← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكر الشارع أنواعاً أخرى من الشفاعة قال ﵀: [النوع الثاني والثالث من الشفاعة شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أُمِر بهم إلى النار ألَّا يدخلوها. النوع الرابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الأحاديث فيها. النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسُن أن يُستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله ﷺ أن يجعله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مُخَرَّج في الصحيحين. النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه. ثم قال القرطبي في (التذكرة) بعد ذكر هذا النوع: فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يُخرَجون منها ويُدخَلون الجنة. النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أول شفيع في الجنة) ] .

стр. 352

تفصيل ما خص به النبي ﷺ من الشفاعات

стр. 353

الشفاعة العظمى هذه من أنواع الشفاعات التي خُص بها النبي ﷺ ، وهي تبع النوع الأول، أعني شفاعته لأهل الموقف أن يريحهم الله من طول الموقف، وأن ينزل الله ليفصل القضاء بينهم حتى يدخل هؤلاء دارهم وهؤلاء دارهم، فأشهرها هو النوع الأول.

стр. 354

الشفاعة في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم النوع الثاني: شفاعته في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم في أن يدخلهم الله الجنة. أي: قوم لهم طاعات ولهم معاصٍِ متساوية كأنه لم تترجح كفة هذه ولا كفة هذه، ولكن كتب الله على نفسه أن (رحمتي تغلب غضبي) ، فيتلافاهم برحمته، ويقبل فيهم شفاعة نبيه، فيدخلهم الجنة، مع أن لهم سيئات تساوي أو تقدر بقدر حسناتهم. وقد ورد في بعض الأحاديث أنه إذا حاسب الله العبد فإنه يُقتص من سيئاته لحسناته، فإذا بقي له حسنة واحدة؛ ضاعفها وأدخله بها الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] يعني: يجعلها أضعافاً مضاعفةً حتى يستحق بها الثواب.

стр. 355

الشفاعة فيمن استحق العذاب أما النوع الثالث من أنواع الشفاعة فهو شفاعته ﷺ في قوم استحقوا النار أو أُمِر بهم إلى النار فيدخلون الجنة بعدما أُمِر بهم، وكأنهم من أهل التوحيد، ولكن معهم سيئات ومعهم ذنوب من الكبائر التي تُوُعِّد عليها بالعذاب أو التي تُوُعِّد عليها بنفي الإيمان، أو بعدم دخول الجنة، ولكن فضل الله تعالى ورحمته تعم عباده الذين يشملهم اسم الإيمان واسم التوحيد واسم الاستجابة، فيشفع لهم لكونهم من أمته، فيدخلون الجنة، فهذا نوع ثالث من أنواع الشفاعة.

стр. 356

الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة أما النوع الرابع فهو الشفاعة لأهل الجنة في أن يدخلوها، عندما يقفون عند أبواب الجنة لا يدخلونها حتى يستفتح لهم النبي ﷺ ، فأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته، فيقول خازن الجنة: (بك أُمرت ألَّا أفتح لأحد قبلك) ، فهو يستأذن ويشفع إلى ربه في أن يفتح أبواب الجنة فيدخلها أهلها مع سعة أبواب الجنة، فقد ذُكر أن للجنة ثمانية أبواب، ولكن ما سعة الباب؟ ورد في الحديث: (ما بين مصراعي الباب مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) من كثرة من يدخل من تلك الأبواب الثمانية، فالباب الواحد سعته مسيرة أربعين سنة، ليس أربعين يوماً ولا أربعين شهراً، بل أربعين سنة، ما مقدار ذلك؟ الله أعلم بمنتهاه، ومع ذلك يأتي عليه يوم -والله أعلم بمقدار ذلك اليوم- وهو كظيظ من الزحام من كثرة من يدخل منه، من هذه الأمة ومن غيرها.

стр. 357

الشفاعة في دخول قوم الجنة بغير حساب أما النوع الخامس من الشفاعة فهو شفاعته ﷺ لقوم أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ومنهم عكاشة بن محصن، لَمَّا أخبر النبي ﷺ بأن من أهل الجنة من يدخلونها بغير حساب ولا عذاب، وهم سبعون ألفاً، لما قال الله له: (هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، قام عكاشة بن محصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم) يعني: كأنه شفع له أن يكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومنهم أيضاً غيره.

стр. 358

الشفاعة في الجنة وهي التي أقر بها المعتزلة أما النوع السادس من أنواع الشفاعة فهو الشفاعة لقوم من أهل الجنة أن يُزاد في ثوابهم وقد دخلوا الجنة، ولكن مراتبهم نازلة، فيشفع لهم أن تُرفع مراتبهم وأن يُعطَوا أجراً وأن يُزاد لهم في الثواب وفي مضاعفة الجزاء. وهذا النوع من الشفاعة اعترفت به المعتزلة الذين أنكروا بقية الشفاعة، وذلك لأنهم إنما أنكروا شفاعة من يُخرج من النار أو من يستحق النار، أما أهل الجنة فأقروا بأنه يكون فيها شفاعة في رفع المنازل ونحوها.

стр. 359

الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض من استحقه أما النوع السابع من الشفاعة، وهو آخر الشفاعات الخاصة به ﷺ ؛ فهو الشفاعة في قوم استحقوا النار ودخلوها بأن يُخفف عنهم من عذابها. ومن ذلك شفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف الله عنه من العذاب، ذكر في الحديث أنه يستحق أن يكون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنه عرف التوحيد ولكنه لم يقبله، وعرف صدق النبي ﷺ ولكنه لم يتبعه، ولكن بسبب نصرته للنبي ﷺ وحياطته له، وبسبب أنه مكَّنه من أن يدعو إلى الله وقال له: اجهر بما تريد فأنا أنصرك، فنصره وآواه حتى بلغ الرسالة، ولم يتجرأ المشركون على النيل من النبي ﷺ في حياة أبي طالب، فبسبب نصرته خُفِّف عنه العذاب، فأصبح في ضحضاح من نار. ولكن ليس ذلك بهيِّن، بل قد ذكر أن ذلك الضحاح يغلي منه دماغه، ويرى أنه لا أحد أشد منه عذاباً وهو أخفهم، وقد ورد: (أخف أهل النار من يكون له شراك من نار يغلي منه دماغه) ، والشراك: السير الذي تربط به النعل، فهو سير من النار في رجله، ومن شدة حرارته يحمى جسده كله، حتى إن دماغه يكون له غليان من شدة حره، وما يرى أن أحداً أشد عذاباً منه وإنه لأخفهم.

стр. 360

سرد ما اختص به محمد ﷺ من الشفاعات فنأخذ من هذه الأنواع ميزةً وفضيلةً لنبينا ﷺ ؛ حيث خُصَّ بأنه الذي يشفع هذه الأنواع من الشفاعات: الأولى: الشفاعة العظمى التي هي لإراحة الناس من الموقف. والشفاعة الثانية: التي هي في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة. والشفاعة الثالثة: التي هي في قوم استحقوا النار أو أُمِر بهم إلى النار ألَّا يدخلوها. والشفاعة الرابعة: التي هي في أهل الجنة أن يُفتح لهم وأن يدخلوها. والشفاعة الخامسة: التي هي في بعض أهل الجنة أن تُرفع مراتبهم، وأن يُزاد في ثوابهم. والشفاعة السادسة: التي هي في قوم أن يدخلوا الجنة بغير حساب. والسابعة: في بعض أهل النار أن يُخفف عنهم من عذابها. هذه أنواع من الشفاعة خاصة بالنبي ﷺ . وبقيت شفاعةٌ أو نوعٌ من الشفاعة ليس خاصاً به بل يشفع به الملائكة وغيرهم، وهو أعم أنواع الشفاعة.

стр. 361

شرح العقيدة الطحاوية [٢٥] انحرف كثير من الناس في باب الدعاء، فصاروا يدخلون فيه ما ليس بمشروع، ومن ذلك التوسل بالمخلوقين والاستشفاع بالصالحين والقسم على الله بهم، وقد بين العلماء السنة في الدعاء وحرموا التوسل الممنوع، وردوا على شبهات المخالفين.

стр. 362

الكلام على الاستشفاع والتوسل

стр. 363

النهي عن الاستشفاع بالمخلوق في الدنيا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء ففيه تفصيل؛ فإن الداعي تارةً يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقاً، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق إلَّا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] ، وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لـ معاذ ﵁ وهو رديفه: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه ألَّا يعذبهم) . فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو ألَّا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يُقسم به ولا أن يُسأل بسببه ويُتَوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً. وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك) ، فهذا حق السائلين هو أوجبه على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن يثيبهم، ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عُذبوا فبعدله أو نعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسع فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: بحق السائلين عليك وبين قوله: بحق نبيك أو نحو ذلك؟ فالجواب أن معنى قوله: (بحق السائلين عليك) أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي، بخلاف قوله: (بحق فلان) ؛ فإن فلاناً وإن كان له حق على الله بوعده الصادق فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي وأي مناسبة في هذا؟! وأي ملازمة؟! وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء! وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] . وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة ﵃، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقية، والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع] .

стр. 364

لا يحق لأحد أن يحلف على الله ولا بغير الله هاهنا رد على الذين يسألون الله تعالى بحق المخلوقين، ويقولون: إن المخلوق إذا كان مقرباً عند الله فله منزلة، وله حق على الله، وله رفعة، فهو إذا سألناه بحق نبيه أو بحق الولي فلان يجيب دعاءنا، فيقول أحدهم: أسألك بحق نبيك أسألك بحق الولي فلان أسألك بحق عبدك فلان عليك. وهذا اعتداء في الدعاء، فالله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ، والمعتدون في الدعاء هم الذين يدعون بإثم أو يدعون بذنب أو يدعون بشيء لم يُشرع لهم، ولا شك أن هذا لم يُنقل، فما نقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته أنهم سألوا بحق مخلوق، أو توسلوا بحق مخلوق، لا بحق فلان ولا بجاه فلان ولا بغير ذلك، فالمحذور فيه أنه حلف بحق مخلوق، والحلف بغير الله شرك، ثبت أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، فإذا قال: بحق فلان أو بالنبي أو بالولي أو بجاه فلان، أو بشرفي أو بحياتي أو بحياتك يا فلان، أو ما أشبه ذلك على وجه التأكيد؛ اعتُبر قد حلف بمخلوق، فيكون هذا تعظيماً لذلك المحلوف به، والنبي ﷺ قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، وقال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأصنام، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون) . فأمرنا أن نتجنب الحلف بالآباء كما كان المشركون يحلفون بآبائهم أو بأمهاتهم أو بأصنامهم في قولهم: واللات والعُزَّى، ونحو ذلك. وثبت أنه قال: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) ، كأنه أشرك فأُمر بأن يجدد التوحيد؛ ليبطل الاعتقاد بأن اللات والعزى معظمتان أو أنهما تستحقان التعظيم. فكذلك إذا حلف بالولي فلان، أو بـ علي، أو بـ حسن، أو بـ حسين، أو بـ عيدروس، أو بـ ابن علوان، أو بكذا وكذا؛ فإن هؤلاء مخلوقون لا يجوز الحلف بهم. كذلك أيضاً سؤال الله تعالى بحق المخلوقين أو بجاه المخلوقين، هذا أيضاً شرك، وذلك لأنه ليس لأحد حق على الله تعالى إلا ما أحقه على نفسه.

стр. 365

حديث السؤال بجاه النبي مكذوب ويتكرر في كتب هؤلاء القبوريين وعلى ألْسُن دعاتهم حديث مكذوب، يقولون: إن النبي ﷺ قال: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم) . وهذا مكذوب لا أصل له، ما قاله النبي ﷺ ، وحاشاه أن يأمرهم بأن يسألوا الله بجاهه وهو الذي يحب التواضع والذي يعرف أن ربه هو الذي يستحق التعظيم، ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ. قال: (أجعلتني لله نداً؟! قل ما شاء الله وحده) ، فكيف يقول: اسألوا الله بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم؟! فإذاً: الذين يقولون: أسألك بجاه نبيك، أو بحق نبيك، أو بحق الولي فلان، أو بجاه الولي فلان؛ هؤلاء قد أشركوا، لماذا؟ لأنهم عظَّموا هذا المخلوق وحلفوا به، وجعلوا له حقاً على الله، ومعلوم أن الله تعالى هو الذي يتفضل على العباد، وليس أحد يملك من الله شيئاً، وليس على الله حق لأي مخلوق، بل هو الذي له الحق عليهم.

стр. 366

حق العباد على الله تفضل منه وتكرم لا واجب أما حديث معاذ الذي ذكر فالحق فيه حق تفضل وحق تكرم، وهو قوله ﷺ : (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) ، فحقٌّ علينا وعلى العباد كلهم لله تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وحق العباد على الله ألَّا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فهذا ليس حق وجوب، بل هو حق تفضل وحق تكرم، وذلك لأنه الذي وفقهم وأنعم عليهم، ثم هو وعدهم -وهو لا يخلف الميعاد- أن من وحده فإنه يثيبه وينعِّمه، وأنه لا يعذبه إذا مات على التوحيد الصحيح الصادق، فهذا حق تكرم. وإذا كان كذلك فليس خاصاً بنبي ولا بولي ولا بغيره، ويقال: إذا كان للنبي ﷺ حق على الله فأنت كذلك لك حق، فائت بسببه، أنت لك حق تكرم على الله فائت بسببه، وهو أن توحد الله ولا تشرك به شيئاً، ولا تلتفت بقلبك إلى أي مخلوق، ولا تتعلق بسيد ولا ولي ولا شفيع ولا غيرهم، وتعلق بربك حتى يرحمك وحتى ينعِّمك ولا يعذِّبك، فبذلك تكون من الذين استحقوا على الله حق تكرم. والبيت الذي ذكر يؤيد أن هذا حق تكرم، وهو قولهم: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عُذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فيقول هذا الشاعر: إن العباد ليس لهم عليه حق -يعني: حق وجوب- وإن سعيهم وأعمالهم الصالحة لا تضيع، بل هي محفوظة يحصيها ثم يوفيهم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فهذا حق تكرم. ولا يعذبهم ظلماً، إنما يعذبهم عدلاً لكونهم يستحقون العذاب. يعني: هو الذي تفضل عليهم وهداهم، فهدايته لهم نعمة، ولو أن الله تعالى عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهم يستحقون العذاب، ولا يكون ظالماً لهم، ولو أنه أنعم عليهم لكانت نعمته عليهم أفضل من أعمالهم.

стр. 367

الرد على المستدلين بحديث: (أسألك بحق السائلين) فإذاً: يبقى علينا هذا الحديث الذي يكثر أن يستدل به القبوريون، وهو الحديث الذي رُوي عن أبي سعد أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا خرج من بيته يقول: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا؛ فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يقوله في طريقه إلى المسجد. والجواب أن هذا الحديث فيه ضعف، حيث إن في طريقه أو في إسناده عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف، ثم على تقدير صحته لا دلالة فيه، فليس معنى (حق السائلين) جاههم، فجاه الناس كلهم سواء، ولو كان كذلك لقال: أسألك بحق النبيين، أو: بحق الأولياء، أو: بحق، فلان أو فلان من الأولياء، كـ عبد القادر أو البدوي أو نحوهما، ولكن قال: بحق السائلين، وما هو حق السائلين؟ هو ما وعد الله من سأله بالثواب، فحق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العاملين أن يثيبهم، فهذا هو حقهم الذي يسألون الله به، فكأنك تقول: يا رب أسألك بما جعلته حقاً على نفسك لمن سألك أن تجيب فأنا من جملة السائلين فأجب سؤالي وأثبني على أعمالي، فلما كان هذا حق السائلين كلهم كنت أنت من السائلين. يقول: يا رب أنا من جملة السائلين، وقد جعلت للسائلين عليك حقاً بقولك: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، وبقولك: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، فإذاً: أنا من السائلين، فأسألك بما جعلته حقاً على نفسك وبما وعدت السائلين أن تجيبهم. فهل في ذلك توسُّلٌ بالجاه؟! وهل في هذا توسل بحق مخلوق؟ ليس فيه توسلٌ في حق مخلوق. إذاً: فكيف يتعلق بهذا القبوريون الذين يدعون فلاناً وفلاناً ويقولون: إن هؤلاء من جملة الذين أمرنا بأن نتوسل بحقهم، وأن نسأل الله بحقهم. فلا يُغتر بمن يستدل بهذا الحديث على أنه دليل في جواز السؤال بحق الأموات أو بحق الأولياء أو غير ذلك، فليس فيه أي دليل، وقد أورد العلماء هذا الحديث في الرد على من استدل به من القبوريين، وفي الرد على المشركين الذين جعلوه طعناً على الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي يمنع من السؤال بحق المخلوق، وبجاه مخلوق أياً كان. فكل من دعا معه أحدا أشرك بالله ولو محمدا فيقولون: هذا دليل على أنه يجوز السؤال بحق المخلوق. فأين السؤال فيه بحق المخلوق؟ إنما فيه السؤال بما جعل الله، كأنه يقول: أنت وعدت السائلين أن تجيبهم فأنا من جملة السائلين فأجب سؤالي فلا دلالة فيه على شيء مما يتعلقون به.

стр. 368

لا يجوز الإقسام بالمخلوق ولا التوسل به قال رحمه الله تعالى: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) . ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يُكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك. حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لَمَّا بلغه الأثر فيه. وتارة يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: أتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده: لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا، وهذا أيضاً محذور؛ فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمِّنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عمر ﵁ لما خرجوا يستسقون: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) ، معناه: بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك؛ إذ لو كان ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس. وتارةً يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وبسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم ونحو ذلك. فهذا من أحسن ما يكون من الدعاء والتوسل والاستشفاع. فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال غلط بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محباً له مطيعاً لأمره مقتدياً به وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه] . قد ذكر العلماء الدليل على أنه لا يجوز الإقسام بمخلوق على الله تعالى، كما في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب: (باب ما جاء في الإقسام على الله) . الإقسام على الله معناه: إلزام الله تعالى بشيء، كأن يقول: أقسمت عليك يا رب أن تفعل كذا. ولا شك أن هذا جرأة كبيرة على الله، فكيف تلزم ربك بشيء، وكيف تقسم عليه بأن يفعل شيئاً وهو الذي يتصرف في العباد؟! وما ورد في ذلك إنما هو على وجه المثل، فالحديث الذي يقول فيه ﷺ : (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) ، هذا بيان أن هناك من هو متواضع لله تعالى لو قدر أنه طلب ربه وألح في طلبه لأجاب دعوته، ولكن ليس فيه أنكم تقسمون على الله، فتقول: أقسمت عليك أن تنزل المطر، أقسمت عليك أن تشفي المريض، أقسمت عليك أن تنبت النبات، هذا لا يجوز لما فيه من التصرف في الله ومن إلزام الرب سبحانه بما لا يملكه العبد، فالعبد لا يملك إلا الدعاء، فيسأل ربه ما يحبه، فيقول: يا رب! نحن الفقراء وأنت الغني فأنزل علينا غيثك، يا رب! نحن المذنبون وأنت العفو فاعفُ عنا، وما أشبه ذلك. فهذا المراد بالنهي عن الإقسام على الله. ومن أراد التوسع في الأدلة فليقرأ في الباب الذي في آخر كتاب التوحيد، وكذلك في شرحه: (فتح المجيد) و (تيسير العزيز الحميد) باب ما جاء في الإقسام على الله تعالى.

стр. 369

أشياء يجوز التوسل بها أما سؤال الله تعالى بحق مخلوق فإن هذا أيضاً قد ذكرنا أنه لا يجوز، وأن المخلوق ليس له أن يتحكم على الله، ولكن قد يكون السائل أراد بذلك محبة ذلك العبد، فيكون سأل الله تعالى وتوسل إليه بعمل صالح، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة من الأسباب لإجابة الدعاء ولقبوله. وقد ذكروا لذلك أمثلة، فمثلاً: إذا قلت: يا رب! أسألك بأني عبدك الذليل، أسألك بأني مصدق بوعدك ووعيدك، أسألك بما عملته لك من الصالحات، فهذه توسلات مباحة يُرجى بذلك قبول الدعاء بها، وكذلك إذا توسلت بمحبة أولياء الله، فإن ذلك فيه أيضاً وسيلة لإجابة الدعاء، كأن تقول: أسألك بأني أحبك وأحب نبيك وأحب عبادك الصالحين، أسألك بمحبتي لك ومحبتي لهم أن تجيب دعوتي، أو تقيل عثرتي، أو ما أشبه ذلك، أو تقول: أسألك بإيماني بك وتصديقي لنبيك واتباعي لشريعته، وإيماني بما جاء به وتصديقي بكتابك وعملي به، ونحو ذلك، تتوسل إلى الله تعالى بأعمال صالحة قد عملتها وأنت صادق فيها، فإن هذا فيه وسيلة إلى الله بأعمال خيرية، والله تعالى يجيب من هو أهل للإجابة إذا كان صادقاً فيما قاله بقلبه أو فيما قاله بلسانه. فالسؤال بحق فلان المخلوق لا يجوز كما تقدم. وأما السؤال بحبه، أو باتباعه، أو بالسير على نهجه، أو بتصديق النبي ﷺ ، أو بعمل من الأعمال الصالحة، فذلك أيضاً من الوسائل التي تكون مؤثرة في إجابة دعاء الداعي، فإذا توسل بها العبد رُجي إجابة دعوته، ولكن عليه مع ذلك أن يجتهد في الأدعية النبوية، وفي الأعمال الصالحة. والأدعية النبوية فيها كثير من ذكر الأعمال الصالحة، فمثلاً: إذا قلت: (اللهم أنت ربي لا إله إلَّا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) ، فتوسلت بأنك ملتزم بعهد الله وبوعده ما استطعت؛ فذلك من الأسباب، كذلك إذا قلت: أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يقربنا إلى حبك، كأنك تقول: أسألك أن ترزقني عملاً صالحاً أكون به محبوباً لك ومحباً لك. وما أشبه ذلك. فهذه أدعية نبوية وأدعية فيها توسل بأعمال صالحة ودعاء بالأعمال الصالحة أو بالتوفيق لها. ولم يرد عن السلف ﵏ أنهم قالوا: أسألك بحق فلان. أو: بحق عبد القادر. أو: بحق السيد البدوي. أو: بحق ابن عباس. أو ما أشبه ذلك.

стр. 370

الكلام على توسل عمر بالعباس ويبقى ما ذكر من توسل عمر ﵁ بـ العباس، وكثيراً ما يستدل به القبوريون فيقولون: كيف تعيبون علينا أن نتوسل بالصالحين وهذا عمر توسل بـ العباس؟! نقول: تأملوا قصة عمر حتى تعرفوا ما فعله وما تفعلونه، والفرق الكبير بين فعلكم وفعله! فقد كان العباس بن عبد المطلب كبيرَ السن تقياً زاهداً، قريبَ الصلة بالنبي ﷺ . فلأجل هذه الأسباب قدموه ليدعو، فقال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا) . يعني: نتوسل بدعائه، وهو حي بين أيديهم، فقدموه ليؤمنوا على دعائه ليسأل الله تعالى، فكأنهم يقولون: اللهم تقبل دعاءه فإنه من عبادك الصالحين. ويجوز في كل وقت إذا خرجنا نطلب المطر أن نختار أتقانا ونقدمه يدعو ونؤمِّن على دعائه، فإنه أولى وأقرب إلى إجابة دعائنا، ونقول: يا ربنا! هذا عبدك الصالح قدمناه، ونحن نؤمِّن على دعائه، نسألك أن تجيب دعوته لنا، نسألك أن ترحمنا بدعائه وبدعائنا. فهذا ليس فيه محذور، وأي توسل بغير الله فيه؟! وهؤلاء القبوريون يتوسلون بالأموات، ولو كان جائزاً لما عدل عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، ولا عن أبي بكر، وكيف يعدل عنهما وهما أفضل من العباس؟ فلما عدل عنهما إلى العباس دل على أنه استقر في علمه أنه لا يجوز التوسل بالأموات، ولا بالغائبين حتى ولو كانوا أنبياء، وحتى ولو كانوا أولياء، وحتى ولو كانوا شهداء أو صالحين. ومعلوم أن حمزة بن عبد المطلب أفضل من العباس وأقدم منه إسلاماً، وقتل شهيداً في سبيل الله وهو مقبور عندهم بالمدينة، فلماذا لم يذهبوا إلى قبره؟! ولماذا لم يتوسلوا به ويقولون: نتوسل إليك بـ حمزة بن عبد المطلب؟! ولماذا لم يأتوا إلى قبر النبي ﷺ ويقولون: يا محمد استسقِ لنا؟! فإذاً لا دلالة في أنه يجوز الاستسقاء بالولي الميت أو الولي الغائب، بخلاف الحي السوي الفاضل الذي يدعو ويؤمِّنون على دعائه ويسألون ربهم أن يجيب دعاءهم معه، فهذا لا محذور فيه، وهذا هو الذي فعله العباس.

стр. 371

الرد على شبهة القبوريين في حديث التوسل بالعباس وقد رأينا وقرأنا لكثير من القبوريين الذين يؤيدون دعاء المخلوق أو التوسل بالمخلوق الميت، كـ النبهاني -مثلاً- في كتابه الذي يسمى (شواهد الحق) ، وكذلك ابن علوي المالكي الموجود الآن، وغيره من الذين يغالون في دعاء الأموات أو يزينونه. يقولون: إن عمر عدل عن النبي ﷺ مخافة أنهم إذا لم يُجابوا بدعائه وبتوسله يسوء ظنهم فيه، ويكذبونه ويدَّعون أنه لا يُستجاب دعاؤه، ويدَّعون أنه لا ينفع التوسل به، وما أشبه ذلك من التلفيقات. هكذا يعلل النبهاني ونحوه. نقول: إذا كان كذلك في عهد عمر فلماذا لا يكون هذا في عهدكم؟! لماذا تعدلون عن الأحياء إلى الأموات؟! ألا تخافون أنكم إذا عدلتم عنه، وإذا طلبتم النبي ولم يجبكم ولم يُستَجب دعاؤكم أن الناس -وكذلك العامة- يسيئون الظن بالنبي ﷺ ويقولون: إنه لا يُستجاب دعاؤه؟! إذا كان هذا محذوراً في عهد عمر فهو محذور في عهدكم. وعلى كل حال فلا يُغتر بما يلفقونه مما يستدلون به على أنه يجوز دعاء الأموات أو التوسل بهم أو الاستشفاع بهم، ويستدلون بمثل هذه، ولا دلالة فيها.

стр. 372

التوسل بالأعمال الصالحة توسل مشروع قال رحمه الله تعالى: [وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به. ومن الأول: حديث الثلاثة الذين آوَوا إلى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون. فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر؛ فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار به شفعاً فيه بعد أن كان وتراً، فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه وبشفاعته صار فاعلاً للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه، فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى فقال له الله: (ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسَل تعطَ، واشفع تشفَّع) فيُحَد له حداً، فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] . فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) . وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله! لا أملك لكِ من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله! لا أملك لك من الله من شيء) . وفي الصحيح أيضاً: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول: أغثني أغثني! فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من شيء) . فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به: (لا أملك لكم من الله من شيء) فما الظن بغيره؟! وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع فسمع الدعاء وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء] . الكلام الأول يتعلق بقول الإنسان: أسألك بكذا، فإذا كان الذي سألت به عملاً صالحاً فهو وسيلة والله تعالى قد أمر بها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: اجعلوا بينكم وبينه وسيلة، والوسيلة ما يوصل إليه، وقد فُسِّرت بأنها الأعمال الصالحة يتوصل بها العبد إلى ثواب ربه وإلى جزيل وعظيم أجره. فإذا قلت مثلاً: أسألك يا رب بحق أعمالي أو بحق إيماني أو بحق تصديقي، فستجعل ذلك وسيلة تقربك إلى رضا الله، فهذا جائز. وإذا قلت مثلاً: أسألك بإيماني بنبيك، أو: بمحبتي لك، أو: بمحبتي لعبادك الصالحين، فأنت تتوسل بأعمالك الصالحة، فهذا توسل بأعمال صالحة عملتها تكون سبباً في فوزك وسعادتك. أما إذا توسلت بمخلوق بأن قلت: أسألك بحق عبدك، أو: بحق رسولك، أو: بحق آبائي أو أجدادي أو أسلافي، فهذا توسل بمخلوق. فالتوسل الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] هو السؤال بالأعمال الصالحة. ومن هذا قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة فسدت باب الغار عليهم، فعرفوا أنه لا ينجيهم إلا التوسل بأعمالهم الصالحة ودعاء الله فتوسلوا. توسل أحدهم بكونه براً بوالديه، وقال بعد ذلك: (اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك -يعني: مخلصاً لك- فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج) . وتوسل الثاني بعفافه، بكونه تمكن من فعل الحرام ولكنه تركه خوفاً من الله، وذهب ما دفعه من المال، وقال بعد ذلك: (إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك أو ابتغاء مرضاتك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً) . وتوسل الثالث بأمانته، وبكونه مؤتَمناً على مال غيره بحيث لم يأخذ من أجرة ذلك الأجير شيئاً رغم أنه تصرف فيها، فدفعها إلى أهلها أو إلى صاحبها، وذلك دليل الأمانة، وقال: (إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون) . ففي هذا أجاب الله دعاءهم لما توسلوا، فهل قالوا: نسألك بحق أوليائك؟! وهل قالوا: نسألك بحق عبدك فلان؟! وبينهم عباد صالحون ورسل وأنبياء كموسى وعيسى وأيوب وهارون، فما سألوا الله إلَّا بحق أعمالهم. فيجوز أن تسأل الله بإيمانك وبتصديقك وما أشبه ذلك، هذا هو التوسل المطلوب أو التوسل المشروع، وأما التوسل بحق مخلوق أو بجاه مخلوق -ولو كان نبياً أو ولياً- فهو ممنوع، وهو من وسائل الشرك.

стр. 373

الشفاعة كلها لله فلا تطلب من غيره والحاصل أن الشفاعة ملك لله كما عرفنا، وإذا كانت ملكاً لله فلا تُطلب من مخلوق، فلا تُطلب من النبي ﷺ ولا غيره، فنبينا ﷺ هو سيد الشفعاء، ومع ذلك لا يشفع أولاً حتى يستأذن على ربه فيسجد ويطيل سجود، فيقال له: (ارفع رأسك، وقل تُسمع، وسل تعطَه، واشفع تشفع) . فيبدأ بحمد الله كما تقدم في حديث أنس، فيحمده بمحامد يفتحها الله تعالى عليه، فذلك لا شك أنه لأجل أن يمجد ربه، فيبدأ بتمجيد الله تعالى حتى يأذن له. ومرت بنا الأدلة التي تدل على أن الملك ملك الله، وأنه ﵊ -مع ما خصه الله به- ليس له ملك وليس له تصرف، ومن ذلك الاستدلال بقوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] نزلت لما أنه ﷺ شُج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه فقال: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟!) فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] يعني: أن الأمر ليس لك، وإذا لم يكن له من الأمر شيء في الدنيا، فكذلك الأمر في الآخرة. وكذلك قوله تعالى في الآية الثانية رداً على المنافقين الذين يقولون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، فالأمر كله لله، ليس لمحمد ولا لـ حسن ولا لـ عيدروس ولا لغيرهم من المخلوقين، الأمر كله لله، وإذا كان لله فليُطلب ممن هو له. كذلك أيضاً الاستدلال بهذه الأحاديث في أن النبي ﷺ لا يغني عن أقاربه شيئاً، يقول في هذا الحديث لـ عباس ولـ فاطمة ولـ صفية ولبني هاشم ولبني عبد مناف: أنقذوا أنفسكم من النار، لا أغني عنكم من الله شيئاً، لا أملك لكم من الله من شيء، يقول لابنته: (يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً) . إذا كان لا يغني عنهم من الله شيئاً، وإذا كان لا يملك لعمه ولا لعمته ولا لأعمامه ولا لأعمام أبيه أو أبناء أعمامه ولا لابنته من الله شيئاً، وأن الملك كله لله، فكيف يُطلب وكيف يُدعى؟! وإذا بطل هذا في حق النبي ﷺ فكيف بالـ عباس؟! وكيف بـ علي؟! وكيف بـ ابن عباس؟! وكيف بفلان وفلان ممن هم دونهم ودونهم بمراتب؟! فإذاً: الملك لله، وطلب الشفاعة من الله، وطلب الوسيلة وطلب الملك كله من الله، فإذا طلب العبد ربه عند ذلك أجاب الله تعالى دعوته.

стр. 374

شرح العقيدة الطحاوية [٢٦] لقد أخذ الله الميثاق على بني آدم وهم في ظهر أبيهم آدم، وركز فيهم الفطرة التي تبعث على الإقرار بالخالق، ثم أقام عليهم الحجة بالرسل، وقد تكلم العلماء كثيراً على النصوص الواردة في ذلك وفي تأويلها.

стр. 375

الكلام على الميثاق المأخوذ على بني آدم المذكور في سورة الأعراف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق) . قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] . يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلَّا هو، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم: فمنها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قُبُلاًَ قال: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)) [الأعراف:١٧٢] إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] ) . ورواه النسائي أيضاً وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وروى الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار) . ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عينَي كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب! مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب! مَن هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داوُد. قال: رب! كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: أي رب! زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت قال: أوَلم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أوَلم تعطها ابنك داوُد؟! قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته) ، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. وروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي) وأخرجاه في الصحيحين أيضاً. وفي ذلك أحاديث أُخَر أيضاً كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميَّز بين أهل النار وأهل الجنة] . يؤمن أهل السنة بالميثاق الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وهي قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٣] . فهذه الآية فيها أن الله أخذ من ظهور بني آدم ذريتهم.

стр. 376

ذكر قول من قال بأن الذرية مأخوذة من ظهور بني آدم وقد اختُلف في المراد بالذرية المأخوذين هل هم مأخوذون من ظهر كل إنسان، أو كلهم من آدم؟ وظاهر الآية أنهم من ظهور بني آدم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: من كل إنسان أخرج ذريته. ثم كلمهم وخاطبهم وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] ، ويكون هذا هو الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] . وكما في قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تنتج البَهِيْمَة بُهَيْمَةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟) ، فأخبر بأن الآدمي يولد على الفطرة، وإنما تتغير فطرته بسبب ما يتلقاه من أبويه أو من أقاربه أو من بيئته ومن ينشأ بينهم، وإلا فلو ترك كل أحد على فطرته لعرف ما خلق له، ولعرف أنَّ له رباً، ولعرف أنه مكلف ولبحث بعد ذلك عن التكاليف التي أُمر بها. ويؤيد هذا أن الفطرة هي الخلقة والابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلَاً﴾ [فاطر:١] : و (فاطرها) : منشئها ومبدئها وموجدها، فالله تعالى هو الذي فطر الخلق، أي: ابتدأ خلقهم وأوجدهم على غير مثال سبق.

стр. 377

فطرة الله تعالى في خلقه وما يصرفها فلما فطر الله الناس على الإسلام كانوا بذلك مستعدين لمعرفته ولمعرفة ما خلق له، ولكن صرفتهم الصوارف وصدتهم الصدود، واجتذبتهم الأهواء والأديان الباطلة التي تلقوها، هذا قول في هذه الآية. وصحيح أن الله تعالى جعل للإنسان عقلاً وفكراً، وبدون هذا العقل والفكر يسقط عنه التكليف، فإذا سقط عقله وإذا سلب تفكيره وإدراكه سقطت عنه التكاليف، وما دام أن معه فطرته ومعه عقليته فإنه مكلف، حتى ولو لم تأتِه الشريعة، حتى ولو لم يسمع بها، ولكن إذا نشأ عاقلاً عرف أنه ليس بمُهمل، وأن هذا الكون كله لا بد له من موجِد، وأن الذي أوجده لا بد له من حقوق على عباده، فيبحث بعد ذلك. ولما كانت الفطرة والعقليات لا يُمكن أن تفصل الحقوق التي لله سبحانه بعث الله الرسل وأنزل الكتب ليبينوا تلك الحقوق، فكأنه يقول: أنتم بفطركم وعقولكم تعرفون أنكم مخلوقون وأن لكم خالقاً وأن لخالقكم عليكم حقوقاً، ولكن هذه الحقوق نحن نبينها لكم ونفصلها لكم، فنقول: من حقوق الله كذا، ومن حقوقه كذا، ومما أمركم به كذا، ومما نهاكم عنه كذا، فامتثِلوا، وإذا امتثلتم فإن لكم الثواب على كذا، وإذا لم تمتثلوا بل خالفتم فإن عليكم العقاب. وهذه وظيفة الرسل، جاءوا مبينين لما في فطرة الإنسان من العلوم مفصلين لها. فهذا قولٌ من الأقوال في هذه الآية. وقد دلت الأدلة على أن الله سبحانه جعل للإنسان معرفة بها يدرك ما أمامه وما خلفه، ولكن تلك الأدلة تتغير بتغير ما يفسدها وما يمازجها، إما من العلوم وإما من الأعمال وإما من الأشخاص. فكثير من العلوم تصرف الفطرة، حتى يرى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، وكثير من المجتمعات والمخالَطات تصرف الفطرة، فزملاؤه وأخلاؤه وإخوته ومعاشروه يفسدون عليه عقله ويفسدون عليه فطرته، وينكسون معرفته ويبقى لا يعرف إلا ما يألفه، فلا يعرف أن الخير خير ولا أن الشر شر، فيستحسن القبيح ويستقبح الحسن. وكثير من الشبهات التي يروجها أهلها تفسد الفطرة أيضاً، فينقلب فيها الحق باطلاً والباطل حقاً، ولو سلم الناس من هذه الأشياء لبقوا على فطرتهم. وعلى هذا فيقال: إن دين الإسلام هو دين الفطرة، هو الدين الذي تشهد العقول السليمة بحسنه وملاءمته، ولقد روي أن أعرابياً أسلم لأول ما دُعي وقال: إني رأيت هذا الدين ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه! ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به. وقد ذهب بعض المبتدعة إلى أن العقل له دخل في التحسين والتقبيح، وجعلوه مقدماً على الشرع، وهذا قول خطأ، ولو قيل بالتحسين والتقبيح العقليين، ولكن لا دخل للعقل فيما يخالف الشرع، إذا جاء الشرع وجاءت النصوص قدمت على ما تستحسنه العقول مهما كانت تلك العقول، فليس للعقل مدخل ما دام أن الشرع وُجِد ناصاً على حكم من الأحكام، فيقدم حكم الشرع على جميع العقول. ومع ذلك فإن العقول الصريحة لا يمكن أن تخالف النقول والأدلة الواضحة الصحيحة، وقد ألف في ذلك ابن تيمية كتاباً مشهوراً سماه: (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) فـ (صحيح المنقول) يعني الأحاديث والأدلة الصحيحة، و (صريح المعقول) هو العقول السليمة؛ يعني أن العقول السليمة لا تخالف النقول الصحيحة.

стр. 378

ذكر قول من قال بأن الذرية مأخوذة من ظهر آدم أما القول الثاني -وهو ما ذكر في هذه الأحاديث- فهو قول من الأقوال في معنى الآية، وإن كانت الآية بينها وبينه نوع مخالفة، فهو ينص في هذه الأحاديث على أن الله لما أخرج آدم مسح ظهره واستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، والله تعالى قادر على كل شيء، ولا يُعجزه شيء، ولما استخرجهم عرضهم على آدم، فعرفهم وأخبره بأنهم ذريته، وأنهم سوف يُخلقون من صلبه وأصلاب أبنائه إلى يوم القيامة. وفي بعض الروايات أن الله استخرج أهل الخير وقال: (هؤلاء للجنة خلقتهم وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء خلقتهم للنار وبعمل أهل النار يعملون) ، فميزهم وهم في صلب آدم، وبيَّن مَن هم السعداء ومَن هم الأشقياء، وعلم أهلَ الجنة مِن أهل النار، وعلم من يعمل لهذه ومن يعمل لهذه.

стр. 379

علم الله بالسعداء والأشقياء لا يعني ترك العمل وأشكل ذلك على بعض الصحابة فقالوا: ما دام أن الله قد كتب علينا ونحن في صلب أبينا من هو من أهل الجنة أو من أهل النار فلماذا نعمل؟ لأنه لا نحصل إلا على ما كُتب لنا، فأجيبوا: بأنكم مكلفون ومأمورون بالعمل، مأمورون بأن تعملوا، والله تعالى هو الذي يوفق كل إنسان لما خلقه له ولما كتبه عليه قبل أن يخلقه، وقرأ -في رواية- قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] . فأهل الخير يُيَسرون لعمل يكونون به سعداء، وأهل الشر يخذلهم ويصرفهم فيعملون بعمل أهل الشر وأهل الشقاوة والعياذ بالله، ولكن مع ذلك كله فإنهم مأمورون ومنهيون، ومكلفون بأن يمتثلوا هذا الفعل، وبأن يتركوا هذا الفعل، ويعتبرون إذا فعلوا ذلك مطيعين، وإذا لم يفعلوه يعتبرون عصاة. وعلى كل حال لا يُستبعد أن الله سبحانه عندما خلق آدم أخرج ذريته كالذر لا يُحصي عددهم إلا الله، وكل من على وجه الأرض اليوم، وكل من على وجه الأرض فيما سبق، وكل من سيولد فيما بعد، كلهم قد علم الله تعالى عددهم، وقد علم أعمارهم، وقد كتب آجالهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠] ، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، وكما في قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] . وقد أخبر النبي ﷺ أن الله أول ما خلق القلم قال له: اكتب، وأن القلم كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فقوله: (ما هو كائن) يعني: كل موجود وكل من سوف يوجد، فإنه خلقهم وخلق أعمالهم وعرف آجالهم وعرف أزمنتهم، فهو على ذلك قدير، وعلى كل شيء قدير، لا يعجزه شيء ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة. فيؤمن الإنسان بالأمرين: يؤمن بأن الله خلق الخلق واستخرج ذرية آدم قبل أن يوجدهم، ويؤمن بأن كل إنسان رزق فطرةً وعقلاً بحيث يعرف الخير ويعرف الشر، وأن تلك الفطرة إما غَيَّرتها الأهواء والشهوات والمجتمعات، إما بقيت على حالتها وفطرتها، ولا يحمله ذلك على أن يعتمد على القضاء والقدر ويستسلم ويدع العمل، بل عليه أن يعمل، (فكل ميسر لما خلق له) .

стр. 380

الكلام على معنى الميثاق المأخوذ وعلى خلق الروح والجسد قال رحمه الله تعالى: [ومن هنا قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وهذه الآثار لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً، وغايتها أن تدل على أن بارئها وفاطرها سبحانه صوَّر النسَمة وقدَّر خلقها وأجلها وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها وقدَّر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا يدل على أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودةً ناطقةً كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملةً بعد جملة كما قاله ابن حزم، فهذا لا تدل الآثار عليه. نعم. الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق، كشأنه سبحانه في جمع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفاتٍ وهيئاتٍ، ثم أبرزها إلى الوجود مطابقةً لذلك التقدير السابق. فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵄، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. ومعنى قوله: (شَهِدْنَا) أي: قالوا: بلى، شهدنا أنك ربنا، وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب. وقال ابن عباس أيضاً: أشهد بعضَهم على بعض. وقيل: (شَهِدْنَا) من قول الملائكة، والوقف على قوله: ((بَلَى)) وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي. وقال السدي أيضاً: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. والأول أظهر، وما عداه احتمال لا دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول. واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كـ الثعلبي والبغوي وغيرهما. ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركَّبها الله فيهم، كـ الزمخشري وغيره. ومنهم من ذكر القولين، كـ الواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة والثاني إلى المعتزلة] . في هذه الأحاديث أو في بعضها ما يُفهم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، وأن الذي خاطبها بقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) هي الأرواح. ومن عقيدة أهل السنة أن الأرواح مخلوقة، فليست قديمة كما يقول الفلاسفة ونحوهم، بل هي مخلوقة خلقها الله بعد أن لم تكن، وذلك لأن الإنسان مركب من جسد وروح، والروح هي التي تحيا بها الأجساد، وإذا خرجت الروح مات الجسد، فهل الروح مخلوقة قبل الجسد أم مخلوقة مع الجسد؟ والصحيح أنها مخلوقة عندما خلق الله الجسد، فكلما خلق جسداً خلق له روحاً، وكلما مات ذلك الجسد بقيت روحه إما معذبة وإما منعمة إلى أن ترجع إليه في الآخرة. وربما يأتينا شيء يتعلق بخلق الأرواح. وعلى كل حال فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] هناك من يقول فيها: إن الله أخرجهم من آدم، وأخذ عليهم العهد، وأشهدهم على أنفسهم، وإنهم قالوا: بلى. ولعلك أن تقول: إننا لا نتذكر هذا الميثاق، ولا ندري ولا نعرف متى أُخرجنا، ولا ندري هل قيل لنا ذلك القول أم لا؟ فلذلك يقال: إن هذه هي الفطرة، وإن هذا الإشهاد هو ما فطروا عليه من المعرفة، وإن قولهم: (بَلَى شَهِدْنَا) يعني: شهدنا أن ربنا هو الذي خلقنا، فيكون ذلك خطاباً للأرواح قبل خلق الأجساد. ومن العلماء من قال: إن هذا وإن لم يتذكره كل إنسان، لكنه حق وواقع، وإن لم يكن هناك ذاكرة عند كل إنسان. ولعل القول الأول أن ذلك هو الفطرة التي فطروا عليها هو الأقرب. ومن المفسرين من اقتصر على مدلول الأحاديث، فجعل الآية مفسَّرة بالأحاديث، فمعناها: أخرجهم من آدم، وأشهدهم على أنفسهم، وردهم في صلب آدم، وأخرج منه أولاده، وأخرج من أولاده أحفاده -أي: أولادهم- وهكذا تسلسلت الولادة إلى ما شاء الله تعالى، إلى أن يحصل وجود من قدر الله خلقه إلى يوم القيامة. ومن العلماء المفسرين من اقتصر على ذكر الفطرة، وأن المراد بالإشهاد هنا هو ما قذف في قلوبهم من المعرفة ومن الفطرة التي فطر الناس عليها. ومنهم من ذكر القولين، والكل مجتهد، وكلٌّ اختار ما يناسبه. فالذين تخصصوا في النقول وفي الحكايات ونحوها اقتصروا على الميثاق الذي ورد في الأحاديث. والذي فسروا بالرأي أو فسروا بالاستنتاج ذكروا أيضاً الفطرة. والرواية التي فيها أن الله تعالى أشهدهم وأنهم قالوا: شهدنا وتكلموا، يقول الشارح عنها: إنها موقوفة ليست مرفوعة، ويمكن أنها مما نُقل من كتب بني إسرائيل التي لا تُصدَّق ولا تكذَّب، إنما تقبل إذا وافقت النقل الصحيح عن النبي ﷺ ، أو ما جاء في كتاب الله تعالى. فعلى هذا نحن نعتقد معنى الآية إجمالاً، وإذا ثبتت لنا الأحاديث اعتقدناها ووكلنا كيفيتها إلى الله سبحانه.

стр. 381

آية أخذ الميثاق لا تدل على أخذ الذرية من ظهر آدم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد -على الصفة التي قالها أهل القول الأول- موقوف على ابن عباس وابن عمرو، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرِّجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين، والحاكم معروف تساهله ﵀. والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر، وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون. وأما الأول فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض، قالوا: ومعنى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] دلهم بخلقه على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له رباً واحداً، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] ، ذهب إلى هذا القفال وأطنب. وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك. إلى آخر كلامه] . هذه أيضاً أقوال في معنى الآية: قولٌ: أن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] معناه: كلما ولد مولود أخذ الله عليه العهد واستشهده بما فُطِر عليه ليعرف أن له رباً وأنه مربوب وأن عليه تكاليف، فكلما وُلد مولود أخذ عليه العهد، وذلك لأن الله قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ، وبنو آدم جمع، يعني: كل آدمي من البشر أخذ الله من ظهره، يعني: استخرج ما في ظهره من ولد ثم استنطقهم واستشهدهم، ويكون ذلك ما علموه أو ما أقام أمامهم من البينات والبراهين على أنه ربهم، وعلى أنهم مربوبون والمربوب له رب، وعلى أنهم مخلوقون والمخلوق له خالق. وأما القول بأنهم استُنْطِقوا لما أُخرجوا من آدم وشهدوا على أنفسهم و (قَالُوا بَلَى) لما قال الله لهم: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)) فهذا قول اعتُمد فيه على حديثين، ولكن الحديثين فيهما مقال. ويقول: إن حديث ابن عباس الذي تقدم وحديث عبد الله بن عمرو لم يخرجا في الصحيح، وإنما أخرجهما الحاكم والحاكم ﵀ يتساهل في تخريج الأحاديث، فلا يعتمد تصحيحه إذا انفرد به. لذلك لعل الآية عامة في أنها أخذت العهود من بني آدم، وأن تلك العهود هي إما المعرفة التي ركبت في قلوبهم حيث يعرفون أنهم مخلوقون، وإما الفطرة التي فطر الناس عليها، يعني: جعل في فطرتهم ميلاً ومعرفةً، وهو ما تقدم من قوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) .

стр. 382

تضعيف الشارح للقول باستخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادها قال رحمه الله تعالى: [وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرَّج في الصحيحين الذي فيه: (قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي) ولكن قد روي من طريق أخرى: (قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيُرَد إلى النار) وليس فيه (في ظهر آدم) وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة. والثاني: أن الآية دلت على ذلك. والآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه قال: (مِنْ بَنِي آدَمَ) ، ولم يقل: من آدم. الثاني: أنه قال: (مِنْ ظُهُورِهِمْ) ، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض أو بدل اشتمال وهو أحسن. الثالث: أنه قال: (ذُرِّيَّتَهُمْ) ، ولم يقل: ذريته. الرابع: أنه قال: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) ، أي: جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولا بد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار -كما تأتي الإشارة إلى ذلك- لا يذكر شهادة قبله. الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] . السادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ، ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم. السابع: قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣] ، فذكر حكمتين في هذا الإشهاد: ألا يدعوا الغفلة، أو يدعوا التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة. الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم للرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل. التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] . العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها بحيث لا يتخلف عنها المدلول، وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين مستلزمة للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٤] ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد على الفطرة، لا يولد مولود على غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه لا يتبدل ولا يتغير، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. والله أعلم. وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات، ورجح القول الثاني وتكلم عليه ومال إليه] . ويمكن أن يجمع بينهما بأن الآية في ميثاق والأحاديث في ميثاق، فالآية يظهر أن المراد بها الميثاق الذي يأخذه على كل مولود يولد على الفطرة، وذلك الميثاق هو المعرفة التي فطر عليها، والأحاديث في خلق الأرواح أن الأرواح خلقت أولاً ثم أعيدت في صلب آدم وتكلمت، وأنها شهدت وإن لم تكن الأجساد موجودة. وبكل حال فإن هذه الآية تؤيد أن الميثاق الذي فيها غير الميثاق الذي في الأحاديث من هذه الوجوه العشرة التي ذكرها، فإن الله تعالى قال: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) لم يقل: من آدم، والأحاديث فيها أنهم أخرجوا من ظهر آدم، فدل على الفرق بين ما في الآية وما في الأحاديث. والآية فيها قوله: (مِنْ ظُهُورِهِمْ) والأحاديث فيها أنهم كلهم ذرية آدم. والآية فيها أنه (أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) وهذا الإشهاد قد لا يتذكرونه لأنه هو الفطرة، فلو كان هو الإشهاد عند خلق الأرواح لم يكن حجة عليهم، فدل على أن المراد أنهم فطروا على الإسلام، وأنه لا مانع من أن الله سبحانه أخرج أرواحهم وأنفاسهم من صلب آدم، وعرضهم عليه، وجعل بين عيني كل إنسان وبيصاً، وأن منهم نبي الله داود وأنه وهبه من عمره أربعين إلى آخر ما تقدم. لا مانع من أن نؤمن بأن الله استخرج الأرواح قبل أن يخلق الأجساد، وأنه أخذ الميثاق على الأجساد، وأن الميثاق الذي أخذه على الأجساد في الآية هو المعرفة والفطرة التي فطروا عليها، فبذلك لا يحصل اختلاف بين الآية والحديث، فيعتقد المسلم أن الله فطر الناس على المعرفة وعلى الديانة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، وأن تلك الفطرة تتغير بتغير البيئة: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، ويعتقد مع ذلك بناء على الأحاديث أن الله استخرج ذرية آدم وعلم أهل الجنة وعلم أهل النار وقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي، وذلك يبين سابق القدر لله تعالى، وسابق علمه بالأشياء قبل وجودها، والله تعالى بكل شيء عليم.

стр. 383

الإقرار بالربوبية أمر فطري قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ والأبناء تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] ، وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟ بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليداً لمن لا حجة معه. بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية؛ فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب.

стр. 384

قيام الحجة في توحيد الربوبية بالفطرة والعقل فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربيه والعادة، وهو لأجل مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه - على الصحيح - حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح؛ فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨] وقال ليعقوب بنوه: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣] ، وإن كان الآباء مخالفين للرسل كان عليه أن يتبع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨] الآية. فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه؛ فهذا اتبع هواه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]] . يقول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام:١٥٦] ، ويقول: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] ، فمقالة المشركين لابد أن تكون إحدى هاتين المقالتين. والطائفتان هم اليهود والنصارى الذين أنزلت عليهم التوراة والإنجيل، والمشركون يقولون: أشرك آباؤنا واتبعناهم، فكأنهم يقولون: العذاب عليهم لا علينا. والجواب أولاً: أن الله فطركم على التوحيد وعلى معرفته، ورتب فيكم العقول بحيث تعرفون أن لكم خالقاً، وأن خالقكم له عليكم حقوق. وثانياً: إذا عرفتم أن هذا الدين الذي عليه آباؤكم -وهو الشرك- باطل، فلا بد أن تبحثوا عن الدين الصحيح وهو الذي خلقتكم له، ولكنكم لم تفعلوا، بل اتبعتم آباءكم وأطعتم كبراءكم، وكنتم بذلك مستحقين للعذاب، قال الله تعالى عن أهل النار: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: قال الأبناء للآباء: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: لا ينفعكم كونهم الذين أضلوكم، فكان يجب عليكم ألا تقبلوا هذا الضلال. ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٧-٢٨] يعني: تضلوننا وتسعون في إضلالنا، إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات:٣٣] مع أن الآباء هم السبب في ضلال الأبناء؛ ولأجل ذلك كان الواجب على الآباء أن يفكروا وألا يضلوا بعد أن أعطاهم الله فكراً وعقلاً، وعلى الأبناء أيضاً أن يستعملوا فطرتهم وعقلهم وألّا يقبلوا كل ضلالة أو كل بدعة. وقد حكى الله تعالى أنهم يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض؛ فالمتبوع يتبرأ من التابع، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٦-١٦٧] ، الأتباع هم الذين تبرأ منهم المتبوعون ولكن لا ينفعهم ذلك بعد أن أضلوهم.

стр. 385

قيام الحجة على الإنسان بوجوب اتباع الرسل كما يرشد إليه العقل وعلى كل حال فحجة الله قائمة، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] ؛ وذلك لأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ ولأنه فطر الناس على العبادة ولكن أضلتهم الأهواء وأضلتهم الشياطين، وأضلتهم المجتمعات ونحوها. ومعلوم أن العادة -كما قلنا- أن الابن ينشأ على دين أبويه، بل إنه يختم له باتباعه في دينه؛ لكن في الشرع يكون تبعاً لخير أبويه، إذا كان أحد الأبوين مسلماً والآخر كافراً، حكمنا أنه يتبع خير أبويه في الدين، ولكن يحكم عليهم ما حكم على آبائهم، (سئل النبي ﷺ عن القوم يبيتون فيصاب الأطفال) ، فقال: هم منهم يعني: إذا بيتنا المشركين في بيوتهم وقتلنا أطفالاً دون أن نتعمد؛ فما الحكم؟ فقال: (هم منهم) . والمعنى: أننا نحكم بأنهم تبع لآبائهم، فما دام أن آباءهم يحاربوننا ويقاتلوننا ونقتلهم، فكذلك الأبناء يكونون تبعاً لهم؛ وذلك لأنهم غالباً ينشئون على نشأتهم كما حكى الله عن نوح بقوله: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: كلما ولد لهم أولاد نشئوا على ما نشأ عليه آباؤهم من الفجور ومن الكفر، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يخرج من أصلاب الكفار من يعبد الله ويعرفه، وإذا أراد به خيراً أدخله في الدين أو أدخل الدين عليه. وعلى كل حال: فإن على الإنسان أن يحرص على أولاده، فيربيهم ويعلمهم، وعلى الولد أن ينظر فيما فيه والده وفيما عليه أهله؛ فإذا كان حقاً وصواباً قبله وعمل به، وإلّا سأل عن الحق واتبعه، ولم يعمل بالباطل ولو كان عليه أهله، أو مجتمعه، أو قبيلته، وأسرته، أو نحو ذلك.

стр. 386

لا يعذر الإنسان في كفره باتباع آبائه وعليه أن ينظر بعقله قال المؤلف: [وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو؟ والله الموفق. فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه مركوز في الفطر، وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج من بين الصلب والترائب -والترائب: عظام الصدر- ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا، ومحال توهم عمل الطبائع فيها لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير. فإذا تفكر في ذلك، وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال؛ علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى توحيد الإلهية، فإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده؛ كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر ازداد يقيناً وتوحيداً، والله الموفق؛ لا رب غيره ولا إله سواه!] .

стр. 387

وجوب البحث عن الحق على كل عاقل ذكر أن الإنسان عادة ما يتبع ما عليه آباؤه ومجتمعه، ولكن لا يكون ذلك حجة له، ولا يكون معذوراً بذلك، فالذين قالوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] يقال: لا نهلككم بفعلهم، بل كلٌ يعذب بذنبه؛ فآباؤكم عليهم ذنوب وأنتم عليكم ذنوب، وأبناؤكم عليهم ذنوبهم التي اقترفوها وعملوها، ولو كان السبب أو المضل هو الأول. وذلك لأن الله تعالى فطر العباد على معرفته، والواجب عليهم أن يتأملوا ما فطروا عليه، وأن يتعقلوا خلقه، وأن يتعقلوا هذا الكون الذي بين أيديهم، وأن يتفكروا في مخلوقات الله تعالى، ومنه يخرجون إلى نتيجة وهي توحيد الربوبية، وهو أن هذا الكون له رب خالق مدبر، وأنه لم يخلق عبثاً كما في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] يعني: مهملاً ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٧-٤٠] . يعني: يتدبر الإنسان مبدأ أمره ومبدأ تكوينه، وهو أنه قد كان في صلب أبيه، ثم خرج واستقر في رحم أمه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٠-٢٢] جعله الله في قرار مستقر لا تصل إليه الأيدي، ولا تعمل فيه الطبائع، ولا تقدر عليه الحيل. انقطعت عنه التدابير، فأخرجه الله بعد أن كوّنه بشراً سوياً كما في قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٧] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر:٦٧] يعني: أطفالاً ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧] ، فهذا التدبير وهذا التنقل ليس للطبيعة فيه مجال، بل الترتيب والتربية هي خلق الله وتدبيره وتكوينه. فإذا عرف الإنسان هذا الكون وأنه لا بد له من مدبر وخالق ومتصرف، استقر بذلك توحيد الربوبية في عقله، وعرف أن له رباً، ثم بعد ذلك يتنقل من تفكير إلى تفكير فيقول: ما دام أن لهذا الكون رباً وخالقاً ومدبراً فإن لهذا الرب الخالق المدبر حقوقاً علينا! فما هي تلك الحقوق؟ هي أن نعبده وحده، وأن نقر به إلهاً، وأن نصرف له حقوقه التي فرضها علينا وبعد أن يسأل عن هذه الحقوق ويعرفها، فإذا عرف التزم بالتقرب بها، والتزم بأن يعبد الله بها، وأن يحرص على الاستسلام لله، وبذلك يكون من أهل السعادة. فكونه يقنع بما كان عليه آباؤه من الكفر والضلال والبدع والشرك والخرافات التي تمجها الأسماع وتنكرها الطباع ويقول: هكذا وجدت أبي! يقال: هذا خطأ! لماذا لم تسأل عن الحق؟ أترضى أن تكون مقلداً لا تدري ما الناس فيه؟! هؤلاء الذين يتبعون الناس ويتبعون ما هم عليه من خطأ؛ هم الذين إذا سئلوا في القبر: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يقول أحدهم: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيعذبون في قبورهم على هذه المقالة، ولا ينفعهم أنهم سمعوا الناس وأنهم قلدوا الناس، بل الواجب على العاقل من حيث هو أن يستعمل عقله في معرفة خالقه ومدبره، وألّا يرضى بما الناس عليه دون أن يمحص تلك الأقوال والأعمال التي يعملها الناس، ودون أن يعرف الحق أو يبحث عنه؛ فإنه إذا بحث عن الحق عرفه، وإذا عرفه لزمه العمل به، وإذا لزمه العمل به وأداه كما ينبغي سعد وأصبح من أهل الخير.

стр. 388

شرح العقيدة الطحاوية [٢٧] لقد خلق الله الخلق، وعلم ما هم عاملون، وقدر ما يكون منهم، وقدر من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وهذا دليل على كمال علم الله، ولا حجة للعصاة في ذلك، فكل ميسر لما خلق له.

стр. 389

إثبات صفة العلم لله تعالى وتقديره لأعمال الخلائق قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه) . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٥] ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ؛ فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] . وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ، خرجاه في الصحيحين.

стр. 390

عموم علم الله بكل شيء هنا: صفة من صفات الله تعالى وهي العلم العام، وفي هذا رد على طائفة من غلاة المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يعلم بالأشياء حتى تقع، ولم يعلم بها قبل أن يوجدها، يردون بذلك النصوص ويتنقصون الرب ، وهؤلاء هم غلاة القدرية قديماً كـ معبد الجهني وغيره، يقولون: إن الأمر أنف يعني: أنه يستقبل ويستأنف ولا يعلم الشيء الذي قد مضى. من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، فلا يعزب عن علمه شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس:٦١] يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الخفي والجلي: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ، ويعلم السر وأخفى من السر، والسر هو: ما يضمره الإنسان في نفسه ولا يبديه لأحد، وأخفى منه ما لم يخطر بباله إذا علم الله أنه سيخطر بباله، فيعلم الله أنه سيخطر له كذا وكذا مما لم يكن يظن أنه يخطر. والأدلة على صفة العلم وقدمه كثيرة مشهورة، وقد جمعها العلماء الذين كتبوا في الصفات واستوفوا ما ورد فيها من الآيات ومن الأحاديث، وإذا عرف المؤمن أن الله تعالى موصوف بالعلم، اعتقد دخول أعمال العباد، وهو أنه علم من هو سعيد ومن هو شقي، ومن هو فاجر ومن هو تقي، ومن هو مخلط ومن هو نقي، وعلم من هو فقير ومن هو غني، ومن هو من أهل الخير ومن هو من أهل الشر؛ كل ذلك قد أحاط الله به علماً، كما قال تعالى: في هذه الآيات ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فيدخل في (كل شيء) ما لم يكن مما سيكون كما علمه الله.
следующие страницы →