← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

شرح العقيدة الطحاوية [٨١] من عقائد أهل السنة محبة أصحاب النبي ﵊، وقد مدحهم الله في كتابه، ومدحهم رسوله ﵊ في سنته، فمحبتهم إيمان، وبغضهم نفاق.

стр. 982

عقيدة أهل السنة في الصحابة قال الشارح ﵀: [وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرؤ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) . يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله ﷺ ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] . وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨-١٠] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيباً بنص القرآن. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) انفرد مسلم بذكر سب خالد لـ عبد الرحمن دون البخاري، فالنبي ﷺ يقول لـ خالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) يعني: عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، وهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية] . هذا ابتداء الكلام في فضل الصحابة ﵃، وسبب الكلام في الصحابة أنه وجد طوائف يطعنون في الصحابة ويضللونهم ويبدعونهم ويرمونهم بالنفاق ويرمونهم بالردة، ويتبرءون منهم بل ويشتمونهم ويلعنونهم قديماً وحديثاً، وهؤلاء الطوائف فرقتان: الروافض والنواصب؛ فالروافض: هم الذين يغلون في علي وذريته من أهل البيت فقط، ويزيدون في حبهم، وأما بقية الصحابة أو أكثرهم فإنهم يكفرونهم، أما النواصب: فهم الذين يضللون علياً وذريته أو من كان قريباً منهم، ويميلون إلى بني أمية أو إلى من والاهم، وسموا نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، ولكن الرافضة هم الذين كثروا وظهر تمكنهم فيما هم فيه، فأصبحوا ينتشرون في الأرض وتقوى شوكتهم.

стр. 983

ثناء الله على الصحابة حب الصحابة ﵃ جميعاً من الإيمان، ثبت أن النبي ﷺ قال للأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ومعلوم أن المهاجرين أقدم من الأنصار، وأفضل منهم، والله تعالى يقدم ذكرهم على الأنصار في القرآن، ومع ذلك فالأنصار لهم ميزتهم ولهم فضلهم، ولهم مكانتهم في السبق والفضل، كذلك أيضاً قد أثنى الله تعالى على جميع الصحابة كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه﴾ [الفتح:٢٩] فلم يخص الله بعضهم، بل قال: (والذين معه) أي: كل الذين يجاهدون معه، والذين يجالسونه، والذين يصلون معه، كلهم مدحهم الله بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] هذا وصف لهم، وينبغي أن يكون هذا الوصف في أتباعهم، وهو أن تكون أيها المسلم! شديداً على الكفار رحيماً بالمؤمنين (أشداء على الكفار) يعني: تبغضهم وتمقتهم وتحقر شأنهم وتغلظ لهم القول، وتتبرأ من طريقتهم، وتجاهدهم بما تستطيع من أنواع الجهاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة:٧٣] فوصف الله الصحابة بأنهم أشداء على الكفار، وكأنه يمدح الذين كانوا على هذه الطريقة في الشدة على الكفار، ومدحهم بأنهم رحماء بينهم، أي: يرحم بعضهم بعضاً، وما أجله من وصف أن يكون المؤمن رحيماً بإخوانه مشفقاً عليهم، محباً لهم؛ لأنهم مسلمون وهو مسلم. ووصف الله الصحابة بقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] سيماهم التي هي علامة على وجوههم من كثرة سجودهم، (ركعاً سجداً) دائماً يشتغلون بالركوع والسجود، وهذا دليل على أن من أخل بهذا الوصف وترك الركوع والسجود والصلاة فإنه مخالف لطريقة الصحابة، ومخالف لطريقة الأمة. ووصفهم الله بأنهم (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) أي: يطلبون فضله ورضوانه. ووصفهم في آخر الآية بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ [الفتح:٢٩] ، نقول لمن أبغضهم: إنهم قد أغاظوك، فأنت داخل في هذه الآية، فكل من أبغضهم قد صار في قلبه غيظ عليهم، وحقد وشنئان وبغضاء شنيعة لهم، لذلك نصفه بأنه داخل في هذه الآية، فمن أغاظه الصحابة فهو كافر، الله تعالى يقول: (ليغيظ بهم الكفار) فالمبغض لهم الذي أغاضه ما من الله به عليهم، من هؤلاء الكفار. وقد مدح الله تعالى الصحابة بالسبق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] والسابقون يعني: المتقدمون من المهاجرين الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة بعشر سنين وبثلاث عشرة سنة، ومن الأنصار الذين أسلموا قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو أسلموا بعد الهجرة، ومن الذين اتبعوهم بإحسان يعني: ساروا على نهجهم واتبعوهم إلى يوم القيامة، مدح الله الجميع بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة:١٠٠] ، وهذا فضل كبير أن رضي الله عنهم ورضوا عنه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَار﴾ [التوبة:١٠٠] وما أعظمها من كرامة. كذلك أيضاً مدحهم بالآيات التي في آخر سورة الأنفال فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنفال:٧٢] آمنوا إيماناً ثابتاً راسخاً في قلوبهم، وهاجروا من بلادهم التي هي بلاد كفر إلى بلاد الإسلام، وجاهدوا بالأموال، وجاهدوا بالأنفس، بذلوا كل ما يملكونه من الأموال، وبذلوا أنفسهم في سبيل الله، هؤلاء هم المهاجرون، ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] أي: الأنصار الذين آووا إخوانهم ونصروهم ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢] ، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤] مدحهم بأنهم المؤمنون حقاً، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال:٧٥] أي: المتأخرون الذين آمنوا في آخر الأمر وهاجروا وجاهدوا ﴿فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم﴾ [الأنفال:٧٥] وما أعظمها من مزايا لهؤلاء الصحابة، ولكن الرافضة قوم لا يعقلون قوم لا خلاق لهم. وقال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل﴾ [الحديد:١٠] يعني: السابقون الذين أنفقوا وقاتلوا -سواءً من المهاجرين أو الأنصار- قبل الفتح، يعني: قبل صلح الحديبية الذي فتح الله به على المؤمنين ﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] يعني: بعد الفتح، ولكن يقول الله تعالى ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] وعد الله المتقدم منهم والمتأخر بالحسنى، وهو الثواب الكبير والثواب العظيم. وكذلك لما ذكر الله تقسيم الفيء في سورة الحشر، ذكر أن أول من يستحقه هؤلاء الفقراء من المهاجرين الذين هاجروا بأنفسهم وتركوا ديارهم، وتركوا أموالهم وعشائرهم وأهليهم ونجوا بأنفسهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر:٨] لما ضيق عليهم هربوا، ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] لماذا؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم﴾ [الحشر:٩] أي: هؤلاء الأنصار يحبون المهاجرين؛ لأنهم إخوانهم ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] لو أعطي المهاجرون ما أعطوا من الفيء ومن الغنائم ما غضب أولئك الأنصار، بل يوافقون على ذلك ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] أي: يقدم الأنصار إخوانهم من المهاجرين على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: جوع ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم﴾ [الحشر:١٠] سواءً كانوا آخر الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح، أو الذين جاءوا بعدهم إلى يوم القيامة، هؤلاء منهم بشرط أن يدعو لهم، وأن يقولوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) ، ومن كان في قلبه غل وحقد وبغض وشنئان وغضب عليهم، فإنه بريء منهم، ولأجل ذلك استنبط العلماء أن الذين في قلوبهم غل على الصحابة وحقد عليهم ولا يدعون لهم بقولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ؛ فليسوا من أهل الفيء ولا يستحقون أن يعطوا من بيت المال؛ وذلك لحقدهم على المسلمين وبالأخص الصحابة ﵃. وقد اشتهر أن هؤلاء الرافضة يبغضون الصحابة ويدعون عليهم ويشتمونهم، ولكن ذلك لا يضر الصحابة بل فيه خير لهم؛ لأنهم قد ختم على أعمالهم وانتهت أعمارهم، وحصلوا على ما حصلوا عليه من الثواب، وتستمر لهم الحسنات من هؤلاء الذين يسبونهم، روي عن بعض السلف أنه قال: ما أرى الناس ابتلوا بسب الصحابة إلا ليجري عليهم عملهم، أي: ليكون عمل الصحابة مستمراً غير منقطع، فيأخذون من حسنات هؤلاء الذين يسبونهم، وكأنهم لما حقدوا عليهم ورأوا أنهم ضلال وكفار عاد الضلال والكفر على هؤلاء والعياذ بالله، ودخلوا في قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .

стр. 984

تفاضل الصحابة رضوان الله عليهم الفضل يعم المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولكن بلا شك أن الصحابة ﵃ يتفاوتون كما في قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد:١٠] يعني: صلح الحديبية ﴿وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فنحن نفضل السابقين الذين أدركوا بيعة الرضوان التي رضي الله بها عنهم، وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ [الفتح:١٠] وذلك في صلح الحديبية تحت شجرة، حيث قال لهم النبي ﷺ : (بايعوني) ، وكانوا نحو ألف وأربعمائة وزيادة، وكلهم بايعوه على أن يقاتلوا ولا يفروا حتى ولو ماتوا، وجاء عن بعضهم قوله: إننا بايعناه على الموت، وقيل: بايعوه على ألا يفروا، وكلها متلازمة، يعني: أنا لا نفر، بل نقاتل إلى أن ينصرنا الله أو نقتل دونك، هكذا بايعوه، وصدقوا في ذلك، قال الله تعالى في وصفه لهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] صدقوا في النصرة، ووفوا بهذه البيعة، وحصل أن الله رضي عنهم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] ، ولا شك أن من ﵃ فإنهم يثبتون على هذا الرضا، ولا يمكن أن يسخط الله عليهم وقد علم أنهم أهل للرضا، إذ كيف يرضى عنهم وهو يعلم أنهم سيرتدون أو سيكفرون فيما بعد؟ فالله لم يستثن أحداً من أهل البيعة، ولهذا ثبت أنه ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) أي: كلهم من أهل الجنة، وسمعنا أنه ﷺ قال للمتأخرين من الصحابة كالذين أسلموا بعد صلح الحديبية أو في سنة ثمان وما بعدها: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) المد: ربع الصاع، والنصيف: نصف المد، أي: لو أن أحدكم أنفق نفقة من الذهب مثل هذا الجبل الذي يضرب به المثل في عظمه وضخامته ما بلغ مد أحدهم، سواءً من طعام أو نحوه، فكيف بمن أنفقوا أكثر أموالهم أو كلها في سبيل الله ﵃ وأرضاهم.

стр. 985

تزكية الله لسائر الصحابة زكى الله تعالى الصحابة بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] كل الذين معه، يعني: على الإسلام ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآيات. وزكاهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] . وزكاهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة:١١٧] . وزكاهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] . فعلم الله أن قلوبهم مؤمنة الإيمان الصادق. وزكاهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] والآيات كثيرة كما تقدم، وإذا كان الله تعالى هو الذي زكاهم فلابد أن هذه التزكية لها أثرها، بمعنى: أنهم عدول، وأنه لا يطعن فيهم طاعن، فمن طعن فيهم فقد كذب خبر الله، ولا شك أن من كذب خبر الله تعالى وكذب ما جاء من عند الله يعتبر كافراً، حيث إنه خالف كلام الله، وطعن فيما أخبر الله به، فالله تعالى يعلم ما كان وما يكون، ويعلم بإيمانهم ويطلع على ما في قلوبهم، ولهذا قال: ((فعلم ما في قلوبهم)) علم الله أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فإذاً: الذين طعنوا فيهم يطعنون في الله تعالى وأنه لم يعلم أنهم سوف يرتدون، وهذا هو معتقد الرافضة، فهم يقولون: إن هذه الفضائل التي ذكروا بها كانت قبل أن يرتدوا، وبطل مفعولها بعد أن ارتدوا، فهم بذلك يكفرون أجلاء الصحابة، وعليه فهم يطعنون فيما أخبر الله به، ولازم قولهم أن الله لم يعلم ما في قلوبهم.

стр. 986

الصحابة خير الناس بعد الأنبياء لم يزل المسلمون يعترفون بهدي الصحابة ويروون فضائلهم ويعرفون أن الله تعالى هو الذي زكاهم، وهو الذي طهرهم، وهو الذي اختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، ويعلمون أنهم خيرة الأمة وصفوتها، وهذه الأمة خير الأمم وأزكاها عند الله تعالى، قال ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) الآخرون وجوداً، والسابقون يوم القيامة، فأخبر بأن هذه الأمة تسبق غيرها من الأمم، أي: الأمم السابقة، ولا شك أن خير هذه الأمة هم صحابة النبي ﷺ ، روي عنه ﷺ أنه قال: (أنتم خير من أبنائكم, وأبناؤكم خير من أبنائهم) وقال ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (خير الناس) أي: خير جميع الناس من الأولين والآخرين؛ القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ ، يعني: من المؤمنين، وهذه بلا شك تزكية من النبي ﷺ . وثبت عنه ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، ولما قال لأصحابه: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، قالوا: الله أكبر! فقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة) . وقد زكاهم الله بقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣-١٤] يراد بالأولين -على الصحيح- الأولون من هذه الأمة، أي: الصحابة، فذكر أن الأكثر من السابقين الأولين هم من القرن الأول الذين هم الصحابة، وكذلك من تبعهم وسار على نهجهم.

стр. 987

عقيدة الرافضة في الصحابة ولازم قولهم فيهم لم تزل عقيدة المسلمين أن الله فضل هؤلاء الصحابة، وذكر ميزتهم وذكر فضلهم، فقبلوا خبر الله تعالى، وقبلوا ما جاء عن رسوله ﷺ ، واعتقدوا ميزة هؤلاء الصحابة، وفضلوهم؛ لأنهم الذين حملوا هذه الشريعة الإسلامية إلينا، فهم الذين بلغوا القرآن كلام الله، وهم الذين حفظوا سنة النبي ﷺ وبلغوها لمن بعدهم، وعملوا بقول النبي ﷺ : (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) ، وعملوا بقوله: (بلغوا عني ولو آية) فإذا كانوا -كما تقول الرافضة- كفاراً مرتدين فكيف يقبل خبرهم؟ وكيف يقبل تبليغهم؟ ومعنى كلام الرافضة أن دين الله مغير، وأن كلام الله مبدل، وأن شريعة الله غير محفوظة، وأن الله ما صدق في كلامه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولم يحفظ دينه وكتابه، بل وكله إلى كفرة فجرة -في زعم أولئك الرافضة- غيروا فيه وكتموا وكذبوا، وزادوا ونقصوا وحرفوا، وقالوا ما يشتهونه، وولوا من يريدونه، وعزلوا من يبغضونه، هذا مقتضى قول هؤلاء الرافضة. إذاً: فينبني على قول الرافضة أن الله ما حفظ شريعته، وأن هذه الشريعة ليست هي الإسلام؛ لأن طعنهم في الصحابة ليس طعناً في ذواتهم خاصة بل هو طعن في الشريعة، وطعن في الإسلام، وطعن في الدين، وطعن في القرآن، وطعن في السنة، وطعن في الأحاديث النبوية، وطعن في الأحكام، وطعن في الأوامر والنواهي، وطعن في الوعد والوعيد، وطعن في الخبر والأمر، وطعن في كل ما جاء في هذه الشريعة، هذا لازم طعن هؤلاء الرافضة، لكن الله تعالى قيض هؤلاء الصحابة حتى حفظوا الشريعة وبلغوها، وقيض لهم تلامذة يتقبلون منهم، ويأخذون عنهم السنة، وقيض للتلامذة آخرين من تلامذتهم إلى أن حفظت الشريعة الإسلامية في الأقوال والأفعال، وصدق الله في حفظ شريعته من الضياع لتقوم الحجة على الآخرين كما قامت على الأولين، فإن الله تعالى له الحجة ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] وليست الحجة لأحد من خلقه، فإذا كنت الحجة لله سبحانه؛ فإن كلامه لم يتغير، فيكون حجة علينا وحجة على آبائنا وعلى أبنائنا، وعلى الخلق كلهم إلى أن تقوم الساعة، ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩] ، ولئلا يقول الناس: ﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧] . فإذاً: قد جاءهم الرسول، وقد بلغ الرسول الشريعة، وقد حفظت شريعته التي بلغها، وقد قيض الله له صحابة أتقياء أنقياء ليس فيهم طعن، اعترفت الأمة بفضلهم، ورأوا فضائلهم التي في القرآن والتي في السنة، وأقروها في شروحهم وفي كتبهم ومؤلفاتهم، فتجدون مؤلفات أهل السنة مليئة بذكر فضائلهم، فقد ألف الإمام أحمد كتاباً مطبوعاً في مجلدين سماه: فضائل الصحابة ﵃، وكذلك في صحيح البخاري كتاب الفضائل، ذكر فيه فضائل الصحابة بدءاً بالخلفاء الراشدين، وهكذا صنع مسلم ﵀ في كتابه الصحيح، فجعل كتاباً في فضائل الصحابة روى فيه فضائلهم بدءاً بالخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، وهكذا أكثر المؤلفين ذكروا فضائلهم، ورووها بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي لا مطعن فيها؛ اعترافاً منهم بأن هؤلاء الصحابة ﵃ هم أزكى هذه الأمة، وهم الذين حازوا هذه الفضائل، وهم الذين أجمعت الأمة على فضلهم، وأجمعت على تقديمهم، ومع تفاوتهم في الفضل، فأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهكذا بقية الصحابة، ولم تزل الأمة تترضى عنهم كما ﵃، والله تعالى ذكر الرضا عنهم في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾ [الفتح:١٨] ، وإذا ﵃، فمتى علمتم -يا رافضة! - أنه سخط عليهم بعد الرضا؟ وكيف يسخط عليهم وقد رضي عنهم؟! يقول الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَار﴾ [التوبة:١٠٠] أعدها لهم، وكذلك لمن اتبعهم بإحسان ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾ ، ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] ، فإذا تاب عليهم فكيف يعذبهم؟ فعلى المسلم أن يعرف فضلهم, وأن يعترف بفضائلهم، وأن يصدق ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﵊، وأن يترضى عنهم ويحبهم، وينشر بين المسلمين فضائلهم، وأن يحذر من الرافضة الذين يطعنون فيهم ويكفرونهم، وينزلون عليهم الآيات التي جاءت في المنافقين، ويجعلونهم منافقين أو مرتدين بعد موت النبي ﷺ ، وبذلك تعرف طريقة أهل السنة وطريقة الرافضة الذين سموا أنفسهم شيعة، ولعله يأتينا كلام أوسع من هذا على هؤلاء الصحابة في الشرح إن شاء الله.

стр. 988

لا يعدل فضل الصحبة شيء قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والمقصود أنه نهى من له صحبة آخراً أن يسب من له صحبة أولاً؛ لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ أجمعين؟ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف؛ فإن الصلاة إلى القبلة منسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة. وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (قيل لـ عائشة ﵂: إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! قالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر) . وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة -يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة) وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره) . وفي الصحيحين من حديث عمران بن الحصين وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة) ، الحديث. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧] ، ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفه حيث قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء) وفي رواية: (وقد رأى أصحاب محمد ﷺ جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر) وتقدم قول ابن مسعود: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات) إلى آخره عند قول الشارح: ونتبع السنة والجماعة. فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المسلمين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أصحاب ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة. وقوله: (ولا نفرط في حب أحد منهم) أي: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين، قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم﴾ [النساء:١٧١]] .

стр. 989

لا يكون أحد بعد الصحابة أفضل منهم فضائل الصحابة ﵃ أكثر مما سمعنا، ولو لم يكن إلا هذا الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، وكذلك هذا الأثر عن بعض الصحابة: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم عمره -وفي رواية- خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) وما ذاك إلا لأنهم آمنوا في وقت أزمة وشدة، وفي وقت كفر وضلال، وفي وقت شرك وعبادة أوثان، فآمنوا واهتدوا، واعتنقوا الإسلام، وفارقوا الأهل والبلد والمال، وأخلصوا دينهم لله، ووقرت محبة الله ومحبة رسوله في قلوبهم، وثبت الإيمان ورسخ في قلوبهم حتى كان أرسى من الجبال، ثم ظهرت عليهم آثار ذلك ففدوا رسول الله ﷺ بآبائهم وأمهاتهم، وبأنفسهم وبأموالهم، وأنفقوا كل ما يملكونه طاعة لله وطاعة لرسوله، واجتهدوا في العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه، فتفوقوا على من جاء بعدهم بأضعاف مضاعفة، من الذين ولدوا في الإسلام، والذين نشئوا فيه ولو كانوا أكثر منهم عملاً، ولو كانوا أطول منهم أعماراً، ولو كانوا أكثر منهم جهاداً، أو أكثر منهم نفقات، لكن النفقة من أولئك مضاعفة أضعافاً كثيرة كما في هذه الآثار، فهذا من جهة. ومن جهة ثانية: ما جاء في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [المائدة:١١٩] ، لا شك أنه مدح لهم وإخبار بأن الله قد رضي عنهم، وفي قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] إخبار بأنهم من أهل الجنة، وخبر الله تعالى صادق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ، وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة:١١٧] يعني: غزوة تبوك، وكانوا حينها أربعين ألفاً أو نحو ذلك، فذكر الله تعالى أنه تاب عليهم كلهم، فلم يستثن منهم أحداً، وكذلك ما أخبر الله من أنه رضي عن طائفة منهم وهم أهل بيعة الرضوان في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وأخبر بأن بيعتهم كأنها بيعة مع الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ [الفتح:١٠] ، وحاشاهم أن ينكثوا بيعة الله، وحاشاهم أن يكذبوا في مبايعتهم، سواءً كانت مبايعتهم على الموت أو مبايعتهم على ألا يفروا، روي أنه لما نزل أول سورة الفتح وفيها قول الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢] قالوا: (هنيئاً لك يا رسول الله! فما لنا؟ فقرأ عليهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٤] إلى قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح:٥] إلى قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] ) كل هذا اختص بأولئك الصحابة، ولكن الرافضة طمس الله تعالى على قلوبهم، وأعمى بصائرهم؛ فصدوا عن هذه الآيات، ولم يتفكروا فيها، وأخذوا ينقبون الآيات التي وردت في المنافقين، ويطبقونها على الصحابة ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] . ونقول لهم: متى سخط الله عليهم بعد الرضا؟! ومتى لم يتب عليهم بعد أن تاب عليهم؟! لا شك أن الله تعالى لا يخلف وعده، وأنه قد صدقهم ما وعدهم، لما صدقوا الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] هذه صفات الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ . وجاء في كلام ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار قلب محمد ﷺ ، ونظر في قلوب الأمم فوجد قلوب أصحابه أبر وأزكى وأطهر فاختارهم لصحبته) اختارهم الله لصحبة هذا النبي، فدل هذا على أن الصحابة ﵃ هم خلاصة الأمة وهم صفوتها. وتقدم قول ابن مسعود ﵁: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ : أبر هذه الأمة قلوبا، ً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه؛ فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) شهادة منه ﵁ بأنهم كانوا على الهدى، وأن من خالفهم وخرج عن طريقتهم فليس على الهدى، بل هو على الضلال. فالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة الشاهدة بأن الله رضي عنهم أكثر من أن تحصر، ولكن كما قالت عائشة ﵂ في الأثر الذي تقدم: (لما انقطع عملهم بموتهم، أجرى الله لهم حسنات غيرهم) ، فهؤلاء الذين يسبونهم ويحقدون عليهم، إنما يهدون إليهم حسناتهم وأجور أعمالهم، فهم يعملون ويتصدقون ويصلون ويقرءون ويركعون، ولكن يذهب ثواب أعمالهم إلى أولئك الصحابة الذين سبهم هؤلاء. وروي ذلك أيضاً عن الإمام أحمد أنه قال: (ما أرى الناس ابتلوا بسب الصحابة إلا ليجري الله لهم عملهم) ؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، ولكن إذا كان هناك من يسبه فإنه يأخذ من حسنات الذين يسبونه، وتضاف إلى حسناته كما ورد ذلك في الأحاديث، فيكون ذلك رفعة له، وزيادة في درجاته، وزيادة في أعماله. كذلك تقدم قول ابن مسعود: (فما رآه المسلمون حسناً -يعني: الصحابة- فهو عند الله حسن) وقد رأى المسلمون -يعني: الصحابة- أن أبا بكر ﵁ أولى بالخلافة فاتفقوا عليه، وولوه أمر المسلمين، فذلك بلا شك اتفاق منهم على أهليته، وعلى أفضليته، وعلى أحقيته بالخلافة، ولهذا سموه خليفة رسول الله ﷺ ، وهو بلا شك أهل لهذه الخلافة، ولهذا قام بها أتم قيام، وصمد فيها وصبر، وعمل بما كان يعمله رسول الله ﷺ . وتقدم أيضاً ما ذكر عن اليهود والنصارى مما يبين أن اليهود خير من الرافضة، والنصارى خير من الرافضة؛ لأن اليهود يقولون: أفضل بني إسرائيل أصحاب موسى، والنصارى يقولون: أفضل أتباع عيسى أصحابه الذين هم معه، وهم الحواريون، أما الرافضة فهم يقولون: شر هذه الأمة أصحاب محمد، فتفوقوا على اليهود، يعني: صاروا بذلك أشر من اليهود؛ لأن اليهود فضلوا أصحاب موسى، والنصارى فضلوا أصحاب عيسى، والرافضة تفوقوا عليهم في الكفر وجعلوا أشر قرون هذه الأمة وأكفرها وأضلها وأدناها وأبعدها عن الحق هم أصحاب محمد، ولم يستثنوا من أصحاب محمد ﷺ إلا أفراداً قليلين كـ علي وأولاده، وعمار وسلمان وخباب ونحوهم، وكذلك الذين هم أقارب النبي ﷺ القدامى كـ حمزة ونحوه، أما بقية الصحابة فإنهم عندهم ضلال وكفار! قاتلهم الله أنى يؤفكون، فلا يغتر بقولهم، وبذلك يعرف أفضلية هؤلاء الصحابة، وأما أهل السنة والحمد لله فلا يشكون في ذلك، ولكن من باب التأكيد والتقرير حتى يعرف كفر وضلال هؤلاء الرافضة.

стр. 990

إيمان من أحب الصحابة وكفر ونفاق من أبغضهم قال الشارح ﵀: [وقوله: (ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الرافضة) فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي: لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄، وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإقساط، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ [الجاثية:١٧] ، وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم، ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله له به. وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان) لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص، وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) . وتسمية حب الصحابة إيماناً مشكل على الشيخ ﵀؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه أن الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازاً. وقوله: (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكلام نظير الكفر المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقد تقدم الكلام في ذلك] . نقول: إن حبنا للصحابة ﵃ -كما سمعنا- إيمان، فحب الصحابة من الإيمان، وبغضهم من النفاق، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ، وكذلك الحال في المهاجرين: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، والمهاجرون أقدم من الأنصار وأفضل، فبغضهم كفر ونفاق، وحبهم زيادة في الإيمان وقوة في الإيمان, وباعث على الأعمال الصالحة التي تنبعث من القلب.

стр. 991

بعض الأسباب الباعثة على حب الصحابة من أسباب حب الصحابة: لسبقهم لمن بعدهم حيث إنهم سبقونا بالإيمان، فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] أي: طهر قلوبنا من أن يكون بها حقد وبغض لأولئك الصحابة الذين تقدمونا وكانوا مؤمنين. ونحبهم لأن لهم المنة علينا؛ وذلك لأنهم حفظوا الشريعة، وبينوها وبلغوها. ونحبهم لأنهم دعوا إلى الله وجاهدوا في سبيل الله، ونصروا الله ورسوله، وانتشر بواسطتهم الإسلام. ونحبهم لأنهم أهل الأعمال الصالحة، وأهل النفقات في سبيل الله. ونحبهم لأنهم أهل التصديق القوي وأهل الإيمان القوي. ولا شك أن هؤلاء هم أولى بالمحبة ممن سموا أنفسهم شيعة، وادعوا أنهم يوالون ويعادون ونحو ذلك.

стр. 992

اعتقاد الرافضة أن تولي آل البيت لا يتم إلا بالبراءة من سائر الصحابة الرافضة يقولون: لا ولاء إلا ببراء، ومعنى ذلك: أن من تولى أهل البيت لزمه أن يتبرأ من غيرهم من الخلفاء الثلاثة وبقية الصحابة، ونحن نقول: صحيح أنه لا ولاء إلا ببراء، ولكن من الذي نتولاه؟ نتولى المؤمنين كلهم وهم الصحابة ومنهم أهل البيت، ومن الذين نتبرأ منهم؟ نتبرأ من المنافقين، ونتبرأ من الكافرين عموماً، ونتبرأ ممن أمرنا بالبراءة منه ولو كانوا أقارب، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] ، ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [الممتحنة:٤] هؤلاء هم الذين نتبرأ منهم، فلا ولاء إلا ببراء، فيكون ولاؤنا للمؤمنين ومن جملتهم الصحابة، وبراؤنا من الكافرين ولو كانوا أقارب، ولاؤنا لأولياء الله الذين قال فيهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُو﴾ [البقرة:٢٥٧] وبراؤنا وتبرؤنا من أعداء الله ومن جملتهم أولياء الشيطان الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة:٢٥٧] . أما الرافضة فعندهم أن الولاء هو ولاء أهل البيت خاصة الذين هم علي وذريته وزوجته وأم زوجته التي هي خديجة ومن كان معهم من المقربين عنده أو نحوهم، وأما البراء فإنه البراء من غيرهم، كالبراء من أبي بكر وعمر، والبراء من جابر وأنس، والبراء من ابن عمر وابن عباس وسائر أجلاء الصحابة، والبراء من أبي هريرة وغيره من الصحابة، ولماذا البراء منهم؟! يقولون: نتبرأ منهم؛ لأنهم مرتدون وخارجون عن الإسلام!

стр. 993

وسطية أهل السنة في حب الصحابة أهل السنة يقولون: نحن نحب الصحابة، ولكن لا نغلو في حب أحد منهم؛ لا الخلفاء الثلاثة، ولا أهل البيت، فحبنا لهم حب متوسط ليس فيه غلو وليس فيه جفاء، الرافضة غلوا في أهل البيت حتى رفعوهم عن طورهم وأعطوهم شيئاً من حق الله، بل صاروا يعبدونهم من دون الله، ويدعونهم في الشدائد، ويدعونهم في الكربات، وينسون الله تعالى، وأما بقية الصحابة فجفوا في حقهم وضللوهم وبدعوهم وتبرءوا منهم، فقد جمعوا بين الغلو والجفاء، ولم يتوسطوا في واحد منهما توسط أهل السنة، فخير الأمور أوسطها، فلا غلو ولا جفاء، ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال لـ علي: (تهلك فيك طائفتان) يعني: طائفة غلوا، وطائفة جفوا، فالطائفة الذين جفوا هم النواصب والخوارج؛ فإن الخوارج خرجوا على علي وكفروه وقالوا له: حكمت الرجال، وقالوا له: لا حكم إلا لله، وقاتلوه إلى أن قتله أحدهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم، حيث زعم أنه مرتد بقبوله قول الحكمين، واشترطوا في توبته أن يعترف أنه كفر، ويعترف بأن عمله وجهاده كله باطل، وأن يعتبر نفسه يستقبل عملاً جديداً، فهؤلاء ماذا نسميهم؟ نسميهم جفاة، جفوا في حق أهل البيت، بل نسميهم هالكين؛ لأنهم هلكوا حيث كفروا من هو من أجلاء الصحابة، وضللوا علياً ومن كان في بيت علي ممن ﵁، وقد كثر مذهب أولئك الخوارج الذين يكفرون علياً، بل ويمدحون من قتله، كما روي أن عمران بن حطان كان من أهل السنة، وروى أحاديث عن عائشة وعن غيرها من الصحابة، ثم تزوج امرأة من النواصب - أي: من الخوارج- ورجا أن يؤثر عليها حتى ترجع وتكون من أهل السنة، ولكن أثرت عليه، ولقنته مذهب الخوارج، فأصبح من الخوارج إلا أنه ليس من المتعصبين، لكنه من قعدتهم الذين يقعدون ولا يخرجون، وهو الذي مدح ابن ملجم في أبيات مشهورة يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا يعني: ابن ملجم الذي قتل علياً، فهؤلاء بلا شك طرف هالك حيث أبغضوا هذا الصحابي ﵁ الذي هو من أجلاء الصحابة، أما الطرف الثاني فهم الشيعة، ومذهبهم معروف بالغلو في آل البيت.

стр. 994

شرح العقيدة الطحاوية [٨٢] الرافضة من أعظم وأخطر المبتدعة، وقد قويت شوكتهم في هذا الزمان، فعلى المسلم أن يعرف أول نشأتهم، وحقيقة مذهبهم، وبحمد الله قد بين أهل العلم فضائحهم وبطلان مذهبهم.

стр. 995

فضائح الرافضة

стр. 996

ادعاء بعض طوائف الرافضة ألوهية علي ﵁ مر بنا عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃، وما خصهم الله تعالى به، وما ميزهم به من الفضائل التي مدحهم بها، وأثنى عليهم، وما تميزوا به من السبق إلى الإسلام وإلى الأعمال الصالحة، وما تميزوا به من فضل، وأنهم أفضل قرون هذه الأمة، وهذه الأمة أفضل الأمم، وذكرنا الأسباب التي تميزوا بها، ومع ذلك فقد انتصب لهم أعداء الله الرافضة، وناصبوهم العداوة، وألصقوا بهم التهم، وحملوا عليهم كل الجرائم، ورموهم بالرذائل، ورموهم بالكفر، ووسموهم بالنفاق، كذباً وبهتاناً، وبالغوا في ذلك أشد المبالغة، ولا شك أن هذا الفعل من الرافضة من زيغ القلوب، ومن الانتكاس والعياذ بالله إلى الحضيض. والرفض أصله: الترك، ومنه قولهم: رفضت هذا القول، أي: تركته، وهؤلاء الرافضة خرج مقدمهم وأولهم في عهد علي ﵁ وفي حياته، وكان سبب ذلك أن يهودياً دخل في الإسلام نفاقاً يقال له: عبد الله بن سبأ ويعرف بـ ابن السوداء، أظهر الإسلام ولكن باطنه الكفر، وأراد بذلك أن يشكك في الإسلام، وأن يدعو إلى أسباب الانحلال، فهو من الذين دعوا الثوار إلى قتل عثمان، حيث جمع الجموع، وحشد الحشود، وأثار من أثار حتى اجتمعت عصابات خرجوا من مصر ومن العراق ومن غيرها وحاصروا عثمان ﵁، وانتهى الأمر بأن قتل شهيداً ﵁، وكان من أسباب ذلك هذا المنافق، ولما قتل عثمان وتمت البيعة لـ علي، ورأى أنه محجوز عند أهل العراق حيث استقر بينهم، أراد أيضاً أن يبطل إسلامهم وأن يوقعهم في الكفر، فدعاهم إلى أن يغلو في علي، فبدل أن يكون خليفة وإماماً يجعلونه رباً وإلهاً، فقال لهم: علي هو الرب علي هو الإله، وانخدع به خلق كثير، واعتقدوا هذا الاعتقاد الفاسد، فخرج عليهم مرة وهم صفوف في أعداد هائلة، فما إن رأوه حتى خروا له سجداً، فقال: ما هذا؟! قالوا: أنت إلهنا! فعجب من ذلك، ودعا أكابرهم ليتوبوا، ولكن أقاموا على ما هم عليه ولم يتوبوا، ثم اشتهر أنه أحرقهم، حيث خد لهم أخاديد، وأظرم فيها النيران، ثم استتابهم وأمرهم بالرجوع فمن لم يتب ألقي في تلك الأخاديد، وكان علي ﵁ ينشد قوله: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً وقنبر هو غلامه، فما زادهم هذا الإحراق إلا تمسكاً بما هم عليه، وقالوا: الآن عرفنا أنك الرب؛ لأنك الذي تحرق بالنار، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، فتمسكوا بما هم عليه، وقتل من قتل منهم بالإحراق، وقد أنكر عليه ابن عباس ﵁ الإحراق، وقال: إن النار لا يعذب بها إلا الله، وقال: لو كنت أنا لقتلتهم لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) وأما بقية الأمة فإنهم متفقون على أنهم يقتلون وأنهم كفار. فهؤلاء الغلاة من الرافضة الذين جعلوا علياً إلهاً، هم أتباع ابن سبأ، ولا يزال كثير منهم على هذه العقيدة، ويحفظ من شعرهم قولهم: أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين ولا حاجب عليه إلا سلمان ذو القوة المتين لما كان سلمان من الفرس جعلوه هو الحاجب على الله، وجعلوا علياً هو الله، وحيدرة هو: لقب علي؛ جاء من قوله لما كان يقاتل في خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة فصار هذا الاسم علماً عليهم، فهم يقولون: لا إله إلا علي، لا إله إلا حيدرة، وهذا الاعتقاد مشهور فيهم، وهؤلاء السبئيون هم بقية ورثة ابن سبأ، ويقال لهم: الغلاة، ولما قتل علي ﵁ اعتقدوا أنه لم يقتل، بل قالوا: إنه رفع إلى السحاب، واعتقدوا أنه سوف يرجع، فلذلك يقال لأحدهم: فلان يؤمن بالرجعة، ولا يزال كثير منهم يؤمنون بالرجعة إلى اليوم، ولهم في ذلك كتب جديدة، ويذكر بعضهم أنه جاءه أحد علماء الرافضة وقال: إني ألفت كتاباً، قال: في أي شيء؟ قال: في الرجعة، فقال: كيف تكون الرجعة وقد قتل علي؟! وكيف يرجع وقد قال الله تعالى ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] ، ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] فقال: قد آمن بها أسلافنا ومشايخنا، وقد كتبوا فيها، فقال: كل ذلك خطأ، أتقلد في الخطأ؟! فقال: بل أنت المخطئ، فلما رأى أنه متشدد في الإنكار ذهب ذلك المؤلف وهو يقول: واإسلاماه! واإسلاماه! بمعنى: أنه لم يجد من يؤيده، أو لم يؤيده هذا الشيخ على الإيمان بالرجعة. إذاً: فهي عقيدة لا تزال موجودة يعتنقها كثير في العراق وفي إيران، وفي كثير من البلاد التي يكثر فيها الرفض.

стр. 997

ادعاء طوائف من الرافضة أن علياً رسول من عند الله توجد طائفة منهم غلوا في علي حتى جعلوه رسولاً من عند الله، وادعوا أن الرسالة له، وأن جبريل أخطأ، كما قالوا: إنه كان مأموراً بأن ينزل على علي، ولكنه خان ونزل على محمد، فـ علي أحق بالرسالة من محمد، ولذلك يقول قائلهم: خان الأمين وصدها عن حيدر والأمين هو جبريل، فهم يقولون: إنه خان الرسالة! والله تعالى سماه الأمين: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١] ، وهؤلاء المخونة موجودون أيضاً، ويعتقد هذه العقيدة كثير من الرافضة في العراق وفي إيران، بل وفي المملكة، فقد ذكر لنا بعضهم أن رافضة المدينة قبل أن يسلموا من الصلاة يضربون بأيديهم على ركبهم ويكررون: خان الأمين، خان الأمين، ثم يسلم أحدهم، فهذه طائفة منهم، وهم أيضاً من الغلاة.

стр. 998

سبب انتشار الرافضة الرافضة يسمون أنفسهم الإمامية، وهم في الحقيقة الرافضة، وعقيدتهم أن علياً هو الإمام، وأن الأئمة قبله مغتصبون، فـ أبو بكر عندهم مغتصب للخلافة، وكذا عمر، وعثمان، وكذا من تولى الخلافة غير علي وذريته، يعتقدون أنهم مغتصبون لما ليس لهم به حق، وأصل تكاثرهم كان في العراق، ثم انتشارهم فيما بعد سببه -والله أعلم- ما حدث من بعض ولاة بني أمية منتصف القرن الأول، لما تولى ابن زياد على العراق، وكان سبباً في قتل الحسين، واستمر في العراق إلى أن قتل، ثم مات بعده يزيد، فتولى العراق بعد ولاية آل الزبير الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان هؤلاء الولاة يميلون إلى بني أمية، وفي أنفسهم حقد على علي، كان يزين لهم أنه ممن داهن في قتل عثمان، ويقولون: إنه كان قادراً على أن ينصر عثمان لكنه لم ينصره! فكانوا يسبونه في الخطب على المنابر في العراق، وكذلك في الشام، ولا شك أن في العراق كثيراً من المحبين لـ علي، من الذين ألفوه في حياته، وأحبوه محبة صادقة، هؤلاء إما أن يكونوا معتدلين في حبه وإما أن يكونوا غلاة من أتباع الغلاة، فإذا سمعوا هؤلاء الخطباء يلعنونه على المنبر في العراق وفي الشام ساءهم ذلك، فإذا سمعوا ذلك أخذوا في مجالسهم يذكرون فضائل علي، فدخل بينهم الغلاة، وصاروا في مجالسهم الخاصة -التي هي مجالس أتباع علي المحبين له- يكذبون، ويغلون في الكذب، ويروجون الكذب بدلاً من أن يذكروا فضائله الصحيحة ومزاياه التي مدحه بها النبي ﷺ .

стр. 999

أدلة الرافضة في تفضيل آل البيت والطعن في الصحابة ثبت لـ علي ﵁ فضائل كثيرة على لسان النبي ﷺ مثل قوله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ، ولكن الرافضة بلا شك لم يقنعوا بذلك بل صاروا يزيدون، فصارت مجتمعاتهم التي يجتمعون فيها لا يتذاكرون فيها إلا فضائل علي، فلا يرون من يقتنع بقولهم فيكذبون أكاذيب، وحديث غدير خم الذي يجعلونه عيداً لهم جاء فيه أن النبي ﷺ قال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وقال: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) هذا هو الثابت (أذكركم الله في أهل بيتي) ، وقوله: (إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي) ولكن ما اقتصروا عند هذا، بل صاروا يضيفون إليه حتى ألفوا كتباً في هذا الحديث، وجعلوه بألفاظ عديدة، فقالوا إنه قال: (من كنت مولاه فـ علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ، وذكروا في أكاذيبهم أن علياً مكتوب اسمه على قائمة العرش، وأنه ممن خلقه الله وقرنه باسم محمد أو فضله على خلقه، وأنه وزوجته مكتوبان في غرف الجنة كلها، وأنه وأنه إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يلفقونها، وهذه الأكاذيب التي يكذبونها ويروجونها إذا سمعها تلامذتهم وإذا سمعها أحبابهم أخذوا يروونها، وإذا سمعها الآخرون فماذا يقولون؟ لا شك أنهم يقولون: كيف تكون هذه مزاياه؟ وكيف تكون هذه فضائله؟ ومع ذلك يتقدم عليه غيره، ويكون غيره أفضل منه؟ وكيف قدم عليه أبو بكر وعمر وعثمان؟ بل كيف فضل عليه فلان وفلان؟ لابد أن يكون هو الأفضل، وهو الإمام، فلما أنهم سمعوا تلامذتهم ومن كان حولهم يتكلمون بهذا أرادوا أن يشككوهم فقالوا: هلم فلنكذب أكاذيب نشكك بها تلامذتنا حتى لا ينكروا علينا ما نحن فيه، فكذبوا أكاذيب لفقوها ورموا بها أبا بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة، وادعوا أنهم مغتصبون وخونة، وادعوا أنهم ظلمة، فامتلأت الرافضة بالسب والكذب على هؤلاء الصحابة، أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، سببها ومبدأ أمرها التشكيك بأتباعهم حتى لا ينكروا عليهم، ولما اشتهرت هذه الأكاذيب فيما بينهم اعتقد تلامذتهم كفر أئمة الصحابة، واعتقدوا أن الصحابة ليسوا على هدى، حيث إنهم بايعوا غير الإمام الحق، وخلعوا الإمام الحق من إمامته وهو علي، وبايعوا أبا بكر وهو مغتصب ظالم، ثم بايعوا أيضاً عمر وهو ظالم ليس له حق، فجعلوهم بذلك مرتدين، وأبطلوا بذلك فضائلهم التي رواها أئمة الصحابة، وخرجت في الصحيحين وغيرها، وقالوا: إن فضائلهم التي وردت في القرآن بطلت بمجرد ردتهم، وأنهم ارتدوا بعد موت محمد ﷺ ، فما هي ردتهم على قول هؤلاء؟ ردتهم أنهم منعوا علياً من حقه، فمنعوه أن يكون هو الإمام، وبايعوا مغتصباً ظالماً هو أبو بكر، هكذا أقوالهم، وهكذا رسخت هذه العقيدة في نفوسهم، وتوارثوها، وأخذوا يتناقلون هذه الأكاذيب، فصاروا ينقلون فضائل علي ويبالغون فيها، وكذلك فضائل الحسن والحسين وابن الحنفية وزين العابدين وأولادهم وأولاد أولادهم، ويكذبون لأجل فضائلهم أكاذيب لا تليق بعاقل ولا يصدقها ذو عقل سليم، ولو قرأتم في كتبهم التي يروونها لعجبتم كيف يصدقون بهذه الأكاذيب! وكيف تروج عليهم! ولكن سلبت عقولهم، فلأجل ذلك يذكر بعض العلماء أنهم ليس لهم عقول، وأن الرافضة قوم لا خلاق لهم، فلا يصدق بتلك الأكاذيب إلا من طمست بصيرته، والردود التي ردت عليهم لو قرأتموها لعجبتم كيف يصدقون بهذه الأكاذيب! ولا يزالون على هذا المعتقد إلى هذا اليوم وللأسف؛ على الرغم من تفتح الناس وتبصرهم، ولا يزالون يروون ويتناقلون في كتبهم تلك الأكاذيب، ويؤولون عليها الآيات القرآنية. ذكر بعض الإخوان أنه اطلع على تفسير كبير عندهم موجود في العراق وفي إيران -وهو تفسير لأحد أئمتهم- فقرأ في قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩] فذكر أن البحرين في قوله: (مرج البحرين يلتقيان) هما علي وفاطمة و (يلتقيان) يعني: في النكاح، وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] اللؤلؤ والمرجان هما الحسن والحسين اللذان خرجا من علي وفاطمة، هكذا راجت هذه الأكاذيب. وفسروا قول الله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت﴾ [النساء:٥١] فقالوا: (الجبت) هو أبو بكر، و (الطاغوت) هو عمر، قاتلهم الله أنى يؤفكون! وفسروا قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] فقالوا: (يدا أبي لهب) هما: أبو بكر وعمر. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قالوا: البقرة التي أمروا أن يذبحوها هي عائشة بنت أبي بكر وهذه كلها أكاذيب، لكن كيف راجت عليهم؟ راجت عليهم لأنهم سلبوا المعرفة، فما زال غلاتهم على هذه العقيدة، وما زالوا مصرين عليها.

стр. 1000

أول نشأة الرافضة في آخر ولاية بني أمية خرج رجل من ذرية علي اسمه زيد بن علي، ولما خرج دعا الناس إلى بيعته؛ فجاءه الرافضة الذين في العراق فقالوا: نبايعك على أن تتبرأ من أبي بكر وعمر؛ وذلك لأنهم قد ارتسم في أذهانهم أنهما أكفر من أبي جهل وفرعون، فلابد أن يتبرأ منهما، ولكنه ﵁ امتنع من ذلك وقال: هما صاحبا جدي فلا أتبرأ منهما، قالوا: إذاً نرفضك، فرفضوه؛ فمن ثم عرفوا بالرافضة، هذا هو اسمهم الذي ينطبق عليهم منذ ذلك الوقت، وهم الآن لا يعترفون به، بل يشنعون على من سماهم بهذا الاسم، مع أن الذي سماهم هو زيد، وهو ابن أحد أئمتهم، وهو زين العابدين علي بن الحسين أحد الأئمة الاثني عشر، أما الذين بايعوه فهم من سموا بالزيدية، والزيدية يوالون أبا بكر وعمر وأكثر الصحابة، ولكنهم يتبرءون من بني أمية، أما الذين خالفوه فهم المعروفون بالرافضة. أما تسميتهم بالشيعة فهم الذين يطلقون هذا على أنفسهم وذلك ليتمدحوا به فيقولون: نحن من شيعة علي، ومعنى شيعته أي: أنصاره، والشيعة في الأصل هم: الأنصار والأعوان، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣] ، وقوله تعالى ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه﴾ [القصص:١٥] يعني: أتباعه؛ لأن الشيع هم: الفرق الضالة الذين ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] فالأصل أنهم فرق كثيرة متشعبة، ومنهم الباطنية.

стр. 1001

علاقة الباطنية بالرافضة كان أول ظهور الباطنية في أوائل القرن الرابع، وقد استولوا على شطر هذه البلاد، فاستولوا على منطقة القصيم والأحساء والبحرين وما اتصل بها، وكان لهم قوة ونفوذ، وهم الذين قتلوا الحجاج في الحرم في سنة ثلاثمائة وسبعة عشر وهم يطوفون بالبيت، حيث قدموا في صورة حجاج ومعهم أسلحتهم ولما توسطوا في المسجد الحرام سلوا سيوفهم وأخذوا يقتلون الحجاج وهم في نفس الحرم، فجعل الحجاج يلوذون بالكعبة ويتعلقون بأستارها، ولكنهم جعلوا يقتلونهم، حتى كان يقول قائدهم: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا وأخذ سترة الكعبة وشققها بين أصحابه، وقلع الحجر الأسود، وذهب به معه إلى بلاده التي هي القطيف، وبقي عندهم إلى سنة ثلاثمائة واثنين وثلاثين حيث ضعفت دولتهم، وقويت دولة الإسلام، وهددوا بأن يردوه وإلا غزاهم المسلمون وقتلوهم، فردوه وهم كارهون والحمد لله، وأعيد الحجر الأسود إلى مكانه، فهذه الطائفة من أكبر الطوائف ومن أكثرها ومن أخبثها؛ وذلك لأن بعض العلماء يقولون: إنهم يظهرون الرفض، ولكنهم كذبة، فظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فهؤلاء طائفة منهم، ولا شك أن هؤلاء من ورثتهم الذين يظهرون أنهم مع المسلمين، وأنهم بين المسلمين، ويظهرون أنهم إخواننا كما يقولون، ويدعوننا إلى التقارب، ويدعون أنهم على الحق، وأن مذهبهم الذي يذهبون إليه هو مذهب كسائر المذاهب الفرعية وهي: مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد، وكذبوا بذلك؛ لأنهم مخالفون للمسلمين في العقيدة التي هي الأصل والأساس، فكيف يجمعون مع المسلمين؟! وكيف يأمنهم المسلمون؟! ولا شك أنهم يظهرون للمسلمين العداوة والبغضاء، ولعلكم تحفظون من الحكايات عنهم أكثر مما أحفظ، وبلغكم وبلغ أفرادكم أكثر مما بلغني. إذاً: فهم أعداء لله وأعداء للإسلام والمسلمين، فلا يغتر بدعوتهم إلى ما يسمونه بالتقريب، ولا شك أن هذا كله كفر وضلال، فعلى المسلم أن يعرف أعداء الله ولا ينخدع بدعاياتهم وبأقوالهم وبما هم عليه، بل نأخذ حذرنا منهم.

стр. 1002

استغلال الرافضة لما في تاريخ ابن جرير للترويج لمذهبهم كان العلماء الأولون منتبهين للرافضة في القرون الأولى، وقد كانوا يتسترون في تلك الفترة -القرن الأول والقرن الثاني والثالث- ولا يظهرون أمرهم، ولكن مع الأسف تولوا ولايات، ووثق بهم أكثر العامة، وصاروا يروون عنهم تلك الأخبار، وصار منهم أخباريون، وإن لم يكونوا من غلاتهم، فلذلك دخل الكذب في كتب التاريخ؛ بسبب الرواية عنهم أو عن كثير منهم، فتجدون مثلاً أن كتب التاريخ -حتى فيما يكتبه أهل السنة- مملوءة بما يدل على أنه من الرافضة، فمن المشهورين في نقل الأخبار وحفظها رجل شيعي يقال له: لوط بن يحيى، ويشتهر بـ أبي مخنف، يروون عنه في كتب التاريخ، ويقول ابن جرير: قال أبو مخنف وذكر أبو مخنف، هذا الراوي يُذكر أنه من أهل السنة، ولكنه يميل إلى الشيعة، دليل ذلك أنه يتتبع أخبار أهل البيت، ويبالغ في نقلها، ويطيل فيها، ويتابعها المتابعة الزائدة، ويستقصي أخبارها، فمثلاً: في تاريخ ابن جرير ذكر واقعة قتل الحسين، وهي حادثة واحدة، حيث قتل ومعه من أهل بيته نحو الأربعين، وهذه الواقعة كان يكفيها ثلاث صفحات أو أربع صفحات، ولكن استغرقت نصف مجلد -أي: أكثر من مائتين وخمسين صفحة- في تاريخ ابن جرير، وذلك بسبب اعتماده على نقل كلام هؤلاء الأخباريين، وابن جرير ﵀ من أهل السنة، ولكن بلاده طبرستان بإيران كانت مليئة في زمانه بهؤلاء الرافضة، فكانوا يدخلون عليه شيئاً من أخبارهم -وإن كان محدثاً ومفسراً وإماماً- فينخدع بهم، وقد ألف بعضهم كتاباً يقع في مجلدين في غدير خم، يقول ابن كثير: ذكر فيه ما لا يصلح أن يذكر، وحشد فيه الطيب والخبيث، والغث والسمين، والصحيح والسقيم، واستوفى فيه كعادة المؤلفين في ذلك الوقت، فكثرت عنده تلك الأخبار، كدليل على أن أخبار الرافضة في ذلك الزمان قد كثرت، وفي القرن الثالث استولى على العراق -بل وعلى مصر وعلى إيران ونحوها- بنو بويه، فأسسوا دولة رافضية، وقد تسلطوا في زمن خلافة بني العباس، وأعلنوا مذهب الرافضة، وزادوا في التوغل فيه، ونشروه النشر الزائد، وانتشر في زمانهم وتمكن، فتمكن في العراق؛ لأنها وطنهم، وتمكن في إيران وفيما بعدها، وصاروا يدعون إليه بالقول وبالفعل، ويشجعون كل من يعتنقه، ويولونه الولايات، ولا شك أن هذه من الدعايات في تمكين هذا المذهب، وإلا فهو مذهب باطل خبيث، ولما تمكن وكثر معتنقوه صار لهؤلاء مراجع ومؤلفات، فصاروا يؤلفون الكتب لتقرير مذهبهم، ويدرجون فيها ما لا يصدقه العقل، فانتشر هذا المذهب، وانتشرت كتبهم، حتى صار عندهم الآن من الكتب في العراق وفي إيران ما لا يحصيه العباد، وكلها تركز على تأييد هذا المذهب. كذلك لما انتشرت تلك المؤلفات فيما بينهم، وكثر المؤلفون، تمكن هذا المذهب وظهر وقوي، وانخدع به من انخدع، ولا يزالون يخدعون الناس إلى هذا اليوم، ولا يزالون يسعون لجر الناس إلى اعتناق واعتقاد هذا المذهب الباطل إلى هذا اليوم، وينخدع كثير من الناس بحسن معاملتهم وبملاطفتهم وبحسن كلامهم وبمدحهم لأنفسهم، فيظهرون شيئاً من الأخلاق ومن الأدب ومن الصدق في الوعد، ومن كذا وكذا، فيجتذبون الناس بمثل هذه المعاملة الحسنة، وإلا فالأصل أنهم كفرة، وعقائدهم سيئة، نقول هذا بموجب ما يحكى لنا عنهم، ولا أتجرأ أن أذكر تلك الحكايات التي يذكرها لنا بعض الإخوان الذين اشتغلوا معهم في المنطقة الشرقية في شركة (أرامكو) وغيرها من احتيالهم على أهل السنة، ومقتهم وبغضهم لهم، وحقدهم عليهم، وحرصهم على أن يوصلوا إليهم كل ضلال وكل شر، ورغم ذلك ينخدع الكثير بإعلاناتهم وبدعاياتهم أنهم مسلمون، وأنهم على مذهب متبع ومعترف به, وأنهم وأنهم يذكر لنا بعض المشايخ الذين جاءوا إلى الأحساء أنهم وجدوا أهل الأحساء يعتقدون أنهم مسلمون، وليس بينهم من الفرق إلا كما بين من يقول: إني شافعي وإني مالكي، ولم يدروا أنهم ضلال وكفار حتى ظهر لهم الحق. لا شك أن هذا هو المعتقد السيئ عندهم، نقول: لما كان كذلك اهتم العلماء ﵏ بذكر فضائل السلف وفضائل الصحابة ﵃، وذكروا ذلك في عقائدهم، كما ذكر ذلك صاحب هذه العقيدة الذي هو الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وكما ذكر ذلك أهل العقائد نظماً ونثراً، فيقول مثلاً أبو الخطاب الكلوذاني في عقيدته: قالوا فمن بعد النبي خليفة قلت الموحد قبل كل موحد حاميه في يوم العريش ومن له في الغار مسعد يا له من مسعد يعني: أبا بكر، ثم ذكر خلافة من بعده من الخلفاء إلى أن وصل إلى خلافة علي ﵁، وهو رابعهم: قالوا فرابعهم فقلت مجاوباً من حاز دونهم أخوة أحمد يعني: علي ﵁، فعلى هذا اهتم السلف بذكر فضائل الصحابة في العقيدة؛ لأن الكتاب ما جاءنا إلا بواسطتهم، والأحاديث النبوية ما وصلنا إلا عن نقلهم، فإذا كانوا كفاراً -كما يقولون- فإن أخبارهم لا تقبل!

стр. 1003

طريقة الرافضة في الاستدلال بآيات القرآن للطعن في الصحابة شبه الرافضة في الطعن في الصحابة، أن الآيات التي ذكرت في المنافقين يحملونها على الصحابة ﵃، فمثلاً: قول الله تعالى في قصة بدر: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥-٦] قالوا: هؤلاء جادلوا الرسول كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فهم كفروا بذلك، بينما الله تعالى ما كفرهم به، وإنما سماهم مؤمنين (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون) فكيف يكفرونهم والله سماهم مؤمنين؟! نعم كرهوا مقاومة ومقابلة الكفار مخافة أنهم يقضى عليهم وهم عدة من المسلمين، ومعهم الرسول، ومعهم خيار الصحابة، ولكن الله تعالى نصرهم وأيدهم، هذه هي الكراهية والمجادلة، يعني: كأنهم يقولون: لو ذهبنا إلى العير لكان أفضل، فهل يخرجهم ذلك من الإيمان؟ ما يخرجهم، ولكن الرافضة جعلوها كدليل على أنهم كفار، فكفروهم بمثل ذلك. أما الآية الثانية التي استدلوا بها، فهي الآية التي في آخر سورة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] قالوا: هؤلاء الذين انفضوا عن الرسول وهو يخطب وتركوه قائماً ارتدوا بذلك، والله تعالى لم يكفرهم بذلك، بل عفا عنهم، ثم نقول: من هم الذين بقوا ومن هم الذين انفضوا؟ معلوم أنهم خرجوا ينظرون إلى هذه الإبل فرجعوا وأتموا صلاتهم؛ لأنه لا يليق أن يتركوا الصلاة مع النبي ﷺ ، ثم قد يكون معهم بعض أهل البيت، وقد يكون معهم سلمان، وقد يكون معهم أحد الذين يمدحونهم كـ عمار وصهيب ونحوهم، فما دام كذلك فلا حجة لهم بمثل هذه الآيات التي يستدلون بها، ثم لو قدر أنهم صادقون وأن تلك الأشياء التي وقعت منهم حقيقية فهل يليق أن نكفرهم بها؟ لا يليق ذلك، خاصة وأن لهم من السوابق ما يعفى عنهم إذا صدر منهم أي ذنب من الذنوب، ولابد أنه قد تاب منه، والتوبة تجب ما قبلها، أو محيت عنه بسوابقه وبحسناته التي عملها، فسوابقهم وأعمالهم مضاعفة (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فالحسنات يذهبن السيئات، فكيف مع ذلك ننسى حسناتهم ونتذكر أشياء طفيفة وسيئات خفيفة، على حد قول بعضهم: ينسى من المعروف طوداً شامخاً وليس ينسى ذرة ممن أسا ينقبون الذرات والأشياء الصغيرة عليهم، وينسون فضائلهم وجهادهم، ولكنهم قوم لا يفقهون. فعلى المسلم أن تكون عقيدته نحو الصحابة سليمة محبتهم، والترضي عنهم، والثناء عليهم، والاعتراف بما لهم من المزية، وبما لهم من السبق، ومعرفة أنهم خير قرون هذه الأمة، لا كان ولا يكون مثلهم، وأن فضائلهم لا يدركها غيرهم، فإذا اعترفنا بذلك عرفنا عندها كفر من كفرهم، وضلال من ضللهم، وبعد الذين عادوهم وناصبوهم وناصبوا كل من والاهم من أهل السنة والجماعة العداء، فما علينا إلا أن نشهر ونعلن فضائل الصحابة كما أعلنها وكما أشهرها الأئمة قبلنا، وقد تقدم أن العلماء أظهروا فضائلهم؛ فـ البخاري جعل كتاباً في صحيحه ذكر فيه فضائل الصحابة، وبدأه بفضائل الخلفاء الأربعة، وهكذا فعل مسلم ﵀، وهكذا فعل الترمذي، وهكذا ألف الإمام أحمد كتابه المعروف فضائل الصحابة، والكتب المؤلفة في ذلك كثيرة، وكل ذلك في الثناء على هؤلاء الصحابة ﵃، وعلى أتباعهم. فإذا قرأ المسلم تلك الأخبار وعرف صحتها؛ عرف بذلك أن من عاداهم فهو ضال مضل خارج عن الإسلام، طاعن في عقيدة الإسلام، بل في أصل الإسلام الذي هو الكتاب والسنة. أما ما يتعلق بأحوال هؤلاء الرافضة وأعمالهم فهم وأعمالهم والعياذ بالله في ضلال، نبرأ إلى الله منهم ومن عقائدهم ومن أعمالهم السيئة، ونتمسك بما نحن عليه إن شاء الله، ونسأل الله أن يحيينا على محبة الخير وأهله، وأن يميتنا وإخواننا المسلمين على الإسلام والتمسك بالسنة.

стр. 1004

شرح العقيدة الطحاوية [٨٣] أبو بكر الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﵊، وهو أول الخلفاء، وفضائله كثيرة مشهورة، ولهذا أجمع الصحابة على تقديمه.

стр. 1005

مجمل معتقد أهل السنة في الصحابة المسلمون يترحمون على الصحابة ويترضون عنهم كما ترضى الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ [الفتح:١٨] ، وإذا ﵃ فقد علم أنهم أهل للرضا فلا يسخط عليهم، كما وعد أهل الجنة بذلك في قوله: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) ، وكذلك يقول تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة:١٠٠] أخبر بأنه رضي عنهم، وإذا رضي عنهم فلا يسخط عليهم، وهم أهل للرضا، وكذلك يقول تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧] ، وإذا تاب الله عليهم -ومنهم نبيهم ﷺ ومدحهم بأنهم اتبعوه في ساعة العسرة؛ فإنه تعالى هو التواب الرحيم، ولا شك أنه قبل توبتهم بعد أن كانوا مشركين في الجاهلية فأسلموا وتابوا فقبل منهم وبقوا على هذا الإسلام، ولا يمكن أن يتوب الله عليهم ويخبر بأنهم أهل للرضوان وهو يعلم سبحانه أن فيهم من يرتد، وأن فيهم من يكفر، وأنهم ليسوا أهلاً لذلك على حد زعم أعدائهم. هذا هو مقتضى علم الله تعالى، فالله سبحانه عليم بما كان، عليم بما يكون، علم أن هؤلاء الصحابة خيرة خلق الله من هذه الأمة، اصطفاهم صحباً لنبيه، وحملة لشريعته، وأهلاً لرضاه، وأهلاً لدينه، وأهلاً لتوبته، فهم أهل لذلك في وقت نزول القرآن وفيما بعده، وفي حياة نبيهم ﷺ وبعد موته، لا يمكن أن يغيروا ولا أن يبدلوا، هذه سنة الله وهذا علم الله. كذلك نترضى عنهم؛ لأنهم حملة شريعة الله التي وصلت إلينا، فهم الذين بلغوا أمر الله، وبلغوا أمر رسوله، بلغوا القرآن وبلغوا السنة، ونقلوها إلى من بعدهم كما هي عملاً بقول نبيهم ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) فمن حفظ منهم آية علمها وبلغها، ومن حفظ حديثاً أداه كما سمعه على ما قال نبيهم ﷺ ، حيث قال في حجة الوداع لما خطبهم: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت، فقال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أوعى ممن سمعه) فأمر الشاهد الحاضر أن يبلغ الغائب، ولا شك أنهم امتثلوا هذا الأمر فبلغوا ما أمروا بأن يبلغوه وما تحملوه، وقد دعا النبي ﷺ لهم على ذلك بقوله: (رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) فهذا البيان والبلاغ أول وأولى من قام به صحابة نبينا ﷺ ، ولما كانوا حملة هذا القرآن، وحملة هذه الشريعة، وحملة السنة النبوية، والذين أدوها إلى تلامذتهم، وأدوها إلى من بعدهم؛ اعتقد أهل السنة أنهم أوفياء، وأنهم بررة أتقياء، وأنهم كلهم عدول ليس فيهم من يتهم بكذب، وليس فيهم من يقول كذباً أو يختلق حديثاً لا أصل له، وإنما حدث الكذب فيمن بعدهم، فعرفنا بذلك عدالة هؤلاء الصحابة وثقتهم، وأنهم حملة الشريعة، ولو طعن فيهم لبطلت الشريعة، ولبطل الدين، ولبطلت ثقتنا بالقرآن، لكن ثقتنا بكتاب ربنا ثقة قوية، وكذلك ثقتنا بالأحاديث، وثقتنا بالأعمال التي نحن نعملها ثقة راسخة وعقيدة ثابتة لا يمكن أن ننساها، ولا يمكن أن نتركها، ولا يمكن أن يتصدى لها طاعن أو نقبل فيها قول قائل؛ لأننا ما وثقنا بها إلا لأنها بلاغ أولئك الأصحاب، فهي بلاغ وبيان منهم، وهم أهل الثقة وأهل العدالة وأهل التقوى.

стр. 1006

أصل مصادر أهل البدع في طعنهم في الصحابة وموقف المسلم منهم أعداء الله وأعداء صحابة رسوله ﷺ لم يتلقوا عقيدتهم عن موثوقين، وإنما تلقوها عن كذبة وعن فجرة وعن مولدين دخلوا في الإسلام نفاقاً كـ ابن سبأ الذي يقال له: ابن السوداء فإنه يهودي دخل في الإسلام نفاقاً، ولما دخل فيه أراد أن يفسد معتقد المسلمين، وأراد أن يفرق بينهم، فأدخل فيهم الكفر بخفية، وولد فيهم بغض الصحابة أو بعضهم والغلو في بعضهم إلى أن حصلت به فتنة عظيمة، فكذلك من تبعه. ومن غلا في بعض الصحابة وتنقص بعضاً من أتباع هذا الرجل أو ممن هو على شاكلته، ما هو معتمده؟ أدلتهم ونصوصهم وبراهينهم جاءتهم من طريق أولئك الكذبة الكفرة الفجرة فلا يوثق بهم، فإذا عرفنا معتمد أهل السنة ومعتقدهم أنه عن طريق الصحابة الثقاة العدول، إيمانهم بالأحاديث، وإيمانهم بالآيات، وإيمانهم أيضاً بالأعمال التي تلقوها، وعرفنا معتقد الرافضة ومعتقد الباطنية والنصيرية والمكرمية كما يسمون، والنخاولة وما أشبههم؛ عرفنا معتقدهم، فما هو معتقدهم؟ وما هو معتمدهم؟ وما هو سندهم الذي اعتمدوه؟ لا نجد لهم سنداً صحيحاً، أسانيدهم ترجع إلى منافقين ويهود وكفرة دخلوا في الإسلام تستراً، وأرادوا بذلك إدخال الفساد على المسلمين، وقد تمكنوا من ذلك حيث انخدع بهم خلق كثير وللأسف، ولا يزال يدافع عن أولئك الكفرة ويسير على نهجهم الخلق الكثير والجمع الغفير، ولكن الله حفظ دينه كما ضمن ذلك بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فلا يضره كثرة من يطعن في هؤلاء الصحابة أو يطعن في هذه المعتقدات، ولا يضر المؤمنين طعن الطاعنين ما دامت أصولهم وأسسهم التي يعتمدونها موجودة، حيث عندهم كتاب الله الذين ضمن الله حفظه، فهو موجود محفوظ في المصاحف، ومحفوظ في الصدور، كذلك سنة نبينا ﷺ ، وقد تحرى العلماء لها وتثبتوا، ونقلوها بالأسانيد، واختاروا الرجال الأثبات، والعلماء العدول، واطرحوا الأحاديث التي في أسانيدها ضعفاء أو أهل كذب أو بدعة أو ما أشبه ذلك، واقتصروا على أحاديث الأئمة العدول الثقات الأثبات، وأثبتوها في الصحيحين وفي السنن وفي المسانيد، وبينوا أحوال رجالها، وتثبتوا منها، متى كان هذا التحري إلا عند أهل السنة؟! متى كان هذا التثبت إلا عند أهل السنة؟! إذا نظرنا في كتب الرافضة هل نجد فيها هذا التثبت؟ لا نجد فيها هذه الأسانيد القوية التي كان حملتها أعلاماً، وجبالاً في الحفظ، والعلم، وكانوا علماء ربانيين بررة حفاظاً يضرب بحفظهم المثل، حفظ الله تعالى بهم شريعته وتولى حفظ هذه الشريعة بواسطتهم، وذلك فضل الله ومنته على عباده، فعلى هذا فإن الطاعن في هؤلاء العلماء وهؤلاء الصحابة إنما هو في الحقيقة يطعن في الله، وفي شرع الله، وفي دين الله، وفي كتاب الله وسنة رسوله، فكأن هؤلاء الرافضة بطعنهم في الصحابة يطعنون في كتاب الله ويطعنون في سنة رسول الله، فلا يبقى للمسلمين شيء يتشبثون به ولا يعتمدون عليه. كتب الرافضة التي يعتمدون عليها ليس لها أسانيد صحيحة، ولا ما يعتمد عليها، فما لهم معتقد بخلاف أهل السنة. وبذلك نعرف أدلة أهل السنة ومعتقدهم، وأدلة أعدائهم الرافضة ومعتقدهم، في الصحابة وفيمن بعد الصحابة من أهل السنة.

стр. 1007

عقيدة أهل السنة في خلافة أبي بكر ﵁ قال الشارح ﵀: [وقوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لـ أبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة) . اختلف أهل السنة في خلافة الصديق ﵁: هل كانت بالنص أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال: بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار. والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم ﵁، قال: (أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فاتئي أبا بكر) ، وذكر له سياقاً آخر وأحاديث أخر، وذلك نص على إمامته. وحديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) رواه أهل السنن. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لـ أبي بكر كتاباً، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ، وفي رواية (ولا يطمع في هذا الأمر طامع) ، وفي رواية قال: (ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لـ أبي بكر كتاباً لا يختلف عليه، ثم قال: معاذ الله أن يختلف المسلمون في أبي بكر) وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) ، وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منه ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن) . وفي الصحيح أنه ﷺ . قال على منبره: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) . وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث عن حسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بـ أبي بكر، ثم وزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع فرأيت الكراهة في وجه النبي ﷺ فقال: خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء) . فبين رسول الله ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك، وليس فيه ذكر علي ﵁؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك، وروى أبو داود أيضاً عن جابر ﵁ أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه) . وروى أبو داود أيضاً عن سمرة بن جندب أن رجلاً قال: (يا رسول الله! رأيت كأن دلواً دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء) . وعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي ملكه من يشاء -أو- الملك) ] .

стр. 1008

الأدلة العقلية والنقلية على أحقية أبي بكر بالخلافة تكلم العلماء على الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وقالوا: هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، وتسميتهم تسمية نبوية لحديث العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) فجعلهم خلفاء، والخليفة هو الذي يخلف غيره، وسماهم رأس الدين، والراشد هو: ضد الغاوي، أي أنهم على رشد، ووصفهم أنهم مهتدون غير ضالين، فهذه إشارة إلى خلافة هؤلاء الأربعة، وكذلك من سار على نهجهم أو اقتدى بهم كـ عمر بن عبد العزيز، فقد قيل: إنه من الخلفاء الراشدين؛ لأنه أشبه سيرتهم، كذلك أشار النبي ﷺ إلى الخلافة ثم الملك بحديث سفينة الذي قال فيه: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً) وقد كان ذلك، فإن خلافة أبي بكر سنتان ونصفاً، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، فهذه أربع وعشرون سنة ونصف سنة، وخلافة علي خمس سنين إلا بعض السنة، وتتمتها خلافة الحسن فأصبحت هذه ثلاثين سنة أو نحوها، وهذه هي الخلافة التي أخبر بأنها خلافة نبوة، ثم بعدها يكون ملكاً؛ وذلك لأن الملك لما انتقل إلى معاوية ثم إلى بني مروان أصبحوا كأنهم يعملون عمل الملوك، ولو كان فيهم شيء من السيرة الحسنة والجهاد، لكن عملهم ليس كعمل الخلفاء الراشدين، حيث إنهم جعلوها وراثة، وصاروا يعهدون بالخلافة إلى أبنائهم أو من يطلب منهم، فأصبحت الخلافة النبوية ثلاثين سنة ابتدأت بخلافة أبي بكر ﵁، وقد أجمع الصحابة على تقديمه وفيهم أهل البيت كـ علي والحسن والحسين والعباس وابن العباس، وجميع الصحابة اتفقوا على خلافة أبي بكر، والله تعالى لا يجمع الصحابة على ضلالة، فلا يجتمعون إلا على حق، وهذه حجة قوية في صحة خلافة أبي بكر، فأين الرافضة من هذا الإجماع؟ الرافضة يقولون: إن أبا بكر مغتصب، وأنه تجرأ على شيء ليس له، وأن الصحابة خانوا هذه الأمانة التي هي عهد لـ علي بالخلافة، ولكن خانوا في ذلك وكتموا، وبايعوا أبا بكر خيانة وضلالاً، وظلموا حق علي، هكذا يقولون! ومعناه: أنهم كلهم أجمعوا على هذا الظلم وحاشاهم من ذلك، ولا شك أنهم عندما بايعوا أبا بكر عملوا بهذه الإشارات التي سمعنا من الأحاديث الدالة عليها، فإن قوله ﷺ لتلك المرأة لما قالت: (أرأيت إن لم أجدك؟ فقال: ائتي أبا بكر) كأنها أشارت إلى أنه قد يأتيك الموت أو نحوه فمن يكون بعدك؟ ومن آتيه بعدك لقضاء حاجتي؟ فقال: (ائتي أبا بكر) فدلت هذه الإشارة إلى أن أبا بكر هو الذي يقوم بالخلافة بعده كما هو الواقع. كذلك هذا الحديث الذي روته عائشة وهي من أمهات المؤمنين، ولا يمكن أن تكذب في حق أهلها، ولا في حق غيرهم، تذكر أنه ﷺ أراد أن يكتب كتاباً بالولاية لـ أبي بكر: (ائتوني بكتاب أكتب فيه عهداً لـ أبي بكر) ولكن علم بأن الله تعالى يجمع الصحابة على استخلافه وتوليته، فترك الكتابة ثقة بما كانوا عليه من معرفة حقه، وقال: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر) يعني: أنهم يعرفون أحقيته وأقدميته، وقد ثبت أنه ﷺ قدمه في الصلاة لما مرض وثقل وصعب عليه أن يتولى الصلاة بهم، وبقي أياماً -قيل: خمسة أيام، وقيل: سبعة، وقيل: أكثر أو أقل- وفي تلك الأيام كان الذي يصلي بالمسلمين هو أبو بكر، وذلك بأمر النبي لما قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت له مثل ذلك، فكرر ذلك ثم قال: إنكن صواحب يوسف) فأكد أن أبا بكر هو الذي يصلح أن يكون إماماً، وقد تولى هذه الإمامة التي هي الصلاة في حياة النبي ﷺ ، فلما أن توفي ﷺ نظر الصحابة في أمر خلافته فقالوا: رضينا لدنيانا من رضيه نبينا لديننا. بمعنى أن: نبينا ﷺ رضيه إماماً لنا في ديننا، حيث كان يصلي بنا، فذلك دليل على أفضليته؛ لأجل ذلك نرضاه أن يكون إماماً لنا عاماً في هذه الولاية التي فيها إصلاح دنيانا وضبط أحوالنا، وهكذا اتفقوا على توليته الخلافة. ثبت أنه ﷺ خطب في آخر حياته قبل مرضه بزمن قليل فقال: (إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: نفديك بأنفسنا وأهلنا، فعجب الناس أن النبي ﷺ يخبر عن هذا العبد الذي خيره الله وأن أبا بكر يبكي ويقول هذه المقالة، فلما قال ذلك، قال النبي ﷺ : إن من أمن الناس علي في نفسه وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ثم قال: (لا يبقين خوخة في المسجد إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) وهنا دليل على أنه مقدم في هذا الأمر، فالخلة هي: المحبة، فيقول: إنه أحق الناس في أن يكون لي خليلاً، وأن تكون له الخلة، فلو كنت متخذاً خليلاً لكان هو أحق بأن أتخذه، ثم أمر أن تسد النوافذ التي تطل على المسجد إلا نافذة أبي بكر، لأن الصحابة كانوا قد بنوا بيوتهم إلى جانب المسجد، وفتحوا عليه أبواباً، فهذا الباب يدخل منه فلان من بيته إلى المسجد، وذلك الباب لفلان، فأمر بأن تسد تلك الأبواب التي تسمى خوخات، وتبقى خوخة أبي بكر، لماذا؟ إشارة إلى أنه سيتولى الخلافة، وسيحتاج إلى أن يدخل المسجد ويخرج ويتكرر دخوله، وذلك دليل على أنه سيتولى، والنبي ﵊ علم بأنه سيكون والي المسلمين بعده، فأمر بإبقاء خوخته حتى لا تتغير. هذه الأدلة فيها إشارات، ولكن مجموعها يكون صريحاً، أما الإشارة الأولى فهي قصة القليب، حيث يقول ﷺ : (رأيتني على قليب -القليب هو: البئر التي فيها ماء- أنزع منها -يعني: أجتذب الماء بدلوي- فنزعت منها ما شاء الله أن أنزع، ثم أخذها أبو بكر -جعل أبا بكر هو الذي أخذها بعده- فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له -أي: وذلك لقصر مدته- ثم أخذها ابن الخطاب -يعني: عمر -فاستحالت غرباً -والغرب هو: الدلو الكبير الذي يستقى به من الآبار، والذي تجتذبه السواني أو النواضح قديماً- فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن) وذلك لأن مدته طالت حتى بلغت عشر سنين، وفي مدته اتسعت رقعة الإسلام، وفتحت الأموال على بيت المال، وكثرت جبايتها، أوليس في هذا إشارة إلى أن الذي يأخذ الخلافة بعد النبي أبو بكر، ثم لا تطول مدته، ويأخذها بعده عمر فتطول مدته؟ الإشارة الثانية: قصة ذلك الدلو الذي تدلى من السماء في رؤيا الرجل، حيث يقول: رأيت أن دلواً تدلى من السماء فشرب منه النبي ﷺ ، ثم أخذه أبو بكر فشرب منه، ثم أخذه عمر فشرب منه حتى تضلع، ثم عثمان، ثم علي، إلا أنه انتزع منه فأصابه منه نضح، أليس في هذا دليل على ترتيبهم في هذه الخلافة، وأن الذي شرب بعد النبي ﷺ يكون خليفة بعده، وهو أبو بكر، ثم بعد أبي بكر عمر، ثم عثمان ثم علي؟ فهذه إشارة إلى خلافتهم. كذلك أيضاً: بعض الإشارات التي تكون إما في صورة رؤيا أو قصص واقعية لا شك أن فيها إشارة واضحة إلى أن هؤلاء يكونون خلفاء بعده ﷺ . وبكل حال نقول: إن هذه الإشارات من مجموعها يجزم بأنها نص صريح في أنه ﷺ قدم أبا بكر وجعله خليفة بعده، وسيأتي ذكر قصة بيعته وكيف اجتمع الصحابة على بيعته وفضلوه، ومعروف أنهم لم يختاروه إلا لميزة تميز بها.

стр. 1009

إسلام أبي بكر ومرافقته للنبي ﷺ في الهجرة أبو بكر الصديق هو أول من أسلم من الرجال؟ كما يقول الكلوذاني في عقيدته: قالوا فمن بعد النبي خليفة قلت الموحد قبل كل موحد حاميه في يوم العريش ومن له في الغار مسعد يا له من مسعد فالجمهور على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر ﵁، إذ كان رجلاً عاقلاً عارفاً موثوقاً، كامل العقل، ولما عرض النبي ﷺ عليه الإسلام لم يتوقف ولم يتردد، بل بادر وقبل الدعوة ودخل في الإسلام، ولما دخل في الإسلام صار أيضاً داعية لأكثر الصحابة الذين أسلموا بمكة، فبإسلامه أسلم عثمان، وأسلم طلحة وأسلم الزبير وأسلم عبد الرحمن بن عوف وأسلم سعد بن أبي وقاص، فكلهم أسلموا بدعوة أبي بكر. إذاً: فهو الذي دعا إلى الإسلام مع النبي ﷺ ، ثم أليس من فضائله أنه رفيق النبي ﷺ وصاحبه في الهجرة؟ هاجر معه من مكة إلى المدينة، واختار النبي ﷺ صحبته، وقد كان أبو بكر قد عزم على أن يهاجر وحده، فقال له النبي ﷺ : (انتظر لعل الله يأذن لي) فلما أذن له قال: (إن الله أذن لي في الهجرة، فقال: الصحبة يا رسول الله؟! قال: الصحبة) أي: سوف تصحبني. ومعروف أيضاً أنه صاحب النبي ﷺ في الغار الذي قال الله فيه: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَن﴾ [التوبة:٤٠] ولا شك أن هذه الصحبة لم ينلها غيره، فهو ﵁ جمع نفسه مع النبي ﷺ ، وعرض نفسه للقتل، أما المهاجرون غيره فقد هاجروا خفية أو بعلن ولم يتعرض لهم المشركون، أما أبو بكر والنبي ﷺ فإن المشركين قد عزموا على قتل محمد ﷺ ، وما كان الله ليسلطهم عليه، فلما اجتمع معه أبو بكر عزموا على أن يقتلوا أبا بكر معه، وجعلوا لمن أتاهم بكل منهما مائة من الإبل، فعند ذلك أمرهما الله بأن يخرجا بخفية، فخرجا ليلاً ودخلا في ذلك الغار المعروف بغار ثور، واختفيا فيه ثلاثة أيام، يأتيهما عامر بن فهيرة بغنم لـ أبي بكر فيحلب لهما منها ويسقيهما، وكذلك يأتيهما عبد الرحمن بن أبي بكر بالأخبار في الليل ثم يرجع، أوليس مبيت أبي بكر مع النبي ﷺ من التعرض للأذى؟ أليس ذلك من فدائه بنفسه؟ لا شك أن هذه ميزة لا يلحقه فيها غيره، كذلك أيضاً صحبته له من مكة إلى المدينة وليس معهما إلا رجل مشرك يدلهما على الطريق، كذلك أيضاً خروجه مع النبي ﷺ في غزوة بدر، ولما كان في الليلة التي وقعت الوقعة في صبيحتها بات النبي ﷺ طوال الليل يصلي ويتهجد، وبات أبو بكر معه يحميه ويحفظه، وكلما سقط رداؤه عنه رده عليه أبو بكر، وكان مما قال له: (كفاك مناشدتك لربك، سوف يوفي لك ربك ما وعدك) ، ولا شك أن هذه ميزة ميزه الله تعالى بها، فكان بذلك أهلاً أن يقلد هذه الخلافة التي هي الولاية.

стр. 1010

قوة أبي بكر وحزمه في تعامله مع المرتدين الصحابة الذين بايعوا أبا بكر واجتمعوا على بيعته علموا أهليته وكفاءته، ومن نظر في سيرته ﵁ ويرى كيف ضبط الأمور، وكيف أنفذ الجيوش، وكيف أرسل الرسل للدعوة، وكذلك ما وقع في السنة الأولى بعد وفاة النبي ﷺ من ارتداد العرب عن الإسلام، حتى لم يبق على الإسلام إلا أهل مكة وأهل المدينة وأهل الطائف، أما الأعراب حولهم فكلهم قد ارتدوا إلا من شاء الله، وكيف قوي أبو بكر على ضبط الناس كلهم، وقد رموا الإسلام عن قوس العداوة، ولكن حزمه ﵁ وفطنته وسياسته وسيرته، وهذا يدل على أنه ذكي عارف، فصل في الأمور، وتعامل مع الأمر بحزم إلى أن رجع الناس في أقل من نصف سنة، واجتمع العرب كلهم على الرجوع إلى الإسلام، ودانوا بالإسلام بعدما كانوا تركوه، ولا شك أن في هذا فراسة قوية تدل على خبرته وحنكته وأهليته، وأن الله تعالى ما اختاره في هذه الحالة الحرجة إلا لأهليته، ولأجل ذلك يقول بعض العلماء: إن الله تعالى حفظ الإسلام برجلين: أبي بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، ولأجل ذلك سمي بـ الصديق، أخذاً من قول الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] الذي جاء بالصدق هو النبي ﷺ ، والذي صدق به هو أبو بكر، فهذه بلا شك أنها تدل على أهليته، وقد أجمع الصحابة على تسميته ب الصديق مبالغة في الصدق، ولا شك أن الصديقية هي أعظم المراتب بعد النبوة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] فبدأ بالصديقين بعد النبيين، والصديقون هم: المبالغون في التصديق، وأبو بكر ﵁ على رأسهم. فهذه الفضائل والميزات هي التي صار بها أهلاً أن يتولى أمر المسلمين، ولكن طمس الله على قلوب الرافضة وأعمى بصائرهم وحال بينهم وبين مائدة الحق، فولدوا أكاذيب بأنه مغتصب، وأن الصحابة كلهم خونة، وأن علياً مظلوم، حتى جعلوا علياً أيضاً من الظالمين؛ لأنه أقر بخلافة أبي بكر وبايعه وصبر على بيعته في زمانه، ولم يطالب بشيء من الخلافة، بل علي ﵁ كان يصلي خلف أبي بكر مدة خلافته، إذلم يقل أحد من أهل السنة إن علياً كان يصلي وحده، أو كان له محراب يصلي فيه وحده، ولا قال أحد: إنه ترك الصلاة مع الجماعة وحاشاه. إذاً: فقد كان يصلي خلف أبي بكر، أوليس ذلك دليل على أنه أقر بخلافته، وأنه رضي به والياً كما رضي به بقية المسلمين؟

стр. 1011

شرح العقيدة الطحاوية [٨٤] طعن الرافضة في خلافة أبي بكر الصديق، ويعتقدون أنه اغتصب الخلافة من علي ﵁، ويوردون بعض الشبه لترويج مذهبهم، وقد كشف أهل العلم شبهاتهم، وزيفوا دعاواهم.

стр. 1012

معتقد متأخري الرافضة في الصحابة كمعتقد متقدميهم نحمد الله أن جعلنا مسلمين، ونحمد الله أن جعلنا سنيين، ونحمد الله أن جعلنا متمسكين بالهدي النبوي، متمسكين بسنة خير المرسلين، متبعين للصحابة أجمعين، مترضين عنهم وعن التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، مترضين عن أئمة المسلمين، عارفين لحقهم وعارفين لقدرهم، مخالفين لأهل البدع والمحدثات، وهذه بلا شك نعمة عظيمة ومنة جسيمة حيث أنقذنا الله من تلك البدع، وأنقذنا من تلك الخرافات، وأنقذنا من أولئك المبتدعة الذين رأوا الحق فتركوه، وزين لهم الباطل فاتبعوه، وقامت عليهم حجة الله، ولكنهم أصروا وعاندوا على المخالفة. في القرون السابقة قد يكون الشيعة والرافضة معذورين؛ حيث إنهم لم يطلعوا على سير الصحابة، ولم تنتشر كتب السلف، ولم تشتهر الأحاديث التي فيها؛ وذلك لكونها مخطوطة في المكتبات الكبيرة ولا يمكن انتشارها، وهم لا يألفونها، ولا يقصدون تلك المكتبات، ولا ينتقون تلك الكتب وإنما ينتقون ما يناسبهم من مؤلفات مشايخهم، ولكن في هذه الأزمنة بلا شك أنها قد قامت عليهم الحجة، وظهر الحق واستبان، ولكنهم عاندوا وأصروا واستكبروا عن الحق، فلا عذر لهم، فقد انتشرت كتب السلف وكتب السنة وكتب السيرة بعدما كان لا يوجد منها إلا كتاب أو كتابان أو نسخة أو نسختان، صار يوجد منها الآن مئات وألوف وعشرات الألوف، وفي إمكانهم أن يقرءوها، بل وقرءوها، ولكنهم أصروا واستكبروا. كذلك في هذه الأزمنة أيضاً وجدت الأشرطة التي فيها سيرة السلف وهم يسمعونها ويقتنونها، ولكنهم أصروا واستكبروا على العناد وعلى البدعة الشنيعة. كذلك أيضاً تنشر سير السلف وسير الصحابة ومآثرهم وفضائلهم في الكتب، وتنشر في الصحف اليومية، وتنشر في المجلات الأسبوعية أو المجلات الشهرية التي هي دائماً منتشرة تذاع علناً، ولا شك أن أولئك الشيعة يتمكنون من قراءتها والاطلاع عليها ولابد، ولكنهم مع ذلك كله بعد قيام الحجة عليهم أصروا واستكبروا استكباراً. وكذلك أيضاً بلا شك أنهم يسمعون إذاعات أهل السنة في كل مكان وفي كل جهة، الذين يترضون عن الصحابة وينشرون سيرهم، وينشرون أخبارهم وجهدهم وجهادهم، فلا شك أنهم قد سمعوا ذلك ويسمعونه، ولكنهم مع ذلك أصروا واستكبروا استكباراً. كذلك أيضاً مع وجود المناهج الدراسية التي تدرس فيها سير الصحابة وسير السلف وأحوالهم، وكتب الأدب، وكتب التاريخ في المعاهد العلمية، وفي المدارس المتوسطة والثانوية، وفي الجامعات الإسلامية، لا شك أنها تدرس وأن الشيعة يدرسونها, ويقرءونها، وقد عرفوا صحة ما فيها وثبوته؛ حيث إنه يعتمد على الدليل وعلى النقل الصحيح، ولكنهم مع ذلك كله أصروا واستكبروا استكباراً. إذاً: فقد قامت عليهم الحجة، فليسوا كعلمائهم الأولين الذين لم يتمكنوا مما تمكن منه هؤلاء، هذا بالنسبة للرافضة. أما بالنسبة لأهل السنة فإنهم كانوا قديماً لا يتمكنون من قراءة كتبهم، ولا يطلعون عليها، بل الرافضة بأنفسهم يخفون كتبهم وعقائدهم ويسرونها، ولا يمكنون أحداً من قراءتها؛ وذلك لما فيها من الفضائح، ولما فيها من الأخطاء الفاحشة، ولما فيها من الحمل على الصحابة، ومن التأويلات البعيدة، ولكن في هذه الأزمنة لم يقدروا على إخفائها، بل طبعت تفاسيرهم، وطبعت كتبهم، واطلع عليها أهل السنة، فرأوا فيها الفضائح، ونقلوا ما نقلوا منها، وجعلوه حجة عليهم، وردوا عليهم الردود الواضحة من كتبهم أنفسهم، وقالوا: قلتم في كتابكم الفلاني في صفحة كذا من جزء كذا، وقلتم في كتابكم كذا وكذا، وكلها أشياء واقعية، لكنها تأويلات بعيدة، وتحريفات للكلم عن مواضعه، وأكاذيب وترهات يقولونها بغير حق، ويجعلونها شبه أدلة وهي في الحقيقة خرافات لا أصل لها، وقد اتضح كذبها، واتضح بعدها، واتضح لكل عاقل أنها بعيدة عن الصواب، فبان بذلك كذبهم، وبان بذلك فشلهم، واطلع العلماء على أسرارهم، وردوا عليهم من مؤلفاتهم، ولكنهم مع ذلك كله أصروا واستكبروا.

стр. 1013

جهود الرافضة في إفساد عقائد المسلمين في هذه البلاد -المملكة- معلوم أن المناهج الدراسية موحدة بالنسبة إلى طلاب السنة والشيعة، ولكن علماؤهم الذين يخفون أنفسهم -وربما أظهروا أنفسهم في هذه الأزمنة- يحرصون على ألا يقع في أيدي أبنائهم وأولادهم شيء من التعاليم التي يتلقونها من المدرسين السنيين، فإذا درس الطلاب الشيعيون في هذه المدارس أشياء تتعلق بالعقيدة وتتعلق بسير الصحابة، وخرجوا وقد عرفوا ذلك وقرءوه، وأخذوه من تلك المناهج والكتب الدراسية؛ عرضوه على شيخ لهم أو على كبير لهم، فأخذ ينتقد هذه، ويصوب هذه، ويخطئ هذه، ويقول لهم: هذا لا تعتقدوه، وهذا لا تقولوا به، وهذا ليس بصحيح، وهذا يخالف معتقدكم، وهذا يخالف سيرتكم، ولا يزال بأولئك الطلاب حتى لا يبقي أثراً في قلوبهم مما تلقوه من علمائهم السنيين؛ حتى يبقوا على معتقد آبائهم وأجدادهم وأسلافهم الباطل السيئ. وقد ذكر لنا بعض الإخوان أنه كان هناك مدرس من أهل السنة في إحدى البلاد التي يغلب على أهلها التشيع، فلما عقل أولئك الطلاب وتفتحوا، ورأى أن فيهم ذكاء وإقبالاً رأى أن يناقشهم بالدليل، ويناقشهم بالقرآن، ويناقشهم بالسنة الصحيحة، وأخذ يجعل لهم مجالس أسبوعية يقرر لهم الحق ويقول لهم: نحن مع الحق أينما كان، إن كان معكم فائتونا به، وإن كان معنا أتينا به، ونحن نتبعه أينما كان، ولكن بعدما استمر شهراً أو شهرين، ورأى آباءهم أنهم قد اقتنعوا بعض الاقتناع بكلام هذا الشيخ، وأنه غير شيئاً من معتقدهم؛ عمد الآباء إليه فطردوه وأبعدوه من بلادهم، وقالوا: إنك أوشكت أن تغير معتقد أبنائنا، رغم أنهم كلما أخذوا منه توجيهات عرضوها على آبائهم ومشايخهم، فلما رأوا أنها حجج قوية تكاد أن تغلبهم قالوا: هذا سوف يفسد أخلاقهم ومعتقدهم، وليس لنا حيلة إلا أن نبعده ونطرده. وكذلك هم يحاولون اضطهاد أهل الخير، ويحاولون ألا يكون لأهل السنة قوة ولا نفوذ ولا تسلط ولا قدرة على شيء، وقد ذكر لنا بعض الإخوان أنه في مدرسة من المدارس قرب المدينة النبوية اتفق المدير والمدرسون -وكلهم شيعة- على ألا يدرس الأولاد في المرحلة الابتدائية إلا دروساً قليلة، فلا يعلمونهم هجاءً، ولا يعلمونهم كتابة، ولا إملاءً، ولا تجويداً، ولا قرآناً، ولا حساباً، ولا غير ذلك، وأن ينجحوهم في آخر السنة وإن كانوا لا يعرفون شيئاً، ويأتي المدرس ويقف أمام الطلاب ويبقى يتكلم معهم كلاماً عادياً، ولا يفتح عليهم بكلمة حتى تنتهي السنة الدراسية، فإذا انتهت نجحوهم كلهم، وهم لا يعرفون شيئاً، ولما انتهوا من المرحلة الابتدائية وواحدهم لا يحسن أن يكتب اسمه، ولا يعرف حساباً، ولا غير ذلك، والتحق بالمتوسطة؛ إذا هو لا يحسن شيئاً، ولا يعرف شيئاً، فيقول: ماذا أفعل وزملائي قد تفوقوا علي، فهم يعرفون وأنا لا أعرف، عند ذلك يتعقد ويترك الدراسة؛ لأنه لا يستطيع أن يعود للدراسة في السنة الأولى وعمره قد جاوز الثانية عشرة أو نحوها، عند ذلك يتركون الدراسة ويتعقد أحدهم، فهذه حيلة من حيل أولئك، لما تولوا هذا العمل وهو التدريس. فهم في الحقيقة أعداء للسنة، وأعداء لأهلها، يحاولون أن يفرضوا أنفسهم، ويحاولون أن يظهر لهم النفوذ والقوة، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] .

стр. 1014

فضل أبي بكر الصديق والرد على الطاعنين فيه من معتقد أهل السنة الاعتراف بخلافة الخلفاء الراشدين، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فأول الخلفاء هو أبو بكر ﵁، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي؛ هؤلاء هم الخلفاء الراشدون الذين أمر النبي ﷺ باتباعهم، وسماهم الخلفاء في قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) شهادة نبوية لهؤلاء أنهم خلفاء، وأنهم راشدون، وأنهم مهديون، أي: على الهدى المستقيم، وعلى الصراط المستقيم الذي سألوا الله أن يهديهم إياه، ونحن نسأله أيضاً، ولا شك أن هذه الشهادة النبوية تثبت أن الذين تولوا بعده هم خلفاء، ولا شك أن أولهم أبو بكر ﵁. وسيرة أبي بكر ﵁ هي أحسن السير؛ حيث إنه اقتدى بالنبي ﷺ في كل ما يفعل، فأنفذ جيش أسامة أول ما تولى، وبعث الجيوش لقتال المرتدين، فانتصر الإسلام بعدما كان العرب قد رموا أهل المدينة عن قوس العداوة خلال ما يقرب من ثلاثة أشهر، فأرسل جيشاً لقتال بعض المرتدين، فهدى الله طيئاً ومن معهم، فلما رأت منهم قبائل العرب الذين حولهم ذلك انضموا إليهم، ولم يمض إلا شهران أو ثلاثة أشهر حتى بعث أبو بكر ستة عشر أميراً أو سبعة عشر لقتال المرتدين البعيدين، فتراجعوا كلهم وانضموا إلى الإسلام أوليس ذلك دليلاً على حنكته وفراسته وقوته في القيام بأمر الله تعالى؟ أوليس دليلاً على أن الله تعالى وفقه وسدد به وهدى به ونصر به الإسلام؟

стр. 1015

استشهاد الرافضة بحديث الغدير للطعن في خلافة أبي بكر والرد عليهم الرافضة يطعنون في أبي بكر، ويدعون أن علياً هو الإمام، ويستشهدون على ذلك بأحاديث ضعيفة أو موضوعة يسمونه حديث الغدير مع أن أكثره كذب، ويقولون فيه: إن النبي ﷺ قال: (من كنت مولاه فـ علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده) ونقول: هذا صحيح، ونحن نقول: إن منزلة علي من النبي ﷺ كمنزلة هارون من موسى، وأنه مولى المسلمين، وكذلك نقول: إن أبا بكر وسائر الخلفاء، وسائر الصحابة هم موالي المسلمين، وليست الولاية إلا ما تقتضي المحبة، فإذا كان علي ولياً للمؤمنين وولياً للنبي ﷺ ، والنبي صلى الله عيله وسلم مولى للمؤمنين أيضاً، فكذلك بقية الصحابة، فليس هناك دليل على أن علياً اختص بالولاية دون غيره، ودعاؤه ﷺ بقوله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) دعاء صحيح إذا ثبت، ونحن نواليه ونحبه، ولكن لا نفرط في حبه، ولا نجعله أحق بالولاية وبالخلافة من أبي بكر وغيره من الصحابة، بل نجعلهم كلهم أهل ولاية وأهل محبة وأهل ترضٍ، فنترضى عنهم جميعاً، ونجعل لهم حقاً علينا بأن نحبهم ونواليهم.

стр. 1016

استشهاد الرافضة بما حصل بين فاطمة وأبي بكر للطعن في خلافته والرد عليهم وطعن الرافضة في أبي بكر بأنه لم يعط فاطمة حقها من ميراث أبيها، الله أكبر! هذا هو الذي طعنوا عليه فيه، وتحاملوا عليه تحاملاً شديداً، وأنكروا قول النبي ﷺ : (لا نورث، ما تركنا صدقة) أنكروا ذلك كله مع ثبوته بطرق كثيرة، وزعموا أن أبا بكر قد كذب في ذلك مع أنه لم ينفرد به، وجعلوا النبي ﷺ بذلك مهتماً لأمر الدنيا، وكأن الدنيا أكبر همه مع أنه يقول: (ما لي وللدنيا! إنما أنا كراكب قال في ظل دوحة) ، ومع ما ثبت عن الحارث بن أبي ضرار وغيره أن النبي ﷺ ما خلف ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا سلاحه وعتاده وأرضاً جعلها صدقة. إذاً: بأي شيء ينتقدون أبا بكر ويقولون: إنه منع فاطمة حقها من ميراث أبيها؟ ويجاب عليهم من عدة وجوه: أولاً: الرسل لا يورثون. ثانياً: ليست الدنيا ذات أهمية عندهم حتى يخلفوها لأولادهم، ويقولون: لهم أن يرثوا، ولهم أن يأخذوا. ثالثاً: أن الأرض التي جعلها صدقة قد صار علي ﵁ هو المتولي عليها بعد موت فاطمة. وبكل حال فهذا أكبر ما طعنوا فيه، ولما طعنوا فيه بأنه حرم فاطمة من ميراثها، أخذوا يجمعون عليه الأكاذيب ويلفقون عليه، ويعيبونه بكل عيب، فيقولون: إنه قاتل المسلمين، وكذبوا! فهو ما قاتل إلا من ارتد، فبالرغم من أنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا أنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة؛ لذلك فلم يكونوا مقرين بالشهادة حق الإقرار، فلأجل ذلك رأى قتالهم وسماهم مرتدين. ويقولون: إنه أقر خالد بن الوليد على القتال، ويكفرون خالداً بذلك، فنقول: إن أبا بكر ما أقره إلا وقد رآه أهلاً للقتال، لأن خالداً لم يكن قريباً له ولا صهراً له، بل هو سيف الله كما سماه النبي ﷺ ، فماذا نقموا عليه حتى يسبوه ويلعنوه ويشتموه؟! قاتلهم الله.

стр. 1017

بعض أقوال النبي وأفعاله الدالة على أحقية أبي بكر بالخلافة النبي ﷺ قد جعل أبا بكر ﵁ خليفته في الصلاة حين قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) أوليس تقديمه في الصلاة دليلاً على أفضليته؟ وأهليته للإمامة وللصلاة؟ كذلك أيضاً هو دليل على ميزته وعلى كفاءته, وفيه إشارة إلى أنه سيخلفه ويقوم مقامه. والنبي ﵊ أمر أن تسد النوافذ التي فتحت على المسجد إلا باب أبي بكر فلا يسد، وذلك إشارة إلى أنه سيتولى الأمر، وسيكثر دخوله وخروجه إلى المسجد؛ وذلك إشارة إلى أن له أحقية في المسجد وفي الولاية. وقال ﵊: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فبدأ بـ أبي بكر مما يدل على أنه الذي يتولى بعده، وهذا ما وقع، ثم تولى بعده عمر. إذاً: فهذه إشارات واضحة إلى أن أبا بكر ﵁ هو الخليفة بعده. كذلك أيضاً من الإشارات ما جاء في قوله ﷺ : (رأيت أني على قليب فنزعت منها ما شاء الله أن أنزع، فأخذها أبو بكر فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فاستحالت غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن) وفيه إشارة إلى قصر فترة أبي بكر حيث قال: (ذنوباً أو ذنوبين) ، أما خلافة عمر فقد امتدت طويلاً، وفي عصره فتحت بلاد كثيرة، وذلك بلا شك دليل على أنهما خليفتان بعده. وهكذا الرؤيا التي رآها بعض الصحابة في الدلو الذي تدلى من السماء فشرب منه النبي ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم انتضح منه على علي، وهو إشارة إلى أنهم الذين يتولون بعده. ومن أصرح الإشارات قوله ﷺ : (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر) . فـ أبو بكر ﵁ هو الخليفة الراشد، وهو الذي تولى أمور المسلمين، وهو الذي سار بهم سيرة حسنة، ولم يول الخلافة لأولاده ولا لأقاربه، ولم يحاب فيها، وكذلك أيضاً في حالة ولايته لم يول الأمير الفلاني أو العلاني، ولم يولهم لأجل قرابتهم له، ولا لأجل محاباة، وإنما اختار الولاة والقادة الذين فيهم الأهلية وفيهم الكفاءة، حتى ولو لم يكونوا من قريش، فكانت توليته لـ خالد بن الوليد ولغيره من الأمراء لما فيهم من الأهلية. فنشهد بأن أبا بكر أهل للخلافة، وأن الله تعالى عندما اختاره ولياً وخليفة فإن ذلك عين المصلحة، وأنه هو الذي ثبت الله به الإسلام ورد به المسلمين بعد أن كادوا يخرجون من الإسلام، فلأجل ذلك سمي بـ الصديق الذي هو أول من صدق، والذي فتح الله تعالى به قلوب العباد، ورزقهم الإنابة إليه والثبات على دينه.

стр. 1018

استخلاف أبي بكر إن لم يكن نصاً فهو بإشارة واضحة قال الشارح رحمه الله تعالى: [واحتج من قال: لم يستخلف، بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر عن عمر ﵄ أنه قال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر - وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني -يعني: رسول الله ﷺ ) ، قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف. وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت: (من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟) . والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعده بعهد مكتوب، ولو كتب عهداً لكتبه لـ أبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهداً، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتابة اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر، فلو كان التعريض مما يشتبه على الأمة لبينه بياناً قاطعاً للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك حصل المقصود؛ ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر، لا علي ولا العباس ولا غيرهما كما قد قال أهل البدع، وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أوفي شك صاحبك؟ نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها] . قد تقدم القول الأول أن خلافة أبي بكر ﵁ كانت بالنص، وهذا قول ثان أنها بالإشارة، فهما قولان للعلماء: فالذين قالوا: إنها بالنص، استدلوا بقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فإن هذا نص على أن أبا بكر بعده، واستدلوا أيضاً بقوله للمرأة التي قالت: (أرأيت إن أتيت فلم أجدك؟ فقال: ائتي أبا بكر) فإن هذا نص أنه هو الذي يتولى الولاية بعده، واستدلوا بأنه أمره بأن يؤم الجماعة وأن يصلي بهم، وهذا نص بأنه هو الذي يكون إماماً متبعاً إذا اتبعوه في الصلاة، ولهذا قالوا: رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا. أي: من قدمه لديننا إماماً، إلى آخر الأدلة التي سبقت. هذا القول الأول. أما القول الثاني: وهو أنه لم يستخلف، وإنما أشار إشارات، فيقولون: إن عمر ﵁ قال: (إن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني) يعني: رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا عمر شهد أن النبي ﷺ لم يستخلف، فنقول: لم يستخلف بالنص؛ لأنه لم يقل: أيها الناس! بايعوا أبا بكر فهو خليفتي عليكم، لكن قد عزم على أن يكتب له كتاباً وقال لـ عائشة: (ادعي لي أخاك وأباك أكتب كتاباً حتى لا يختلفوا عليه) ثم إنه ترك الكتاب وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فلم يقل: خليفتي أبو بكر مقالاً صريحاً، ولم يقل: بايعوه بعدي قولاً صريحاً، إنما هي أقوال عامة فيها نوع من الإشارة، ومجموع تلك الإشارات يصبح دليلاً صريحاً واضحاً لا خلاف فيه. كذلك أيضاً سمعنا كلام الحسن لما قيل له: هل استخلف النبي ﷺ أبا بكر؟ فقال: هو أورع من أن يتوثب عليها، يعني: ليس بمحب للولاية ولا راغباً فيها، ولكن لما اجتمعت عليه كلمة المسلمين، ولما جاءت هذه الإشارات من النبي ﵊ باستخلافه؛ قبلها، وإلا فهو ورع وزاهد وخائف لا يمكن أن يقبلها بدون أن يكون أهلاً لها، وبدون أن يرضاه لها أهل الولاية وأهل الحل والعقد من الصحابة، هذا معنى قوله: يتوثب عليها. فبلا شك أنه ﷺ أشار هذه الإشارات التي تدل على أن أبا بكر أحق بالخلافة، ثم لما اجتمعت عليه الإشارات وكانت واضحة رأى عمر ﵁ أنه أحق بالخلافة؛ فبايعه وبايعه الصحابة كلهم. وخلاصة ما جرى في أول يوم من وفاة النبي ﷺ ، وقبل بيعة أبي بكر: أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وكادوا أن يبايعوا واحداً منهم وهو سعد بن عبادة، فلما سمع بهم عمر ﵁ وأبو بكر وأبو عبيدة ذهبوا إليهم، ثم خطبهم أبو بكر ﵁ وقال لهم: (الخلافة في قريش) كما قال النبي ﷺ لما قالوا: (منا أمير ومنكم أمير) أي: نؤمر أميراً على الأنصار، وأميركم منكم يا معشر المهاجرين! فقال أبو بكر وعمر: (بل الإمارة في قريش) ثم قال أبو بكر: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) فلما أقنعوهم بكلام النبي ﷺ وبإشارته تمت البيعة في نفس السقيفة، فبايعوه واجتمعوا عليه، ولم يتخلف منهم أحد، أما سعد بن عبادة ﵁ فإنه لم يبايع في تلك الساعة رجاء أن يكون له حظ من الولاية، ولكنه بايع بعد ذلك بيعة مختار راضٍ، كذلك أيضاً علي ﵁ قيل: إنه تأخر عن البيعة ثم بعد ذلك بايع، والصحيح أنه لم يتأخر، بل بايع باختياره وبطوعه وبما علمه من أهلية أبي بكر وأحقيته بهذه الخلافة. ثم حصل من خلافته ﵁ من الأهلية ومن ضبط الأمور وإحكامها غاية الإحكام، فرأوا أن الله تعالى اختاره للمسلمين في ذلك الوقت الحرج الذي كانوا فيه أشد احتياجاً إلى خليفة قوي يقيم فيهم أمر الله تعالى، ويرتب أمورهم ترتيباً محكماً، فهذا ما يسره الله لهم في ذلك الوقت، وما أنعم به عليهم. إذاً: عرفنا بذلك أن خلافة أبي بكر وإن لم تكن نصاً فإنها بإشارات واضحة مجموعها يصبح نصاً قوياً.

стр. 1019

تقديم الصحابة لأبي بكر دليل على أحقيته بالخلافة قال الشارح ﵀: [وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر لم يذكر حجة دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له، ففي الصحيحين عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وعد رجالاً) . وفيهما أيضاً عن أبي الدرداء قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، وقال النبي ﷺ : (أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر! ثلاثاً، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ فسلم عليه، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ (مرتين) ، فما أوذي بعدها) ومعنى غامر: غاضب وخاصم، ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح -فذكرت الحديث- إلى أن قالت: واجتمع الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيئت في نفسي كلاماً قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، وقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب وأعزهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعداً! فقال عمر: قتله الله! والسنح: العالية، وهي حديقة من حدائق المدينة معروفة بها] . معلوم أن التقديم يدل على الفضل، والاختيار يدل على الأهلية، فهم ما قدموا أبا بكر إلا لفضيلته، ولا اختاروه خليفة إلا لأهليته وكفاءته، وكونه كفئاً لهذه الولاية؛ لذلك أجمعوا عليه، وقد نزه الله الأمة أن تجتمع على ضلالة، وقد ذكر العلماء في كتب الأصول الفقهية أن إجماع الأمة حجة قاطعة، والرافضة يعترفون أن الإجماع حجة، ولكنهم هاهنا خالفوا معتقدهم، فنقول لهم: من الذي خالف في بيعة أبي بكر؟ سموا لنا شخصاً لم يرض بهذه البيعة فيما بعد؟ علي ﵁ -الذي هو الإمام عندكم- قد بايعه، وجاهد معه، وصار مستشاراً له، وصار قريناً له في كل حاله وتدبيراته، يرجع كل منهما إلى قول الآخر، ولم ينقل عنه أنه سخط بيعته ولا أنكرها، فهو من جملة من بايع، وأما سعد بن عبادة الأنصاري فقد كان تهيأ لأجل أن يكون أميراً على الأنصار، ولكن لما تمت البيعة لـ أبي بكر ﵁ قام بعد ذلك وبايع، وبقي كسائر المقتدين بـ أبي بكر، فبقي كآحاد الرعية. مثل هذه الأحاديث دليل على فضيلة أبي بكر، وأن النبي ﷺ كان يحبه ويقدمه، فهذا عمرو بن العاص من أكابر قريش وأهل الفضل فيهم لما عينه النبي ﷺ أميراً على سرية ذات السلاسل، قبل أن يخرج جاء إليه وقال: أي الناس أحب إليك؟ من الناس كلهم، فأخبره بأنه يحب عائشة؛ وذلك لفضيلتها ولفضيلة أبيها، فسأله عن أحب الرجال إليه، فقال: (أبوها) وهذا بلا شك دليل على تقديمه في المحبة، فإذا كان النبي ﷺ يحبه ويقدمه فإن ذلك دليل على فضيلته وأهليته، وبعده ذكر عمر وسمى بعده رجالاً، ولا شك أن محبته ﷺ ما حصلت إلا لكونه أهلاً لأن يكون محبوباً كما ذكر في الأحاديث الأخرى. وفي الحديث الثاني أنه ﷺ قال: (هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بماله ونفسه) هكذا شهد له النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه أول من أسلم من الرجال، هذا هو القول الصحيح. يقول أبو الخطاب في عقيدته المشهورة، وهو عالم من علماء الحنابلة، يقال له: محفوظ بن أحمد الكلوذاني له عقيدة في نظم عقيدة أهل السنة يقول فيها: قالوا فمن بعد النبي خليفة قلت الموحد قبل كل موحد حاميه في يوم العريش ومن له في الغار مسعد يا له من مسعد فشهد بأنه الموحد قبل كل موحد؛ وذلك لأنه ﷺ لما دعاه لم يتلعثم ولم يتوقف، بل بمجرد ما عرض عليه الإسلام بايع ولم ينتظر، ولم يقل: أمهلني، ولا سأنظر في أمري، وكان رجلاً كاملاً من بين الرجال، فلذلك هو أول من أسلم من الرجال، فلما قال الناس: كذبت، قال أبو بكر: صدقت، أنت الصادق؛ فلذلك سمي بالصديق. وفي حديث السقيفة أنه لما سمع باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة جاء ومعه عمر وأبو عبيدة؛ فخطبهم وقال: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) لما طلبوا أن يكون منهم أمير، فقال: لكم الوزارة ولكم الإشارة، أما الإمارة ففي قريش؛ لأن النبي ﷺ نص على ذلك بقوله: (إن هذا الأمر في قريش) يعني: الولاية، فرضوا بذلك، ولما قال: بايعوا أبا عبيدة أو عمر، يقول عمر: إنه لم يقل كلمة تؤلمني إلا هذه الكلمة، ما كنت أحب أن أكون والياً على قوم فيهم أبو بكر، لما هو فيه من الأهلية، فقد قدموه لصحبته، وقدموه لمحبة النبي ﷺ له، وقدموه لقربه منه، ولكونه صهره، وقدموه لكونه صاحبه في السفر، وصاحبه في الغار، وغير ذلك من الفضائل، وقدموه أيضاً لفضائله التي نص عليها الله سبحانه في كتابه، كما في قول الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وكذلك أنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧-٢١] ، وغير ذلك من فضائله الكثيرة، ومن أراد أن يتوسع في ذكر فضائله فليرجع إلى ترجمته وإلى ما كتب عنه العلماء، ومن أهمها وأشهرها كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد، وقد اشتمل على فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم.

стр. 1020

شرح العقيدة الطحاوية [٨٥] عمر بن الخطاب ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﵊ وأبي بكر الصديق، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وفضائله كثيرة، ومناقبه عظيمة، وهذه عقيدة أهل السنة فيه، وقد صح عن علي بن أبي طالب ما هو مطابق لها.
следующие страницы →