← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

استشهاد الرافضة بما حصل بين فاطمة وأبي بكر للطعن في خلافته والرد عليهم وطعن الرافضة في أبي بكر بأنه لم يعط فاطمة حقها من ميراث أبيها، الله أكبر! هذا هو الذي طعنوا عليه فيه، وتحاملوا عليه تحاملاً شديداً، وأنكروا قول النبي ﷺ : (لا نورث، ما تركنا صدقة) أنكروا ذلك كله مع ثبوته بطرق كثيرة، وزعموا أن أبا بكر قد كذب في ذلك مع أنه لم ينفرد به، وجعلوا النبي ﷺ بذلك مهتماً لأمر الدنيا، وكأن الدنيا أكبر همه مع أنه يقول: (ما لي وللدنيا! إنما أنا كراكب قال في ظل دوحة) ، ومع ما ثبت عن الحارث بن أبي ضرار وغيره أن النبي ﷺ ما خلف ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا سلاحه وعتاده وأرضاً جعلها صدقة. إذاً: بأي شيء ينتقدون أبا بكر ويقولون: إنه منع فاطمة حقها من ميراث أبيها؟ ويجاب عليهم من عدة وجوه: أولاً: الرسل لا يورثون. ثانياً: ليست الدنيا ذات أهمية عندهم حتى يخلفوها لأولادهم، ويقولون: لهم أن يرثوا، ولهم أن يأخذوا. ثالثاً: أن الأرض التي جعلها صدقة قد صار علي ﵁ هو المتولي عليها بعد موت فاطمة. وبكل حال فهذا أكبر ما طعنوا فيه، ولما طعنوا فيه بأنه حرم فاطمة من ميراثها، أخذوا يجمعون عليه الأكاذيب ويلفقون عليه، ويعيبونه بكل عيب، فيقولون: إنه قاتل المسلمين، وكذبوا! فهو ما قاتل إلا من ارتد، فبالرغم من أنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا أنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة؛ لذلك فلم يكونوا مقرين بالشهادة حق الإقرار، فلأجل ذلك رأى قتالهم وسماهم مرتدين. ويقولون: إنه أقر خالد بن الوليد على القتال، ويكفرون خالداً بذلك، فنقول: إن أبا بكر ما أقره إلا وقد رآه أهلاً للقتال، لأن خالداً لم يكن قريباً له ولا صهراً له، بل هو سيف الله كما سماه النبي ﷺ ، فماذا نقموا عليه حتى يسبوه ويلعنوه ويشتموه؟! قاتلهم الله.

стр. 1017

بعض أقوال النبي وأفعاله الدالة على أحقية أبي بكر بالخلافة النبي ﷺ قد جعل أبا بكر ﵁ خليفته في الصلاة حين قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) أوليس تقديمه في الصلاة دليلاً على أفضليته؟ وأهليته للإمامة وللصلاة؟ كذلك أيضاً هو دليل على ميزته وعلى كفاءته, وفيه إشارة إلى أنه سيخلفه ويقوم مقامه. والنبي ﵊ أمر أن تسد النوافذ التي فتحت على المسجد إلا باب أبي بكر فلا يسد، وذلك إشارة إلى أنه سيتولى الأمر، وسيكثر دخوله وخروجه إلى المسجد؛ وذلك إشارة إلى أن له أحقية في المسجد وفي الولاية. وقال ﵊: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فبدأ بـ أبي بكر مما يدل على أنه الذي يتولى بعده، وهذا ما وقع، ثم تولى بعده عمر. إذاً: فهذه إشارات واضحة إلى أن أبا بكر ﵁ هو الخليفة بعده. كذلك أيضاً من الإشارات ما جاء في قوله ﷺ : (رأيت أني على قليب فنزعت منها ما شاء الله أن أنزع، فأخذها أبو بكر فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فاستحالت غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن) وفيه إشارة إلى قصر فترة أبي بكر حيث قال: (ذنوباً أو ذنوبين) ، أما خلافة عمر فقد امتدت طويلاً، وفي عصره فتحت بلاد كثيرة، وذلك بلا شك دليل على أنهما خليفتان بعده. وهكذا الرؤيا التي رآها بعض الصحابة في الدلو الذي تدلى من السماء فشرب منه النبي ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم انتضح منه على علي، وهو إشارة إلى أنهم الذين يتولون بعده. ومن أصرح الإشارات قوله ﷺ : (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر) . فـ أبو بكر ﵁ هو الخليفة الراشد، وهو الذي تولى أمور المسلمين، وهو الذي سار بهم سيرة حسنة، ولم يول الخلافة لأولاده ولا لأقاربه، ولم يحاب فيها، وكذلك أيضاً في حالة ولايته لم يول الأمير الفلاني أو العلاني، ولم يولهم لأجل قرابتهم له، ولا لأجل محاباة، وإنما اختار الولاة والقادة الذين فيهم الأهلية وفيهم الكفاءة، حتى ولو لم يكونوا من قريش، فكانت توليته لـ خالد بن الوليد ولغيره من الأمراء لما فيهم من الأهلية. فنشهد بأن أبا بكر أهل للخلافة، وأن الله تعالى عندما اختاره ولياً وخليفة فإن ذلك عين المصلحة، وأنه هو الذي ثبت الله به الإسلام ورد به المسلمين بعد أن كادوا يخرجون من الإسلام، فلأجل ذلك سمي بـ الصديق الذي هو أول من صدق، والذي فتح الله تعالى به قلوب العباد، ورزقهم الإنابة إليه والثبات على دينه.

стр. 1018

استخلاف أبي بكر إن لم يكن نصاً فهو بإشارة واضحة قال الشارح رحمه الله تعالى: [واحتج من قال: لم يستخلف، بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵄ أنه قال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني -يعني: رسول الله ﷺ ) ، قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف. وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت: (من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟) . والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعده بعهد مكتوب، ولو كتب عهداً لكتبه لـ أبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهداً، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتابة اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر، فلو كان التعريض مما يشتبه على الأمة لبينه بياناً قاطعاً للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك حصل المقصود؛ ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر، لا علي ولا العباس ولا غيرهما كما قد قال أهل البدع، وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أوفي شك صاحبك؟ نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها] . قد تقدم القول الأول أن خلافة أبي بكر ﵁ كانت بالنص، وهذا قول ثان أنها بالإشارة، فهما قولان للعلماء: فالذين قالوا: إنها بالنص، استدلوا بقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فإن هذا نص على أن أبا بكر بعده، واستدلوا أيضاً بقوله للمرأة التي قالت: (أرأيت إن أتيت فلم أجدك؟ فقال: ائتي أبا بكر) فإن هذا نص أنه هو الذي يتولى الولاية بعده، واستدلوا بأنه أمره بأن يؤم الجماعة وأن يصلي بهم، وهذا نص بأنه هو الذي يكون إماماً متبعاً إذا اتبعوه في الصلاة، ولهذا قالوا: رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا. أي: من قدمه لديننا إماماً، إلى آخر الأدلة التي سبقت. هذا القول الأول. أما القول الثاني: وهو أنه لم يستخلف، وإنما أشار إشارات، فيقولون: إن عمر ﵁ قال: (إن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني) يعني: رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا عمر شهد أن النبي ﷺ لم يستخلف، فنقول: لم يستخلف بالنص؛ لأنه لم يقل: أيها الناس! بايعوا أبا بكر فهو خليفتي عليكم، لكن قد عزم على أن يكتب له كتاباً وقال لـ عائشة: (ادعي لي أخاك وأباك أكتب كتاباً حتى لا يختلفوا عليه) ثم إنه ترك الكتاب وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فلم يقل: خليفتي أبو بكر مقالاً صريحاً، ولم يقل: بايعوه بعدي قولاً صريحاً، إنما هي أقوال عامة فيها نوع من الإشارة، ومجموع تلك الإشارات يصبح دليلاً صريحاً واضحاً لا خلاف فيه. كذلك أيضاً سمعنا كلام الحسن لما قيل له: هل استخلف النبي ﷺ أبا بكر؟ فقال: هو أورع من أن يتوثب عليها، يعني: ليس بمحب للولاية ولا راغباً فيها، ولكن لما اجتمعت عليه كلمة المسلمين، ولما جاءت هذه الإشارات من النبي ﵊ باستخلافه؛ قبلها، وإلا فهو ورع وزاهد وخائف لا يمكن أن يقبلها بدون أن يكون أهلاً لها، وبدون أن يرضاه لها أهل الولاية وأهل الحل والعقد من الصحابة، هذا معنى قوله: يتوثب عليها. فبلا شك أنه ﷺ أشار هذه الإشارات التي تدل على أن أبا بكر أحق بالخلافة، ثم لما اجتمعت عليه الإشارات وكانت واضحة رأى عمر ﵁ أنه أحق بالخلافة؛ فبايعه وبايعه الصحابة كلهم. وخلاصة ما جرى في أول يوم من وفاة النبي ﷺ ، وقبل بيعة أبي بكر: أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وكادوا أن يبايعوا واحداً منهم وهو سعد بن عبادة، فلما سمع بهم عمر ﵁ وأبو بكر وأبو عبيدة ذهبوا إليهم، ثم خطبهم أبو بكر ﵁ وقال لهم: (الخلافة في قريش) كما قال النبي ﷺ لما قالوا: (منا أمير ومنكم أمير) أي: نؤمر أميراً على الأنصار، وأميركم منكم يا معشر المهاجرين! فقال أبو بكر وعمر: (بل الإمارة في قريش) ثم قال أبو بكر: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) فلما أقنعوهم بكلام النبي ﷺ وبإشارته تمت البيعة في نفس السقيفة، فبايعوه واجتمعوا عليه، ولم يتخلف منهم أحد، أما سعد بن عبادة ﵁ فإنه لم يبايع في تلك الساعة رجاء أن يكون له حظ من الولاية، ولكنه بايع بعد ذلك بيعة مختار راضٍ، كذلك أيضاً علي ﵁ قيل: إنه تأخر عن البيعة ثم بعد ذلك بايع، والصحيح أنه لم يتأخر، بل بايع باختياره وبطوعه وبما علمه من أهلية أبي بكر وأحقيته بهذه الخلافة. ثم حصل من خلافته ﵁ من الأهلية ومن ضبط الأمور وإحكامها غاية الإحكام، فرأوا أن الله تعالى اختاره للمسلمين في ذلك الوقت الحرج الذي كانوا فيه أشد احتياجاً إلى خليفة قوي يقيم فيهم أمر الله تعالى، ويرتب أمورهم ترتيباً محكماً، فهذا ما يسره الله لهم في ذلك الوقت، وما أنعم به عليهم. إذاً: عرفنا بذلك أن خلافة أبي بكر وإن لم تكن نصاً فإنها بإشارات واضحة مجموعها يصبح نصاً قوياً.

стр. 1019

تقديم الصحابة لأبي بكر دليل على أحقيته بالخلافة قال الشارح ﵀: [وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر لم يذكر حجة دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له، ففي الصحيحين عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وعد رجالاً) . وفيهما أيضاً عن أبي الدرداء قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، وقال النبي ﷺ : (أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر! ثلاثاً، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ فسلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ (مرتين) ، فما أوذي بعدها) ومعنى غامر: غاضب وخاصم، ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح -فذكرت الحديث- إلى أن قالت: واجتمع الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيئت في نفسي كلاماً قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، وقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب وأعزهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعداً! فقال عمر: قتله الله! والسنح: العالية، وهي حديقة من حدائق المدينة معروفة بها] . معلوم أن التقديم يدل على الفضل، والاختيار يدل على الأهلية، فهم ما قدموا أبا بكر إلا لفضيلته، ولا اختاروه خليفة إلا لأهليته وكفاءته، وكونه كفئاً لهذه الولاية؛ لذلك أجمعوا عليه، وقد نزه الله الأمة أن تجتمع على ضلالة، وقد ذكر العلماء في كتب الأصول الفقهية أن إجماع الأمة حجة قاطعة، والرافضة يعترفون أن الإجماع حجة، ولكنهم هاهنا خالفوا معتقدهم، فنقول لهم: من الذي خالف في بيعة أبي بكر؟ سموا لنا شخصاً لم يرض بهذه البيعة فيما بعد؟ علي ﵁ -الذي هو الإمام عندكم- قد بايعه، وجاهد معه، وصار مستشاراً له، وصار قريناً له في كل حاله وتدبيراته، يرجع كل منهما إلى قول الآخر، ولم ينقل عنه أنه سخط بيعته ولا أنكرها، فهو من جملة من بايع، وأما سعد بن عبادة الأنصاري فقد كان تهيأ لأجل أن يكون أميراً على الأنصار، ولكن لما تمت البيعة لـ أبي بكر ﵁ قام بعد ذلك وبايع، وبقي كسائر المقتدين بـ أبي بكر، فبقي كآحاد الرعية. مثل هذه الأحاديث دليل على فضيلة أبي بكر، وأن النبي ﷺ كان يحبه ويقدمه، فهذا عمرو بن العاص من أكابر قريش وأهل الفضل فيهم لما عينه النبي ﷺ أميراً على سرية ذات السلاسل، قبل أن يخرج جاء إليه وقال: أي الناس أحب إليك؟ من الناس كلهم، فأخبره بأنه يحب عائشة؛ وذلك لفضيلتها ولفضيلة أبيها، فسأله عن أحب الرجال إليه، فقال: (أبوها) وهذا بلا شك دليل على تقديمه في المحبة، فإذا كان النبي ﷺ يحبه ويقدمه فإن ذلك دليل على فضيلته وأهليته، وبعده ذكر عمر وسمى بعده رجالاً، ولا شك أن محبته ﷺ ما حصلت إلا لكونه أهلاً لأن يكون محبوباً كما ذكر في الأحاديث الأخرى. وفي الحديث الثاني أنه ﷺ قال: (هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بماله ونفسه) هكذا شهد له النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه أول من أسلم من الرجال، هذا هو القول الصحيح. يقول أبو الخطاب في عقيدته المشهورة، وهو عالم من علماء الحنابلة، يقال له: محفوظ بن أحمد الكلوذاني له عقيدة في نظم عقيدة أهل السنة يقول فيها: قالوا فمن بعد النبي خليفة قلت الموحد قبل كل موحد حاميه في يوم العريش ومن له في الغار مسعد يا له من مسعد فشهد بأنه الموحد قبل كل موحد؛ وذلك لأنه ﷺ لما دعاه لم يتلعثم ولم يتوقف، بل بمجرد ما عرض عليه الإسلام بايع ولم ينتظر، ولم يقل: أمهلني، ولا سأنظر في أمري، وكان رجلاً كاملاً من بين الرجال، فلذلك هو أول من أسلم من الرجال، فلما قال الناس: كذبت، قال أبو بكر: صدقت، أنت الصادق؛ فلذلك سمي بالصديق. وفي حديث السقيفة أنه لما سمع باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة جاء ومعه عمر وأبو عبيدة؛ فخطبهم وقال: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) لما طلبوا أن يكون منهم أمير، فقال: لكم الوزارة ولكم الإشارة، أما الإمارة ففي قريش؛ لأن النبي ﷺ نص على ذلك بقوله: (إن هذا الأمر في قريش) يعني: الولاية، فرضوا بذلك، ولما قال: بايعوا أبا عبيدة أو عمر، يقول عمر: إنه لم يقل كلمة تؤلمني إلا هذه الكلمة، ما كنت أحب أن أكون والياً على قوم فيهم أبو بكر، لما هو فيه من الأهلية، فقد قدموه لصحبته، وقدموه لمحبة النبي ﷺ له، وقدموه لقربه منه، ولكونه صهره، وقدموه لكونه صاحبه في السفر، وصاحبه في الغار، وغير ذلك من الفضائل، وقدموه أيضاً لفضائله التي نص عليها الله سبحانه في كتابه، كما في قول الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وكذلك أنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧-٢١] ، وغير ذلك من فضائله الكثيرة، ومن أراد أن يتوسع في ذكر فضائله فليرجع إلى ترجمته وإلى ما كتب عنه العلماء، ومن أهمها وأشهرها كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد، وقد اشتمل على فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم.

стр. 1020

شرح العقيدة الطحاوية [٨٥] عمر بن الخطاب ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﵊ وأبي بكر الصديق، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وفضائله كثيرة، ومناقبه عظيمة، وهذه عقيدة أهل السنة فيه، وقد صح عن علي بن أبي طالب ما هو مطابق لها.

стр. 1021

اعتراف المسلمين بفضل الصحابة وبخاصة الخلفاء الراشدين يعترف المسلمون بفضل صحابة النبي ﷺ ؛ لأنهم حفظوا على الأمة دينها، ولأنهم ورثوا نبي الأمة وبلغوا شريعته ودينه، ودعوا إلى ما دعا إليه، ونشروا الإسلام بعده، وجاهدوا في سبيل الله، وأطاعوا شريعة الله، ونفذوا حدوده، فالنبي بلغهم الرسالة التي أرسل بها، وهم قاموا بتبليغها لمن بعدهم، ودعوا إليها قاصي البلاد ودانيها، فكانوا بذلك ورثة النبي ﷺ ، ولا شك أن ميراثهم هو أشرف ميراث، يقول ﷺ : (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) هذا العلم الذي هو ميراث النبي ﷺ من الذي تحمله عنه؟ أليس هم الصحابة، وبالأخص الخلفاء الراشدون؟ من الذين بلغه بعده؟ إنهم صحابته، إنهم الذين بلغوه وعلموه الأمة، أليسوا هم قادة الأمة وسادتها؟ نعترف لهم بالفضل، ثم نعترف للخلفاء الراشدين بالأقدمية؛ لأنهم أفضل الأمة بعد نبيها، ونعترف لهم بأنهم أهل الولاية والخلافة والإمامة التي قاموا بها أتم قيام، فأجمعوا بعد موت نبيهم ﷺ على تقديم الخليفة الأول الراشد أبي بكر ﵁، ورأوه أهلاً للخلافة كما رآه نبيهم ﷺ أهلاً للإمامة، كذلك أيضاً رأوه سباقاً إلى الخير، ورأوه عاملاً بالأعمال الصالحة، ورأوه أهلاً للخلافة لحنكته وحذقه وقوة تفكيره ومعرفته وذكائه وصحبته للنبي ﷺ ، وطول ملازمته، فلم يروا بداً من أن يبايعوه خليفة عليهم وإماماً وقائداً لهم، فكان ذلك عين المصلحة، فثبته الله في وقت اشتدت فيه الغربة، إذ إنه بعد موت النبي ﷺ ارتد العرب عن الإسلام إلا ما شاء الله، وما بقي إلا أهل المدينة ومن حولهم، وهم الأعراب أن يغيروا على المدينة وأن يسلبوهم ما هم فيه، وأن يقتلوهم ويستأصلوهم، ولكن ثبت الله أبا بكر وربط على قلبه؛ فقابل أولئك الأعراب بقوة، وهزمهم شر هزيمة، ثم توالت الانتصارات على أيدي جيوشه الذين دفعهم لقتال المرتدين، فرجع العرب -في ظرف نصف سنة أو عدة أشهر- إلى الإسلام بعدما كانوا خرجوا عنه. حتى قال قائلهم: أتانا رسول الله مذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر يعني: ما لنا ولطاعته؟ إنما طاعتنا للرسول حين كان بيننا! ولكن لما استخلفه الله على المسلمين كان ذلك عين المصلحة التي أيد الله بها الإسلام في ذلك الوقت العصيب، والظروف الشديدة، وقد سار فيهم السيرة الحسنة، وخلف النبي ﷺ فيما كان يفعله، فلم يترك شيئاً كان يفعله النبي إلا فعله؛ كتوزيعه للأموال وللغنائم، وتقسيمه لخمس الخمس، وإعطائه لمن كان يعطيهم النبي ﷺ من سهم ذوي القربى، وتوزيعه للصدقات، لم يأل جهداً أن يفعل كفعل النبي ﷺ ، ولكن لما لم يعط فاطمة -كما زعموا- ميراثها من أبيها نقمت عليه الروافض، وطعنوا في خلافته، وطعنوا في إمامته، وصاروا يسبونه ويشتمونه زعماً منهم أنه خان الأمانة، وأنه خالف ما جاء من سيرة من قبله، وحاشاه من ذلك! معلوم أنه ﷺ لم يخلف تركة، فقد ثبت عنه أنه قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) يعني: لم نترك شيئاً إلا أن يكون صدقة، وثبت أيضاً عن الحارث بن أبي ضرار أنه قال: (ما ترك النبي ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة) فهذه شهادة من هذا الرجل الذي ليس من قريش بل من بني المصطلق، وهو أخو إحدى أمهات المؤمنين، وهي جويرية أم المؤمنين، ومع ذلك أخبر بهذا الخبر فدل على أنه ﵇ لم يكن وراءه تركة حتى يقول الرافضة: إن أبا بكر لم يعط فاطمة حقها، ما أعظم فريتهم! فهل هذا لشدة محبتهم لـ فاطمة؟! فالنبي ﷺ أشد حباً لـ فاطمة منهم، فهي بضعة منه، ولو كان يعطيها لأعطاها في حياته لما جاءته تشتكي من العمل، وذكرت أن الرحى أثر في يديها، وتعبت من العمل، فطلبت منه أمة من السبي تخدمها، لكنه لم يعطها شيئاً من ذلك، بل باع ذلك السبي ووزع ثمنه على المستضعفين من أهل الصفة وغيرهم، وأرشدها وأرشد زوجها إلى التسبيح والتكبير والتحميد عند النوم وقال: (هو خير لكما من خادم) فكيف يزعم هؤلاء الرافضة أنهم يغارون لـ فاطمة والنبي ﵊ يحرمها ولا يعطيها؟ كذلك أيضاً هو ﷺ يقول لها: (سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً) ولو كان عنده مال لأخذت منه في حياته، فكيف مع ذلك يقولون: إنه منعها من ميراثها، ومعلوم أيضاً أن الأنبياء لا يورثون، إلا أن الرافضة يتمسكون بآيات فيها شيء من ذكر الميراث، مثل قول الله تعالى في سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد﴾ [النمل:١٦] ، ويقولون: هذا دليل على أن الأنبياء يورثون، عجباً لهم! الآية إنما فيها ذكر إرث النبوة، بمعنى أنه ورثه في ملكه، فكان ملكاً بعده، وكان نبياً بعده، ومعلوم أن داود كان له كثير من النساء، وكذلك كان له الكثير من الأولاد، فكيف خص داود سليمان بالإرث؟ فالإرث هنا إنما هو إرث الملك، كذلك يستدلون بقول الله تعالى في سورة مريم في قصة زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٥-٦] ، فيقولون: هذا دليل على أن زكريا طلب ولداً حتى يرثه، الله أكبر! كأن المال أكبر هم الأنبياء، لا والله! إنما أراد يرثني في النبوة والعلم، أي: يرث ما عندي من العلم، ويرث العلم الذي خلفه آل يعقوب، ويعقوب ﵇ هو إسرائيل، أما أن يهتم بمن يرث ماله فحاشاه، ليست الدنيا أكبر همه حتى يطلب ولداً لأجل أن يأخذ المال الذي بعده، من الذي أعلمكم أن زكريا كان ذا أموال حتى يطلب ولداً ليأخذها؟ فهكذا ينقبون عن مثل هذه الآيات ليطعنوا في أبي بكر، ويدعون أنه حرمها من الميراث؛ فلأجل ذلك يكفرونه، ويضللونه، ويزعمون أنه خان الأمانة، وأنه خالف سيرة النبي ﷺ ، ولم يقم بما قام به، وأنه بخس فاطمة حقها، وبخس علياً حقه، وأن علياً هو الإمام؛ لأنه هو الوصي، وغير ذلك من أكاذيبهم. والصحابة ما اختاروا إلا من هو أفضلهم، ومن هو أهل للولاية، وقد مرت بنا أحاديث تدل على فضله، وأحاديث تدل على أولويته وأحقيته بالولاية وبالخلافة والإمارة بعد النبي ﷺ .

стр. 1022

تقديم السلف لعمر على سائر الصحابة بعد أبي بكر قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁ . أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لـ عمر ﵁، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة من بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تنكر، فقد روي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: (يا أبت! من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني! أو ما تعرف؟! قلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان، فقلت: ثم أنت، فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) وتقدم قوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ وذلك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما) ، وتقدم حديث أبي هريرة ﵁ في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبو بكر ثم استحالت الدلو غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن، وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن) الحديث وفيه: فقال رسول الله ﷺ : (إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده؛ ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك) وفي الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم) قال ابن وهب تفسير (محدثون) أي: ملهمون] .

стр. 1023

استخلاف أبي بكر لعمر دليل على أحقيته بالخلافة اتفق الصحابة ﵃ على مبايعة عمر، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي ﵁، الخليفة الثاني، فلما أن مرض أبو بكر وأحس بقرب الوفاة دعا عمر وقال: (أنت الخليفة بعدي، أوليك بعدي هذه الولاية) فأرشد الناس إلى مبايعته، وعهد إليه بالخلافة، فلم يختلف عليه اثنان، بل أجمعوا على مبايعته، وأجمعوا على أهليته، ولم يخالف منهم أحد، فتمت له البيعة، وتم أمره. وفي ولايته ﵁ اجتهد في توسعة رقعة الإسلام، حيث أنفذ الجيوش وأرسلهم إلى أطراف البلاد، ففتحت بلاد الشام في عهده، وكذلك بلاد العراق ومصر وأفريقيا وخراسان، واتسعت الفتوحات وكثرت في زمانه، ووقعت في عهده وقائع كثيرة، وفتوحات كثيرة، كوقعة اليرموك، ووقعة القادسية، ووقعة نهاوند وغيرها من الوقائع المشهورة التي أعز الله فيها الإسلام والمسلمين، وانتصر فيها أولياء الله على أعدائه، وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى ثم بتحريض من عمر وتوصية منه بولاته، ولم يقف الأمر عند وصيته لهم بل سار بنفسه حتى وقف على كثير من البلاد، ففتح بيت المقدس التي هي (إيلياء) وتسمى بلغتهم (أورشليم) ، هذا البلد المعروف الذي هو من أقدس البلاد لم يفتح إلا بعدما غزاه بنفسه، ووقف عليه وحاصره، فعند ذلك فتحوا له الأبواب، ودخل المسجد الأقصى وأسس فيه ما أسس. وبكل حال فهو ثاني الخلفاء الراشدين، وقد وفق الله أبا بكر لتوليته، فكانت توليته عين المصلحة، ووافق على ذلك المسلمون، وترضى عنه أهل السنة، واعترفوا بأفضليته وبقوته وبصرامته وبشهامته وحنكته وسيرته الحسنة التي ضرب بها المثل في عدله وفي تواضعه وفي منهجه وفي سلوكه. لا شك أن هذا من توفيق الله تعالى للأمة، حيث ظهر الإسلام وانتصر وتمكن وفشا في البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وذل للإسلام أعداؤه من اليهود والنصارى، وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومكن الله للمسلمين في بلادهم، وحقق الله لهم وعده في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] ، فحقق ذلك كله في عهد الخلفاء ﵃، وبالأخص في عهد أبي بكر ثم عمر. ولا شك أن اختيار أبي بكر لـ عمر له مستند، فهو الذي قد صحب النبي ﷺ ، وعرف إشاراته، وعرف محبته له، وسمع منه ما يدل على أفضلية عمر وعلى أهليته، وقد وردت إشارات نبوية إلى خلافتهما، وقد تقدم قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولا شك أن عمر منهم، وتقدم قوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فسماه مع من قبله باسمه الصريح، وأمر بالاقتداء به؛ وذلك أنه أهل للاقتداء، كما أنه أهل لحمل السنة، فقد حمل من الشريعة ما حمل، وفي عهده ﵁ كثرت المسائل الواقعية فأفتى فيها بما قبله منه أهل السنة؛ ولأجل ذلك يعرف فقهه وفهمه وفتاواه، لكثرة ما نقل وما وقع له. ومن الإشارات التي تدل على أنه الخليفة بعد أبي بكر قوله ﷺ : (رأيتني على قليب أنزع منها -يعني بالدلو- ما شاء الله، فأخذها أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن) فأشار إلى خلافة أبي بكر وأنها قليلة، حيث لم ينزع إلا ذنوباً أو ذنوبين، يعني: دلوين، أما عمر فجعل ينزع بهذه الدلو مع كونها استحالت غرباً، والغرب هو الدلو الكبيرة التي ينضح عليها قديماً، ومع ذلك أخذ ينزع حتى روي الناس وضربوا بعطن، إشارة إلى طول خلافته، وإشارة إلى امتداد الخلافة في عهده، وامتداد الإسلام والدولة في عهده، وانتشار الإسلام في زمانه، والانتصارات التي حصلت بواسطة تدبيراته وسيرته.

стр. 1024

موقف آل البيت من أبي بكر وعمر ومخالفة الرافضة لهم في ذلك يعترف جميع أهل السنة بأفضلية عمر، ومن أهل السنة علي بن أبي طالب الذي تعظمه الشيعة، وترفع من قدره، وتعلي شأنه، وتغلو فيه الغلو الزائد، ومنهم من يدعوه من دون الله، فيزعمون أنه عدو لهؤلاء الخلفاء، وأنهم أعداء له، وأن من والى علياً فلابد أن يعادي أبا بكر وعمر فإنهما ضدان، ويقولون: لا ولاء إلا ببراء، بمعنى أنك إذا واليت علياً فتبرأ من أبي بكر وعمر؛ لأنه لا يمكن أن توالي هذا وهذا في آن، فإنهما ضدان مفترقان، فنقول: كذبتم، بل هما صاحبان، بل هما أخوان، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة كلهم إخوة، وعلي واحد منهم، يحبهم ويحبونه، ويصلي خلفهم ويتولى ولايتهم, ويأخذ أعطياتهم، ويجالسهم، ويؤانسهم، ويكلمهم، ويصحبهم، ولم يظهر لهم عداوة، ولم يقاطعهم، ولم يهجرهم، ولكنكم أنتم -أيها الشيعة- نكست فطركم، وتغيرت أفهامكم، ورأيتم الحق باطلاً والباطل حقاً، وصوبتم ما كان خطأً، وزعمتم عداوة بين الصحابة لم تكن، وإنما العداوة والبغضاء منكم، فأنتم أهل الحقد وأهل البغضاء، كيف تجعلون بين الصحابة بغضاء وهي لم تحصل ولم تكن؟ ما هي العلامات التي تدل على أنها حصلت بينهم؟ يذكر العلماء أن الآثار شبه متواترة عن علي ﵁ أنه كان يقول على المنبر (أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) فيعترف بذلك ويصرح به على المنبر، سبحان الله! أين صرفت عقول هؤلاء الرافضة من هذا الأثر الذي يعتبر مشهوراً غاية الشهرة؟! ومع ذلك يخالفونه، فيكفرون ويشتمون ويسبون هذين الخليفتين اللذين يعترف إمامهم وقدوتهم -في زعمهم- بفضلهما. وهذا ولده محمد ابن الحنفية وهو أيضاً ممن يغلون فيه؛ لأنه من أولاد علي، ولكن ليس كغلوهم في الحسن والحسين، فيسأل ابن الحنفية أباه ويقول: يا أبت! من أفضل الناس بعد النبي ﷺ ؟ فيقول مستغرباً: يا بني! أما تعرف؟! فيقول: لا، فيقول: أبو بكر، فيعترف علي بأن أفضل الأمة هو أبو بكر، ولفضله اتخذ والياً وخليفة عليهم، ولفضله سموه خليفة رسول الله ﷺ ، ثم يسأله: ثم من أفضل بعد أبي بكر؟ فيقول: عمر، وعلى هذا فـ عمر ﵁ هو ثانيه في الخلافة، وهو ثانيه أيضاً في الفضل، يقول محمد بن الحنيفة: قلت: ثم أنت يا أبتي! خشي أن يقول: ثم عثمان، وأحب أن يكون أبوه له الفضل، ولكن علياً ﵁ تواضع غاية التواضع، وقال: ما أنا إلا واحد من أفراد المسلمين أو كما قال، مع أن له الفضل، وقد اختلف العلماء من أهل السنة في تفضيل عثمان وعلي، والخلاف في ذلك ليس مخرجاً من الملة ولا يضلل به.

стр. 1025

الأدلة العقلية والنقلية على أحقية عمر بالخلافة فضائل عمر ﵁ أكثر من أن تحصر، وقد أفردت بالتأليف قديماً وحديثاً، فـ ابن كثير ﵀ صاحب التاريخ ذكر أنه كتب في فضل أبي بكر وعمر كتاباً أتى في ثلاثة مجلدات. وأفرد بعضهم عمر بالتأليف، وأشهر من كتب فيه ابن الجوزي (مناقب عمر) وهي رسالة مشهورة مبوبة منتشرة، ذكر فيها أبواباً تدل على حنكة عمر وفضله، وذكر فيها فضائله وأحواله، وذكر فيها ما بشره به النبي ﷺ ونحو ذلك. وقد تقدم أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، وفي حديث أبي موسى لما كان بواب النبي ﷺ في يوم من الأيام، يقول: فجاء رجل فأراد أن يدخل فقلت: من أنت قال: أبو بكر، فقال النبي ﷺ : (ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) . كذلك أيضاً من فضائله ما جاء في الحديث الذي أشار إليه الشارح ﵀، وفيه أن عمر ﵁ طرق باب النبي ﷺ وعنده نساء قد رفعن أصواتهن، فلما سمعن صوت عمر ابتدرن الحجاب، وألقين الستر بينهن وبينه، ودخل والنبي ﷺ يضحك، فأخبره بأنهن كن رافعات أصواتهن، فلما دخل عمر احتجبن عنه وتسترن، فقال عمر: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟! فعند ذلك قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك) والفج هو: الطريق، بمعنى: أن الشيطان إذا لقيه في طريق هرب منه وذهب إلى طريق آخر، وما ذاك إلا لصرامته بحيث إن الشيطان يهرب منه! كذلك شهد النبي ﷺ له بأنه من المحدثين، يعني: من الملهمين، يقول: (إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في هذه الأمة فإنه عمر -أو فإن منهم عمر -) ولأجل ذلك يكثر موافقته للسنة وموافقته للقرآن، يقول ﵁: (وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليهن البر والفاجر؟ فأنزل الله قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب﴾ [الأحزاب:٥٣] ) بمعنى: أنه أشار على النبي ﷺ أن يبقين محجبات في البيوت، ولا يخرجن إلا لحاجة ضرورية، فنزل القرآن موافقاً له، يقول: والمرة الثانية قلت له: (لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ) والمرة الثالثة يقول: (إنه قال لزوجات النبي صلى عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة عليه: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت الآية موافقة لما قاله) . كذلك أيضاً في قصة أسارى بدر لما أشار بقتلهم، والنبي ﷺ وأبو بكر اختارا أن يمكنوا من الفدية، فجاء حكم الله موافقاً لقول عمر، حيث قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخر الآيات، فذلك دليل على أنه ﵁ كان من المحدثين الملهمين. ومن أشهر فضائله أنه دفن مع النبي ﷺ وأبي بكر، وذلك دليل على اعتراف الصحابة بفضله، حتى قال بعض العلماء في أبي بكر وعمر: إن منزلتهما من النبي ﷺ في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته، فهما قريناه في حياته، وكذلك بعد مماته جعلا معه في طرف الحجرة النبوية، أوليس ذلك دليلاً على أفضليتهما، وأنهما صاحباه وحبيباه والمقربان إليه؟ وقد شهد بذلك علي ﵁ في الحديث الذي سبق حين مات عمر ﵁، حيث قال: (ما تركت أحداً كنت أتمنى أن ألقى الله بمثل عمله إلا أنت) يقول: إنني لا أغبط أحداً وأرجو أن أكون مثله إلا أنت، أما البقية فأنا أقول: إني خير منهم، يعني: من كان بعد عمر ﵁، فـ علي ﵁ يغبط عمر، ويقول: لا أحد أغبطه وأتمنى أن ألقى الله بمثل عمله سوى أنت يا عمر! يقوله بعد موته. ثم يشهد بأن النبي ﷺ كان يحبه ويحب أبا بكر، ومن آثار تلك المحبة أن جمعا معه في المكان الذي قبر فيه، يقول: كنت أسمع النبي ﷺ كثيراً يقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) يجعل ذلك من المبررات في أن يكون ﵁ أهلاً لأن يجعل إلى جانب أبي بكر، وإلى جانب النبي ﷺ ، وهذا ما حصل، وعلى ذلك فنعترف بأنه هو الخليفة الراشد الذي امتدت خلافته بعد أبي بكر عشر سنين، وهو الذي ظهر من آثاره ومن فضائله الاقتداء التام بالنبي ﷺ ، وله أوليات كثيرة، فهو الذي أشار بجمع القرآن في عهد أبي بكر حين كثر القتل واستحر في القراء في وقعة اليمامة، حيث قتل فيها خمسمائة من حملة القرآن، فخشي ﵁ أن يذهب شيء من القرآن، فأشار بأن يكتب في صحف، ووافقه أبو بكر على ذلك، فكتب في صحف حتى يحفظ ولا يضيع منه شيء، ووافقهما الصحابة على ذلك, كذلك هو الذي وضع التأريخ، واختار أن يكون تقييد التأريخ بهجرة النبي ﷺ ؛ لأنه بعد الهجرة بدأ الإسلام يظهر وينتشر، فجعل التاريخ من أول الهجرة، وأجمعت الأمة بعده إلى يومنا هذا على التأريخ بهجرة النبي ﷺ . كذلك هو الذي سن هذه الأوقاف، وهي الأرض المفتوحة عنوة، إذ إنه لما فتحت أرض مصر وأرض الشام وأرض العراق الزراعية جعلها وقفاً على بيت المال، فكانت تزرع وتعاد إلى بيت المال لتموله عند انقطاع الفتوحات ونحوها، وأقره على ذلك الصحابة ومن بعدهم، فلا شك أن ذلك دليل على معرفته بمهام الأمور ومستقبلها. وقد كان في حياة النبي ﷺ جريئاً على إنكار ما رآه منكراً، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولكن الرافضة يتتبعون ما يظنون أن فيه شيئاً من العيب والقدح فيه، فيجمعون أكاذيب، ويجمعون وقائع لا مطعن فيها، ويجعلونها طعناً في خلافته، وطعناً في أهليته للخلافة بل في إيمانه، فيجعلونه مرتداً عن الإسلام أو نحو ذلك، وأكبر ما يطعنون به فيه أنه لما مرض النبي ﷺ وقال: (ائتوني بأوراق أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) وكان ذلك في يوم الخميس، وكان النبي ﵊ قد ثقل، عند ذلك قال عمر: (إنه ﷺ قد شق عليه فلا تكلفوه، وعندكم كتاب الله) فعند ذلك قام الرافضة يقولون: إن علياً كان هو الخليفة، وإن أبا بكر ليس بخليفة، وإن عمر خاف أن يكتب النبي ﷺ بالخلافة لـ علي فعند ذلك قال: لا تكتبوا، فحرم الكتابة ومنعها وتجرأ بقوله: عندنا كتاب الله، هذا مطعن يطعنون به في عمر ﵁، مع أنهم غائبون لم يحضروا ذلك الوقت, ولم يعرفوا الإشارات، ولم يعرفوا القرائن، وعمر ﵁ عرف القرائن المختصة به، وكذلك علي ﵁ كان حاضراً ولم يخطر بباله أنه يكتب له بالولاية، ولا أن عمر حرمه من الولاية أو من الخلافة، فأين في هذا إشارة ولو من بعيد إلى أنه حسد علياً فقال: لا تكتبوا، وعندنا كتاب الله؟ والدليل على ذلك أن ابن مسعود ﵁ لما ذكر له أن النبي ﷺ أراد أن يكتب كتاباً قال: (من أراد أن يقرأ وصية النبي ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث التي في كل واحدة منها ﴿ِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١] ، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٢] ، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] . فالصحابة فهموا أن وصية النبي ﷺ ليست هي وصية بولاية ولا بخلافة، ولكنها وصية بديانة وبأمانة ونحو ذلك، وليس فيها إشارة إلى خلافة علي ولا غير ذلك، بل قد تقدم في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: (ادعي أباك وأخاك أكتب لهما كتاباً، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فهذا دليل على أنه لو كتب لولى أبا بكر الخلافة، فكيف يزعمون أن عمر هو الذي حال بين علي وبين الخلافة، فيوجهوا الطعن عليه؟ ولهم مطاعن عليه كثيرة لا تحصى، وينشرونها في كتبهم، وكذلك يجعلونها في خطبهم، وفيما يذيعونه فيما بينهم، ويرمونه بالفظائع والعظائم، والله حسبهم، ولكن ذلك لا يضره، بل يكتب أجره عند الله وافياً. فنعتقد أنه ﵁ خليفة الأمة بعد أبي بكر، وأن له الفضل وله الميزة، فهو أفضل الأمة بعد أبي بكر، وهو خليفة الأمة بعد أبي بكر، وهو أحد الخلفاء الراشدين ﵃ وأرضاهم.

стр. 1026

شرح العقيدة الطحاوية [٨٦] عثمان ذو النورين هو ثالث الخلفاء الراشدين، وقد ولي الخلافة بعد عمر ﵁ الذي جعل الأمر من بعده شورى في ستة منهم عثمان، وفضائل عثمان كثيرة، ومناقبه عظيمة.

стр. 1027

ترتيب الخلفاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة للعلماء في الخلفاء الراشدين مسألتان: المسألة الأولى: مسألة ترتيبهم في الخلافة، فإجماع الأمة الإسلامية خلافاً للرافضة على أن الخليفة بعد النبي ﷺ هو أبو بكر، ثم الخليفة بعد أبي بكر هو عمر، ثم الخليفة بعد عمر هو عثمان، ثم الخليفة بعد عثمان هو علي، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون، ومن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار أهله. اتفق أهل السنة على أنهم الخلفاء على هذا الترتيب، إلا أن الرافضة زعموا أن أبا بكر مغتصب للخلافة وكذلك عمر وعثمان، وأنهم ليسوا خلفاء، ولا يستحقون الولاية ولا الخلافة، بل زادوا أن كفروهم وشتموهم، وأخرجوهم من الإسلام، وجعلوهم منافقين، وطبقوا عليهم الآيات التي في المنافقين، ولكن أهل السنة -والحمد لله- على عقيدة موحدة في الاعتراف بخلافة الخلفاء الراشدين. المسألة الثانية: مسألة ترتيبهم في الفضل، وقد تواتر عن علي ﵁ -الذي تغلو فيه الرافضة- أنه قال: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم بعد أبي بكر عمر ولم يختلف الصحابة في تفضيل أبي بكر ثم عمر، ولم يختلف أهل السنة في ذلك، فيقولون: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويروون ذلك مسنداً، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره، أي: يعترف بهذا الترتيب، وقد رجح أكثر أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ولكن وقع خلاف في الترجيح بين علي وعثمان، فقوم قدموا عثمان، وهو القول الصحيح، وقوم قدموا علياً، وهذه المسألة وهي: هل يقدم علي على عثمان أو يقدم علي على عثمان -يعني: في الفضل- مسألة اجتهادية، لا يضلل من قدم علياً، ولا يضلل من قدم عثمان، وأما تقديم الشيخين فلا خلاف في تقديمهما، ويضلل من قدم عليهما أحداً من الصحابة أو من غير الصحابة. وقد عرفنا خلافة أبي بكر وخلافة عمر، وأنها منصوصة؛ لقوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ، وهذه إشارة واضحة إلى أنهما اللذان يليان الخلافة بعده، والواقع وقع كذلك، ولعل عهد أبي بكر إلى عمر كان اعتماداً على هذا الحديث، أو اعتماداً على الأهلية والكفاءة، وقد وافقه الصحابة على هذا التقديم؛ وذلك لأهلية عمر، ولكفاءته، ولما رأوا فيه من زهد في الدنيا، وتقشف، وعبادة لله تعالى واجتهاد، ولما رأوا فيه من حنكة وحذق، ومن حزم وقوة، ومن عقل ومتانة وإدراك وفهم قوي، فكان أهلاً لهذه الخلافة، وقد ظهر أثر هذه الصفات بعد أن تولى الخلافة التي امتدت عشر سنين، وكلها كانت جهاداً، يجاهد بنفسه، فقد خرج إلى الشام مرتين، ويجاهد بآرائه ونظره، ويجهز جيوشه، ويرسل إليهم التعليمات فيعملون بها، ويحثهم على الصبر فيصبروا، ويوجههم توجيهات سديدة، وكان من آثارها أن انتشر الإسلام، وانتصر المسلمون انتصاراً عديم النظير، ومكّن الله للمسلمين، ونصرهم وأيدهم وقواهم، وظهر أمر الله، ولو كره الكافرون. وكان من آثارها أن انتشر العلم؛ وذلك لأنه ﵁ كان من أوعية العلم وحملته، وأرسل الدعاة إلى البلاد التي أسست في زمانه، والتي فتحت، وأرسل المعلمين، وأخذ يراسلهم ويكاتبهم، وعين القضاة والمرشدين؛ وكل ذلك لأجل أن يظهر دين الله، وأن ينتصر المسلمون على أعدائهم، وصدق الله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] .

стр. 1028

عثمان ﵁ قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ثم لـ عثمان ﵁: أي: ولنثبت الخلافة بعد عمر لـ عثمان ﵄، وقد ساق البخاري ﵀ قصة قتل عمر ﵁، وأمر الشورى والمبايعة لـ عثمان في صحيحه، فأحببت أن أسردها كما رواها بسنده: عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً وشمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأما ما يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله! لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثرا العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، قال: إن شئت فعلت؟ -أي: إن شئت قتلنا؟ - قال: كذبت بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جرحه، ثم أتى بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر -يا أمير المؤمنين- ببشرى الله لك بصحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، فقال: وددت أن ذلك كفافاً لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر انظر ما عليّ من الدين؟ فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفَّى له مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال، وانطلق إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب -يا أمير المؤمنين- أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب. فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلاً، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين! استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، قال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمارة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم من أمِّر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفي عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراًً، فإنهم ردء للإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدو، وألا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل مِن ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم إلى نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، والله علي ألا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ ، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه. وعن حميد بن عبد الرحمن أن المسور بن مخرمة أخبره أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم عن هذه الإمرة، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، مال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط، ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا عثمان، قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً؟ فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم، انطلق فادع لي الزبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي علياً، فدعوته فناجاه حتى أبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرّق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد: يا علي! إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بـ عثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال لـ عثمان: أبايعك على سنة الله ورسوله ﷺ والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس، والمهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون. ومن فضائل عثمان ﵁ الخاصة: كونه ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) . وفي الصحيحين: (لما كان يوم بيعة الرضوان، وأن عثمان ﵁ كان قد بعثه النبي ﷺ إلى مكة، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه

стр. 1029

عدل عمر ﵁ وحرصه على ما ينفع المسلمين في آخر حياة عمر ﵁ كان يتفقد أحوال أهل البلاد التي أسست في زمانه في العراق وفي الشام وفي غيرها، ولما فتحت تلك البلاد، وكان فيها أرض زراعية؛ رأى من المصلحة أن الأرض الزراعية تبقى موقوفة ولا تقسم بين المقاتلين، ولو كانوا هم الذين غنموها، بل تبقى وقفاً مورداً لبيت المال؛ وذلك لأنه استشعر أن المد سيتوقف، فإن مد بيت المال كان من خمس الغنائم ومن الفيء، ولكن قد يتوقف هذا الفيء وهذه الغنائم في وقت من الأوقات، فقد يتوقف الجهاد فيبقى بيت المال ليس له ما يمد به، فرأى أن تلك الأرض التي فتحت عنوة تكون وقفاً، فجعل الأراضي الزراعية التي في العراق مع كثرتها، والتي في الشام، والتي في مصر؛ كلها وقفاً، ليس لها مالك معين، ثم أمر بأن تؤجر على من يزرعها، ويؤدي أجرتها إلى بيت المال، فأجروها بقدر ما تطيقه، وسأل عن هذا بعض أمرائه كـ حذيفة ﵁ -وكان هو ممن قدم من تلك البلاد- فقال: (لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق؟) أي: أجرتماها بأجرة زائدة عن قدر المستطاع، وعما تطيقه، فذكرا أنهما حملاها أمراً هي له مطيقة، يعني: أنهما أجراها بأجرة مناسبة ليس فيها جور، وكان ﵁ يحب ألا يكون في مملكته ولا في الأمة الإسلامية من يناله ظلم أو ضيم، حتى ولو كان من الكفار؛ لأن أغلب الذين استأجروا تلك الأراضي للزراعة والحراثة غير مسلمين، ولكنهم عمال عارفون باستغلالها، فخشي أنهم ظلموا وحملوا ما لا يطيقون، ثم التزم بأنه إذا مد الله في حياته أن يفرق مالاً على المسلمين والمستضعفين في أقطار الأرض، وألا يترك أحداً ولو أرملة أو فقيراً يحتاج إلى أحد بعده، أي: يجعل لهم مدداً ويجعل لهم مالاً، وقد كان قد جعل رزقاً للصحابة لما فتحت عليه البلاد، وكثر وارد المال، فدون ديواناً، وجعل فيه إعاشة سنويةً لكل المسلمين من المهاجرين والأنصار ونحوهم من أهل المدينة والمجاهدين الأولين، فأحب أيضاً أن يصل ذلك إلى أهل البلاد الإسلامية: في الشام، ومصر، والعراق، واليمن، وخراسان، وما أشبه ذلك، ولكن اخترمته المنية قبل ذلك، فبعد أن قال هذه الكلمة التي التزم فيها، ما أتى عليه إلا أربع ليالٍ حتى قتل.

стр. 1030

قصة مقتل عمر ﵁ الذي قتل عمر معروف مشهور، وهو غلام المغيرة، ويقال له: أبو لؤلؤة، وهو مجوسي غير مسلم، وكان صانعاً، يعني: كان له صناعة، يعمل الأرحاء، ويأخذ عليها أجراً معلوماً، وقد اتفق مع المغيرة على أن يؤدي إلى المغيرة كل يوم دراهم معدودة عن عمله، حيث قال له المغيرة: اعمل للناس بالأجرة، وأعطني كل يومٍ كذا وكذا درهماً، فكأنه تثاقل تلك الضريبة التي جعلها عليه المغيرة، فجاء إلى عمر، وقال له: أريد أن تشفع لي عند المغيرة حتى يخفف عني، ولكنه قال: أنت رجل صنّاع، وبيدك صنعة تعمل فيها، وهذه الأجرة التي ضربت عليك خفيفة، وليست ثقيلة، فغضب على عمر وقال: وسع عدله الأرض كلها إلا أنا، وفي بعض الروايات أنه قال له: أريد أن تصنع لنا رحى، فقال: لأصنعن لك رحىً يتحدث بها أهل المشرق والمغرب، ففطن عمر أنه أراد أن يقتله، ولكنه لم يأخذ حذره، وفي بعض الروايات أنه قال: يتوعدني العلج، أو يريد قتلي، فلما عزم على قتله صنع سكيناً ذات رأسين محددين، وسقاها سماً، ثم لما قام عمر ﵁ لصلاة الصبح، وكان يسوّي الصفوف قبل أن يكبر، وكان إذا كبر أطال القراءة في الركعة الأولى، بحيث إنه تارة يقرأ في الركعة الأولى سورة يوسف أو سورة النحل، وهي أكثر من نصف الجزء، وقصده بذلك أن يجتمع الناس، وأن يدركوا الركعة الأولى، ولكنه ساعة ما كبر، ولم يبتدئ بعد بالقراءة، إذا هو يلتفت إلى من يليه ويقول: أكلني الكلب أو قتلني الكلب، ويعني بذلك هذا العلج الذي قتله، وقد طعنه ثلاثة طعنات في بطنه قطع بها أمعاءه، وبعد ذلك قام العلج في الناس يطعن فيهم، فطعن ثلاثة عشر من المصلين، مات منهم سبعة، ورآه بعض المصلين وهو يجول فيهم، فألقى عليه برنساً وضمه به، ووضعه على الأرض، ووطئ على ذلك البرنس، فعلم العجل أنه مقتول فقتل نفسه، ولما طعن عمر ﵁ اجتذب عبد الرحمن فصلى بهم صلاة خفيفة، وكان الناس الذين حوله قد فطنوا أنه طعن لما سمعوا قوله: قتلني أو أكلني الكلب، وأما أهل الصفوف البعيدة وأطراف الصفوف فإنهم لم يشعروا بما حصل، لكنهم لما فقدوا صوت عمر، وسمعوا صوت عبد الرحمن، أخذوا يسبحون استنكاراً لما حصل، وبعدما صلوا صلاة خفيفة، سأل عمر ﵁ ابن عباس: انظر من الذي قتلني؟ فجال ساعة ثم جاء وقال: غلام المغيرة، فقال: الصنع؟ -أي: الذي بيده صنعة-، قال: نعم. يعني: أنه مشهور بهذه الصنعة، ثم قال يخاطب ابن عباس: قد كنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج. والعلوج هم النصارى والمجوس، يعني: الكفرة الذين هم مماليك، وكان العباس له مماليك كثيرون، وغالبهم ليسوا بمسلمين، ولكنهم أسلموا بعدما ملكوا، ولكن ابن عباس يقول: إن شئت فعلنا؟ -يعني: قتلناهم- ولكن عمر يقول: بعدما دخلوا بلادكم، وتكلموا بكلامكم، وصلوا إلى قبلتكم، وحجوا بيتكم. يعني: قد فعلوا كما تفعلون، وكان يكره أن يأتي هؤلاء المماليك إلى هذه البلاد وهم على عاداتهم السيئة.

стр. 1031

جعل عمر الأمر شورى من بعده بعد أن انتهوا من الصلاة حمل عمر ﵁ وجرحه يسيل، وكأن الناس لم يصابوا بمصيبة قبل هذه المصيبة؛ وذلك لأنها مصيبة عظيمة، وفاجعة كبيرة، قتل أمير المؤمنين الذي هو المثل الأعلى في العدل، فلما حملوه قال بعضهم: إنه لا بأس عليه، وإنه سوف يعيش، وآخرون يقولون: نخاف عليه من هذه الطعنات المسمومة، فلما سقوه نبيذاً -والنبيذ هو عصير التمر- خرج من الجرح، ولكنهم لم يتفطنوا له واعتقدوه دماً، فلما سقوه لبناً خرج اللبن من الجرح أبيض، فعلموا حينئذٍ أنه ميت، فقالوا له: استخلف، أي: اختر من يكون بعدك خليفة، فقد نزل بك أمر الله، وعرفوا بأنه ميت، فأشاروا عليه أن يختار للمسلمين خليفة بعده، ولكنه ﵁ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني: أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، يعني: رسول الله ﷺ ، فلم يعين خليفة بعينه، ولكنه جعل الأمر شورى في ستة من الصحابة، توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض؛ لأن النبي ﷺ قد شهد لعشرة من الصحابة بالجنة، ومنهم أبو عبيدة، ولكنه مات في خلافة عمر، ومنهم سعيد بن زيد، ولكنه قريب لـ عمر، فهو ابن ابن عمه، فلم يجعله من أهل الشورى لقرابته؛ مخافة المحاباة، وبقي ستة، وهم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة وسعد، فهؤلاء هم الستة الذين جعلهم مستشارين، وجعل الخلافة شورى فيهم، وهم الذين يسمون أهل الشورى في ذلك الوقت. ولما عرف عمر ﵁ أنه ميت أخذ يوصي الخليفة من بعده بهذه الوصايا: يوصيه بالمهاجرين، ويوصيه بالأنصار، ويوصيه بأهل القرى والمدن، ويوصيه بالأعراب، ويذكر ما لكلٍ منهم من المآثر، وما لكل منهم من الجهاد، ويوصيه بالسير الحسن، وعادة الناصحين المخلصين الوصية لمن بعدهم بالخير، وصية دينية، يقصد منها السير على نهج قويم، حتى تأمن البلاد في عهده، وحتى لا يخاف من جوره، وحتى لا يكون عليه اختلاف ولا خروج، ولا من ينكر عليه، وقد عمل الخليفة بعده بهذه الوصايا. وسمعنا: أنه جاءه ذلك الغلام الذي كان مسبلاً إزاره فشهد له بالخير، ولكن عمر لما رأى إزاره يصل إلى الأرض نصحه، ولو كان في تلك الحال، ولو كان في مرض الموت، فنصحه بأن يرفع إزاره، وقال له: إنه أتقى للرب، وأنقى للثوب، فهكذا كانت عادته ﵁ يحب للمسلمين الخير، ولا يدخر عنهم وسعاً. وسمعنا كذلك قصة استئذانه أن يدفن مع صاحبيه النبي ﷺ وأبي بكر، فاستأذن من أمنا عائشة؛ لأن البيت مسكنها، وقد كانت تحب أن تكون في ذلك المكان مع زوجها وأبيها، ولكنها آثرت عمر ﵁ لما جاءها الخبر بأنه قد طعن، فبقيت تبكي في بيتها، ولما دخلوا عليها وهي باكية، وذكروا لها ذلك لبت طلبه، ووافقت على ذلك، فدفن ﵁ مع صاحبيه. وقد مر بنا قول علي ﵁ لما دفن عمر مع أبي بكر: كنت كثيراً ما أسمع النبي ﷺ يقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر) يعني: أنه كان يقرن بينهما دائماً، فكان ذلك دليلاً على أنهما سيقبران معه، وكذلك في حديث أبي موسى المشهور الذي فيه أنه قال: لأكونن بوّاب رسول الله ﷺ اليوم. لما كان النبي ﷺ في بستان، فجاء أبو بكر والنبي ﷺ قد جلس على قُفّ البئر، وكشف عن ساقيه، ودلى قدميه على شفير البئر، فدخل أبو بكر وهو كذلك، ثم جلس عن يمينه في ذلك الجانب، ثم جاء عمر ﵁، فجلس عن يساره، وامتلأ طرف البئر، ثم لما جاء عثمان وجدهم الثلاثة قد صفوا في أحد جوانب البئر، فقابلهم في جانب آخر، ودلى قدميه مثلهم مقابلاً لهم، يقول الراوي: فأولت ذلك قبورهم، النبي ﷺ وأبو بكر وعمر جعلت قبورهم متجاورة، وعثمان جعل قبره وحده، وقد حقق الله تعالى لـ عمر ﵁ ما تمناه؛ ولأجل ذلك يقول بعض العلماء في أبي بكر وعمر: منزلتهما من النبي ﷺ في الحياة كمنزلتهما منه بعد الممات، فإنهما كانا قرينيه وصاحبيه في حياته، لا يسافر إلا وهما وزيراه دائماً كانا معه، فقرنهما الله به بعد موتهما، فأصبحا قرينين له في حياته وبعد مماته. وسمعنا أن هؤلاء الستة الذين اختارهم عمر ﵁، وجعل الأمر فيهم، اجتمعوا وجعل كل منهم أمره إلى واحد، فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، فأصبح الأمر إلى ثلاثة: عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وكأن عبد الرحمن هو الذي اهتم بهذا الأمر، واشتد عليه أن يمضي وقت ولم يتم للمسلمين اختيار خليفة لهم يقوم بأمرهم، فبقي ثلاث ليالٍ لا يهنأ بالنوم، لا ينام إلا قليلاً؛ من شدة اهتمامه بأمر المسلمين، وكلما جاء أو جلس مع واحد منهم أخذ يناجيه، ويتكلم معه، ويأخذ عليه العهد والميثاق إذا تم له الأمر أن يسير سيرة حسنة، وأن يتبع سيرة الخليفتين قبله، حتى توثق منهما بذلك، فرأى أن الناس يميلون إلى عثمان، وأن عثمان له تجربة، وله مكانة، وله أهلية، فأمره أن يبسط يده للمبايعة، فبايعه عبد الرحمن وبايعه علي، وتمت البيعة، ولم ينقل أن علياً توقف، ولا قال: أنا أحق بها منه، أو أنا ابن عم النبي ﷺ أو نحو ذلك، بل وافق على ذلك بما أُخذ عليه من العهد، ولا شك أن ذلك دليل على أنه ﵁ لم يكن مخالفاً لما حصل، بل موافقاً له.

стр. 1032

فضائل عثمان ﵁ تمت الخلافة لـ عثمان ﵁، وسار في الناس سيرة حسنة، وبقي خليفة اثنتي عشرة سنة إلى أن قتل سنة خمس وثلاثين ﵁. وله فضائل كثيرة، ولو لم يكن من فضائله إلا أنه هاجر الهجرتين: هاجر أولاً إلى الحبشة، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة. ومن فضائله أنه يقال له: ذو النورين؛ لأنه تزوج أولاً رقية بنت رسول الله ﷺ ، ثم ماتت سنة اثنتين من الهجرة زمن وقعة بدر، ثم زوجه النبي ﷺ ابنته الثانية أم كلثوم، ولكنها أيضاً ماتت في آخر حياة النبي ﷺ ، وقال: (لو كان لنا بنت ثالثة لزوجناها عثمان) ؛ ولذلك قيل له: ذو النورين، ويقال: لا أحد تزوج بنتي نبي إلا عثمان؛ ولذلك يقول فيه الكلوذاني: قالوا فثالثهم فقلت مجاوباً من بايع المختار عنه باليد صهر النبي على ابنتيه ومن حوى فضلين فضل تلاوة وتهجد أعني ابن عفان الشهيد ومن دعي في الناس ذو النورين صهر محمد ثبت أنه ﷺ لما نزل في الحديبية، وصده المشركون عن دخول الحرم، وعن إكمال عمرته؛ أراد أن يبعث عمر إلى قريش، ولكن عمر خاف منهم؛ لكرامته وقوته، فأشار إليه أن يبعث عثمان؛ لكونه ذا قرابة منهم، فـ أبو سفيان قريبه، وهو سيد فيهم، فوقع الاختيار عليه، فبعثه، ولما بعثه قالوا له أهل مكة: نمكنك أن تطوف بالبيت، فقال: لا أطوف والنبي ﷺ لم يطف، ثم جاء خبر كاذب بأن عثمان قتل، فعند ذلك فزع النبي ﷺ وقال: (بايعوني) ، فبايعه الصحابة البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، ولما تمت وجاء الخبر بأن عثمان حي، أخذ النبي ﷺ بيده اليمنى على يده اليسرى، وقال: (هذه لعثمان) أي: هذه بيعة عثمان، فكأنه بايع عن عثمان بنفسه؛ فلذلك يقال: إنه من أهل البيعة وإن لم يكن حضرها، بل البيعة ما حصلت إلا بسببه. ولا شك أن تزوجه ببنتي النبي ﷺ مزية وأي مزية، وفضيلة كبيرة. وعثمان ﵁ كان من أوائل الذين أسلموا؛ وذلك لأنه تزوج رقية قبل نزول الوحي بمدة، وكانت رقية قد خطبها أحد أبناء أعمامها أبي لهب، ولكن كرهته وكرهه النبي ﷺ قبل نزول الوحي، ثم خطبها عثمان وتزوج بها؛ لما رؤي منه من الأهلية، ورزق منها أولاداً، وهاجر بها، ولما نزل الوحي على النبي ﷺ كان عثمان صهراً للنبي ﵊، وكان قد عرف صدقه، وعرف أهليته، فلم يتوقف أن أسلم، فهو من أوائل من أسلم، ولم يسلم لكونه صهراً للنبي ﷺ ، فإن أبا العاص بن الربيع زوج زينب صهر للنبي ﷺ ، ومع ذلك لم يسلم إلا في سنة ثمان، بل تمسك بدينه، مع أن زوجته -وهي بنت النبي ﷺ أسلمت، لكن عثمان أسلم؛ لكونه اقتنع بصحة النبوة، ولأهلية النبي ﷺ للنبوة، فأسلم وهاجر الهجرتين كما عرفنا، وله فضائل كثيرة ﵁، استحق بها أن يكون خليفة على المسلمين.

стр. 1033

شرح العقيدة الطحاوية [٨٧] علي ﵁ رابع الخلفاء الراشدين، وهو من أكثر الصحابة فضائل ومناقب، ولذلك كان حبه من الإيمان، وبغضه من النفاق كما صحت بذلك الأحاديث، ودعوى الرافضة في علي خرافة كدعوى النصارى في عيسى.

стр. 1034

عقيدة أهل السنة في الصحابة نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون ما جاء عن الله، ويتقبلون ما جاء في كتاب الله، الذين هداهم الله وسددهم وأرشدهم، والذين يتمسكون بالنصوص وبالأدلة، ويعملون بالكتاب والسنة، ويكون مرجعهم إلى الأدلة القوية، الذين نزهوا معتقدهم عن البدع والمحدثات. ولا شك أن من أشد البدع الطعن في نقلة السنة وحملتها من الصحابة؛ وذلك لأنهم الواسطة بين الأمة وبين نبيها، وهم الذين تحملوا السنة والشريعة الإسلامية، وبلغوها لمن بعدهم، ولم يكتموا منها شيئاً، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يزيدوا ولم ينقصوا؛ فلهذا ففضلهم على الأمة كبير، وإحسانهم إليها عظيم، ولأجل ذلك اتفقت الأمة من أهل السنة على تزكيتهم وتعديلهم، وعلى إنكار قول من طعن أو بدّع أو شنّع فيهم، واتفق أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول، ويكفي في تعديل الراوي أن يكون من الصحابة، فإذا روي حديث وثبت أن راويه صحابي ولو كان مجهولاً قبلت روايته، وذلك دليل على أنهم عرفوا مكانة الصحابة وعدالتهم. والصحابة يتفاوتون في الفضل، وقد ذكر الله تعالى شيئاً من تفاوتهم بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] ، فأخبر أن المتقدمين منهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح أفضل من الذين لم يسلموا ولم ينفقوا ولم يقاتلوا إلا بعد الفتح، ولكن وعدهم جميعاً بالحسنى: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: الثواب الحسن والجنة، والجزاء الأوفى عند الله، وهذا ثناء كبير (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) ، ومن يدرك هذه الفضيلة؟ ومع كل هذا الثناء عليهم تسلط عليهم الأعداء من الرافضة، وسددوا سهام الطعن نحوهم، بل سلطوها على خيارهم وأفاضلهم وأشرفهم، وهم الخلفاء الراشدون، وقد تقدم شيء من سيرة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا شك أنهم هم الخلفاء الراشدون الذين ذكرهم النبي ﷺ بقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، فإن أول من يدخل فيه خلفاؤه الذين تولوا الأمر من بعده، فأول من تولى بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الذين أوصى النبي ﵊ باتباعهم، والسير على منهاجهم، وهم ممن شهد لهم بالجنة شهادة عظيمة فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة بن عبيد الله في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة) ، فهؤلاء هم العشرة المشهود لهم بالجنة. وفي حديث أبي موسى لما كان بوّاب النبي ﷺ في القصة التي مرت بنا يقول: فاستأذن أبو بكر، فقلت: على رسلك! فجاء إلى النبي ﷺ فقال: هذا أبو بكر يستأذن، فقال: (ائذن له وبشره بالجنة، فجاء وجلس إلى جنب النبي ﷺ ، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) فبشره بالجنة، ولكن أخبره ببلوى، وهذه البلوى هي ما حصل عليه من الثوار الذين ثاروا عليه، وحاولوا خلعه، إلى أن انتهى الأمر بقتله ﵁.

стр. 1035

مناقب عثمان ﵁ عثمان أحد الخلفاء الراشدين، وقد امتدت خلافته اثني عشر سنة، واتفق على خلافته الصحابة، ولم يشذ منهم أحد، فصار هو ثالث الخلفاء الراشدين، وله فضائل ومزايا ﵁، ولو لم يكن منها إلا أنه صهر النبي ﷺ ، زوجه ابنته الأولى رقية وماتت سنة اثنتين، ثم زوجه ابنته الثانية أم كلثوم وماتت أيضاً في سنة ثمان أو نحوها، وقال: (لو كان لنا ابنة ثالثة لزوجناها عثمان) ؛ ومن ثمّ عرف بذي النورين، أي: ابنتي النبي ﷺ ، ولأجل ذلك مدحه الكلوذاني في عقيدته بقوله: قالوا فثالثهم فقلت مجاوباً من بايع المختار عنه باليد صهر النبي على ابنتيه ومن حوى فضلين فضل تلاوة وتهجد أعني ابن عفان الشهيد ومن دعي في الناس ذو النورين صهر محمد ومن فضائله: أنه الذي جمع القرآن بعدما افترق الناس فيه، وكادوا يقتتلون، فكتب القرآن ونسخه في المصاحف، وأرسلها إلى الناس حتى يقتصروا عليها، فاتفقت الأمة على الاقتصار على هذا المصحف، ويسمى المصحف العثماني، أو الرسم العثماني. ومن فضائله ﵁: أنه كان طوال ليله يتهجد ويصلي، حتى ذكروا أنه كان يختم القرآن في كل ليلة في تهجده، وذلك دليل على اهتمامه بالعبادة، يقول بعض الذين مدحوه: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطِّع الليل تسبيحاً وقرآناً يقطِّع الليل يعني: يَقْطع الليل كله في التسبيح وفي القراءة، وعبّر بالتسبيح عن الصلاة. وكان ﵁ تستحي منه الملائكة كما في الحديث الذي مر بنا: أن النبي ﷺ كان مرة جالساً في حجرته، وقد أبدى ركبتيه وساقيه، فدخل أبو بكر وهو على تلك الحال، ثم دخل عمر وهو على تلك الحال، فلما دخل عثمان استوى جالساً، وستر ركبتيه وساقيه، فقيل له: لماذا جلست بعدما كنت على تلك الهيئة؟ فقال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟) ، قيل: إنه كان حيياً، ولو رأى النبي ﷺ على تلك الحال لرجع ولم يجلس معه على تلك الهيئة؛ فلأجل ذلك استوى النبي ﵊ جالساً، ولا شك أنه ﵁ كان من أجلاء الصحابة وسابقيهم، وفي الحديث المشهور أن النبي ﷺ كان مرة على جبل أحد، فاهتز الجبل فقال: (اسكن أحد، فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد) ، وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان، فجعل أبا بكر صديقاً، وعمر وعثمان شهيدين، وتحقق ذلك، فإن كلاً منهما قتل شهيداً، وهذه شهادة منه ﷺ لـ عثمان بأنه من الشهداء، ولما قتل مظلوماً قيّض الله له من ينصره، وقد استنبط ابن عباس من قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] فقال: إن عثمان قتل مظلوماً، وإن أولياءه الذين يطالبون بدمه - وهم معاوية ومن معه- منصورون. وبكل حال فلا مجال للطعن فيه، ومن طعن في خلافته أو في عدالته فقد طعن في الإسلام، وفي حملة الإسلام.

стр. 1036

علي بن أبي طالب ﵁ قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ثم لـ علي بن أبي طالب ﵁. أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لـ علي ﵄، لما قتل عثمان وبايع الناس علياً؛ صار إماماً حقاً واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المتقدم ذكره أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء) ، وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي بن أبي طالب ﵁ أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر. وأول ملوك المسلمين معاوية، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إماماً حقاً لما فوّض إليه الحسن بن علي ﵄ الخلافة، فإن الحسن ﵁ بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوّض الأمر إلى معاوية؛ فظهر صدق قول النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ، والقصة معروفة في موضعها. فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁ بمبايعة الصحابة سوى معاوية مع أهل الشام، والحق مع علي ﵁، فإن عثمان ﵁ لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان، وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كـ علي وطلحة والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض ممن بعدت داره من أهل الشام، ويحمي الله عثمان أن يظن به الأكابر ظنون سوء، ويبلغه عنهم أخبار منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض، وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه، فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من علي ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين. ثم جرت فتنة صفين لرأي، وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم، وهم كافون حتى يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر كما طغوا على الشهيد المظلوم، وعلي ﵁ هو الخليفة الراشد المهدي الذي تجب طاعته، ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه، فاعتقد أن الطاعة والجماعة الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم بطلب الواجب عليهم بما اعتقد أنه يحصل به أداء الواجب، ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ﷺ والخليفتين من بعده مما يسوغ، فحمله ما رآه من أن الدين إقامة الحد عليهم، ومنعهم من الإثارة دون تأليفهم على القتال، وقعد عن القتال أكثر الأكابر؛ لما سمعوه من النصوص في الأمر بالقعود في الفتنة، ولما رأوه من الفتنة التي تربو مفسدتها على مصلحتها، ونقول في الجميع بالحسنى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه. ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄ ما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لـ علي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي) . وقال ﷺ يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه) ، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: (اللهم هؤلاء أهلي) ] .

стр. 1037

فضائل علي ﵁ الخليفة الرابع هو علي بن أبي طالب ﵁، وهو الذي تتولاه الرافضة، وتدعي أنه الخليفة الأول، وأن الخلفاء قبله مغتصبون، أما أهل السنة فيقولون: إنه آلت إليه الخلافة بعد قتل عثمان، فإن عثمان ﵁ اتهم في آخر خلافته باتهامات لا أساس لها، وكان من نهايتها أن ثار عليه ثوّار كثير من العراق ومن مصر، واجتمعوا، وحاصروه إلى أن آل الأمر بقتله ﵁ مظلوماً، ولما قتل لم يكن هناك أولى بالخلافة من علي، فهو ابن عم النبي ﷺ ، وهو قريبه، وهو صهره زوج ابنته، وهو أبو الحسنين سبطا رسول الله ﷺ ، وله فضائل كثيرة، حتى كان لا ينافس. وذكروا من فضائله أنه لما خالفه معاوية ولم يبايعه، واستقر معاوية في الشام، وعلي في العراق، كتب إليه معاوية كتاباً يذكر فيه فضائله، أنه كاتب الوحي، وأنه خال المؤمنين، أي: أخو أم المؤمنين التي هي أم حبيبة، وأنه الذي جاهد وفتح الفتوح، ونحو ذلك من فضائله، فذكر ابن كثير في تاريخه أن علياً ﵁ قال: يفخر علي ابن فلانة، ثم أمر أن تكتب أبيات يذكر فيها فضائله يقول فيها: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد زوجي وعرسي مسوق لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طراً صغيراً ما بلغت أوان حلمي ولا شك أن له فضائل صحيحة، ولكن الرافضة زادت، وجعلت له فضائل أكثر من هذا، حتى رفعوه عن طوره، وأعطوه ما لا يستحقه، ووصفوه بصفات أكبر من صفة النبوة، وجعلوا له مكانة تفضله على مكانة الخلفاء قبله، بل ورفعوه إلى مكانة النبوة! وأما أهل السنة فاعتدلوا فلم يصفوه إلا بالصفات التي وردت له، وبالفضائل الثابتة الصحيحة التي تميّز بها.

стр. 1038

خلافة علي ﵁ رأى أصحاب النبي ﷺ بالمدينة أن علياً أولى بالخلافة بعد مقتل عثمان، فتمت له البيعة، وكان ذلك في وقت الحج في سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وكان الحجاج الذين بمكة قد غابوا عن فتنة قتل عثمان، ولما انتهوا من الحج، وأرادوا أن يقبلوا إلى المدينة، جاءهم الخبر أن الثوّار قد قتلوا عثمان، وكانوا يعرفون أفراداً من أولئك الثوّار من أهل العراق، فعزموا على أن يقاتلوهم، وقالوا: لا يقر لنا قرار حتى نقاتل قتلة المظلوم عثمان، وكان من أولئك الحجاج: طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة ﵃، فتوجهوا من مكة إلى العراق، ولم يأتوا إلى المدينة، ولم يبايعوا علياً فيمن بايعه، وهذا معناه أنهم قد شقوا العصا، وأنهم قد جعلوا في المسلمين خللاً، وكان يحب أن يأتوا إليه، ويبايعوه كما بايعه غيرهم، ثم بعد ذلك يسير معهم في قتال أولئك الثوّار، ولكن قضي الأمر، وتوجهوا من مكة إلى العراق، فلما سمع بأنهم توجهوا إلى العراق ساءه ذلك، وسار بمن معه في أثرهم ليردهم إلى الطاعة، وشق عليه أن يخالفوه، وأن يقع اختلاف في الأمة، وأحب أن تجتمع الأمة على إمام واحد، حتى يكونوا يداً واحدة على الثوّار، هكذا رأى ﵁، فتوجه إلى العراق ومعه جموع كثيرة من أهل المدينة الذين طاوعوه والذين بايعوه، فوصلوا إلى الكوفة، وتقابلوا هم وأهل الحج الذين جاءوا من مكة ومعهم عائشة، وكانت على جمل لها مشهور، فتقابلوا وكادوا أن يصطلحوا على أنهم في الصباح يمسكون بقواد القتلة ويقتلوهم، ولما باتوا على ذلك، ولم يبق إلا فعل ما قرروا في الصباح، كان قتلة عثمان أشرافاً وأكابر وسادة، ولهم شرف في قومهم، فقالوا: لا يمكن أن يقتل فلان ويقتل فلان ويقتل فلان، فكان من حيلتهم أن قالوا: إذا كان آخر الليل فقوموا وقاتلوا، فابدءوا بالقتال حتى تنشب الحرب، وحتى يختلف هؤلاء وهؤلاء، ففعلوا ذلك في آخر الليل، ولم يدروا من أثار الحرب، والذين أثاروها هم قتلة عثمان، فوقعت الواقعة، وجرت وقعة شنيعة كبيرة، قتل فيها عدة ألوف من المسلمين، منهم طلحة والزبير ﵃، وأكثرهم أو كلهم إلا نادراً ليسوا من الصحابة، وما زالوا يقاتلون النهار كله، والسيف يعمل فيهم، وعائشة ﵂ على جملها في وسطهم، وكان يأتي أصحابها الذين جاءوا معها ويمسكون الجمل بخطامه، وكل ما أمسكه أحد قطعت يده، ثم يجيء آخر فتقطع يده، حتى قطعت أكثر من عشرين يداً كانت تمسك بذلك الخطام، فرأى علي أن يعقر الجمل، فقال: اعقروا الجمل فإنهم يدورون حوله، فلما عقروا الجمل سقط الجمل وسقطت عائشة بهودجها، فعند ذلك أمر علي أن تحاز إلى رحل المسلمين، وبذلك انهزموا وانتهت الحرب وتوقفت بعد معركة شديدة، وسببها قتلة عثمان، وتمت البيعة منهم لـ علي، ولم يبق خلاف.

стр. 1039

خروج أهل الشام على علي مطالبين بدم عثمان بعد وقعة الجمل بقي أهل الشام بقيادة معاوية؛ وذلك لأن معاوية هو ابن عم عثمان، وقد أسف لقتله، وأسف أهل الشام، وصاروا يبكون بكاءً شديداً على ما سمعوا، وعلى ما نقل إليهم من الشناعة والبشاعة، وصاروا يجتمعون في المساجد، ويقسمون أن يأخذوا بثأر عثمان مهما حصل الأمر، فعند ذلك جمعوا جموعاً أكثر من مائة ألف، وتوجهوا قاصدين العراق؛ لأجل مقاتلة أولئك الثوّار، واجتمعوا في موضع يقال له: صفين، وجاء علي وأهل العراق في أكثر من مائة ألف، وجاء هؤلاء كذلك وتقابلوا، وأرادوا أن يصطلحوا فيما بينهم، ولكن لم يحصل الاتفاق، وقد اختاروا حكمين، واختلف الحكمان، ونشبت الحرب بينهم واستمرت أياماً، منها ليلة شديدة القتال تسمى ليلة الهرير، وبعدما كاد أهل العراق أن ينتصروا رفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله، فعند ذلك تركوا القتال، بعدما قتل عشرات الألوف من هؤلاء ومن هؤلاء، فرجع أهل الشام إلى الشام وهو متقوون، ورجع أهل العراق إلى العراق وفيهم شيء من الاختلاف والفشل، وانفصلت منهم طائفة سموا بالخوارج، وقالوا لـ علي: أنت حكمت الرجال يعني: لما اختار حكماً من الرجال، وثاروا عليه، وهم الخوارج الذين قاتلهم علي في النهروان وقتلهم. والحاصل: أن علياً ﵁ تمت بيعته، وكانت خلافته في العراق وفي الحجاز وفي خراسان وفي اليمن، وفي أكثر البلاد، ما عدا الشام ومصر والمغرب، فهذه كانت تحت ولاية معاوية؛ وذلك لأنه تمكّن من هذه البلاد، وكانوا يحبونه؛ لكونه ذا سيرة حسنة وجهاد، فبقي متمكساً بهذا الأمر، ولم يزل أمر كل منهم على هذه الحال إلى أن قتل علي ﵁ سنة أربعين، قتله الخارجي المشهور المسمى بـ عبد الرحمن بن ملجم.

стр. 1040

خلافة الحسن بن علي ﵄ بعد استشهاد أبيه لما قتل علي بايع أهل العراق ابنه الحسن، تمت له البيعة، وبايعوه بقوة، وكان أهل العراق يحبون علياً محبة شديدة، وبقوا ملتزمين بطاعته، وكانوا يحبون ذريته، فالتزموا أن ينصروا الحسن، وأن يبذلوا في نصرته ما يمكنهم، ولما تمت له البيعة، وبقي نصف سنة، أراد معاوية أن يغزوا أهل العراق، فجاء بجنود هائلة، واجتمع أيضاً مع الحسن جنود هائلة عظيمة، ولما أرادوا أن يتقاتلوا فكر الحسن ﵁ وقال: علام نقتل هؤلاء المسلمين؟ يقتل عشرات ألوف أو مئات ألوف لأجل الخلافة ولأجل الولاية، لا بورك فيها ولا خير فيها، لماذا لا أتنازل وأحقن دماء المسلمين؟ وعند ذلك أرسل إلى معاوية: إنني سآتي إليك، فجاء إليه، وقال: سأبايعك وأتنازل لك عن هذه الخلافة، واشترط عليه شروطاً: ألا يقتل أحداً، لا من قتلة عثمان ولا من غيرهم، يكفي ما قد حصل من الفتن ومن القتال، وألا تسبّوا أحداً منا ولا نسب أحداً منكم، لا نسب عثمان ولا تسبوا علياً، وأن نكف عن هذه الفتن، فقبل تلك الشروط، وتمت البيعة سنة إحدى وأربعين لـ معاوية، وسمي ذلك العام: عام الجماعة، واجتمعت فيه الأمة على إمام واحد وهو معاوية؛ ولذلك يقولون: الخلافة ما قبل الحسن، والملك ما بعده، وفي حديث سفينة يقول ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً) وفسره سفينة فقال: احسب سنتين وأربعة أشهر خلافة أبي بكر، وعشر سنين ونصفاً خلافة عمر، وثنتا عشرة خلافة عثمان، وأربع سنين ونصف خلافة علي، ونصف سنة خلافة الحسن، فمجموعها ثلاثون، أو تنقص أو تزيد قليلاً، وما بعده فهو ملك، وأول ملوك الإسلام معاوية، وهو أفضل وخير ملوكهم؛ وذلك لأنه صحابي وابن صحابي، ولأن سيرته سيرة حسنة، إلا أنه أخطأ حيث أمر أو أقر من يسب علياً، وحصل بسب علي في خلافته سواء في العراق أو في الشام حدوث هذه الطائفة التي تعصبت لـ علي، واخترعت أكاذيب في سب الصحابة وفي الغلو في علي؛ ولأجل ذلك صارت الرافضة تحمل عليه، وتحمل على جميع بني أمية وتضللهم، ما عدا عمر بن عبد العزيز ﵁؛ وذلك لأن سب علي استمر في العراق، وإن لم يكن في كل الأماكن، بل في بعض المساجد، وكذلك في الشام مدة خلافة بني مروان، إلى أن تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، فعند ذلك أبطل سبه، وهو الذي مدحه بعض أهل البيت على هذا الفعل، فنسب إلى المرتضى وهو من أهل البيت أنه قال: يا ابن عبد العزيز لو بكت الـ عين فتىً من أمية لبكيتك أنت أنقذتنا من السب والشتم فلو أمكن الجزاء جزيتك غير أني أقول لقد طبت وإن لم يطب ولم يزك بيتك دير شمعان لا عدتك العوادي خير ميت من آل مروان ميتك وكان قد دفن ﵁ في دير شمعان. وبعده انقطع السب، ولكن حدثت هذه الطائفة التي هي الرافضة، وكان سبب سبهم لـ علي ﵁ تسويل الشيطان لهم بأنه من جملة الذي داهنوا في قتل عثمان، أو شاركوا فيه، فصاروا يسبونه ويشتمونه على المنابر، وصار أولياؤه وشيعته يتحرقون عندما يسمعون كلامهم، ويجمعون أكاذيب في سب بني معاوية، وفي سب بني مروان، بل وفي سب الخلفاء الراشدين، وفي الغلو في علي ﵁، ولا حاجة لـ علي في أكاذيبهم؛ فله فضائل كثيرة، وله مناقب شهيرة، هو غني بها عما لفقوه وزادوا عليه، حتى جعلوا له ما لا يستحقه.

стр. 1041

علي ﵁ أول من أسلم من الصبيان علي ﵁ من السابقين، أسلم وهو صغير، وكان سبب إسلامه أن أبا طالب كثر عياله، وكان قليل ذات يد، فقال حمزة ﵁ للنبي ﷺ : هلم فلنخفف عن أبي طالب، فنأخذ منه بعض أولاده نَعولُهم، فأخذ حمزة جعفراً مع عياله، وأخذ النبي ﷺ علياً مع عياله، وكان ينفق عليه، ولما نزل الوحي على النبي ﷺ بادر وأسلم، وهو أول من أسلم من الصبيان، قيل: إنه أسلم وعمره عشر سنين، فلذلك قالوا: إنه أسلم قبل أن يبلغ.

стр. 1042

حديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) من فضائله: قول النبي ﷺ له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) . ، ومعلوم أن هارون أخو موسى؛ ولكن هارون نبي أوحي إليه كما أوحي إلى موسى، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ [مريم:٥٣] ، وحُسب هارون من الأنبياء الذين أوحي إليهم، أما علي فإنما له قرابة من النبي ﷺ ، وتلك القرابة لم تصل إلى حد النبوة، إنما له قرابة وله محبة وله صلة وله مصاهرة، حيث تزوج بنت النبي ﷺ ، فأصبح له هذه المكانة.

стр. 1043

حديث: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله) من فضائله: قول النبي ﷺ يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولَه، ويحبه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، وقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) . اشتمل هذا الحديث على ثلاث فضائل: الأولى: أنه يحب اللهَ ورسولَه. الثانية: أن الله يحبه ورسوله. الثالثة: أن الله يفتح على يديه. ولأجل ذلك تطاول إليها كثير من الصحابة حتى قال عمر ﵁: ما تمنيت الولاية إلا يومئذ، وقد أرسله النبي ﵊ لما يلي: أولاً: لقرابته منه. ثانياً: لِما عُرف عنه من الشجاعة والقوة والإقدام. ثالثاً: ليظهر آثار ذلك بالفتح على يديه. فله هذه الفضائل، مع أنها حاصلة لغيره أيضاً، فإن الصحابة ﵃ بل وجميع المؤمنين بل ونحن إن شاء الله جميعاً نحب الله ورسوله، ونرجو أن نلقى ثواب هذه المحبة، ونحب أولياء الله ومنهم الصحابة ﵃، وهذه فضائل لـ علي، ولغيره من الصحابة.

стр. 1044

الفتنة بين علي ومعاوية ﵄ الفتن التي حصلت بين علي ﵁ وبين أهل الشام وقعت باجتهاد، فأهلُ الشام معذورون حيث إنهم يطالبون بدم عثمان، وأهل العراق معذورون حيث إن علياً ﵁ يطالب بجمع الكلمة، ويقول: بايعوني واجتمعوا معي، ونحن بعد ذلك إذا اجتمعنا ولم نختلف تمكنا من أخذ أولئك القتلة واحداً واحداً، وهي فكرة جيدة؛ ولكن قدر الله ما حصل، وحصل هذا الأمر الذي وقعت بسببه هذه الفتن، فنحن نقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ، ونقول كما قال الشارح: تلك فتنة صان الله عنها أيدينا، فنصون عنها ألسنتنا، فلا نقول: هذا هو المصيب، ولا هذا هو المخطئ، بل نَكِل أمرهم إلى الله تعالى، والله يحكم بينهم، ونعذرهم، ولا نُلحِق بأحد منهم لوماً ما داموا مجتهدين، ونعرف للجميع سبقهم، ونعرف لهم فضلهم وفضائلهم، ونشهد لهم بالخير، ولا نتبرأ من أحد من الصحابة لا من علي ولا من معاوية؛ ولأجل ذلك يقول الكلوذاني في معاوية: ولابن هند في الفؤاد محبة ومودة هل يُرْغَمَنَّ المعتدي ذاك الأمين المجتبى لكتابة الـ ـوحي المُنَزَّل بالتقى والسؤدد فهو من الخلفاء؛ ولكن ليس هو من الخلفاء الراشدين، ولكنه ملك من الملوك، سار سيرة الملوك، ولكنه أحسنهم، أما علي ﵁ فلا شك أنه في زمانه خليفة ذلك الزمان، ولا شك أن فضائله تدل على أقدميته على معاوية وعلى ميزته؛ لأنه من السابقين الأولين، وأما معاوية فهو من مسلمة الفتح، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] أي: من بعد الفتح ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] .

стр. 1045

شرح العقيدة الطحاوية [٨٨] بشر النبي ﷺ عشرة من الصحابة بالجنة في حديث واحد، وهم الخلفاء الأربعة وابن عوف والزبير وطلحة وأبي عبيدة وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، وقد ضل الرافضة في بغضهم لأكثر هؤلاء العشرة، وسلكوا مسلك اليهود في الجفاء والنصارى في الغلو.

стр. 1046

حب أهل السنة للصحابة ومعرفتهم لفضلهم نحمد الله أن جعلنا مسلمين، وجعلنا متحابين في ذات الله، نحب أهل الخير متقدِّمهم ومتأخرهم، ونعترف لهم بالفضل، ونعترف لهم بالسبق إلى الخير، ونمتثل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّاً﴾ [الحشر:١٠] أي: حقداً ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] . ولا شك أن هذا وصف المؤمنين في كل زمان، فهم يعترفون لمن سبقهم من أهل الإيمان بالفضل والخير، ولا شك أن أفضل مَن سبق وأول مَن سبق هم أصحاب نبينا ﷺ ، فنحبهم من كل قلوبنا، وهذا وصف أهل السنة، يقول شيخ الإسلام في عقيدته: حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسلُ ولكلهم فضل وقدر ساطع لكنَّما الصديق منهم أفضلُ نحبهم لأنهم السابقون إلى الخيرات، ونحبهم لأنهم حفظوا على الأمة دينها وشريعتها، ونحبهم لفضلهم وشرفهم، ونحبهم لقرابة أكثرهم -سيما الخلفاء الراشدون- من النبي ﷺ ، وقد ثبت في الحديث أن العباس عم النبي ﷺ ذكر له أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، فجعل المحبة لله مقدمةً ثم المحبة لقرابته أي: قربهم منه كعمه وبني عمه ونحوهم. ومعلوم أننا ما أحببناهم لمجرد القرابة، فقد كان هناك من هو أقرب منهم كـ أبي لهب وأبي طالب وغيرهما ممن ماتوا على الكفر، ومع ذلك نمقتهم ونبرأ من أعمالهم، هذه هي عقيدتنا، أما من آمن به ولو كان بعيداً من نسبه، وصدَّقه واتبعه؛ فإنه محبوب إلى كل مسلم تقي من أهل السنة والجماعة. ومحبتنا للصحابة لا تصل إلى الغلو كعادة الذين يغلون في بعض الصالحين، فالرافضة أوصلهم الحب لآل البيت إلى الغلو بحيث اعتقدوا في أئمتهم الاثني عشر نوعاً من الألوهية، وأعطوهم شيئاً من التصرف في الكون، وصاروا يطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلَّا الله، ويصفونهم بأوصاف لا يستحقها إلَّا الله. أما أهل السنة فأحبوا الصحابة، وأحبوا قبلهم نبيهم ﷺ ، ولم يغلوا في أحد منهم، ولم يعطوه شيئاً من حق الله، بل اعتقدوا أنهم بشر، وأنهم مخلوقون، وأن فضلهم إنما هو بالأعمال الصالحة، وأن محبتهم إنما تحمل على اتباعهم، وعلى العمل بمثل أعمالهم، وهكذا محبة كل مؤمن، فإذا أحببنا الأئمة ودعاة الخير ومشايخنا وعلماء الأمة فهذه المحبة تحمل المحب على أن يقتدي بالمحبوب، وعلى أن يحرص على أن يفعل كأفعاله، وبذلك يكون صادق المحبة، فأما أن تحمله محبته على أن يعطيه شيئاً من حق الله، فإن هذا غلو وإطراء داخل في فعل النصارى، وهو منهي عنه، قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) وصفة العبودية للنبي ﷺ صفة شرف، وكذلك صفة العبودية للصحابة صفة فضل وشرف، وكذا صفة العبودية لنا صفة شرف، فأنت تفرح إذا نُسِبت إلى أنك عبدٌ لله، وكذا أنبياء الله، قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] لا يستنكفون أي: لا يأنفون ولا يتكبرون عن العبودية، فكذا الصحابة لا يتكبرون عن العبودية، وكذا أقارب النبي ﷺ لا يتكبرون عن العبودية، بل يفتخرون بها، وهذا هو الواجب في اعتقادنا نحوهم. وقد مر بنا في هذه العقيدة قول أهل السنة في الصحابة وفي الخلفاء، وأن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، وأفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم هم الخلفاء الراشدون، وتكلم العلماء في خلافتهم فقالوا: إن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم بعده عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله كما قال ذلك شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية. وكذلك تكلموا في فضلهم، فاتفقوا على فضل الشيخين أبي بكر وعمر، واختلفوا في عثمان وعلي أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وربعوا بـ علي، أي: جعلوه هو الرابع في الفضل، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، هكذا ذكر شيخ الإسلام في الواسطية، وذكر أن مسألة التقديم بين عثمان وعلي ليست من المسائل التي يُضَلَّل مَن خالف فيها، وإنما التي يُضَلَِّل فيها مسألة الخلافة، فهناك فرق بين مسألة الخلافة ومسألة الفضل، فقد اتفق أهل السنة على أنهم مرتبون في الخلافة، واتفقوا على أن ترتيبهم في الفضل أن يقدم أبو بكر ثم عمر، واختلفوا هل علي يلي عمر في الفضل ثم عثمان بعده أو بالعكس؟ وأكثر العلماء على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وهذا هو الذي نعتقده؛ وذلك لأنهم لا يتفقون على خطأ، وقد اتفقوا على تقديم عثمان في الخلافة، فدل ذلك على أهليته وأفضليته.

стр. 1047

اتباع الخلفاء الراشدين قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ (وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون) تقدم الحديث الثابت في السنن وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ولـ أبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا بالاقتداء في الأفعال إلا بـ أبي بكر وعمر ﵄ فقال: (اقتدوا باللذَين من بعدي: أبي بكر وعمر) ، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين، وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنة، وتقدم قول عبد الرحمن بن عوف لـ علي ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان. وقال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان] . قد ذكرنا أن هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، سماهم بذلك النبي ﷺ ؛ لأنهم خَلَفوه، وواحدهم خليفة، والخليفة هو الذي يخلف مَن بعده بخير، وقد سمى الله آدم خليفة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ؛ لأنه -كما قيل- خلفٌ عمن قبله، فكل من تولى أمراً هاماً وناب عمن قبله فهو خلف عنه، فـ أبو بكر اتفقوا على تسميته خليفة رسول الله ﷺ ، كانوا ينادونه بذلك، ولما تولى عمر دعوه بقولهم: يا خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فرأى أن هذا شيء يطول فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فاتفقوا على تسميته أمير المؤمنين؛ ولكنه في الحقيقة خليفة، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين. هؤلاء الأربعة سماهم النبي ﷺ بالراشدين، وهذا دليل على أنهم على رُشْد، والرُّشْد ضد الغَي قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] والرشد هو الصلاح والخير، والغي هو الغواية والضلال، فهم راشدون على رشد، نشهد لهم بذلك كما شهد لهم نبيهم ﷺ . ومن فضلهم أنه أمر باتباعهم في قوله: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين) أي: اتبعوها، إذا قيل: عليكم بكذا فالمعنى: خذوه، وسنتهم يعني: أعمالهم وطريقتهم التي ساروا عليها، هذه هي سنتهم، ونحن نعرف أنهم لم يبتدعوا سنة من قبل أنفسهم، بل يحرصون كل الحرص على أن يسيروا على سنة النبي ﷺ ؛ ولكن نسبت إليهم لأنهم أظهروها، فقيل: هذا سنة أبي بكر، يعني: الذي رواه وأظهره، ولو لم ينسبه إلى النبي ﷺ ؛ وذلك لأنهم لطول صحبتهم مع النبي ﷺ قد حفظوا منه ما لم يحفظ غيرهم، وقد عرفوا من شريعته ما لم يعرف غيرهم، فلا جرم كانت سنتهم هي سنته ﷺ . وسمعنا أنه ﷺ أمر بالاقتداء بـ أبي بكر وعمر فقال: (اقتدوا باللذَين مِن بعدي: أبي بكر وعمر) ويؤخذ من هذا صحة خلافتهما، وأنهما اللذان بعده، وقدم أبا بكر في الذكر، فدل على أنه الذي يليه، والاقتداء هو التقيد بقوله وبفعله، (اقتدوا بهما) يعني: تقبلوا ما جاءا به، وتقبلوا أعمالهما وأقوالهما وطبقوها واعتبروها من الشريعة، وهذا يُرَد به على مَن رد أقوال الصحابة سيما الخلفاء الراشدين، وقد كان كثير من الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقدم قول الصحابة على اجتهاد مَن بعدهم، وكذلك إذا وقع بينهم اختلاف قدم قول الخلفاء الراشدين، وإذا وقع خلاف بين الخلفاء الراشدين قدم قول أبي بكر وعمر، ولا شك أن هذا دليل على معرفته بأنهم أهل للاتباع والاقتداء. ونأخذ من هذا أنه ﷺ نص على خلافة هؤلاء وأنهم هم الخلفاء الراشدون، أما ترتيبهم في الخلافة فالخليفة الأول هو: أبو بكر يقول الكلوذاني: قالوا فمَن بعدَ النبي خليفةً قلت الموحد قبل كل موحد قالوا فمَن ثاني أبي بكر رضاً قلت الخلافة في الإمام الزاهد قالوا فثالثهم فقلت مجاوباً: مَن بايع المختارُ عنه باليد قالوا فرابعهم فقلت مجاوباً: مَن حاز دونهمُ أخوة أحمد فهؤلاء هم الخلفاء، وهكذا ترتيبهم.

стр. 1048

ترتيب الصحابة في الفضل قال ابن عمر: كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ : (أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) ، وفي بعض الروايات: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) يعني: أفضلهم وأقدمهم وأشرفهم وأولاهم هؤلاء، هذا هو القول الصحيح؛ أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ورُوي عن أبي حنيفة أنه كان يقدم علياً على عثمان؛ ولكن الصحيح عند أصحابه أنه يقدم -مثل جمهور الأمة- عثمان، وسمعنا الأثر الذي يقول: (من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) يعني: تنقَّصهم وعابهم وثلبهم، وحطَّ من شأنهم، حيث إنهم اجتمعوا على تقديم عثمان خليفةً. وسمعنا أيضاً أن عبد الرحمن بن عوف لما أخذ البيعة لـ عثمان قال لـ علي: إني نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان أحداً. وهذا يدل على أن الصحابة في ذلك الوقت يعرفون قدر عثمان ويفضلونه. وقد ذكرنا فيما سبق متى حدث التشيُّع، وأنه أكثر ما حدث في العراق، ولا شك أن أكثر من يذكر فضائل علي أهل العراق، ولكثرة ما يروى عنه من أحاديث وآثار في العراق فمَن يسمعها يعتقد فضله على عثمان، فلعل أبا حنيفة بسبب كثرة سماعه من يطري علياً، ويزيد من قدره، ويصفه بما ليس فيه، قال: إنه أفضل من عثمان، وإن كان القول الصحيح عن أبي حنيفة أنه يفضل عثمان كسائر أئمة السنة. وقد ذكر ابن كثير في التاريخ في ترجمة سفيان الثوري -وهو من أهل العراق- أنه كان يميل إلى تفضيل علي على عثمان، ولعل ذلك لم يثبت عنه، وإذا رُوِي عنه شيء من ذلك فلعله كان يكثر من ذكر فضائل علي -لكونها منتشرة- في العراق، وكان أهل العراق في زمن الثوري قد ظهر فيهم شيء من الغلو ومحبة علي، وصاروا يبالغون في ذكر ما ينقلون عنه، ويتناقلون أحاديث قد يكون بعضها مكذوباً، ويكثرون في مجالسهم من ذكرها، فلعلها التي أثرت في أبي حنيفة وسفيان الثوري، وإلَّا فهما إمامان من أئمة أهل السنة.

стр. 1049

العشرة المبشرون بالجنة قال الشارح ﵀: [ (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين) . تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة، ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أَرِق رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ : من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! جئت أحرسك. وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام) . وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ جمع لـ سعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد فقال: (ارمِ فداك أبي وأمي) . وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة التي وَقَى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت) ! وفيه أيضاً عن أبي عثمان النهدي قال: (لم يبقَ مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد) . وفي الصحيحين واللفظ لـ مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) . وفيهما أيضاً عن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: فداك أبي وأمي) . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل أمة أميناً وإن أميننا -أيتها الأمة-: أبو عبيدة بن الجراح) . وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال: (لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح) . وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته يقول: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئتُ لسميت العاشر. قال: فقالوا: مَن هو؟ قال: سعيد بن زيد. وقال لَمَشْهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر منه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح) رواه أبو داوُد وابن ماجة والترمذي وصححه، ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقدم فيه عثمان على علي ﵄. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : (اهدأ! فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد) رواه مسلم والترمذي وغيرهما، ورُوِي من طرق] هؤلاء الستة الباقون من العشرة، وأفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة هم الستة الباقون من العشرة، وقد جمعهم ابن أبي داوُد في عقيدته في بيت واحد فقال: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير المُمَدَّح

стр. 1050

فضل سعيد بن زيد العشرة المبشرون بالجنة كلهم من قريش، فـ سعيد بن زيد هو ابن عمرو بن نفيل، وأبوه زيد كان ممن وحد الله تعالى في الجاهلية، وترك عبادة الأصنام، وترك الأكل مما أُهلَّ به لغير الله، وشهد له النبي ﷺ بأنه يُبعث يوم القيامة أمةً وحده، وهو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، وقد شهد النبي ﵊ لـ سعيد بأنه من أهل الجنة، فهو من هؤلاء العشرة.

стр. 1051

فضل عبد الرحمن بن عوف عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ ، فإن أمه ﷺ من بني زهرة، وعبد الرحمن أسلم قديماً بدعوة أبي بكر، فإن أبا بكر كان على صلة بكثير ممن أسلم، فكلمهم وبين لهم الآيات والمعجزات التي أتى بها النبي ﷺ ، فبادروا إلى الإسلام، وكان اسمه عبد عمرو ثم لما أسلم سمى نفسه: عبد الرحمن، فكان بعض قريش يدعونه: يا عبد عمرو فلا يجيبهم، فإذا دُعي بـ عبد الرحمن أجاب مَن دعاه. وقد تقدم أنه من الذين جعلهم عمر من أهل الشورى، وأخبر بأن النبي ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فهؤلاء الستة جعل عمر الأمرَ شورى فيهم، وهو من الذين بشرهم النبي ﵊ بالجنة في هذه الأحاديث التي عدَّ فيها عشرة بأنهم من أهل الجنة. ومن فضله: أنه من ضمن الذين كانوا على جبل أحد لما ارتجف وتحرك، وقال النبي ﷺ : (اسكن! فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد) فهو من الشهداء، والشهيد ليس خاصاً بمن قتل في سبيل الله، فقد قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ، وقد قيل: إن المراد شهداء هذه الأمة، وقد ذكر الله أن كل من آمن بالله ورسوله فإنه من الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] . ولما هاجر النبي ﷺ آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد: هلمَّ أقاسمك مالي، وأنزل لك عن إحدى زوجتَيَّ، فقال: بارك الله لك في مالك وفي زوجتك. ثم قال: دلوني على السوق، فدُلَّ على السوق، فصار يتجر، حتى صار ذا مال، وكان من أثرياء الصحابة وأغنيائهم، قدمت عيرٌ له إلى المدينة، والناس في حاجة، فجاء إليه التجار فرغَّبوه بأن يبيعهم، وأعطوه فائدة في المائة -مثلاً- خمسةً أو ستةً؛ ولكن قال: قد أعطيت فيها في المائة ألفاً! فتصدَّق بها وقال: إن الله قد أخبر بأنه يضاعفها أضعافاً كثيرة في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] فتصدق بها كلها، وكان ﵁ إذا أتي بالطعام الشهي بكى حتى يتركه؛ إذا تذكر حالة الصحابة الذين كانوا في جهد جهيد. وبكل حال فهو من أجلاء الصحابة ﵃، مات سنة اثنين وثلاثين، في السنة التي مات فيها العباس ﵁.

стр. 1052

فضل طلحة بن عبيد الله طلحة بن عبيد الله من العشرة، ومن المهاجرين، وهو من قريش، يجتمع مع النبي ﷺ في مُرَّة، فهو من بني تيم بن مرة الذين منهم أبو بكر، وكان من الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ففي غزوة أحد كان ممن ثبت مع النبي ﷺ ، وكان يصيب في رميه، فكان إذا جاء أحد من المسلمين ومعه سهام قال النبي ﷺ : (ألقِها وانثرها لـ طلحة) فيأخذها طلحة فيرمي بها المشركين، وكان ملازماً للنبي ﷺ ، فكان إذا أراد النبي ﵇ أن ينظر إليهم ويرفع قال له: لا ترفع رأسك فيصبك شيء، نحري دون نحرك وكان يقيه بيده السهام التي يُرمَى بها النبي ﷺ حتى شُلَّت يده، أصابتها سهام فصار فيها عيب، وذلك بلا شك من حبه للنبي ﷺ .

стр. 1053

فضل الزبير بن العوام الزبير بن العوام قال فيه النبي ﷺ : (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) ، ولما ندب أصحابه في ليلة من ليالي الخندق فقال: من يذهب فينظر إلى المشركين ما فعلوا، فلم ينتدب إلا الزبير فبعثه وفدَّاه بقوله: فداك أبي وأمي. والزبير من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين ﵂، وهو أيضاً من المهاجرين الأولين، وله قرابة أخرى بالنبي ﷺ ، فهو ابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وقد كان من المجاهدين الذين بذلوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وكان من الذين ثبتوا مع النبي ﷺ في غزوة أحد، حتى فدَّاه بقوله: (ارمِ فداك أبي وأمي) . قتل هو وطلحة في سنة ست وثلاثين في وقعة الجمل، لما خرجوا مع أهل الجمل وحصلت الوقعة التي حصلت بينهم وبين علي، فتبرأ علي ممن قتلهما. وبكل حال فهم مجتهدون وإن حصل منهم هذا الاختلاف؛ لأنهم أرادوا بخروجهم تتبع قتلة عثمان -كما تقدم-، ولا شك أن هؤلاء الستة من أجلاء الصحابة ﵃، وممن شهد لهم ﷺ بالفضل وبالجنة.

стр. 1054

فضل أبي عبيدة بن الجراح أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح من المهاجرين، وقد أسلم قديماً وهاجر، خرج أبوه مع المشركين في بدر، ولما رآه أبوه مع المسلمين حاول أن يقتل ابنه؛ لأنه مسلم، ولما لم يجد بُداً قتل أباه؛ لكونه مع المشركين، ولكون أبيه يريد قتله، ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخرها، فهو من الذين لم يوادوا المشركين ولو كانوا آباءً أو أبناءً أو إخوةً، وهو من الذين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [المجادلة:٢٢] . وذكر النبي ﷺ أنه أمين فقال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) . مات ﵁ سنة ثماني عشرة في خلافة عمر، بطاعون عمواس، وقد كان عمر أمَّره على الغزاة بعد موت أبي بكر، عزل خالداً وجعل أبا عبيدة هو القائد؛ لأن أبا عبيدة هو أسبق من خالد بن الوليد، وهو أفضل منه، فقدَّمه وجعله هو الأمير القائد لتلك الجيوش، وحصلت فتوحات عظيمة بقيادة أبي عبيدة. فهؤلاء هم الخلفاء، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين ساعدوهم، والذين كانوا معهم، فنشهد للجميع بأنهم من أهل الخير، وبأنهم من أهل الجنة كما شهد لهم بذلك نبيهم ﷺ .

стр. 1055

الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي ﵊ بذلك هناك جماعة آخرون من الصحابة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، ونحن نشهد لمن شهد لهم بذلك، ونترضى عن الجميع كما ﵃ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فالله تعالى أخبرنا أنهم أهل لرضوانه، ويقول النبي ﷺ : (إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) فهذا دليل على أنه غفر لهم ولو عملوا ما عملوا، وإذا صدر منهم ذنب على تقدير أنه ذنب فإنه مغفور لهم بهذا الوعد الكريم من الله تعالى، فكيف -مع ذلك- تتصدى لهم الرافضة وتسبهم وتضللهم أو تزعم أن فضائلهم التي فضلوا بها كانت قبل ردتهم؟ فالرافضة يدَّعون أنهم ارتدوا بعد موت النبي ﷺ حيث منعوا علياً حقه من الولاية، فلما منعوه أصبحوا بذلك مرتدين، هكذا تدعي الرافضة! ومتى منعوه حقه من الولاية، والنبي ﷺ هو الذي أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولم يأمر علياً، وأقر أبا بكر بأن يصلي بالناس، وأبو بكر هو صاحبه في كل الحالات والأوقات؟! فكيف اتفق الصحابة -كما تزعم الرافضة- على أن حرموا علياً من الولاية فأصبحوا بذلك مرتدين؟! كيف يرتدون وقد زكاهم الله بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وسماهم السابقين الأولين، وسماهم أهل البيعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠] ؟! وهكذا غيرهم من بقية الصحابة الذين لهم سابقة وفضل، نعترف بفضلهم، ونؤمن بسابقتهم، وننزلهم منزلتهم، ونعرف لكل منهم حقه وسبقه، ونتبرأ ممن ثلبهم وعابهم وقدح في دينهم وعبادتهم وتسلط عليهم؛ كما تفعله الرافضة الذين نصبوا عداوتهم لأصحاب النبي ﷺ دون غيره، والله ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:١١٣] ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] .
следующие страницы →