← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

حد الزاني غير المحصن إذا لم يكن الزاني محصناً -وهو الذي لم يسبق أن تزوج- فعقوبته أخف؛ عقوبته أن يجلد مائة جلدة، ولكن يشدد عليه في الجلد، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] الرأفة: الرحمة، أي: لا ترحموا الزناة، ولا تخففوا عنهم الجلد، بل شددوا عليهم، وزيدوا في شدته؛ وذلك لتأليم أجسامهم، فهذه الأجسام التي تلذذت في حرام ألجموها بهذا الألم، وبهذا الجلد، وشددوا فيه ليكون ذلك زاجراً لهم عن مقارفة هذه المعصية البشعة الشنيعة، وشددوا عليهم حتى لا يعودوا لمثلها، وحتى ينزجر أيضاً غيرهم، وأمر بأن يعلن جلد الزاني، وأن يكون على مشهد من الناس حتى يشتهر، فيقام هذا الزاني أمام جمع من الناس في المكان الذي تجتمع فيه الجموع الكثيرة، ويشهر أمامهم، ويقال: هذا زانٍ، ثم يجلد سواء كان قائماً أو مضطجعاً، ويزال ما عليه من الثياب الغليظة كفراء أو عباءة غليظة، ويترك عليه ثوب يستره، ثم يجلد هذا الجلد. وله عقوبة أخرى، وهي: التغريب، ففي صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، هذا الحديث وضح فيه النبي ﷺ الآية الكريمة التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] فقال: (إن الله قد جعل لهن سبيلاً) ، والسبيل هو: بيان ما يجب عليهن، فالبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، فيجلد مائة ثم ينفى سنة إلى بلاد بعيدة، ويفرق بينه وبين أسرته، بينه وبين أبويه أو إخوته أو أقاربه، ينفى إلى بلاد بعيدة ويكون غريباً حتى يبتعد عن أصدقائه وخلطائه الذين كانوا يوقعونه في هذه الفواحش أو يزينونها له، فربما إذا فارقهم هذه المدة تاب وتغيرت حاله. وذهب بعضهم إلى أن التغريب يحصل في السجن، فيسجن لمدة سنة حتى يتوب.

стр. 912

الجمع بين الجلد والرجم على الزاني المحصن كما في حديث عبادة أنه يجمع عليه بين الجلد والرجم، وقد روي أن علياً ﵁ رفعت إليه امرأة زانية يقال لها شراحة، فجلدها في يوم الخميس مائة جلدة، ثم رجمها في يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله، يعني: أنه عمل بالآية: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، فبدأ بالجلد، ولما علم أن النبي ﷺ من سنته الرجم رجمها؛ لكونها قد تزوجت، فذهب إلى هذا بعض العلماء، وهو أن يجمع بين الجلد أولاً ثم الرجم. والمشهور والأرجح أنه يكتفى بالرجم؛ وذلك لأنه اكتفى به ﷺ في رجم ماعز الأسلمي كما تقدم، وفي رجم الغامدية التي زنت بعدما وضعت حملها، وفي رجم اليهوديين الذين ذكرنا قصتهما، وفي رجم صاحبة العسيف الذي استؤجر لأجل خدمة فزنى بامرأة الرجل، فرجمت ولم تجلد قبل الرجم، فاقتصاره على الرجم يدل على أنه يكتفى بذلك دون أن يكون قبله جلد، والله أعلم.

стр. 913

شرح عمدة الأحكام [٦٩] من قواعد الشريعة حفظ الأموال لأصحابها، ولهذا حرمت الشريعة أخذ مال المسلم بغير حق، ومن أخذ مالاً بغير حق من حرز وقد بلغ النصاب فهو سارق تقطع يده، والسرقة لها أحكام بينها العلماء.

стр. 914

أحكام السرقة قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب حد السرقة: عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته -وفي لفظ: ثمنه- ثلاثة دراهم) . وعن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) ] . هذا الباب يتعلق بحد السرقة، والسرقة هي: أخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء، ويُسمى الآخذ له لصاً، والمتلصص هو: الذي يسرق الأموال.

стр. 915

أنواع أخذ المال بغير حق أخذ المال له عدة مسميات: الأول: الغصب، فالذي يغتصب المال ويأخذه بالقوة وبالغلبة وبالقهر يُسمى غاصباً، كأن يقول الإنسان: أعطني كذا من المال وإلا قتلتك، أو يقهره فيأخذ ما معه من نقود أو من أي مال، هذا هو الغاصب، وحده: التعزير، فإذا قُدر عليه فإنه يُعزر، فيرد المال الذي أخذه، ويُعاقب عقوبة تردعه وتردع أمثاله، سواء بجلد أو بحبس أو بتنكيل أو بأخذ مال أو نحو ذلك؛ حتى لا يجرأ أحد على أخذ المال بغير حق، وإذا تكرر ذلك منه جاز تعزيره ولو بأن يقتل، زجراً له ولأمثاله. الثاني: الاختطاف والنهب، وهو أن يهتبل الخاطف غفلة آخر فيختطف ما معه، فإذا كان إنسان عنده مال قد نشره في الأرض ليبيعه مثلاً، فجاء آخر إنسان واختطف منه شيئاً وهرب به، فمثل هذا يُسمى: مختطفاً ومنتهباً، وهذا النهب لا شك أنه ذنب كبير، قال النبي ﷺ : (لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ومتى قدر على هذا المنتهب فإنه يعاقب بما يرتدع به، فيرد المال الذي انتهبه ويُجلد أو يُحبس أو يُعزر أو يغرم مالاً، أو نحو ذلك. الثالث: المختلس، وهو الذي يهتبل غفلة الإنسان الذي عنده مال ويأخذه وهو لا يدري، كأن يدخل إلى دكان -مثلاً- فإذا رأى صاحبه قد صد أخذ منه ثوباً أو نعلاً أو قدحاً أو نقداً أو نحو ذلك بخفية ويخرج كأنه لم يأخذ شيئاً، ولم يتفطن له صاحب المال، فهذا يُسمى: مختلساً، فإذا عُرف أو اعترف أو شُهد عليه أو رآه من شهد عليه فلابد من عقوبته، بأن يعزر بما يرتدع به هو وأمثاله، ويرد المال الذي اختلسه. الرابع: السارق، وهو الذي تقطع يده، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، وذكر في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] ، وكانت عقوبة أولاد يعقوب أنهم يسترقّون السارق، فإذا سرق السارق فإن المسروق منه يؤخذ رقيقاً يتصرف فيه كبقية المال.

стр. 916

الحكمة في قطع يد السارق جاء الشرع بقطع يد السارق حفظاً للمال أي: لأجل المحافظة على أموال المسلمين شرع قطع يد من سرق، ومعلوم أن قطعها يشين صاحبها، فإذا قطعت يده فإنه يبقى مشلولاً، ويبقى معيباً ليس له إلا يد واحدة، ولذلك لما رفع بعض السراق إلى بعض الولاة وعزم على قطع يده أنشد يقول: يدي يا أمير المؤمنين أعيذها بعدلك أن تلقى عقاباً يشينها فلا خير في الدنيا ولا في حياتها إذا ما شمال فارقتها يمينها يمثل أنه إذا عاش بلا يمين فإن في عيشته وحياته تعب وبؤس، ولكن الله تعالى شرع العقوبة هذه حفظاً للأموال؛ وذلك لأنه إذا عرف أنه مقابل هذا المال القليل ستقطع يده الثمينة انزجر وارتدع، وخاف على يده، فترك السرقة ولم يتعد، فأمن الناس عند ذلك على أموالهم، فهذا هو السبب وإلا فإن من شرف اليد أن ديتها نصف دية الإنسان، فاليد الواحدة ديتها الآن خمسون ألفاً، ومع ذلك تقطع في ثلاثة دراهم أو نحوها، وما ذاك إلا أنها لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت وصغرت وذلت. ذكروا أن أبا العلاء المعري اعترض على الشرع فقال: كيف تقطع اليد بربع دينار، وديتها خمسمائة دينار من العسجد يعني: من الذهب؟! وأنشد قوله: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فردوا عليه وقالوا: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

стр. 917

شروط قطع يد السارق ذكروا للقطع شروطاً لابد منها حتى يلزم القطع: الشرط الأول: تكليف ذلك السارق، والتكليف هو: أن يكون بالغاً عاقلاً ملتزماً، فإذا سرق الصبي فلا قطع عليه؛ لأنه لم يتكامل عقله الذي يزجره عن السرقة، وكذلك إذا سرق المجنون فلا قطع عليه، وأما إذا سرق من مال الحربي فإن المجاهد له أن يأخذ من مال المحاربين ما يقدر عليه، فلا يقطع إذا قدر عليه، وإذا كان السارق كافراً محارباً فإنه يقتل. الشرط الثاني: أن يكون المال محترماً، فإذا كان غير محترم أو لم يكن له قيمة فلا قطع عليه، فإذا سرق خمراً فلا قطع عليه؛ لأنه لا قيمة لها، ومثلها سائر المحرمات كالدخان والقات والنرجيل وما أشبهها مما لا قيمة لها في الشرع، فلا قطع على من سرقها. وكذلك لو سرق آلات الملاهي كالعود والطنبور والطبول وما أشبهها، وكذلك لو سرق ما يجب إتلافه كالصور والأفلام التي فيها صور خليعة، وكتب الزندقة والإلحاد، والمجلات التي فيها خلاعة ومجون، وفيها إلحاد وزندقة، فهذه إذا سرقت فلا قطع على من سرقها؛ لأنه لا قيمة لها شرعاً، ولو أنها مقرة وتباع. الشرط الثالث: بلوغ النصاب، فلابد أن يكون المسروق نصاباً، وقدر النصاب بأنه مقدار ربع دينار أو ثلاثة دراهم، والدينار هو: أربعة أسباع الجنية، وربعه معروف، فربع الدينار هو نصاب السرقة، ومن الدراهم الفضة ثلاثة دراهم، والدرهم: قطعة من الفضة صغيرة، فإذا بلغ المسروق نصاباً أو كانت قيمته نصاباً فإنه يقطع فيه السارق. والمجن الذي قطع فيه النبي ﷺ ثمنه ثلاثة دراهم، وثلاثة درهم هي ربع دينار؛ لأن صرف الدينار في ذلك الوقت كان اثني عشر درهماً. والمجن هو: الترس الذي يلبسه المقاتل فوق رأسه، يُسمى مجناً ويُسمى مغفراً ويُسمى ترساً؛ لأنه يستر الرأس، ويكون على الرأس وعلى الأذنين ونحوها، وهو من حديد، فله ثمن، وهذا الرجل الذي سرق هذا الترس أو هذا المجن قطع بهذه السرقة فدل على أن هذا نصاب. ومعلوم أن آلات الملاهي ليس لها قيمة في الشرع لا ربع دينار ولا ثلاثة دراهم؛ فلأجل ذلك لا قطع في سرقتها، ولا يغرمها من أتلفها. هكذا الحكم شرعاً. الشرط الرابع: الحرز، فالمسروق لابد أن يكون محرزاً، فإذا أخذه من الشوارع والطرق فلا يُسمى سارقاً، وكذلك إذا وجد الباب مفتوحاً فدخل وأخذ قدحاً أو ثوباً فلا يُسمى سارقاً، وهكذا لو دخل الدكان فأخذ إناءً أو أخذ نعلاً أو شيئاً من المال قيمته نصاب فلا قطع عليه، وما ذاك إلا أنه لا يُسمى سارقاً؛ لأنه لم يسرقه من حرز، ومعلوم أن الأبواب التي تغلق تحرز ما في داخل البيت، فإذا كسر الباب ودخل فهذا قد أخذ من الحرز. ومعلوم أن الأسوار حروز، فإذا صعد مع السور وقفز ودخل الدار فهذا قد هتك الحرز. ومعلوم مثلاً أن الصناديق الكبيرة حروز، فإذا كسر الصندوق وأخذ ما فيه فإنه قد أخذ من الحرز، فيعتبر قد انطبق عليه اسم السارق الذي أخذ من الحرز. وإذا وجد الغنم في زريبة ففتح الباب عليها وأخذ منها فقد أخذ من الحرز، وإذا وجدها مع الراعي فإن الراعي أيضاً هو الحرز، فإذا اهتبل غفلته وأخذ فإنه قد أخذها من الحرز. وإذا وجد مالاً محرزاً بما يحرز به عادة كحجرة أو دار مقفلة أو نحو ذلك، فهتك ذلك الحرز وأخذ فإنه يصدق عليه أنه قد أخذ من الحرز، فيجب قطعه. الشرط الخامس: انتفاء الشبهة: فإذا كان له شبهة في هذا المال فلا قطع عليه، فإذا ادعى أن هذا المال وقف على المساكين، وأنا من المساكين، وكان قوله صحيحاً فلا قطع عليه، وإذا سرق من مال غنيمة وهو من جملة الغانمين قبل أن يقسم فلا قطع عليه؛ وذلك لأن له شبهة، وكذلك لو كان ولده من جملة المقاتلين، وكما إذا سرق من مال له فيه حق كبيت المال، لأن له فيه حقاً، وهو من جملة المستحقين، أو سرق من وقفٍ على فئة هو منهم، كالوقف على الفقراء أو على المساكين أو على هؤلاء المسمين وهو من جملتهم، فلا قطع في مال له فيه شبهة، بل لابد أن تنتفي الشبهة. الشرط السادس: ثبوت السرقة، وتثبت بأحد أمرين: بالبينة، وبالاعتراف، فإذا أقر واعترف بأنه الذي سرق فإنه تقطع يده. وإذا أنكر وجحد، ولكن شهد عليه شاهدان فإنه تقطع يده، ولابد في الشاهدين من العدالة، والعدالة هي: أن يكون الشاهد ذكراً عدلاً موثوقاً مقبولاً خبره، فلا تُقبل شهادة عدو له مثلاً؛ لأنه يطعن فيه ويقول: هذا يحب الإضرار بي، وكذلك لا يشهد عليه فاسق غير مقبول الشهادة عند المسلمين وغير مقبول الشهادة عند الحاكم.

стр. 918

موضع قطع اليد إذا ثبتت السرقة وتمت الشروط فإنها تقطع يده اليمنى، وتقطع من مفصل الكف، أي: يقتصر على قطع الكف من المفصل، ولا يؤخذ شيء من الذراع. وذكروا أيضاً أنها تعلق حتى ينتشر خبره، فقيل: تعلق في صدره مدة، وقيل: تعلق في خشبة أمام الناس حتى يشتهر أمره. وإذا قطعت فبعد القطع تحسم، والحسم هو: أن تغمس في زيت مغلي حار حتى تنسد مجاري العروق، لئلا يجري دمه فيموت، فهذا الحسم يوقف الدم. وإذا وجد في هذه الأزمنة علاج يوقف الدم غير الزيت المغلي استعمل لإيقاف الدم؛ لأن المطلوب قطع يده، وليس المطلوب إماتته؛ لأنه غالباً لو ترك فسال دمه ولم يتوقف لقضى على حياته، فإذا سال دمه إلى أن ينقضي فسيموت، بخلاف ما إذا حُسم فإنه يتوقف، هذا هو الأصل. ولاشك أن القطع خاص بالسرقة التي ثبتت فيها هذه الشروط وهذه الصفات، أما بقية الأشياء التي ذكرنا فإنه لا قطع فيها، وإنما فيها عقوبة تزجر عن أمثال هذا، ولا شك أن القطع حد شرعي؛ ولأجل ذلك شرع لأجل حفظ الأموال، فإن السارق إذا عرف أن يده ستقطع هانت عليه هذه الأموال التي سيتحصل عليها، ولكن الكثير من الناس لا ينتبهون لعاقبة الأمور، فيقدم وهو يعتقد أنه سيسلم، فيفتضح وتقطع يده، ثم قد لا ينتبه فتراه مرة أخرى يعود ويسرق، فبعد ما قطعت يده الأولى يسرق بيده الأخرى.

стр. 919

حكم من سرق مرة أخرى بعد أن قطعت يده إذا سرق السارق للمرة الثانية فإنها تقطع قدمه، فتقطع نصف القدم، ويترك العرقوب وما يحاذي الساق من القدم حتى يطأ عليه. ولو قدر أنه سرق للمرة الثالثة فالصحيح أنه لا تقطع يده؛ لأنه إذا قطعت يده بقي حسيراً لا يستطيع أن يأكل ولا أن يتناول حاجة، وهو بحاجة إلى إحدى يديه ليأكل بها، ويتنظف ويستنجي ويتطهر بها، فإذا قطعت تحسر، فإذا سرق للمرة الثالثة فإنه إما إن يُعزر وإما أن يُحبس إلى أن يتوب، وما روي من قطع يده اليسرى وقطع رجله اليمنى إذا تكرر منه فهذا لعلة عقوبة خاصة بذلك الشخص.

стр. 920

الحكمة من تشريع الحدود وإقامتها قطع يد السارق من حماية الشريعة الإسلامية لمصالح المسلمين، فإنهم بحاجة إلى من يحمي لهم مصالحهم، وهم بحاجة إلى من يحمي لهم أموالهم، فشرع القطع لحماية الأموال. وهم بحاجة إلى من يحمي لهم دماءهم؛ فشرع القصاص حماية للدماء. وهم بحاجة إلى من يحمي لهم أعراضهم وسمعتهم؛ فشرع الجلد الذي هو حد الفرية والقذف حماية للأعراض. وهم بحاجة إلى من يحمي لهم الأنساب؛ فشرع رجم الزاني أو جلده حماية للأنساب؛ لأن الزنا يسبب أن تختلط الأنساب هذا بهذا، فإذا زنى هذا بامرأة هذا وحملت صار ينفق على غير ولده، فينتسب إليه غير ولده، فحماية الأنساب أمر يهتم به المسلمون. كذلك أيضاً لحماية العقول شرع عقوبة تزجر من يتهاون بعقله، وهو حد الشرب؛ لأن الخمر تزيل العقل، فشرعت العقوبة التي تحفظ على المسلم عقله، بجلد من شرب حتى يتوب، وهذا ونحوه دليل على كمال هذه الشريعة.

стр. 921

شرح حديث: (أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [وعن عائشة ﵂: (أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة فقال: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟! ثم قام فاختطب فقال: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ، وفي لفظ: (كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها) ] . هذه قصة وقعت في عهد النبي ﷺ ، امرأة من بني مخزوم سرقت وثبتت عليها السرقة. وبنو مخزوم قبيلة من أشراف قريش، ومن أكابر قريش ومشهوريهم، كانت لهم مكانة وشهرة وشرف في قومهم، ولما ثبتت السرقة على هذه المرأة تحتم أن يقام عليها الحد، وأن يطبق عليها الشرع، وأن تقطع يدها كما تقطع يد غيرها، ولكن أكابر قريش عظم عليهم ذلك، فأهمهم شأنها، وصعب عليهم أن تقطع يدها، حتى قالوا: نفديها يا رسول الله! ولو بعشرة آلاف دينار، نفديها ولو بعشرين، حتى وصلوا إلى أربعين ألف دينار، مع أن الدية في ذلك الوقت هي ألف دينار، ولكنهم قالوا: نفديها بأربعين ألفاً، أي: بأربعين دية؛ وذلك خوفاً عليهم من العار، ومن أن تكون هذه المرأة التي هي من أشرافهم عاراً عليهم. ولكن النبي ﷺ يغار على حدود الله وحرماته، ولما ثبتت سرقة هذه المرأة المخزومية، وثبت عليها إقامة الحد؛ عزم على قطع يدها مهما كانت؛ ولو كانت شريفة ولو كانت كبيرة ولو كانت من ذوي قوم لهم منزلة؛ فإن حدود الله يستوي فيها الشريف والضعيف، ويستوي فيها الصغير والكبير، ويستوي فيها الغني والفقير، كلهم على حد سواء؛ وذلك لأن الله تعالى سوى بينهم في عبادته، فكذلك في سائر حقوقه. فلما سمعوا بأنه قد عزم على إقامة الحد عليها، وقطع يدها؛ التمسوا من يشفع لهم في إعفائها وفي ترك قطع يدها وفي قبول الفدية التي هي أربعون ألفاً، فلم يجدوا إلا أسامة، وعرفوا أنه حبّ النبي ﷺ وابن حبه؛ لأنه كان مولاه ﷺ ، ولما ولاه مرة على جيش وكان صغيراً طعنوا في ولايته وإمارته، فقال ﷺ : (إن تطعنوا في ولايته أو في إمارته فقد طعنتم في ولاية أبيه من قبله، وايم الله! إنه لخليق للإمارة، وإنه لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده) ، فشهد له بأنه يحبه، فصار يقال له: حب النبي، أي: محبوب النبي ﷺ ، يحبه لشهامته، ويحبه لفضله، ويحبه لتقواه، ويحبه لقرابته، ولكونه مولاه، وقد كان أبوه يُسمى زيد بن محمد، ولكنه بعد ما نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥] قال: أنا زيد بن حارثة. والحاصل: أنهم توسلوا بـ أسامة وقالوا له: كلّمه لعله يعفو عنها، اشفع لها لعله يسقط هذا الحد، فلما كلمه غضب ﷺ حيث إن قريشاً لشرفهم أرادوا ألا يقام هذا الحد عليهم، ويكون هذا إسقاطاً لحد من حدود الله، فغضب وقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) ، أتطلب تعطيل حد الله الذي أمر به وفرضه في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨] ؟ فأمر الله بقطع يد السارق في هذه الآية، فلابد من تنفيذ أمر الله، وإلا فالوالي يكون معطلاً لحد من حدود الله، ولا شك أن إقامة حدود الله تعالى عمارة للأرض، كما ورد في حديث: (لحد يقام في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً) أي: أنه إذا أقيم حد في بلد فإن البلد تأمن على وطنها وعلى أنفسها، وكذلك يأمنون من عقاب الله، ويأمنون من تسليط الله الأعداء عليهم أو تسليط اللصوص ونحوهم. إذاً: الحدود أمنة للبلاد؛ لذلك يتأكد إقامتها، ويحرم أن يتوسط أحد في تعطيلها، ولو كان الذي يحد شريفاً، أو أميراً أو وزيراً، أو قرشياً أو نسيباً، أو مهما كانت درجته؛ يسوى في الحدود بين الصغير والكبير، ولهذا ثبت أنه ﷺ كان ينهى عن الشفاعة في الحدود، ويقول: (إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع) أي: إذا بلغت القاضي أو وصلت إلى الأمير فقد وجبت ووجب تنفيذها، ولا يجوز بعد ذلك الشفاعة فيها، ولا يجوز قبول شفاعة أحد أياً كان، سواء كان والداً أو كبيراً أو صغيراً، ويجب أن ترد شفاعة من شفع في إبطال هذه الحدود، وقد تُوعد بهذا الوعيد وهو اللعن: (لعن الله الشافع والمشفع) ، وهذا وعيد شديد.

стр. 922

إسقاط الحد والعفو عنه قبل بلوغه إلى السلطان يقول صلى الله عليه سلم: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) ، أي: متى وصلني وجب تنفيذه؛ وذلك لأنه عرف أنه ثبت عنده هذا الحد فلم يمكنه تعطيله، بل يتحتم إقامته، هكذا أخبر ﵊، أما قبل أن يرفع إليه فإن أهل الحقوق إذا تنازلوا وأسقطوا حقهم لم يلزمه شيء. ولهذا جاء أن صفوان بن أمية كان نائماً في المسجد، وقد توسد رداءه، فجاءه لص فأخذ الرداء من تحت رأسه، وجعل تحت رأسه لبنة، ولما أخذه شعر به صفوان فاستيقظ، ثم قبض عليه، والرداء يساوي نحو ثلاثين درهماً، أي: أقل من ثلاثة دنانير، فلما قبضه ذهب به حتى أوصله إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إني قد عفوت عنه، فقال: (هلا قبل أن تأتيني به؟) أي: لماذا لم تسقط الحد عنه قبل أن تأتيني؟ ولماذا لم تعف عنه قبل أن ترفعه إلي؟ أما بعد أن رفعته إلي وعرفت أنا أنه سارق فلابد من قطع يده؛ وذلك لأنه اتصف بالسرقة، فهذا مثال في أنه يتعافى في الحدود قبل أن ترفع إلى السلطان. مثلاً: لو قبضت على سارق في بيتك أو قد خرج بالسرقة ووجدتها عنده، ثم عفوت عنه وطلبت منه أن يرد إليك مالك، أو سرق من جيبك أو من مخبئك نقوداً ثم قبضت عليه وعرفت أنه هو الذي سرق، واعترف بذلك، وعفوت عنه فيما بينك وبينه، ولم ترفع بأمره إلى الحاكم؛ فلا حرج عليك، أما إذا رفعت بأمره فلا يفيد أن تتنازل عنه بعد ذلك؛ لأن حق الله تعالى قد وجب، والسرقة هي حق لله؛ ولأنه حد من حدوده، وفيها حق للآدمي؛ لأنه اعتدى عليك. وأما القذف فإنه حق لآدمي فله أن يسقطه، وأما الزنا فإنه حق لله وذلك لما فيه من انتهاك الحرام، وحق للزوج، وحق للأولياء، ولكن ليس لهم أن يتسامحوا أو يتغاضوا عن مثل هذه الحقوق.

стр. 923

إقامة الحدود لا يفرق فيها بين شريف ولا وضيع النبي ﷺ نهى عن الشفاعة في الحدود، وأمرهم أن يحرصوا على إقامة الحدود: على رجم الزاني أو جلده، ورجم القاذف، وجلد الشارب للخمر، وكذلك تعزيز المنتهب والمعتدي، أو جلد كل من أتى حداً فيه جلد، فمن زنى وهو غير محصن يجلد، أو قذف يجلد، أو نحو ذلك، ولابد من إقامتها إذا وصلت السلطان، ولا تجوز الشفاعة فيها ولا التعطيل، ولا تجوز الوساطة، ولا يجوز أن يصيروا وسطاء في إبطال حق لله وحد من حدود الله. ولهذا أنكر النبي ﷺ بشدة على أسامة، ثم قام وخطب وأخبر بأن الأمم الذين قبلنا أهلكهم الله وعاقبهم بأسباب، وكان من تلك الأسباب تعطيل حدود الله، تعطيل حد الزنا، وتعطيل حد السرقة، قال ﵊: (إنه إذا سرق فيهم الضعيف قطعوا يده، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه) أي: إذا سرق فيهم الشريف تركوه لشرفه وخوفاً من منصبه، سواءً كان ذا منصب أو كان أميراً أو كان وزيراً، أو كان ابن أمير، أو ابن ذي شرف أو نحو ذلك، فلا يقتلونه إن قتل، ولا يقطعونه إن سرق، ولا يرجمونه إن زنى ونحو ذلك، وهذا لا شك أنه تعطيل لحدود الله، فأخبر ﷺ بأن الله عاقبهم بسبب تساهلهم في هذه الحدود، وإقامتها على الضعفاء دون الأشراف ونحوهم، ثم أقسم ﷺ فقال: (وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وفاطمة ابنته ﵊ هي سيدة نساء أهل الجنة، وابنة المصطفى ﷺ ، وهي البتول، وأم الحسن والحسين، وزوجة علي ﵁، ولا شك أن لها منزلتها، ومع ذلك -وحاشاها أن تسرق- ضرب مثالاً بها، إذ لم يكن عنده أغلى منها، ولا أقرب منها لكونها ابنته، فيقول: (لو سرقت لقطعت يدها) . هذا هو العدل، وهذه هي المساواة والتسوية بين الناس، ألا يترك أحد لمنزلة ولا لشرف، وعدم التسوية هو الذي أهلك الأمم قبلنا. كذلك أيضاً إقامة الحد في الزنا، ذُكر في التاريخ أنه كان من شريعة اليهود رجم الزاني إذا كان محصناً، وأنه زنى رجل من أشرافهم، ولما زنى تركوا إقامة الحد عليه ورجمه لشرفه، ولشرف قومه، أي: لأنهم أهل ثروة وأهل منصب فلم يرجموه، ولما كان بعد أيام أو بعد أشهر زنى رجل من أطراف الناس ومن ضعفائهم، فعزموا على أن يرجموه، فحال دونه قومه، وقالوا: لا نتركه يرجم حتى ترجموا فلاناً الذي هو ذو شرف، فعند ذلك عزموا على إلغاء هذا الحد الذي هو الرجم وتبديله، فاتفقوا على أنه متى زنى لا يرجم، فكانوا يسودون وجهه، ويطوفون به على حمار، يطوفون بالزاني والزانية منكسين، أي: كل منهما ظهره إلى ظهر الآخر، ولا يجلدون ولا يرجمون، وقالوا: نجعل هذا حداً يستوي فيه الشريف والطريف. وفي عهد النبي ﷺ زنى يهودي يهودية، فمُر عليه بهما محممين، فقال: (ما هذا؟ قالوا: قد زنيا، قال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: الجلد والتحميم، وكان عبد الله بن سلام قد عرف ما في كتابهم، وكان من مرشدة اليهود، فقال: كذبتم؛ بل تجدون في كتابكم الرجم، فأمرهم أن يحضروا التوراة فأحضروها، ولما أحضروها قرأ اليهودي ما قبل آية الرجم وما بعدها، وسترها بيده، فقال عبد الله: ارفع يدك، فرفعها فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها الرجم، ولكنه كثر -أي: الزنا- في أشرافنا، فخفنا ألا نسوي بين الناس فتركنا الرجم وعدلنا إلى التحميم، فقال النبي ﷺ : اللهم إني أول من أحيا سنة قد أماتوها) . وفي بعض الروايات أنه لما وقع فيهم الزنا وأرادوا أن يقيموا الحد على ذينك الزانيين قالوا: اسألوا محمداً، فإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوا منه، وإن أفتاكم بالجلد فاقبلوا منه، فنزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ، وخيره قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٢-٤٣] . وبكل حال فالرجم والقطع من حدود الله تعالى التي أمر بأن تقام على من اقترف جرماً من هذه الجرائم، حتى تأمن البلاد، وحتى يأمن الناس على أنفسهم، وعلى أموالهم، وحتى يرتدعوا عن فعل هذه الجرائم التي هي محرمة. فإن كانت هذه الجرائم أقيمت مع توبة الفاعل وندمه فإن هذا الحد يمحو عنه أثر الذنب، وإن كان أقيم عليه كرهاً وهو لم يتب، فإنه يعاقب في الدنيا بهذا الحد، ويعاقب في الآخرة على ذلك الذنب.

стр. 924

الخلاف في قطع جاحد العارية هذه المرأة المخزومية في أكثر الروايات أنها سرقت، وفي بعض الروايات أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، وأنها جاءت إلى قوم وقالت: إن آل فلان أرسلوني لأستعير منكم حلياً ليتجملوا به في عرس لهم، ثم لما أعطوها ذلك الحلي ذهبت به وباعته، فسألوها وقالوا: نحن أعرناك، فقالت: ما أعرتموني، وجحدت ذلك، ثم وجد الحلي عند أولئك الذين اشتروه، فقالوا: نعم اشتريناه من فلانة أي: هذه المخزومية، وكان اسمها فاطمة، فاعترفت بعد ذلك أنها أخذته من أولئك وباعته، وأنه ليس لها، فلما ثبت عليها هذا أمر النبي ﷺ بقطع يدها. فقيل: إنها ما قطعت إلا بسرقة سرقتها غير هذا المتاع أو غير هذه الحلي، وقيل: إنه سمُي الجحد للعارية سرقة؛ وذلك لأنه أخذ لمال بغير حق. وقد اختلف العلماء في قطع جاحد العارية، فذهب الإمام أحمد إلى أنه تقطع يد من جحد العارية إذا كانت تلك العارية نصاباً أو أكثر من النصاب لهذا الحديث؛ وذلك لأنه لا يمكن التحرز منه؛ فإن جحد العارية يحمل الناس على قطع الإحسان، وعلى قطع المعروف، فإن الإعارة من فعل الخير، فإذا كان الإنسان إذا أعار إنساناً قدراً أو أعاره مشلحاً يتجمل به أو أعاره متاعاً يتمتع به؛ أدى ذلك إلى أنه يجحده، وإذا جحده سلم من الإثم، وسلم من العقوبة، وسلم من إقامة الحد، حتى ولو وجدت عنده؛ فإذا كان هذا كذلك سيتتابع الناس في جحد هذه العواري، فعند ذلك يقل من يعير، وكل من عنده متاع يقول: لا أعيرك؛ أخشى أن تجحدني كما جحد فلان، وكما جحدني فلان، فينقطع الإحسان، وينقطع المعروف، بخلاف ما إذا أقيم الحد على جاحد العارية وقطعت يده فإن الناس يرتدعون فلا يقدم أحد على جحد العارية. هكذا ذهب الإمام أحمد إلى أنه يقطع جاحد العارية، وأما الأئمة الباقون فقالوا: لا يقطع جاحد العارية، وقالوا: إن هذه المخزومية ما قطعت إلا لأنها سرقت، ولم تقطع لجحد العارية، وقالوا: هي جمعت بين الأمرين: بين السرقة وبين جحد العارية، وقالوا: من شروط السرقة، أخذ المال خفية، وأخذه من حرز، وهو أن يكسر الأبواب -مثلاً- والصناديق، ويأتي على حين غفلة فيتسلق الحيطان ويأخذ المال المحرز المحفوظ، فهذا هو السارق حقاً، والذي يستعير لا يُسمى سارقاً، بل يُسمى مستعيراً، فإذا جحد يُسمى جاحداً، كجاحد الدين، وكما لا يقطع المنتهب ولا المختلس ولا الغاصب ونحوه فكذلك لا يقطع جاحد العارية. والمعمول به عندنا أنه يقطع جاحد العارية، وذلك لمشقة التحفظ عنه وعن أمثاله، وبكل حال فإن قطع يد السارق كما ذكرنا حد من حدود الله تعالى يقام حتى يأمن الناس على أموالهم، وحتى لا يعتدي أحد على مال أخيه بغير حق، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 925

شرح عمدة الأحكام [٧٠] أكرم الله الإنسان بالعقل، وميزه به على سائر الحيوانات، ولهذا حرم الله الخمر والمسكرات التي تزيل العقل وتذهبه، وجعل النبي ﷺ عقوبة على شارب الخمر، ولعن في الخمر عشرة، وما ذاك إلا لضررها وخبثها.

стр. 926

أحكام شارب الخمر قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب حد الخمر: عن أنس بن مالك ﵁ (أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدة نحو أربعين) ، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: (أخف الحدود ثمانون) ، فأمر به عمر. وعن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) ] . هذا الباب في حد الخمر، أي: في عقوبة من شرب الخمر؛ وذلك لأنها من المحرمات، ولابد لمن فعل شيئاً محرماً مجمعاً على تحريمه أن يُعاقب، والعقوبة تكون بالزجر أو تكون بالجلد أو تكون بالحبس أو بالتغريم أو بالقتل إذا لم ينته إلا بالقتل، أو غير ذلك من أنواع العقوبات. وقد تقدم أن عقوبة الزاني الجلد إن كان بكراً والرجم إن كان ثيباً، وعقوبة القذف به الجلد الذي هو ثمانون جلدة كما ذكر في القرآن، وعقوبة شارب الخمر لم تُذكر في القرآن، ولكنها أخذت من السنة، ولم ترد محددة تحديداً ثابتاً ولكنها أخذت من فعل النبي ﷺ ، وقد كان ﷺ كثيراً ما يزجر عن الشيء ويعاقب عليه، ولكنه لا يحدد له عقوبة.

стр. 927

الخلاف في حد شارب الخمر اختلف في حد الخمر، فقيل: إنه ﵊ حددها بأربعين، وقيل: إنه لم يحدد، ولكن أمر بجلده نحو الأربعين، والثابت اليقيني أنه لابد من جلده، عقوبة له على ذلك.

стр. 928

مراحل تحريم الخمر معلوم أن الخمر قد حرمت بعدما كانت تشرب في أول الإسلام، وكانوا في الجاهلية يتفاخرون بشربها، حتى يقول حسان وهو يصف حاله قبل أن يسلم: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً لا ينهنهنا اللقاء ولكن أقروا عليها في أول الأمر وفي أول الإسلام لأنهم قد ألفوها، ويصعب عليهم كثيراً أن يتخلوا عنها فجأة ودفعة واحدة، فحرمت بالتدريج شيئاً فشيئاً، فأول ما نزل فيها قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، وليس في هذه الآية دليل على التحريم البات، ولكن فهم بعضهم تحريمها من أنها إثم؛ والإثم محرم، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:٣٣] فحرم الإثم في هذه الآية، أي: كل شيء يسبب إثماً، يعني: وزراً وذنباً وحنثاً وسيئة، ووصف الله الإثم بالكبر فقال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وقال في نفس الآية: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) . لما نزلت هذه الآية تاب عنها خلق كثير، وقد دعي عمر ﵁ -وكان من أشد الناس فيها- وبشر بنزول هذه الآية فقال: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً) ، واستمر أناس يشربونها وقالوا: ما دام أن فيها منافع فإنا سنشربها، فنزلت الآية الثانية في سورة النساء وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، وذلك لأن بعض الصحابة صلى وهو سكران، فخلط في صلاته، وخلط في قراءته، فكان ذلك سبباً للنهي عن أن يأتيها في حالة السكر، ولما نزلت هذه الآية دعي أيضاً عمر فتليت عليه، فقال: (اللهم بين لنا بياناً شافياً) ، ولما نزلت هذه الآية تركها خلق كثير، وبقي أناس يشربونها في الأوقات الطويلة، أي: يشربونها بعد الفجر بحيث يصحوا قبل الظهر، أو يشربونها بعد العشاء بحيث يصحوا قبل الفجر، فأما الأوقات الضيقة فلا يشربونها؛ لأن الله تعالى نهاهم أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهذا نوع تقديم بين يدي تحريمها. ولما نزلت آية النساء وفيها النهي عن قربان الصلاة حالة السكر تاب عن شربها خلق كثير؛ وذلك لأن هذا تقدمة بين يدي تحريمها، وعلموا أن في هذه مضرة، وقالوا: لا خير في شراب يمنعنا من الصلاة، لا حاجة لنا فيه، فتركوها ولو كانت مشروبة لهم من قبل ولذيذة في نفوسهم. وبعد مدة نزل تحريمها تحريماً صريحاً في آيات في سورة المائدة، وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] ، فلما نزلت قال الصحابة ﵃: (انتهينا انتهينا) ، فتابوا عنها وأقلعوا.

стр. 929

أوجه تحريم الخمر في آية المائدة أخذ العلماء تحريم الخمر من آية المائدة من عشرة أوجه: الوجه الأول: أن الله قرنها بالأنصاب، وهي: الأصنام، ومعلوم أن الأصنام محرم اقتناؤها ومحرم عبادتها، فما قرن بها أعطي حكمها. الوجه الثاني: أن الله جعلها رجساً، والرجس: هو النجس، وهو الشيء المستقذر، ولا شك أن كل نجس ومستقذر فإنه حرام، وإن النفوس تأباه وتبتعد عنه. الوجه الثالث: أن الله أضافها إلى الشيطان وجعلها من أعماله، أي: مما يدعو إليه ومما يزينه، والعاقل لا يأتي شيئاً يحبه الشيطان، فالشيطان إنما يحب للإنسان هلاكه، ويتمنى للإنسان أن يهلك، وأن يضل، وأن يتعب ويبأس، ويحرم ويشقى، فشيء للشيطان فيه عمل ووسيلة علينا أن نبتعد عنه. الوجه الرابع: الأمر في الاجتناب في قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ) اجتنبوا يعني: ابتعدوا عنه، أي: صيروا في جانب وهو في جانب، وهذا أبلغ في الزجر؛ وذلك أبلغ من أن يقول: اتركوه، فإنهم إذا تجنبوه ابتعدوا عنه، فأخذوا من هذا أنها محرمة، وكل شيء أمرنا باجتنابه فإنه لا يجوز القرب منه، فضلا ًعن ملابسته، فضلاً عن تعاطيه وشربه. الوجه الخامس: ترتب الفلاح على تركها في قوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) والمفلح: هو السعيد، ولا تحصل السعادة والفلاح إلا باجتناب الخمر والميسر ونحوهما، والفلاح هو صفة أهل الإيمان كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] أي: قد سعدوا، أي: أن من لم يتجنب الخمر والميسر فإنه بعيد من الفلاح، وبعيد أن يصل إلى مرتبة الفلاح، وحري أن يكون من أهل الشقاء والخسارة. الوجه السادس: قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ) أي: أن الشيطان هو الذي يدعو إليها، وهي من عمله، (أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ) فالشيطان يحرص على إيقاع العداوة بين المسلمين، والعداوة هي: أن يحقد كل منهم على الآخر، وأن يعاديه ويقاطعه، وما ذاك إلا أنه إذا سكر فقد يسب أخاه ويسب عمه وخاله، وقد يعتدي فيشج هذا ويضرب هذا؛ لأنه قد فقد العقل الذي يحجزه، فإذا صحا ندم على ما فعل، ولكن بعد أن فعل ما يلام عليه. وذكر في أسباب النزول قصة حمزة ﵁، وهي: أنه شرب قبل أن تحرم الخمر وسكر، وكان لـ علي ﵁ ناقتان من أشرف النوق وأفضلها، حصل عليهما من غزوة بدر، ولما عزم على أن يذهب مع بعض الطوافين ليأتي بإذخر ليبيعه ويستعين بثمنه في وليمة زواجه بـ فاطمة، وكان حمزة في بيت قريب من تلك الناقتين، فأنشدته امرأة مغنية وهو ثمل فقالت: ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها وضرجهن حمزة بالدماء فهيجته على أن يأخذ السكين، ويذهب إلى الراحلتين ويجب أسنمتهما -وهما لم يذكيا-، ويبقر بطونهما، ويأخذ من أكبادهما، فلما أتى علي ﵁ وإذا ناقتاه قد فعل بهما هذا الفعل، فهاله ذلك وأحزنه، وأُخبر بأن الذي فعله هو عمه أخو أبيه حمزة سيد الشهداء، فدخل على النبي ﷺ وأخبره بما فعل حمزة، فجاء النبي ﷺ ودخل على حمزة وهو ثمل لم يصح، فجعل يلومه ويوبخه، فرفع رأسه وقال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟! قال ذلك لأنه فاقد العقل، وهل يقول ذلك للنبي ﷺ عاقل فضلاً عن حمزة؟!! لا شك أنه ما قاله إلا بعدما سكر وذهب عقله. إذاً: فالخمر من أسباب البغضاء والعداوة، ولا شك أن علياً ﵁ لولا أنه عارف أن هذا من فقد العقل لحقد على عمه، ولمقته ولأبغضه، ويحصل هذا كثيراً، فإن جماعة من الصحابة سكروا مرة فتقاتلوا وتضاربوا، فأخذ أحدهم لحي جمل فشج به وجه بعضهم، فكان يحقد عليه، فالشيطان يوقع العداوة بين المسلمين إذا سكروا وفعلوا ما فعلوه من هذه الأشياء التي توجب العداوة بينهم. الوجه السابع: البغضاء التي ذكرها الله مع العداوة، فالشيطان هو الذي يوقعها، فيبغض الإنسان أخاه، ويبغض ابنه أو عمه أو خاله أو ابن عمه؛ لأنه قد اعتدى عليه وهو سكران، وقد ضربه أو قد أتلف ماله أو نحو ذلك. الوجه الثامن: الصد عن ذكر الله في قوله: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) ومعلوم أن الإنسان إذا كان ثملاً غائب الفكر لا ينشغل بذكر، ولا ينشغل بدعاء، ولا ينشغل بقراءة، ولا ينشغل بعبادة؛ لأنه فاقد لعقله الذي تميز به، فلأجل ذلك جعل هذا علة في التحريم. الوجه التاسع: أن السكر والميسر ونحوهما مما يشغل عن الصلاة، وذلك أيضاً من أمر الشيطان لقوله تعالى: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ) أي: يشغلكم عنها، كما قال بعض المتأخرين: إن جاءه الظهر فالوسطى يؤخرها أو مغرباً فعشاء قط لم يأتِ أي: إذا سكر وقت الظهر فإنه يؤخر العصر أو لا يصليها إلا بعد ما يصحو أو تفوته، وإن سكر بعد المغرب فلا يصحو إلا نصف الليل أو نحوه، فتفوته العشاء، وإن أتاها أتاها وهو غافل، وهو ساهٍ، وإن أتى بها لم يأت بها بقلب حاضر، ولا شك أن هذا من أسباب تحريم الخمر. الوجه العاشر والأخير: قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) أي: وقد عرفتم أضرارها ألا فانتهوا، لذلك قالوا: (انتهينا انتهينا) فمن هذه الآيات عرف الصحابة أن الخمر قد حرمت.

стр. 930

بعض الأدلة على تحريم الخمر ورد في تحريم الخمر أدلة كثيرة، منها أنه أمر بإراقتها وإتلافها، ولما حرمت دخل النبي ﷺ الأسواق ومعه بعض أصحابه معهم السكاكين، فجعلوا يشكون تلك الظروف التي فيها الخمر، ويتركون ما فيها يسيل، فجرت في سكك المدينة على أهلها، وإتلافاً لماليتها؛ لأنها لا قيمة لها ولا ثمن، ولم يراع حتى ظروفها التي هي أوعية لها، بل أتلفها على أهلها. وأخبر أيضاً بأنها أم الخبائث، وأخذ العلماء من ذلك أنها نجسة العين؛ لأن الخبيث محرم، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، ولا شك أنها من الخبائث، لما ذكر في الآية من الآثار التي تترتب على فعلها وعلى تعاطيها. ومن الأدلة على تحريمها أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة: (لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومشتريها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها) ، فلعن هؤلاء العشرة لأنهم تساعدوا على الخمر، على صناعتها، وعلى ترويجها، وعلى العمل فيها، وإن كان الإثم أصلاً هو على الذي يشربها، وأما البقية فإنهم يساعدون عليها، فكما لعن في الربا أربعة: (لعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه) ، فكذلك لعن في الخمر عشرة من الذين يتساعدون فيها. وأخبر النبي ﷺ بعقوبة شاربها في الآخرة بقوله: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) ؛ وذلك لأن في الجنة خمراً، ولكن ليست كخمر الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً﴾ [النبأ:٣٤-٣٥] فخمر الدنيا فيها اللغو وفيها الكذب، وأما خمر الجنة فهي سالمة من ذلك، وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٧-١٩] أي: لا يأتيهم صداع -وهو الغول- أو السكر وذهاب العقل، وهكذا قوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] أي: فهي سالمة من اللغو ومن الغول الذي هو السكر، فهذه هي خمر الجنة، فمن شرب الخمر في الدنيا حرمها في الجنة. وقد يكون ذلك سبباً في حرمانه من دخول الجنة إذا كان مصراً عليها أو مستحلاً لها، فإنه إذا دخل الجنة أحد لن يحرم شيئاً من ملذاتها ولا من نعيمها، فهذا الذي شربها في الدنيا يمكن أن يحرم من دخول الجنة إلا أن يشاء الله. وأخبر النبي ﷺ بأن من أصر على شرب المسكرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، عصارة أهل النار، وهذا أيضاً يدل على أنه يدخل النار -والعياذ بالله- ويعذب فيها، ويُسقى من هذه العصارة بدل ما نعم نفسه في الدنيا بهذه اللذة وبهذه الحلاوة، فعوقب بأن يسقى من هذه العصارة، عصارة أهل النار، يعني: أوساخهم، وغسالات فروجهم، وغسالات أبدانهم ونحو ذلك، لوا شك أن هذا من أبشع العذاب، فهذا دليل واضح على أنها حرمت تحريماً مؤبداً، وأن متعاطيها متعرض لعقاب الله تعالى. وكذلك يحرم بيعها والتجارة فيها، وعملها، قال ﷺ : (من باع الخمر فليشقص الخنازير) ، ومعلوم أن الخنزير محرم لخبثه، وقد جعل الذي يبيع الخمر كأنه يشقص الخنازير، والتشقيص هو القصب، أي: فهو مثل القصاب هو الذي يقطع اللحم، يعني: أن هذا البائع للخمر مثل الذي يقطع لحم الخنزير قطعة قطعة ويبيعه، ولحم الخنزير محرم، وبيعه وتشقيصه وتقطيعه محرم أيضاً، وهو نجس نجاسة عينية مثل نجاسة الكلاب ونحوها، فكل هذا دليل على بشاعة هذه الخمرة التي هي أم الخبائث وعقوبتها.

стр. 931

حد شارب الخمر ومقداره عقوبة السكران في الدنيا الجلد؛ وذلك لأنه لما حرمت الخمر كان هناك أناس قد تعلقت نفوسهم بها، وألفوها، وصعب عليهم الانفطام عنها؛ فشربها إنسان منهم فجيء به وهو ثمل سكران، فأمر النبي ﷺ بجلده، فجلده الحاضرون بالنعال وبالعصي ونحوها نحواً من أربعين جلدة، واستمر على ذلك الحد في عهد النبي ﷺ نحو أربعين جلدة، وكذلك أبو بكر كان يجلد شارب الخمر أربعين جلدة. ولما كان عهد عمر ﵁ دخل في الإسلام كثير من أهل البلاد النائية الذين كانوا قد اعتادوا على شرب الخمر، واستماتوا فيها واعتادوها، وتمكنت من نفوسهم سواء كانوا من الفرس في العراق، أو من الروم ونحوهم في الشام، أو من القبط ونحوهم في مصر، أو من أشبههم ممن دخلوا في الإسلام، فكانوا قد اعتادوا هذا الشراب، ودعوا إليه أيضاً بعض العرب وزينوا لهم شربه، فلما جلدوا أربعين جلدة لم تؤثر فيهم هذه الأربعين، ولم تزجرهم عن تعاطي شربها، بل شربها آخرون، ولم يبالوا بالجلد، فاستشار عمر الصحابة لما بلغه كثرة من يشربها في الشام وفي العراق وفي مصر، وفي غيرها من البلاد التي فتحت في عهده، فرأى أن الزيادة في الحد أولى من بقائه على الأربعين؛ لأن الأربعين قد لا تكفي في زجرهم، فاستشار الصحابة ﵃، فقال عبد الرحمن بن عوف: (إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون) ، والمفتري: هو القاذف الذي ذكر الله أن حده ثمانون، وقال أيضاً: (أخف الحدود حد القذف ثمانون جلدة، فلا ينقص عن الثمانين) ، فأمر به عمر ﵁، فكان يجلد الشارب ثمانين جلدة، ويشددون عليه حتى ينزجر بذلك ويرتدع غيره عن أن يفعلوا كفعله، واستمر الأمر على ذلك، فاختلف العلماء: هل هذه الزيادة التي زادها عمر تعتبر حداً؛ لأنه قال: أخف الحدود ثمانون، أو تعتبر تعزيراً؟ أي: هذه الأربعون الزائدة هل تعتبر تعزيراً أم أنها حد؟ يرى كثير منهم أن الحد أربعون؛ لأنه الذي كان في عهد النبي ﷺ ، وأما الزيادة فتستعمل إذا كثر الشرب، فإذا كثر السكر في مدينة أو في بلدة ولم ينزجروا بالأربعين فيزاد فيه إلى الثمانين، وقد تجوز الزيادة إلى المائة أو إلى أكثر حتى يحصل الانزجار والارتداع؛ وذلك لأن هذا تعزير، والتعزير ليس له منتهى وليس له حد، وإنما هو بقدر الحاجة، وبقدر ما تحصل به الكفاية. وقد تصل العقوبة إلى أشد من ذلك، فقد ثبت أنه ﷺ قال: (إن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه) ، فأمر بقتله إذا تكرر منه الشرب ولم يرتدع بهذا الجلد، هذا الحديث يقول بعض العلماء: إنه منسوخ، ويقولون: إنه لم يُعمل به، ولكن صحح كثير من العلماء أنه لم ينسخ، وأنه باقٍ؛ وذلك لكثرة طرقه التي جاء بها، حتى روي عن نحو عشرة من الصحابة ﵃ رووا هذا الحديث، وبعضهم ممن تأخر في دخول الإسلام، وهو يشتمل على الأمر بقتل الشارب إذا حد ثلاث مرات، فإذا جلد مرة أربعين ثم جلد أربعين ثم جلد أربعين ولم ينزجر وعاد في المرة الرابعة فحده أن يقتل، وأن يسلب حياته هذه التي هي حياة بؤس؛ حيث إنه لم ينزجر ولم يرتدع فلا يردعه إلا القتل والإعدام. هكذا جاء هذا الحديث مما يدل على بشاعة هذه الخمر وشناعتها وشدة العقوبة التي رتبت عليها؛ لأنها أم الخبائث، ولأن التساهل فيها قد يؤدي إلى الشرور والأضرار؛ ولأن الله تعالى ما حرم شيئاً إلا وفيه مضرة، وما حرم على العباد إلا الشيء الذي يضرهم، ولا شك أن الخمر غاية في الضرر؛ وذلك لأن الذي يشربها ويتعاطاها قد يفقد عقله يفقد إحساسه يفقد ميزته التي تميز بها وهي هذا العقل، فالعقل هو ميزة الإنسان العقل هو شرفه العقل هو فضل الله عليه الذي تميز به، فبه يكتسب، وبه يحسن التصرف، وبه يبيع ويشتري، وبه يأخذ ويعطي، وبه يعقل ما يقول، وبه يبتكر ويفكر، وبه يعرف ما ينفعه وما يضره، فالشيء الذي يزيل هذا العقل ويلحق صاحبه بالبهائم، أو أقل حالة من البهائم ينبغي أن يحارب في كل شريعة، وينبغي أن يقضى عليه، ألا وهو هذا المسكر، فإنه بلا شك يزيل ويغطي هذا العقل من الإنسان، فلذلك جاءت الشريعة الإسلامية بالقضاء عليه، وبالزجر عنه، وبالعقوبة عليه. والعقوبة في الآخرة -كما ذكرنا- أن أهله يشربون من عصارة أهل النار، وأنهم يمنعون من لذة أهل الجنة، والعقوبة في الدنيا أنه يقتل إذا تكرر منه تعاطي الخمر أربع مرات ولم ينزجر بالجلد، ولا شك أن هذا دليل على بشاعة هذه الخمر، وشناعتها والعقوبة عليها.

стр. 932

شرح حديث: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) عن أبي بردة أنه ﷺ قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) المراد: جلد التأديب، كأن يؤدب الرجل ولده أو يؤدب خادمه أو يؤدب زوجته، أو نحو ذلك، فلا يزيد على عشرة أسواط، يعني: عشر جلدات، أما حدود الله وحقوقه والعقوبة على معاصيه فإنه يجلد فيها الجلد الذي يردعه، فجلد عقوبة تارك الصلاة لا شك أنه يجلد بما ينزجر به، ولو زاد على المائة أو نحوها، وكذلك عقوبة من يبيع المحرم كالذي يتعاطى رباً مثلاً، أو يغش في معاملات أو نحوها يجلد ولو زاد على الخمسين أو السبعين أو نحو ذلك بما يرتدع به، وهكذا عقوبة الظلمة وأهل الغصب وأهل النهب وأهل السلب وقطاع الطرق وما أشبههم يعاقبون بما ينزجرون به، وبما تخف به المعاصي.

стр. 933

شرح عمدة الأحكام [٧١] المسلم متقيد بالشرع في كل ما يأتي وما يذر، من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، فللشرع في كل ذلك أحكام، ومن ذلك الأحكام الشرعية الجارية على ألفاظ لسانه ومنها اليمين، التي رتب الله عليها الكفارة، ونهى عن الكذب فيها وغير ذلك من الأحكام.

стр. 934

أحكام اليمين قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الأيمان والنذور. عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير) . وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها) ] . من الأحكام الكلام على الأيمان وعلى النذور، واليمين هي الحلف، ويُسمى قسماً، وسمي يميناً لأن المتحالفين في الجاهلية كانوا يتقابضون بالأيمان من باب التأكد ومن باب التقوية، فيمسك أحدهما بيمين الآخر ثم يقسم هذا القسم المؤكد، فمن ثمَّ سمي الحلف يميناً، كما ذكر في قول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ، وذكر باسم الحلف في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] ، حيث ذكر الله كفارة اليمين، ثم ذكر أن هذا حلف، وذكر باسم القسم في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩] ، وفي قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف:٢١] يعني: حلف لهما. وقد أقسم الله تعالى بالقرآن في عدة مواضع، كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] ، وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق:١٦] ، وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] ، وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] ، وكذا قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١] ، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ، وقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] ، وقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ، وقوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ [العاديات:١] ، وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] ، وقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً﴾ [الصافات:١] ، وقوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١] ، وقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] وما أشبهها، فهذه تُسمى أقسام القرآن التي أقسم الله فيها. والله تعالى له أن يقسم من خلقه بما يشاء، وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا بخالقه وبربه، وذلك لأن القسم تعظيم للمقسم به كما سيأتي.

стр. 935

فائدة اليمين اليمين أو القسم يعتبر مؤكداً للكلام، فإذا أقسم على شيء فمعناه تقوية ذلك الشيء وتأكيده والتحقق من وجوده وما أشبه ذلك، فإذا حلف أنه سيأتيك فإن هذا تعهد، وإذا حلف أنه ما ضرب فلاناً فهذا تأكيد لعدم فعله، وإذا حلف أن يعطيك كذا وكذا فإن هذا تقوية؛ لأنه تعهد بإعطائك، وإذا حلف أن فلاناً موجود فإن هذا أقوى من أن يقول: إنه موجود حاضر دون أن يأتي بيمين، وهكذا بقية الأمثلة، فالقسم يؤكد الكلام. ولأجل هذا يستعمل اليمين في الحكومات وفي القضايا، ولهذا قال ﷺ : (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، وفي حديث آخر: (قضى باليمين على المدعى عليه) ، واليمين التي هي الحلف جعلها على المنكر أو على المدعى عليه، وذلك لأن فيها نفياً لما ادعي به، فهذا دليل على أن اليمين تؤكد الكلام، فإذا قال: ما عندي لك دين ثم حلف على ذلك فقد تقوى النفي وتقوت براءته من ذلك الحق الذي تتدعيه عليه.

стр. 936

شرح حديث: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة) في هذين الحديثين أنه يجوز الحنث والكفارة إذا كان في ذلك خير، فالحديث الأول يقول ﷺ : (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها) ، والمراد بها الولاية على مجموعة والرئاسة عليهم، فالأمير هو الذي يكون والياً على أهل بلد أو والياً وأميراً ورئيساً على قسم أو على جهة أو على أسرة أو قبيلة أو نحو ذلك يرجعون إليه ويطيعونه، ويأمرهم بما يراه صالحاً لهم ونحو ذلك، والإمارة يُختار لها الأكفاء الذين فيهم الأهلية، ويبتعد عن اختيار من ليس كفؤاً لها، والإنسان لا يحرص عليها، وذلك لما فيها من المسئولية، ولما فيها من التعب والعمل الذي يناط بذلك الأمير، ولأن الناس يتعلقون به ويطلبون منه أن يفعل كذا وكذا، فيكون ذلك قدحاً في عدالته إذا اتهم وألصقت به التهم، أو عمل وليس من أهل العمل أو نحو ذلك، فلأجل هذا ينهى عن أن يسألها. أما إذا عين الإنسان أميراً أو رئيساً أو مديراً أو نائباً وهو لم يسأل هذه الولاية وإنما اُختير لها واتُفق على اختياره لكونه كفؤاً فإنه يُعان عليها، يعينه الله ويسدده.

стр. 937

كفارة اليمين ما يتعلق بالإمارة في هذا الحديث ذكر استطراداً، والشاهد من الحديث قوله: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك) . فالإنسان قد يحلف ويؤكد الحلف، ويكون حلفه على ترك معروف أو على فعل منكر أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك يندم على يمينه، ويقول: ليتني ما حلفت. لقد أوقعتني هذه اليمين في حرج. فإذا حلف الإنسان -مثلاً- أن لا يدخل بيت أخيه، أو حلف أن لا يكلم أباه، أو حلف أن لا يعطي المساكين من الصدقات ونحوها، أو لا يعطي هذا المسكين، أو حلف أن لا يصلي بهذا المسجد كراهية لإمامه ولا ذنب له مثلاً، أو حلف أن لا يصل أرحامه، أو حلف أن يعق أباه، أو حلف أن يقطع أقاربه، أو حلف أن لا يأكل عند فلان وإن كان أكلاً عادياً أو نحو ذلك، ثم رجع إلى نفسه فهذا الحلف تارة يكون على مخالفة ومعصية وتارة يكون على أمر عادي، فالأولى له في الحالات كلها أن يفعل الذي هو خير، حتى ولو كان من الأمور العادية، وسيأتي لها أمثلة في النذور إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإذا حلف أن يهجر فلاناً ولا يسلم عليه فبقي على هذا الهجران شهراً، وفكر بعد ذلك وقال: أليس هذا ذنباً؟ وأجاب: بلى. إن التهاجر ذنب، فما المخرج وأنا قد حلفت؟ فنقول: المخرج أن تكفر فتطعم عشرة مساكين من أوسط ما تطعم به أهلك، أو تكسوهم، أو تعتق رقبة، فإن لم تجد فتصوم ثلاثة أيام متتابعة، وتفعل الذي هو خير، فسلامك على أخيك خير من هجرانه، وأكلك من طعامه جبراً لنفسه خير من تركك لذلك، وصلتك لأرحامك خير من القطيعة، بل إن القطيعة ذنب. وكذلك عند الحاجة قد يحلف الإنسان وتحمله الحاجة على المخالفة، فجعل الله له كفارة، فقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] ، وتعقيد الأيمان يعني تأكيدها وتقويتها، وفي قراءة (عاقدتم الأيمان) يعني: عقدتم اليمين وأكدتموها. وقد عفا الله تعالى عن اللغو، فكثيراً ما يجري على لسانك وأنت في المجلس قولك: لا والله، وبلى والله. وأنت ما عزمت على الحلف، فهذا من اللغو الذي يُعفى عنه، وأما إذا عزمت وجزمت وحلفت أنك ما تركب هذه السيارة، أو أنك ما تعطي ولدك مفاتيحها مثلاً، أو أنه ما يقود بك سيارة، أو أنه لا يدخل عليك طوال حياتك مثلاً، أو حلفت أن تقتل هذا الرجل وأنت ظالم له، أو حلفت أن تقطع يده بغير حق، أو تقطع منه طرفاً، أو حلفت أن لا تقضيه حقه مع أنه مستحق، أو حلفت أن لا تشتري من هذا الدكان بغير ذنب وأنت ستحتاج إلى أن تشتري منه، فمثل هذه الأشياء الأولى بك أن تخالف ما حلفت عليه، وأن تكفر عن يمينك، وأن تفعل الذي هو خير. ومن الدليل عليه أيضاً حديث أبي موسى وقصته في غزوة تبوك، فالأشعريون كانوا أربعة أو خمسة يحبون أن يغزوا مع النبي ﷺ ، وهم لا يجدون ما يركبون، ولا يجدون رواحل يرحلون عليها، فأرسلوا واحداً منهم إلى النبي ﷺ يطلبون منه أن يحملهم، فعند ذلك جاؤوا إليه وهو غضبان من كثرة من ينازعه وكثرة من يطلبه، ففي حالة طلبهم له وهو غضبان قال: (ما عندي ما أحملكم، ووالله ما أحملكم) صدرت منه هذه اليمين: (والله ما أحملكم) ، فرجعوا يبكون أسفاً على أنه لم يحملهم، وبعد ساعات جاءت إليه ﵊ رواحل، فقال: (أين أبو موسى الأشعري؟) ، فقيل: إنه رجع. فأرسل إليهم بخمس من الإبل ليركبوها وليرتحلوا عليها ويغزوا معه، فلما جاءتهم قالوا: إنه قد حلف أن لا يحملنا، إنا استغفلنا رسول الله ﷺ يمينه، والله لا يبارك لنا. فعند ذلك رجعوا إليه وقالوا: إنك قد حلفت أن لا تحملنا ثم حملتنا! فقال: (ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، إني -والله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وتحللتها) أي: فعلت الذي هو خير. فجعل هذا من فعل الخير، فهو حلف أنه لا يحملهم، وكان في غزوهم مصلحة ومنفعة وخير، فحملهم بعد ما حلف أن لا يفعل، وكفر عن يمينه، فهذا ونحوه دليل على أن من حلف أن لا يفعل معروفاً فإن الأولى له أن يفعله. ذكروا أن رجلاً كان له دين على إنسان، فأفلس ذلك المدين وكثر عليه الدين، فقالوا لصاحب الدين: لعلك تنزل وتسقط عنه شيئاً من دينك -أي: من باب التسامح- فحلف وقال: والله لا أسقط منه شيئاً. فأخبر النبي ﷺ فقال: (حلف أن لا يفعل معروفاً) ثم أمره أن يكفر ويسقط عنه بعض الشيء) ، فهذا مثال في أن من حلف أن لا يفعل معروفاً فإن الأولى له أن يفعله ويكفر عن يمينه، ومن حلف أن يفعل منكراً فإن عليه أن يتركه، كما سيأتي. وعلى كل حال فاليمين إذا كان الترك خيراً من الفعل فالإنسان يترك ما حلف عليه، وفي الكفارة محو لذلك الذنب الذي فعله، فإذا كفر الكفارة التامة محي عنه ذلك الحنث، وأما إصراره على ذلك فإنه مذموم، قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] يعني: فعل الشيء بدون كفارة. فهناك ثلاثة أشياء: الأول: الحلف على فعل منكر ثم يفعله، فهذا منكر. الثاني: الحلف على ترك معروف ثم يتركه، فهذا أيضاً منكر. الثالث: أن يحلف على فعل شيء ثم يرى أن فعله منكر، فيكفر ويمحو الله عنه اليمين الذي حلف بها.

стр. 938

شرح حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) ، ولـ مسلم: (فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، وفي رواية: قال عمر: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها ذاكراً ولا آثراً) يعني: حاكياً عن غيره أنه حلف بها] . هذا الحديث يتعلق بالحلف، والحلف: هو القسم بالله أو بأسماء الله أو بصفات الله على أمر من الأمور لتأكيده وتقويته. والإنسان إذا أراد أن يؤكد قولاً من الأقوال فإنه يقنع الحاضرين والسامعين بهذا الحلف، فيقول: والله إن الأمر كذا. وبالله إنه لكذا. أو: أحلف بالله لقد قال فلان كذا. أو ما أشبه ذلك.

стр. 939

حكم الحلف بغير الله كان أهل الجاهلية يحلفون بما يعظمونه، وكانت آلهتهم في نظرهم عظيمة، فلذلك كانوا يقولون في حلفهم: واللات والعزى. و (اللات) : المعبد الذي في الطائف. (والعزى) : الذي في نخلة بين مكة والطائف. وكلاهما معظم عندهم. فورد النهي عن ذلك، وقال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، وذلك لأن الحلف تعظيم للمحلوف به، فالذي تحلف به يكون قدره في قلبك عظيماً، فتعظمه بهذه اليمين. والتعظيم لا يصلح إلا لله تعالى، فلا يجوز لأحد أن يعظم مخلوقاً، ولهذا جاء الأمر بالحلف بالله وحده، كما قال النبي ﷺ : (من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله) ، فأمر الذي يحلف بالله أن يحلف وهو صادق، ونهاه أن يحلف بغير الله أياً كان ذلك المحلوف به. وكان أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم، وبقي ذلك عند بعض من أسلم، حتى إن عمر ﵁ -وهو من أذكى الناس وأفطنهم- حلف مرة بعدما أسلم بأبيه، فقال: بأبي إن الأمر كذا وكذا. فقال النبي ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، ولما سمعه عمر ﵁ امتثل ذلك، فتوقف عن هذا منذ أن نهاه، وذلك لأن الصحابة وقافون عند حدود الله، ومتى أمرهم الله بأمر توقفوا عنده، ومتى أمرهم النبي ﷺ بأمر امتثلوه ولم يتجاوزوه، فلذلك يقول عمر (والله ما حلفت بأبي بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً. يعني: لا ذاكراً له مبتدئاً له من نفسي، ولا آثراً ناقلاً لكلامي عن غيري. حتى النقل، فلم يقل: إن فلاناً قال: بأبي إن الأمر كذا من شدة امتثاله وتمسكه بما سمعه من الحديث المرفوع تمسكاً زائداً، فلم ينقل عن أحد قوله: بأبي إن الأمر كذا. وما ذاك إلا أنه علم أنه ﷺ ما نهى عنه إلا وهو حرام لا يجوز. وقد ورد أيضاً ما يدل على أنه من الشرك، قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) . فذكر في هذا الحديث أن الحلف بغير الله كفر أو شرك، ولكن إذا قيل: إنه كفر فهو كفر دون كفر، إنما هو كفر جزئي، بمعنى أنه جهل لما أمرنا به من الحلف بالله تعالى، وإذا قيل: إنه شرك فإنه من الشرك الأصغر الذي هو دون الأكبر، ولا يخرج من الملة، ولكن ما دام أن اسمه شرك فإنه لا يغفر إلا بالتوبة، وهو داخل في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] ، فالذي يموت وهو مصر على نوع من الشرك كالحلف بغير الله يعتبر من الذين لا يغفر شركهم، بل لابد من عقوبتهم على قدر شركهم بما يقدره الله تعالى. وعلى كل حال فإنه ما دام أنه ذنب وما دام أنه وصل إلى تسميته شركاً في هذا الحديث فإنه يدل على كبره وكونه أكبر الكبائر؛ لأن كبائر الذنوب كالزنا والربا ونحوها تحت المشيئة، إن شاء الله تعالى عفا عنها وغفرها لصاحبها، وإن شاء عذبه بقدرها، وأما الشرك ولو كان صغيراً فلابد من عذاب صاحبه في الآخرة بقدر شركه أو قدر ذنبه، فهذا دليل على عظمته. والإنسان عليه أن يكون حذراً، عليه أن يكون تعظيمه لله، فإنه إذا حلف بغير الله فقد عظم ذلك المخلوق به، ودل على أنه أنزل في قلبه ذلك المحلوف به منزلة عظيمة يقدره بها ويرفع مقامه، وهو بهذا رفعه عن قدره، وقد جعله مستحقاً لنوع من التعظيم الذي هو حق الله تعالى. ويدخل في ذلك الحلف الأشخاص والبقع والصفات ونحوها، كل ذلك من الحلف بغير الله. وقد فسر ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢] فقال: الأنداد: هو الشرك، وهو أخفى في هذه الأمة من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان. وحياتي. فجعل هذا من الحلف بغير الله ومن الشرك، فمن قال: وحياتك يا فلان. أو: بحياتك يا فلان. أو: بحياتي فإن هذا قد حلف بغير الله، وقد أثبت ابن عباس أنه من الشرك الذي هو خفي، بمعنى أن الناس لا يفطنون له ولا ينتبهون له، وهي كلمات -كما يقولون- تجري على الألسن، فيُتساهل بها، وهي في الحقيقة من الشرك الخفي، فينتبه لها، فإذا قال قائل: وحياتك يا فلان. أو: وحياتك يا فلانة. أو: وحياتي. أو قال: وشرفي. أو: ونسبي. أو نحو ذلك فهذا من الشرك، والذي يحلف بشرفه فإن شرفه لا يستحق أن يعظم بهذا التعظيم، وكذلك لو قال: ونسبي. أو: ومنصبي. أو: مفخري. أو: ومفخر فلان أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الشرك. وهكذا إذا أقسم بالتراب، كأن يقول: بتربة فلان. أو ما أشبه ذلك، أو أقسم بالحرمة، كأن يقول: بحرمة فلان. أو: بحرمة صاحب هذا القبر. أو: بحرمة الولي أو بالقبر الفلاني أو بالشهيد أو بالولي الفلاني أو ما أشبه ذلك، لا شك أن هذا يعتبر تعظيماً لذلك المحلوف به، والذي يحلف به يعتبر كأنه رفعه عن مقامه، فكان بذلك مشركاً، فيتجنب الإنسان الحلف بالمخلوق، ولا يحلف إلا بالخالق . وإذا قلت: إن الله تعالى أقسم بكثير من المخلوقات؟ نقول: الله تعالى يقسم من خلقه بما يشاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٦] ، ولكن المسلم الذي يلتزم ويوحد الله يجعل إقسامه بالله، فلا يقسم إلا بربه؛ لأن القسم تعظيم، والتعظيم هو من حق الله تعالى على عباده، فحق على العباد أن يكون تعظيمهم لربهم. ومع الأسف نسمع كثيراً لا يقنعون بالحلف بالله حتى يحلف لهم بغير الله، ففي كثير من البلاد التي تنتحل الإسلام وتدعي أن أهلها يعظمون الله ويعظمون القرآن ويؤمنون بالبعث يُحكى لنا عن بعضهم أنه كان له دين عند شخص، فأُحضر عند القاضي وحلف عشرة أيمان أنه ليس له حق لخصمه، فقال خصمه للقاضي: قل له يحلف بتربة الولي فلان. فألزمه القاضي أن يحلف بتربته، فامتنع أن يحلف واعترف بالحق، وقال: إذا حملتوني على أن أحلف بتربة السيد فلان فإنني لا أحلف، بل أقول: إن الحق عندي إذا أكرهتموني. فصارت تربة ذلك السيد الذي يعبدونه ويعظمونه ويسمونه ولياً وسيداً أعظم في قلبه من الخالق ، فيا للعجب!! حلف بالله عدة أيمان وهو كاذب ولم يتجرأ أن يحلف بتربة السيد! فهذا لا شك أنه قد يصل إلى الشرك الأكبر؛ لأنه عظم ذلك السيد وصار في قلبه له وقع مع أنه مخلوق، ولو حلف به وهو صادق لأشرك وصدق عليه أنه مشرك. فالحاصل أن المسلم عليه أن يكون تعظيمه لربه سبحانه، فلا يعظم أي مخلوق بأي نوع من أنواع التعظيم، لا بالحلف ولا غيره، ومتى عرف المسلم أنه تعالى هو المستحق للتعظيم والتوقير فإنه يعرف أنه المستحق لجميع العبادات كلها، فحينئذٍ هو المستحق أن يُدعى وحده ولا يُدعى غيره، وهو المستحق لأن يُرجى وأن يُخاف وأن يُعتمد عليه، وأن يُتوكل عليه، وأن يُستعان به، وأن يُستغاث به، وهكذا جميع أنواع العبادات التي هي خالص حق الله تعالى، فيصرفها لله، ويترك التعلق على مخلوق سوى الله.

стр. 940

حكم الإكثار من الحلف معلوم أن الحلف تأكيد للمحلوف به، ولكن قد ذكرنا أنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على الحلف وهو شاك في الأمر، ولا وهو كاذب، وإذا حلف هو كاذب على أمر من الأمور لاسيما إذا كان يستحل بحلفه مالاً يأخذه بغير حق فإن ذلك حرام عليه، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (من اقطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟! قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: عود السواك الذي يستاك به، فلو اقتطع باليمين سواكاً فإنه يُعتبر قد اقتطع مالاً بغير حق بيمين هو فيها كاذب، فجمع بين الكذب وبين أخذ ما لا يستحقه من المال ولو كان يسيراً، فاستحق أن يلقى الله تعالى وهو عليه غضبان. كذلك نقول: إن على المسلم أيضاً أن يحترم أسماء الله تعالى، فلا يكثر الحلف مخافة أن يقع في كذب وهو غير متعمد ثم يلام على ذلك، وقد كثر حلف الناس على البيع والشراء، وهو بغير شك يوقعهم في كثير من الفجور أو نحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] ، و (حلّاف) صيغة مبالغة، أي: كثير الحلف. فإن الذي يكون كثير الحلف لابد أن يقع في شيء من الكذب. وقد ذكر النبي ﷺ الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، وذكر منهم رجلاً حلف على سلعة بعد العصر لقد أعطي بها كذا وكذا وهو كاذب، وخص بعد العصر لأنه وقت شريف من أفضل الأزمنة، وخص الحلف مع أنه حلف بالله لأنه حلف على كذب فصدقه الذي حلف له وزاد في ثمن تلك السلعة لأنه حلف، فهذا أخذ ما لا يستحقه وحلف بالله وهو كاذب، وامتهن حرمة الزمان الذي هو وقت شريف وهو بعد العصر، فكان ذلك سبباً لعقوبته بهذه العقوبة، ولذلك نتواصى بأن نحفظ أيماننا، كما يقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا تكثروا الحلف فتقعوا في الحنث. وكذلك لا نكثر الحلف بالله، كما يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] أي: لا تكثروا من الحلف الذي هو مظنة الكذب أو نحو ذلك، وعلى كل حال الكلام على الأيمان معروف، والحمد لله.

стр. 941

شرح حديث: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة) قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله. فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال: فقال رسول الله ﷺ : لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان ذلك دركاً لحاجته) . قوله: فقيل له: قل: إن شاء الله يعني: قال له الملك. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران:٧٧] ) إلى آخر الآية] . الحديث الأول موضوعه في الاستثناء في اليمين، وأنه ينفع إذا كان الاستثناء متصلاً بأن يقول: إن شاء الله أو إلا ما شاء الله، أو إلا أن يشاء الله ونحو ذلك، فإذا استثنى في يمينه ثم لم يوف بها لم يحنث، وكان ذلك دركاً لحاجته. والقصة صحيحة، أخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أن سليمان بن داود ﵇ قال: (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة) وفي رواية: (على مائة امرأة) ، وذلك لأنه كان له نساء كثير، منهن زوجات ومنهن إماء سريات يملكهن، فالتزم بأنه سوف يطوف على مائة أو على سبعين، أي: يطأهن في تلك الليلة، وأن كل واحدة تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله فنسي ولم يقل، وليس ذلك عصياناً ولا استبداداً، ولكنه نسي أن يقول ذلك أو انشغل، فلما طاف بهن لم تلد منهن ولم تحمل منهن في تلك الليلة إلا واحدة ولدت شق إنسان، أي: نصف إنسان. أي: غير كامل. وبين النبي ﷺ أن ذلك سببه عدم الاستثناء بقول (إن شاء الله) ، أو (إلا ما شاء الله) . وأثبت العلماء بهذا الحديث وبغيره أن الاستثناء يكون مبرراً لعدم الحنث، وأن من حلف وأقسم وقال: إن شاء الله فلا حنث عليه، ويسمى هذا الاستثناء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] ، فأهل الجنة كان لهم بستان فيه ثمار، فحلفوا في ليلتهم أنهم إذا أصبحوا سوف يصرمون ذلك النخل أو تلك الثمار، ولم يقولوا: إلا أن يشاء الله. ولم يستثنوا، فعاقبهم الله تعالى بقوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٩-٢٠] أي: احترقت ولم يبق فيها شيء، فأصبحت كأنها مصرومة. حتى إنهم لما رأوها قالوا: ((إِنَّا لَضَالُّونَ)) [القلم:٢٦] أي: ليس هذا بستاننا. ثم اعترفوا أنهم ظالمون، فقالوا: (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم:٢٩] ، فدل على أنه إذا أقسم الإنسان على شيء أو ذكر شيئاً فإن عليه أن يقول: إلا أن يشاء الله. أو يقول: إن شاء الله. أو نحو ذلك. وإذا كان الأنبياء قد عوقبوا بمثل هذا فغيرهم من باب أولى. وكذلك أيضاً ورد أن قريشاً سألوا النبي ﷺ عن ثلاثة أشياء: عن فرقة ذهبت في الدهر وكان لهم حديث عجيب، وعن الروح، وعن رجل طاف بالمشرق والمغرب. فقالوا: أخبرنا، فإن أخبرتنا فأنت نبي، وإلا فأنت رجل متقول. وأخذوا هذه الأسئلة عن اليهود، فقال لهم: (أخبركم غداً) ، ونسي أن يقول: إن شاء الله. فلم ينزل عليه الملك بالوحي إلا بعد خمسة عشر يوماً، وعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] . فلما قال: (إني آتيكم بها غداً) ولم يقل: إن شاء الله تأخر عليه الوحي، فأفاد بأن على الإنسان أن يحرص على أن يستثني في كلامه، فإذا قال: سأفعل هذا الأمر فليقل: إن شاء الله. وهكذا لو قال: سأسافر إلى البلاد الفلانية غداً. فعليه أن يقول: إن شاء الله. وكذا إذا قال: سأبيع هذا. أو: سأشتري لك كذا وكذا فليقل: إن شاء الله. وهكذا المواعيد ونحوها، فعلى المسلم أن يستثني في المواعيد، فيقول مثلاً: آتيك غداً إن شاء الله. أو: تأتيني إن شاء الله. أو: يأتيني فلان إن شاء الله. وما أشبه ذلك، فهذا الاستثناء يعتبر تبركاً ويعتبر تعليقاً للأمر على مشيئة الله؛ لأنه إذا لم يشأه الله فإنه لا يحصل، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] أي: إذا أردتم أمراً فإنه لا يحصل إلا إذا شاءه الله وأرده إرادة كونية قدرية، فعلقوا أموركم المستقبلة على مشيئة الله تعالى.

стр. 942

فائدة الاستثناء في اليمين أما الاستثناء في الحلف فإذا حلف على أمر مستقبل وقال: والله لآتينك غداً إن شاء الله ثم لم يأتك فإنه لا كفارة عليه، بخلاف ما إذا لم يقل: إن شاء الله. فلو قال: والله لأقضينك دينك غداً. أو: لأبيعنك. أو: لأحضرن لك هذه السلعة غداً ثم لم يحضرها أو لم يعطك فمثل هذا عليه كفارة. والكفارة هي التي ذكرها الله بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] إلخ، فإذا استثنى فلا كفارة عليه، فهذه هي فائدة الاستثناء. ويمكن أن يخصص بعض الأشياء، فإذا قال مثلاً: بعتك هذا إن شاء الله فقلت: قبلته إن شاء الله. أو قال -مثلاً-: زوجتك موليتي إن شاء الله فقلت: قبلت إن شاء الله فإن ذلك ينعقد ولو كان فيه هذا الاستثناء، وكذلك إذا قال: طلقت امرأتي إن شاء الله فإنها تطلق، وذلك لأن هذا شيء ظاهر، فلا يعلق على مشيئة الله الخفية؛ لأنا لا نعلم مشيئة الله إلا بالأمر الواقع، فإذا رأينا الأمر قد وقع قلنا: هذا قد شاءه الله، شاء الله أن يولد لفلان، وشاء الله أن يموت فلان، وشاء الله أن يشفى، وشاء أن يستغني وما أشبه ذلك، فمشيئة الله تعالى ظاهرة بوقوع الأمور التي شاءها، وإذا رأينا الأمر تخلف قلنا: لم يشأ الله أن يحصل لفلان ولد، ولم يشأ الله أن يستغني فلان، أو أن ينجح في سعيه، أو يربح في بيعه. والاستثناء يؤتى به أيضاً للترك، كما ورد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧] مع أنه وعد محقق، ولكن عُلق بمشيئة الله تعالى للتبرك، وكذلك الاستثناء الذي في دعاء زيارة القبور: (وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون) ، فالاستثناء هنا للتبرك، أو لتخصيص البقعة أو نحو ذلك، وإلا فالموت محقق، وكل الأحياء لاحقون بالأموات.

стр. 943

شرح حديث: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم) أما الحديث الثاني ففيه وعيد على الذي يحلف وهو كاذب، وذلك لأنه لم يعظم أسماء الله ولم يحترمها، ولم يعرف قدر الرب تعالى، ولم يكن في قلبه قدر لربه ، فتهاون باسم الله وحلف وهو كاذب، ومع فجوره وكذبه أخذ مالاً بغير حق، بل أخذه ظلماً بسبب هذه اليمين الكاذبة. وقوله: (من حلف على يمين صبر) سميت يمين صبر كأنه صبر نفسه على هذا الكذب، وقوله: (ليقتطع بها مال امرئ مسلم) يقطع المال أي: يأخذه بغير حق. (لقي الله وهو عليه غضبان) . وذكر الأشعث بن قيس أنه تخاصم هو ورجل من كندة في أرض في حضرموت، فقال النبي ﷺ للأشعث: (ألك بينة؟ قال: لا. فقال: فلك يمينه -أي: ليس لك إلا أن يحلف-. فقال: إنه رجل فاجر لا يبالي بالكذب ولا يبالي بالحلف. عند ذلك قال النبي ﷺ : من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ، وفي رواية: (من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان) ، وأنزل الله في ذلك قوله سبحانه تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧] (يشترون بعهد الله) أي: بميثاقه (ثمناً قليلاً) أي: عرضا ًمن الدنيا. فتوعدهم بخمسة أشياء: الأول: (لا خلاق لهم) أي: لا حظ لهم ولا نصيب عند الله تعالى. الثاني: (ولا يكلمهم الله) يعني كلام رضا. الثالث: (ولا ينظر إليهم) أي: نظر رحمة. الرابع: (ولا يزكيهم) أي: يطهرهم ويتوب عليهم. الخامس: (ولهم عذاب أليم) خاتمة الأمر أنهم مستحقون للعذاب، وهذا يؤكد أن المسلم يبتعد عن الحلف الكاذب، أو عن الحلف المشكوك فيه، سواء حصل له به نفع كوجود مال أو نحوه، أو حصل له دفع شر أو ضرر أو ما أشبه ذلك، حتى لا يتهاون بأسماء الله، وحتى لا يأخذ ما لا يستحقه من مال أخيه المسلم بهذه اليمين الفاجرة التي عظم فيها الله تعالى ولم يحترم هذا الاسم؛ لأنه عظمه وهو كاذب فاجر. وقد ذم الله تعالى الفجور، وجعل الفجار مقابلين للأبرار فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] ، فمن الفجور الفجور في الحلف، أي: أن يحلف وهو فاجر، ويدخل في ذلك أيضاً أن يحلف كاذباً عند البيع، وقد ورد أيضاً ذم الذي لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه، أو الذي عرض سلعة بعد العصر فحلف أنه أعطي فيها كذا وكذا وهو كاذب، فجعله النبي ﷺ مع المعذبين الذين يستحقون العذاب، وما ذاك إلا أنه كذب في حلفه وفجر، ثم مع ذلك ظلم أولئك الذين عرض عليهم تلك السلعة وصدقوه في كذبه وفي حلفه، وأخذ منهم ما لا يستحقه، أي: حلف أن هذه السلعة تساوي مائة وهي لا تساوي إلا ثمانين -مثلاً-، أو حلف أنه باع جلدها بعشرة وهو كاذب، ما باعها إلا بثمانية، أو حلف أنه قد بذل له فيها مائة وهو كاذب، أو ما أشبه ذلك، فيجمع بين الاستهانة بأسماء الله تعالى والكذب وأخذ المال بغير استحقاق، فيدخل فيمن اشترى بآيات الله وبيمينه ثمناً قليلاً؛ لأن المصالح الدنيوية كلها تعتبر ثمناً قليلاً، حتى ولو أثرى، ولو كثر ماله بسبب كثرة الحلف فإن مآله إلى الخسار ومآله إلى الذل، ولو حصل له ما حصل فإن عاقبته أن يعاقبه الله تعالى فيحاسبه على هذا المال الذي اكتسبه بهذه الأيمان الكاذبة.

стр. 944

شرح حديث الأشعث بن قيس: (كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (شاهداك أو يمينه. قلت: إذاً: يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) . وعن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملك) ، وفي رواية: (ولعنُ المؤمن كقتله) ، وفي رواية: (من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالأيمان والنذور، فحديث الأشعث فيه هذه القصة والقضية التي حدثت، ومضمونها أنه كان له بئر في حضرموت، فاعتدى عليها حضرمي ومد يده إليها واستولى عليها، فتخاصما عند النبي ﷺ ، الأشعث يدعي أنها ملكه، والحضرمي يدعي أنها في يده وأنه يتصرف فيها، فـ الأشعث هو الخارج والحضرمي هو الداخل، وهو الذي بيده الأرض والبئر، والقاعدة أن على الداخل اليمين وعلى الخارج البينة، فطلب النبي ﷺ من الأشعث بينة، والبينة شاهدان يشهدان بأن البئر له ولأبيه من قبله، فلم يكن عنده بينة، فلم يكن إلا أن رد النبي ﷺ على الحضرمي وطلب منه الحلف، فاتهمه الأشعث بأنه لا يبالي، وأنه لا يخاف من مغبة الحلف، وسوف يحلف ويقتطعها ويتملكها. ولكن قبل أن يحلف وعظهما رسول الله ﷺ وذكر عاقبة هذا الحلف الكاذب، فذكر أن الذي يحلف على يمين -أي: يحلف؛ لأن الحلف يُسمى يميناً؛ لأنهم كانوا عند التحالف يتقابضون بالأيمان، فلذلك سمي القسم يميناً- هو فيها فاجر، والحالف بالله معظم له وهو مع ذلك كاذب وفاجر في يمينه، وليس له قصد إلا أن يقتطع مال امرئ مسلم بغير حق فإنه يلقى الله تعالى وهو عليه غضبان، ويكتب الله له به غضبه حيث تهاون أولاً باسم الله، وثانياً استعمل الكذب، وثالثاً استحل المال الحرام بغير حق، وذكر أن الله تعالى أنزل في ذلك آية في كتابه في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧] . وسبب ذلك أنهم اشتروا بآيات الله وبعهده وبأيمانهم ثمناً قليلاً، والثمن القليل هو عرض الدنيا، فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، أي: شيء عارض معترض من عرض الدنيا، فمن حلف يميناً كاذباً وأخذ من الدنيا شيئاً فانياً قليلاً مضمحلاً فقد بذل في ذلك دينه ويمينه وتعظيم ربه وصدقه، كل ذلك بذله، فكان في ذلك خاسراً حيث استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

стр. 945

النذر وأحكامه أما الحديث الذي بعده فالشاهد منه مثل ما في هذا الحديث، وأن من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، وأوجب الله له بيمينه العذاب، وفي بعض الروايات أنهم قالوا: (وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟! قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: وإن كان الذي أخذه عوداً من الأراك. يعني: سواكاً. وماذا يفعل وماذا يستفيد من اقتطع سواكاً بيمين هو فيها كاذب؟! إنه يستحق غضب الله تعالى، ويستحق عقوبته، ويستحق العذاب الوبيل الذي ذكره الله تعالى ورتبه في هذه الآية. كذلك في هذا الحديث أيضاً الأمر بالوفاء بالنذور، والنذر: هو أن يلزم الإنسان نفسه شيئاً لم يلزمه شرعاً. أي: يلزم به نفسه وهو غير لازم، فيلزمه الوفاء به، إلا إذا كان النذر في شيء لا يملكه، وفي هذا الحديث يقول: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) يعني: لا يجوز له أن ينذر شيئاً وهو لا يملكه، ولكن إذا نذره فإن عليه كفارة اليمين. وعرفنا أن النذر هو إلزام الإنسان نفسه ما ليس واجباً عليه شرعاً تعظيما ًللمنذور له، فيقصد بذلك أن يعظم من نذر له، فإن كان نذراً لله تعالى فإنه تعظيم لله، وإن كان نذراً لمخلوق فإنه تعظيم لذلك المخلوق حياً أو ميتاً، وهو عبادة من العبادات وقربة من القربات. وقلنا: إن النذر عبادة لأن الناذر يعظم من نذر له، ولأجل ذلك مدح الله بالوفاء به، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] أي: إذا نذروا أوفوا. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] والمعنى: إن الله تعالى عالم بهذه النذور، وسوف يجازي عليها إن كانت نذر طاعة أو نذر معصية. وأمر الله بالوفاء بها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] . وكذلك حكى الله تعالى النذر عن الأمم السابقة، فحكى عن أم مريم أنها قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران:٣٥] ، وعن مريم أنه قال لها ابنها: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] ، فدل على أن النذر مشهور في الأمم قبلنا. وصفة النذر بما لا يملك ابن آدم كأن يقول: لله علي أن أعتق عبد فلان. أو أسبل بيت فلان. فهذا لا تملكه، وكيف تسبل بيته وأنت لا تملكه؟ لأن هذا مما يمتنع عليك، وكذلك يمتنع عليك أن تعتق عبده، فلا تتصرف إلا فيما تملك، وهكذا لو قلت: نذرت أن أضحي بشاة فلان فأنت لا تملكها، والوقف والعتق والأضحية كلها عبادات، ولكن كونك تتصرف فيما لا تملك فهذا لا تقدر عليه. أما إذا كان الإنسان نذر بشيء وهو يملكه فإنه يلزمه الوفاء به، فإذا قال: لله علي أن أعتق عبدي. أو: أن أوقف بيتي. أو: أن أضحي بهذا الكبش -الذي يملكه-. أو: أن أتصدق بهذا الكيس -الذي يملكه- فمثل هذا عبادة يملكها، فيلزمه أن يوفي بهذا النذر؛ لأنه طاعة وقربة، فالصدقات والقربات وما أشبهها من العبادات كلها قربات يتقرب بها إلى الله تعالى. فعلى الناذر أن يوفي بما نذر به.

стр. 946

حكم نذر المعصية إذا كان نذر معصية ففيه كفارة، ولا يجوز الوفاء به، سواء أكانت المعصية من الذنوب أم من الشرك، فإذا قال -مثلاً-: إن شفى الله مريضي فعلي أن أشرب خمراً أو أن أزني بكذا فهذا حرام عليه الوفاء به، وعليه كفارة يمين؛ لحديث: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، وكذلك إذا كان من الشرك، كالنذور التي يفعلها القبوريون، كأن يقول أحدهم: إن ربحت تجارتي. أو: إن قدم غائبي. أو: إن شفي ولدي فعلي أن أذبح شاة عند قبر السيد فلان. السيد البدوي -مثلاً- أو الحسين أو علي أو نحوهم. والذبح لغير الله شرك؛ لقوله ﷺ : (لعن الله من ذبح لغير الله) ، فمن نذر به فلا يجوز الوفاء بهذا النذر. وهكذا لو نذر أن يسرج قبراً؛ لأن إسراج القبور أيضاً شرك ومنهي عنه. وهكذا لو نذر وقال: نذرت إن شفيت أو إن ربحت أن أهريق على ذلك القبر زيتاً أو دهناً. أو: أن أطعم من يسدن هذا القبر ويخدمه أو يصلي عنده. أو: أن أبني عليه قبة أو نحو ذلك، فإن هذا من الشرك، ولا يجوز الوفاء به. فالحاصل أن النذر في قوله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) هو أن ينذر التصرف في شيء لا يملكه، فلا يصح، ويكون عليه كفارة، وكذا لا يجوز الوفاء بالنذر إذا كان في معصية أو في شرك، وفيه كفارة.

стр. 947

وجوب الوفاء بالنذر إذا كان في طاعة ويلزم الوفاء به إذا كان في طاعة وعبادة، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم شهراً، أو عشراً، أو: أن أتصدق بمائة، أو بألف. أو: أن أقوم هذا الليلة تهجداً. أو: أن أختم في هذا الشهر ثلاث ختمات، فهذه عبادات وقربات، فيلزم الوفاء بها، وأما إذا كان النذر ليس عبادة وليس معصية وإنما هو عادة من العادات فهو مخير، إلا أن يكون فيه إسراف فإنه يكره الوفاء به وعليه الكفارة، فإذا قال: إن ربحت أو إن شفيت أو إن نجحت فعلي أن أشتري -مثلاً- ثوباً بمائتين أو بخمسمائة. فلباس الثوب عادة ليس عبادة، أو قال -مثلاً-: عليّ أن أطعم زملائي وأصدقائي طعام كذا وكذا. فهذا أيضاً من العادات ليس من العبادات، وهكذا إذا نذر أن: إذا شفيت أن لا آكل إلا كذا وكذا من الطعام، أو كذا من اللحم، أو أن لا آكل الطعام إلا بلحم سمك، أو بلحم طير أو نحو ذلك، فهذا أيضاً من العادات وليس من العبادات، فيخير بين الوفاء به وبين الكفارة، فإن كان عليه مشقة أو أنه يكلف نفسه ويحمله على الاستدانة، أو فيه إسراف كما لو حلف -مثلاً- أن يذبح عشرين جملاً لأهل هذا البلد أو مائة شاة مع أنه لا يجد من يأكلها وستذهب فساداً فإذا نذر أن يذبح ذلك فمثل هذا إسراف يكفر عن نذره ولا يذبحها، أو يقتصر على ذبح بعضها الذي يستفاد منه.

стр. 948

حكم اللعن في حديث ثابت بن الضحاك جمل استطرادية، منها قوله ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) ، وهذا وعيد شديد على اللعن، وذلك لأن اللعن دعاء بالإبعاد من رحمة الله، وقد وردت أدلة كثيرة في النهي عن اللعن، وعن التلاعن الذي هو الدعاء به، فقال ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) يعني: لا تكون هذا الصفات من صفات المؤمن. وورد في حديث آخر: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) ، وورد في حديث أن اللاعن إذا لعن ترفع اللعنة إلى السماء فتغلق دونها أبواب السماء، فتهبط إلى الأرض فتغلق دونها أبواب الأرض، فتذهب يميناً وشمالاً فلا تجد مساغاً، فتذهب إلى الذي لُعن، فإن كان مستحقاً لها وإلا رجعت إلى قائلها، فيصير اللاعن كأنه لعن نفسه. كذلك يجب على المسلم أن لا يلعن من لا يستحق، أما لعن المستحق فقد ورد في القرآن في أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ، وقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٨] ، ونحو ذلك، وكذلك الأحاديث الكثيرة، كقوله ﷺ : (لعن الله المحلِل والمحلَل له) ، وقوله: (لعن الله آكل الربا وموكله) ، وقوله: (لعن الله الراشي والمرتشي) ، وما أشبه ذلك. والإنسان قد يستعمل اللعن ويسهل عليه فيقع في هذا الوعيد: (لعن المؤمن كقتله) .

стр. 949

حكم قتل النفس وفي هذا الحديث أيضاً جملة أخرى استطرادية أيضاً؛ لأنه حديث جامع، وهي قوله: (من قتل نفسه بشيء عذب به) وقتل النفس هو الذي يُسمى الانتحار، وقد وردت أدلة في تعذيب من قتل نفسه، منها الحديث الذي في صحيح مسلم، قال ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلدا ًفيها أبداً) (وجأ نفسه) أي: طعن نفسه حتى قتلها. وكذلك قوله: (من تحسى سماً -يعني: التهمه- فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من شاهق -يعني: من جبل- فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) وذلك بلا شك تهديد ووعيد؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه؛ فنفسه ملك لربه سبحانه، فلا يجوز أن يتساهل في أن يقتل نفسه بسبب من الأسباب. والشاهد من الحديث ذكر اليمين، وذكر النذر كما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 950

شرح عمدة الأحكام [٧٢] النذر أنواع، منها ما يجب الوفاء به، ومنها ما يحرم الوفاء به وفيه الكفارة، وهو في الجملة مكروه، وإنما يستخرج به من مال البخيل، وفي النذر أحكام كثيرة بينها أهل العلم ﵏.
следующие страницы →