← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بيان أن مصطلح الفناء ونحوه غلو في الدين قال المؤلف ﵀: [هذه النقول والعقول حاضرة، فهذا كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النصارى في دينهم، وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] ، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] وقال ﷺ : (لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود] . أولاً: ذكر أن هذه الاصطلاحات لم يأت بها كتاب ولا سنة، يعني كلماتهم الاصطلاحية التي يتغالون فيها، كتقسيم التوحيد إلى ثلاثة، وتقسيم الفناء أيضاً إلى ثلاثة، وما أشبه ذلك، فكلها ليس عليها دليل، وإنما هي اصطلاحات من عندهم. ثانياً: ذكر أن هذا بسبب الغلو والغلو هو الزيادة عن المطلوب أو على الوارد، والتشدد فيه، وقد حكى الله أن النصارى غلوا في عيسى حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] أو ثالث ثلاثة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] أو ابن الله: ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] هذا من الغلو الذي ذمهم الله به، وقد وقع الغلو في هذه الأمة في العبادات وفي غيرها، كما فعلت الخوارج، فإنهم غلوا حتى كفروا بالذنوب. ووقع الغلو في بعض الأشخاص كالرافضة حيث غلوا في أهل البيت، حتى اعتقدوا فيهم العصمة، وفضلوهم على كثير من الرسل، وأعطوهم شيئاً من حق الله. وقد ذم الله تعالى الغلو ونهى عنه كما في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] وفي سورة المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة:٧٧] الآية. وكذلك في الأحاديث؛ ففي هذا الحديث الذي ذكره النهي عن التشدد، وذم المتشددين فإن من المتشددين النصارى (فإن قوماً شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها) ، وكذلك جاء الذم بلفظ الغلو في قوله ﷺ : (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) ، ذكر أنه أهلك من كان قبلنا، ودين الله تعالى وسط بين الغالي والجافي، والغالي هو الزائد، والجافي هو المقصر، ولعله يأتينا في الغلو ما هو أوسع من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 72

الرد على المشبهة والمعطلة بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) قال المؤلف ﵀: [قوله: (ولاشيء مثله) اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على الممثلة المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم. ويُراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك] . في هذه العبارة وهذه الجملة رد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الخالق بالمخلوق، فهناك مشبهة للخالق بالمخلوق، وهناك مشبهة لأفعال الخالق بأفعال المخلوق، وهناك مشبهة للمخلوق بالخالق، والكل ضالون.

стр. 73

تشبيه الخالق بالمخلوق كفر الذين شبهوا المخلوق بالخالق: كالنصارى الذين شبهوا عيسى بالله فـ ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة:١٧] أو قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ومثلهم جميع الذين يعظمون المخلوقين ويعطونهم شيئاً من حق الله، فإن هؤلاء شبهوا المخلوق بالرب تعالى حيث رفعوا المخلوق وأعطوه ما لا يستحق، ومن هؤلاء أيضاً القبوريون، فإن القبوريين الذين غلوا في المخلوقين قد وصفوهم بصفات لا يستحقها إلا الخالق، ولا شك أن هؤلاء شبهوا المخلوق ورفعوا قدره حتى أعطوه شيئاً من خصائص الخالق سبحانه.

стр. 74

تشبيه أفعال الخالق بالمخلوق ضلال أما التشبيه في الأفعال: فهو أن تجعل أفعال الله كأفعال المخلوق، أو تجعل أفعال المخلوق كأفعال الخالق، وتفصيل ذلك والأمثلة عليه معروفة وتحتاج إلى توسع ليس هذا محله. ولكن يجب أن نعرف أن الله تعالى موصوف ببعض الأفعال وقد يوصف بها العبد، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فالله تعالى أخبر بأنه استوى على العرش، والإنسان موصوف أيضاً بالاستواء، قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] وليس الاستواء كالاستواء. كذلك وصف الله تعالى نفسه بالمجيء في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وليس مجيء الله مثل مجيء الملائكة، بل مجيء الله يليق به، وكذلك وصف نفسه بالإتيان، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] وليس إتيان الله كإتيان الملائكة والملائكة مخلوقون، فلهذا نقول إنها من الأفعال، ولا يجوز التشبيه فيها.

стр. 75

التشبيه في الصفات الذاتية ضلال وكذلك لا يجوز أيضاً التشبيه بالصفات الذاتية التي أثبتها الله لنفسه، فإذا أثبت الله لنفسه اليدين في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، نقول: لا كيدي المخلوقين، وإذا أثبت لنفسه الوجه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] ، وفي قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وفي قول النبي ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وفي قوله ﷺ : (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) وأشباه ذلك، فنقول: ليس كمثله شيء في ذلك، فأهل السنة يقولون: إنه وصف حقيقي، ولكن ليس مثل صفات المخلوقين وخصائصهم. هذا هو معنى التشبيه، ولكن سمعنا أن هناك من استعمل التشبيه وأراد به نفي الصفات، وهذه الطريقة سلكتها المعتزلة أتباع جهم بن صفوان ونحوه، وجعلوا النفي مطلقاً، ونفوا عن الله كل صفة وجدت في المخلوق، وزعموا أن إثباتها تشبيه، فصاروا يتعلقون بهذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولا يتمونها، أو لا يعملون بآخرها، فإن في آخرها رداً عليهم في نفيهم للصفات، وقد روي أن كبيراً من كبرائهم يقال له: ابن أبي دؤاد قال لأحد الخلفاء: أريد أن تكتب على الكعبة قوله: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) هرباً من إثبات السمع والبصر! فلا شك أن هؤلاء غلواً في النفي، ولازم قولهم أن كل صفة موجودة في أي مخلوق لا يجوز إثباتها للخالق، يعني نقول: يلزمكم أن تنفوا صفة الحياة، وأن تنفوا صفة الوجود، وصفة الذات، وما أشبه ذلك، وإذا قلتم: إن لله ذاتاً، قلنا: شبهتم، فالمخلوق له ذات، فإذا قالوا: لا تشبه ذواتنا، قلنا: لماذا لا تقولون: وسمعه لا يشبه سمع المخلوقين، وبصره لا يشبه بصر المخلوقين؟ وعلى كل حال فالآية دليل لأهل السنة، ولكن اتخذها المعتزلة دليلاً لهم ولم يعملوا بآخرها؛ لأن في آخرها رداً عليهم، يقول العلماء: قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة، فهذا بعض آية فيه رد على طائفتين: طائفة غلت في النفي، وطائفة غلت في الإثبات. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على الغلاة في الإثبات ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على الغلاة في النفي.

стр. 76

الرد على المعطلة في غلوهم في نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق

стр. 77

ذكر بعض النصوص التي تذكر أسماء وصفات مشتركة بين الخالق والمخلوق قال المؤلف ﵀: [وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود، عليم، قدير، حي، والمخلوق يقال له: موجود، حي، عليم، قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل؛ فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمي. فسمى نفسه: حياً عليماً قديراً رءوفاً رحيماً عزيزاً حكيماً سميعاً بصيراً ملكاً مؤمناً جباراً متكبراً، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥] ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:٧٩] ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة:١٨] ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي ولا العليم العليم، ولا العزيز العزيز، وكذلك سائر الأسماء. وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته) رواه البخاري. وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك بغير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) . فقد سمى الله ورسوله صفات الله: علماً وقدرة وقوة، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤] ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء] .

стр. 78

الرد على المعطلة النفاة أراد بهذا الرد على أولئك الذين كلما جاءتهم صفة لله موجودة في المخلوق نفوها عن الله تعالى وجعلوها مجازاً، أو تأولوها بتأويلات بعيدة، وزعموا أن إثباتها فيه شيء من التشبيه، فيقال: يلزمكم على هذا أن تفرقوا بين صفات المخلوقين، وأن تجمعوا بين صفاتهم وصفات الخالق، ويرد عليهم بهذه الآيات. وفيما تقدم من كلام المؤلف: أن الله سمى نفسه بعدة أسماء وسمى بها بعض خلقه، فمن أسمائه: العزيز، وسمى بعض خلقه بذلك بقوله: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] ومن أسمائه: الملك، وسمى به أيضاً بعض خلقه في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:٧٩] ومن أسمائه: المؤمن، كما في سورة الحشر، وقد سمى به أيضاً بعض خلقه، وكثيراً ما يذكر المؤمن والمؤمنين والمؤمنات، ومن أسمائه الجبار المتكبر، وقد سمى به أيضاً بعض خلقه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] . ومعلوم أنه ليس الاسم كالاسم، فليس الملك كالملك، وليس العزيز كالعزيز، وليس الجبار كالجبار، فملك الله ليس كملك المخلوق، وعزة الله ليست كعزة المخلوق، إذ عزة المخلوقين محدودة، وهكذا يقال في بقية الأسماء. فكذلك إذا سمى الله نفسه السميع البصير ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] ، وسمى الإنسان بقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] ، عرف أنه ليس السمع كالسمع، وليس البصر كالبصر، وإن كان الاسم متحداً، فإن السمع هو: إدراك الأصوات، والبصر هو: إدراك المبصرات والمرئيات، ولكن بينهما تفاوت. هذا في الأسماء. وكذلك يقال في الصفات: إذا وصف الله نفسه بالعلم، ووصف به بعض خلقه، عرف أنه ليس العلم كالعلم، بل بينهما فرق، فعلم الله ليس كعلم المخلوق الذي هو حادث، والذي يعتريه نسيان وتغير، فالله وصف نفسه بالعلم وهو صفة ذاتية، فلا يعتريه جهل ولا تتغير معلوماته ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] ووصف أيضاً بعض خلقه بالعلم: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] وليس العلم كالعلم. وكذلك القدرة كما في هذه الأحاديث في قوله: (بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق) وفي قوله: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي) وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا إثبات لهذه الصفة. فإذا أثبتها المسلم فإن عليه أن يعتقد أنه ليس معناها كالمعنى الذي يثبت للمخلوق، بل صفة المخلوق تليق به، وصفة الخالق تليق به، وبهذا إن شاء الله يصير المؤمن موحدا، فإذا أثبت الصفات ولم يعتقد فيها شيئاً من التشبيه، لامتناع التشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولم ينفها عن الخالق، واعتقد أنها حقيقة لائقة بالخالق سبحانه، وأن صفات المخلوق يعتريها التغير والنقص، وليس كذلك صفات الخالق فلا يكون هذا مشبهاً. بل المشبه كما عرفنا هو الذي يبالغ فيقول: يد الله كأيدينا، وسمعه كأسماعنا، وذاته كذوات المخلوق؛ تعالى الله عن ذلك! وهؤلاء هم الذين رد الله عليهم بعدة آيات كما في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وفي قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وفي قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وأشباه ذلك، فإن هذا رد على الذين جعلوا المخلوق كالخالق، أو الخالق كالمخلوق، تعالى الله عن قولهم!

стр. 79

شرح العقيدة الطحاوية [٨] يخالف في إثبات الصفات لله تعالى كثير من الفرق، وهم درجات في الإنكار، وقد رد عليهم أهل السنة، وألزموا من أثبت صفة بإثبات جميع الصفات، ومن أثبت الأسماء فقط بإثبات الصفات، بل ألزموا من أنكر الأسماء والصفات بإثباتها بناء على إثباته للذات، وليس هذا فحسب، فقد ألزموا الدهرية بإثبات خالق واجب الوجود له أسماء وصفات.

стр. 80

وسطية أهل السنة بين المشبهة والنفاة تقدم أن التوحيد قسمان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الذات. وتوحيد الأسماء والصفات. يسمى الأول: توحيد الربوبية. ويسمى الثاني: توحيد الصفات. وتوحيد الطلب والقصد، وتوحيد الطلب والقصد هو توحيد العبادة. وتوحيد الذات أو الربوبية قد أقر به المشركون، وإنما أنكره بعض الدهرية الذين يخالفون المعقول والمنقول، وهم الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] . وأما توحيد الصفات فقد تقدم أيضاً تعريفه، وأنه إفراد الله تعالى بصفات الكمال، واعتقاد أنه موصوف بكمال الصفات، وأنه منزه عن صفات النقص، وأن صفاته الثابتة له لا يشبهه فيها غيره، فينبني هذا النوع على النفي والإثبات، فالنفي هو نفي مماثلة المخلوقات، والإثبات هو إثبات صفات الكمال. وسماه السلف توحيداً لكثرة من خالف فيه في زمانهم فقد كان الخلاف في إثبات الصفات شديداً، حيث دخل في الإسلام من أنكر حقيقة الصفات، ونفى صفات الكمال عن الرب ، فاحتاج السلف أن يعتنوا بالأدلة التي تبين ثبوت تلك الصفات لله سبحانه، والأدلة التي تبين توحده، وعدم مشابهة المخلوقات للرب تعالى في خصائصه أو شيء من صفاته. ثم ذكرنا عن السلف أنهم مع الإثبات ينفون التشبيه، ولكن المبالغة في النفي قد صارت سمة للمعطلة، ولذلك يقول بعض السلف: إذا رأيت الإنسان يبالغ في نفي التشبيه فاتهمه أنه من نفاة الصفات، وذلك لأن كثيراً من النفاة يرددون أن الله لا شبيه له ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] لا يشبهه شيء لا يشبه الأنام، ويقصدون بذلك نفي الصفات كلها، ويدعون أن كل صفة وجدت في المخلوق لا يجوز إثباتها للخالق، وهذا في الحقيقة تعطيل، وإنما الواجب أن تثبت على ما يليق بالخالق تعالى، وينفى عنها مشابهة المخلوق، هذه هي طريقة أهل السنة. وقد قرأنا الآيات التي فيها أن الله وصف نفسه بصفات موجودة في المخلوق، وسمى نفسه بأسماء قد سمى بها بعض الخلق، وأنه لا يلزم التماثل، فنحن نقول: إن الله تعالى سميع بصير، والإنسان سميع بصير، ولكن ليس هذا كهذا، وهكذا يقال في بقية الأسماء والصفات كما تقدم، فنستحضر أن المبالغة في نفي الشبيه قد يتخذها النفاة ذريعة إلى نفي الصفات كما تقدم، وسيأتي الكلام على هذه الجملة وما بعدها.

стр. 81

إلزام المخالفين لأهل السنة بإثبات إله متصف بما وصف به نفسه

стр. 82

إلزام من أثبت بعض الصفات بإثبات الصفات الأخرى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤] ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] ، ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة. وهذا لازم لجميع العقلاء، فإن من نفي صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه، كالرضى والغضب والحب والبغض ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم! قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما أثبته، إذ لا فرق بينهما] . هنا يرد على بعض النفاة، وهم من يدعون بالأشاعرة، فإنهم يثبتون أن الله يسمع ويبصر ويتكلم ويقدر ويعلم ويريد، ويثبتون له الحياة، ومع ذلك ينفون الصفات الفعلية، فنفوا أن الله يحب أو يبغض أو يفرح، وكذلك ينفون أن لله سبحانه وجهاً أو يداً كما أثبت لنفسه، وهكذا بقية الصفات. فإذا طلب منهم سبب النفي قالوا: إن هذه موجودة في المخلوق، فالمخلوق يغضب ويرضى ويحب ويبغض، فلا يكون الرب مثله. قيل لهم: عجباً لكم! إذاً: أنتم تقولون إن الله يريد ويعلم ويسمع ويتكلم ويقدر، والمخلوقون كذلك، لهم إرادة وسمع وبصر وعلم وقدرة، فما الفرق بين ما أثبتم وما نفيتم؟! ولا يجدون سبيلاً إلى الفرق، فتنقطع بذلك حجتهم، حيث فرقوا بين ما جمع الله بينه، فأثبتوا الإرادة ونفوا المحبة، ولا فرق بينهما.

стр. 83

إلزام من أثبت الأسماء بإثبات الصفات قال ﵀: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئا من الصفات! قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى مثل: عليم حي قادر، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد، فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه] . هذه طائفة أخرى من النفاة وهم المعتزلة الذين لا يثبتون شيئاً من الصفات، فلا يثبتون أن الله حي ولا سميع ولا بصير إلخ، تعالى الله عن قولهم، ولكنهم يثبتون الأسماء فيقولون: إن الله سميع بصير عليم قدير حي مريد ملك قدوس يثبتون هذه كأسماء، ولكنهم لا يجعلونها دالة على صفات. فيقال لهم: المخلوق أيضاً يسمى حياً، ويسمى قديراً، ويسمى عليماً، فقد أثبتم أسماء موجودة في المخلوق، فإذا أثبتم الأسماء لزمكم إثبات الصفات فلا فرق. ويقال لهم فيما نفوا مثل قولهم فيما أثبتوا، إذا قالوا: إننا نثبتها على أنها أسماء ينادى بها الرب تعالى، قلنا: المخلوق ينادى بها، فإذا كان لا يلزم التشبيه مع كونها ثابتة للمخلوق، فلماذا لا تثبتون الصفات وتجعلونها مناسبة للموصوف.

стр. 84

إلزام من أثبت الذات بإثبات الأسماء والصفات قال ﵀: [فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة! قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود وحق، قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلا له] . هذا قول طائفة أخرى أشد من المعتزلة، وأضل منهم، وهم غلاة الباطنية والملاحدة وغلاة الفلاسفة، يقولون: إنا لا نثبت الأسماء ولا نثبت الصفات وهذه الأسماء التي يسمى بها الله ليست حقيقة، وإنما هي مجاز، وهي أسماء لبعض المخلوقات أو المخترعات. فيقال لهم: لا بد أنكم تثبتون أن الله موجود وقائم بنفسه، والمخلوق كذلك موجود وقائم بنفسه، فإذا أثبتم هذا الوصف الذي هو موصوف به المخلوق فقد وقعتم فيما فررتم منه، فإنكم فررتم من التشبيه ووقعتم فيه، فلا محيد لكم عن ذلك، فهذا يبين تناقض هؤلاء النفاة.

стр. 85

إلزام الدهرية بإثبات إله واجب الوجود قال ﵀: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئا بل أنكر وجود الواجب. قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه. وإما غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه، قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك] . هذه حجة على الدهرية والشيوعية ونحوهم الذين ينكرون واجب الوجود، فيحتج عليهم بحجة عقلية، فيقال لهم: إن هذه الموجودات حادثة، والحادث لا بد له من محدث، وإذا قلنا: إن المحدث الذي أحدثه يفتقر إلى محدث آخر لزم التسلسل، فيقال: إذاً هناك محدث لها وهو الله تعالى. ويقال أيضاً: إن الموجودات قسمان: واجب الوجود، وممكن الوجود، وواجب الوجود هو الخالق، وممكن الوجود هو المخلوق؛ لأنه يمكن أن يوجد ولأنه يأتي عليه الفناء. وتنقسم أيضاً إلى قسمين: غني بنفسه لا يحتاج إلى غيره وهو الخالق، وفقير بالذات مفتقر إلى غيره وهو المخلوق، فالمخلوق مفتقر ووصف الفقر لازم له، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في قصيدة له: والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي يقول: إن الفقر وصف ذاتي للمخلوقات، وأن الغنى الذاتي وصف للخالق تعالى، فالله غني بذاته، والمخلوق فقير بذاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . وإذا سألنا العاقل عن هذه الأشياء، اضطر إلى الاعتراف بأن هناك خالقاً غنياً قائماً بنفسه، قديماً أزلياً غير مسبوق بعدم، ولا يأتي عليه الفناء، وذلك أخذاً بعين الاعتبار من هذه الموجودات التي وجدت وتفنى، أن الموجود لا بد له من موجد، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فإذا لم يكونوا خلقوا من غير شيء، تعين أنهم مخلوقون من شيء، وإذا لم يكونوا هم الخالقين تعين أن لهم خالقاً خلقهم، فليس الإنسان يخلق نفسه، وإلا لحرص على أن يكمل خلقه، وكذلك ليس هو يخلق ولده، وإلا لحرص على أن يكون ولده على أحسن ما يكون، فنحن نشاهد أن الإنسان يولد له ولد مشلول، ويولد له أولاد ناقصو الخلقة، ويولد له من هم ناقصو العقلية، وكذلك قد يولد له ذكور، أو إناث، أو إناث وذكور، وذلك دليل على أنه ليس هو الذي يختار، وليس هو الذي يقدر لنفسه، بل هناك من يخلق هذا الخلق ويقدره، وهو الخالق وحده، فعرف بذلك أن هذا الوجود مفتقر إلى موجد واجب الوجود. إذاً: ما دام أن هذا الوجود مفتقر إلى موجب، فيلزم أن يكون ذلك الموجد موصوفاً بصفات تناسبه لا تشبه صفات المخلوق، وإلا لأتى عليه ما يأتي على المخلوق من الفناء. إذاً: فهناك فرق كبير بين الخالق والمخلوق، فالخالق حي لا يموت، والمخلوق يموت، والخالق قديم غير مسبوق بعدم، والمخلوق مسبوق بعدم، يخلق ثم يفنى، كما هو مشاهد، والخالق غني بنفسه، والمخلوق فقير بالذات لا غنى له عن ربه طرفة عين. فهذا يحتج به على هؤلاء النفاة الذين ينكرون أن يكون للوجود موجد، ويسندون الأشياء إلى الطبائع، تعالى الله عن قولهم، والطبائع لا بد لها من طابع، فليس هناك معتمد يعتمدونه ويستندون إليه إلا عقول فاسدة، فلا يلتفت إلى ترهاتهم وأباطيلهم.

стр. 86

وجود المخلوقات يدل بالضرورة على وجود خالقها قال ﵀: [وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجباً بنفسه، ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب، والآخر ممكن، أحدهما قديم والآخر حادث، أحدهما غني والآخر فقير، أحدهما خالق والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً، ومن المعلوم أيضا أن أحدهما ليس مماثلا للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه والآخر فقير. فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم، موجوداً بنفسه غير موجود بنفسه، خالقاً ليس بخالق، غنياً غير غني، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما، فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو منتف بنصوص الشرع] . هذا تكميل للحجة العقلية في الرد على الشيوعيين والدهريين، فهو يقول: إننا نشاهد أن على الأرض هذا المخلوق، الذي هو الإنسان والحيوان والدواب والأشجار والنباتات ونحوها، ونعرف أنها كائنة حية، ونعرف أنها موجودة وأنها أشياء، ونعرف أنها حادثة مسبوقة بعدم، ونعرف أنه يأتي عليها الفناء والعدم، فتيبس الأشجار وتنقطع الثمار مثلاً، وتموت الدواب والحشرات ونحوها وتتوالد، ويموت الإنسان ويخلفه غيره وهكذا، فهذا الدليل يبين أنها حادثة، والحادث فقير، فلا بد أن يكون الذي أحدثه غني، والحادث عاجز، ولا بد أن يكون الذي أحدثه قادر كامل القدرة، والحادث مستجد ولا بد أن يكون الذي أحدثه قديم، فإذا كان كذلك فالذين ينكرون هذا الدليل العقلي قد أنكروا المحسوس. ونعرف الفرق الكبير بين الحادث والمحدث بين المخلوق والخالق بين الغني والفقير بين واجب الوجود وممكن الوجود أو جائز الوجود بين الموجود بنفسه وبين الموجود بغيره، ففرق كبير بين هذا وهذا، فبهذا الدليل العقلي يرد على هذه الطوائف. وأما الأدلة السمعية فإنها أشهر وأظهر، وكثيراً ما يحتج الله تعالى بالآيات الظاهرة على وجوده وعلى عظمة شأنه ونحو ذلك، وقد تقدم لنا شيء من الأدلة على ذلك.

стр. 87

الاتفاق في التسمية بين ما للخالق والمخلوق لا يلزم منه المشابهة قال ﵀: [فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلا بالباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً بالباطل والله أعلم؛ وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه] . أي: أن الخالق والمخلوق مشتركان في الأسماء، فالخالق شيء والمخلوق شيء، الخالق موجود والمخلوق موجود، الخالق ثابت والمخلوق ثابت، وكذلك في بعض الصفات، يقال مثلاً: الله حي، والإنسان حي، وما أشبه ذلك، لكن هذا الاتفاق لا يلزم منه التشابه، بل بينهما فرق كبير، إذا عرفنا دلالة العقل على وجود خالق قدير قديم أزلي قادر لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن قدرته شيء، عرف بذلك أن المخلوق ينافي هذه الصفات، فهو محدث وفقير إلى آخر ما تقدم. فيثبت بذلك وجود الخالق، واتصافه بالصفات التي يتصف بها المخلوق، ولكن لا يلزم التشابه بين صفة الخالق وصفة المخلوق، كما لا يلزم التشابه بين الذاتين. قال ﵀: [وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه، وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد] . أي: وهذا خطأ، فإنه إذا اتفق اثنان في اسم لم يلزم أن يكون هذا كهذا، فإننا نسمي الشجر حياً، ونسمي الحيوان حياً، فالبعير حي والإنسان حي، والشجر حي، ولا يلزم أن يكون هذا كهذا، ويقال: موجود في هذه البلد جبال، فالجبال موجودة والحيوانات موجودة، فاتفقت في كلمة الوجود، ولا يلزم أن تكون الجبال كالحيوانات، بل بينها فرق، فما دام كذلك فلا يلزم إذا قلنا: الله حي والإنسان حي، أن يكون هناك تشابه بينهما، فليست هذه الحياة كهذه الحياة، ولا العلم كالعلم، ولا القدرة كالقدرة، وعرف بذلك ضلال هذه الطوائف في هذه التقديرات. قال ﵀: [وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم؛ فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ المشتري يقال على كذا أو على كذا، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه] . وهذه طوائف من المتكلمين يبالغون في مثل هذه الأشياء، ويرد عليهم فيقال مثلاً: إن هناك وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان، والمعنى الموجود في الأذهان هو ما يتخيله الإنسان بعقله، ولكن قد يتخيل وقد يصور بعقله أشياء غير حقيقية، فعرف بذلك أن الوجود في الأذهان لا يلزم منه التماثل، فإذا مثل الإنسان في ذهنه شيئاً أو تخيل أشياء لم يلزم أن تكون واقعية. وأما الذين قالوا إن الوجود لفظ مقول بالاشتراك اللفظي، فلا شك أن هؤلاء أيضاً أخطئوا، ومعلوم أن هناك كلمات تشترك فيها موجودات ولكن تختلف المسميات، فعندنا كلمة (المشتري) تقع على الذي يشتري منك سلعة، وتقع على الكوكب المشهور، فيقال: هذا الكوكب اسمه المشتري، ومعلوم أن هذا كوكب وهذا إنسان. وأما قولهم إن كلمة (موجود) مشتركة لفظاً، فهذا خطأ، فإن اللسان الذي تكلمت به العرب تدل على أن الموجود هو الذي له وجود في الأعيان ويدرك بالعين. ولا يقال للموجود في الذهن إنه موجود حيث إنه لا يدرك بالأعيان، فلا بد أن يكون الوجود مدركاً بالأعين لا مقدراً في الذهن، فظهر بذلك خطأ الذين يقولون إنه من باب الاشتراك اللفظي.

стр. 88

بيان خطأ النفاة في توهمهم أن الأسماء الكلية يكون مسماها ثابتاً في الأعيان قال ﵀: [وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية، يكون مسماها المطلق الكلي، هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقاً كلياً، بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معيناً مختصاً به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين] . إن الكلام على ما يتعلق بالوجود في الذهن وبالوجود في العين كلام يتعلق بالاحتجاج على الملاحدة ونحوهم، فهم يحتاجون إلى بسط في الكلام، وإلى إقناع لهم، لأجل ذلك نقل الشارح هذا الكلام من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره؛ ليبين أنهم يفرضون وجوداً في الذهن مخالفاً للوجود في العين، ثم يعتقدون أنه لو أطلق أنه موجود في العين لحصل بذلك تشابه، فلذلك نفوا الوجود في العين، وقدروا وجوداً في الذهن، وكل ذلك كلام لا طائل تحته، والمسلم على فطرته يعتقد أن كل صفة ثبتت للخالق فإنه لا يشبه فيها خلقه، وأن المخلوق بصفاته ناقص وحادث، وصفاته تناسبه، كما أن صفات الخالق تناسبه. قال ﵀: [وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه، وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه؛ ولكن أساءوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر، والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات ولكن أساءوا بزيادة التشبيه] . أي: وكلا الطائفتين مخطئة ضالة، الذين غلوا في الإثبات حتى جعلوا صفات المخلوق كصفات الخالق، قالوا: لله يد كأيدينا، ووجه كوجوهنا، تعالى الله عن قولهم، نعم هم أحسنوا في إثبات الصفة ولكنهم أخطئوا في التشبيه. وأما النفاة فهم الذين غلوا في النفي، فقالوا: كل صفة موجودة في المخلوق لا يمكن أن تثبت للخالق فإن إثباتها يئول إلى التشبيه، والله تعالى ليس كمثله شيء، فأحسنوا في نفي التشبيه ولكنهم أساءوا حيث نفوا الصفات الثابتة الموجودة. والوسط أن يقال: صفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به، وليست هذه كهذه، ويثبت ما أثبته الله لنفسه، وينفى ما نفاه عن نفسه.

стр. 89

المخاطب لا يفهم معاني الألفاظ إلا بعد معرفة عينها أو ما يناسب عينها قال ﵀: [واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه إن كان مشهوداً بالإحساس الظاهر أو الباطن؛ فيقال له: لبن خبز أم أب سماء أرض شمس قمر ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل] . معلوم أن هذه المسميات لا تفهم إلا بعد التفهيم، فلو قدم إنسان أعجمي إلى هذه البلاد، ولا يعرف ما نتكلم به، احتاج إلى مدة وزمان حتى يعرف المسميات، فيسمع كلمة (رجل) ، ولا يدري ما تدل عليه حتى يقال له: هذا هو الرجل، ويسمع كلمة (كرسي) ولا يدري ما هو حتى يقال: هذا هو الكرسي، يسمع كلمة (مسجد) ولا يدري ما هو حتى يقال له: هذا هو المسجد، وهذا هو السقف، وهذا هو الفراش، وهذا هو العمود، وهذه هي الألواح، فيأخذها بالتدريج، كالصبي عندما يلقن كلمة كلمة، فيقال له مثلاً: هذا هو الأب، وهذه هي الأم، وهذا هو الخبز، فإذا سمع كلمة الخبز فقد لا يفهم حتى يشار إليه، وهذا هو اللبن، وهذا هو اللحم، فيأخذها بالتدريج. فمعلوم أن هذه الأسماء لا بد أن تفهم بالتدريج، والله تعالى علّم آدم الأسماء كلها كما ورد في الحديث، اسم الإنسان، وأسماء الحيوانات والدواب والأدوات، والكواكب، والحشرات، والنباتات. هذا التعليم لا شك أنه لقنه تلقيناً، قيل له: هذا اسمه كذا، هذا اسمه كذا، فكذلك هذه الكلمات التي نتكلم بها في هذه اللغة، وكذلك الأعاجم، لا نعرف اصطلاحاتهم حتى يسموها لنا، فتؤخذ بالتعلم وبالتدريج، فإذا كان معلوماً أن هذه المسميات لها معان، فكلمة (الحب) قد لا نستطيع أن نعبر عن معناها ولكن فهمت باصطلاحنا، والأعاجم لا يدرون ما معناها، حتى يشار لهم. الله تعالى أثبت المحبة فنحن نفهمها ونقول: إن معناها كذا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ونحو ذلك، وكلمة العجب أثبتها الله بقوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد:٥] فنحن نفهمها بلغتنا، ونترجمها باللغات الأخرى، ونعرف مدلولها ومعناها، وكذا كلمة الغضب، وكلمة الرضا، وكلمة البغض، وكلمة الرحمة، وما أشبه ذلك. هذه كلمات تدل على صفات، فلا بد أن العرب الذين نزلت عليهم يفهمون مدلولها، وإذا كان مدلولها واضحاً عندهم، عرف بذلك أنها مفهومة المعاني، وأنها دالة على صفات، وأن الذين قرئت عليهم فهموا مدلولها. فهؤلاء الذين أنكروها يقال لهم: أنكرتم شيئاً مفهوماً معقولاً في عقولكم وفي عقول من قبلكم، فأنكرتم الحس والعقل والشرع، فيعرف بذلك أن الألفاظ التي تأولوها أو أنكروها، أو قالوا إنها ذهنية، أو إنها مشتركة اشتراكاً لفظاً، أو إنها مجاز، أو ما أشبه ذلك، لا حجة لهم في ذلك، وذلك كتأويلهم للرحمة وللغضب وللرضا، لليد وللعلو وللنزول وللاستواء وما أشبه ذلك، مع أنها كلمات مفهومة عند الذين نطقوا بها، ومعلوم معناها عندهم كما يعرفون مسمى الخبز ومسمى اللبن ومسمى اللحم وما أشبه ذلك، فيعرفون هذه ويعرفون هذه، فما الذي جعلكم تتأولون الصفات وتتكلمون فيها، ولا تؤولون كلمة الخبز وكلمة اللحم وكلمة التمر وما أشبه ذلك، فالذين تكلموا بهذا يفهمونه كالذين تكلموا بهذا. فهذا يبين أن تأويلاتهم بعيدة عن العقل والفطرة.

стр. 90

شرح العقيدة الطحاوية [٩] أرسل الله محمداً ﷺ بلسان عربي مبين، فخاطب الناس بلسانهم، وعلمهم بالتدريج، وكان مما خاطبهم به التعريف بالله بأسمائه وصفاته، وذلك بألفاظ يفهمون معانيها، ويفهمون أن المخلوق وإن اتصف بمسمياتها لكن الحقائق تختلف، ولذلك لم يتوهموا تشبيهاً، ولا فروا منه إلى النفي والتعطيل، بل أثبتوا كلمة التوحيد، وثبتوا على ما جاء في التنزيل.

стр. 91

وضوح البلاغ وحرص المبلغ يقتضي وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته يعتقد المسلمون أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، ويعتقدون أن توحيد الصفات متلقىً عن الشرع، مأخوذ عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وذلك لأنه ﵊ اختاره الله لحمل الرسالة لما فيه من الأهلية، فهو ﵊ من أفصفح الخلق، وأنصحهم، يحب الخير لأمته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: من جنسكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فإذا كان حريصاً على هداية الأمة، وإذا كان يحب لهم النجاة، وإذا رزقه الله وأعطاه الفصاحة، والقدرة على البلاغ والبيان، فلا بد أنه قد بلغ، ولا بد أنه قد بين، ومن اعتقد أنه كتم ما أنزل إليه كفر، ومن اعتقد أنه لبس على الأمة وأوقعهم في الحيرة كفر، بل نعتقد أنه بلغ ولم يكتم، وأوضح وبين. وإذا رجعنا إلى بيانه وإلى ما بلغه وجدناه واضحاً. ومعلوم أنه ﵊ ظهر في أناس يتكلمون باللغة العربية ويفهمون كلامه، وإذا كان كذلك فلا بد أنه خاطبهم بما يفهمون، فنرجع إلى لغتهم. ومعلوم أنه جاء بشيء لم يكونوا يعرفونه، فسماه بأسماء يفهمونها، فما كانوا يعرفون كلمة الإسلام، ولا كلمة الإيمان على مسماها الشرعي، ولا كانوا يعرفون الصلاة ولا الوضوء ولا الصوم على مسماها الشرعي، وكذلك لم يكونوا يعرفون مسمى النفاق، ولا مسمى الكفر، ولا الشرك، ولا الفسوق بمسماها الشرعي، لكن يعرفون الكلمات على معان أخرى، فاستعمل هذه المعاني التي تقارب ما يعرفونه. وإذا كان هذا في هذه الأمور المعتادة فإنه أيضاً تكلم معهم في الصفات، فإنهم يعرفون السمع وما يطلق عليه، وكذلك البصر، والقدرة، والقوة، والعلم، والكلام، فلابد أنه خاطبهم بالأشياء التي يفهمونها، وأنهم فهموا ما بلغهم به. على هذا: فإن الذين يتكلفون في صرف اللفظ عن ظاهره لا شك أنهم وقعوا في ضلال، ووقعوا في تخطئة النبي ﵊ من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون.

стр. 92

بيان أن الشرع خاطب العرب بصفات الله وهم يفهمون معانيها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها، أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه إن كان مشهوداً بالإحساس الظاهر أو الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر، وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل. فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء ولكن لا يعرف المعنى بغير اللفظ، حتى يعلم أولاً أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه. وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن مثل الجوع، والشبع، والري، والعطش، والحزن، والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أو: أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه، وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره] . أورد الشارح هذا الكلام ليبين أن الرسول ﵊ خاطبهم بكلمات يفهمونها، وإلا لما سكتوا حتى يستفهموا، فإن الإنسان الذي لا يفهم الكلمة لابد أن يسأل عنها، فأنت مثلاً لو لقيت رجلاً أعجمياً، ثم إنك خاطبته بمثل هذه الكلمات ولم يفهم، فإنه يضيق صدره حتى تفهمه، فتقول له: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، هذه -تشير إليها- اسمها شاة، وهذه اسمها بقرة، وهذا اسمها ناقة، وهذا جمل، وهذا حصان، فحينئذ يفهم. وهكذا أيضاً إذا عبرت له عن الأشياء العلوية، قلت مثلاً: هذه هي السماء، وهذه هي الأرض، وهذا اسمه جبل، وهذا اسمه واد، وهذه شجرة، وهذه نخلة، إلى أن يفهم. وهكذا أيضاً تعبر له عن المعاني التي قد لا يكون مشاراً إليها، ولا يكون لها أشخاص؛ مثل الجوع، والعطش، والخوف، والفرح، والحزن، والضحك، والبكاء، فإنه لا يفهمها إلا إذا أحس بها. فإذا كان الأمر كذلك فلاشك أنه ﵊ عندما تكلم بالكلمات كانوا يفهمون معناها، فكانوا يفهمون أنه إذا أخبر بأن الله سميع بصير؛ أن معناه أنه يدرك الأصوات ويبصر المرئيات، وكذلك إذا أخبر بأنه متكلم، يفهمون أن الكلام هو ما يسمع وما يعبر به عن المعاني، ويفهمون أن العلم ضد الجهل، ويفهمون أن المحبة ضد الكراهية أو ضد البغض وهكذا. فإذا كانوا يفهمون ذلك وهي لغتهم فكيف يقال: إنها غير معلومة، وإن هذه الكلمات بمنزلة الكلمات الأعجمية التي يسمعها الإنسان ولا يدري ما معناها؟! فأنت لو سمعت كلاماً أعجمياً أو كلاماً لم تفهمه، قلت: كلمني فلان بكلام غير معروف، فلا تشهد له بالبيان، ونحن نشهد بأن الرسول ﵊ بين، وأن القرآن بيان، قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٤٤] فنشهد بأنه بين للناس، وأن الناس فهموا عنه، ولو كان ما يقوله النفاة والمبتدعة من التكلف في طرح تلك الكلمات لما كان قد بين، هم لا يقولون إنه بين، بل يعتقدون أنه لبس، وحاشاه ﵊ من التلبيس.

стр. 93

بيان انقسام المخاطبين في فهم الخطاب للتوصل إلى أن الصفات خطاب له معنى مفهوم قال ﵀: [إذا عرف ذلك، فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو: إما أن تكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا تكون كذلك. فإن كانت من القسمين الأولين لم يحتج إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة، ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨-٩] ، أو قيل له: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه. وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلابد في تعريفه من طريق القياس، والتمثيل، والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى كان البيان أحسن، والفهم أكمل] . الرسل ﵈ بينوا للناس أشياء يشاهدونها، وبينوا أشياء لم يشاهدوها ولكن شاهدوا ما يشهد لها، فمثلاً: العبادات وضحوها، فقالوا: هذا اسمه وضوء، وهذه كيفيته، وهذه الصلاة، وهذه كيفيتها، هذا من جملة البيان. كذلك بلغوا أشياء لم نشاهدها، وعبروا عنها بعبارة نفهمها، فمثلاً: اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة، ما شاهدناه، حيث إنه لم يقع بعد، ولكن ذكرت لنا أوصافه بكلمات مفردة وجمل نفهم المعنى منها، فأخبر بأن الناس يبعثون، وتعاد أرواحهم في أجسادهم، وهذا مفهوم معناه، وكذلك جمع الناس في يوم القيامة مفهوم معناه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] وكذلك نصب الموازين والوزن للأعمال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] فالوزن معروف. وكذلك الإخبار بنشر الكتب: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ [الإسراء:١٣] ، فنحن ما رأيناه ولكن نفهم معناه، وهذه الأمور التي أخبرنا بها ونحن لم نرها فهمنا معناها، حيث إن جنس هذه الكلمات معروف، فالوزن في الدنيا معروف، ولكن ليس الوزن في الدنيا كالوزن في الآخرة، بل بينهما فرق، إلا أن كلاً منهما فيه ميزان يرجح وينقص. وكذلك الصراط الذي أخبر بأن الناس يمشون عليه، فالصراط في الدنيا معروف؛ وهو الطريق الواسع، ولكن أخبر في الآخرة بأن هذا الصراط منصوب وأخبر بصفته، فنؤمن بذلك، ولكن نعتقد أنه ليس كالذي نعرفه في الدنيا. وهكذا أيضاً الكتب التي تنشر في الآخرة: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣-١٤] كل يقرأ كتابه؛ الأمي وغير الأمي، معلوم أن هذا ليس ككتاب الدنيا الذي لا يقرؤه إلا القارئ، فعرف بذلك أنهم أخبروا بأشياء من الغيب مفهوم معناها، وإن لم تفهم كيفيتها. لذلك يعرف أن الإيمان بالأمور الغيبية لابد من فهم معناه، فلو أن الناس ما فهموا كلمة النار، وجهنم، وسقر، والسعير، ونار تلظى، ونار موقدة، ونار حامية، لما خافوا ولا بكوا، ولا حذروا ولا ابتعدوا عن المعاصي التي تدخلهم في هذه النار، ولكن فهموا أنها نار عذاب، وأنها عذاب وبيل، واعتقدوا صحة ما جاء فيها من الحميم والزقوم، والغساق، وما أشبهه. ولو أن الناس ما فهموا معنى (جنات النعيم) و (دار السلام) وما أشبهها، وما فيها من الحبور، وما فيها من القصور والأنهار والأشجار والثمار، لما عملوا لأجلها، فلابد أنهم فهموها. فإذاً: الذين آمنوا بالآخرة وآمنوا بالغيب، فهموا معنى ذلك، فيقاس على ذلك فهمهم لمدلول الصفات وإن لم يكن هناك تماثل حقيقي، ولهذا يقول ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) يعني: أنها تتشابه في الأسماء، وتتشابه في المعنى العام، الله تعالى أخبر بأن في الجنة أنهاراً، ومع ذلك تجري في غير أخدود، هل يتصور أنها تجري في الدنيا على الأرض بغير أخدود؟! يعني: في غير حفر وسواق، هذا من آيات الله! وكذلك المنازل التي في الآخرة، أخبر في الحديث (بأنه يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها) فهذا دليل على أننا نعرف أنها قصور، وأنها مبنية، وأنها من لؤلؤ ومن زبرجد، ولكن ليست مثلما ندركه، فهذا دليل على أن أمور الآخرة نفهم معناها، ولكن كيفيتها لا ندركها، فيقال مثل ذلك أيضاً في الصفات.

стр. 94

طريقة إطلاق الألفاظ الشرعية على مسمياتها الحادثة المشاهدة قال ﵀: [فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر. وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم] . فهمنا أن الرسول ﵊ استعمل معاني لم تكن معروفة عند العرب، ولكن عبر عنها بما يقاربها من كلمات يفهمون معناها، فما كانوا يعرفون أن الشرك هو عبادة غير الله معه، ولكن يعرفون أن الشرك اشتراك اثنين في شيء، فتسمية عبادة غير الله مع الله مثل اشتراك اثنين في شيء، فسماه شركاً لما فيه من الاشتراك. وكانوا يعرفون أن الكفر هو الستر والتغطية، فلما كان الكافر قد أنكر الإيمان وأنكر التوحيد وجحده وستره صدق عليه أنه كفر، فسماه الرسول بأمر الله كفراً. وما كانوا يعرفون أن الإيمان هو الدخول في هذه الشريعة وتقبلها، بل يعرفون أن الإيمان هو تصديق الإنسان بقلبه بشيء، فلما جاء بهذه الكلمة جعلها اسماً للتصديق الكلي بما جاء في هذا الشرع، فهذا تصديق وذاك تصديق، ولكن هذا بشيء وذاك بشيء. وكذلك ما كانوا يعرفون كلمة الإسلام إلا أنها الإذعان للشيء والاستسلام له، فاستعمل الإسلام في الإذعان للشرع والانقياد له، وما كانوا يعرفون أن الصلاة هي الركوع والسجود، فاستعملها في هذا؛ لأنهم كانوا يعرفون أن الصلاة هي الدعاء، وهذه فيها دعاء. وهكذا علمهم ﵇ أسماء هذه الأشياء، ثم علمهم كيفيتها، فلما سئل عن الإسلام فسره بالأركان الخمسة، ولما سئل عن الإيمان وعن الإحسان فسرها. فإذا كان هذا تعليمه لأمته هذه الكلمات فيما يقاربها من اللغة التي يفهمونها، فهو بمنزلة المعلم، الذي يعلم تلاميذه ويبدأ معهم بصغار العلم قبل كباره، ويربيهم بذلك، والله تعالى قد أرشد إلى هذه الطريقة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] فهكذا ينبغي أن يعرف ويعتقد أن الرسل بلغوا وبينوا للناس الأمور الغيبية والأمور الاصطلاحية الشرعية على حسب ما يفهمون، وأن أممهم فهموا منهم ذلك فهماً كاملاً.

стр. 95

إخبار الرسول بالأمور الغيبية وطريقة التعليم فيها ترد على نفاة الصفات قال ﵀: [وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم وإن كانت أشد، وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية. ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] . وقد يكون الذي يخبر به الرسول مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلابد أن يعلموا معنًى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ، وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة] . سمعنا أن هذا من جملة ما بينه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ، وأخبرهم عن أمور لم يشاهدوها، فمن ذلك أمور قد سبقت ولكن يفهم معناها، فأخبر الله بأنه أغرق قوم نوح وأنجى نوحاً في السفينة، فنعرف أن قوم نوح بشر مثلنا، وأن السفينة مركب من المراكب يسبح في البحر، فأخبر بأنه نجى نوحاً ومن معه في السفينة، في قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥] وفي قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] هذا شيء مفهوم، سمعناه وفهمنا معناه. وكذلك إخباره بأنه أهلك عاداً بالريح، فعاد بشر مثلنا إلا أنهم أشد خلقاً، كما في قولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] والريح من جنس الريح التي نعرفها إلا أنها أشد، وهكذا يقال في الأخبار عن الأمم السابقة، فمعناها مفهوم. وأما الأمور الغيبية التي هي من الأمور الأخروية فقد أخبر الله تعالى على لسان رسوله عن أمور غيبية من الأمور المستقبلة، ولكن نصدق بها ونفهم مدلولها الإجمالي وإن لم نفهم الكيفية. قد ضربنا مثلاً بالصراط وبالميزان، وكذلك الحوض في الآخرة، وهكذا حساب الله تعالى للخلق، وهكذا خلقتهم وكيفيتهم، وكذا ذكر الجنة والنار وما فيهما، فمعانيها مفهومة وإن لم يكن الذي نشاهده في الدنيا كالذي يحصل في الآخرة، بل بينهما تفاوت، فعرف بذلك أن الرسل بينوا للناس، وأن الناس فهموا المعنى العمومي الذي يحصل به إدراكهم وانتفاعهم.

стр. 96

تقدير انتفاء المماثلة بين الخالق والمخلوق تغني عن إثبات الفارق عند ذكر الصفات قال ﵀: [فينبغي أن تعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لابد منها في كل خطاب؛ فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلابد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك. وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط] . يقول: لابد في معرفة المعاني من معرفة الألفاظ، فلو كنا لا نعرف كلمة (سمع) ما فهمنا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] ، ولو كنا لا نعرف المعنى الذي تفسر به الكلمة، وهو أن السمع إدراك الأصوات، ما فهمنا أيضاً المعنى الذي دلت عليه الجملة، ولو كنا نسمع كلمة (سمع) ونفسرها ولكن لا ندري ما مدلولها، ما فهمناها ولا انتفعنا بالكلام. فيقال: أولاً: علينا أن نعرف أن المعاني واضحة تفهم بمجرد فهم اللغة، فيفهم المسلمون إذا قيل في أوصاف الله إنه المهيمن، أنه رقيب على عباده، ويفهمون أنه يراهم إذ قال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، وإذا قرءوا قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٥-١٦] فهموا أن ذلك تخويف، وأنه لا يخفى عليه من أمورهم خافية، ولو كانوا لم يتصوروا هذا القرب وذلك لأنه من الأمور الغيبية، إنما القصد منه التخويف حتى يحذر الإنسان إذا عرف أنه عليه رقيب. فإذا عرفنا مدلول الكلمة وعرفنا كيف تفسر، فإننا ندرك ثبوت الصفة، ولكن لا نفهم التشبيه، فلا نفهم أن صفة المخلوق كصفة الخالق، فلا نقول: إن الله يسمع كسمعنا، ويبصر كبصرنا، وله يد كأيدينا، ما الذي سبب معرفتنا لهذا الفرق؟ و الجواب أن صفات المخلوق إذا أضيفت إليه تناسبه، وصفات الخالق إذا أضيفت إليه تناسبه، فالإضافة كافية في إثبات الفرق، فيكتفى بها ويقال: إذا كانت ذات الرب تعالى ليست كذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ليست كصفاتهم، سواء الصفات الفعلية أو الصفات الذاتية، فيعتقد المسلمون أن هذا كاف في إثبات الفرق بين صفة وصفة.

стр. 97

مخالفة طريقة أهل البدع في باب الصفات لطريقة القرآن والسنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولاشيء يعجزه) . لكمال قدرته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤] ، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] . (لا يؤده) أي: لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه. فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ، لكمال عدله، ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] لكمال علمه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] لكمال قدرته، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته، ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا يرى أن قول الشاعر: قُبَيِّلة لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: (قُبيلة) عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم، وقول الآخر: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم أيضاً. ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً، عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم، ولا رائحة، ولا مَجَسَّة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجرى عليه زمان، ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري ﵀ عن المعتزلة. وفي هذه الجملة حق وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة. وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك، لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت النفي، فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلم منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب] [والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده، والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضاً جملياً، أو يبينوا حاله تفصيلاً، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة] . قال ﵀: [والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب: ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل؛ وهي: أنه عالم، قادر، حي. وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي. ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق ﷺ في دعاء الكرب: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي) وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى] . أي أن هؤلاء النفاة ليس لهم دليل على هذا السلب: أن الله ليس بفوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متحرك ولا ساكن إلى آخره، بماذا استدلوا؟ اعتمدوا على طرق الفلاسفة، والفلاسفة اعتمدوا في ذلك على طرق عقلية، ولكنها في الحقيقة خيالات تخيلوها، فهذه طريقتهم في النفي. وأما في الإثبات فلم يثبتوا إلا قليلاً، فالأشعرية أثبتوا سبع صفات وأثبتوا الأسماء، والمعتزلة أثبتوا الأسماء ولكن نفوا دلالتها على الصفات، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وجعلوها أسماء مجردة عن الصفات تعالى الله عن قولهم. ويرد عليهم بطريقة القرآن، فإن القرآن إذا نفى أتبع النفي بالإثبات، فإن قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] إثبات لكمال القدرة، وإثبات للإحاطة بكل شيء، مع أنه قد نفى أن يحيط الناس به، في قوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فدل على أنه لكماله لا يستطيعون أن يطلعوا إلا على ما أطلعهم عليه، وكذلك جمع بين النفي والإثبات في الآية التي تقدمت، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فجمع بين النفي والإثبات في بعض آية، ورد على الفئتين: الفئة التي غلت في الإثبات حتى شبهت صفاته بالمخلوقات، والفئة التي غلت في النفي حتى نفت عنه صفات الإثبات الكمالية. فهذه هي طريقة الرسل، وطريقة الكتاب والسنة، هذه هي التي تروي الغليل، وتشفي العليل، فمن سار على نهج أهل السنة في النفي والإثبات وعلى طريقة الرسل، فلا يخشى من الملام، ولا يرد عليه كلام.

стр. 98

النفي المتضمن إثبات كمال الضد طريقة شرعية في باب الصفات قال المؤلف ﵀: [وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى: (ولا شيء يعجزه) ، من النفي المذموم، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤] فنبه في آخر الآية على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز؛ لما بينه وبين القدرة من التضاد، ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، تعالى الله عن ذكر ذلك علواً كبيراً] . يعني: أن قول الماتن: (ولا يعجزه شيء) نفي، ولكن هذا النفي دليل على إثبات، وهو إثبات كمال القدرة، فنفى العجز ليدل على أنه كامل القدرة، وكامل القوة، ولهذا جمع الله بين النفي والإثبات في هذه الآية من سورة فاطر؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] هذا نفي، ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤] . فأثبت العلم والقدرة ليدل على أنه قدير حيث لا يعجزه شيء، فعرف أن هذا نفي موافق للنفي الذي في القرآن، وهو النفي الذي يتضمن إثباتاً، وعلل بأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وأنه يدخل في القدرة كل شيء، وإذا وصفنا الله تعالى بكمال القدرة فهو قادر على كل شيء، ولا يخرج عن قدرته شيء، لا من الأفعال ولا من الذوات، فيقدر على أن يجعل المؤمن كافراً والكافر مؤمناً، يقلب القلوب، ويحول بين المرء وقلبه. وكذلك ورد في الحديث قول النبي ﵊: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك) ، فدل على أن من جملة ما يملكه ويستطيعه ويقدر عليه الحيلولة بين الإنسان وبين قلبه، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] . فهذه صفة من صفات الكمال، وهي إثبات كمال القدرة، وصفات الله وأسماؤه لا يحيط بها إلا هو، كما دل على ذلك الحديث الذي مضى؛ وهو أن النبي ﷺ علم أصحابه هذا الدعاء، وفيه قوله: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فدل على أنه استأثر بأسماء وبصفات لم يطلع عليها أحداً. والحاصل: أن صفات الله تعالى كلها صفات كمال، إذا أثبتناها فإننا نعتقد أنها صفات كمال، ومعلوم أن الذي يثبت هذه الصفات يعظم قدر ربه في قلبه، ومن عظم قدر ربه في قلبه لم يقدم على معصيته، وهذه هي فائدة قراءتنا لبعض الصفات. إذا عرف العبد أن الله مطلع على كل شيء لم يقدم على معصيته، وإذا عرف أنه عليم بكل شيء، لا تخفى عليه من أمره خافية، يعلم ما توسوس به النفس، وما يجول في القلب، وعرف كمال قدرته على أن يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فإن ذلك يحمله على الاستكثار من الطاعات، والابتعاد عن المحرمات.

стр. 99

تقدير الخبر في كلمة التوحيد قال المؤلف ﵀: [قوله: (ولا إله غيره) : هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] قال بعده: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره! فقال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] . وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في: لا إله إلا هو، فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. وقد أجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في (ري الظمآن) فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلابد من خبر المبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد، وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين (لا ماهية) و (لا وجود) ، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود، و (إلا الله) مرفوع بدل من (لا إله) لا يكون خبراً لـ (لا) ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك. وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة وهو فاسد، فإن قولهم (في الوجود) ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٩] . ولا يقال: ليس قوله: (غيره) كقوله: (إلا الله) لأن غير تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا، فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا] . قوله: (ولا إله غيره) هذه كلمة الإخلاص، وهي كلمة (لا إله إلا الله) ، ففي دعاء الاستفتاح يقول: (سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ، وهو معنى: لا إله إلا أنت، أي: ليس هنا إله يصلح للإلهية غيرك، وهو معنى الاستثناء في قوله: إلا الله. وقد تكررت هذه الكلمة بهذا اللفظ (لا إله إلا الله) ، كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] وبلفظ: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] وبلفظ: (لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) في دعاء ذي النون في قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ووردت من كلام الله، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٣-١٤] وكله معناه واحد، وهو: نفي الإلهية عن غير الله. وأما الإعراب الذي ذكر عن النحويين أنهم قالوا: لا إله في الوجود إلا الله، فقد تعقبه العلماء وقالوا: إن هناك في الوجود من يسمى إلهاً، ولكن لا يصلح أن يكون إلهاً، فالصواب أن يقال: لا إله حق إلا الله، أو: لا إله بحق إلا الله؛ أي: لا أحد يستحق الإلهية إلا الله، فالتقدير (بحق) أولى؛ وذلك لكثرة من يسمى إلهاً مما تألهه القلوب، ويتخذه المشركون إلهاً.

стр. 100

حب المشركين لآلهتهم وتعظيمها عبادة لها إن كلمة الإله اسم لمن تألهه القلوب وتحبه، ومعلوم أن المشركين يألهون معبوداتهم، سواء المعبودات القديمة كالأصنام المنحوتة على صور المخلوقات كود وسواع إلى آخره، أو الخياليات: كالذين يألهون بعض السادة، أو بعض الأولياء، كالذين يألهون عبد القادر الجيلاني أو أحمد البدوي أو الحسين، أو علياً، أو العيدروس، أو ابن علوان أو نحوهم، فإنهم يألهونهم، بمعنى أن قلوبهم تحبهم، وتقدسهم، وتعظمهم، وتوقرهم، ويكون في قلوبهم لهم قدر، ولهم مكانة، وهذا هو حقيقة التأله. أما المسلمون الموحدون فإنهم يألهون الله وحده، لا تأله قلوبهم غيره، فلا تحب سواه محبة العبادة، ولا تخاف من غيره، ولا تعظم إلا الله، ولا تخضع وتتواضع إلا له وهكذا. هذه صفة أولياء الله، فأولياء الله هم الموحودون، هم الذين اتخذوه إلهاً، وصدوا بقلوبهم عما سواه. ولما كانت كلمة التوحيد تتضمن الإخلاص؛ كانت أول دعوة الرسل، وتقدم في أول الكتاب أن أول ما بعث به الرسل هذه الكلمة، يقول نوح لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] أي: لا يستحق غيره أن يكون إلهاً، وكذلك قاله هود وصالح وشعيب وبقية الأنبياء الذين ذكر الله أنه أوحى إليهم بذلك، وإذا عرف المسلم معنى هذه الكلمة، صار في حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل. والمصيبة أن الذين يعبدون الأموات يقولون: لا إله إلا الله، ليلاً ونهاراًً، وسراً وجهاراً، لكن لا يعملون معناها، ولا يعرفون مضمونها، بل يقولونها ويخالفونها؛ لأنهم لم يفهموا معنى الإله، ولو عرفوا أن الإله هو الذي تألهه القلوب، فتحبه وتعظمه؛ لعلموا أنهم قد ألهوا هذه الأموات. إذا قلنا: معنى (لا إله إلا الله) : لا معبود بحق إلا الله، قلنا لهم: أنتم الآن قد عبدتم غير الله من هؤلاء الأموات، فالعبادة هي التذلل والخضوع، وقد تذللتم وخضعتم لهؤلاء الأموات، فأصبحتم قد دعوتم غير الله، فلا ينفعكم التهليل. فالحاصل: أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أو (لا إله غيره) هي التي يجب أن ندعو إليها، وهي التي دعت إليها الرسل ومنهم نبينا ﷺ ، حيث أقام عشر سنين بمكة يقول للناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وكانوا يعرفون معناها، ولما قال لعمه أبي طالب: (قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله) يعني: أحتج بها عند الله أنك مت على التوحيد، فهم أبو طالب وفهم الحاضرون أنها تتضمن البراءة من كل المألوهات، فذكروه الحجة الشيطانية، وهي: ملة أبيه عبد المطلب، فمات على قوله: هو على ملة عبد المطلب. ولما قال لهم في مجتمعهم: (قولوا لا إله إلا الله، كلمة تدين لكم بها العرب، وتدفع لكم الجزية بها العجم) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥] ، وقالوا: ﴿أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ُ﴾ [ص:٦] فهذا دليل على أن كل من يألهونه -يعني: يحبونه- فإنه يسمى إلهاً، يعني: يحبونه محبة تعظيم وتوقير واحترام. وخفي هذا المعنى على القبوريين الذين عظموا القبور، فقيل لهم: تعظيمكم هذا هو التأله شئتم أم أبيتم، فقد اتخذتم الأموات آلهة، وكذلك أفعالكم؛ كحلفكم بالأموات، أو دعائهم أولئك الأموات، كقولكم: يا عيدروس! يا تاج! يا يوسف! وتعلق قلوبكم بهم هو تأله، قد اتخذتموهم آلهة شئتم أم أبيتم، وعبدتموهم وإن لم تسموا ذلك عبادة، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء، سموا أفعالكم: توسلاً، أو تودداً، أو تبركاً، أو تحبباً، أو استشفاعاً، أو تقرباً، فإن الحقائق لا تتغير بالتسميات. نحن نحث كل مسلم على أن يعرف معنى لا إله إلا الله، وأنها تدعو إلى أن يكون الله هو الإله المعبود بحق، وأن يعبده حق عبادته، وأن يصد المسلم بقلبه عن عبادة وتعظيم كل ما سواه، فبذلك يكون محققاً لهذا التوحيد، الذي هو توحيد الرسل، والذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.

стр. 101

شرح العقيدة الطحاوية [١٠] لما دخل علم الكلام على المسلمين أفسد على كثير منهم معتقداتهم في أسماء الله وصفاته وإرادته وقدره، فلم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والقدرية، ولا أثبتوا له صفات الكمال. والناس في الأسماء والصفات أقسام، فمن مثبتها مع التشبيه وهم المشبهة، ومن معطلها أو بعضها وهم المعطلة، وأهل السنة هم وسط بين ذلك، فهم يثبتون الأسماء والصفات دون تشبيه ولا تعطيل.

стр. 102

معنى قوله: (قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) . قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِر﴾ [الحديد:٣] ، وقال ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، فقول الشيخ: (قديم بلا ابتداء، دائم لا انتهاء) هو معنى اسمه: الأول والآخر. والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته؛ قطعاً للتسلسل، فإنا نشاهد حدوث الحيوان، والنبات، والمعادن، وحوادث الجو، كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي امتناعها. وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث، أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم، لا يكون موجوداً بنفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً عن عدمه، وعدمه بدلاً عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له. وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣] . ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية، والأدلة النظرية، فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره، ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى. وأيضاً فالمقدمات وإن كانت خفية، فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته من البحث والنظر، ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة، ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية] .

стр. 103

الأدلة العقلية والنقلية في إثبات الأولية والآخرية لله تعالى نعرف أن هذا الوصف وهو قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) وصف ثابت للإله، ولكن العبارة التي في القرآن والسنة أوضح، وهي قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، وفسر ذلك النبي ﷺ الله عليه وسلم بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، وفسره أيضاً في حديث عمران بقوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله) . وهذا دليل على أن الله تعالى قديم ولم يسبق بعدم، وأنه دائم ولا يلحقه فناء، وأن المخلوقات حادثة معدومة ثم وجدت، ثم يأتي عليها العدم، ويستدل على هذا بحدوث الحوادث، فيقال: هذه الحوادث لا بد لها من محدث. وهذا قد يعتبر دليلاً عقلياً، ولكن قيدته الآيات كهذه الآية التي في سورة الطور، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، يقول: فإذا تحققوا أنهم لم يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم وتحقق أنهم لم يخلقوا من غير شيء، تعين أنهم خلقوا من شيء وأن لهم خالقاً خلقهم، ويستدل بهذا على الطبائعيين الدهريين، والذين يسمون في هذه الأزمنة بالشيوعيين الذين ينكرون الخالق، وقديماً كانوا يسمون بالطبائعيين، ومنهم الفلاسفة الطبائعيون، فهناك فلاسفة يقرون بالخالق ويسمون الفلاسفة الإلهيين. فهؤلاء جميعاً يحتج عليهم بالعقل فيقال: هذه الموجودات نشاهد أنها كانت معدومة ثم وجدت، فلا بد لها من موجد، نشاهد مثلاً: أن السماء ليس فيها سحاب ثم يتراكم فيها السحاب، فلا بد له من موجد، ونشاهد أن الأرض تكون يابسة ثم نشاهدها بعد ذلك تهتز خضراء وفيها أشجار وثمار، فلا بد لها من موجد، ونشاهد مثلاً أن الإنسان يكون صغيراً ثم نشاهده بعد ذلك قد حصل له أولاد وصاروا بجانبه، لقد كانوا معدومين ثم وجدوا، فلا بد لهم من موجد، وهكذا توالد الحيوانات والدواب ونحوها لا بد لها من موجد، فإن الإنسان ليس هو الذي يوجد نفسه، وليس هو الذي يخلق أولاده، ولو كان هو الذي يتصرف بنفسه لحرص على أن يكون خلقه أحسن من خلق غيره، ولو كان هو الذي يوجد ولده لحرص على أن يكون أولاده ذكوراً أو نحو ذلك، فتعين أن هناك خالقاً يتصرف في هذا الكون، فهو الذي يعطي ويمنع، يصل ويقطع، يخفض ويرفع، يسعد ويشقي، يفقر ويغني. فإذاً لا بد أن هذه الموجودات تنتهي إلى موجد، وذلك الموجد لا بد أن يكون غنياً بنفسه، وأن ما سواه فقير إليه، وهذا الوصف هو وصف الخالق تعالى، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥-١٧] ، أي: ليس ذلك شاقاً ولا صعباً على الله، بل هو سهل يسير: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .

стр. 104

اعتقاد أهل السنة في أولية الله وأزليته يعتقد أهل السنة أن رب هذا الكون واحد، وأنه الذي يتصرف في الكون، وأنه قديم ليس له بداية وأنه دائم ليس له نهاية، وقد ذكر الله تعالى أن كلامه لا ينفد بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ، وما ذاك إلا أن كلام الله ليس له بداية ولا نهاية، فالبحر ولو كان معه سبعة أبحر تمده، وكانت الأشجار من أول الدنيا إلى آخرها أقلاماً، فكتب بتلك الأقلام بمداد هذه البحار، لنفدت البحار ولتكسرت الأقلام ولم ينفد كلام الله؛ وذلك لأنه لا بداية له ولا نهاية، ولا شك أن هذه من الحجج العقلية التي تقطع مخاصمة أولئك. وإذا عرف المسلمون أن لهم خالقاً خلقهم وخلق هذا الكون، عرفوا أنهم ما خلقوا عبثاً، فلا بد أن للخالق الذي خلقهم وأنعم عليهم حقاً عليهم، فيعرف العبيد حق الله عليهم وهو عبادته وحده لا شريك له، فيكون هذا دافعاً لهم إلى أن يقوموا بهذا الحق، ثم بعد ذلك يعلقون آمالهم راجين الثواب الذي رتب لهم على تلك العبادة. والحاصل أن كل عاقل إذا فكر في هذا الكون ورأى تواجده ورأى أنه حدث بعد أن كان معدوماً، عرف أنه قد كان معدوماً وأنه لا بد له من محدث، وذلك المحدث لو كان مفتقراً إلى محدث آخر لكان فقيراً، ثم قد يقال أيضاً: من الذي أحدث المحدث الأول، وإذا كان له محدث فمن الذي أحدث الذي قبله؟ فيلزم من ذلك التسلسل. فإذا قيل: إن المحدث واحد، وإنه غير مسبوق بعدم، وإنه الأول بلا بداية، انقطع التسلسل ولم يكن هناك تسلسل في الماضي ولا في المستقبل. وهذه حجة عقلية، ولكن تكفي عنها هذه الآية النقلية وما يشابهها من الآيات التي يحتج الله بها على عباده، ففي قدرته وكمال تصرفه في هذا الكون، وما فيه من الآيات عبرة وعظة، ولكن تلك العبرة والعظة إنما ينتفع بها أهل العقول.

стр. 105

إدخال المتكلمين لفظ (القديم) في أسماء الله تعالى قال المؤلف ﵀: [وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى (القديم) ، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] ، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١] أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٥-٧٦] ، فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعدياً، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قَدُمَ هذا وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدما؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان. وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى، فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به. والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه (الأول) ، وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة] .

стр. 106

وصف المتكلمين لله بالقديم ومعناه عندهم مشهور في كلام المتكلمين وصف الله بأنه قديم، بل عندهم أن القديم أخص أوصاف الله، ويعنون بذلك أنه الذي لم يتقدمه شيء، ولذلك فهم ينفون الصفات، ويقولون: إن تعدد الصفات يلزم منه تعدد القدماء، يعني: أن القديم واحد وهو الله، فلا يكون هناك قدماء غيره، فلو قيل: إن لله صفات لكانت أيضاً موصوفة بالقدم، أي فيقال: الله قديم وسمعه قديم وبصره قديم ونحو ذلك. وقد أجاب أهل السنة عليهم بأجوبة منها: أولاً: أن لفظة القديم لا تدل على الأولية. ثانياً: أن نفي الصفات لاستلزامها تعدد القدماء لا يلزم هذا الاستلزام؛ وذلك لأن القديم ليس بلفظ شرعي ولا لغوي، ولأن الله تعالى واحد بذاته وبصفاته، وأن الصفات من جملة الذات، فلا يكون في إثباتها تعدد. وهاهو الشارح ينكر على هؤلاء الذين يقولون إن القديم من أسماء الله، ويذكر أن الاسم الصحيح الذي سمى الله به نفسه هو: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، فأما القديم أو الأزلي فهي أسماء اصطلاحية، لا يلزم من الاصطلاح عليها ثبوتها. قصدهم بالقديم عدم تقدم شيء عليه، وقصدهم بالأزلي أو بالدائم عدم إتيان الفناء عليه، ولو أتوا على هذه الآية أو على هذين الاسمين في هذه الآية وهما قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، وقول النبي ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، لكان ذلك كافياً، ولكان التفسير واضحاً، ولكانت الأسماء واقعة موقعها.

стр. 107

معنى كلمة (القديم) في لغة العرب يقول: إن كلمة القديم عند العرب لا تدل على تقدم الإنسان على غيره كله، وإنما تدل على تقدمه على جنسه، فإذا وجد له جنس جديد سمي الأول قديماً، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] ، فإن العراجين هي قنوان النخل، يعني: العذوق التي يكون فيها التمر، ومتى يكون قديماً؟ إذا حملت النخل مرة ثانية قيل للعراجين التي من العام الماضي: هذه عراجين قديمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٦] ، يعني: أن آباءكم قد تقدموا عليكم، ومعلوم أن الآباء قبلهم أجداد وقبل الأجداد أجداد وهلم جراً، فسمي الآباء القريبون أقدمين، فدل على أن القديم لا يدل على السبق المطلق، وإنما يدل على سبق بعض الجنس. فالوصف بأن الله هو الأول أبلغ من الوصف بأنه القديم، وهذه الكلمة (الأول) تعطي معنى الأولية، و (الآخر) تعطي معنى الأزلية، يعني الأبدية والديمومة؛ وذلك لأن الله موصوف بأنه دائم أبدي وأزلي، لا يأتي عليه الفناء ولا التغير، وأنه هو كما وصف نفسه بأنه الحي الذي لا يموت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقال النبي ﷺ : (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) ، يعني: بعد موت الناس في هذه الحياة وفناء المخلوقات يبقى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . فإذا كان هو الباقي فإنه أيضاً هو الذي يبعث العباد. وهو سبحانه لا يأتي عليه فناء أبداً، وذلك هو الأصل في الدوام، وهو الأصل في البقاء الذي هو وصف الله وحده. فيعتقد المسلمون أن ربهم سبحانه الذي خلق هذا الكون لم يسبق بعدم بل هو قديم، وأنه لا يأتي عليه الفناء بل هو دائم، ولكن يعبرون بالأول والآخر، فهما أوضح من القديم والدائم أو الأزلي أو نحو ذلك.

стр. 108

معنى قوله: (لا يفنى ولا يبيد) قال المؤلف ﵀: [قوله: (لا يفنى ولا يبيد) . إقرار بدوام بقائه ، قال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضا مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ] . أي: أن قوله: (لا يفنى ولا يبيد) مؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ، ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقول النبي ﷺ : (أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) ، مثل بالجن والإنس لأنهم الثقلان المكلفان. إذاً: كل شيء يفنى إلا وجه الله تعالى، وذلك دليل على الكمال، والذي يكون له الكمال يستحق أن يقدس وأن يعبد وحده، وأن يقوم عباده الذين هم خلقه وملكه بواجبهم نحوه، وذلك بالعبادة المستمرة له سبحانه.

стр. 109

معنى قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) قال المؤلف ﵀: [قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) . هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود؛ لمخالفته الكتاب والسنة، والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وسموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر: (قدرية) أيضاً، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجباً أو مستحباً، ولو قال: إن أحب الله حنث، إذا كان واجباً أو مستحباً] . قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) هذا مثل قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] يعني: أن ما أراده تعالى فإنه لا بد أن يحصل وما لم يرده فإنه لا يكون، والمراد هنا الإرادة الكونية؛ وذلك لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. فالله تعالى قدر الكائنات فلا يحدث في الوجود شيء إلا بإرادته، وهذا أكثر ما تطلق الإرادة عليه. الإرادة الكونية: كما في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ) ، والآيات في هذه الإرادة كثيرة. فأهل السنة يعتقدون أنه لا يكون شيء في الوجود إلا بإرادته، ولو شاء لهدى الناس جميعاً، ولكن لا يتخذون ذلك حجة في المعصية كما تفعله طائفة الجبرية الذين يزعمون أنهم لا اختيار لهم، وأن العباد مجبورون على المعاصي وعلى الكفر، وليس لهم أي اختيار. ونقول: بل الإرادة الكاملة لله سبحانه فلا يُعصى قسراً ولا قهراً، ولا تكون إرادة الخلق أقوى من إرادة الله، ولكن قد منحهم سبحانه إرادة تناسبهم، وهي مغلوبة بقدرة الله، فللعباد قدرة على أفعالهم ولهم إرادة، ولكن إرادتهم وقدرتهم مسبوقة بإرادة الله تعالى وبقدرته.

стр. 110

أقسام القدرية وحكم كل قسم القدرية ينقسمون إلى قسمين: قدرية نفاة، وقدرية مجبرة، وكلاهما ضلال. النفاة: هم الذين نفوا قدرة الله، وقالوا: إن الله لا يقدر على أفعال العباد. والمجبرة: هم الذين يقولون: إن الله أجبر العباد على المعاصي وعلى الطاعات وقسرهم عليها، تعالى الله عن ذلك. وهدى الله أهل السنة فقالوا: إن الله على كل شيء قدير، ولكن منح العبد قدرة يكلف بها، فإذا اعتقدنا ذلك سلمنا من الاعتراضات.
следующие страницы →