع به، فأعطاه إياه كصدقة وقصده من ذلك أن ينتفع به، وبالأخص في الغزو، وفي السرايا، وفي الخروج في سبيل الله وما أشبه ذلك، ولكن ذلك الرجل الذي أخذ ذلك الفرس لم يكن يعرف قدره فأضاعه وأهمله، ولم يعرف قيمته، ولم يكن من أهل هذا الصنف. فعند ذلك علم عمر أنه سيبيعه، وأنه يبيعه رخيصاً، فأراد أن يشتريه، لكونه يعلم أهلية ذلك الفرس، ويعلم كفاءته وقوته وغلاءه وصلاحيته، فلما أراد أن يشتريه وهو يباع بثمن رخيص لم يقدم على ذلك حتى سأل النبي ﷺ ؛ لأنهم يخافون أن يقعوا في شيء لا يجوز في الشرع، فتوقف حتى استفصل من النبي ﷺ : هل يجوز لي شراؤه وأنا الذي تصدقت به؟ فسأل النبي ﷺ ، فوجد من النبي ﷺ إنكاراً شديداً لاقتنائه ولتملكه ولو بطريق الشراء، وأخبره بأنه لا يجوز ولا يحل له أن يشتريه: (ولو أعطاكه بدرهم فلا تشتره) ، فإن هذا يشبه الرجوع في الهبة؛ لأنك وهبته له، والهبة صدقة وتبرع فلا ترجع في هبتك، ولا تعد فيها، فإنك إذا رجعت فيما وهبته وأخرجته من ملكك لوجه الله تعالى، أشبهت الذي يرجع في قيئه. وضرب مثلاً سيئاً وهو الكلب، والكلب معروف أنه من شر الحيوانات وأقذرها، فهو موصوف بهذا الوصف القذر؛ وهو أنه يقيء ثم يرجع في قيئه، ومثله أيضاً السباع أو كثير منها، فهذا مثل سيئ، بحيث إنه إذا أكل وامتلأ بطنه واشتد امتلاؤه، وخاف مثلاً أن لا يستطيع العدو، أو لا يستطيع البروك، أو الدخول في جحر أو نحوه، فإنه يخرج من بطنه كثيراً مما أكل حتى يخف عنه، وهو القيء عن طريق الفم، فإذا جاع بعد ذلك رجع إلى ذلك القيء الذي كان قد أخرجه من بطنه مع تغيره ومع نتنه فأكله، هذا مثله سيء شبّه به النبي ﷺ الذي يعطي عطية ثم يرجع في عطيته، أو يهدي هدية ثم يرجع فيها، أو يهب هبة ثم يرجع فيها، أو يتصدق بصدقة ثم يرجع فيها. والرجوع فيها معناه: إما أن يطلبها ويقول: رد لي هديتي، رد عليّ صدقتي أو هبتي، رد عليّ ما أعطيتك، أنا أعطيتك مثلاً هذا الثوب أو هذا الكيس فرده عليّ، فإنك لا تستحقه ولست أهلاً ولا كفؤاً له، يطلبه حتى يأخذه منه، كذلك إذا طلبه بشراء فإن ذلك شبيه بالرجوع. ولأجل ذلك منع النبي ﷺ عمر أن يشتري ذلك الفرس ولو كان رخيصاً؛ وذلك لأنه إذا جاء ليشتريه، فإن صاحبه قد يستحيي منه ويتغاضى عنه ويبيعه بشيء من الرخص، فيذهب على صاحبه بعض من الثمن؛ فمثلاً: إذا كان الفرس أو البعير الذي أهديته لزيد يساوي ألفاً، فإنه إذا رآك تستامه احتشم واستحيا منك وباعه بنصف الألف أو بثلث الألف؛ احتشاماً واستحياءً وقال: هذا مالكه، وهذا هو الذي أنعم عليّ وأهداه لي وتفضل به عليّ، فما دام أنه يسومه فإني أبيعه ولا أغالي فيه!! كذلك إذا طلبته منه، وقلت مثلاً: إني قد أهديتك هذا الإناء مثلاً، أو هذا الثوب، أو هذا القدح، أو هذه الآلة ونحوها، فأريد أن تردها عليّ فإني بحاجةٍ إليها، لا شك أنه بذلك يحتشم ويستحيي، ويردها عليك على استحياء مع أنه قد يكون بحاجة إليها؛ هذا كله فيما إذا كان ذلك هبةً أو هديةً أو نحو ذلك.

стр. 736

لا يجوز المن بالعطية أو الصدقة ويدخل في ذلك أيضاً المنّ بها وتذكيره إياها، فإن في ذلك شيئاً من التحقير لصاحبها وتكبير النعمة عليه، بحيث إنه يتمنى أنه ما قبل منك هذه الهدية أو هذه الصدقة؛ ولأجل ذلك نهى الله تعالى عن المن بها، وأخبر بأنه يبطل ثوابها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٢] ، فالمنّ يدخل فيه أن يذكره، فكلما لقيك أخذ يذكرك: أتتذكر أني أهديتك ثوباً؟ أما تتذكر أني أهديتك لحماً؟ أما تتذكر أني أهديتك قدحاً أو إناءً؟ أما تتذكر أني أهديتك مالاً، أو فراشاً أو ما أشبه ذلك، فلا يزال يذكرك. وربما أيضاً يمنّ عليك فيقول: أنا الذي أركبتك وأنت منقطع أنا الذي أطعمتك وأنت جائع أنا الذي كسوتك وأنت عار أنا الذي أنقذتك وأنت هالك! فلا يزال يمنّ عليك إلى أن تتمنى أنك ما قبلت منه تلك الصدقة ونحوها، ولا شك أن هذا مما يحبط الأجر ويبطل الصدقة؛ فلأجل ذلك نهى الله تعالى عن المنّ وعن الأذى.

стр. 737

فضل الصدقة وإخفائها الصدقة: هي التي يقصد بها المتصدق وجه الله والدار الآخرة، فيجب أن يخلصها لله، بأن يتصدق على الفقير والمسكين وذي الحاجة بقصد رضا الله تعالى وثوابه. والأولى أيضاً أن يخفيها، يقول النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ؛ لأن إخفاءها: أولاً: فيه الإخلاص والبعد عن الرياء، وثانياً: أن فيها تخفيفاً للمنة على المتصدق عليه. إذا لم يظهرها بل أخفاها، وكان لا يريد أن يعلم أحد به، وربما لا يعلم المتصدق عليه من صاحب هذه الصدقة، كما إذا وضعها في بيته وهو لا يعلم، أو وضع النقود في جيبه أو في مخبئه وهو لا يدري؛ كان في ذلك إخلاص قوي من المتصدق. أما الهبة والهدية، فقد يراد بها الأجر الأخروي وقد يراد بها المودة في الدنيا، وحصول الأخوة والمحبة بين المهدي والمهدى له، وفي بعض الأحاديث: (تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة) يعني: تذهب الضغائن التي في القلب، فإنه إذا أهدى لك إنسان هدية، حتى لو كانت شيئاً يسيراً كفاكهة ولحم وطعام، أو أهداك كسوة فاخرة لها قيمتها، فإن قلبك يوده ويميل إليه، وتحصل بينك وبينه ألفة وصداقة، والشرع جاء بتحصيل الألفة بين المسلمين، وتثبيت المحبة والمودة، وإبعاد الضغائن والشحناء عن القلوب. وقد يقصد بالهدية طلب المكافأة، فإنه إذا عرفت أنه أهدى إليك وأنت أكثر منه مالاً وأغنى منه، وهو من المتوسطين أو من الفقراء، عرفت أنه ما أهدى إليك إلا لتثيبه على الهدية، فلكل هدية ثواب، فقد يريد أكثر من قيمتها، فإذا كافأته عليها وأعطيته أكثر من ثمنها؛ كان ذلك من أسباب القبول، ودخل ذلك أيضاً في أسباب المحبة وثبوت المودة، بين المهدي والمهدى له.

стр. 738

جواز الرجوع في هبة الثواب ما لم يثب فهذا مما يتعلق بالهدية، فنقول: إن الهدية، وكذلك العطية والنحلة والهبة والصدقة وما أشبهها؛ كلها تمليك، والغالب أنها تمليك بدون عوض مسمى، فما دام أنها بدون عوض مسمى فإن الذي يرجع فيها؛ نفسه دنيئة ضعيفة، فلذلك شبه بالكلب يرجع في قيئه، يطلب هديته أو هبته أو صدقته حتى يعود فيها، فهو كالذي يعود في قيئه. وقد استثنى بعض الصحابة هبة الثواب، حيث قالوا: إن الهبة تنقسم إلى قسمين: - هبة تبرر. - وهبة ثواب. فهبة التبرر: هي التي يقصد بها ثبوت المودة، فهي هبة بين اثنين يقصد بها ثبوت المحبة والمودة بين المهدي والمهدى له، وزوال الإحن والبغضاء ونحوها. أما هبة الثواب فهي التي يكون قصده أن يعطى أكثر منها، فإذا أهدى الفقير للغني، فالغالب أنه يريد أن يعطيه الغني ثمنها مضاعفاً؛ لأنه يعرف أنه ليس أهلاً للصدقة، بل هو الذي يتصدق على غيره، ويعرف أن هذا الفقير ليس ممن يتصدق على هذا الغني، فهو ما أهدى له إلا لأجل أن يثيبه، فهذه هي هبة الثواب. ذكروا أن عمر ﵁ أباح رجوع المهدي هبة ثوابٍ إذا لم يثب عليها، فقال: (الرجل أحق بهبته ما لم يثب عليها) ؛ فكأن هذا يعتبر بيعاً، أي: الهبة التي هي هبة ثواب بمنزلة المبايعة بين اثنين، فالذي يبيع الشيء ولا يحصل له ثمنه يطالب باسترجاعه، فإذا باعك إنسان جملاً ولكن لم تدفع له قيمته، فإنه يطالبك بقيمته أو بجمله، فكذلك إذا أهدى لك -مثلاً- جملاً أو فرساً أو شاةً أو بقرةً، أو أهدى لك سيارةً، أو أهدى لك كيساً أو ثوباً، وعرفت من قصده أنه يطلب أضعاف ثمنها أو يطلب مثل الثمن فقط، ولكنك لم تعطه؛ فإن له أن يطالب باسترجاع ما أهداه ولا يدخل ذلك في حديث العائد في قيئه؛ لأن هذا مقصده معروف. ومع ذلك فإن الأولى ألا يكون هذا القصد موجوداً، والأولى أيضاً ألا يحوجه إلا أن يذكره أو يطالبه ويقول: أهديت لك فلم تعطني، لماذا لم تعطني؟ أعطني ثواباً أو رد عليّ هديتي، فيندب أن لا تكون هذه هي المقاصد. وهذا أخف من المن والأذى الذي ذمه الله سبحانه في الآية التي أشرنا إليها، وأخبر بأنه يبطل الأجر في قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، أي: لا تبطلوا أجرها، وفي قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، والقول المعروف هو: الرد الجميل، إذا جاءك إنسان يستعطيك أو يسألك وهو محتاج، ولم يكن عندك شيءٌ تعطيه، أو لست ممن يتصدق؛ فرددته رداً جميلاً واعتذرت إليه عذراً مسموعاً، وأجملت له بالكلام وقلت له: سوف يأتيك رزق من الله فاصبر وتحمل، فإن الله هو الذي يعطي، ولا تدنس نفسك ولا تدسها وتذلها ولا تخضع للناس، ولا تتواضع لهم، بل اجعل ذلك لله ، وعلق قلبك به، فإن الله تعالى يعزك ويرفع مقامك ويرزقك، ولا يحوجك إلى أحد من الناس إذا علقت قلبه بالله ونصحته بذلك، رجي بذلك أن يكون من الذين يترفعون عن التدني لغيرهم. وحكي أن بعضهم كانوا من الذين بهم حاجة شديدة، ولكنه عز نفسه ونظم أبياتاً يتعلق فيها قلبه بربه، فرزقه الله ووسع عليه؛ قال في أبياته: يا من له الفضل محض في بريته وهو المؤمل في الضرا وفي الباس عودتني عادة أنت الكفيل بها فلا تكلني إلى خلقٍ من الناس ولا تذل لهم من باب عزته وجهي المصون ولا تخضع لهم رأسي وابعث على يد من ترضاه من بشرٍ رزقي وصني عمن قلبه قاسي وذلك دليل على ارتفاع الهمة وعلى التعلق بالله وعدم الدناءة إلى المخلوقين، وإذا كان ذلك كذلك فإن الله تعالى يرزق العبد من حيث لا يحتسب، وهو خير له من أن يتصدق عليه إنسان ثم يمن عليه، ويذكره بصدقته أو يؤذيه بسببها، أو ينتقده فيها، أو ما أشبه ذلك.

стр. 739

التسوية بين الأولاد في العطية قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [التسوية بين الأولاد في الهبة. عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (تصدق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة) . وفي لفظ قال: (فلا تشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور) ، وفي لفظ: (فأشهد على هذا غيري) ] .

стр. 740

الفرق بين العطية والهبة يتعلق هذا الحديث بالعطية، والعطية: هي الهبة بلا ثواب، وأكثر ما تكون عطية الرجل لأولاده أو لأقاربه يقصد بذلك نفعهم، أو يقصد بذلك مجازاتهم، أو نحو ذلك. فالعطية: لها أحكام غير أحكام الهبة، لذلك جاز للأب أن يرجع في عطيته، وأما الواهب فلا يجوز له أن يرجع في هبته، كما تقدم في قوله ﷺ لـ عمر: (لا تعد في هبتك، فإن العائد في هبته، كالعائد في قيئه) . عرفنا أن الهبة صدقة وتبرع لمستحقها من مسكين أو فقير أو نحو ذلك، وأما العطية، فهي تبرع لا يبتغى به الأجر الأخروي غالباً، وإنما يبتغى بها نفع المهدى لهم أو المعطين، أو مجازاتهم أو نفع الولد، أو ما أشبه ذلك. فعلى هذا يجوز أن يعطي الأب أولاده ويجوز أن يعطي إخوته، ويجوز أن يرجع في عطيته إذا لم تستلم ولم يكن هناك لها سبب، إلا الإتيان بأسباب المودة وما أشبهها.
следующие страницы →