← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وصف المتكلمين لله بالقديم ومعناه عندهم مشهور في كلام المتكلمين وصف الله بأنه قديم، بل عندهم أن القديم أخص أوصاف الله، ويعنون بذلك أنه الذي لم يتقدمه شيء، ولذلك فهم ينفون الصفات، ويقولون: إن تعدد الصفات يلزم منه تعدد القدماء، يعني: أن القديم واحد وهو الله، فلا يكون هناك قدماء غيره، فلو قيل: إن لله صفات لكانت أيضاً موصوفة بالقدم، أي فيقال: الله قديم وسمعه قديم وبصره قديم ونحو ذلك. وقد أجاب أهل السنة عليهم بأجوبة منها: أولاً: أن لفظة القديم لا تدل على الأولية. ثانياً: أن نفي الصفات لاستلزامها تعدد القدماء لا يلزم هذا الاستلزام؛ وذلك لأن القديم ليس بلفظ شرعي ولا لغوي، ولأن الله تعالى واحد بذاته وبصفاته، وأن الصفات من جملة الذات، فلا يكون في إثباتها تعدد. وهاهو الشارح ينكر على هؤلاء الذين يقولون إن القديم من أسماء الله، ويذكر أن الاسم الصحيح الذي سمى الله به نفسه هو: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، فأما القديم أو الأزلي فهي أسماء اصطلاحية، لا يلزم من الاصطلاح عليها ثبوتها. قصدهم بالقديم عدم تقدم شيء عليه، وقصدهم بالأزلي أو بالدائم عدم إتيان الفناء عليه، ولو أتوا على هذه الآية أو على هذين الاسمين في هذه الآية وهما قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، وقول النبي ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، لكان ذلك كافياً، ولكان التفسير واضحاً، ولكانت الأسماء واقعة موقعها.

стр. 107

معنى كلمة (القديم) في لغة العرب يقول: إن كلمة القديم عند العرب لا تدل على تقدم الإنسان على غيره كله، وإنما تدل على تقدمه على جنسه، فإذا وجد له جنس جديد سمي الأول قديماً، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] ، فإن العراجين هي قنوان النخل، يعني: العذوق التي يكون فيها التمر، ومتى يكون قديماً؟ إذا حملت النخل مرة ثانية قيل للعراجين التي من العام الماضي: هذه عراجين قديمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٦] ، يعني: أن آباءكم قد تقدموا عليكم، ومعلوم أن الآباء قبلهم أجداد وقبل الأجداد أجداد وهلم جراً، فسمي الآباء القريبون أقدمين، فدل على أن القديم لا يدل على السبق المطلق، وإنما يدل على سبق بعض الجنس. فالوصف بأن الله هو الأول أبلغ من الوصف بأنه القديم، وهذه الكلمة (الأول) تعطي معنى الأولية، و (الآخر) تعطي معنى الأزلية، يعني الأبدية والديمومة؛ وذلك لأن الله موصوف بأنه دائم أبدي وأزلي، لا يأتي عليه الفناء ولا التغير، وأنه هو كما وصف نفسه بأنه الحي الذي لا يموت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقال النبي ﷺ : (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) ، يعني: بعد موت الناس في هذه الحياة وفناء المخلوقات يبقى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . فإذا كان هو الباقي فإنه أيضاً هو الذي يبعث العباد. وهو سبحانه لا يأتي عليه فناء أبداً، وذلك هو الأصل في الدوام، وهو الأصل في البقاء الذي هو وصف الله وحده. فيعتقد المسلمون أن ربهم سبحانه الذي خلق هذا الكون لم يسبق بعدم بل هو قديم، وأنه لا يأتي عليه الفناء بل هو دائم، ولكن يعبرون بالأول والآخر، فهما أوضح من القديم والدائم أو الأزلي أو نحو ذلك.

стр. 108

معنى قوله: (لا يفنى ولا يبيد) قال المؤلف ﵀: [قوله: (لا يفنى ولا يبيد) . إقرار بدوام بقائه ، قال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضا مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ] . أي: أن قوله: (لا يفنى ولا يبيد) مؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ، ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقول النبي ﷺ : (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) ، مثل بالجن والإنس لأنهم الثقلان المكلفان. إذاً: كل شيء يفنى إلا وجه الله تعالى، وذلك دليل على الكمال، والذي يكون له الكمال يستحق أن يقدس وأن يعبد وحده، وأن يقوم عباده الذين هم خلقه وملكه بواجبهم نحوه، وذلك بالعبادة المستمرة له سبحانه.

стр. 109

معنى قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) قال المؤلف ﵀: [قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) . هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود؛ لمخالفته الكتاب والسنة، والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وسموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر: (قدرية) أيضاً، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجباً أو مستحباً، ولو قال: إن أحب الله حنث، إذا كان واجباً أو مستحباً] . قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) هذا مثل قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] يعني: أن ما أراده تعالى فإنه لا بد أن يحصل وما لم يرده فإنه لا يكون، والمراد هنا الإرادة الكونية؛ وذلك لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. فالله تعالى قدر الكائنات فلا يحدث في الوجود شيء إلا بإرادته، وهذا أكثر ما تطلق الإرادة عليه. الإرادة الكونية: كما في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ) ، والآيات في هذه الإرادة كثيرة. فأهل السنة يعتقدون أنه لا يكون شيء في الوجود إلا بإرادته، ولو شاء لهدى الناس جميعاً، ولكن لا يتخذون ذلك حجة في المعصية كما تفعله طائفة الجبرية الذين يزعمون أنهم لا اختيار لهم، وأن العباد مجبورون على المعاصي وعلى الكفر، وليس لهم أي اختيار. ونقول: بل الإرادة الكاملة لله سبحانه فلا يُعصى قسراً ولا قهراً، ولا تكون إرادة الخلق أقوى من إرادة الله، ولكن قد منحهم سبحانه إرادة تناسبهم، وهي مغلوبة بقدرة الله، فللعباد قدرة على أفعالهم ولهم إرادة، ولكن إرادتهم وقدرتهم مسبوقة بإرادة الله تعالى وبقدرته.

стр. 110

أقسام القدرية وحكم كل قسم القدرية ينقسمون إلى قسمين: قدرية نفاة، وقدرية مجبرة، وكلاهما ضلال. النفاة: هم الذين نفوا قدرة الله، وقالوا: إن الله لا يقدر على أفعال العباد. والمجبرة: هم الذين يقولون: إن الله أجبر العباد على المعاصي وعلى الطاعات وقسرهم عليها، تعالى الله عن ذلك. وهدى الله أهل السنة فقالوا: إن الله على كل شيء قدير، ولكن منح العبد قدرة يكلف بها، فإذا اعتقدنا ذلك سلمنا من الاعتراضات.

стр. 111

أنواع الإرادة قال المؤلف ﵀: [والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا. والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] . وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية: فكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦] ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧-٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] . فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به. وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلاً، فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلاً، فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى. فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر، فقد يريد إعانة المأمور على ما أمر به، وقد لا يريد ذلك وإن كان مريداً منه فعله، وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله ﵈ بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلاً له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه إذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله، أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلاً له، فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟! فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريداً النصيحة، ومبيناً لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده، فجهة أمره لغيره نصحاً غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان] .

стр. 112

الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية هذا الكلام يوضح ما قلنا: من أن الإرادة قسمان: إرادة دينية شرعية أمرية، وإرادية كونية قدرية خلقية. والفرق بينهما: أن الإرادة الكونية لا بد من وجود المراد فيها، فكل شيء أراده الله كوناً وقدراً فلا بد من وجوده، ولكن قد يحبه وقد لا يحبه. والذي يريده شرعاً وديناً قد لا يوجد، فالطاعات والأعمال الصالحة أرادها الله ديناً وشرعاً من جميع الخلق، وأحبها منهم، ولكن قد تحصل من بعضهم وقد لا تحصل من البعض الآخر. فيقول: إن الله أراد من فرعون وأبي لهب أن يؤمنا؛ أراد ذلك ديناً وشرعاً وأمراً، ولكن ما أراد ذلك كوناً ولا قدراً ولا خلقاً، فلذلك لم يوجد منهما الإيمان والأعمال الصالحة. وأراد من الأنبياء وأتباعهم الإيمان ديناً وشرعاً، وأراده منهم كوناً وقدراً فوجد. فكل الأعمال الصالحة محبوبة عند الله، وإذا وقعت فإنها مرادة ديناً وشرعاً، ومرادة كوناً وقدراً، وكل الحوادث حتى المعاصي والكفر والمخالفات، فهي واقعة لإرادة الله الكونية القدرية الخلقية، ولكنها ليست محبوبة ولا مَرْضية ولو كان الله قد أرادها، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] ، فأخبر بأنه لا يرضى الكفر ولكن يرضى الشكر.

стр. 113

ذكر الآيات الدالة على الفرق بين الإرادة الشرعية والقدرية ذكر الشارح الأدلة من الآيات على الفرق بين الإرادتين، فإن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، هذه إرادة كونية، يعني: من قدر الله له كوناً أنه يهديه، فإنه يشرح صدره للإسلام، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، أي: من قدر الله له أنه يضل ولا يهتدي، فإنه يجعل صدره ضيقاً حرجاً، فهذه إرادة كونية قدرية. ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] هذه إرادة كونية، يعني: إذا كان الله يريد كوناً وقدراً أن يغويكم فلا راد لما أراده، وهذا معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. لكن إذا احتج بعض العصاة وقال: إن الله ما أراد هدايتي، فكيف أهتدي والله لم يرد؟ نقول له: اسأل الله الهداية حتى يستجيب لك وافعل السبب، فإن الله أعطاك قدرة وأعطاك استطاعة على الأسباب، وأقدرك على الأسباب المحسوسة، فافعلها حتى تكون أسباباً في حصول الإرادة ووجودها. وإذا قال بعض العصاة مثلاً: هكذا أراد الله مني هذه المعصية، نقول: أرادها كوناً ولم يردها شرعاً، الله تعالى أراد منك الإيمان شرعاً وأمرك به، بل أمر الناس كلهم أن يتقوا الله، وأن يؤمنوا به، وأحب ذلك منهم: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] . وبلا شك أن الخير دائماً ينسب إلى الله تعالى، وأما الشرور فلا يجوز نسبتها إليه، كما حكى الله عن مؤمني الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] ، فالإرادة هنا في هذه الآية إرادة شرعية، يعني: أراد الله بهم الخير إرادة شرعية، والإرادة في الأولى: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] إرادة كونية، وبهذا يحصل للمؤمن معرفة الفرق بين الإرادتين.

стр. 114

اجتماع الإرادة الشرعية والقدرية في إيمان المؤمن وعمله الصالح هو يقول: كل ما في الوجود من الحوادث فهو مراد كوناً وقدراً، ولكن قد لا يكون محبوباً، قد يكون محبوباً كالطاعات وقد يكون مكروهاً كالمعاصي، وكل الطاعات التي تحدث من أهلها فإنها مرادة ديناً وشرعاً، أرادها الله ديناً وشرعاً، فهي مرادة ومحبوبة. يعني: أن الله تعالى أراد الإيمان من الناس كلهم ديناً وشرعاً، ولكن تحقق ذلك في المؤمنين، فأصبح إيمان المؤمنين وأعمالهم الصالحة مجتمعاً فيها الإرادتان: الشرعية، والكونية القدرية، فإيمان المؤمنين وصلاتهم وعباداتهم مرادة كوناً وقدراً لوجودها، ومرادة ديناً وشرعاً للأمر بها ولمحبتها. ومع ذلك فإن على المسلم أن يسأل ربه الهداية، حتى ييسر له هذه الأسباب ويجعله من أهلها، فإذا قام بالأسباب وفعلها رُجي بذلك أن يكون ممن أراد الله تعالى هدايته كوناً وقدراً، ووفقه لذلك ديناً وشرعاً، ولا يبقى على حاله التي هو عليها ويقول: ما أراد الله هدايتي، ويستمر على الضلال والعياذ بالله، فإن الذين يحتجون بالقدر يحتجون به في أمر دون أمر، حيث إنهم لا يسلمون ذلك في الأمور الدنيوية بل تراهم مجدين ومجتهدين ومشمرين، بخلاف أمورهم الدينية فإنهم يحتجون بالقضاء وبالقدر، ويحتجون بأن الله ما أراد منهم كذا وكذا، فيقال لهم: الباب واحد، فإذا اجتهدتم في أمور الدنيا فاجتهدوا في أمور الدين، والله تعالى هو الموفق لمن أراد الخير والعمل الصالح.

стр. 115

وجه إنكار القدرية لقدرة الله والرد عليهم قال المؤلف ﵀: [والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر، والطلاقة، وتهيئة المساند، والمقاعد ونحو ذلك. فيقال لهم: هذا يكون على وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، وأمر الإنسان شريكه بما يصلح الأمر المشترك بينهما ونحو ذلك. الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور كالناصح المشير، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] ، فهذا مصلحته في أن يأمر موسى ﵇ بالخروج، لا في أن يعينه على ذلك، إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير. وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما أمرهم به، لاسيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحداً على ما به يصير فاعلاً، وإذا عللت أفعاله بالحكمة فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها، فلا يلزم إذا كان نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر بأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك، فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى] . قد عرفنا أن المعتزلة ينكرون قدرة الله على أفعال العباد مع عموم قدرة الله، فيقولون: إن الله لا يقدر على أفعال العباد، فإذاً معنى خلقه لأفعال العباد عندهم تهيئة الأسباب، لا أنه يحرك جوارحهم أو يبعث فيهم البواعث التي تباشر الأفعال. وعقيدة المسلمين أن الله تعالى هو الخالق للعبد ولما يعمل، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، ولكن قدرة الله عامة لكل شيء وتدخل فيها أفعال العباد، ومع ذلك فلا نجعل العبد آلة ليس له أية اختيار بل له قدرة وإرادة، وقدرة الله وإرادته غالبة على قدرة العبد وإرادته، وبحسب تلك القدرة التي مكنه الله بها وجعله فاعلاً بسببها يثاب ويعاقب، حيث بها يباشر العباد الأفعال خيراً وشراً، فيعصي العاصي ويطيع المطيع. فالعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر، والمصلي والصائم، أي: أنه تنسب إليه أفعاله؛ لأنه الذي باشرها وإن كانت مخلوقة لله تعالى في الأزل، فيقول الشارح: إن الآمر قد يعين المأمور وقد لا يعينه. فمثلاً إذا أمر الملك أحد وزرائه فإنه يهيئ له الأسباب؛ لأن له مصلحة بهذا الأمر، وهكذا أيضاً إذا أمر الملك أحد خدمه فإنه يعينه ويساعده، وإذا أمر الشريك شريكه بأمر فيه مصلحة لهما فإنه يساعده، وإذا أمر السيد عبده بأمر فإن ذلك الفعل فيه مصلحة له، فهي مثل هذا يساعد الآمر المأمور. وضرب أيضاً مثلاً لمن لا يحتاج أن يساعد، وهو إذا لم يكن فيه مصلحة، ومثل بذلك الرجل الذي نصح موسى بقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] أمره بالخروج وليس من مصلحته أن يساعده على الخروج؛ لأن في ذلك مضرة على الآمر؛ لأنه من قوم فرعون، فأراد أن يحذر موسى فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ [القصص:٢٠] ، هذا مثال. فيقال: الله قد تقتضي حكمته أن يعين المؤمن على الأوامر ويهيئ له الأسباب ويمكنها له، فيعمل الأعمال الصالحة، ويكون ذلك فضلاً منه ومنَّة، وقد تقتضي حكمته أن يخذل بعض العباد ويخلي بينهم وبين أهوائهم وأعدائهم ولا يعينهم ولا يحميهم، فيعصون ويقعون في الكفر أو في مقدمات الكفر، وذلك فتنة منه وعدل ليس بظالم لهذا ولا بجائر مع هذا، بل هكذا تقتضي حكمة الله. فلا اعتراض للمعتزلة والقدرية على أفعال الله، فإنه يفعل ما يشاء كما يشاء: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] ، حكمة وعدلاً ونعمة وفضلاً.

стр. 116

حكمة الله تعالى في إعانة العبد على ما أمره أو عدم إعانته قال المؤلف ﵀: [والمقصود أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره نشأةً وخلقاً ومحبة، فكان مراداً بجهة الخلق ومراداً بجهة الأمر، ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه؛ لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده. وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه، ودعاؤه، وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرق به قلبه، ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك كان خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض، يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل. وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة، مثلوا الله فيها يخلقه ولم يثبتوا حكمة تعود إليه] . يمثلون بهذا في أن حكمة الله تعالى قد تقتضي إعانة المأمور وقد تقتضي عدم إعانته، فالله تعالى أمر الجميع مؤمنهم وكافرهم بالتقوى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] ، ولكن من الناس من اتقى ومنهم من لم يتق الله، فالذين اتقوا الله هؤلاء قد أراد الله بهم الخير وهداهم وأعانهم، فله عليهم نعمة الإعانة ونعمة الفضل، والذين لم يتقوه هؤلاء قد خذلهم وخلى بينهم وبين أهوائهم ولم يعنهم، حكمة منه وعدلاً، فهذا خلق فيه الإيمان وهذا خلق فيه الكفر، بمعنى: مكنه منه وأقدره عليه. وله الحكمة في هذا وهذا؛ وذلك لأنه خلق ضدين مؤمناً وكافراً، وخلق دارين جنة وناراً، ولا بد لكل من الدارين من أهل يؤهلون لها، ولهذا يخبر تعالى بأنه لو شاء لهدى الناس جميعاً، ويخبر بأنه لو شاء لضلوا كلهم، فيقول تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣] ، يعني: لولا أن يكونوا كلهم على الكفر لجعلنا للكفار هذه الأشياء؛ فينخدع الناس بهم ويعتقدون أنهم خصوا بذلك لشرفهم ولأهليتهم فيكفرون مثلهم، وهو واقع كثيراً. وخلق تعالى المرض والصحة وله الحكمة في ذلك، ففي خلقه للمرض مصلحة، هذه المصلحة تكمن في أن المريض يشعر بالذل وبالضعف ويشعر بالحاجة، إذا مرض تذكر ضعفه وتذكر فاقته وحاجته، وتذكر مسكنته وتعلق قلبه بربه ودعاه واستكان إليه. وإذا كان دائماً في صحة ونعمة ورفاهية ونشاط وثروة وشهوات متتابعة؛ فإنه لا يأمن أن يأخذه الأشر والبطر والكبرياء والإعجاب بالنفس، ويكون منطلقاً إلى الكفر وإلى المعاصي كما هو الواقع، ولهذا يخبر تعالى بأنه لو وسع على الناس لتجبروا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لعباده لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] ، يعني: لتكبروا ولتجبروا، فبذلك نعرف أنه عندما خلق هؤلاء واختار أن يكونوا مؤمنين، وهؤلاء وجعلهم كافرين، فذلك كما أنه خلق المرض وخلق الصحة وله الحكمة في خلق الضدين.

стр. 117

عجز البشر عن معرفة كنه صفات الله وكنه ذاته سبحانه قال المؤلف ﵀: [قوله: (لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام) . قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، قال في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ ﵀ أنه لا ينتهي إليه وهم ولا يحيط به علم، قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به، والله تعالى لا يَعْلَمْ كيف هو إلا هو ، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواًَ أحد، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٣-٢٤]] . يعتقد المسلمون أن ربهم موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، ويعتقدون أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وأنهم لا يستطيعون معرفة كيفيته ولا كنه صفاته ولا كنه ذاته، ويقولون: الله أعلم بكيفية صفاته وبكيفية أفعاله، فلا يجوز أن يسأل عنه بكيف. كما قال الإمام مالك لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم والكيف مجهول، يعني: كيفية استوائه سبحانه مجهولة لا يعلمها سواه، وهذا أيضاً يقال في سائر الصفات كصفة النزول والمجيء والعلو والغضب والرحمة والمحبة وما أشبهها. فالمسلمون يعتقدون ثبوت هذه الصفات، ولكن يعجزون عن إدراك كيفيتها، فكيفية ذات الله وكيفية صفاته لا يستطيع فهم أن يدركها ولا وهم أن يتخيلها، لو فكر الإنسان بفكره لما استطاع أن يصل إلى كيفية الخالق. وقد عجز العباد عن إدراك أقرب شيء إليهم وهي الأرواح التي تحيا بها الأجساد، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] . وقد أخبر الله أن ها هنا ملائكة ونحن نؤمن بهم وإن لم نرهم، ولا ندري مم خلقوا ولا كيفية خَلْقِهِم، خَلَقَهُم الله تعالى لعبادته ولكن ما تركيبهم؟ وما أعضاؤهم؟ وما أجسادهم؟ الله أعلم بذلك. وهكذا فقد أخبرنا الله تعالى بأن هناك شياطين، وأخبر النبي ﵊ بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم، ولكن لا ندري ما كيفية هذا الشيطان؟! ولا نعرف ما مثاله؟! ولا ما وزنه؟! ولا غير ذلك؟!. وأخبرنا تعالى بأن هناك جناً، وأن الجن ينفذون في الإنسان، وأنهم يدخلون في الأرض، وحُكيت عنهم الأقوال وسمعوا وشوهدوا، ومع ذلك لم ندر ماهيتهم؟! ولا ما كيفية خلقهم؟! وإذا عجزنا عن هؤلاء، فَعَجْزُ الإنسان عن كيفية وماهية الرب تعالى بطريق الأولى، فما عليه إلا أن يستسلم، ويعرف أن هذا الكون لا بد له من مكون، وأن المكون الذي كون هذه الكائنات أجرامها وأعلامها وعلويها وسفليها هو الواحد وحده، وهو الذي لا تبلغه الأفهام ولا تتوهمه الأوهام ولا تدركه العقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ولا يوصف إلا بما وصف به نفسه على وجه الكمال، كما في الآيات التي سمعنا، فإن الله وصف نفسه بهذه الصفات، لِيُعْتَقَدَ أنه الإله الحق، وأنه رب الأرباب، وأنه الخالق البارئ المصور، وأنه الملك القدوس السلام، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

стр. 118

عقيدة أهل السنة في الصفات بين المعطلة والمشبهة [قوله: (ولا يشبهه الأنام) . هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا انتهى. وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم، وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبهاً، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة والفلاسفة، وقال: إن الله لا يقال له عالم ولا قادر، يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه؛ لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال هو مجاز كغالية الجهمية، يزعم أن من قال إن الله عالم حقيقة قادر حقيقة فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا محبة ولا إرادة، قال لمن أثبت الصفات إنه مشبه، وإنه مجسم. ولهذا كُتُبُ نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة، ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة قوماً يقال لهم المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له مالك بن أنس، وقوماً يقال لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له محمد بن إدريس. حتى الذين يفسرون القرآن منهم كـ عبد الجبار والزمخشري وغيرهما، يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات وقال بالرؤية مشبهاً، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف] . من عقيدة أهل السنة أنهم إذا أثبتوا الصفات نفوا التشبيه، فيقولون: نثبت لله صفات ولكن لا تشبه صفات المخلوق، كما أنهم يثبتون لله أفعالاً ويقولون: لا تشبه أفعال العباد. فالصفات مثل صفة اليد والوجه يقولون: لله يد لا كأيدي المخلوقين، ولله وجه لا كوجه المخلوقين. وصفات الأفعال: يثبتون أن الله يحب ويكره ويسخط ويغضب ويرضى وما أشبه ذلك، ويقولون: إن هذه أفعال حقيقية، ولكن ليس غضبه سبحانه كغضب المخلوق ولا رضاه كرضا المخلوق، ويثبتون أن الله يسمع وأنه يبصر ويقولون: ليس سمعه سبحانه كسمع المخلوق ولا بصره كبصر المخلوق؛ وذلك لأنه يوجد فرق كبير بين ما يثبت للخالق وما يثبت للمخلوق، فسمع المخلوق مثلاً لا يدرك إلا الأصوات القريبة، وسمع الخالق يدرك القريب والبعيد، سمع المخلوق تشتبه عليه الأصوات، لو تكلم عندك خمسة في حين واحد لما فهمت ما يقوله واحد منهم، الخالق لا يشغله شأن عن شأن بل يسمع الكل، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات. كذلك البصر فالمخلوق لا يخرق بصره الحيطان ونحوها ولا يبصر في الظلمات، والخالق تعالى يبصر كل شيء ولا يخفى عليه شيء، فيبصر النملة الصغيرة في حيالك الظُلَمْ، فأين هذا من هذا؟ كذلك سمعنا أن كثيراً من نفاة الصفات يسمون من أثبتها مشبهاً، مع أننا نصرح بنفي التشبيه، فيقولون: إنكم إذا قلتم إن الله على العرش فأنتم مشبهة، إذا قلتم إن الله ينزل كما يشاء فأنتم مشبهة، إذا أثبتم أن الله له سمع وله بصر فأنتم مشبهة. وهذا خطأ من القول، كيف يصير أهل السنة مشبهة مع نفيهم للتشبيه؟! لكن أولئك النفاة يظنون أن مجرد الإثبات تشبيه، يقولون: مجرد إثبات فعل يوجد للخالق وللمخلوق تشبيه، إذا قلت: إن الخالق يسمع والمخلوق يسمع فقد شبهت، وليس كذلك، بل هناك فرق بين السمعين. ويقولون: إذا قلت: إن لله يداً وللمخلوق يداً فقد شبهت، نقول: كلا ليس كذلك، بل هناك فرق بين اليدين، فكل له صفة تناسبه، وإلا فإنكم يا معتزلة إذا قلتم: إن للخالق ذاتاً، تصيرون مشبهين حسب عقيدتكم، وكذلك إذا قلتم: إن الخالق موجود والمخلوق موجود فكيف ترموننا بالتشبيه مع نفينا للتشبيه؟ هناك فرقة يقال لهم: الباطنية وغلاة القرامطة، هؤلاء ينفون الأسماء والصفات كلها، لا يثبتون لله أسماءً ولا صفات، فمن أثبتها عندهم يسمى مشبهاً. وهناك فرقة يثبتون الأسماء وينفون الصفات ولا يجعلون لله صفات تؤخذ من تلك الأفعال، فيقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، تعالى الله عن قولهم. فيسمون من أثبت أن الله يسمع ويبصر مشبهاً، مع أن الذين يثبتونها يقولون: لا تشبه صفات المخلوق. وهناك من المعتزلة من ينفي الصفات فينفون القدرة والعلم والكلام وما أشبهها، وينفون أن الله تعالى يرى، ويزعمون أن من أثبت شيئاً من ذلك فإنه مشبه. ومنهم من المفسرين الزمخشري صاحب الكشاف -التفسير المطبوع- فإنه معتزلي ممن يقول بخلق القرآن، وممن يقول بأن الله لا يُرى في الآخرة، ولما كان أهل السنة يقولون: إن الله تعالى يرى بلا كيف، أو أنه ينزل بلا كيف، أو استوى على العرش بلا كيف، لم يوافقهم على ذلك وادعى أنهم مشبهة لهذا الفعل، وفي ذلك بيته المشهور الذي يقول فيه: قد شبهوه بخلقه فتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة يعني تستروا بقولهم: بلا كيف وإلا فقد شبهوه، تعالى الله عن قوله. وأما عبد الجبار فهو من المعتزلة المتقدمين، وبلا شك أن مثل هؤلاء لا يلتفت إليهم، ولو انتشرت مع الأسف كتبهم ولو حققت ولو قدست ولو وزعت وبيعت في المكتبات الكبيرة والصغيرة فلا يغتر بها، فمثلاً الكتاب الكبير المسمى بالمغني، لهذا القاضي، الذي هو أكبر مؤلف للمعتزلة، مطبوع في نحو أربعة عشر مجلداً ومحقق ومعتنىً به، وهو مع ذلك يصب في هذا المذهب الباطل، وله كتاب مطبوع في مجلدين أيضاً اسمه: متشابه القرآن تتبع فيه آيات الصفات وحرفها وصرفها عن ظاهرها، وزعم أنه بذلك أجاب عما هو متشابه، وهو في الحقيقة خلط في هذا الكتاب، فلا يغتر بكتبه، وله كتاب في أصول المعتزلة وهو شرح الأصول الخمسة، وأشباه ذلك من كتبهم الموجودة المطبوعة، فلا يغتر بهم، وفي كتب أهل السنة غنية وكفاية.

стр. 119

نفي التشبيه غير مستلزم لنفي الصفات وإثبات الصفات غير مستلزم للتشبيه قال المؤلف ﵀: [ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين، أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات، بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام أبي حنيفة ﵀: أنه تعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فنفى المثل وأثبت الوصف. وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات، تنبيهاً على أنه ليس نفي التشبيه مستلزماً لنفي الصفات. ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها، ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بَعد التناهي الحيرة والاضطراب؛ لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها. ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ، مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، -وهو ما كان كمالاً للوجود غير مستلزم للعدم بوجه- فالواجب القديم أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر، فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، وهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات، والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى. ومن أعجب العجب أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات والأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا، ولا يكون كذا، ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (تخلقوا بأخلاق الله) ، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟! وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى. ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته، فلذلك اكتفى الشيخ ﵀ بقوله: (ولا يشبهه الأنام) والأنام: الناس، وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠] ، يشهد للأول أكثر من الباقي. والله أعلم] . يعني: أن مؤلف المتن ممن يقول بإثبات الصفات، ومن المعلوم أن من أثبت الصفة فإنه لا يقول بنفيها، مع كونه يصرح بنفي التشبيه، فـ الطحاوي الذي هو صاحب المتن يثبت صفات الأفعال كالكلام والعلم والقدرة وما أشبهها، وإذا كان يثبتها فقد صرح هنا بأنه ينفي مشابهة الخالق للمخلوق، وبذلك يعلم أنه لا تناقض بين إثبات الصفات ونفي التشبيه، فنحن أهل السنة نثبت أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، وأن مرجعها إلى خبره عن نفسه وخبر رسله عنه، ونعتقد مع ذلك أنها تختص به ولا تشبه غيرها، كما أن صفات المخلوق تختص به ولا تشبه صفات الخالق. ويعتقد المسلمون أيضاً أن الله تعالى موصوف بكل كمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] ، وهذا يسمونه قياس الأولى، وقياس الأولى: هو أن كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به؛ وذلك لأن المخلوق لم يكتسبه إلا من الخالق سبحانه، فصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كيف توجد في المخلوق ويخلو عنها الخالق؟! تعالى الله، هذا هو قياس الأولى. وأما قياس التمثيل وقياس الشمول الذي يستعمله القياسيون من أهل الكلام فلا يجوز استعماله، فلا يجوز مثلاً أن يقال: كل موصوف فإنه حادث، فصفات الخالق لا يقال: إنها حادثة، فهذا خطأ، بل الخالق بصفاته ليس بحادث، بل هو الأول بصفاته سواء كانت فعلية أو قولية أو ذاتيه. وسيأتي أن الطحاوي يصف الرب حيث يقول: (ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق) ، أي: ولا بعد رزقهم استفاد اسم الرازق، والمعنى أنه موصوف بأنه الخالق قبل أن ينشئ الخلق، وموصوف بأنه الرازق قبل أن يوجد الخلق الذين يرزقهم، وهكذا أيضاً الصفات التي لها أثر في العباد نحو (التواب) هو موصوف بأنه التواب وإن لم يكن هناك من يتوب عليهم، وموصوف بأنه الرحمن قبل أن يوجد من يرحمهم وهكذا. صفات الله تعالى أولية أزلية ليست مسبوقة بعدم، وليست كصفات أي مخلوق، وكل كمال في المخلوق فإنما اكتسبه واستفاده من الخالق، فالله تعالى هو الذي أعطاه وهو الذي أيده وهو الذي سدده، وبالجملة لا يفهم كما تقول المتكلمة: إن إثبات الصفات تشبيه، بل يجتمع أن المسلم يصف الله بصفات الكمال ومع ذلك لا يكون مشبهاً، ولأجل ذلك جمع الله الرد على الطائفتين في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فإن قوله: (ليس كمثله شيء) رد على المشبهة، وقوله: (وهو السميع البصير) رد على المعطلة. فالمشبهة هم الذين غلوا وأثبتوا الصفات حتى جعلوها كصفات المخلوق، والمعطلة هم الذين غلوا في النفي حتى عطلوا الخالق عن صفاته، وهاتان الطائفتان قد كفرهم كثير من العلماء، ولهذا يقول ابن القيم ﵀: لسنا نشبه ربنا بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه إن المعطل عابد البهتان يقول بعض السلف: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد المثبت يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً، وهذا معنى قول بعض السلف: أن من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه.

стр. 120

شرح العقيدة الطحاوية [١١] يتميز الله تعالى بأسماء وصفات لا تطلق على المخلوق ولا يوصف بها؛ دلالة على عظمته وزيادة في إثبات استحقاقه للعبادة وحده دون غيره، فهو الخالق الرازق المحيي المميت الحي القيوم، الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء.

стр. 121

الكلام على صفة الحياة والقيومة وما يتعلق بهما يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (حي لا يموت، قيوم لا ينام) . قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته، وقال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:١-٣] ، وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١] ، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٥] ، وقال ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) الحديث. لما نفى الشيخ ﵀ التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى دون خلقه، فإنهم يموتون. ومنه: أنه قيوم لا ينام، إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال؛ لكمال ذاته. فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعاً ولهواً ولعباً: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] ، فالحياة الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق؛ لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها، هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى، وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به] .

стр. 122

إثبات صفتي الحياة والقيومية لله ونفي ضدهما هذه من الصفات الثبوتية، يعني: مما نثبت لله تعالى من الصفات صفة الحياة وصفة القيومية، كذلك ضدهما من الصفات السلبية، وهما: صفة الموت، وصفة النوم والسِنة، والسنة: هي النعاس أو مقدمات النوم، هذه صفات نقص، والرب سبحانه أثبت لنفسه صفات الكمال بقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ونفى عن نفسه صفات النقص بقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: نعاس، ﴿وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] النوم المعروف، ونفى الموت بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فنفى الموت ونفى السنة ونفى النوم؛ وذلك لأن النوم نقص يحتاجه الإنسان والدواب؛ لأن فيه شيئاً من إراحة البدن بعد التعب، والرب منزه عن التعب ومنزه عن اللغوب.

стр. 123

نفي اللغوب والتعب عن الله وقيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ : أخبرنا عن خلق المخلوقات، فأخبرهم بأن الله خلق التربة يوم الأحد إلى أن انتهى من خلق المخلوقات يوم الجمعة، فقالوا: صدقت لو أكملت، فغضب النبي ﷺ ، وعلم أنهم يريدون بذلك ما هم يعتقدونه من أن الله أكمل المخلوقات يوم الجمعة واستراح يوم السبت. هكذا عندهم أن الله استراح يوم السبت، وكذبوا فإن الله تعالى لا يحتاج إلى إراحة، وأنزل الله رداً عليهم في سورة ق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: من تعب، فهو سبحانه نفى عن نفسه هذا اللغوب الذي هو نقص وعيب، وهذا يدل على أن الله موصوف بكل كمال. وورد أيضاً: (أن نبي الله موسى سأل ربه، فقال: يا رب أتنام؟ فقال: يا موسى! خذ معك زجاجتين من ماء وقم بهما طوال الليل، فأخذهما فلما كان في أثناء الليل وهو قائم نعس فاضطربت يداه وضربت إحدى الزجاجتين الأخرى فانكسرتا، فقال الله: لو نمت لاختلت السموات والأرض كما فعلت هاتان الزجاجتان) أو كما في الأثر، ذكر ذلك ابن كثير في التاريخ وغيره.

стр. 124

الحكمة من تسمية الله نفسه بالقيوم الله قائم على هذه المخلوقات، ولأجل ذلك سمى نفسه بالقيوم، يعني: القائم على خلقه، ومعلوم أن القائم على خلقه هو الذي يراقبهم وهو الذي يرعاهم ويكلؤهم وهم نائمون، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: الرحمن هو الذي يكلؤكم، يعني: يحفظكم ويراقبكم، فإذا كان كذلك فإنه الذي يرعى عباده، ولا يعتريه نوم ولا نقص ولا سنة ولا غير ذلك؛ لأنه الذي يمسك هذه المخلوقات، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥] ، إلى قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] أي: هو الذي يمسكها بقوته وبخلقه وبتمكينه، وقال تعالى: ﴿يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] أي: هو الذي يمسكهما حتى لا يضطربا ولا يزولا، فإذا كان كذلك فإنه الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وقد حكم الله بالفناء على كل من سواه، فقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، هذا دليل الحياة التي لا يعتريها نقص ولا تغيير، وبلا شك أن النوم نقص، ولذلك يسمى: أخا الموت، النوم موتة صغرى، ولذلك قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] ، فذكر أنه يتوفاها في منامها، فالنوم شبه الموت، ولأجل ذلك نفاه عن نفسه ونفى أيضاً مقدماته؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] والسنة: هي النعاس أو النوم الخفيف. يعتقد المسلمون أن الله موصوف بصفات الكمال كالحياة الكاملة والقيومية الكاملة، وقد وافقت الأشاعرة على وصف الله تعالى بالحياة، ولكنهم رجعوا في إثباتها إلى العقل، يقولون: إنما أثبتناها لدلالة العقل عليها، وكأنهم لم يعتبروا دلالة الشرع الواضحة، دلالة النصوص من الآيات والأحاديث ونحوها. الحديث الذي مر بنا حديث مشهور وهو قوله ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فابتدأ الحديث بنفي هذا النقص وهو النوم عن الله سبحانه وأنه لا ينبغي له أن ينام، هذه عقيدة المسلمين، وبلا شك أن الذي يعتقد أن ربه حي لا يموت وأنه قيوم لا ينام وأنه لا يعتريه تغير، هو الذي يكون قد قدر ربه في قلبه وعظمه على كل شيء؛ فيعبده حق العبادة.

стр. 125

معنى الحي القيوم وما يتضمنانه قال المؤلف ﵀: [واعلم أن هذين الاسمين -أعني: الحي القيوم- مذكوران في القرآن معاً في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى حتى قيل: إنهما الاسم الأعظم، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضاً على كونه موجوداً بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود، والقيوم أبلغ من القيام؛ لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة، وهل يفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يفيد ذلك، وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه؛ لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل؛ فإن الآفل قد زال قطعاً، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، موصوفاً بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على دوامها وبقائها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً، ولهذا كان قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ . فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها. فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام] .

стр. 126

التوسل والدعاء بأسماء الله من مستلزمات الإيمان بها الماتن يقول: (حي لا يموت قيوم لا ينام) والشارح ابتدأ شرحه بأول آية الكرسي وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، واستدل أيضاً بأول سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١-٢] ، وبالآية الثالثة في سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١] ، فالله قرن هذين الاسمين في ثلاثة مواضع: في سورة البقرة في آية الكرسي، وفي أول سورة آل عمران، وفي سورة طه، ولما كان هذا شأنهما قال بعض العلماء: إنهما يتضمنان اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. ولأجل ذلك يندب أن يكثر العبد من التوسل بأسماء الله إذا دعاه، وأن يكثر من التوسل بهذين الاسمين، وكان من دعاء النبي ﷺ أن يقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث: أصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) ، فأفاد بأن هذين الاسمين يدعى الرب بهما كما يدعى ببقية الأسماء الحسنى، التي قال الله عنها: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: توسلوا بها في دعائه، فأنت مأمور أيها العبد عند الدعاء أن تتوسل بأسمائه سبحانه ومن جملتها: الحي القيوم، وبلا شك أن هذين الاسمين يتضمنان صفات الكمال، فإن الحي يتضمن إثبات الحياة، والحياة التي تثبتها لله تعالى هي أتم حياة وأكملها، وذلك بوصفها بأنها حياة مستقرة وأنها لا يعتريها نقص، فلا يعتريها النوم الذي هو أخو الموت، ولا يعتريها الموت كما في قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، ومن هذا الوصف يستحق الرب تعالى أن يكون هو الإله، ولأجل ذلك بدأ الآية بإثبات الإلهية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] في آية الكرسي وفي أول سورة آل عمران، بدأ الآية بالإلهية، فكأنه يقول: الإلهية الحقة لا تصلح إلا لمن هو حي قيوم. الحياة والقيومية الكاملة هي التي استحقها الرب واستلزمت جميع صفات الكمال، ومعنى كونها تستلزم صفات الكمال: أن من أثبتها لزمه أن يثبت بقية الصفات التي هي صفات الكمال. فإن الحياة كلما كانت كاملة لزم أن يكون غيرها من الصفات تابعاً لها، وأما من نفى شيئاً من الصفات فإنه إنما أثبت حياة ناقصة، وقد وصف الله نفسه بالسمع، والحياة تستلزم أن يكون سميعاً، وبالبصر، والحياة تستلزم أن يكون بصيراً، وبالكلام، والكلام لا بد أن يكون من حي، وكذلك بالقدرة وبالعلم وبالمشيئة والإرادة وما أشبه ذلك من الصفات التي يأتينا تفصيلها إن شاء الله تعالى. فعلى هذا فالمسلم عليه أن يلح في دعاء الله تعالى ويتوسل إليه بأسمائه، بعد أن يعتقد دلالة تلك الأسماء، فدلالة الحي على إثبات الحياة، ودلالة القيوم على إثبات القيومية التي هي القيام على خلقه بحيث يوصف بأنه القائم على خلقه المدبر لشئونهم.

стр. 127

الكلام على صفتي الخلق والرزق وما يتعلق بهما قال المؤلف ﵀: [قوله: (خالق بلا حاجة، رازق بلا مئونة) . قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] . وقال ﷺ من حديث أبي ذر ﵁: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) الحديث رواه مسلم، وقوله: بلا مئونة: بلا ثقل ولا كلفة] .

стр. 128

انفراد الله سبحانه بالخلق والرزق هذا من جملة ما وصف الله به نفسه وأخبر عن نفسه أنه الذي خلق الخلق ورزقهم، أي هو المنفرد بذلك وحده، فأما الخلق فليس له منازع، وأما الرزق فظاهر أنه الذي يسر أسباب الرزق، وأخبر بذلك ليعرفه العباد ويعبدوه وحده، فإذا علموا أنهم مخلوقون اعترفوا بأن لهم خالقاً، ذلك الخالق هو الله وحده، ما خلقهم لحاجته إليهم، ما خلقهم ليستكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة، ولا ليستغني بهم من عيلة، ولا ليستأنس بهم من وحشة، بل هو الغني عنهم وهم الفقراء إليه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥-١٧] .

стр. 129

الحكمة من خلق الله للجن والإنس وقد أخبر الله بالحكمة من خلقه لهذا الخلق، وهو أنه خلقهم لعبادته وأمرهم بطاعته، خلقهم ليعرفوه ويعبدوه وأمرهم بأن يوحدوه ويطيعوه، وهو الغني عنهم، ولهذا قال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٧] ، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] ، فهو الغني وهم الفقراء. إذا عرف العباد بأنهم مخلوقون وأن لهم خالقاً، عرفوا بأن ذلك الخالق غني عنهم وأنهم فقراء إليه، عرفوا بأنهم مملوكون وأن لهم مالكاً، عرفوا بأنهم مدبرون وأن هناك من يدبرهم ويسخرهم ويتصرف فيهم كما يشاء، ذلك الخالق والمالك والرب والمتصرف هو الذي يستحق أن يعبدوه، ولأجل هذا خاطبهم بذلك وذكرهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ، ابتدأ بنعمة الخلق بعدما أمرنا بأن نعبده، ومن أسباب أمره سبحانه بعبادته: أولاً: أنه خلقكم. ثانياً: أنه خلق من قبلكم. ثالثاً: أنه أنزل من السماء ماءً. رابعاً: أنه جعل لكم الأرض فراشاً. خامساً: أنه جعل السماء بناءً. سادساً: أنه أنبت النبات. كل ذلك من الأسباب التي هي منَّة ونعمة منه سبحانه.

стр. 130

حقيقة انفراد الله تعالى بالرزق وتيسير أسبابه أما قوله: (رازق) فمعلوم أنه الذي تفرد بالرزق وحده، وقد يقول قائل: بل العبد هو الذي يتكسب، والدواب هي التي تسعى في طلب الرزق، فإذاً كيف يكون ذلك رزقاً، ونحن نشاهد أن الإنسان هو الذي يكتسب الرزق؟! يقول هذا كثير من الناس، وأكثر من يقوله هم الملاحدة، حتى نقل لي بعض الإخوان عن بعض الملاحدة والعياذ بالله أنه لما قيل له: تذكر أن الله الذي يرزقك، فقال: كلا إنما ترزقني يميني والعياذ بالله، نسي أن الله حنن عليه أبويه في طفولته، نسي أن الله يسر له الرزق وهو في رحم أمه، حتى يأتيه الرزق من حيث لا يشعر. فالإنسان في بطن أمه يكون له باب واحد يأتيه الرزق منه، وهو حبل السرة الذي يتغذى من الدم، فمن الذي يسر ذلك له؟ هل للأبوين تصرف في هذا الجنين حتى يتم خلقه؟ ليس لهما تصرف، إذاً فالذي دبره على هذه الهيئة هو الذي يرزق. فلما خرج إلى هذه الدنيا من الذي فجر له هذين الثديين من صدر والدته، بهذا اللبن اللذيذ الذي يحصل به التغذي؟! من الذي ألهم هذا الطفل أن يمتص الثديين حتى يحصل على هذا اللبن الذي يتقوت به؟! عندما أخرجه الله إلى الدنيا فتح له بابين -وهما هذان الثديان- ليكون منهما رزقه وغذاؤه، لا يستطيع أن يحصل لنفسه هذا الرزق إلا أن ييسره الله له، من الذي حنن قلب أبويه عليه وجعل في قلوبهما الشفقة التامة إلى أن يحنوا عليه ويحدبا عليه ويحبا بقاءه ويسهرا ويتعبا في تحصيل راحته؟! لولا أن الله جعل ذلك في قلوبهما لما التفتا إليه ولما بقي على هذه الحياة مدة. بعدما فطم وترعرع من ذينيك الثديين، فتح الله له أربعة أبواب من الرزق: شرابان، وطعامان، فالشرابان: اللبن مأخوذ من الحيوان، والأشربة من الماء، والطعامان: اللحم طعام من الحيوانات التي سخرها الله للإنسان ليأكل من لحومها، وسائر الأطعمة مما تنبته الأرض، والله تعالى هو الذي يسر له ذلك. أولاً: باب واحد في بطن أمه. ثانياً: بابان بعدما خرج إلى الدنيا وكان رضيعاً. ثالثاً: أربعة أبواب بعدما فطم وأحس بالحاجة: طعامان، وشرابان. من الذي يسر أسباب الرزق؟ من الذي أنبت هذا النبات حتى أثمر وحتى أينع وأصبح صالحاً للقوت لو شاء الله تعالى لجعل الأرض حجراً لا تنبت، ولو شاء لجعل الأرض كلها ماءً لم يحصل بها هذا النبات ولا هذا الاستقرار، ولو شاء لجعل هذه الأرض سبخة لا ينبت فيها أي نبات أصلاً، بل لو أن الله جعل الأرض كلها ذهباً أو كلها فضة، هل يحصل الانتفاع بها وتنبت ويأكل الناس ودوابهم ويتقوتون بها؟ لا، ما تنفعهم. الله جعل الأرض رخوة صالحة للإنبات، فتبين بذلك أنه سبحانه هو الذي رزقنا، ولهذا يمتن علينا بأنه هو الذي رزقنا، ولسنا نحن الذي نرزق أنفسنا، ثم إذا كان الإنسان قد أعطي قوة حتى يتكسب ويجمع المال من هنا ومن هنا، فمن الذي أعطاه هذا العقل والفكر حتى يتسبب؟ ومن الذي أعطاه هذه الأدوات وهذه الآلات حتى يسير على قدميه وحتى يبطش بيديه وحتى يكتسب بهما؟ أليس هو الذي خلقه؟! إذاً فالله تعالى هو الخالق وهو الرازق، وإذا كان هو الخالق والرازق فهو الذي يستحق أن يعبد.

стр. 131

الكلام على الإماتة والبعث

стр. 132

حقيقة الموت ومآله يوم القيامة قال المؤلف ﵀: [قوله: (مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة) الموت صفة وجودية خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] ، والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً، وفي الحديث: (إنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار) ، وهو وإن كان عرضاً، فالله تعالى يقلبه عيناً، كما ورد في العمل الصالح: (أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح على أقبح صورة) ، وورد في القرآن: (أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون) الحديث، أي: قراءة القارئ، وورد في الأعمال: أنها توضع في الميزان، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض، وورد في سورة البقرة وآل عمران: (أنهما يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) ، وفي الصحيح: (أن أعمال العباد تصعد الى السماء) ، وسيأتي الكلام على البعث والنشور إن شاء الله تعالى] . يتكلم الشارح هنا على أن الموت مخلوق، رداً على الفلاسفة الذين يقولون: الموت أمر عدمي ليس له جرم، ويقولون: ليس هناك شيء مخلوق اسمه الموت، وكذبوا قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ [الملك:٢] قوله: (خلق الموت) فيه دليل على أن هناك شيئاً اسمه الموت، وأنه شيء محسوس، وقد أخبر النبي ﵊ بما يدل على أن هذا الموت شيء محسوس، وهو قوله عن يوم القيامة: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، جيء بالموت كأنه كبش فوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، ويقال لأهل النار: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) . فيزداد أهل الجنة فرحاً، ويزداد أهل النار حزناً؛ وذلك لأن أهل الجنة أيقنوا بأنهم سيلقون حياة مستقرة ليس بعدها موت، وأن أهل النار كانوا يؤملون الموت، كانوا يرجون الموت ويقولون: العدم خير من هذا الوجود، ويقولون كما حكى الله عنهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: بالموت، والله تعالى يقول: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] .

стр. 133

حقيقة تحويل الأعراض إلى أجرام والشاهد أنه أخبر في هذا الحديث بأن الموت شيء محسوس يرى ويعرف، يعلمون أنه هو الموت ولو كان عرضاً، فالله تعالى قادر أن يجعل العرض جسماً، ويجعل له جثة أو صورة كما في الأعمال التي هي أعراض، فقد أخبر في الأحاديث أن الله يجعلها أجساماً وأجراماً، وأنها توزن مع كونها أعراضاً. فمثلاً الصلاة ورد في الحديث: (أنه إذا صلى العبد فأحسن صلاته صعدت ولها نور فتفتح لها أبواب السماء وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا صلى وأساء في صلاته صعدت ولها ظلمة، فتغلق دونها أبواب السماء وتلعن صاحبها وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، وتلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها) . في هذا بيان أن الأعراض يجعلها الله تعالى أجساماً، وكذلك الكلام قد يجعل الله تعالى له أجراماً، ولهذا في الحديث يقول ﵊: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض) ، ومعلوم أن كلمة (الحمد لله) ، ليس لها جرم، ولكن يجعل الله لها جرماً وجثة حتى تملأ الميزان، وكذلك التسبيح والتكبير ونحو ذلك، وإذا كانت الأعمال توزن ولو كانت أعراضاً، فكذلك الموت ولو كان عرضاً يجعل الله له جرماً حتى يرى، فهو الذي خلق الموت وخلق الحياة.

стр. 134

عقيدة أهل السنة في الصفات الفعلية لله تعالى قال المؤلف ﵀: [قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً) . أي: أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده، ولا يرد على هذه صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإحياء الإماتة، والقبض والبسط والطي، والاستواء، والإتيان والمجيء والنزول، والغضب والرضا، ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك ﵁، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] ، كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) ؛ لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم لآفة كالصغر والخرس ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى: متكلماً بالقوة، بمعنى: أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى: متكلماً بالفعل، وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتباً في حال عدم مباشرته الكتابة. وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل] . في الكلام الأول ذكر الماتن ﵀: أن صفات الرب تعالى أزلية، وأنه موصوف بها في الأزل قبل أن تحدث الأفعال التي ظهرت بها، فيعتقد المسلمون أن الله قديم بصفاته، ويردون بذلك على النفاة الذين ينفون الصفات ويقولون: إنه إذا أثبتناها لزمنا تعدد القديم، وهذا اللازم باطل، فالله تعالى قديم بصفاته سواء الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية، ليس منها شيء متجدد بعد أن لم يكن، فصفاته الذاتية التي أخبر عنها كوجهه ويده والعين وما أشبه ذلك، هذه قديمة لم يحدث منها شيء. أما صفات الفعل كالعلم والكلام والقدرة والإرادة والمحبة والبغض والكراهة وما أشبهها فهو موصوف بها أزلاً وإن لم تحدث أسبابها، يعني: وإن لم يحدث من يغضب عليه، فهو موصوف بأنه يغضب وبأنه يرضى قبل أن يوجد خلق يغضب عليه أو يرضى عنه، وهو موصوف بأنه يحب ويكره قبل أن يحدث الخلق الذين يحب منهم الصالحين ويكره أو يبغض غيرهم، وموصوف بأنه يعجب وبأنه يفرح وبأنه يضحك وبأنه يجيء وينزل وبأنه يستوي على العرش إلى غير ذلك من الصفات، فهو موصوف بذلك أزلاً قبل أن تحدث أسباب ذلك، هذه عقيدة أهل السنة.

стр. 135

عقيدة أهل السنة في تجدد الصفات الفعلية لله تعالى معلوم أن هذه الأفعال تسمى صفات فعلية، ومعلوم أنها تتجدد، ولأجل ذلك كانت عقيدة أهل السنة أن كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد، يعني: أنه متكلم وأنه يتكلم بخلاف من يقول من المعتزلة ونحوهم: إن كلام الله قديم، ومعناه أنه لا يتكلم الآن، تعالى الله عن ذلك، وهكذا بقية الصفات فيقال: الله موصوف في الأزل بأنه يغضب ويرضى ولا يزال على ذلك حتى يوم القيامة، وقد أخبر الأنبياء بأنه يغضب وبأنه قد غضب، كما في حديث الشفاعة يقول آدم: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) ، وكذلك يقول نوح وإبراهيم وموسى وعيسى إذا طلب منه الشفاعة، فيدل على أن الله موصوف بالغضب أزلاً وأنه يغضب إذا شاء. ومعلوم أن المعاصي التي رتبت عليها العقوبات تحدث فتحدث آثارها. فإذا كان الله تعالى يرضى عن المؤمن، فإذا وجد المؤمن وآمن وعمل صالحاً ﵁، وإذا كان يغضب على العاصي، فإذا وجد ذلك العاصي ووجدت منه معصية غضب الله عليه. فإذاً هذه الأفعال تتجدد، ولا يقال إنها أتت مرة ثم انقطعت، هكذا صفات الله الفعلية، كذلك صفة النزول لم تكن حدثت مرة ثم انقطعت، وكذلك صفة المجيء يوم القيامة فقد أخبر الله بأنه يجيء يوم القيامة كما في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] يعني: يوم القيامة، فإذاً ذلك دليل على أن صفات الله التي هي أفعال أزلية وأبدية، وأنه لا يزال متصفاً بها.

стр. 136

الفوائد المستفادة من إثبات أسماء الله وصفاته ومعرفتها نستفيد من عقيدة إثبات أسماء الله تعالى وإثبات صفاته ومعرفة أسمائه التي سمى بها نفسه أو سماه بها نبيه ﷺ ، يستفيد منها المسلم فوائد منها: أن يدعوه بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] . ومنها أن يعتقد مدلولها ويكون اعتقاده لمدلولها دافعاً له على الخوف والرجاء، وعلى أعلى أنواع العبادة، فإن من اعتقد أن الله تعالى لا إله غيره خصه بالإلهية، ومن اعتقد أنه حي لا ينام، قيوم لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، وأنه أول وآخر أزلي لم يسبق بعدم وأنه لا يأتي عليه العدم، واعتقد أنه موصوف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص؛ من اعتقد هذا الاعتقاد؛ عظم قدر ربه في قلبه، ومتى عظم الله بكونه الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء، والذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والذي هو الحي القيوم، والذي هو الأول والآخر، وهو الظاهر والباطن، والذي هو غني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه؛ لا شك أن من عرف ربه بهذه الصفات فإنه يدعوه بها، وكذلك يعظمه بموجبها، هذه فائدة معرفة هذه الأسماء والصفات. وقد تقدم شرح (الحي القيوم) ، وكذا (الأول والآخر) ، وكذا (المحيي والمميت) ، وما أشبهها من أسماء الله، وكذلك من صفات النفي، كما في قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ولا يشبه الأنام، ولا يعجزه شيء، وما أشبهها. فالمسلم يعتقد ثبوت صفات الكمال، ويستفيد منها تعظيمه، وينتج من تعظيمه عبادته حق العبادة.

стр. 137

حكم إطلاق نفي حلول الحوادث ومعناها عند أهل السنة وغيرهم قال رحمه الله تعالى: [وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو غير لازم له، وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه. وكذا مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير فيه إجمال فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له. ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره؛ لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل، فإن أريد به أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة كلا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة فإن هذا محال، ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتاً ووجوداً، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج. وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره وهذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد. فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه. وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير الله. وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن (ذات) في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى: صاحبة كذا، تأنيث (ذو) هذا أصل معنى الكلمة. فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات كما يفرض المحال، وقد قال ﷺ : (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) ، وقال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ، ولا يعوذ ﷺ بغير الله، وكذا قال ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) ، وقال ﷺ : (ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) وقال ﷺ : (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) ] .

стр. 138

شبهة نفي حلول الحوادث والرد عليها تكلم أولاً: على بعض الشبهات التي يروجها نفاة صفات الله تعالى، فمن شبهاتهم قولهم: إن الله منزه عن حلول الحوادث، فإذا سمع ذلك الجاهل اعتقد أنهم صادقون واعتقد أن الله لا يجوز أن تحل به الحوادث، فإذا سلم ذلك ووافق عليه قالوا: لا يجوز أن يوصف بالكلام الحادث، ولا أن يوصف بأنه يحدث له غضب، ولا رضا، ولا أن يحدث له كراهية أو سخط وما أشبه ذلك، فينفون الأفعال الاختيارية بحجة أنها حادثة والحادث لا يوصف به الرب، وعندهم أن الرب قديم لم يحدث منه شيء، ولا يجوز أن يوصف بصفة تحدث، وموافقتهم على هذه القاعدة خطأ. فإذا قالوا: القاعدة تنزيه الله عن حلول الحوادث، فيقال لهم: ماذا تريدون؟ إن أردتم أن الله لا يحدث له صفة لم تكن موجودة في الأزل فهذا صحيح، فإن الله تعالى يسمى خالقاً قبل وجود المخلوقين ورازقاً قبل أن يكون هناك من يرزقهم، وهو المحيي والمميت قبل أن يوجد الخلق الذين يحيي منهم من يشاء ويميت منهم من يشاء، يعني: أنه متصف بالفعل أزلاً وإن لم تكن المفعولات موجودة، فإن الذي يكون قادراً على الفعل يصح أن يوصف به ولو لم يزاوله، فإذا رأيت إنساناً ساكتاً صامتاً قلت: هذا الإنسان متكلم، أي أنه ليس أخرس، ولو كان في تلك الحال صامتاً، يعني أنه متكلم بالقوة، فكذلك يقال: الله يحيي ويميت، أي: أنه متصف بصفة القدرة على الإحياء والإماتة والخلق والرزق والتصرف والتدبير قبل أن توجد المخلوقات، ولكن بعد وجود هذه المخلوقات فإن الله تعالى يميت من يشاء ويحيي من يشاء، ويرزق هذا ويفقر هذا ويغني هذا، ويصح هذا ويسقم هذا، ويرفع هذا ويخفض هذا، وكل هذه صفات حادثة، فأصل الصفة موجود ليس بحادث ومفرداتها حادثة. كذلك نقول: الله تعالى متكلم في الأزل ويتكلم إذا شاء، ليس معناه أنه تكلم أزلاً ثم انقطع كلامه، بل كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.

стр. 139

شبهة: أن صفات الله زائدة على ذاته والرد عليها ومن شبهاتهم قولهم: إن صفات الله زائدة على ذاته، وهذه شبهة باطلة، فليست صفاته زائدة على ذاته بل صفات الله من ذاته، وهو واحد بصفاته، ولا يلزم من إحداث الصفات تعدد القدماء كما يقولون، فليس هناك تعدد. وذلك أنهم يقولون: إن قولكم: ذات الرب قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وعلمه قديم وقدرته قديمة، فأنتم لم تثبتوا واحداً بل أثبتم عدداً! وهذه شبهة باطلة، فإن الله تعالى واحد بصفاته، فليست الصفات خارجة عن الذات، ولا يتصور أن تكون هناك ذات مجردة عن جميع الصفات، ولو لم يكن إلا صفة الوجود فصفة الوجود ملازمة لكل موجود، فلا يمكن أن يُفْرَض شيء ليس له صفات، وهو مع ذلك له ذات، بل كل ذات يلزم أن يكون لها صفات.

стр. 140

شبهة: أن صفات الله غيره والرد عليها ومن شبهاتهم قولهم: إن صفات الله غيره، وهي أيضاً شبهة باطلة، فليست صفات الله تعالى غيره، بل صفاته من ذاته فنضرب مثلاً -ولله المثل الأعلى- المخلوق لا يقال: إن صفاته غيره، فإذا رأيت إنساناً فإنك لا تقول: جاء زيد ويداه ورجلاه ورأسه وبطنه وظهره وعيناه وأذناه، بل تقول: جاء زيد، وتدخل صفاته في ذاته وفي شخصه، فهو شيء واحد وشخص واحد بهذه الصفات، ولا يلزم من كونه ذا صفات أن يكون عدداً، فلا تقول: جاءني عشرة: عينان وأذنان ويدان ورجلان وشفتان، بل شخص واحد مسمى بهذا الاسم، فكذلك الله ليست صفاته زائدة على ذاته، بل صفاته من ذاته. فإذا اعتقد المسلم أن الله موصوف بهذه الصفات التي هي صفات الكمال اعتقد مدلولها، فإذا اعتقد أن الله يغضب حذر من أسباب الغضب، وإذا اعتقد أنه يرضى فعل أسباب الرضا، وإذا اعتقد أنه الذي يحيي ويميت عبده وعرف حقه، وإذا اعتقد أنه هو الذي يفقر ويغني وأنه الذي يمنع ويعطي عرف أن العبادة لا تصلح إلا له، وهكذا، فمعرفة هذه الصفات تزيد العبد بصيرة في دينه، وتحمله على التمسك بدينه، وعلى الإكثار من التقرب إلى الله تعالى بحقوقه.

стр. 141

الكلام على مسألة الاسم والمسمى قال المؤلف ﵀: [وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره، وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو (سمع الله لمن حمده) ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن: من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال: فان أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى. والشيخ ﵀ أشار بقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه، لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. وعلى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً منه. وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته. وأصل هذا الكلام من الجهمية فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئته، بل يمتنع أن يكون قادراً على ذلك، لأن القدرة على الممتنع ممتنعة. وهذا فاسد، فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً فلا بد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، فليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادراً عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها] . معنى ذلك: أن صاحب المتن لما ذكر قدم أسماء الله التي هي في الأصل تتضمن صفات كالرازق الذي يستلزم أن يكون هناك مرزوقون، والخالق الذي يستلزم أن يكون هناك مخلوقون، وكذلك المحيي والمميت الذي يلزم منهما أن يكون هناك خلق يحييهم ويميتهم، وكذلك اسم العليم يلزم أن يكون هناك ما يعلمه، وهكذا المعز والمذل والخافض والرافع والمعطي والمانع، لا شك أنها أسماء لها آثار في الخلق، فآثارها كونه يعطي هذا ويمنع هذا ويحرم هذا ويميت هذا ويحيي هذا ويعز هؤلاء ويذل هؤلاء ويخفض قوماً ويرفع آخرين. وهذه الصفات موصوف بها الرب تعالى في الأزل قبل أن يوجد الخلق، خلافاً لقول المعتزلة والجهمية والكلابية ونحوهم الذين يقولون: إنما حدثت بعد حدوث المخلوقات، وهذا خطأ، بل قولهم: بامتناع حوادث لا أول لها، الأولى بنا عدم الخوض في مثل ذلك، وأن نقول: الله أعلم بالمخلوقات التي خلقها أولاً، ومتى ابتدأ خلقه لها، لا نقول: إن المخلوقات ليس لها مبدأ، لكن نعلم أن ما سوى الرب تعالى حادث، والرب تعالى قديم أزلي أول، ونعلم أن حكمة الله تعالى في هذه الموجودات أنه أوجد هذا الكون بما فيه؛ ليعرف بذلك قدره ولتعرف بذلك أهليته للعبادة، وليعرف المسلمون بذلك أنهم مخلوقون لأداء حقوق ربهم الذي هذا خلقه وهذا تكوينه، قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] ، هكذا يجب أن يعتقد المسلم.

стр. 142

مسألة تسلسل الحوادث

стр. 143

منع الجهمية من حوادث لا أول لها والرد عليهم قال المؤلف ﵀: [قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له؛ وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له بخلاف جنس الحوادث. فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكناً بعد أن لم يكن ممكناً، وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء] . شبهة أيضاً من شبهات المعتزلة أو الجهمية ونحوهم، ولا يحتاج المسلم إلى معرفة أصول الرد عليهم في قولهم بأن هذه حادثة في وقت كذا وكذا؛ وذلك لأنا لا نعلم وقت حدوث هذه المحدثات، ويمكن إذا قدرنا أنها حدثت مثلاً قبل مائة ألف سنة أن يقول قائل: يمكن أنها قبل مائتين، ويقول آخر: يمكن أنها قبل ألفين، ويقول آخر: قبل ذلك بألوف. فإذاً ليس هناك وقت يلزم العباد بأنه حدثت فيه هذه المحدثات، لكن نعرف أنها حادثة، فالله تعالى ذكر أنه خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] يعني: كان معدوماً، وخلق الجن بعد أن كانوا معدومين، وخلق الملائكة بعد أن كانوا عدماً، وهكذا أيضاً خلق السموات والأرض في ستة أيام بعد أن لم تكن موجودة، وهكذا سائر المخلوقات الله الذي ابتدأ خلقها، ولا شك أنه أوجد هذه الموجودات وبث هذه الدواب مثلاً على هذه الأرض، وخلق هذه الأنهار وهذه البحار والأشجار والثمار والآبار ونحو ذلك، هو الذي ابتدأها بعد أن لم تكن موجودة، ويمكن أنه خلق قبلها مخلوقات لا ندركها ولا نعلمها، فالله تعالى هو المنفرد بالخلق والتصرف، وإنما علينا أن نعتبر بما نرى، نعرف أن هذه الموجودات التي خلقت خلقت لنا للاعتبار، نأخذ منها دلالة وعبرة على أن خالقها هو خالق كل شيء، وأن الذي هو خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده؛ فنعبده ونخلص العبادة له ولا نتجاوز ذلك، هذا هو الأولى بالمسلم. قال المؤلف ﵀: [ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث، أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان، وهو مصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كان ممتنعاً، من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل، وهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكناً، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً، وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه، فإنه يعقل كون الحادث ممكناً، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكناً فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه] . الممكن: هو الذي يتصور وجوده وحدوثه، الممتنع: هو ما لا يتصور العقل وجوده، أو ما لا يمكن أن يحدث، الممتنعات: هي المستحيلات. ومعلوم أن هذه المخلوقات كانت معدومة فوجدت لإمكان حدوثها، وأن هناك أشياء مستحيلة ولم تكن، وممتنعة ولم تحدث، مثل: الجمع بين الضدين، فلا يمكن مثلاً أن يكون المكان الضيق مظلماً ومنيراً في وقت واحد، فلا يجتمع فيه النور والظلمة لكونهما ضدين، ولا يجتمع في وجه إنسان كونه أبيض وأسود، ولا في ثوبه مثلاً أنه أحمر وأبيض؛ لأن اجتماع الضدين من الممتنعات، ومعلوم أن الله تعالى لا يعجزه شيء وأنه قادر على أن يجمع بين الضدين، وقادر على أن يخلق المستحيل، ولكن جرت العادة بامتناع هذا في التصور، وأخبر بأنه قد يوجد بعض الأشياء مثل الأمور الغيبية، كقوله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ، كأن العاقل يقول: مستحيل أن يكون الشيء لا ميتاً ولا حياً، يقال: ليس بمستحيل بل يمكن في قدرة الله أن يكون ميتاً حياً في آن واحد، وإن كان المراد أنه لا يحيا حياة يستلذ بها في النار، ولا يموت موتاً يستريح منه، بل هو متألم يتمنى الموت ولا يحصل له؛ لهذا السبب نفيت عنه الحياة والموت، وعلى كل حال وصف الرب سبحانه بالأفعال عام في أنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر على أن يجمع بين المختلفات، وأن يوجد المتضادات، ولكن جرت العادة بأن هذا الممتنع لم يحدث ولم نره مع قدرته على أن يحدثه.

стр. 144

مذاهب الناس في تسلسل الحوادث [فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط، أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم. أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. وثانيها: قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار، ولم يقل أحد: يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل. ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم. ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع محال، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء؛ فإن الرب لم يزل ولا يزال، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] . والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، وحينئذٍ فإذا كان النوع دائماً فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه، وأما دوام الفعل فهو أيضاً من الكمال؛ فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه دوام كمال] . الأفعال التي ذكرها ودوامها في الماضي، أو دوامها في المستقبل، أو في الماضي والمستقبل هذه من الأمور الغيبية، ومعنى دوامها في الماضي أن الله تعالى قديم، وأنه لم يزل يخلق، لم يكن في زمن معطلاً عن الخلق، ولم يكن في زمن غير موجود خلْق يدبرهم ويتصرف فيهم، وكذلك في المستقبل، أي: أنه لا يزال موجوداً، وأنه بعدما يفنى هذا الخلق يحييهم مرة ثانية ويبقى متصرفاً فيهم، يعني: يعلم أحوالهم وما يصيرون إليه، ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء، ويعطي ويمنع وتظهر آثار أفعاله على المخلوقات، فلا شك أن هذا ونحوه من جملة ما يعتقده المسلمون.

стр. 145

التوقف عن القول بتسلسل الحوادث بالماضي ولكن قد ذهب بعض الفلاسفة إلى أن هذا الوجود لم يسبق بعدم، وأن هذا النوع الإنساني قديم ليس له بداية وليس له أول، وأنكروا أن يكون هناك بشر اسمه آدم خلق من تراب، وأنكروا أن يكون لهذا الخلق نهاية، وأن تكون هناك الساعة التي تقوم، وأن يكون هناك النفخ في الصور وما أشبه ذلك، واعتقدوا أن هذا النوع لم يزل، وأن جنس هذا المخلوق أزلي قديم، وأنه مستمر بلا نهاية، ولا شك أن هذا فيه إنكار من وجوه: أولاً: إنكار للأمور الغيبية التي أخبر الله تعالى بها. ثانياً: إنكار للجزاء على الأعمال التي أخبر الله بأنه يجازي عليها عباده في الآخرة. ثالثاً: إنكار لشرع الله وأمره ونهيه وأحكامه التي حكم بها على العباد. وإنكار ذلك كله يخرج من الملة، والواجب على المسلم أن يكون معتقداً لما أخبر الله به من كونه هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال، ومن كونه هو المتصف بالخلق وبالتصرف وبالتدبير لشئون العباد، ويعتقد أيضاً أنه هو المتفرد بإيجادهم وحده ولم يكن هناك من أوجدهم غيره، وكونه يعتقد أن قبلهم خلقاً غيرهم، وقبل الخلق خلقاً، وقبل الأولين أولين، فهذا من الأمور الغيبية التي لم يطلعنا الله عليها. ونقول: الله أعلم بمن كان قبل ذلك وبأفعاله قبل ذلك، إلا أننا نعتقد أنه موصوف بهذه الصفات وإن لم تظهر آثارها، كما ذكر في المتن أنه ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بعد وجود من يرزقهم استفاد اسم الرازق، بل اسمه الخالق قبل أن يبدأ الخلق، واسمه الرازق قبل أن يوجد الخلق الذين يرزقهم؛ لأنه خالق بالقوة قبل أن يخلق وإن لم يكن خالقاً بالفعل. ونتوقف عن تسلسل الحوادث في الماضي، ونقول الأمر غيب، ولم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك، وليس لنا التدخل في هذه الأمور؛ لأنها من الأمور التي لا يضر جهلها ولا يفيد علمها، وقد توقع في شيء من الحيرة ومن الاضطراب، والمسلم عليه أن يقتصر على ما فيه فائدة له في العقيدة، وأن يعتقد ما ينفعه وما يكون دافعاً له إلى معرفة ربه بأسمائه وبصفاته، وإلى التقرب إلى الله تعالى بموجب تلك الأسماء.
следующие страницы →