Полный текст (1 175 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
فضل عبد الرحمن بن عوف
عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ ، فإن أمه ﷺ من بني زهرة، وعبد الرحمن أسلم قديماً بدعوة أبي بكر، فإن أبا بكر كان على صلة بكثير ممن أسلم، فكلمهم وبين لهم الآيات والمعجزات التي أتى بها النبي ﷺ ، فبادروا إلى الإسلام، وكان اسمه عبد عمرو ثم لما أسلم سمى نفسه: عبد الرحمن، فكان بعض قريش يدعونه: يا عبد عمرو فلا يجيبهم، فإذا دُعي بـ عبد الرحمن أجاب مَن دعاه.
وقد تقدم أنه من الذين جعلهم عمر من أهل الشورى، وأخبر بأن النبي ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فهؤلاء الستة جعل عمر الأمرَ شورى فيهم، وهو من الذين بشرهم النبي ﵊ بالجنة في هذه الأحاديث التي عدَّ فيها عشرة بأنهم من أهل الجنة.
ومن فضله: أنه من ضمن الذين كانوا على جبل أحد لما ارتجف وتحرك، وقال النبي ﷺ : (اسكن! فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد) فهو من الشهداء، والشهيد ليس خاصاً بمن قتل في سبيل الله، فقد قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ، وقد قيل: إن المراد شهداء هذه الأمة، وقد ذكر الله أن كل من آمن بالله ورسوله فإنه من الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] .
ولما هاجر النبي ﷺ آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد: هلمَّ أقاسمك مالي، وأنزل لك عن إحدى زوجتَيَّ، فقال: بارك الله لك في مالك وفي زوجتك.
ثم قال: دلوني على السوق، فدُلَّ على السوق، فصار يتجر، حتى صار ذا مال، وكان من أثرياء الصحابة وأغنيائهم، قدمت عيرٌ له إلى المدينة، والناس في حاجة، فجاء إليه التجار فرغَّبوه بأن يبيعهم، وأعطوه فائدة في المائة -مثلاً- خمسةً أو ستةً؛ ولكن قال: قد أعطيت فيها في المائة ألفاً! فتصدَّق بها وقال: إن الله قد أخبر بأنه يضاعفها أضعافاً كثيرة في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] فتصدق بها كلها، وكان ﵁ إذا أتي بالطعام الشهي بكى حتى يتركه؛ إذا تذكر حالة الصحابة الذين كانوا في جهد جهيد.
وبكل حال فهو من أجلاء الصحابة ﵃، مات سنة اثنين وثلاثين، في السنة التي مات فيها العباس ﵁.
стр. 1052
فضل طلحة بن عبيد الله
طلحة بن عبيد الله من العشرة، ومن المهاجرين، وهو من قريش، يجتمع مع النبي ﷺ في مُرَّة، فهو من بني تيم بن مرة الذين منهم أبو بكر، وكان من الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ففي غزوة أحد كان ممن ثبت مع النبي ﷺ ، وكان يصيب في رميه، فكان إذا جاء أحد من المسلمين ومعه سهام قال النبي ﷺ : (ألقِها وانثرها لـ طلحة) فيأخذها طلحة فيرمي بها المشركين، وكان ملازماً للنبي ﷺ ، فكان إذا أراد النبي ﵇ أن ينظر إليهم ويرفع قال له: لا ترفع رأسك فيصبك شيء، نحري دون نحرك وكان يقيه بيده السهام التي يُرمَى بها النبي ﷺ حتى شُلَّت يده، أصابتها سهام فصار فيها عيب، وذلك بلا شك من حبه للنبي ﷺ .
стр. 1053
فضل الزبير بن العوام
الزبير بن العوام قال فيه النبي ﷺ : (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) ، ولما ندب أصحابه في ليلة من ليالي الخندق فقال: من يذهب فينظر إلى المشركين ما فعلوا، فلم ينتدب إلا الزبير فبعثه وفدَّاه بقوله: فداك أبي وأمي.
والزبير من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين ﵂، وهو أيضاً من المهاجرين الأولين، وله قرابة أخرى بالنبي ﷺ ، فهو ابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وقد كان من المجاهدين الذين بذلوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وكان من الذين ثبتوا مع النبي ﷺ في غزوة أحد، حتى فدَّاه بقوله: (ارمِ فداك أبي وأمي) .
قتل هو وطلحة في سنة ست وثلاثين في وقعة الجمل، لما خرجوا مع أهل الجمل وحصلت الوقعة التي حصلت بينهم وبين علي، فتبرأ علي ممن قتلهما.
وبكل حال فهم مجتهدون وإن حصل منهم هذا الاختلاف؛ لأنهم أرادوا بخروجهم تتبع قتلة عثمان -كما تقدم-، ولا شك أن هؤلاء الستة من أجلاء الصحابة ﵃، وممن شهد لهم ﷺ بالفضل وبالجنة.
стр. 1054
فضل أبي عبيدة بن الجراح
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح من المهاجرين، وقد أسلم قديماً وهاجر، خرج أبوه مع المشركين في بدر، ولما رآه أبوه مع المسلمين حاول أن يقتل ابنه؛ لأنه مسلم، ولما لم يجد بُداً قتل أباه؛ لكونه مع المشركين، ولكون أبيه يريد قتله، ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخرها، فهو من الذين لم يوادوا المشركين ولو كانوا آباءً أو أبناءً أو إخوةً، وهو من الذين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [المجادلة:٢٢] .
وذكر النبي ﷺ أنه أمين فقال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) .
مات ﵁ سنة ثماني عشرة في خلافة عمر، بطاعون عمواس، وقد كان عمر أمَّره على الغزاة بعد موت أبي بكر، عزل خالداً وجعل أبا عبيدة هو القائد؛ لأن أبا عبيدة هو أسبق من خالد بن الوليد، وهو أفضل منه، فقدَّمه وجعله هو الأمير القائد لتلك الجيوش، وحصلت فتوحات عظيمة بقيادة أبي عبيدة.
فهؤلاء هم الخلفاء، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين ساعدوهم، والذين كانوا معهم، فنشهد للجميع بأنهم من أهل الخير، وبأنهم من أهل الجنة كما شهد لهم بذلك نبيهم ﷺ .
стр. 1055
الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي ﵊ بذلك
هناك جماعة آخرون من الصحابة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، ونحن نشهد لمن شهد لهم بذلك، ونترضى عن الجميع كما ﵃ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فالله تعالى أخبرنا أنهم أهل لرضوانه، ويقول النبي ﷺ : (إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) فهذا دليل على أنه غفر لهم ولو عملوا ما عملوا، وإذا صدر منهم ذنب على تقدير أنه ذنب فإنه مغفور لهم بهذا الوعد الكريم من الله تعالى، فكيف -مع ذلك- تتصدى لهم الرافضة وتسبهم وتضللهم أو تزعم أن فضائلهم التي فضلوا بها كانت قبل ردتهم؟ فالرافضة يدَّعون أنهم ارتدوا بعد موت النبي ﷺ حيث منعوا علياً حقه من الولاية، فلما منعوه أصبحوا بذلك مرتدين، هكذا تدعي الرافضة! ومتى منعوه حقه من الولاية، والنبي ﷺ هو الذي أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولم يأمر علياً، وأقر أبا بكر بأن يصلي بالناس، وأبو بكر هو صاحبه في كل الحالات والأوقات؟! فكيف اتفق الصحابة -كما تزعم الرافضة- على أن حرموا علياً من الولاية فأصبحوا بذلك مرتدين؟! كيف يرتدون وقد زكاهم الله بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وسماهم السابقين الأولين، وسماهم أهل البيعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠] ؟! وهكذا غيرهم من بقية الصحابة الذين لهم سابقة وفضل، نعترف بفضلهم، ونؤمن بسابقتهم، وننزلهم منزلتهم، ونعرف لكل منهم حقه وسبقه، ونتبرأ ممن ثلبهم وعابهم وقدح في دينهم وعبادتهم وتسلط عليهم؛ كما تفعله الرافضة الذين نصبوا عداوتهم لأصحاب النبي ﷺ دون غيره، والله ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:١١٣] ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] .
стр. 1056
ضلال الرافضة في بغضهم لأكثر العشرة المبشرين بالجنة
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم لما اشتُهر من فضائلهم ومناقبهم، ومَن أجهلُ ممن يكره التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم علياً ﵁، فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وكانوا ألفاً وأربعمائة، وقد ﵃ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ (كذبت! لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية) ، والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل يتبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ إلا من نفر قليل نحو بضعة عشر نفراً! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يُهْجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨] لم يجب هجر اسم التسعة مطلقاً، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] ، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] ، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١-٢] ، وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان) ، وقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر) يعني: عشر ذي الحجة، والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة اثني عشر إماماً: أولهم: علي بن أبي طالب ﵁، ويدعون أنه وصي النبي ﷺ دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن ﵁، ثم الحسين ﵁، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويغالون في محبتهم ويتجاوزون الحد! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم وتُبْطله وهو ما خرَّجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً.
ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليَّ فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: كلهم من قريش.
وفي لفظ: لا يزال الإسلام عزيزاً باثني عشر خليفة.
وفي لفظ: لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) ، وكان الأمر كما قال النبي ﷺ ، والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال.
وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسداً منغَّصاً، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود! وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزاً في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر] .
قد ذكرنا من فضائل الصحابة سيما العشرة أنهم اجتمعت فيهم الثلاث البشائر: البشارة الأولى: أنه ﷺ قال: (عشرة في الجنة) ، وذَكَرَهم كما تقدم.
البشارة الثانية: أنهم من أهل بدر، وقد قال الله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) .
البشارة الثالثة: أنهم من أهل البيعة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقال النبي ﷺ : (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) .
فهذه البشارات الثلاث كلها داخل فيها هؤلاء العشرة، بل هم أولى بها وأقدم، وغيرهم من الصحابة الذين حضروها لهم فضل ولهم سابقة، فأهل بدر الذين شهدوا وقعة بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، هؤلاء قد قال الله لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) والرافضة تدعي أنهم ارتدوا وكفروا إلا علي ونفر قليل، والذين بايعوا تحت الشجرة هم ألف وأربعمائة وزيادة، بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان، وأخبر الله بأنهم بايعوا ربهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، وفي هذا شرف لهم وشرف للنبي ﷺ ، حتى قال بعض المتأخرين في مدحهم ومدح النبي ﷺ : كيف السبيل إلى تقضي مدح مَن قال الإله له حسبك جاها إن الذين يبايعونك إنما حقاً يقال يبايعون الله فأي مدح أشرف من هذا المدح؟!
стр. 1057
شرح العقيدة الطحاوية [٨٩]
عبد الله بن سبأ اليهودي هو أصل الرافضة والباطنية، وهو أول من أظهر التشيع لعلي ﵁، ثم فشا الغلو في آل البيت من قبل الرافضة، وقد رد عليهم أهل السنة، وبينوا أن الغلو فيهم لا يرضاه أهل البيت أنفسهم.
стр. 1058
نعمة اتباع السنة ومحبة الصحابة
نحمد الله أن جعلنا مسلمين، نحمد الله أن جعلنا سنيين، نحمد الله أن جعلنا من أهل الحق، علينا أن نحمد الله لِمَا نرى من كثرة المنحرفين، ولِمَا نرى من كثرة المعرضين الذين سول لهم الشيطان وأملى لهم، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] ، فنحمد الله الذي لم يجعلنا من المعتزلة، ولم يجعلنا من المنكرين للقدر، ولم يجعلنا من المجبرة، ولم يجعلنا من الرافضة، ولم يجعلنا مبتدعة، بل جعلنا من المتمسكين بالكتاب والسنة، بكتاب الله الذي جعله الله هدىً لمن سار عليه، ونوراً يُهتدى به، ويُحتذى حذوه، وكذا سنة النبي ﷺ التي هي سبيل النجاة، وهي سفينة النجاة، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وما أكثر الغرقى في هذه الأزمنة! ما أكثر الغارقين! تراهم يقولون: نحن أهل نجاة وهم شيعة ورافضة!! أو يقولون: نحن أهل النجاة وهم خوراج وإباضية!! أو يقولون: نحن أهل النجاة وهم مبتدعة بغاة!! أو يقولون: نحن أهل النجاة ويسمون أنفسهم حداثيين أو علمانيين أو ما أشبه ذلك! ومع ذلك يدعون أنهم على الحق والصواب، وما أبعدهم عن الصواب! يرون الحق أبلج، يرون النور المستقيم، والهدى القويم، وهم عنه معرضون! وأكبر مثال: طعن الرافضة في الصحابة ﵃، ما ذنب الصحابة حتى تقدح فيهم الرافضة؟! أيُقدح فيهم لأنهم حفظوا السنة؟! أيُقدح فيهم لأنهم بلَّغوها؟! أيُقدح فيهم لأنهم سبقوا إلى الإسلام؟! أيُقدح فيهم ويُعابون ويكفَّرون لأنهم حفظوا على الأمة دينها؟! أيُقدح فيهم ويُعابون ويكفَّرون لأنهم الذين فتحوا البلاد، ونصروا الله ونصروا رسوله؟! هذه مآثرهم، متى كان للرافضة مثل هذه المآثر حتى يلعنوهم ويسبوهم ويُكفروهم ويتهموهم بأنهم منافقون وبأنهم ضالون وبأنهم مبتدعون وبأنهم حَسَدة خائنون؟! هذه الأوصاف تنطبق على الرافضة أتم الانطباق، وصحابة رسول الله ﷺ منها برآء، نشهد بذلك وندين به.
ومَرَّ بنا أن الرافضة يكرهون كلمة (عشرة) ؛ لأنه ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (عشرة في الجنة) ، فهؤلاء العشرة لما كانوا يكفِّرونهم صار لفظ (العشرة) عندهم ممقوتاً مكروهاً لا يقبلونه ولا يتقبلونه، مع أنهم يستثنون منهم واحداً فقط وهو علي، وأما بقيتهم فإنهم يلعنونهم ويشتمونهم، فيكفرون تسعة من هؤلاء العشرة، والعاشر يوالونه ويتولونه، لماذا كرهتم لفظ العشرة ولم تكرهوا لفظ التسعة؟! أليس ذلك من الخطأ؟! ما ذنب لفظ كلمة (عشرة) ؟! ما ذنبها؟! مع أنها وردت في كلام الله تعالى، وفي كلام الرسول، وفي كلام أهل العلم؟ فقد ورد ذكرها وتكرر، ولم يرد ما يفيد ذمها؛ ولكن في قلوبهم حقد على هؤلاء العشرة ما عدا علياً، وحقد أيضاً على جميع الصحابة إلَّا أفراداً منهم قلة قليلة.
стр. 1059
الكلام على حديث: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً)
في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يزال هذا الأمر ظاهراً حتى يليه اثنا عشر.
ثم قال: كلهم من قريش) هذا الحديث يقول الرافضة: هو حجة لنا على أئمتنا الاثني عشر، وهذا الحديث في كتبكم، رواه مسلم في صحيحه، إذاً: أنتم تروون الأحاديث التي تؤيد مذهبنا، هكذا يقولون! فنقول: هذا الحديث صحيح رواه مسلم وغير مسلم في كتبهم الصحيحة بأسانيد صحيحة؛ ولكن لا ينطبق على أئمتكم الذين تدعون، فهو ينطبق على أئمة لهم ولاية، أئمة لهم إمارة، أئمة وخلفاء لهم أمر ونفوذ وسلطة وأتباع وولاية تامة، يكون من آثارهم الإصلاح العام، ومن آثارهم الاقتداء بهم، ومن آثارهم نفوذ الأوامر، ومن آثارهم تجهيز الجيوش، وغزو البلاد وفتحها، وجمع الأموال لبيت المال، وتصريفها في وجوهها، هل كان أحد أئمتكم هكذا ما عدا علياً وما عدا الحسن ستة أشهر؟! لا، إنما كانت هذه الولاية لأئمة وولاة كلهم من قريش، وقد عد الشارح هؤلاء الأئمة الاثني عشر، فعدَّ الخلفاء الأربعة؛ وذلك لأنهم تمت لهم الولاية، وعدَّ معاوية وابنه؛ لأن معاوية تولى عشرين عاماً، وابنه تولى أربع سنين، وكان لهما ولاية، وكان الغزو في زمانهما مستمراً، وعد عبد الملك بن مروان وأولاده الخلفاء الذين هم أربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، قبله ولدان لـ عبد الملك، وبعده ولدان، فهؤلاء اثنا عشر، وقد كان لغيرهم ولاية ولكنها ناقصة، كـ ابن الزبير وكذلك مروان، فولايتها ناقصة، وكذلك مروان بن محمد الأخير كانت ولايته ناقصة أيضاً؛ لأنها سلبت منه.
إذاً: فما بقي إلا هؤلاء، أما بعدهم في خلافة بني العباس فقد خرجت الفتن، وكثرت البدع، وانتشر الضلال، وقرَّبوا اليونان، وقرَّبوا الترك، ومكَّنوهم من الولاية، وظهر القول بخلق القرآن، والقول بإنكار الصفات، والقول بالقدر، والقول بالإرجاء، وتمكن الرفض في تلك الأيام أي: في خلافة بني العباس.
إذاً: الأئمة الاثنا عشر هم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية، ثم يزيد بن معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، هؤلاء اثنا عشر خليفة.
ونقول: لا شك أن الرافضة يدعون الأئمة الاثنا عشر أئمتهم فنقول: صحيح أن علياً كانت له خلافة، وهو من الخلفاء الراشدين، وأما الحسن فليس له خلافة، وإنما استولى ستة أشهر ثم تنازل لـ معاوية، أما الحسين فلم يتم له ولاية، وإنما وعده أهل العراق بأن يبايعوه ثم لما جاءهم قُتِل، أما ولده الذي هو علي بن الحسين زين العابدين فهو علم من العلماء ولم يكن له ولاية، وهكذا أولاده الذين تسلسلوا منه إلى أن كان آخرهم الحسن بن علي العسكري، وهو آخر السلسلة من ذرية زين العابدين، والحسن العسكري ليس له ولد، لم يخلِّف، ولما كان إماماً عند الرافضة رأوا أنه لا بد أن يكون له ولد، فجعلوا له ولداً؛ ولكن جعلوه مختفياً، فادعوا أن له ولداً اسمه محمد بن الحسن، وأنه مختفٍ، وأنه سيخرج، وادعوا أنه دخل سرداب سامراء، وأنه سوف يخرج، وقد ذكرنا شيئاً من الكلام عن هذا المنتظر عندهم، وعرفنا أن هؤلاء الأئمة الذين تدعي الرافضة ليس لهم ولاية ولا نفوذ ولا سلطة، ما عدا علياً والحسن بضعة أشهر، ومن بعدهم بقوا كأفراد قريش، وكسائر العلماء الذين لهم علم، ومعهم من العلم ما يعملون به أو يدعون إليه، وليسوا وحدهم، بل في زمانهم علماء من قريش ومن غير قريش، وقبلهم وبعدهم، وكانوا يماثلونهم أو يفوقون كثيراً منهم، فما الذي خصص هؤلاء حتى تجعلوهم -أيها الشيعة- أئمتكم دون غيرهم، مع أنه لا مميز لهم ولا شيء يخصصهم؟ فالحاصل أن استدلالهم بهذا الحديث: (لا يزال هذا الأمر ظاهراً حتى يليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) ليس فيه حجة لهم، بل هو حجة عليهم، فليُنتبه لذلك.
стр. 1060
محبة الصحابة وأهل البيت براءة من النفاق
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق) .
تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة ﵃، وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً بماء يُدعى: (خماً) بين مكة والمدينة فقال: (أما بعد: ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.
فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.
ثلاثاً) ، وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ارقبوا محمداً في أهل بيته.
وإنما قال الشيخ ﵀: (فقد برئ من النفاق) لأن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق قصْدُه إبطال دين الإسلام والقدح في الرسول ﷺ ، كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلامَ أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولِس بدين النصرانية، فأظهر التنسُّك، ثم أظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتلِه ﵁، ثم لما قدم علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له؛ ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك علياً فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ، وتقدم أن من فضَّله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري، وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة الخوارج من الحرورية والشيعة.
ولهذا كان الرفض باب الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب عن الباطنية، وكيفية إفسادهم لدين الإسلام قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلماً أن تجعل التشيُّع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لـ علي وقتلهم الحسين، والتبري من تيم وعدي وبني أمية وبني العباس، وأن علياً يعلم الغيب، يفوَّض إليه خلق العالم! وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم! فإذا أنِسْت من بعض الشيعة عند الدعوة إجابةً ورشداً أوقفتَه على مثالب علي وولده ﵃.
انتهى.
ولا شك أنه يتطرق مَن سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم إلى سب الرسول ﷺ ؛ إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء الفاعلين الضالين] .
بعد أن ذكر المصنف الخلفاء العشرة ذكر بقية الصحابة وذكر زوجات النبي ﷺ ، وقد تقدم شيء من فضائل الصحابة جميعاً أو بعضهم كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وكانوا ألفاً وأربعمائة وزيادة ﵃.
وكذلك أيضاً قد أخبر تعالى بأنه رضي عنهم في آية أخرى كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] والآيات كثيرة كما تقدم، ومن الأحاديث قوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه) هذا في الصحابة ﵃، وما ذاك إلا لأنهم فاقوا غيرهم بالصحبة، متى يدركهم غيرهم؟! متى يصل إلى ما وصلوا إليه؟! لقد سبقونا وسبقوا مَن قبلنا بصحبتهم لنبينا ﷺ ، وبقتالهم معه وجهادهم، وبإيثارهم له، وبإنفاقهم أموالهم في سبيل نصرته، وبالأخذ عنه والتعلُّم منه، وبالقيام بعده بالسنة وتبليغها، وبالجهاد في سبيل الله معه وبعده، متى يدركهم غيرهم ﵃؟!
стр. 1061
الكلام على حديث غدير خم
حديث غدير خُم الصحيح منه ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم ﵁: (لما رجع النبي ﷺ من مكة بعد حجة الوداع وأقبل على المدينة نزلوا في أثناء الطريق في موضع يقال له: خُم، وكان هناك غدير فأقاموا عليه يوماً أو بعض يوم، فخطب خطبة وأوصاهم في هذه الخطبة، وذكر لهم قرب أجله، وكأن الله تعالى قد أطلعه على قرب وفاته، فقال: إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي -أي: الملَك الذي يقبض روحي- فأجيب) وذكر أنه تاركٌ فينا ثقلين، وفي رواية صحيحة أنه قال: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وسنتي) ، وهما المرجع الذي يُرجع إليه عند التنازع كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] أي: إلى الكتاب والسنة، هكذا قال: (إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي) ، وفي هذا الحديث قال: (إني تاركٌ فيكم الثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.
فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) يقول الرواي: فقلنا لـ زيد: ومَن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته؛ ولكن أهل بيته هم الذين حُرِموا الزكاة بعده -يعني: بني هاشم الذين لم تحل لهم الزكاة-، فعدَّ منهم آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل أبي طالب وآل عقيل، يعني: بني هاشم، فكأن زيداً يقصد بذلك أن أقاربه يستوصى بهم خيراً، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال للعباس: (والذي نفسي بيده لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ؛ لما ذكر له العباس أن بعض قريش يجفوا بني هاشم، فدل على أن لأقاربه -الذين هم بنو هاشم- ميزة وفضيلة؛ وذلك لشرف القرب من النبي ﷺ ، ولأنهم صفوة صفوة في قوله ﷺ : (إن الله اصطفى من العرب كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) فهو ﷺ خيار من خيار.
стр. 1062
أهل البيت هم بنو هاشم ويدخل فيهم أمهات المؤمنين
هذا الحديث فيه أن أهل البيت هم بنو هاشم، وفيه شهادة زيد بن أرقم أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته، وتسمعون الرافضة دائماً يقولون: نحن نوالي أهل بيت النبي ﷺ ، أتعيبوننا لأننا نحب أهل بيته؟ إنما ذنبنا عندكم أننا أحببنا أهل بيت النبي ﷺ ، وما ذنب من أحب أهل بيت النبي ﷺ ؟! ويدندنون دائماً بأنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ ، فنقول: كذبوا، أهل بيته ﷺ يدخل فيهم نساؤه، وهم يعادون أغلب نسائه أشد العداوة، وأهل بيته يدخل فيهم عمه وبنو عمه آل العباس، وهم يعادون العباسيين وذريتهم، وأهل بيته يدخل فيهم كل أقاربه من بني هاشم حتى ذرية أبي لهب، وإن كان أبو لهب وأبو طالب ماتا كافرين، لكن ذريتهما من بني هاشم من أقارب النبي ﷺ ، ولكن الرافضة تتبرأ منهم، ولا تخص إلا علياً وبعض ذريته، بعضهم وليس كلهم، فمثلاً: ابن الحنفية لا يجعلون له ولاية، وإن كان من ذرية علي، فعندهم أن أهل بيته هم علي وولداه وذريتهما فقط، أين نساؤه؟! ألسن هن في بيوته ﷺ ؟! يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، فهذه البيوت هي بيوت النبي ﷺ ، وهو الذي أنزلهن فيها، والله تعالى يقول: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهل كان له بيوت خاصة ليس فيها أزواجه؟! لم يكن له إلا بيوت أزواجه، إذاً: فبيت النبي ﷺ وبيوته هي التي أنزل فيها نساءه، فنساؤه من أهل بيته، ولا ننكر أن فاطمة من أهل بيته، ولا ننكر أن ابنته زينب امرأة أبي العاص من أهل بيته، فهي ابنته ولها ذرية، ولا ننكر أن رقية وأم كلثوم اللتين تزوجهما عثمان من أهل بيته، فهما بنتاه، ولكن لا تعترف الرافضة إلا بـ فاطمة فقط وأولادها، أليس هذا هو الغلط؟! أليس هذا هو الخطأ؟! نقول بعد ذلك: حق الصحابة وأمهات المؤمنين على جميع المؤمنين الترضي عنهم، ومحبتهم، والاعتراف بحقهم، والاعتراف بفضلهم، ونقول: إن من أحب الصحابة ومن أحب أمهات المؤمنين فهو -كما يقول الشارح:- بريء من النفاق، ومن أبغضهم ففي قلبه نفاق.
стр. 1063
قصة عبد الله بن سبأ اليهودي
ساق الشارح ﵀ قصة ابن السوداء الذي هو عبد الله بن سبأ، فذكر أنه أظهر محبة علي في أول الأمر، وأظهر نصرته، وهو منافق، دخل في الإسلام متستراً لأجل أن يفسد على المسلمين دينهم، بل وليفسد على المسلمين عقولهم، وكان يهودياً، ولما رأى الإسلام انتشر وتمكن غاظه ذلك أشد الغيظ، فعند ذلك فكر في حيلة يفسد بها على المسلمين عبادتهم وديانتهم، فأظهر التنسك، وأظهر التعبد، وأظهر التدين، وأظهر الصلاح، ثم أظهر محبة علي أول الأمر، وأظهر الثأر له، وسعى في الفتنة التي حصل بسببها قتل عثمان ﵁، فهو الذي أثار أولئك الثوار أو كثيراً منهم، وهو الذي نشر مساوئ لـ عثمان وأنه فعل وفعل، فجمع جموعاً من العراق وغيره، وسار مع الذين ساروا إلى أن حاصروا عثمان، وكانت النهاية أن قتل، ولما بويع علي ﵁ أظهر أولاً موالاته، ثم بعد ذلك فكر في أن يفسد على أوليائه دينهم، فقال: إن علياً هو ربكم، إن علياً هو الله، فلماذا لا تعبدونه؟ اعبدوه كما تعبدون الله، وما قصده بذلك إلا أن يفسد عليهم دينهم، فصدقه خلق كثير من السبئية، ولما خرج علي مرةً سجدوا له، وقالوا: أنت إلهنا، أنت ربنا.
تعالى الله! فأنكر عليهم علي وقال: توبوا، أنا ابن امرأة تأكل القديد، أنا مولود وسوف أموت، كيف تجعلوني رباً؟! فقالوا: أنت إلهنا، فماذا فعل بهم؟ أحرقهم، خد لهم أخاديد، وجعل يستتيبهم فلا يقبلون ولا يتوبون، بل تمسكوا بمقالتهم، وقالوا: الآن عرفنا أنك الرب؛ لأنك تعذب بالنار، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، فالآن عرفنا أنك إله، فصبروا على أن يحرقهم، وهو حرق مستمر إن شاء الله من نار الدنيا إلى نار الآخرة، وكان يحرقهم ويقول: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً وقنبر هو غلام له، فصاروا يدعونه وهو يحرقهم ويقذفهم في النار واحداً واحداً، فهؤلاء أول الغلاة، ولا يزال لهم ورثة يدعون أن علياً هو الله، حتى يقول قائلهم: أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين حيدرة أي: علي، فيعني: لا إله إلا علي، تعالى الله! فمن إله الناس قبل علي؟! من إله الناس بعد علي؟! ولكنهم لا يعقلون.
стр. 1064
الباطنية هم ورثة ابن سبأ
توجد فرقة يقال لهم: الباطنية، ويسمون أيضاً: القرامطة، ولهم ثمانية أسماء مذكورة في بعض الكتب، وقد تكلم عليها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس وغيره، وأشهرها الباطنية؛ لأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، يقول العلماء في وصفهم: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، والحقيقة أنهم لا دين لهم، دخلوا في الإسلام تستراً، وحيلتهم أن يفسدوا عقائد الناس، وقد ذكر الشارح مبدأهم، وأنهم قاموا على هذه العقيدة الفاسدة، وعقيدتهم لا نتطرق لها، فهي طويلة يكثر الكلام فيها، وقد ذكر الشارح فعلهم الذي يقتنصون به الناس، ويصطادون به الجهلة، وقد ظهروا في آخر القرن الثالث، ولما تمكنوا رأوا أن أهل العراق وأهل خراسان -إيران وما اتصل بها- قد تمكن فيهم حب أهل البيت، فقالوا: نقتنصهم بهذه الحيلة، فندعوهم إلى حب أهل البيت، وكان ذلك بعد موت الحسن العسكري الذي هو آخر أئمتهم الأحياء، وهو الذي يدعون أن ولده محمد بن الحسن دخل السرداب، فصاروا يقولون: نحن نذر بين يدي المهدي، والمهدي سيخرج قريباً، فبايعونا على ما نحن عليه، وكان من أشهر رؤسائهم وقادتهم رجل يقال له: ابن بيطان وكان من دعاتهم، وكان منزله في المنطقة الشرقية في القطيف، فالقطيف معدن كفر منذ القدم، فاجتمع عليه خلق كثير، وذكروا أنه خرج مرة من العراق متوجهاً إلى القطيف، وفي أثناء الطريق رأى رجلاً يسوق له حمراً، فقال له: إنني أدعو إلى نصرة المهدي، وأدعو إلى أمر، يكون فيه النصر، وكان ذلك الرجل جاهلاً وهو حمدان قرمط، فانخدع بـ ابن بيطان، وقال: أنا أتقبل منك، وأنا الذي أنصرك، وأنا الذي أواليك، فأفش إلي كل ما تريد، فصار حمدان هذا من أنصاره، وكثر أتباعه، وصارت النسبة إليه أكثر، حتى سموا قرامطة نسبة إلى حمدان هذا، فكثروا وتمكنوا، واستولوا على هذه المنطقة الشرقية، حتى أن الخليفة العباسي أرسل إلى أميرهم يخوفه ويقول له: لا تخرج عن الطاعة، فقال: إن عندي أكثر من مائة ألف يفدوني بأنفسهم، لو أمرت أحدهم بقتل نفسه لم يعصني، ثم قال لأحدهم: قم فألق نفسك من هذا الجدار الرفيع، فقام ذلك المسكين وألقى نفسه على أم رأسه، فسقط على البلاط فمات، فقال: عندي مائة ألف كلهم يفدوني كما فداني هذا، وكلهم في طاعتي، أتظن أني أخافك يا خليفة العباسيين؟! وقويت شوكته، وعظم أمره.
ومن أخبار هؤلاء القرامطة الباطنية حادثتهم الشنيعة، التي هي أشنع الأمور، وهي قتلهم الحجاج في الحرم المكي سنة ثلاثمائة وسبعة عشر، كان الحجاج محرمين في يوم التروية يطوفون فلم يشعروا إلا وقد سلّ ذلك القرمطي وأصحابه سيوفهم عليهم، وأخذوا يقتلون الحجاج قتلاً ذريعاً، فجعل الحجاج يلوذون بالكعبة، ويتعلقون بأستارها، وجعل يقتلهم، ولا يبالي بهم، حتى قتل من شاء منهم، وقذفهم في بئر زمزم حتى امتلأت من القتلى، وامتلأت الساحة من القتلى، وكان من أمره أن خلع كسوة البيت، وفرقها بين أصحابه، وأصعد رجلاً ليقلع ميزاب الكعبة، ولكن ذلك الرجل الذي صعد ليقلعها سقط على أم رأسه فمات إلى النار، فخاف الملعون أن تكون هناك عقوبة، ولكنه قلع الحجر الأسود، وخرج هارباً بمن معه ومعه الحجر الأسود، بعد أن فشا القتل في الحجاج، وبقي الحجر عندهم اثنين وعشرين سنة، إلى أن رد في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بعد أن ضعفت شوكتهم وهددوا.
стр. 1065
تأثر الرافضة بابن سبأ اليهودي
ورث الرافضة القرامطة الباطنية، الذين ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، فكيف يوثق بمثل هؤلاء، ويدعى أنهم إخوان لنا، وأنهم من أهل الإسلام، ومن أهل الولاية، وهذه سوابقهم وهذه أحوالهم؟!! وتعرفون أن من مبادئهم التقية، وهي أنهم يلعنون الرافضة ويلعنون الشيعة أمام أهل السنة، ويترضون عن الصحابة في ظاهر أمرهم، ولكنهم كالذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] تعالى الله عن قولهم، كأنهم يستهزئون بالله ويستهزئون بالمسلمين، فهذه مقالة هؤلاء، فكيف يوثق بهم؟! وقد عرفنا أن من أحب الصحابة ﵃ وأحب أمهات المؤمنين ووالاهم وسار على نهجهم فهو إن شاء الله بريء من النفاق؛ وذلك لأن محبتهم تحمل على اتباعهم، وتحمل على العمل بسنتهم وبنقلهم وبما جاء عنهم، أما بغضهم، أو بغض أحد منهم، أو تهمتهم بأنهم خانوا، أو أنهم كذبوا؛ فهذا سوء ظن بالله، وادعاء أنه ما حفظ كتابه، وما حفظ دينه، وتكذيب لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فلينتبه لمثل هذا، وليعلم أن محبة الصحابة ﵃ براءة من النفاق، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال في حق الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ، وإذا كان هذا في حق الأنصار، فالمهاجرون بطريق الأولى، لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق.
ونحن نحب أهل البيت، ونحب علياً ﵁ وزوجته وأولاده، ونبرأ إلى الله ممن كفرهم أو ضللهم، نحبهم ونشهد الله على محبتهم، فبماذا تطعنون علينا يا معشر الرافضة؟! نحن نحبهم أشد من محبتكم لهم، فلو قلتم: إن من أحب علياً لزمه أن يبغض أبا بكر، قلنا: كذبتم، أبو بكر هو صديق علي وحبيبه، وقد سمعنا ما نقل الشارح ﵀ أن علياً ﵁ كان يؤدب من فضله على أبي بكر وعمر، ووالله! لو خرج علي لأدب هؤلاء الرافضة الذين يشتمون أبا بكر وعمر، ويشتمون أجلاء الصحابة، ولنكل بهم، ولكنهم قوم لا يعقلون.
стр. 1066
شرح العقيدة الطحاوية [٩٠]
من عقائد أهل السنة سلامة صدورهم للصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمة، ويعذرون من أخطأ في المسائل الاجتهادية ويعتقدون أن له أجراً على اجتهاده، بخلاف الرافضة المخالفين للعقل والنقل في كل مسالكهم.
стр. 1067
لا يبغض الصحابة إلا منافق
نسأل الله أن يرزقنا تحقيق الإيمان به، والإيمان برسوله ﷺ وما جاء عنه، ونعوذ بالله من الشقاق، ونعوذ بالله من النفاق، ونعوذ بالله من سيئ الأخلاق، ورد عن بعض السلف أنه قال في النفاق: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن.
من علامات الإيمان محبة الصحابة، ومن علامات النفاق بغض الصحابة، ورد أن النبي ﷺ قال في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ، وورد أن علياً ﵁ قال: (عهد إلي النبي ﷺ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) ، ويقال كذلك في بقية الصحابة جميعاً، فحبهم إيمان، وبغضهم نفاق، كما ذكر ذلك الطحاوي ﵀.
ذكر الشارح أن أول من دعا إلى مذهب الرافضة رجل من المنافقين يقال له ابن السوداء عبد الله بن سبأ، وهو يهودي دخل في الإسلام متستراً، وأراد أن يفسد على المسلمين عقيدتهم ودينهم، وقلده -مع الأسف- هؤلاء الرافضة، الذين سموا أنفسهم شيعة، فهم أتباع ذلك المنافق، وسيرته مشهورة، وقد ذكر بعضها الشارح ﵀، وتوسع المؤرخون في ذكر نفاقه وما دعا إليه.
стр. 1068
نفاق الباطنية الذين يظهرون الرفض ويبطنون الكفر
ورث الرافضة والسبئية من هم أشد كفراً ونفاقاً، وهم الباطنية أو القرامطة، فرقة ظهرت في آخر القرن الثالث، وتمكنت في أول القرن الرابع، وظهر لهم فساد كبير، ومقالات شنيعة، يقول فيهم بعض السلف: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض.
ويذكرون أن الذي حملهم على الدخول في الإسلام إخراج الأمة من عقيدتها وإفساد عقيدتها من الإيمان بالله والإيمان بالبعث وما أشبه ذلك، وعقائدهم كفرية، وقد تمكنوا مع الأسف في آخر القرن الثالث، في حدود سنة مائتين وسبعين إلى حدود سنة ثلاثمائة وثلاثين، فتمكنوا من البحرين والأحساء والقطيف والخليج كله، ووصلوا إلى حدود العراق، وأغاروا على العراق مراراً، وقتلوا وسبوا، وفي سنة ثلاثمائة وسبعة عشر قتلوا الحجاج، وقلعوا الحجر الأسود، وبقي عندهم إلى أن ضعف أمرهم في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولا شك أنهم كفرة فجرة، فكيف تمكنوا؟ رأوا أن أهل العراق وأهل إيران وأهل تلك البلاد قد تمكن من قلوبهم حب علي وأهل بيته، فقد كانوا على مذهب الرافضة، فدخلوا عليهم من هذا الجانب، وبدءوا بادعاء أنهم رسل للمهدي المنتظر، الذي هو عند الرافضة محمد بن الحسن العسكري، الذي دخل سرداب سامراء، ولا يزالون ينتظرونه، فهؤلاء القرامطة ادعوا أنهم رسله، وأنهم كمقدمة بين يديه، وأنه سيخرج قريباً، فقالوا: نحن نؤلف من يكون عوناً له، حتى إذا خرج يكون له أعواناً، حتى يقضي على الدولة العباسية، وعلى دولة كذا وكذا، حتى لا يبقى أحد ضده، هذا تفكيرهم، فانخدع بهم خلق كثير، وفعلوا الأفاعيل، وظهر للناس فسقهم وكفرهم، فذكر المؤرخون أنهم حجوا مرة، ولما كانوا في أثناء الطريق على حدود الضريبة التي هي محرم ميقات أهل العراق أو قبل ذلك بقليل؛ اتفقوا بحجاج العراق، فقتلوا الحجاج، وكان أميرهم من بني العباس، ولم يبقوا منهم إلا من شذ، قتلوهم وأخذوا ما معهم من النساء والرواحل، وهرب من سلم منهم، والذين هربوا راجلين مات أغلبهم ظمأً وجهداً، فهذه من أفعال هؤلاء المنافقين الباطنية الذين ورثتهم في القطيف وما حوله، وقد سماهم أهل السنة بالباطنية؛ لأنهم يبطنون الكفر، ويظهرون أنهم يحبون أهل البيت، وأنهم يوالونهم، وأنهم أتباع علي، يقولون لدعاتهم: ادعوا الناس إلى محبة الآل، ادعوهم إلى محبة أهل البيت، ادعوهم إلى محبة آل المصطفى، فإذا أجابوكم فقولوا لهم: لا نقبل منكم حتى تتبرءوا من بني العباس، وحتى تتبرءوا من الخلفاء، وحتى تتبرءوا من الصحابة، وحتى تتبرءوا من بني أمية، ومن كذا ومن كذا، فإذا تبرءوا منهم، واعتقدوا كفرهم وخروجهم من الملة، عند ذلك يقدحون أيضاً في إمامهم الذي يتبعونه وهو علي، ويذكرون لهم عيوبه ومثالبه، وما نقم عليه، فعند ذلك يبقون مذبذبين، لا إلى المؤمنين ولا إلى الشيعة، لا سنيين ولا شيعة، فيكونون منهم، يبطنون ما يبطنون، فغروا الخلق الكثير بهذه الحيلة.
стр. 1069
من مبادئ الرافضة النفاق ويسمونه: التقية
نحلة الشيعة مبناها على النفاق، وقد اشتهر أن الرافضة من مبادئهم النفاق الذي يسمونه التقية، ويقولون: من لا تقية له لا دين له، فتجدهم يتبرءون من الرفض، ويشتمون الرافضة إذا كانوا مع أهل السنة، فيقولون: كيف تزعمون أننا نبغض الصحابة؟! بل نحن نحبهم، نحب أبا بكر، ونحب عمر، والرسول تزوج بنت أبي بكر، وتزوج بنت عمر، ولكن يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ، أليس هذا هو النفاق؟! وقد اشتهر هذا عنهم.
كلمتُ أنا كثيراً من شيعة البحرين فقلت لهم: إنكم تسبون الصحابة، ولكن تبرءوا، وقالوا: لا نقول بذلك، وأخذوا يترضون عن الشيخين، ويقولون: أليس كذا وكذا؟ ولكن عندما جاءهم بعض من أخفى نفسه، وشتم في ظاهر الأمر الشيخين، وافقوه على ذلك، وأخذوا يذكرون مثالب وعيوب الصحابة ﵃، إذاً: هذا هو النفاق، فالذين يحبون الصحابة من قلوبهم بريئون من النفاق، والذين يبغضونهم أو يبغضون أحداً منهم لم يسلموا من النفاق.
стр. 1070
محبة أهل السنة لعلماء السلف
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] ، فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]] .
هذا الكلام يتعلق بأئمة المسلمين، وعلماء الدين، وعباد الأمة، وهداتها، الذين هداهم الله، وسددهم، وأرشدهم، وبصرهم بالحق، الذين ورثوا النبوة، وحملوا العلم، ونقلوه عمن قبلهم، ولقنوه وعلموه لمن بعدهم، قولاً وعملاً.
стр. 1071
فضل أهل القرون الأولى
قد شهد النبي ﷺ لسلف الأمة بالخير وبالفضل فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، وروي عنه أنه قال لأصحابه: (أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم) ، فهذه شهادة من النبي ﷺ لصدر هذه الأمة بالخير، ولا شك أنهم يتفاوتون؛ وذلك لأن فيهم العلماء، وفيهم العباد، ولا شك أن العلماء أفضل من العباد، ففي حديث أبي الدرداء المشهور أن النبي ﷺ قال: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ، ويقول بعضهم: لعالم أشد على الشيطان من ألف عابد، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وعلماء هذه الأمة الذين تحملوا العلم، نشهد أنهم لم يكتموه، وأنهم عملوا به، وأنهم طبقوه، فمن الصحابة علماء أجلاء، عاملون بما قالوا، ومن تلامذتهم علماء مشهود لهم بالخير كالفقهاء السبعة الذين نظمهم بعض العلماء بقوله: إذا قيل من في الدين سبعة أبحر رواياتهم ليست عن العلم خارجة فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة الأول: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي.
الثاني: عروة بن الزبير بن العوام خالته عائشة ﵂.
الثالث: القاسم بن محمد بن أبي بكر عمته عائشة ﵂.
الرابع: سعيد بن المسيب بن حزن العالم المشهور التابعي العابد، وهو من أفاضل قريش.
الخامس: أبو بكر بن الحارث بن هشام من بني مخزوم من قريش.
السادس: سليمان بن يسار مولى مملوك، ولكن منّ الله عليه بالعلم.
السابع: خارجة بن زيد بن ثابت.
هؤلاء من أجلاء علماء التابعين، ولهم من يروي عنهم، اشتهروا بالعلم، ثم اشتهر بعدهم من صغار التابعين من لهم مكانة في العلم ومكانة في الدين، فمن علماء المدينة: محمد بن مسلم الزهري المعروف بـ ابن شهاب.
وربيعة بن عبد الرحمن ويعرف بـ ربيعة الرأي.
ومن علماء مكة: عطاء بن أبي رباح مولى عتيق، ولكن منّ الله تعالى عليه بالعلم.
وكذلك أيضاً في سائر البلاد، ورثهم أيضاً تلامذتهم، مثل: عبد الملك بن جريج وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري والأئمة الأربعة المشهورون، المشهود لهم بالإمامة: في العراق أبو حنيفة، وفي المدينة مالك، وفي بغداد الإمام أحمد، وفي مكة ثم في مصر الإمام الشافعي، وفي مصر أيضاً الإمام الليث بن سعد، وفي الشام الإمام الأوزاعي، وأتباعهم وأشباههم.
فنقول: إن هؤلاء الأئمة في الدين، لا يقدح فيهم إلا من هو ضال مضل، وقد شهد لهم أتباعهم، وكذلك شهدت لهم الأمة، بأنهم علماء هذه الأمة، حملهم الله العلم، ولما تحملوه لم يبدلوا ولم يبتدعوا ولم يغيروا، بل كانوا على السنة، محاربين للبدعة، كلما ظهرت بدعة أنكروها، وأنكروا على أهلها، وشنعوا بهم وحاربوهم وطردوهم، والبدعة في زمانهم مندحرة.
стр. 1072
مذهب السلف في العقيدة واحد
ابن المبارك عالم من علماء خراسان، وكان في الري المعروف الآن في إيران، قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ فقال: بأنه على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه.
ولا شك أن هذا تصريح بعقيدة أهل السنة في زمانه، ورداً على المبتدعة، لأنه ظهر في زمانه كثير من المبتدعين، مثل: بشر بن غياث المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأحمد بن أبي دؤاد المبتدع المشهور، وأشباههم، فخافوا على الأمة أن يقلدوهم، أو يكونوا مثلهم في الضلال؛ فأظهروا السنة، وأظهروا الأحاديث، وأظهروا الاستدلال بها، وبينوا المعتقد السليم الصحيح، حتى لا يبقى لمسلم شبهة يتبع بها هؤلاء المبتدعة، وأكثروا من الرواية للأحاديث التي تتعلق بالعقيدة السلفية السليمة الصحيحة؛ لئلا ينخدع بعض من يموّه له أولئك المبتدعة بأنهم على حق وعلى صواب، فهدى الله بهم من أراد هدايته، وسلمت عقيدتهم وعقيدة أتباعهم، فأقوالهم في العقائد واحدة، فهم متفقون في العقيدة، لم يتنوع مذهبهم فيها، لا يقال: مذهب أحمد في العقيدة كذا، ومذهب أبي حنيفة كذا، ولما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عقيدته الواسطية، وحصل جدال فيها مع أهل زمانه، وكان السلطان حاضراً المناظرة بينهم، فأراد أن يفصل بينهم فقال: إنه على مذهب أحمد، ومذهب أحمد معتبر ومعترف به، فاتركوه على مذهبه، وأنتم على مذهب أئمتكم شافعية أو حنفية أو نحو ذلك، فقال شيخ الإسلام ﵀: معاذ الله أن يكون للإمام أحمد مذهب خاص في باب العقيدة، بل هذه العقيدة مذهب الأئمة كلهم، ثم صنف رسالة أخرى تسمى الفتوى الحموية، وتوسع فيها، وذكر أنها قول الأئمة كلهم، فنقل عن أبي حنيفة من كتابه (الفقه الأكبر) الموجود الآن، ونقل عن الشافعي، ونقل عن مالك، ونقل عن الليث، ونقل عن الثوري، ونقل عن ابن عيينة، ونقل عن ابن أبي ذئب، ونقل عن الأوزاعي، ونقل عن فلان وفلان من أئمة السلف، ثم نقل عن أتباعهم؛ فبين أنهم متفقون في باب العقيدة، لا يوجد بينهم أي اختلاف، أما المذاهب التي تفاوتت، فإنما هي في الفروع الاجتهادية، الفروع التي هي الأعمال.
стр. 1073
ذم التعصب للأئمة في المسائل الاجتهادية
هناك أتباع للأئمة في الفروع اجتهدوا كما اجتهد الشافعي واتبعوه، وهناك أتباع لـ أبي حنيفة اتبعوه، وأتباع لـ مالك اتبعوه، وأتباع للأوزاعي، وأتباع للثوري، وأتباع لليث، وأشباههم، ولكن هذا فيما يتعلق بالفروع التي طريقها الاجتهاد، وإذا قلت: لماذا حصل التفاوت؟ ولماذا حصل التمذهب، حتى أدى ذلك إلى التعصب، فنحن نرى أن الحنفية يتعصبون لمذهبهم، وأن الشافعية كذلك، وكذا الحنابلة والمالكية ونحوهم؟ فلماذا هذا التعصب وهذا التمذهب؟ أليس الدليل واحداً؟ أليس القصد والهدف واحداً؟ نقول: نعم، الهدف واحد، ولكن هذه الأشياء حدثت بسبب الاجتهاد، فهؤلاء اختاروا قولاً، وصار لهم مشايخ، ولهم كتب يرجعون إليها، فصار بعضهم يتمحل في رد الأدلة التي يستدل بها خصومهم، ويتعصب لمذهبه ومذهب إمامه، ونحن ننكر عليهم هذا التعصب، ورد الأحاديث التي هي صريحة في مخالفة مذهبهم، وهذا التعصب حدث للمتأخرين، ولعل بعضكم قرأ في كتاب البيهقي السنن الكبرى التي طبع في ذيلها رد عليها اسمه: الجوهر النقي في الرد على البيهقي، فـ البيهقي ﵀ عالم جليل محدث حافظ، ولكنه شافعي المذهب، فإذا جاء إلى المسألة التي فيها المذهب الشافعي استوفى الأحاديث التي فيها، ولا يزيد على الاستيفاء، وإذا خالفه مذهب أبي حنيفة، فإن صاحب الجوهر النقي يتعصب تعصباً شديداً، ويرد تلك الأحاديث، ونحن نعذر الإمام أبا حنيفة في مخالفته لتلك الأحاديث أو تلك الأدلة، ونقول: إما أنها لم تبلغه، وإما أنها لم تثبت عنده لما بلغته، ولم يعتقد أن النبي ﷺ قالها، وإما أنها بلغته ولكن ثبت عنده ما ينسخها أو ما يخالفها، وإن لم يثبت ذلك عند غيره، فهو معذور، ولكن لا يعذر أتباعه الذين تعصبوا له، وتشددوا في نصرة مذهبه، بل ردوا الأحاديث كما فعله صاحب الجوهر النقي هذا، وهو: ابن التركماني، وهو متأخر في حدود القرن الثامن.
أما المقتصدون منهم فإنهم لا يتعصبون، فمثلاً صاحب نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية حنفي يقال له: الزيلعي، وهو عالم بالحديث منصف، يذكر أحاديثهم التي تدل على مذهب الحنفية، ثم يذكر أحاديث من خالفهم، ولا يتشدد في ردها ولا في تعقبها، وهذا بلا شك من الإنصاف.
وبكل حال نقول: إن الأئمة والعلماء من هذه الأمة هم خير هذه الأمة، وفضلهم ظاهر؛ وذلك لأنهم حفظوا على الأمة دينها، ومن نصحهم للأمة أنهم دونوا ما حفظوه وكتبوه، فكتبوا فقههم وأحكامهم، وكتبوا الأحاديث التي بلغتهم، وبينوا وجهتهم واجتهاداتهم، وذلك كله نصح وشفقة للأمة، فرضي الله عنهم وجزاهم عن هذه الأمة خيراً، فهم أفضل هذه الأمة، فأفضل هذه الأمة علماؤها، وقد ذكر الله عن الأمم السابقة أن علماءهم فيهم المخالفة الشديدة، فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] الرهبان: هم العباد، والأحبار: هم العلماء، ويقول الله تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨] فذمهم بأنهم يكذبون ويتقولون، وذمهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وأنهم كتموا ما أنزل الله، وذمهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] ، أما هذه الأمة فإن علماءها نصحوا لأتباعهم، ونصحوا للأمة، وبينوا لهم طرق الصواب، فجزاهم الله عن الأمة خيراً، ونحن نقول كما أمرنا الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
стр. 1074
الرد على من فضل الأولياء على الأنبياء
قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) .
يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع، فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] إلى أن قال: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] .
قال أبو عثمان النيسابوري: من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة.
وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه، والأمر كما قال؛ فإنه إذا لم يكن متبعاً للأمر الذي جاء به الرسول ﷺ كان يعمل بإرادة نفسه فيكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول: إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون: وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له، لكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتاً للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كـ ابن عربي وأمثاله، وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره قال: النبوة ختمت لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة، وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها، كما قال: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما تقدم التنبيه على ذلك] .
стр. 1075
ضلال الصوفية
هذا الكلام في الرد على غلاة الصوفية من الحلولية والاتحادية، وهم مبتدعة نشأ أولهم في آخر القرون المفضلة، ثم توسعوا وانتشروا وكثروا في أواسط القرون، وصار لهم مذاهب ونحل، ولا يزال لهم أتباع يدعون إلى طرقهم مع الأسف، ويدعون إلى مذاهبهم، فمن مذاهبهم طريقة النقشبندية، وطريقة الشاذلية، وهي طرق مشتهرة، لها دعاة يدعون إليها، وهناك طرق أخرى لها أتباع، وأشهرها طريقة التيجانية، فهؤلاء ماذا نسميهم؟ هم يسمون أنفسهم صوفية، ولهم أتباع، فالذين رئيسهم النقشبندي ينتسبون إليه، وهكذا أتباع الشاذلي، وأتباع عبد القادر الجيلاني، وأتباع الاتحادي ابن عربي، وأشباههم، والكلام عليهم قد استوفاه الأئمة المتقدمون والمتأخرون، ومن أوسع من رأيته تكلم على طريقة الصوفية من المتقدمين ابن الجوزي في كتابه الذي سماه: تلبيس إبليس، فإنه لما تكلم على الصوفية جعل فيهم نحو نصف الكتاب أو قريباً منه، مع أن الكتاب في ذم كل من عنده بدعة أو نحلة في زمانه، ولكن حمل على الصوفية؛ ولعله حمل عليهم لكثرتهم في زمانه، وذكر أشياء كثيرة منتقدة من طرقهم، وفي زماننا كتب فيهم عالم مصري يقال له: عبد الرحمن الوكيل كتابين: الكتاب الأول بعنوان: صوفيات، والكتاب الثاني بعنوان: هذه هي الصوفية، وقد فضح مناهجهم وطرقهم، ولعله شاهد عبادتهم في بلاده، فإنهم منتشرون في مصر والسودان، وفي أكثر البلاد الإفريقية متمكنة طرقهم، ولهم مبادئ، ويمدحون أنفسهم، ويمدحون طريقتهم، ويدعون أنهم الذين حفظوا الإسلام، والذين كافحوا ونافحوا عنه، ويدعون أنهم الذين قاموا به أتم قيام، ودعوا إليه وبلغوه، وأنه هدى الله بهم من أراد هدايته، وأنقذ بهم من أراد به خيراً، هكذا يعبرون، ومع الأسف قد انتشروا في هذه البلاد، فيوجدون بكثرة في الحجاز، ويوجدون في الشرقية، أما في وسط نجد فإنهم قلة والحمد لله، لكن لأولئك من يؤيدهم ويتبعهم وإن لم يكن على نحلتهم.
حدثت الصوفية في أول الأمر في نصف القرن الثاني، وكثروا في القرن الثالث، ولكن الصوفية الذين في القرن الثاني والثالث لم يكن عندهم بدع، وسماهم السلف ﵏ صوفية؛ لأنهم رضوا بالتخشن وبالتقشف وبالزهد، وصاروا يرتدون لباس الصوف الخشنة، أي: اللباس الذي ينتج من صوف الضأن، فكانوا يلبسونه مع خشونته، كل ذلك من باب التقشف والزهد، واشتهر منهم علماء وعبّاد في صدر هذه الأمة، فمنهم: إبراهيم الخواص وهو عابد مشهور متمسك، وإبراهيم بن أدهم، الذي له حكايات وله وقائع مشهورة، والجنيد بن محمد وبشر الحافي ومعروف الكرخي وأشباههم، فهؤلاء كانوا يسمون صوفية في زمانهم، ولكن ليسوا على معتقد الصوفية المتأخرين، بل هم زهاد، واسمهم في الأصل زهاد وعباد، وهم مبتعدون عن شهوات الدنيا وزينتها، مقبلون على العبادة، لا يريدون الدنيا، يقنعون منها باليسير، ذكروا أن بعضهم سمي إبراهيم الخواص؛ لأنه كان يأكل من كسب يده، يتتبع ما يلقيه الناس من الخوص، ثم ينسجه ويبيع منه بقدر ما يقتاته، وبقية وقته للعبادة، فجلّ أوقاتهم عبادة، فهؤلاء ليسوا مذمومين، خلافاً لبعض المتأخرين الذين أدخلوا كل من أطلق عليه صوفي في الذم، منهم علماء معتبرون دخل عليهم شيء من البدع المتأخرة، ولعلكم قرأتم للحارث المحاسبي شيئاً من رسائله التي تتعلق بالتصوف ومحاسبة النفس وما أشبهها، والحارث هذا معه علم ومعه زهد، ولكن دخل عليه بسبب قلة علمه شيء من بدع المتصوفة ونحوهم، فصار معه بدع، ولكن لم تصل بدعته إلى بدعة المتصوفة المتأخرين، فلأجل ذلك أُنكر عليه بعض الأشياء، ولكنها قليلة، وهو على طريقة الصوفية المتقدمين الذين هم أهل الزهد وأهل التقلل.
وفي آخر أو في وسط القرن الثالث ظهر منهم بعض المشتهرين بالعبادة مثل الشبلي وهو عابد من العباد، وله أشعار منقولة في الزهديات، ولكن حفظ عليه بعض الأشياء انتقدت عليه، ومنهم أبو يزيد البسطامي وقد نقل عنه بعض الأشياء التي فيها شيء مما يفهم منه أنه على طريقة أهل الاتحاد، فقد نقل عنه ابن الجوزي في تلبيس إبليس أشياء مستنكرة، منها أنه سُمع يقول: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني ومنها أنه كان مرة يمشي، فالتفت إلى أناس وراءه فقال لهم: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون! ومقالات نحو هذه، وبعضهم حملها على أنه زاد به الوجدان فصار إلى هذه الحال، وتأولها بعضهم بأنه يحكي عن الله، أو ما أشبه ذلك، ولكن أكثر من أنكر عليه رجل في آخر القرن الثالث يسمى الحسين الحلاج فيحكون عنه عجائب، ويحكون عنه وقائع عظيمة بشعة شنيعة وقد قتل في سنة ثلاثمائة وتسعة، ومن قرأ ترجمته في تاريخ ابن كثير يرى عجائب مما نقل عنه، حيل كان يحتال بها ويوهم الناس أنه ولي، وأنه وأنه، وأجمع أهل زمانه على أنه محكوم بكفره، فقتل لذلك، ولو أنكر قتله من أنكره.
فهذا أساس مبدأ الصوفية.
стр. 1076
شرح العقيدة الطحاوية [٩١]
أولياء الله هم كل مؤمن تقي، وقد تغير هذا المفهوم عند كثير من الناس، فجلعوا أولياء الله أناساً مخصوصين، وبنوا على قبورهم القباب، وغلوا فيهم، ومنهم من كان صالحاً، ومنهم من كان على غير سواء السبيل، كابن عربي الصوفي الحلولي الذي كفره كثير من العلماء.
стр. 1077
منزلة أولياء الله
ذهب بعض المبتدعة إلى أن الأولياء أفضل من الأنبياء، سبحانك هذا بهتان عظيم، فالأولياء بم صاروا أولياء؟ ومتى نزل عليهم الوحي؟ الأولياء تولاهم الله وصاروا أولياءه عندما اتبعوا رسله، وأطاعوهم واتبعوا شريعته؛ فبذلك أصبحوا من أوليائه، فتولاهم الله، وتولى توفيقهم وحفظهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] وليهم أي: حافظهم، وهو الرقيب عليهم، وهو الموفق لهم، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] حزب الله هم جنده، وهم عباده الصالحون، وهم الذين يحبهم ويحبونه، الذين شهد لهم بولايته، واتباعهم لأمره، وتقبل شرعه، وعلى هذا فالناس قسمان: ولي لله، وعدو لله، لا يخرج الإنسان من هذين القسمين، ومن تولاه الله حفظه، ومن عادى ربه خلى بينه وبين أعدائه، فصار ولياً للشياطين تستهويه وتستحوذ عليه، وتغريه وتؤزه إلى الشر أزاً ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] فمن لم يكن ولياً لله فهو ولي للشيطان، وعلى هذا المنوال وضع شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه المشهور الذي طبع عدة مرار واسمه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجعل هذا الكتاب في بيان أولياء الله وعلامتهم، وأولياء الشيطان وعلامتهم، وبيّن أن كل من آمن بالله واتقاه حق تقواه، وحقق الإيمان به، فهو ولي لله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] ، والله تعالى ذكر أن أولياءه هم المؤمنون المتقون، وذكر ثوابهم.
فقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، لا تفسر ولاية الله إلا بما فسرها به الله سبحانه، فأولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فكل من حقق الإيمان بالغيب من الإيمان بالله والإيمان بالبعث والإيمان بالحساب والجزاء والإيمان بالقدر خيره وشره والإيمان بالملائكة والكتب والرسل، والإيمان بكل ما أخبر الله تعالى به، وكذلك ظهرت عليه آثار هذا الإيمان من العمل والاستعداد، وكذلك حقق تقوى الله ومخافته ورجاءه، وعمل بطاعته؛ فإنه من أولياء الله، وأما من خالف ذلك ولم يطع أمر الله بل خالفه، وعاند وعصى، وطغى وبغى؛ فإنه من أولياء الشيطان.
إذاً: أولياء الله هم كل المؤمنين، وكل المتقين، فكلهم أولياء لله، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، وقد ذكر النبي ﷺ في الحديث القدسي ولاية الله: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ، فجعل ولي الله تعالى هو الذي يواليه ويتولاه، ومن عاداه فإنه حرب لله، وأي شخص يقوى على محاربة الله؟! وصريح الحديث: أن أولياء الله يتولاهم ربهم وينصرهم ويعزهم ويحميهم على من خالفهم، وعلى من خرج عليهم، وكذلك في القرآن: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥] ، وإذا كان الله ولينا فإننا أولياء الله، وإذا كان الرسول ولينا فنحن نتولاه، وإذا كان المؤمنون أولياء بعضهم من بعض فإنهم أولياء الله، وقد ذكر الله تعالى ولاية المؤمنين بعضهم لبعض فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [التوبة:٧١] يعني: ينصر بعضهم بعضاً، ويؤيد بعضهم بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً، ويتناصرون فيما بينهم؛ وذلك لأنهم جميعاً أولياء الله، فكل منهم يتولى الآخر وينصره، ويحرصون على اكتساب ولاية الله بهذه الأمور التي هي ولاية من تولاه الله، ومحبته ونصرته، والقرب منه، يقول ابن عباس ﵄ في الأثر المشهور: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك.
من أراد أن ينال ولاية الله وأن يكون من أولياء الله؛ فليحب أولياء الله وليوالهم وليقرب منهم، وليعاد أعداء الله وليقاطعهم وليبتعد عنهم، وبذلك ينال العبد ولاية الله له، ويكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 1078
المؤمنون بعضهم أولياء بعض
المؤمنون بعضهم يتولى بعضاً، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] ، هكذا أخبر (بعضهم أولياء بعض) كما أن الكفار يتولى بعضهم بعضاً، كما أخبر الله في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] يعني: لا تتولوا أعداء الله، بل يكفيكم أن تكونوا جميعاً أولياء لله وأولياء لبعضكم، يكفيكم أن يتولاكم الله وأن تكونوا من أولياء الله.
هذه عقيدتنا، ونرجو إن شاء الله أن نتوفى على هذه العقيدة، وهي أن المسلمين والمؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأن من تولى الله فإنه من أوليائنا، وأن جميع من آمن واتقى فهو من أولياء الله.
وقد ذهبت الصوفية إلى أن هناك أولياء خصيصون، فهم يسمون الأولياء، وأما بقية المؤمنين فلا يصلون إلى درجة الولاية، وجعلوا الذي سموه ولياً أرفع رتبة من النبي، وجعلوا النبي أرفع رتبةً من الرسول، وهذا مخالفة لشرع الله، ومر بنا في الشرح البيت الذي يستشهدون به، وهو قولهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فجعلوا النبوة منزلة وسطى، وجعلوا الرسول المنزلة الدنيا، والولي المنزلة الرفيعة، فقالوا: إن الولي هو الأعلى، ويليه النبي، وأنزل منه الرسول، فمقام النبوة جعلوه في الوسط: فويق الرسول ودون الولي هكذا مثلوا، وفضلوا كثيراً ممن سموهم أولياء على جميع الرسل، وفضلوهم على الأنبياء، وقالوا: إن الولي غني عن الشرع، وغني عن القرآن، وغني عن هذا الدين، لماذا؟ لأن له ولاية رقته إلى رتبة عالية، فأصبح يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ينزل على الأنبياء والرسل، وروح هذا الولي عندهم تتصل بالملأ الأعلى، وتطلع على اللوح المحفوظ، وتأخذ منه المعلومات، وتنال منه مرادها، ويستغني الولي عن هذا الشرع، وعن هذا القرآن، وعن هذه العبادات كلها؛ ولأجل ذلك جعلوه في رتبة عالية، وقالوا: إنه يأخذ بسره أو بسريرته، وأنه يحدثه قلبه عن ربه، يقول بعض الأولياء: حدثني قلبي عن ربي، ويسمون ذلك مكاشفة أو باطناً من البواطن التي لا يطلعون عليها غيرهم.
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قد قال الصحابة والأولى تبعوهم في القول والأفعال أو قلت قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والإمام العالي أو قلت قال صحابهم من بعدهم فالكل عندهم كشبه خيال لا يعتبرون بذلك كله، ويقول: قلبي قال لي عن سره عن سر سري عن صفا أحوالي عن حضرتي عن فطرتي عن خلوتي عن شاهدي عن وافدي عن حالي عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي عن سر ذاتي عن صفات فعالي دعوى إذا حققتها ألفيتها ألقاب زور لفقت بمحال نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم نبذ المسافر فضلة الآكال هذه الاصطلاحات التي اتفقوا عليها يدعون أنهم تفوقوا بها على المسلمين وعلى الإسلام وعلى أولياء الله المؤمنين من الصحابة والتابعين ونحوهم، ويستغنون بها في زعمهم عن الشرع الشريف وعن أهله، وقد حدث من آثار ذلك أنهم عظموا هؤلاء الذين ادعوا أنهم أولياء أو ادعوا لهم الولاية، وعبدوهم من دون الله، فما عبدت القبور إلا بالغلو في الصالحين، فإن الشيطان صار يزين لهم أن هذا ولي، وقد سقطت عنه التكاليف، وأنه لا حرج عليه فيما يفعل، وأنه قد ارتقى قلبه إلى ربه، وأنه مستغنٍ عن الشرع وعن أهل الشرع، فـ السيد البدوي المشهور بطنطا في مصر إلى الآن يعتقدون أنه لا يدخل مصر أحد إلا من بعد أن يأذن له السيد البدوي، فهو الذي يتصرف في الكون كله، وعندهم أنه مالك الملك، تعالى الله عن قولهم، فلأجل ذلك لا ينكرون عليه ترك العبادة، سمعت من بعض المشايخ يقول: إنه عرف أنه دخل مرة المسجد، والناس في الصلاة، فبال في المسجد وخرج ولم يصل، فسمعوه وقالوا: مجذوب مجذوب، قلبه عند ربه، وجعلوا يتمسحون به! وأمثاله كثير، ولا يكون عليهم أي حرج، ويسمونهم الأولياء، وأنهم لا حرج عليهم في أي شيء، كما قال الصنعاني ﵀: كقوم عراة في ذرى مصر ما ترى على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب يمشون عراة، ويقولون: لا حرج عليهم، قلوبهم في الملأ الأعلى، يشتغلون عن الشرع! هكذا وصلت الحال بهم إلى أن أسقطوا عنهم -بزعمهم- التكاليف، وإذا رأوا مجنوناً من هؤلاء المجانين الذين رفع القلم عنهم لفقد عقله، أخذوا يتمسحون به، وقالوا: هذا ولي من أولياء الله، وإذا مات أحدهم فشيّع، يزعمون أن الملائكة تحمله، وإذا جعلوه فوق السرير على النعش، يخيل إليهم أنه قد ارتفع عن المناكب، وأنه يطير في الهواء على نعشه، وكل هذا تخييل من الشيطان، وهكذا كل الذين عبدوا من دون الله، فإنهم ما عبدوا إلا بسبب أن الجهلة غلوا فيهم، واعتقدوا فيهم أنهم أولياء لله من دون الناس.
стр. 1079
انتشار قبور الأولياء قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
في هذه الجزيرة قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان هناك قبور يدّعون أنها قبور أولياء من أولياء الله، وقد ذكر منها الشيخ محمد في رسالته كشف الشبهات قبر رجل اسمه شمسان، ولم يذكر تفصيلاً عن حالته، وقبر آخر يسمى يوسف، وآخر يسمى تاجاً، ذكر هؤلاء الثلاثة في كشف الشبهات، وكذلك ذكرهم مولى علي بن مولى عمران في قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي في سب دين الهاشمي محمد إلى أن قال: الشيخ جاهد بعض أهل جهالة يدعون أصحاب القبور الهمد تاجاً وشمساناً وما ضاهاهما من قبة أو تربة أو مشهد جاءهم الشيطان وقال: هذا ولي من أولياء الله، فتبركوا به ما دام حياً، وإذا مات فاعبدوه، فعبدوه من دون الله، وكثرت في ذلك المعبودات من دون الله، وانتشرت في كثير من البلاد، ففي العراق يدعون ولاية عبد القادر الجيلاني، وهو عبد صالح وعالم من العلماء، إلا أنه لم يكن له صنعة في علم الشريعة وفي علم الحديث، ولأجل ذلك لا يميز بين صحيح الحديث وسقيمه، ولعلكم قرأتم شيئاً من كتابه الذي يسمى: (الغنية) ففيه ما يدل على أنه لم يكن متضلعاً من علم السنة، ولكن كان من أهل السلوك، وكان من أهل التصوف، ومن أهل العبادة، فلأجل ذلك غلوا فيه، وادعوا أنه ولي، وصاروا ينقلون عنه أشياء من خوارق العادات ليست صحيحة، بل هي مكذوبة مختلقة لا أصل لها من الصحة، فمن ذلك: ذكروا أن امرأة جاءت إليه وقالت: إن ابني مات وإنه وحيدي، وليس لي ابن غيره، فسلْ الله أن يحييه، فقال: سأفعل، ثم إنه طار في الهواء، حتى أدرك ملك الموت وهو في السماء، وقد قبض أرواحاً وجعلهم في زنبيل، فقال: رد روح هذا الميت، فلما لم يفعل أخذ الزنبيل، وأسقط ما فيه من الأرواح، فحيي كل من قبض في ذلك اليوم من تلك الأرواح التي قبضها ملك الموت! وهذه خرافة من خرافاتهم.
ومن ذلك: ذكروا أنه أتي بكبش مشوي أو مطبوخ، فقال: كلوا ما عليه من اللحم، ولا تأخذوا عظامه، ولا تزيلوها، فلما أكلوا اللحم كله، قال: قم يا كبش بإذن الله، فقام الكبش ينفض شعره وجلده كأنه لم يمت! وهذه أيضاً خرافة لا أصل لها.
وكثر الكذب عليه من مثل هذه الأكاذيب، فادعوا أنه ولي من أولياء الله، وأنه أفضل من الأنبياء، وأن له العصمة، وأنه مستغن عن الشرع، وأنه وأنه.
والذين ترجموا له من أولئك المخرفين جعلوه من غلاة الاتحادية، أو من أهل وحدة الوجود، ولا شك أنه -إن شاء الله- بريء من هذا كله، بل هو عابد من العباد، ولكن لما ظهر على يديه شيء من الكرمات، ادعوا أنه وصل إلى هذه الدرجات، وولدوا عليه هذه الأكاذيب، وكان من نتيجتها أنه صار معظماً يعبد مع الله، يعبد في أفريقيا، ويعبد في بلاد الهند والسند والعراق والشام، وغالباً يذكر عبد القادر على الألسن كثيراً، حتى سمعت رجلاً في يوم عرفة في حجة من الحجات يهتف: يا عبد القادر يا عبد القادر، خذ بيدي، أنجني، اغفر لي، خذ بيدي من الهلاك، فنصحته وقلت: ومن هو عبد القادر؟ فقال: السيد عبد القادر الجيلاني، هذا ولي الله، هذا الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ويملك أزمة الأمور، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويخفض ويرفع، يمجده هذه التمجيدات! فقلت له: ومن رب الناس قبل عبد القادر؟ ولماذا عبد القادر لم يرد عن نفسه الموت؟ وأين الآن عبد القادر حتى نعرف حالته؟ هو مخلوق خلق من ماء مهين، ثم تمتع وعاش في الدنيا كما تمتع غيره، ولكن ذلك الشخص أخذ يوبخني ويقول: أنت تسقط قدر أولياء الله، أنت لا تحب أولياء الله حقاً، أولياء الله فيهم وفيهم، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأشباه ذلك، وعرفت أنه لا حيلة فيه، فأخذت أقول له: أنا كفرت بـ عبد القادر، كفرت بك يا عبد القادر، فابعث لي ما تشاء، فقبض على رأسه واعتقد أني سأموت في لحظتي! هكذا زين لهم الشيطان، ولا شك أن الجهل هو الذي أردى بهم إلى أن اعتقدوا هذا في هذه المعبودات في نظرهم.
وفي اليمن ولي يقال له ابن علون، وهو مشهور أيضاً، وله قصص، وكان من العلماء، لكن بعد موته جاء الشيطان وقال: هذا قبر ابن علون، وهو ولي الله، فالآن يدعى في كل الأماكن، وإن كان في الزمن الأخير بعدما تفقهوا، وجاءتهم كتب أئمة الدعوة، تنبهوا وتركوا ذلك.
وبكل حال فهذه الولاية التي أوقعها الشيطان في قلوب هؤلاء، زين لهم أنها مرتبة راقية رفيعة، انخدع بها هؤلاء حتى عبدوا المخلوقين من دون الله.
ويذكر لنا كثير من الإخوان أنه هناك قبور: في باكستان، وفي أفغانستان، وفي الهند والسند، بل وفي البلاد العربية: كمصر، والعراق، وسوريا، ولبنان، والسودان، واليمن في جنوبه وشماله، ولا حقيقة لتلك الأمور، حتى ذكروا أن بعضهم مات له حمار، فدفنه، ثم جاء إلى أهل البلد وقال: هذا قبر ولي من أولياء الله، فقالوا: من هو؟ فسمى لهم اسماً مستعاراً، فعبد ذلك الحمار، وبني عليه، وجعلوا يأتون إليه، ويتبركون بتربته ويدعونه! ولا شك أن هذا من وسوسة الشيطان حتى أوصلهم إلى هذه الحال، ومع ذلك فإن هناك أشخاصاً ادعيت فيهم الولاية، وأنهم أولياء لله، وهم ليسوا أولياء لله، بل أعداء الله، ومنهم ملاحدة من أهل وحدة الوجود، وكم يذكر في تراجمهم من المبالغة والمديح العظيم والثناء عليهم، كـ ابن عربي الاتحادي الذي هو من أهل الوحدة، وهو على طريقة الحلاج وغيره ممن يقولون: إن وجود الخالق هو وجود المخلوق، وعين الخالق هو عين المخلوق! تعالى الله عن قولهم، ومع ذلك يذكرون في ترجمته الثناء عليه، والمديح له، والمبالغة في أمره وإطرائه، حتى من بعض أهل السنة الحنابلة، مثل ابن العماد الحنبلي صاحب شذرات الذهب، كان في القرن الحادي عشر، لما ذكر ترجمة ابن عربي، أخذ يحكي له من الحكايات التي تدل على أنه مستجاب الدعوة، وأنه مقرب عند الله، وأنه وأنه، ويورد له ذكريات، ويورد له أقاويل وحكم، بينما الذين ترجموه من أهل المعرفة كـ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية بينوا حقيقته، وذكروا أنه اتحادي ملحد، يقول بوحدة الوجود، فلا يغتر بمن مدحه أو أثنى عليه، وهكذا أمثاله كثيرون، فعلى هذا نحذر من هؤلاء الذين يفضلون أولياء الله -كما يقولون- على أنبياء الله، بل نعرف أن نبياً واحد أفضل من جميع من يسمونهم أولياء.
стр. 1080
حقيقة ابن عربي الصوفي
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقال ابن عربي أيضاً في فصوصه: (ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع كلتا اللبنتين فيكمل الحائط؛ والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في الشرع ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه؛ فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول.
قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع) فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسول؟! ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦] ، وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟! وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى من الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى ناقد جيد ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد، ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير.
وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين؛ لإظهارهم الإسلام كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ، ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين؛ لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر لأجرى عليه حكم المرتد، ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁، والله المستعان] .
ابن عربي هذا اتحادي، وقد نقل عن الاتحاديين أقوال بشعة، وأشهرهم ومن أوائلهم: الحسين الحلاج، وقد أشرنا فيما سبق إلى شيء من الكلام حوله، وهو الذي أفتى أهل زمانه بقتله، فقتل بإجماع علماء زمانه من أهل السنة، حيث نقل عنه أقوال تدل على كفره، ثم ورثه أو قال بمقالته ابن عربي، ولكن ابن عربي كان يتستر في نفسه مخافة أن يقتل كما قتل الحلاج، فهو يظهر أنه من أهل السنة، ولكن عندما يتأمل كلامه يتضح أنه من أهل الاتحاد، فلذلك يعامل معاملة المنافقين، وله كتاب مطبوع اسمه: فصوص الحكم، ظاهره أنه حكم وكلام جيد، ولكن عندما يتأملها ذو العقل وذو الفكر يعرف في أثناء كلامه ميله إلى الاتحاد، وإلى القول بوحدة الوجود، وإن لم يكن كلاماً صريحاً، وله قصيدة تائية مشهورة، يظهر منها القول بالوحدة، فمن ذلك قوله فيها يخاطب محبوبته: له صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد عنها أنها هي صلتِ وهذه عقيدة أهل الوحدة، يقولون: إن كل شخص هو عابد ومعبود، يقول: فأنا أصلي لها وهي تصلي لي، وذلك أن في نظره أن الخالق متحد بالمخلوق، تعالى الله عن قولهم! وإذا كان هذا من المنافقين فإن أقوالهم أقوال باطلة، انظروا إلى مقالته التي يقول فيها: إن النبي ﷺ مثّل الأنبياء بالبيت الذي أحكم بناؤه إلا موضع لبنة، يقول ﵇: (فكان الناس يدخلون ويقولون: ما أحسنه، لولا موضع هذه اللبنة، يقول: فأنا تلك اللبنة) يعني: أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وابن العربي يقول: إن هذا البيت بقي فيه موضع لبنتين: لبنة من فضة وهي ظاهر الشرع، ويراد بها محمد، ولبنة من ذهب وهي باطن الأمر وهي خاتم الأولياء، ويرى نفسه أنه هو اللبنة من الذهب، فجعل نفسه لبنة ذهب، وجعل الرسول لبنة فضة، هذا معتقده، ويقول: إن الولاية لها خاتم كما أن النبوة لها خاتم.
فكأنه يقول بلسان الحال أو المقال: أنا خاتم الأولياء ومحمد خاتم الأنبياء، ويجعل نفسه أفضل؛ لأنه يجعل نفسه باطن الأمر وسرّه، والرسول ظاهره وعلنه، هذا هو معتقدهم، وعلى هذا ماذا نقول في ابن عربي وأمثاله كـ ابن سبعين وابن الفارض والحلاج الاتحاديين وأشباههم؟ نقول فيهم: إنهم يتسترون بأنهم مسلمون، ويقولون كلمات فيها شيء من الحِكم، وفيها شيء من العلم المحكم، ويعجب الناس من كلماتهم، وتعجبهم صياغتها، ويعتقدون أنهم أولياء لله، ويعتقدون علمهم وفضلهم وأقدميتهم؛ فلأجل ذلك يصبحون مقدسين محبوبين عند العامة والخاصة، ولم يتفطنوا بأسرارهم، ولم ينظروا في دواخل أمرهم، ولم يتأملوا فيما يستنبط من كلامهم السيئ، ولو تأملوه وتعقلوه لعرفوا أنهم منافقون، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، وهذا هو شأن المنافقين، فإن المنافقين يظهرون أنهم مسلمون كما قال الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ، وهؤلاء إذا خلا بعضهم إلى بعض فإنهم يبدون لأوليائهم ما كان لديهم من العلوم، ولكن إذا لقوا عامة الناس أخذوا يمدحون الإسلام، وأخذوا يمدحون أنفسهم بالاتباع ونحو ذلك، إذاً: فهم منافقون.
المنافقون في العهد النبوي لما أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، ولم يطلع الرسول ولم يطلع المسلمون على شيء من أسرارهم، عاملوهم معاملة المسلمين، فكانوا يأخذون منهم الصدقات والزكوات ونحوها مع أنهم كفار، وكانوا يصلون على من مات منهم إذا لم يظهر لهم نفاقه، ولم يقاتلوهم، حتى قال النبي ﷺ : (أخشى أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه!) ، وكانوا أيضاً يغزون مع المسلمين، وإن لم يكونوا يريدون بذلك الأجر، بل كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة:٤٧] ، وفي قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١] ، وسماهم الله المرجفين فقال: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب:٦٠] ، ومع هذه كله لم يقتلهم، بل أجرى أمرهم على الظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وقبل كلامهم لما حلفوا، وأخبر الله أن حلفهم كذب في قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة:٩٦] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة:٦٢] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة:٩٥] ، ومع ذلك لم يقاتلوهم بناءً على ما ظهر، فهكذا يقال في هؤلاء المنافقين من أهل الاتحاد، الذين يدعون أن الخالق عين المخلوق، تعالى الله عن قولهم.
لا شك أن لهم أقوالاً بشعة، لا يجرؤ أحدنا أن يحكي أقوالهم، يقول بعض العلماء: إنا لنستطيع أن نحكي أقوال اليهود والنصارى ولا نتجرأ أن نحكي أقوال هؤلاء؛ لبشاعتها، وقد رد عليهم العلماء.
стр. 1081
ظهور مذهب أهل وحدة الوجود
أهل وحدة الوجود في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية تمكنوا وظهروا وكثروا، وكثر أتباعهم وأعوانهم، فلا جرم رد عليهم بعدد من رسائله، فكتب رسائل في الرد على أهل وحدة الوجود، لما سئل عن أحوالهم، ولما رفع إليه كثير من أشعارهم في ذكر مقالاتهم التي تبين ما هم عليه من العقائد: سواء كان نظماً صريحاً، أو نظماً خفياً، وكان من آثار رده عليهم أن حذر الناس منهم، ووقعت بينه وبينهم مناظرات في ملطة، وفي دمشق، وظهر عليهم وغلبهم، حتى أنهم مرةً جاءوا ليناظروه، وقالوا: نحن أولياء الله، ومن علامة ولايتنا: أننا لو دخلنا في هذه النار التي تشتعل لم تحرقنا، فجاء إليهم شيخ الإسلام وأخذ يناظرهم، ويحتج عليهم بالأدلة، ويقول: أنا أدخل وإياكم في هذه النار، وننظر أينا يحترق، ولكن اغسلوا جلودكم بالصابون وبالسدر وبالمزيل الذي يزيل ما فيها، وكان قد عرف أنهم يطلون جلودهم بأنواع من أدهان بعض الدواب التي لا تحرقها النار، فإذا دخلوا في النار لم تحترق أجسادهم لذلك الدهن الذي عليها، فلما قال لهم ذلك امتنعوا، وظهر بذلك دجلهم وكذبهم.
وعلى كل حال كتب فيهم عدة رسائل، وحذر منهم العلماء بعده وقبله، وبهذا يعرف أن هذا المذهب هو كرب الأولياء، وأن قول الاتحاديين: الأولياء أفضل من الأنبياء قول باطل.
هناك من أولياء الله من خصهم الله تعالى بأنواع من الكرامات، ولا ننكر أن من خيار عباد الله، ومن الأتقياء الأنقياء من أجرى الله على أيديهم كرامات وخوارق عادات، تدل على قربهم وعلى أفضليتهم، وعلى أنهم مستجابة دعوتهم، وقد ألفت كتب في كرامات الأولياء، سواء في تراجم بعضهم أو في نفس الوقائع التي تقع، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جانباً كبيراً منها في كتابه الذي ذكرنا: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فذكر كرامات كثيرة لبعض الصالحين، من أراد معرفتها قرأها، وسيجد فيها أن الله تعالى تفضل عليهم واستجاب دعوتهم، وأعطاهم طلبتهم، والشيخ ابن رجب ﵀ له كتب كثيرة تتعلق بالرقائق وبالرغائب، مثل: استنشاق نسيم الأنس، وكلامه على الشهادة في شرح العروة الوثقى، وكذلك كتابه الكبير الذي هو جامع العلوم والحكم، وقد تعرض لذكر الأولياء والصالحين، وذكر أشياء من كرامتهم التي تجري على أيديهم، والتي تدل على أنهم من المتقبلين، ولما تكلم على حديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) إلى قوله: (وما ترددت عن شيء ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) ذكر وقائع تدل على أن بعض أولياء الله وبعض عباد الله الصالحين يكون موتهم بسهولة، بحيث لا يشعرون أو لا يحسون بالموت؛ وذلك تسهيلاً عليهم، وأشباه ذلك.
وكذلك أيضاً أبو نعيم ألف كتابه: حلية الأولياء، وهو مطبوع في أربعة مجلدات كبيرة، وهو ثمانية أجزاء، ذكر فيه الأولياء، ولكنه توسع في تراجم العلماء ونحوهم، ويذكر بسنده بعض الوقائع وإن كانت ضعيفة لم تثبت، وبهذا ونحوه يعرف أن أولياء الله تعالى هم الصالحون من عباده، كما أن أولياء الشيطان هم الأشقياء الذين خرجوا عن طاعة الله، وابتلوا بطاعة الشيطان.
стр. 1082
شرح العقيدة الطحاوية [٩٢]
كرامات الأولياء حق، وهي من دلائل نبوة النبي ﵊، لكن يجب التفريق بين الكرامات والحيل الشيطانية التي يقوم بها بعض المشعوذين.
стр. 1083
التصديق بكرامات أولياء الرحمن
من عقيدة أهل السنة: التفاضل الذي ذكره الله تعالى بين العباد، فأفضل الخلق هم رسل الله، وكذا ملائكته المقربون، وكذا عباده الصالحون.
ومن عقيدة أهل السنة: أنه لا يكون أحد أفضل من الرسل والملائكة من بقية البشر، وخالفت في ذلك الصوفية، فقدموا الأولياء على الأنبياء، ففضلوا الولي على النبي، ومعلوم أن الولي بشر من جنس بني آدم، وأنه لم يخرج عن البشرية، ولم يخرج عن كونه آدمياً، وكذلك أيضاً لم يصل إلى رتبة الأنبياء، فلم ينزل عليه الوحي، لا وحي إلهام، ولا وحي بواسطة ملك، وإن كان قد يجري الله على يديه شيئاً من الكرامات: إما لفضله، وإما لحاجته، وإما لإقناع خصم أو نحو ذلك.
وأولياء الله تعالى هم عباده الصالحون المؤمنون المتقون، فهؤلاء كلهم أولياء الله؛ لقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، فكل المؤمنين المتقين أولياء لله، ولكنهم يتفاوتون في الإيمان، ويتفاوتون في التقوى، وبعضهم أقوى إيماناً من بعض، وأقوى تقى من بعض، فيكون له ميزة وفضيلة على غيره، فيحصل على الرفعة والقرب، وتحصل له أيضاً كرامات يجريها الله على يديه.
شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتابه المشهور: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ وذلك لأنه كثر في زمانه الذين يفضلون الأولياء، ويجعلون لهم صفات يتحلون بها، وكل من جرت على يديه كرامة اعتقدوه ولياً، وقد ذكر ﵀ في هذا الكتاب أنواعاً من الكرامات التي جرت على أيدي بعض الصالحين، ومن تلك الكرامات وخوارق العادات: أن فلاناً -وسماه- كان قد أصيب بالفالج، الذي هو موت وعيب أحد جانبيه، سأل ربه أن يطلق أعضاءه وقت الطهارة والصلاة فاستجاب الله دعاءه، فكان كلما دخل وقت الصلاة قام كأنه أنشط الناس، وتوضأ وصلى، فإذا انتهى من الصلاة رجعت أعضاؤه إلى خدرها وإلى موتها بحيث لا تتحرك! وهكذا قصة الذي كان غازياً، وكان راكباً على حمار، فمات حماره، فسأل ربه أن يحييه له حتى لا يقبل منة أحد، فأحياه الله له، فركبه وحمل عليه متاعه، ولما وصل إلى أهله وأنزل متاعه عنه، قال: يا بني! خذ ما على الحمار فإنه عارية، فبمجرد ما أخذ ما عليه مات الحمار! وكان إحياؤه له كرامة له.
وأما الذين استجيبت أدعيتهم، فأكثر وأكثر: منها: أن سعيد بن جبير كان عنده ديك يوقظه للصلاة، فذات ليلة ما صاح الديك، فلما أصبح دعا عليه وقال: ما له قطع الله صوته، فلم يصح الديك بعدها بقية حياته، فقالت أمه: يا بني! لا تدع على أحد فتصيبه دعوتك! فهذه دعوة رجل صالح.
ووقعت قصص كثيرة من بعدهم، ومن قرأ الكتب التي كتبت في تراجم عباد الله الصالحين وقصصهم يجد منها عجائب، مثل كتب ابن رجب ﵀، كشرح الأربعين الذي يسمى: جامع العلوم والحكم، فإنه يذكر فيه عجائب من جنس هذا، منها قصة ذلك الرجل الذي ذهب ليشتري لأهله من بلاد بعيدة قمحاً، فلما لم يكن عنده ثمن، ولم يجد من يقرضه، ولا من يبيعه بدين رجع وليس معه شيء، فلما أقبل على أهله، مر بكثيب رمل، فقال: لماذا لا آخذ من هذا الرمل في أكياسي حتى لا يقال: رجع خائباً، فلما أنزل تلك الأكياس التي فيها ذلك الرمل، جاءت امرأته وفتحت أحدها، ووجدته قمحاً طيباً أحسن ما يكون، فطحنت منه وخبزت، فسألها: ما هذا الخبز الذي أجد رائحته؟ فقالت: من البر الذي أتيت به، فحمد ربه أنه لم يخيب سعيه، وكان ذلك البر غاية في الجودة، بحيث إنهم إذا بذروا منه تخرج الزرعة من أصلها إلى فرعها كلها سنابل من أحسن ما يكون، استجابة لدعوة ذلك الرجل الصالح! وذكر لنا بعض الإخوان: أن بلاداً فيها بعض الرافضة وبعض السنة، فكان الرافضة إذا جاع الطفل يقولون له: ادع علياً حتى يعطيك طعاماً، فإذا دعا علياً قربوا له تمراً وخبزاً، وقالوا: هذا جاءك به علي، فأهل السنة قالوا: نعود أبناءنا على أن يدعو ربهم، فإذا جاع الصبي قالوا: ادع ربك يا ولدي حتى يعطيك طعاماً، فإذا دعا ربه، قالوا له: ائت ذلك المكان أو خذ الطعام من تحت ذلك الطبق تجد فيه طعاماً من ربك، فيذهب إليه ويجده، فذات يوم غفلوا عنه، فجاء الطفل ولم يعدوا له طعاماً، وكان قد اعتاد الدعاء، فاستقبل القبلة وقال: يا رب! هيئ لي طعاماً آكله في هذا الوقت، فذهب فكشف الطبق وإذا فيه خبز من أحسن الخبز، فأكله حتى شبع، فجاء أهله وقد أسفوا على أنهم لم يجعلوا له طعاماً، فقالوا: من أتاك بالطعام؟! قال: دعوت ربي فجاءني بطعام كما كنت أدعوه، فهذه كرامة وآية من آيات الله.
ولا شك أن أمثال ذلك كثير، يجريه الله تعالى على أيدي الصالحين من عباده.
стр. 1084
الفرق بين الكرامات والحيل الشيطانية
ذكر شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب: أن أولياء الشيطان يجري الشيطان على أيديهم مخارق يموهون بها على الناس، ويوهمونهم أنها كرامة، وهي حيل شيطانية، وسماها ﵀ بالأحوال الشيطانية، وذكر أمثلة من ذلك، وربما تحفظون من قصص السحرة وأولياء الشيطان الشيء الكثير، فبعضهم تحمله الشياطين وتقطع به مسافات طويلة، ومنها أن الشياطين أو مردة الجن يتمثلون لأوليائهم بصور وبأشكال مختلفة، وأنهم قد يقربون لهم الأشياء البعيدة، ولا شك أن تلك الأحوال الشيطانية إنما هي من وحي الشيطان.
ومن ذلك الأعمال التي تسمعونها عن السحرة، وأنهم يفرقون بين المجتمعين، ويجمعون بين المتعاديين، وأنهم يوقعون الوحشة والبغضاء، وأنهم ربما قلبوا هذا حيواناً، وهذا إنساناً، وما أشبه ذلك؛ فهذه أحوال شيطانية، ولا نقول: إنها كرامات، ولا أنها خوارق عادات، ولكنها من وحي الشيطان أو من عمله، فإن الشيطان يتلبس بتلك الأرواح، فيقلب الروح ويغيّر هيئتها إلى حيوان أو إلى جماد، أو إلى ما أشبه ذلك، فتكون هذه المخارق تجري على أيدي أعداء الله الذين هم عبدة الشياطين.
إذاً: فرق بين الأحوال الشيطانية التي تجري على أيدي أولياء الشيطان، وبين الكرامات وخوارق العادات التي تجري على أيدي أولياء الرحمن، والفرق بينهما: أن هذه خوارق وكرامات يجريها الله على يدي هذا العبد الذي هو من عباد الله الصالحين، والذي ظاهره من أحسن الظواهر: عمله عمل حسن، ودعاؤه مستجاب، وأكله حلال طيب، ورزقه وكسبه من أحسن الكسب وأبعده عن الخبيث، مقيم لعباداته، محافظ على صلواته وزكواته، مبتعد عن المشتبهات وعن المحرمات، متمسك بالشريعة، مؤمن بالله إيماناً قوياً ظاهراً وباطناً، مطبق لشريعة الله، تالٍ لكتابه، متبع للسنة، بخلاف أولياء الشيطان، فإنهم وإن تظاهر بعضهم بالإيمان والإسلام، ولكن باطنهم يعرفه المتبصرون: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ، فالمتبصر يعلم خبث طواياهم، ويعلم خبث أفعالهم.
وإلى الآن نجد في هذه البلاد كثرة السحرة الذين يعملون هذه الشعوذة وهذا السحر، بحيث إنهم يزوِّرون، ويقلبون أمام الأعين الحقائق حتى يخيل إلى من ينظر إليهم أن هذا شيء وهو ليس بشيء، أو ما أشبه ذلك، وهذا فعلهم قديماً، ولكنهم كثروا في هذه البلاد في هذه الأزمنة بسبب توافد الأعداء الكفرة أو نحوهم، فشاع هذا السحر وكثر، وهو في الحقيقة عمل شيطاني، ويشتكي الكثير من الناس مما يجدون في صدورهم من الوحشة من أنفسهم وأهليهم، وكذلك يشتكون من تسلط الجن عليهم، فيضربون الأبواب عليهم، ويحرقون شيئاً من الأمتعة وهم لا يرون من يحرقها، ورفع الأصوات، وضرب الأبواب والنوافذ ونحوها، ولا يدرون من يفعل ذلك، وما هو إلا الجن أو الشياطين الذين سلطهم أولئك السحرة عليهم، وكذلك تلبس الجن بأناس من الصالحين بواسطة ذلك الكاهن أو ذلك الساحر الذي سخر بسطوته عدداً من الجن، بحيث إنه ينفذ هذا لفلان وهذا لفلان، فهؤلاء أولياء الشيطان، وتشاهدون أو تسمعون أن هناك عباداً لله صالحون مصلحون، نياتهم حسنة، وأعمالهم صالحة، حفظة لكتاب الله، عاملون بشريعة الله، رزقهم الله قوة الإيمان وصفاء القلوب، وكان من عملهم أن كشف الله لهم عن هؤلاء السحرة وأعمالهم، فصاروا يعرفون أن هذا الشخص ساحر، وهذا كاهن، وهذا قد عمل كذا وكذا، ويعالجون المسحورين والمصابين بهذه الأمراض الشيطانية ونحوها بالقراءة وما أشبهها.
ذكر شيخ توفي قريباً ﵀ أن أخاً له أو عماً له كان من حفظة القرآن، ومن العاملين به، ومن المطبقين للشريعة، ومن الذين نبت لحمهم على طعام طيب، ولم يتعاطوا شيئاً من المشتبهات؛ كان إذا قرأ على المريض مرة أو مرتين شفي بإذن الله، وكان إذا أتي بكأس ليقرأ فيه نفث فيه نفثتين أو ثلاث نفثات؛ امتلأ ذلك الكأس ولو لم يكن فيه إلا قليل من الماء! ثم إذا شربه ذلك المريض شفي بإذن الله، وهذا من آثار الإخلاص وقوة الإيمان، وذُكر لنا أمثال هذا كثيرون، وهؤلاء نقول: إنهم من أولياء الله الصالحين، الذين نحسبهم -والله حسيبهم- عملوا بالشريعة، فأجرى الله على أيديهم هذا الشفاء، وهذا الأثر الطيب، وبضدهم الكهنة والسحرة الذين تجري على أيديهم تلك الشعوذة وتلك الأحوال الشيطانية، فهولاء أولياء الشيطان، وأولئك أولياء الرحمن.
стр. 1085
الفرق بين الكرامة والمعجزة
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم.
فالمعجزة في اللغة: تعم كل خارق للعادة، وكذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقنين، ولكن كثيراً من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة.
فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] ، وكذلك قال نوح ﵊، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى الأرض، وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرءا من ذلك؛ وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف:١٨٨] ، وتارة بالتأثير كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] ، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] ، فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، فيعلم ما علمه الله إياه، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة أغلب الناس، فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع.
ثم الخارق إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها ديناً وشرعاً، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكراً، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سبباً للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها بلعام بن باعورا لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غلبة حال، أو عجز أو ضرورة، فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح؛ فإن كان المباح الذي فيه منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها.
قال أبو علي الجوزجاني: كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقيناً؛ فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحاً، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسداً، فالأحوال يكون تأثيرها محبوباً لله تعالى تارة، ومكروهاً لله أخرى، وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وأن الله تعالى لم يكرم عبداً بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ، وأما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء، فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٥-١٧]] .
سمعنا أن الكرامة هي أمر خارق للعادة، مستغرب عجيب صدوره، وأنه إذا جرى على أيدي الأنبياء سمي معجزة، وقد ذكر العلماء معجزات للنبي ﷺ : منها: أن الجذع حنّ له لما ترك الخطبة عليه، وهو جماد.
ومنها: أنه الحصيات سبحن بيده وهن جماد.
ومنها: أن حجراً كان يسلم عليه إذا مر به، وهو حجر يعرفه.
ومنها: أن الماء القليل يزيد إذا غمس فيه يده حتى يشرب منه الخلق الكثير، ويملئوا منه قربهم، ويتوضئوا منه.
ومنها: تكثير الطعام خبزاً أو لحماً، كما ورد ذلك في أدلة كثيرة.
فهذه معجزات، لا يقدر البشر على مثلها، ويعلمون أن الله أجراها على يديه، ليعلم أنه رسول من الله صادق.
стр. 1086
من كرامات الصحابة
الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين من عباده وقع كثير منها لبعض الصحابة، كالنصر والتأييد لهم في الوقائع التي يقلّ فيها عددهم، ويكثر عدد عدوهم، فإذا دعوا ربهم وسألوه استجاب لهم، ونصرهم وخذل عدوهم، وقد ذكروا من ذلك وقائع: منها: أن عمر كان يخطب، فبينما هو يخطب جرى على لسانه: يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! وكان سارية أميراً لجيش يقاتل في بلاد الشام، وكان في ذلك الوقت قد حمي القتال، وسمع الصوت من بعيد ولا يدري أحد ما مصدره، فقال لأصحابه: لوذوا بالجبل، واجعلوه خلف ظهوركم حتى تغلبوا عدوكم، فانتصروا بإذن الله.
وذكروا: أن رجلاً جاء إليه، فقال: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، فقال: من أي قبيلة؟ فقال: من بني ضرام من الحرقة، فقال: ما أظن أهلك إلا قد احترقوا، فوجد الأمر كذلك، فهو سمع أن اسمه يدور حول هذه الأمور: حرارة وشهب وجمر ونحو ذلك.
ولما قتل عثمان ﵁ كان أول قطرة منها وقعت على المصحف على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] ، فقال الصحابة: لا بد أن ينتقم الله من هؤلاء، وأن ينتصر الذين يحمون له، واستنبط ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] أن معاوية ومن معه سينتصرون؛ لأنهم يقاتلون لأجل قتل مظلوم وهو عثمان، فصار ذلك سبباً لانتصارهم، وأمروا ألا يسرفوا في القتل.
ومن الكرامات ما جرى على يدي بعض الصحابة في عهد النبي ﷺ ، فـ أسيد بن حضير وعباد بن بشر صحابيان من الأنصار، خرجا مرة إلى النبي ﷺ في ليلة مظلمة شديدة الظلمة، فأضاء لهما طرف سوط أحدهما نوراً يشع أمامهما في ذلك الظلام وفي تلك الطرق الضيقة، حتى إذا افترقا وذهب كل منهما إلى داره، افترق النور بينهما مع هذا شعبة، ومع هذا شعبة، إلى أن دخل كل منهما على أهل بيته، وذلك كرامة لهما.
وكان أسيد بن حضير مرة يقرأ في سورة الكهف، فلم يشعر إلا وسرج أمثال المصابيح قد نزلت عليه، وكان فرسه مربوطاً، فلما أحس بتلك الأنوار التي نزلت من السماء حاس الفرس وتحرك، فأسرع بالصلاة، وكان ابنه قريباً من الفرس فخشي عليه، فلما انصرف من الصلاة ورفع رأسه وإذا تلك المصابيح قد ارتفعت، فقال له النبي ﷺ : (اقرأ يا ابن حضير فتلك الملائكة نزلت لقراءتك) .
стр. 1087
الكرامات لا تدل على الأفضلية
ذكر العلماء أن الكرامات للتابعين أكثر منها في الصحابة، وذكروا أمثلة كثيرة وجدت في عهد كثير من التابعين ومن بعدهم، ولا شك أنها دالة على صلاحهم أو حاجتهم، ومع ذلك فالكرامة لا تدل على أفضيلة ذلك الشخص الذي جرت على يديه، فإذا قلنا -مثلاً-: لماذا لم تجر على يدي أبي بكر مثل ما جرى على يد عمر وعثمان وعلي ونحوهم؟ نقول: ليست الكرامات دليلاً على الأفضلية، وإنما هي إما لحاجة الذي جرت على يديه، وإما لمناسبة، وإما لقطع حجة خصم أو نحو ذلك؛ ولأجل ذلك لا نقول: إن الصحابة مفضولون حيث إن الكرامات فيهم قليلة، وهي في التابعين كثيرة.
وعلى كل حال فالكرامات هي: الأمور التي تجري على أيدي بعض الأولياء من عباد الله الصالحين المؤمنين خارقة للعادة كالأمثلة التي ذكرنا قبل قليل، وهذه الكرامات لا شك أنها دليل على صلاحهم وحسن استقامتهم وديانتهم، ومع ذلك يستدل بها كثير من العلماء -كـ ابن كثير ﵀ في التاريخ- على أنها معجزات للنبي ﷺ ؛ وذلك لأن هؤلاء ما حصلت لهم هذه الكرامات إلا باتباعهم لهذا النبي الكريم، فلما كانوا متبعين له سائرين على نهجه وطريقته حصلت لهم هذه الكرامات.
ذكروا عن أبي مسلم الخولاني أنه غضب عليه الأسود العنسي، فأوقدوا له ناراً وألقوه فيها، وصارت عليه برداً وسلاماً، وخرج ولم يحترق، فلما وفد إلى عمر ﵁ قال: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله، وأمر الصحابة أن يسلموا عليه كلهم، وأن يهنئوه.
يعني: الصحابة الذين كانوا عند عمر.
وكان العلاء بن الحضرمي قائداً لجيش في ساحل هذا الخليج الفارسي أو العربي، فحال بينهم وبين عدوهم البحر، فأرادوا أن يتبعوهم فلم يجدوا بُدَّاً من أن يخوضوا بخيولهم، فنزلوا في البحر وهم على خيولهم، ولم يفقدوا متاعاً أبداً، ولم يفقدوا شيئاً، وجعلت الخيل تسبح على البحر كما تسبح السفن، فلما رآهم الفرس قالوا: ما هؤلاء إلى شياطين! فهربوا، وأتى المسلمون إلى مكان العدو وانتصروا عليهم، ولم يفقد أحد منهم شيئاً من متاعه، وعدوا ذلك من كرامات ابن الحضرمي ﵀ ورضي عنه.
وهذه الكرامات من الله تعالى، وهو الموصوف بالعلم، يعلم حال عبده هذا، ويعلم حاجته، ويعلم إيمانه وطمأنينة قلبه، وهي من قدرة الله، فالله تعالى على كل شيء قدير، فهو الذي قدر هذا الأمر لهذا العبد، وأقدره على ذلك، وأجرى على يديه هذه الكرامة، وكذلك الله تعالى موصوف بالغنى، فهو الغني عما سواه، وهذه الكرامات دليل على أن الرب سبحانه هو الغني المغني الذي يعطي من يشاء ما يشاء بدون حاجة إلى أحد، فهذه الصفات التي هي العلم، والقدرة، والغنى، المتصف بها هو الله وحده، والكرامات لا تحصل إلا من الله الذي هو عليم بهذا العبد، وقادر على أن يعطيه، وغني لا تنقص خزائنه، ولا تحصل لأي بشر كما سمعنا في الآية التي استشهد بها الشارح، وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٥٠] يعني: الخزائن عند الله تعالى وهو الغني المغني، ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠] علم الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] يعني: لا أقول لكم إني من الملائكة، بل إنما أنا بشر ضعيف لا قدرة لي إلا على ما أقدرني الله تعالى عليه.
وهذه الأمور حكاها الله تعالى عن نوح، وأمر بها نبيه ﷺ .
فكلما كان العبد أتقى لله كلما كان أقوم سبيلاً وأعرف بالله سبحانه، فإن ربه تعالى يجري على يديه عند حاجته ما يكون مقوياً لإيمانه.
وعرفنا أنه ليس كل من جرت على يديه هذه الخوارق أو هذه الكرامات يتفوق على من لم تجر عليه، فلا نقول مثلاً: إن ذلك العابد الذي يقال له: سحنون، ويحكون عنه كرامات، أشرف من الإمام الشافعي الذي لم تجر على يديه هذه الكرامات ولا بعضها، وكذلك بهلول ورابعة العدوية، فيحكون في تراجمهم أشياء كثيرة من الكرامات ونحوها، ولا توجد تلك الكرامات في تراجم الأئمة: مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد والإمام أحمد والإمام الشافعي وإسحاق بن راهوية ويحيى بن معين وعلي بن المديني ويحيى بن سعيد القطان وأشباههم من العلماء، لماذا لم تجر على أيديهم هذه الكرامات وقد جرت على أيدي أولئك العباد؟ نقول: لأن هؤلاء اكتفوا بما فتح الله عليهم من العلوم التي فيها العلم بالله وبشرع الله وبأحكامه وبأمره وبنهيه، فكانت مقوية لإيمانهم، فلا يحتاجون إلى أن يجري على يديهم كرامة، بخلاف سحنون وبهلول ورابعة وبشر بن الحارث والجنيد ومعروف وأشباههم فإن هؤلاء قد يكون في إيمانهم شيء من الرقة والضعف، فيجري الله على أيديهم أشياء من الكرامات؛ حتى يقوى إيمانهم، وحتى يثبتوا ويرسخوا، هكذا قال بعض العلماء، وإلا فلا مساواة بين العلماء الذين لهم مكانتهم في العلم ونحوه وبين العباد.
стр. 1088
طلب الكرامات
سمعنا ما حكاه الشارح أن بعضاً من الزهاد أو العباد إذا تنسك وتعبد فإنه يطلب من ربه أن يجري على يديه كرامة، ويحزنه إذا رأى فلاناً وفلاناً وسمع فلاناً وفلاناً جرت على أيديهم كرامات وخوارق عادات، فيبقى منكسراً، ويكثر من فعل الأسباب أو السؤال عن الأسباب التي تحصل له مثل هذه الكرامة، ويبقى حسيراً إلى أن يحصل على يديه شيء مما حصل على أيدي أمثاله.
فنقول: إن الأولياء والصالحين من عباد الله وعلماء الشريعة وعلماء الأئمة لم يكونوا يهتمون بأمور الكرامات، بل قد تجري على أيديهم بدون أن يطلبوها، وهم لا يطلبونها، ولا يحزنون لعدمها، فلا يحزن لعدم جريان كرامة على يديه إلا ضعفاء الإيمان ونحوهم.
وأما استجابة الدعاء فلا شك أن المسلم إذا دعا الله تعالى وأخلص في دعائه، ثم لم ير لدعائه أثراً فإنه يحزنه، ومع ذلك نقول له: لا تنقطع عن الدعاء، بل أكثر من دعاء الله تعالى، فإن دعوتك ولو لم تجب، ولو لم تر أثرها، فهذا لا يدل على أنك مردود، ولا تدل على أنك لست من أولياء الله، فقد أخبر النبي ﷺ أن المسلم إذا دعا الله تعالى فإن ربه يعطيه بدعوته أحد ثلاثة أشياء: إما أن يعجل له دعوته وما طلب، وإما أن يدفع عنه من الشر مثلها، وإما أن يدخرها له في الآخرة، فلا يخيب أحد إذا دعا الله تعالى، فليس شرطاً أن تجاب دعوتك كلما دعوت الله ، وليس كل من أجيبت دعوته يحكم عليه بأنه مستجاب الدعوة أو بأنه ولي من أولياء الله.
وعلى كل حال نقول: إن هذه الكرامات وخوارق العادات التي يجريها الله تعالى على أيدي بعض عباده هي إما ابتلاء وامتحان، وإما لحاجة ألمت بهم، وإما لفضيلة وميزة حصلوا عليها، ولا تكون دائماً، بل قد يحتاج أحدهم إلى كرامة أو إلى إجابة دعوة فلا تحصل له؛ لبعض الموانع ولبعض الأسباب كغيرهم من بني الإنسان.
стр. 1089
أقسام الكرامات
قال الشارح ﵀: [ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم.
وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله.
وكلمات الله نوعان: كونية ودينية: فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] ، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق.
والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي أمره ونهيه وخبره, وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثر فيها، أي بموجبها.
فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية.
وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار.
وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطناً وظاهراً، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية.
فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئاً من الكونيات: لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه.
فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعاً لها ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل: فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة.
والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفاً من النار أو طلباً للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!! ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً فلابد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] .
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦-٦٨] .
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] .
وقال رسول الله ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ) رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁.
وقال تعالى فيما يرويه عنه رسول الله ﷺ : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولابد له منه) .
فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق.
وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات.
وقولهم: لو صحت لاشتبهت بالمعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي بالولي، وذلك لا يجوز، وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً، بل كان متنبئاً كاذباً، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، وعند قول الشيخ: وأن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى.
ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع: إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحد فراسة.
قال أبو سليمان الداراني ﵀: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان.
انتهى.
وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء، ونحوهم.
وفراسة خَلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك] .
وأهل السنة والجماعة يصدقون بكرامات الأولياء، وهي تعتبر كرامة لمن جرت على يديه، ولا تعتبر نقصاً فيمن لم تحصل له تلك الكرامة، وهناك من أنكر تلك الكرامات كالمعتزلة، فادعوا أنها لو حصلت لحصل الاشتباه بينها وبين معجزات الأنبياء، وبين العلماء أن الخوارق تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: معجزات، وهي تختص بالأنبياء، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثلها، كمعجزات نبينا ﷺ ، ومعجزات موسى وعيسى وغيرهم، وهي التي ذكرت في السنة، وحكيت عن الأنبياء في القرآن.
القسم الثاني: كرامات أكرم الله بها بعض أوليائه الصالحين، ويعتبرها العلماء دالة على صدق نبوة الأنبياء؛ وذلك لأنها ما حصلت لهم إلا باتباعهم لأنبيائهم، فأتباع نبينا ﷺ حصلت لهم كرامات؛ بسبب إيمانهم وتصديقهم بنبيهم ﷺ ، وتمسكهم بشريعته، فكانت تلك الكرامات منة من الله عليهم، وتقوية لإيمان بعضهم، وقطعاً لحجة من خالفهم أو طعن في معتقدهم، وكذلك أجراها الله على أيديهم لإظهار الحق الذي هم عليه، وبيان صحة ما يدعون إليه، وكذلك أجراها الله للدلالة على أنهم على دين صحيح، وأن نبوته ﷺ نبوة حق ليس فيها فرية ولا توقف، وقد ذكر العلماء جملة كثيرة من تلك الكرامات، وأفردت بالتآليف، وذكروا أن الله تعالى أجراها على أيديهم كما أجرى المعجزات على أيدي الأنبياء؛ للدلالة على أن كل النبوات من عند الله تعالى، فكما أن الله جعل النار على إبراهيم برداً وسلاماً فكذلك من أمة محمد ﷺ مسلم عالم هو أبو إدريس الخولاني ألقي في النار ولم تضره، بل كانت عليه برداً وسلاماً، فكان في هذه الأمة من جرى له مثل ما جرى للخليل ﵇.
وكذلك جعل الله البحر لموسى طريقاً يبساً -كما أخبر بذلك- فسلكه هو وقومه ولم تبتل ثيابهم ولا أقدامهم، وجرى مثل ذلك للعلاء بن الحضرمي، حيث خاض البحر هو وجنده المقاتلون، ولم يفقدوا من متاعهم شيئاً، وكأن البحر يبس، فكانوا يسبحون فوقه دون أن يغرقوا فيه مع عمقه، وهذه كرامة للعلاء ﵀، وأمثال ذلك كثير.
القسم الثالث: الأحوال الشيطانية التي تجري على أيدي السحرة والمشعوذين، وهذه الأحوال الشيطانية هي ما يتمكن منه السحرة من الصرف والعطف وتغيير الحقائق وقلب الأشياء، وكذلك ما يفعلونه من قطع المسافات، ومن حمل الأثقال، والطيران في الهواء، ونحو ذلك في زمن قصير، وهذه الأحوال تسمى أحوالاً شيطانية، وهي تجري بسبب خدمتهم للشياطين، فهم يتقربون إلى الشياطين وإلى مردة الجن بما يحبون، فتجري على أيديهم المخارق، والشعوذة، والتغيرات النفسية، ولكنها تبطل بإذن الله إذا عولجت بالآيات القرآنية والأدعية النبوية.
فما يحصل من أعمال السحرة والمشعوذين ونحوهم، من صرف وعطف، وإلقاء بغضاء بين متحابين، وإلقاء تقابل قوي بين المتباغضين، وكذلك من تغيير لمزاج بعض الناس إذا عملوا له سحراً شيطانياً ونحو ذلك؛ فهذا لا يسمى كرامة ولا فضل فيه، بل هو من عمل الشياطين؛ وذلك لأن هؤلاء السحرة والكهنة ونحوهم يتقربون إلى الشيطان، ويذبحون له، ويطيعونه حتى يخدمهم ويطيعهم فيما يشيرون إليه، فتصير الشياطين والجن خدماً لهذا الكاهن الذي عبدهم وذبح لهم، وركع للشياطين وسجد، وأشرك بالله، فصار من خدمهم، فأصبح بذلك من أعوانهم، فهم يتلبسون به، وينطقون على لسانه، ويخبرون بالأشياء الغيبية والبعيدة ونحوها، وكذلك يخبرون بالغائب والمسروق وما أشبه
стр. 1090
شرح العقيدة الطحاوية [٩٣]
للساعة أشراط كبرى وصغرى، ومن أعظم علامات الساعة الكبرى نزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج.
следующие страницы →