← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

السلامة في البراءة من مرضي التشبيه والتعطيل وعلى كل حال فنحن نبرأ إلى الله ونحذر من كلا المرضين، فمرض التعطيل أشد لأن أهله أكثر، ولأن الدعايات إليه أكثر، وقد يتكرر كثير في كلام العلماء النهي عن التعطيل وعن التشبيه، فيقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. ويقولون: نقبلها ونتقبلها من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل. فينفون عنها هذه الأشياء. وكذلك ينفون عنها الإلحاد الذي هو الميل بها عما قصد بها، فإن الله تعالى ذم فاعل ذلك، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: بالأسماء الحسنى، ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: اتركوهم وابتعدوا عنهم. والإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها أو إنكار دلالاتها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] . فعلينا أن نتجنب هذه الأشياء، ومن أهمها الإلحاد في أسماء الله، والإلحاد في آياته، فإذا قرأنا القرآن وسمعنا الأحاديث وقلنا: نمرها كما جاءت وننزه ربنا عما لا يليق به، سلمنا من هذه الأمراض كلها إن شاء الله.

стр. 317

تنزيه الله عن الشبيه والكفؤ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية) . يشير الشيخ ﵀ إلى أن تنزيه الرب تعالى هو وصفه كما وصف نفسه نفياً وإثباتاً، وكلام الشيخ هنا مأخوذ من معنى سورة الإخلاص، وقوله: موصوف بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] . وقوله: (منعوت بنعوت الفردانية) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٢-٣] . وقوله: (ليس في معناه أحد من البرية) من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وهو أيضاً مؤكد لما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه. والوصف والنعت مترادفان، وقيل: متقاربان، فالوصف للذات والنعت للفعل، وكذلك الوحدانية والفردانية، وقيل في الفرق بينهما: إن الوحدانية للذات، والفردانية للصفات، فهو تعالى موحد في ذاته متفرد بصفاته، وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد، ولكن في اللفظ نوع تكرير، وللشيخ ﵀ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة، وهو بالخطب والأدعية أشبه منه بالعقائد، والتسجيع بالخطب أليق. و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، أكمل في التنزيه من قوله: (ليس في معناه أحد من البرية) ] . قصد الطحاوي ﵀ بذلك الزيادة في التوضيح والإثبات؛ فإن قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية) يؤكد بذلك ما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه، فالله هو الواحد الأحد، موصوف بأنه هو الواحد، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] ، وفي قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣] . فالوحدانية لا شك أنها خاصة به، فهو الواحد في صفاته، وهو الواحد في ذاته، ومعناه أنه لا يصلح أن يكون معه خالق غيره ولا معبود سواه. كذلك هذا دل عليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ؛ فإن الأحد يراد به المتوحد بجميع الخصائص، وكذلك قوله: (منعوت بنعوت الفردانية) دل عليه كونه لم يلد ولم يولد؛ فإن الله تعالى نزه نفسه عن الولد في عدة آيات رداً على من جعل لله ولداً، كالنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، واليهود في قولهم عزير ابن الله. وكفار العرب في جعلهم الملائكة بنات الله، رد الله عليهم ذلك وأنكر عليهم في قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] .

стр. 318

واجب المسلم مع ربه تعالى في صفاته فواجب المسلم أن ينزه ربه تعالى عن الصفات المحدثات، وعن صفات الخلق التي تختص بهم، وأن يعتقد أن لله سبحانه صفات الكمال التي يعرف منها أنه هو الواحد الأحد المنزه عن النقص وعن العيب، وأن صفاته تختص بذاته، وأنه منزه عما لا يليق به، فإذا عرف ذلك عرف بذلك أنه تم بذلك توحيده -إن شاء الله- وصلحت عقيدته، فصلاحها بهذين الأمرين: فالواجب إثبات ما يليق بالله، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، سواءٌ في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، فبذلك يرد على الطوائف المنحرفة الذين غلوا في الإثبات والذين زادوا في النفي. فمن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، وهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، وقوله: (وليس في معناه أحد من البرية) أي: لا يشبهه أحد من مخلوقاته، هذه خلاصة العقيدة، ومن أقر بها عصمه الله تعالى من الأخطاء.

стр. 319

مصطلحات أهل الكلام وكيفية التعامل معها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) . أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال، فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان، ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها. وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها ونحو ذلك. والشيخ رحمه الله تعالى أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة كـ داود الجواربي وأمثاله القائلين إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء، وغير ذلك -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- فالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق، ولكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته] . الطريقة في هذا هي ما ذكر في باب الأسماء والصفات أن الرجوع إلى النقل، ولا دخل للعقل. والنقل: هو الكتاب والسنة، أي: النقل الصحيح؛ لأنه منقول لنا بنقل ثابت وليس فيه تشكيك، فنقتصر على النقل، وذلك لأن العقول لا تستطيع أن تتدخل في هذا الأمر، ولا أن تعرف حقائقه، ولا أن تفكر تفكيراً تتدخل فيه، فإذا قال المتكلمون: إن هذا الوصف لا يقره العقل أو لا يثبته، فالجواب أن نقول: ما للعقول ولأمر الغيب؟ هذا من أمر الغيب، والعقول محجوزة عن هذا الأمر. نقول بعد ذلك: إن الطحاوي الذي هو صاحب المتن ﵀ عاش في أواخر عهد السلف، وبعدما أحدث كثيرٌ من المبتدعة، وبعدما انتشر أهل البدع وتمكنوا، فهناك مبتدعة المشبهة الذين بالغوا في الإثبات حتى شبهوا الخالق بالمخلوقين، ومنهم هذا الذي حكى عنه، وهو داود الجواربي. وطائفة أخرى هم المعطلة، ومنهم أكابر المعتزلة، كـ أبي الهذيل العلاف، وأبي علي الجبائي، وكذلك الجاحظ، وسائر المعتزلة بالغوا في النفي، فعطلوا الله تعالى عن صفات الكمال، واشتهرت أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء، إلا أن المعطلة أكثر من المشبهة؛ لأن النفوس تنفر من إثبات التشبيه، فلما كان كذلك ألف الطحاوي هذه الرسالة وقصد بذلك الرد على هؤلاء وهؤلاء، فأثبت فيها الصفات كما يليق بالله، ورد فيها على المشبهة الذين بالغوا في الإثبات، وتكلم بهذه الكلمات، وإن كان الأفضل تركها، أعني: الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات الست، فالأولى تركها؛ لأن المتكلمين الذين هم النفاة صاروا ينفون بها حقاً وباطلاً، فلما أدخلوا فيها حقاً كان الأولى أن ينفى الباطل بعبارة كريمة ليس فيها شيء من الشبهة. كذلك ذكر أن للناس في استعمالها ثلاثة أقوال: قول أنه لا يجوز إثباتها، وقول أنه لا يجوز نفيها، وقول بالتفصيل. ويمكن أن يكون هناك قول رابع، وهو التوقف عنها، فلا إثبات ولا نفي، فيقال: هذه من الأمور المبتدعة، فنحن لا نثبتها إطلاقاً ولا ننفيها، ولكن التفصيل أولى، وهو أن يقال: ماذا تريدون بالحدود؟ وماذا تريدون بالأعضاء والأدوات؟ وماذا تريدون بالجهات؟ ففي كلامكم هذا حق وباطل. فالحق الذي تنفونه عبروا عنه بعبارة كريمة، والباطل الذي تنفونه أيضاً عبروا عنه بعبارة كريمة حتى نوافقكم على نفي الباطل ونخالفكم في نفي الحق، ونتحقق أن الصواب مع من أثبت لا مع من نفى، أو نحو ذلك. قال: (تعالى عن الحدود) ، فنقول: الأولى عدم إطلاق هذه اللفظة، ولكن الذين أطلقوها لهم عذر، أي: الذين قالوا إنه يتعالى عن الحدود؛ لأن الحد له تفسيران كما سيأتي. وكذلك الغايات والأركان والأعضاء والأدوات إلى آخرها، فالأولى التوقف عن ذلك، فنقتصر على ما أثبته الله، حيث إننا نقول: إن الله تعالى بذاته فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه، وأنه سبحانه قريب من عباده يطلع عليهم ولا يخفى عليه منهم خافية، وأنه موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص، فإذا أثبتنا ذلك لم يدخل علينا أهل البدع بحجة، ولم يجدوا علينا قولاً أننا ممثلة أو نحو ذلك.

стр. 320

بيان أن أهل السنة لا يحدون الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر. وسيأتي في كلام الشيخ: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، لا أن المعنى أنه غير متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم، سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد. انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً؛ فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب، ونفي حقيقته. وأما الحد بمعنى: (العلم والقول) ، وهو أن يحده العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة، قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي: سمعت منصور بن عبد الله: سمعت أبا الحسن العنبري: سمعت سهل بن عبد الله التستري، يقول وقد سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية. ] . عرفنا أن الأولى ترك الخوض في ذكر الحد، ولكن السلف ﵏ قصدوا بالإثبات بيان أن الرب تعالى متميز عن خلقه، فإنه فوق سماواته، وعلى عرشه، وعلي على خلقه، وهذا معنى قولهم: بائن من خلقه. وقولهم: إنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، يردون بذلك على الحلولية الذين تقدم قولهم بأول الكتاب، فيقصدون بذلك الجواب الواضح بأن الرب بذاته فوق سماواته على عرشه، وأنه بائن من خلقه، ومعنى قولهم: (بحد) أي: بينه وبين الخلق حد وهو معنى البينونة، ويتوقفون عند هذا.

стр. 321

إثبات صفة اليد ونحوها وبيان أنها ليست أعضاء ولا أدوات قال رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيتسلط بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه، قال أبو حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر: له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة. انتهى. وهذا الذي قاله الإمام ﵁ ثابت بالأدلة القاطعة، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] . وقال ﷺ في حديث الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء) الحديث. ولا يصح تأويل من قال: إن المراد باليد القدرة، فإن قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، لا يصح أن يكون معناه: بقدرتي مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضاً خلقتني بقدرتك فلا فضل له عليَّ بذلك، فإبليس مع كفره كان أعرف بربه من الجهمية. ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] ؛ لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع ليتناسب الجمعان اللفظيان للدلالة على الملك والعظمة، ولم يقل: (أيدي) مضافاً إلى ضمير المفرد، ولا (يدينا) بتثنية اليد مضافة إلى ضمير الجمع، فلم يكن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] نظير قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وقال النبي ﷺ عن ربه : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) . ولكن لا يقال لهذه الصفات: إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان، لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد لا يتجزأ ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية -تعالى الله عن ذلك- ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] . والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً لئلا يثبت معنىً فاسد أو ينفى معنىً صحيح، وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل] . قوله: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات) يقول: هذا النفي تسلط به النفاة على الصفات، فقالوا: نحن ننفي عن الله تعالى الأعضاء والأركان والأدوات، وهذا قول السلف ومنهم الإمام الطحاوي، فتسلطوا بذلك على نفي الصفات الثابتة بالأدلة، فنفوا صفة الوجه لله، ونفوا صفة النفس، ونفوا صفة اليد التي أثبتها، وصفة العين أو الأعين التي أثبتها، وغير ذلك من الصفات الواردة في القرآن والسنة نفوها بهذه الجملة، وقالوا: إنها أعضاء، وإنها أركان، وإنها أدوات. والشارح ﵀ بين أن الصفات ثابتة عن السلف، أعني الصفات التي أثبتها الله تعالى، فأثبت الله لنفسه صفة اليد أو اليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ، وكذلك قوله مخاطباً إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، فأضاف الله تعالى لنفسه صفة اليدين، فدل على أنها صفة ثابتة وإن كانت لا تشبه صفة المخلوق، ولا يدي المخلوق، ويقال: الله أعلم بكيفيتها. ويستدل على إثبات صفة اليد بأن الله تعالى ذكرها في هذه الآيات، فذكرها مفردة في قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ، وذكرها مثناة مضافة إلى ضمير المفرد كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] . وذكرها بصيغة الجمع ولكن مضافة إلى ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١] ، فهنا ذكرها مضافة إلى ضمير الجمع (نا) الذي يؤتى به للتعظيم، فالله تعالى يذكر نفسه بضمير الجمع للدلالة على التعظيم، كما يقول أحد الملوك: نحن أمرنا بكذا، ونحن فعلنا كذا، وهو واحد لكن يريد بذلك التعظيم. فالله تعالى يعظم نفسه بضمير الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ [الكوثر:١] ، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ [الفتح:١] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف:٣٢] ، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ، الضمير للجمع للدلالة على العظمة وأنه المستحق لأن يعظم، فهذا معنى ضمير الجمع هنا؛ لأنه قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] جمع اليد وجمع الضمير كل ذلك لأجل العظمة. وأثبت النبي ﷺ لربه صفة اليدين في قوله ﷺ : (يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟! فإنه لم يغض ما في يمينه، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع) ، وفي قوله ﷺ : (المقسطون عند الله يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين مباركة) ، وفي قوله ﷺ : (يقبض الله السماوات بيمينه ويقبض الأرض بشماله -وفي رواية: بيده الأخرى- ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وقرأ قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ) ، وقرأ أيضاً لما سئل عن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] . ولاشك أن هذه أدلة دالة على إثبات هذه الصفة، فيثبتها أهل السنة كما يليق بالله . وقد أورد ابن كثير ﵀ أدلة كثيرة في إثبات صفة اليد عند تفسير قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧] .

стр. 322

أدلة إثبات صفة الوجه والنفس أما صفة الوجه فذكرت في الآيات كثيراً، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] ، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، ونحوها من الآيات. وكذلك الحديث النبوي في قوله ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، وفي قوله: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، ونحو ذلك من الأدلة، فهذه أدلة واضحة من الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة. وكذلك صفة النفس، ذكر الله ذلك بقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، وقوله عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ، وقوله في آيات كثيرة يذكر الله تعالى فيها إثبات هذه الصفة، فصفة النفس ذكرها الله تعالى وأثبتها وهو أعلم بنفسه، ورسوله أعلم بمرسله، فيقتصر على ما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 323

السلامة في ترك مصطلحات أهل الكلام ثم اعتذر الشارح عن الطحاوي في استعماله لهذه الكلمات، وذكر أنه قصد حقاً، وأن هذه الصفات لا تسمى أركاناً ولا تسمى أدواتاً، ولا تسمى أعضاءً، واستدل بأن الأعضاء واحدها عضو وهو ما يتجزأ وما يمكن أن يتجزأ، والله منزه عن ذلك، وقرأ قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] يعني: أقساماً وأجزاءً. وعلى كل حال كان الأولى أن لا تذكر هذه الأشياء؛ لأن فيها حقاً وباطلاً، فينفى بها حق وباطل؛ فإن النفاة الذين هم الجهمية ونحوهم نفوا بها جميع الصفات، وتسلطوا على ما ورد في النصوص فنفوه، وقالوا: إنه أعضاء، وإنه أركان، وإنه أدوات، فلما تسلطوا بها احتاج أهل السنة إلى أن يبينوا أن الصفات لا تدخل في هذا المعنى، فقالوا: الصفات لو أثبتناها لا يصدق عليها أنها أركان ولا أنها أدوات ولا أنها أعضاء ونحو ذلك.

стр. 324

لفظ الجهة ودلالته قال رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقاً، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى الله عن ذلك، وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح، فمعناه أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه. ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أو أنه كان مستغنياً عن الجهة ثم صار فيها، وهذا الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات، سواءٌ سمى جهة أو لم يسم، وهذا حق، ولكن الجهة ليست أمراً وجودياً بل أمر اعتباري، ولا شك أن الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيها لا نهاية له، فليس بموجود] . هذا تفسير أو إيضاح لما ذكره الطحاوي من أنه (لا تحيط به الجهات الست كسائر المبتدعات) وقصد الطحاوي صحيح، وهو أن الرب لا يحيط به شيء من خلقه؛ لأن الجهات مخلوقة، فلا تحيط به جهة بمعنى (تحويه أو تحصره) وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فإذا كانوا لا يحيطون به علماً فكذلك المخلوقات لا تحيط به، أي: لا تحصره أو تحويه، تعالى الله؛ هذا هو قصده. والجهات الست معروفة، وهي الفوق والتحت واليمين واليسار والأمام والخلف، فمعنى أنها لا تحيط به، أي: لا يحصره جهة منها، بل هو أعظم من ذلك كما يشاء. ثم لا ينافي ذلك أن يوصف الله تعالى بأنه فوق عباده في جهة العلو، ولكن لا يلزم من ذلك حصر ولا إحاطة ولا غير ذلك، وقد دلت الأدلة الشرعية على وصف الرب بصفة العلو، وسيتكلم الشارح على ذلك بتوسع في أثناء الكتاب، ويذكر الأدلة الدالة على أنه تعالى فوق مخلوقاته كما يشاء، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، وكذلك غيرها من الأدلة.

стр. 325

استدراك على المصنف رحمه الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [وقول الشيخ رحمه الله تعالى: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) هو حق باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه، وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ ﵀ لما يأتي في كلامه أنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه. فإذا جمع بين كلاميه وهو قوله: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) وبين قوله: (محيط بكل شيء وفوقه) علم أن مراده أن الله تعالى لا يحويه شيء ولا يحيط به شيء كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تعالى هو المحيط بكل شيء العالي على كل شيء. لكن بقي في كلامه شيئان: أحدهما: أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى، وإلا تسلط عليه وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى. الثاني: أن قوله: (كسائر المبتدعات) يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي، وفي هذا نظر؛ فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي فممنوع؛ فإن العالم ليس في عالم آخر وإلا لزم التسلسل، وإن أراد أمراً عدمياً فليس كل مبتدع في العدم، بل منها ما هو داخل في غيره كالسماوات والأرض في الكرسي ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات كالعرش، فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات قطعاً للتسلسل كما تقدم] . لاحظ الشارح على صاحب المتن هاتين الملاحظتين: الأولى: يقول: إن الأولى عدم استعمال هذه الألفاظ لما فيها من الإبهام، ولما فيها من العموم الذي تسلط به الأعداء أو المبتدعة على نفي ما هو حق؛ فإنهم تسلطوا بقوله: (لا تحويه الجهات الست) على نفي جهة العلو، وبنفي الأعضاء والأركان والأدوات على نفي صفات الكمال، وجعلوا هذا دليلاً لهم، مع أن هذا غير مراد للطحاوي ﵀، بل مراده حق كما بينه واعتذر عنه الشارح. الثانية: لاحظ أن قوله: (كسائر المبتدعات) يفهم منه أن المبتدعات -يعني: المخلوقات- تحويها جهة من الجهات، وهذا ليس بصحيح، فيقول: ليس كل الموجودات محوية حوتها جهة من الجهات، ومثل بالعالم وما أشبهه. وعلى كل حال فالاقتصار على السنة والاقتصار على ما ورد في الأدلة الشرعية هو الصحيح الواضح، وهو الذي ليس فيه توقع ولا شك، وفيه كفاية، فالاقتصار على الأدلة الصحيحة والسنة الصريحة فيه الكفاية والمقنع، وكذلك الاستدلال بعبارات السلف، فالسلف ﵏ يعبرون بعبارات واضحة، ففيها الكفاية عن التعبير بعبارات موهمة استعملها المتأخرون وأدخلوا فيها حقاً وباطلاً. قال رحمه الله تعالى: [ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن (سائر) بمعنى: (البقية) لا بمعنى: (الجميع) هذا أصل معناها، ومنه السؤر، وهو ما يبقيه الشارب في الإناء. فيكون مراده غالب المخلوقات لا جميعها؛ إذ السائر على (الغالب) أدل منه على (الجميع) ، فيكون المعنى أن الله تعالى غير محوي كما يكون أكثر المخلوقات محوياً، بل هو غير محوي بشيء -تعالى الله عن ذلك- ولا يظن بالشيخ رحمه الله تعالى أنه ممن يقول: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي النقيضين كما ظنه بعض الشارحين، بل مراده أن الله تعالى منزه عن أن يحيط به شيء من مخلوقاته، أو أن يكون مفتقراً إلى شيء منها، العرش أو غيره، وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نظر؛ فإن أضداده قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به، وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته عن الإمام نظراً، وإن الأولى التوقف في إطلاقه؛ فإن الكلام بمثله خطر، بخلاف الكلام بما ورد عن الشارح كالاستواء والنزول ونحو ذلك، ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما أخبر الصادق ﷺ يكون العرش فوقه، ويكون محصوراً بين طبقتين من العالم، فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة] . لما كان بعض المنتميين إلى أبي حنيفة قد دخلهم شيء من التفسير في العقيدة نسبوا إليه أنه ممن يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا لا شك أنه لا يقوله أبو حنيفة، بل أبو حنيفة قد أثبت الاستواء، وأثبت أن الله تعالى فوق عرشه، وأنه يدعى من أعلى، وأن العباد إذا دعوه رفعوا إليه أيديهم متضرعين إليه، واستدل بذلك كله على أن الله تعالى فوق عباده، ولم يقل هذه المقالة الشنيعة التي يستعملها النفاة. فعلى هذا لا يظن بأحد من أئمة الإسلام كـ أبي حنيفة ولا غيره من الأئمة المتبعين المقتدى بهم أنهم يدخلون في هذه الأمور المبتدعة التي فيها تعطيل الله تعالى ونفي في صفات كماله؛ وذلك لأن صفات الكمال ثابتة لله عقلاً ونقلاً، والصفات التي أثبتها كلها صفات كمال، والتي نفاها لأنها تشتمل على نقص فنفاها، ونفي النقص كمال، هذه هي طريقة أهل السنة، أنهم ينفون عن الله الصفات التي نفاها عن نفسه؛ لأن في نفيها إثباتاً لأضدادها، وذلك كله من صفات الكمال. ولا شك أن المسلم إذا اعتقد أن ربه تعالى قريب مجيب، واعتقد أنه عليم حكيم، واعتقد أنه سميع بصير، واستحضر ذلك في كل حالاته عظم قدر ربه في قلبه وأكثر من دعائه، وتعلق قلبه برجائه وخافه حق الخوف واستعد للقائه وعظمه غاية التعظيم، وهذا هو السر في تقرير أهل السنة لهذه الصفات حتى يعرف المسلمون صفات ربهم فيعبدوه حق عبادته.

стр. 326

شرح العقيدة الطحاوية [٢٢] قد تواترت الأدلة الشرعية والعقلية على علو الله تعالى على خلقه، فيجب الإيمان به دون النظر إلى اللوازم الباطلة. وأيضاً يجب الإيمان بالإسراء والمعراج، وهو من الغيب الذي ثبت للصديق منزلة الصديقية الإيمان به، فعلى المؤمن أن يثبت عقيدته ويصدق بكل ما صح به الدليل.

стр. 327

دين الله تعالى أصله وثمرته نحمد الله على كل حال، ونعوذ به من حال أهل النار، ونحمد الله أن جعلنا مسلمين وأعاذنا من شر البدع والمبتدعين، ونحمد الله أن اختار لنا دين الإسلام ورضيه لنا ديناً، وأتم علينا نعمته وأكمل لنا الدين، ونحمد الله أن ثبتنا على دينه، نسأله سبحانه أن يثبتنا عليه إلى الممات. دين الإسلام الذي اختاره الله لهذه الأمة هو دينه الباقي، وهو دين الأنبياء كلهم أولهم وآخرهم، وأصله معرفة العبد ربه ودينه ونبيه، أصله الاعتراف بالله تعالى رباً وإلهاً ومدبراً، أصله التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، فبعد أن يعترف العبد بأنه سبحانه رب الأرباب ومسبب الأسباب لا إله غيره ولا رب سواه يعقد على ذلك قلبه عقداً محكماً، فيحمله هذا الاعتقاد على أن يبادر إلى الطاعة وأن يبتعد عن المعصية، ويحمله هذا الاعتقاد على أن يتفانى في خدمة ربه وفي عبادته، ويحمله هذا الاعتقاد على أن يرخص عنده كل شيء في سبيل رضا ربه . ويحمله هذا الاعتقاد على أن يهجر في ذات الله كل قريب وكل بعيد، وعلى أن يرضي الله بسخط الناس كائناً من كان، وعلى أن يلتمس رضا الله بجميع ما ينفق وبجميع ما يملك ولو طلب منه ربه أن يبذل نفسه وأن يبذل ماله لكان ذلك سهلاً رخيصاً عنده؛ ذلك لأنه يعلم أن رضا ربه فيه الفوز وفيه السعادة، وفيه تحصيل خيري الدنيا والآخرة. ولكن ذلك كله يتوقف على عقيدة القلب العقيدة السليمة الصحيحة التي هي معرفة الله تعالى بكامل صفاته، معرفته بما يستحقه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وإثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى التي يستحق بها أن يعظم حق التعظيم، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ويستحق أن يعبد حق عبادته ويطاع حق طاعته، وتلك العقيدة إذا رسخت في القلب وتمكنت منه فلن تزعزعها شبهة، ولن يزيلها مزيل مهما كانت العوائق ومهما كانت الظروف. ولاشك أن هذه العقيدة لما رسخت في قلوب الصحابة ﵃ رأينا لها الآثار، ونزل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] . إلى آخر الآيات. ونتذكر أن كل من اعتقد هذه العقيدة وثبتت في قلبه ثبوتاً ورسخت رسوخ الجبال أنه يعرف بذلك بعمله، ويعرف بتفانيه بحيث لا تأخذه في الله لومة لائمة، ولو دعي إلى أن يخرج من ماله ونفسه لما توقف في ذلك، فهذه علامة الصدق وعلامة الصادق في هذه العقيدة. روي عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦] يقول: أنا من ذلك القليل، لو كتب الله علينا أن نقتل أنفسنا لفعلنا، أو أن نخرج من أموالنا وديارنا لخرجنا. وهكذا كل مؤمن، ولكن كل مؤمن صادق وكل مؤمن مصدق وكل مؤمن سليم الإيمان كامل الإيمان يؤمن بأن ما عند الله خير وأبقى، ويؤمن بأن ربه هو الذي أعطاه، وهو الذي يملكه، وهو الذي طلب منه هذا الطلب، فيهون عليه ذلك الطلب. إذاً فمعرفة العقيدة الإسلامية التي هي عقيدة المسلمين مهمة غاية الأهمية، وأصل هذه العقدية -كما قلنا- هو معرفة الله بأسمائه وصفاته، وهذا هو السبب في أن الرب سبحانه تعرف إلى عباده، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت:٣٧] ، وأكبر مخلوقاته السماوات والأرض، بل ومن مخلوقاته خلقك بنفسك، خلق جنس الإنسان، وخلق الأرض وما بث فيها من دابة، ولا شك أن هذه من أكبر الآيات الدالة على أنه خالق وعلى كل شيء قدير، وإذا كان هو الخالق لهذا الخلق فإنه كما قال ابن كثير المستحق للعبادة. فيعرفه العباد ويصفونه بصفات الكمال، فيصفونه بأنه هو السميع الذي لا يحجب سمعه شيء، ولا تشتبه عليه الأصوات، وبأنه البصير الذي لا يستر بصره حجاب، وبأنه يرى عباده مهما كان ويرى كل شيء ولا تخفى عليه من عباده خافية، وبأنه العليم الذي يعلم كل ما دق وجل، وكل ما قدم وحدث، وكل كبيرة وصغيرة وبأنه الرحيم بعباده، وبأنه عزيز ذو انتقام، وبأنه صادق الوعد، وبأنه مالك الملك، وبأنه كامل الصفات له الصفات الكاملة التي أثنى بها على نفسه سبحانه ووصفه بها رسوله، فيصفونه بذلك. فيتعلمون هذه الصفات وأدلتها، وإذا عرفوا أدلتها لا شك أنها يكون لها تأثير في قلوبهم، وتأثيرها في قلوبهم بعد رسوخها بأن تنطق ألسنتهم بذكره، وتخشع قلوبهم لهيبته، وتشتغل أبدانهم كلها بطاعته سبحانه، ويعرفون ما يحبه فيتقربون إليه بكل محبوب، ويعرفون ما يكرهه ويبغضه فيبتعدون عنه غاية البعد، ويعرفون أسباب رضاه فيأتون بها، فذلك هو السبب في التركيز على علم العقيدة. إذاً فاهتم -أيها الأخ المسلم- بعلم العقيدة حتى ترسخها في قلبك وفي قلب كل مسلم، وتعرف بذلك صادق العقيدة من غيره الذي يعبد الله على شفا جرف.

стр. 328

المعصية دليل على نقص قدر الرب في القلب واعلم أن كل من رأيته مقصراً في الطاعة، أو كل من رأيته مرتكباً لشيء من المعاصي، فإن ذلك لنقص قدر ربه في قلبه، فقدر الله تعالى وعظمة الرب في القلب لا شك أن لها تأثيرها، فإذا نقص قدرها في القلب ظهرت المعاصي، وظهر التقصير في الطاعات، وظهر ارتكاب شيء من المكروهات أو من المحرمات، فهذه علامة واضحة على كمال الإيمان وثبوته ورسوخه في القلب وعلى نقصه، وهذا هو السبب في تركيزنا على علم العقيدة في هذا الدرس، وكذلك غيرنا من الذين يهتمون به في هذه العقيدة الطحاوية، وفي غيرها من كتب العقائد، فليهتم المسلمون بأمر عقيدتهم، وليعرفوا فوائدها، وليتعبدوا ربهم بموجبها.

стр. 329

إثبات صفة علو الله تعالى على خلقه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن حمشاذ -بعد روايته حديث النزول- يقول: سئل أبو حنيفة فقال: ينزل بلا كيف. انتهى. وإنما توقف من توقف في نفي ذلك لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش، بل يقول: لا مباين ولا محايث، ولا داخل العالم ولا خارجه. فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو والاستواء على العرش. ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود، ونحو ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان عند الكلام على قول الشيخ ﵀: (محيط بكل شيء وفوقه) إن شاء الله تعالى] . من صفات الله أنه القاهر فوق عباده، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، فيؤمن العباد بهذا القهر الذي مقتضاه الغلبة والإحاطة، والقهر: هو قوة الغلبة، بمعنى أنه غالب متصرف في العباد ليس لهم قدرة على التصرف في أنفسهم بدون اختيار الله وقضائه وتدبيره. ومن صفاته سبحانه أنه هو العلي بجميع أنواع العلو، علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، وكذلك فوقية القدر وفوقية القهر وفوقية الذات، ولا شك أن هذه الصفات قد دلت عليها الأدلة السمعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي هي مرجع الإسلام في الاستدلال، فمرجع المسلمين في استدلالهم على صفات ربهم هذه النصوص الثابتة المنقولة عن نبيهم نقلاً ثابتاً متواتراً. ولاشك أن هذا الإثبات للفوقية بجميع أنواعها يستلزم أن يكون الرب بكل شيء عليم؛ فإنه إذا كان قاهراً لعباده وقادراً عليهم وعالماً بهم ومطلعاً عليهم، ويرى صغيرهم وكبيرهم وخفيهم وجليهم، كان ذلك دالاً على عظمته وعلى إحاطته. والمخلوقون حقيرون بالنسبة إلى عظمة ربهم، فالمخلوق الذي هو الإنسان جزء صغير من مخلوقات الله، والأرض التي نحن عليها والسماوات التي فوقنا ومحيطة بنا جزء صغير أيضاً من مخلوقات الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، فإذا كانت الأرض قبضته، والسماوات مطويات بيمينه فما مقدار الإنسان؟! وما قدره في هذا الكون؟! قال ابن عباس ﵄: ما السماوات والأرض في كف الرحمن إلا كحبة خردل في يد أحدكم، وحبة الخردل هي أصغر ما يُتَصَوَّر من الحبوب، فالخردل شجر معروف وحبه صغير جداً، فيقول: إذا قبض أحدكم حبة خردل في كفه هل يحس بأنها تشغل مكاناً؟! كذلك السماوات السبع والأرضون السبع يقبضها الله وكأنها حبة خردل في يد أحدكم. فإذاً هذا دليل على العظمة، وأن علوه فوق عباده لا ينافي علمه، ولا ينافي اطلاعه، ولا ينافي علمه بعباده، ولا ينافي رؤيته لهم وقربه منهم وهيمنته عليهم ونظره إليهم وعلمه بأحوالهم وبأقوالهم وسماعه لأصواتهم، وما أشبه ذلك، ألا يكون العبد مستحضراً لذلك في كل حالاته حتى يعبد ربه غاية العبادة، وحتى يخافه غاية الخوف، إذاً فمن أصل عقيدة أهل السنة الاعتقاد بالفوقية لله، وأن ذلك لا ينافي علمه وقربه واطلاعه على عباده. كذلك عليه أن يعرف العقائد الفاسدة فيجتنبها، أو يركز على عقيدة السلف والأئمة وأهل السنة ويعرض عما سواها من عقائد المبتدعة، كوحدة الوجود والحلوليين ونحوهم من الفرق الضالة الذين أنكروا علو الله وقالوا: إنه لا فوق ولا تحت، ولا مباين ولا محايث. أو: إن وجوده هو وجود الكون، أو: إنه حال في المخلوقات بذاته -تعالى الله عما يقولون-، فكل أولئك لم يثبت الإيمان في قلوبهم ولم ترسخ معرفة الله وعقيدة الإسلام في أفئدتهم، فوسوس إليهم الشيطان أن ذات الله حالة فيكم أو في كل مكان، أو أن وجوده هو وجود الكون أو ما أشبه ذلك، يريدون بذلك أن يبرروا مذاهبهم، فعلى المسلم أن يعرف العقيدة السليمة وأن يعتقدها ويتعبد لله تعالى بموجبها.

стр. 330

الإسراء والمعراج وما ورد فيهما قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ، فصلى الله عليه في الآخرة والأولى. المعراج: مفعال من العروج. أي: الآلة التي يُعرج فيها أي: يصعد، وهو بمنزلة السلَّم، لكن لا نعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيَّبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. وقوله: (وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة) اختلف الناس في الإسراء: فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يُفْقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فـ عائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا: كان مناماً، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يُفْقد جسده. وفرقٌ ما بين الأمرين؛ إذ ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذُهِب به إلى مكة وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناماً، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه؛ فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظةً ومرة مناماً، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات. وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين: مرة قبل الوحي ومرة بعده. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده. وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر] .

стр. 331

إثبات الإسراء والمعراج من عقائد أهل السنة من عقائد أهل السنة الإيمان بأن النبي ﷺ عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس في ليلة المعراج، وأن ذلك كان بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين أو نحوها، وكذلك من عقائدهم ثبوت الإسراء. وقد ذكر الله تعالى الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلَاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] أخبر في الحديث أنه أسري به، يعني: ذُهب به من مكة إلى أن وصل إلى المسجد الأقصى الذي هو مسجد إيلياء، المسجد الأقصى الذي هو الآن معروف. هذا المسجد هو أحد المساجد الثلاثة، ويُعرف بالمسجد الأقصى، وهو قبلة النبي ﷺ قبل الهجرة، وبعد الهجرة أيضاً ظل يستقبله ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، فلذلك يقال: إنه أولى القبلتين. ويقال: إنه مسرى النبي ﷺ ، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، قال ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) بمعنى أنه يجوز أن يسافر إليه لأجل فضل الصلاة فيه، فالصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة في غيره، والصلاة في المسجد النبوي تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف كما ورد ذلك في الأحاديث، فهذه الثلاثة هي التي يُشد إليها الرحال. فمسجد إيلياء يسمى مسجد بيت المقدس أو البيت المقدس الذي بناه سليمان ﵇، وقد قيل: إنه جدَّده. وقيل: إنه أول من بناه. والصحيح أنه بُني قديماً، ثبت في الحديث أنه ﵇ سئل: (أي المساجد بُني أولاً؟ قال: المسجد الحرام. قيل: ثم ماذا؟ قال: المسجد الأقصى. قيل: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً) ، فدل على أنه بُني قديماً؛ لأن المسجد الحرام بناه إبراهيم، وقيل: إن إبراهيم جدَّده، فعلى هذا يكون المسجد الأقصى قديماً. فالحاصل أنه ﵊ أسري به ليلاً من المسجد الحرام، أي: من مكة إلى المسجد الأقصى، وأنه جُمع له الأنبياء هناك، وأنه أَمَّهم كما في بعض الروايات. فأنكرت كفار قريش لما أخبرهم بأنه أسري به وكذبوه وقالوا: إن المسافر إلى بيت المقدس يذهب شهراًَ ويرجع شهراً، وأنت تذهب في ليلة وترجع في ليلتك؟! هذا كذب وهذا محال! حتى إن بعض من كان قد أسلم رجع عن الإسلام، ولكن لما قيل لـ أبي بكر: إن صاحبك زعم أنه الليلة وصل إلى الشام ورجع! فقال: صدق، إني أصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه أن خبر السماء ينزل عليه صباحاً ومساءً، فكيف لا أصدقه إذا أسري به إلى المسجد الأقصى ثم رُجِع به؟! وفي بعض الأحاديث أنه أتاه جبريل ومعه دابة يقال لها البراق، هذه الدابة هي كما خلق الله، وكان البراق يضع حافره عند منتهى طرْفه، فخطوته الواحدة مد البصر، يضع حافره عند منتهى طرْفه، أي أن سيره أسرع من لمحة البصر، فقطع هذه المسافة في هذه اللحظات، ووصل إلى هناك ثم رجع، وهذا هو الإسراء.

стр. 332

الإسراء والمعراج بروحه وجسده ﷺ والصحيح أنه أسري ببدنه وبروحه، وأن الإسراء كان يقظةً لا مناماً، وذلك لأن قريشاً أنكرت هذا الإسراء واستبعدته، ولم تكن تنكر المنامات، فلو قال: إن ذلك منام، أو إن ذلك أحلام أو رؤيا لصدقوه؛ لأن الإنسان يرى في منامه أنه قطع مسافات وأنه وصل إلى كذا وكذا وهو نائم على فراشه لم يفارقه، فيعترفون بذلك، ولكن لما أخبرهم بهذا كذبوه، فدل على أن الإسراء كان بجسده، وأنه ركب البراق حقيقةً وذهب ورجع، وأخبرهم بآيات وبدلالات، واستوصفوا منه بيت المقدس، واستوصفوا المسجد الأقصى، فعند ذلك وصفه لهم وصفاً دقيقاً، وفي بعض الروايات أن الله تعالى جلَّاه له لما التبس عليه بعض الأشياء، فكشفه له وصوره أمامه فصار يصفه وهم يسألونه فيقول: هذا مكان كذا وهذا مكان كذا، مع أنه لم يأته إلا تلك اللحظة أو تلك اللحظات، فاعترفوا بأن الوصف مطابق لما هو عليه في الحقيقة. فالإسراء كان يقظةًَ لا مناماً، بجسده وبروحه. وهناك من يقول: إن الإسراء بالروح فقط، أي أن روحه خرجت وفارقت جسده، وأن الجسد بقي ليس فيه روح، وأن الروح صارت لخفتها فوصلت إلى ذلك المكان، ولكن هذا قول من الأقوال قد استدلوا عليه بقول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] ، ولكن الرؤيا ليست مطلق الحلم، بل الرؤيا كل شيء يُرى ويراه الإنسان يسمى رؤيا، فرؤية الأشخاص، قد تسمى في اللغة رؤيا.

стр. 333

الأدلة على المعراج أما المعراج فالمعراج هو الصعود إلى السماء، وقد دل عليه من القرآن آيات كريمات في أول سورة النجم، في قوله : ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:٥-١١] إلخ الآيات. فإن هذا دليل على أنه رفع جسده حتى كان قاب قوسين أو أدنى، والقوس معروف، وهو الآلة التي يُرمى بها، يعني أنه دنا من ربه فتدلى، يعني: هبط. فهذه الآيات ونحوها دلالتها على أنه رُفع وأنه أسري به وأنه رأى الملَك في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣-١٥] . وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧-١٨] . وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢] . كل ذلك كان في المعراج حين عُرِج به، والآيات فيها إجمال ذلك، والأحاديث فيها التفصيل لذلك كله، كما هو معروف في كتب الحديث. فالأحاديث التي في الإسراء في الصحيحين وفي غيرهما، وقد أورد ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء جملة كثيرة من أحاديث الإسراء والمعراج، وأفردها كثير من العلماء بالتأليف وتوسعوا فيها. فنقول: من العلماء من يقول إن الإسراء كان بالروح كما روي ذلك عن عائشة وغيرها أن الجسد لم يُفقد. ومنهم -وهو الصحيح- من يقول: إنه كان يقظة لا مناماً، وإنه بالجسد والروح معاً، وإن جسده عُرج به بحيث اخترق السبع السماوات سماءً سماءً، ووجد الأنبياء في السماء وسلم على من وجد منهم، وفُرضت عليه الصلوات، وكلمه الله منه إليه وخاطبه، وخفف عنه عشراً عشراً إلى أن استقرت خمس صلوات، فقال الله تعالى: (لا يُبَدَّل القول لدي، أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي) يعني: عندما خففت الصلوات إلى خمس فرائض. كل ذلك كان ليلة الإسراء، فالذين قالوا: إن الإسراء تكرر هؤلاء كأنهم يريدون الجمع بين الروايات، ولكن الصحيح أن الإسراء والمعراج لم يتكرر، وإنما هو مرة واحدة، وفي ليلة واحدة، عُرج به من بيت المقدس إلى السماء ثم نزل في ليلته، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 334

حديث الإسراء والمعراج قال رحمه الله تعالى: [قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: يا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً! وكيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تُفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمساً، فيقول: (أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي) ، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غَلَّط الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: (فقدَّم وأخَّر وزاد ونقص) ولم يسرد الحديث، فأجاد ﵀. انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀. وكان من حديث الإسراء أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة -على الصحيح- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكباً على البراق صحبةَ جبريل ﵇، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك البتة. (ثم عُرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل ففُتِح له، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم فلقيهما فسلم عليهما، فردا ﵇ ورحبا به وأقرا بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف فسلم عليه، فرد ﵇ ورحب به، وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته، ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، ثم رُفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة. فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئتَ، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار ﵎ وهو في مكانه -هذا لفظ البخاري في صحيحه، وفي بعض الطرق- فوضع عنه عشراً، ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎ حتى جعلها خمساً، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضَى وأسلم، فلما نفذ نادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ] : هكذا سرد الشارح مجمل حديث الإسراء والمعراج، وهذا على وجه الاختصار، ومن أراد التوسع فليراجعه في صحيح مسلم (باب الإسراء برسول الله ﷺ وفي صحيح البخاري في آخره في كتاب التوحيد، وفي كتب أهل السنة. وقد ذكرنا أن ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء أورد أكثر الروايات وساقها بنصها كما هي، وملخصها ما ذكر من أنه ﷺ أتاه الملَك وهو في مكة في بيت أم هانئ، وأتى به إلى المسجد، وفي بعض الروايات أنه غسل قلبه، وملأه حكمةً وإيماناً، غسله من ماء زمزم وملأه، ثم ركب معه على البراق الذي هو دابة الله أعلم بكيفيتها، يضع حافره عند منتهى طرفه، لسرعة سيره، فوصل إلى بيت المقدس في لحظات، ثم صلى بالأنبياء هناك، وبعد ذلك عُرج به إلى السماء. والعروج لا شك أنه الرُّقِي والصعود، ولا يُعلم كيفية ذلك، ولا شك أنه عُرج بجسده وروحه، إما على نفس الدابة التي هي البراق، وإما أن جبريل حمله فخرق هذا الجو الواسع في لحظات حتى أتى إلى باب السماء الدنيا، فاستفتح الباب فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً بك وبمن جاء معك، ففتح له، فوجد في السماوات أولئك الأنبياء في سماء بعد سماء، فوجد آدم في السماء الدنيا، فسلم عليه، وفي بعض الروايات أنه رآه وعنده أسْوِدَة عن يمينه وأسْوِدَة عن يساره، فإذا نظر إلى مَن عن يساره بكى، وإذا نظر إلى من عن يمينه ضحك، فالذي عن يمينه نَسَم أهل الجنة، والذي عن يساره نَسَم أهل النار، أي: أرواح تعرض عليه من أهل الجنة ومن أهل النار، وهي نَسَم بنيه. فقيل: إن هذا روحه أي: روح آدم تمثلت هناك، وكذلك أرواح الأنبياء الآخرين مُثِّلت هناك، ويمكن أن تكون جُعلت في أجساد تناسبها وتلائمها، والله أعلم بكيفية تلك الأجساد.

стр. 335

لزوم الإيمان بالإسراء والمعراج دون اعتراض والحاصل أنه ﵊ -كما أخبر الله- عُرج به حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وأوحى الله تعالى إليه، ورفعه إلى مستوىً سمع فيه صريف الأقلام، ومر على البيت المعمور الذي في السماء السابعة، وأخبر بأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك من تلك السماء، ثم لا يعودون إليه، وكل يوم يدخل فيه غيرهم، وذلك هو البيت الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤] . ثم فرضت عليه هذه الصلوات أولاً خمسين صلاة، وخففها الله حتى صارت خمساً، فقال الله: (أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي) ، ورجع في ليلته إلى الأرض وأصبح في مكة، وذلك يسير في قدرة الله . فيؤمن أهل السنة بذلك، ولو استنكر ذلك من استنكره من المبتدعة ونحوهم، وذلك أن من لا علم عنده، أو من لا يؤمن إلا بالمحسوسات ونحوها قد يستبعد ويقول: إن الإنسان على هذه الأرض، وإنه لا يمكن أن يعيش إذا فارقها، وإنه إنما يعيش بهذا الأكسجين الذي يعيش به. نقول: كيف لا يجوز أن يكون أهل السماء يعيشون كما يعيش أهل الأرض، وأن يكون عندهم مثلما يكون عند أهل الأرض، والله تعالى على كل شيء قدير؟ وعلى كل حال فالذين يستبعدون ذلك ويقولون: إنه مستحيل أن يفارق الإنسان هذه الأرض أو يرتفع إلى غيرها أو ما أشبه ذلك؛ كل ذلك تخبطات وتخرصات. وكذلك الذين استنكروه للبعد وقالوا: كيف يقطع هذه المسافات ونحوها؟! وقد سبق أن أبا بكر ﵁ صدقه وقال: كيف لا أصدقه وهو يأتيه خبر السماء؟ ينزل عليه الملك في لحظات ويصعد في لحظات كطرف العين، فلماذا لا نصدقه؟ وما دمنا عرفنا أنه قد صدق في دعواه أنه مرسل من ربه فكذلك دعواه أنه بُعث وأنه جاء بهذه الشريعة، وهكذا أيضاً ما جاء به من هذا الإسراء والمعراج. لا شك أيضاً أن هذا يعتبر شرفاً، ويعتبر ميزةً له، ويعتبر فضيلةً من فضائله ﵊ أنه عُرج به في الحياة، وأنه صعد إلى السماء السابعة، وأنه كلمه ربه منه إليه، وأنه وصل إلى مكان سمع فيه صريف الأقلام، وأن الله خاطبه منه إليه كما يشاء. فهذا من فضائله، ويذكر مع فضائله أنه جاوز السبع الطباق، أي: السبع السماوات، ورفعه الله فوقها. فهذا أدخلوه في العقيدة، وذلك لأنه من حقوق النبي ﷺ وميزته وخصائصه، مما يقد يكذِّب به مَن قَصُر علمُه عن معرفة المغيَّبات واقتصر على ما يظن أنه ظاهر، أو اقتصر على ما تدركه حواسه دون أن يؤمن بقدرة الله على كل شيء، ومن آمن بأن الله تعالى على كل شيء قدير لم يستبعد مثل هذا الحادث العظيم.

стр. 336

رؤيته ﷺ ربه في المعراج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربَّه بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يرَه بعين رأسه، وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبريل، رآه مرتين على صورته التي خُلِق عليها. وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨] فهو غير الدنو والتدلِّي المذكورَين في قصة الإسراء؛ فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود ﵄؛ فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٥-٨] ، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديدِ القُوَى. وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريحٌ في أنه دنوُّ الرب تعالى وتدليه، وأما الذي في سورة النجم أنه ﴿رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣-١٤] فهذا هو جبريل، رآه مرتين: مرةً في الأرض ومرةً عند سدرة المنتهى] .

стр. 337

الدليل على أن الإسراء كان بجسده ﷺ وقال المؤلف: [ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلَاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر. فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟ فالجواب -والله أعلم- أنه كان ذلك إظهاراً لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس، فنعته لهم وأخبرهم عن عِيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك؛ إذ لا يمكن إطْلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه لمن تدبره. وبالله التوفيق] .

стр. 338

تفسير آيات سورة النجم في المعراج هذه الآيات من سورة النجم، وهي قول الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] المعلَّم هو النبي ﷺ ، والمعلِّم شديد القوى هو الملك، أي: جبريل ﵇. وقوله: (ذُو مِرَّةٍ) أي: ذو قوة. (فَاسْتَوَى) : الاستواء هنا: الارتفاع. (وَهُوَ بِالأُفُقِ) : أي ارتفع بالأفق الأعلى، والأفق: واحد الآفاق، وهي الجهات المتقابلة، فعلَّمه واستوى وارتفع ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٧] . (ثُمَّ دَنَا) أي: قرُب منه، وذلك أيضاً بعدما عُرج به إلى السماء. ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨] : التدلي والدنو هنا للملَك الذي هو جبريل، أي: قرب منه وتدلى. يعني: انحدر إليه ونزل إليه. ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] القوس: هو الآلة التي يُرمى بها، كانوا يرمون به بالسهام قبل وجود الأسلحة. فيقول: إنه دنا منه وقرُب منه وهو يراه، حتى كان منه قدر قوسين أو أقرب من القوسين، هذا معنى ﴿دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] . وأما قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] فلا شك أن الوحي من الله تعالى، فهو الذي أوحى إلى عبده، وسواءٌ أكان العبد هو الملَك أم البشر فالوحي من الله إلى الملَك الذي هو جبريل، ومن الملك إلى البشر الذي هو محمد عليهما الصلاة والسلام، أوحى إليه الشيء الذي أوحى، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] . أما قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] فالرؤية هنا قلبية، أي: ما كذَّب الفؤاد بالرؤية التي رآها، وهذا دليل على أنه ﷺ كُشف له وأعطي مكاشفات وأنواراً وفتوحات فُتحت على قلبه فاستنار قلبه، فأصبح كأنه يرى ربه رأي عين وإن كان مع ذلك إنما رآه رؤية بالقلب. وهذا معنى قول السلف: إنه ﷺ رآى ربه بقلبه. أي: بتلك الكشوفات والفتوحات والواردات التي ترد على قلبه مما يطمئن به ويقوى بذلك يقينه، فهذا دليل على أنه لم يَرَ ربه رؤيةً بصرية؛ لقوله في الحديث السابق لما قيل له: هل رأيت ربك؟ فقال: (نورٌ أنى أراه؟!) أي: دونه أنوار فكيف أراه؟! وفي رواية: (رأيت نوراً) ، فإذاً الرؤية هنا رؤية قلبية. ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ [النجم:١١] ، وفي قراءة: ﴿مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] أي: لم يكذِّب بما رآه من الكشوفات والإلهامات والواردات التي وردت عليه، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] . وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] فالرؤية هنا أيضاً للملك، أي: ولقد رأى جبريل ﵇ نزله أخرى أي: مرةً أخرى. فهذه مرة رأى فيها جبريل ﵇ وهو في السماء على الهيئة والصورة التي خلق عليها وقد سد الأفق، وله ستمائة جناح، والمرة الأولى ذُكرت في سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] ، فرآه بالأفق الأعلى، ورآه بالأفق المبين، قد سد ما بين الأفقين، له ستمائة جناح ينزل منها من الدر والياقوت ما الله به عليم، كما ورد ذلك في حديث. فإذاًَ ثبت أن عائشة لما سئلت عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] ، وقوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:٦-١٣] ، فذكرت أنها سألت النبي ﷺ فأخبر بأنه رأى جبريل ﵇ مرتين في صورته التي خلق عليها، ﴿نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣-١٤] ، رآه هذه المرة بالأفق الأعلى عند سدرة المنتهى، وهي سدرة عظيمة في الجنة، وقد أخبر ﷺ بأن (أوراقها مثل آذان الفيلة، وأن نبقها -يعني: حملها- مثل قلال هجر) ، والقِلال: جمع قلة، وهي أواني الفخار الكبيرة التي تُعمل للمياه ونحوها. هذه هي سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى.

стр. 339

لزوم الإيمان بمثل هذه الغيوب ففي هذه الآيات من هذه السورة الدليل على أنه ﷺ عُرج به فرأى جبريل وهو بالأفق الأعلى، ودنا منه، وأن الله تعالى (أوحى إلى عبده) يعني: محمداً ﷺ (ما أوحى) من فرض الصلوات الخمس. فهذا مثال للإيمان بالغيب أو الأشياء التي لا تدركها الحواس أو يستغربها الإنسان إذا سمعها فيقول: بشر خُلق من الأرض، فكيف مع ذلك رُفع إلى السماء، وادعى أنه خرق السماوات سماءً فوق سماء، ثم نزل وهو على هيئته أو بحياته التي هو عليها، والإنسان خُلق من الأرض ولا يستطيع أن يفارقها؟ نقول: إن ذلك خلق الله وتقديره، وهو الذي يدبر الأشياء كما يشاء، فهو الذي خلق الإنسان وأعطاه الحياة على هذه الأرض، وأنزل عليها آدم وذريته وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] ، وقال: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٥] . فمعلوم أن الإنسان خلق من هذه الأرض، ولكن لا مانع من أن يُرفع إلى السماء إذا شاء الله تعالى ثم يهبط منها، ويكون مأواه ومماته على الأرض، ومنها يُبعث كما حصل له ﵊ وللرسل من قبله.

стр. 340

شرح العقيدة الطحاوية [٢٣] الحوض أمر غيبي ذكر الله أنه في الآخرة يرده المؤمنون، ويذاد عنه الكافرون والمنافقون، وقد وردت صفاته وفضيلته في السنة مفصلة متواترة، فالإيمان به من عقائد أهل السنة، ومن أنكره فهو خليق بأن يذاد عنه.

стр. 341

الحوض وما ورد فيه ووجوب الإيمان به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق) . الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياًَ، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى بـ (البداية والنهاية) ، فمنها ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) . وعنه أيضاً عن النبي ﷺ قال: (ليَردن علي ناس من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتهم اختُلجوا دوني فأقول: أصيحابي! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك) رواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: (أغفى رسول الله ﷺ إغفاة فرفع رأسه متبسماً -إما قال لهم، وإما قالوا له-: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه نزلت علي آنفاً سورة. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُختلج العبد منهم فأقول: يا رب إنه من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) ، ورواه مسلم ولفظه: (هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترِد عليه أمتي يوم القيامة) ، والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض، والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يُختلج عنه ويُمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط. وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فَرَطكم على الحوض) ، والفَرَط: الذي يسبق إلى الماء. وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني فرطكم على الحوض، من مَرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليرِدن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم) ، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي) سحقاً أي: بُعداً] . هذا من الإيمان بالغيب أيضاً، وهو الإيمان بيوم القيامة وما يكون فيه، وقد أخبر الله تعالى بالبعث بعد الموت وبحشر الأجساد، وبإعادة الأرواح إلى أجسامها، وبجمع الناس كلهم ليوم لا ريب فيه. يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يعني: يقوم أولهم وآخرهم. ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩-٥٠] . فالإيمان بالبعث بعد الموت ركن من أركان الإيمان بالله تعالى، ويؤمن العبد بما يكون في ذلك اليوم مما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ ، وتفاصيل ذلك مذكورة في أحاديث النبي ﷺ ، ومجملها وارد في كلام الله . فمن ذلك ذكر الحوض الذي ذكر، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر حيث زادت على رواية أربعين صحابياً، رووا ذكر الحوض عن النبي ﷺ ، ورواها أئمة السنة وعلماء الأمة في مؤلفاتهم بألفاظ متعددة، وطرق كثيرة وروايات مجموعُها يُقطع بأنه ﷺ أخبر بذلك، فيُقبل خبره ولا يُلتفت إلى من أنكره. وقد ورد أيضاً دليل ذلك في القرآن في سورة الكوثر، وقد فسر النبي ﷺ الكوثر في هذا الحديث بأنه نهر في الجنة أعطاه الله نبيه ﷺ ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وكذلك أخبر بأنه أعطي هذا الحوض في الأرض في يوم القيامة، وهو جزء أو فرع أو امتداد للكوثر الذي أعطيه في الجنة. والحوض عند العرب هو الإناء الذي يتخذ من الجلود تسقى به الإبل والغنم ونحوها، وعادةً يحملونه على ظهور الإبل، فإذا وردوا أو أقبلوا على المياه أرسلوا وارداً يصلح لهم الورد، ويسمى ذلك الوارد الذي يتقدمهم (الفَرَط) ، فيقولون: أنت فَرَطنا يا فلان. أي: أنت الذي تتقدم أمامنا إلى ذلك المورد وتصلح لنا الورد، فإذا وردوا بدوابهم إذا هو قد ملأ الحوض ماءً وقد ركب البكرة التي يُستقى عليها وقد انتزع من الماء بقدره، فيبدءون في سقي دوابهم إلى أن تنهل وتروى، فتشرب من ذلك الحوض.

стр. 342

سعة الحوض وبعض أوصافه والحوض الذي أعطاه الله نبينا ﷺ في الآخرة هو نهر ليس مصنوعاً من جلود ولا من أوانٍ، والله أعلم بما صُنع منه، ولكنه ممتد، وقد روي أنه (مسيرة شهر في شهر) يعني: طوله مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر بالسير المعروف في ذلك الزمان، وقُدِّر في بعض الروايات بأنه من صنعاء إلى أيلة، وصنعاء عاصمة اليمن، وأيلة مدينة في الشام، يعني: طوله من ذلك المكان إلى ذلك المكان، وفي بعض الروايات أنه (من صنعاء إلى عدن) ، وكلتاهما معروفتان في اليمن، ولعل ذلك باختلاف جهاته. وعلى كل حال فإنه على هذا حوضٌ واسع ممتلئ ماءً، وورد في هذه الروايات أنه يشخب فيه ميزابان من الجنة أو من الكوثر، أي: يصب فيه ميزابان من الجنة، وأن فيه آنية -الآنية الكئوس التي يُشرب بها- وآنيته عدد نجوم السماء في الكثرة، ولا يعلمها إلا الله . يرد عليه المؤمنون، ويُذاد عنه المنافقون، وأخبر بأنه يرِد عليه أناس فيعرفهم، فإذا أقبلوا إليه وعرفهم اختلجوا دونه، وحيل بينه وبينهم، فيقول: أصحابي -يعني: ممن أسلموا معي وعرفتهم- فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. يعني أنهم إما من المرتدين، وإما من المنافقين، وإما من المتسمين بالإسلام وليسوا بمسلمين، أما المؤمن حقاً الذي ثبت على الإيمان سواءٌ من الصحابة أو ممن بعد الصحابة فإنه يرد على ذلك الحوض ويشرب منه شربة هنيئة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وذلك لما جعل الله في ذلك الماء من الشفاء، ولما جعل فيه من اللذة، إذ كان ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل الذي هو غاية في الحلاوة وفي اللذة، وأن الشربة منه لا يعدلها شيء، فيؤمن العبد المؤمن بذلك. وورد في بعض الروايات أن لكل نبي حوضاً، ولكن نبينا ﷺ أكثرهم وارداً، أي: أوسعهم حوضاً وأكثرهم وروداً. يعني: أمته المتبعون له أكثر من غيرهم من الأمم، وذلك لأن الذين صدقوه واتبعوه وحققوا اتباعه لا يحصيهم إلا الله .

стр. 343

مكان الحوض ووقت وروده والصحيح أن الحوض في عرصات القيامة قبل أن يعبروا الصراط، لكن ورد في بعض الروايات أنهم (إذا نزلوا من الصراط نزلوا ظمأى، فيرِدون عليه كورود الناس التي على حوضها) ، ولعله يمتد أيضاً إلى طرف الصراط، فلا مانع من أن يكون معظمه في عرصات القيامة وقبل أن يركبوا الصراط، ثم بعدما ينزلون من الصراط يجدون له طرفاً، ثم بعد ذلك يشربون منه ويدخلون الجنة كما أخبر الله تعالى. فيؤمن العباد بذلك وإن لم تدركه عقولهم، ويؤمنون بما أخبر به نبيهم ﷺ ، ولا شك أن هذا من كرامة هذا النبي ﵊، ومعلوم أنه يقف على الحوض وينظر من يرد عليه، وكذلك يكون معه ملائكة يأذنون في ورود بعض أمته، ويردُّون الذين ليسوا من الأمة حقاً. فالذي يُردُّ يبقى على ظمئه وعلى جهده وعلى ما يلاقيه من الشقاوة. والذين يردون يطمئنون بالشرب ويسعدون بذلك ويَعرفون أنهم من أهل السعادة ومن أهل الخير. ولا شك أيضاً أن أهله الذين يردون عليه هم أهل السنة والجماعة، أهل الاتباع لا أهل الابتداع، ولأجل ذلك يُرد المبتدعة والمرتدون الذين أحدثوا، (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) ، فالذي يرجو أن يكون من أصحاب الحوض المورود ويرجو أن ينهل منه عليه باتباع السنة، وعليه بالتصديق بما جاء عن نبي الأمة، وعليه بالعمل الصالح، وتحقيق التصديق الذي التزمه، فبذلك يكون من أهل السعادة إن شاء الله.

стр. 344

أوصاف الحوض ومن يستحق وروده قال رحمه الله تعالى: [والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض أنه حوض عظيم ومورد كريم، يُمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضاً من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وفي بعض الأحاديث أنه كلما شُرِب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في حالٍ من المسك، والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء! وقد ورد في أحاديث أن لكل نبي حوضاً، وأن حوض نبينا ﷺ أعظمها وأجلها وأكثرها وارداً، جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: واختُلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟ فقيل: الميزان، وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه؛ فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الميزان والصراط. قال أبو حامد الغزالي ﵀ في كتاب كشف علم الآخرة: حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله. قال القرطبي: هو كما قال. ثم قال القرطبي: ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة، أرض بيضاء كالفضة، لم يُسفك فيها دم، ولم يُظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء. انتهى. فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخْلَق بهم أن يحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر!] . في هذا ملخص صفة الحوض المورود، فله أربع زوايا، أي: أنه مربع، وكل زاوية منه مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضاً من اللبن- واللبن في غاية البياض- وأحلى من العسل الذي هو أشد الأشياء حلاوةً، وأطيب ريحاً من المسك، أي: أنه مع ذلك له رائحة عبقة طيبة. وذكر أيضاً أنه ينبت في جوانبه وفي رضراضه من النبات الذي يكون مبهجاً للنفوس من اللؤلؤ والمرجان وأنواع الجواهر ما الله تعالى به عليم، والله على كل شيء قدير، وأنه يرِده المؤمنون ويذاد عنه الكافرون والمكذبون والمنافقون، وأنه يكون قبل الميزان وقبل الصراط، وذلك لأن الناس عندما يُبعثون من قبورهم حفاةً عراة غرلاً بُهماً يكونون في تلك الحال شديدٌ عطشهم، فهم بلا شك بحاجة إلى ما يدفعون به ذلك العطش، فيرِدون لينهلوا من ذلك الحوض، حتى إذا رووا واطمأنوا عند ذلك يُفصل بينهم، فتنصب الموازين، وينصب الصراط، وتوزن الأعمال، وتتطاير الصحف، ويُعرف بذلك أهل السعادة من أهل الشقاوة حتى يفصل الله بينهم. والذين أنكروا هذه الأمور الواردة خليق بهم وحري أن يحال بينهم وبين وروده كما أنهم كذبوه، وكما أن الذين كذبوا برؤية الله تعالى حري أن يكونوا عن ربهم محجوبين. فالذين أنكروا الأمور التي أخبر الله بها أو أخبر بها رسوله، لا شك أنهم مكذبون، لم يصدقوا التصديق اللازم عليهم، ولم يأتوا بما يجب عليهم، إنما صدقوا بما يناسب أهواءهم، والواجب على المسلم أن يصدق بكل ما جاءه من الله تعالى، سواءٌ أدركه عقله أم لا، فيكون بذلك حقاً من الذين يؤمنون بالغيب، ومن الذين يصدقون الله تعالى ويصدقون رسله، ومن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

стр. 345

شرح العقيدة الطحاوية [٢٤] من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم أملاً في الشفاعة، وأعظم الخلق شفاعة هو سيدنا محمد ﷺ ، وقد خصه الله بشفاعات كثيرة لأمته، وقد ثبتت الشفاعة في القرآن والسنة، فالإيمان بها واجب، والتسليم بها فرض على كل مؤمن.

стр. 346

الشفاعة يوم القيامة

стр. 347

ذكر الشفاعة العظمى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار) . الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع. النوع الأول: الشفاعة الأولى، وهي العظمى الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. وفي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين أحاديث الشفاعة. منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتي رسول الله ﷺ بلحم فدُفع إليه منها الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟! ألا ترون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟! فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -وذَكَرَ كذباته- نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه -قال: هكذا هو- وكلمتَ الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنباً- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تُشَفَّع، فأقول: يا رب أمتي أمتي! يا رب! أمتي أمتي! يا رب أمتي أمتي! فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى) . أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد] . هذا أيضاً من كرامات النبي ﷺ وهو الإيمان بالشفاعة التي هي شفاعته لأهل الموقف في إراحتهم من الموقف، فيؤمن بذلك أهل السنة. وقد أنكرت ذلك الخوارج، وكذلك أنكرته المعتزلة، وقد غلا بعض المشركين وأثبت الشفاعة بدون إذن الله ، وقول أهل السنة هو الوسط، وهو أنه يشفع وكذلك غيره، ولكن لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، فالشفاعة عند الله تعالى في الآخرة بإذنه. وقد ورد في هذا الحديث أنه يقول: (اشفع تشفع) ، فلا يبدأ بالشفاعة أولاًَ حتى يأذن الله تعالى له بأن يشفع، وكذلك غيره من الأنبياء لا يشفعون، وكذلك الملائكة لا يشفعون إلا بعد إذن الله .

стр. 348

إيراد الشارح للرواية التي فيها الشفاعة العظمى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب تعالى لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور؛ فإنه المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث، فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم، فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس، ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى المحز إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار. وكأن مقصود السلف -في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالِفة للأحاديث، وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله؛ لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم، ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمداً ﷺ ، فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك -وهو أعلم-؟ قال رسول الله ﷺ : فأقول: يا رب! وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم، فيقول : شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم، قال: فأرجع فأقف مع الناس -ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزُّل الملائكة بالغمام- ثم يجيء الرب لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح. قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم، فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه إلى أن قال: فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: مَن أحق بذلك من أبيكم؟ إنه خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبُلاً، فيأتون آدم فيُطلب ذلك إليه، وذكر نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمداً ﷺ ، إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب، ثم أستفتح فيُفتح لي فأُحَيَّا ويُرَحَّب بي، فإذا دخلتُ الجنة فنظرت إلى ربي خررتُ له ساجداً، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول الله لي: ارفع يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه، فإذا رفعتُ رأسي قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب! وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله : قد شفَّعتك وأذنت لهم في دخول الجنة) الحديث رواه الأئمة ابن جرير في تفسيره، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، والبيهقي وغيرهم] .

стр. 349

شرح حديث الشفاعة العظمى ذكر العلماء أن أكبر أنواع الشفاعات التي اختُص بها النبي ﷺ هي الشفاعة في يوم القيامة لأجل إراحة الناس من طول الموقف، ولأجل فصل القضاء بينهم، وذلك لأن الموقف يوم القيامة قد ذُكر من طوله ومن هوله وما يكون فيه من الغم والكرب ومن العذاب والألم ما الله تعالى به عليم. فأما طوله فقد ذكر الله أنه ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] ، وفي آية أخرى أنه ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ، ولعل ذلك لاختلاف تقديره عند الناس، أو في ظن الكثير من الناس، ولكنه لا يحس بطوله أهل التوحيد والعقيدة وأهل الأعمال الصالحة، وذلك لأنهم ينعمون في ذلك الموقف. كذلك من الهول الذي ينالهم في الموقف شدة الحر، كما روي أنها تدنو الشمس من رءوس الخلائق حتى يكون بينها وبينهم قدر ميل، ويُزاد في حرها، وأنهم يلجمهم العرق من شدة الحر، ومنهم من يبلغ العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى ثدييه، ومنم من يلجمه العرق إلجاماً. كذلك أيضاً شدة الهول الذي يشاهدونه، فمن طول هذا الموقف وما هم فيه من الكرب يقول بعضهم لبعض: ألا تطلبون من يشفع لكم حتى يريحكم الله من هذا الموقف، وحتى تتخلصوا منه إما إلى جنة وإما إلى نار؟ فعند ذلك يطلبون من يشفع لهم، فذُكر في الحديث أنهم يأتون أولاًَ إلى أبيهم آدم وهو أبو البشر، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته -أي: خصك بهذه الخصائص- ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد أصابنا؟! اشفع لنا إلى ربك ليريحنا من طول الموقف. فيعتذر آدم فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلَّا ذنب أو خطيئة أبيكم؟! يعترف بأنه أخطأ وأنه هو الذي بسببه خرجتم من الجنة وقد كنتم من أهلها، فإنه لما أُسكن فيها وأخطأ تلك الخطيئة التي هي أكله من تلك الشجرة، أُخرج منها إلى دار الشقاء وهي الدنيا. وفي هذا تحذير من الأعمال السيئة التي تحرم من دخول الجنة، قال بعض السلف: أُخرج آدم من الجنة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها، وترجون أن تدخلوا معه الجنة! ويقول بعضهم: يا ناظراً يرنو بعينَي راقد ومشاهداً للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي دَرَج الجنان بها وفوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدَماً منها إلى الدنيا بذنب واحد والحاصل أن أباهم آدم يعترف بخطيئته ويعتذر عن الشفاعة، ويقول: كيف أشفع وأنا مذنب؟ ثم يحيلهم إلى نبي الله نوح ﵇، فيأتون إليه ويقولون: يا نوح! أنت أول الرسل بُعث إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك. ونوح ﵇ له ميزة وفضيلة، ولكن لم يقبل أن يشفع لهم تواضعاً، وتعلل واعتذر بأنه قد دعا على قومه بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً﴾ [نوح:٢٦] ، فاعتذر بذلك، وإن كان ما دعا إلَّا على الكفار الذين يستحقون الغرق، فاستجاب الله دعوته فأغرق أهل الأرض إلَّا أهل السفينة. وبعد نوح يأتون إلى إبراهيم فيعتذر، ويأتون بعد إبراهيم إلى موسى، فيعتذر أيضاً، ثم إلى عيسى فيعتذر. ثم يأتون إلى النبي محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، فعند ذلك يقول: (أنا لها) ، فإذا التزم أن يشفع سجد لربه، ثم إذا أذن له ربه تكلم بما يفتح الله عليه من المحامد ومن الثناء ما لا يحسنه الآن، يعني أن الله يلهمه من تمجيد ربه وتحميده والثناء عليه ما الله به عليم، فبعد ذلك يرغب إلى ربه أن يفصل بين العباد، وأن يريحهم من ذلك الموقف.

стр. 350

ذكر ما يقع بعد فصل القضاء بعد ذلك يستجيب الله دعوته فيفصل بينهم، ويقول -كما في هذا الحديث-: (إني أنصتُ لكم منذ خلقتُ السماوات والأرض إلى هذا اليوم، فأنصتوا لي لأحكم بينكم) ، فعند ذلك تنصب الموازين، وتنشر الدواوين، ويأتي دور الحساب، ويحاسب الله كل أحد، وتتفرق الكتب وتتطاير الصحف بالأيمان وبالشمائل، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله، فيُسعد الله أقواماً ويُشقي أخرين، يسعد أهل الدين وأهل التقوى وأهل الصلاح، ويشقى أهل الفساد وأهل الكفر والعناد. بعد ذلك يكون ما أخبر الله به من كونه يميز هؤلاء من هؤلاء، فتُفَرَّق عليهم أنوار، فيمشون في أنوارهم فينطفئ نور المنافق ونور الكافر، ثم يتأخر فيُضرب بينهم بسور له باب، وذلك تمهيد وفصل بين أهل التقوى وأهل الشقاوة -والعياذ بالله- حتى يميز الله بينهم. ثم بعدما يتميزون ويركبون الصراط ويسلكونه وهو جسر على متن جهنم يمرون عليه بقدر أعمالهم، كما ذُكر في بعض الأحاديث أنه أحر من الجمر وأحد من السيف وأدق من الشعرة، وأنهم يسيرون عليه بأعمالهم، فمنهم من يمر عليه كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل والركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، وعلى جنبتي الصراط كلاليب مثل شوك السعدان تخطف من أُمرت بخطفه، فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوش، ومكردس في النار تختطفه تلك الكلاليب التي ذكر أنها مثل شوك السعدان إلا أنه لا يُعلم قدرها إلَّا الله تعالى. فإذ نجوا من الصراط وسلكوه وكانوا قد وُعدوا بأنهم يرِدون النار في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قالوا: أين النار التي وعدنا الله بأنا سوف نردها؟ فيقال: إنكم مررتم عليها وهي خامدة. يعني: عندما مروا على الصراط وكان منصوباً على متن جهنم، وذلك لأنه إذا مر المؤمن لم يحس بلهبها، بل تقول: جُز يا مؤمن، فقد أطفأ نورُك لهبي. عند ذلك يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ويُقتص من بعضهم لبعض مظالم كانت بينهم، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم بدخول الجنة، ولا يدخلونها أيضاً إلا بعد أن يستأذن لهم أو يشفع لهم نبينا ﷺ ، وهذه من خصائصه ومن مميزاته.

стр. 351

ذكر الشارع أنواعاً أخرى من الشفاعة قال ﵀: [النوع الثاني والثالث من الشفاعة شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أُمِر بهم إلى النار ألَّا يدخلوها. النوع الرابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الأحاديث فيها. النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسُن أن يُستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله ﷺ أن يجعله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مُخَرَّج في الصحيحين. النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه. ثم قال القرطبي في (التذكرة) بعد ذكر هذا النوع: فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يُخرَجون منها ويُدخَلون الجنة. النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أول شفيع في الجنة) ] .

стр. 352

تفصيل ما خص به النبي ﷺ من الشفاعات

стр. 353

الشفاعة العظمى هذه من أنواع الشفاعات التي خُص بها النبي ﷺ ، وهي تبع النوع الأول، أعني شفاعته لأهل الموقف أن يريحهم الله من طول الموقف، وأن ينزل الله ليفصل القضاء بينهم حتى يدخل هؤلاء دارهم وهؤلاء دارهم، فأشهرها هو النوع الأول.

стр. 354

الشفاعة في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم النوع الثاني: شفاعته في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم في أن يدخلهم الله الجنة. أي: قوم لهم طاعات ولهم معاصٍِ متساوية كأنه لم تترجح كفة هذه ولا كفة هذه، ولكن كتب الله على نفسه أن (رحمتي تغلب غضبي) ، فيتلافاهم برحمته، ويقبل فيهم شفاعة نبيه، فيدخلهم الجنة، مع أن لهم سيئات تساوي أو تقدر بقدر حسناتهم. وقد ورد في بعض الأحاديث أنه إذا حاسب الله العبد فإنه يُقتص من سيئاته لحسناته، فإذا بقي له حسنة واحدة؛ ضاعفها وأدخله بها الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] يعني: يجعلها أضعافاً مضاعفةً حتى يستحق بها الثواب.

стр. 355

الشفاعة فيمن استحق العذاب أما النوع الثالث من أنواع الشفاعة فهو شفاعته ﷺ في قوم استحقوا النار أو أُمِر بهم إلى النار فيدخلون الجنة بعدما أُمِر بهم، وكأنهم من أهل التوحيد، ولكن معهم سيئات ومعهم ذنوب من الكبائر التي تُوُعِّد عليها بالعذاب أو التي تُوُعِّد عليها بنفي الإيمان، أو بعدم دخول الجنة، ولكن فضل الله تعالى ورحمته تعم عباده الذين يشملهم اسم الإيمان واسم التوحيد واسم الاستجابة، فيشفع لهم لكونهم من أمته، فيدخلون الجنة، فهذا نوع ثالث من أنواع الشفاعة.
следующие страницы →