← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لا يعذر الإنسان في كفره باتباع آبائه وعليه أن ينظر بعقله قال المؤلف: [وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو؟ والله الموفق. فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه مركوز في الفطر، وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج من بين الصلب والترائب -والترائب: عظام الصدر- ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا، ومحال توهم عمل الطبائع فيها لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير. فإذا تفكر في ذلك، وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال؛ علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى توحيد الإلهية، فإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده؛ كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر ازداد يقيناً وتوحيداً، والله الموفق؛ لا رب غيره ولا إله سواه!] .

стр. 387

وجوب البحث عن الحق على كل عاقل ذكر أن الإنسان عادة ما يتبع ما عليه آباؤه ومجتمعه، ولكن لا يكون ذلك حجة له، ولا يكون معذوراً بذلك، فالذين قالوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] يقال: لا نهلككم بفعلهم، بل كلٌ يعذب بذنبه؛ فآباؤكم عليهم ذنوب وأنتم عليكم ذنوب، وأبناؤكم عليهم ذنوبهم التي اقترفوها وعملوها، ولو كان السبب أو المضل هو الأول. وذلك لأن الله تعالى فطر العباد على معرفته، والواجب عليهم أن يتأملوا ما فطروا عليه، وأن يتعقلوا خلقه، وأن يتعقلوا هذا الكون الذي بين أيديهم، وأن يتفكروا في مخلوقات الله تعالى، ومنه يخرجون إلى نتيجة وهي توحيد الربوبية، وهو أن هذا الكون له رب خالق مدبر، وأنه لم يخلق عبثاً كما في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] يعني: مهملاً ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٧-٤٠] . يعني: يتدبر الإنسان مبدأ أمره ومبدأ تكوينه، وهو أنه قد كان في صلب أبيه، ثم خرج واستقر في رحم أمه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٠-٢٢] جعله الله في قرار مستقر لا تصل إليه الأيدي، ولا تعمل فيه الطبائع، ولا تقدر عليه الحيل. انقطعت عنه التدابير، فأخرجه الله بعد أن كوّنه بشراً سوياً كما في قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٧] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر:٦٧] يعني: أطفالاً ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧] ، فهذا التدبير وهذا التنقل ليس للطبيعة فيه مجال، بل الترتيب والتربية هي خلق الله وتدبيره وتكوينه. فإذا عرف الإنسان هذا الكون وأنه لا بد له من مدبر وخالق ومتصرف، استقر بذلك توحيد الربوبية في عقله، وعرف أن له رباً، ثم بعد ذلك يتنقل من تفكير إلى تفكير فيقول: ما دام أن لهذا الكون رباً وخالقاً ومدبراً فإن لهذا الرب الخالق المدبر حقوقاً علينا! فما هي تلك الحقوق؟ هي أن نعبده وحده، وأن نقر به إلهاً، وأن نصرف له حقوقه التي فرضها علينا وبعد أن يسأل عن هذه الحقوق ويعرفها، فإذا عرف التزم بالتقرب بها، والتزم بأن يعبد الله بها، وأن يحرص على الاستسلام لله، وبذلك يكون من أهل السعادة. فكونه يقنع بما كان عليه آباؤه من الكفر والضلال والبدع والشرك والخرافات التي تمجها الأسماع وتنكرها الطباع ويقول: هكذا وجدت أبي! يقال: هذا خطأ! لماذا لم تسأل عن الحق؟ أترضى أن تكون مقلداً لا تدري ما الناس فيه؟! هؤلاء الذين يتبعون الناس ويتبعون ما هم عليه من خطأ؛ هم الذين إذا سئلوا في القبر: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يقول أحدهم: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيعذبون في قبورهم على هذه المقالة، ولا ينفعهم أنهم سمعوا الناس وأنهم قلدوا الناس، بل الواجب على العاقل من حيث هو أن يستعمل عقله في معرفة خالقه ومدبره، وألّا يرضى بما الناس عليه دون أن يمحص تلك الأقوال والأعمال التي يعملها الناس، ودون أن يعرف الحق أو يبحث عنه؛ فإنه إذا بحث عن الحق عرفه، وإذا عرفه لزمه العمل به، وإذا لزمه العمل به وأداه كما ينبغي سعد وأصبح من أهل الخير.

стр. 388

شرح العقيدة الطحاوية [٢٧] لقد خلق الله الخلق، وعلم ما هم عاملون، وقدر ما يكون منهم، وقدر من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وهذا دليل على كمال علم الله، ولا حجة للعصاة في ذلك، فكل ميسر لما خلق له.

стр. 389

إثبات صفة العلم لله تعالى وتقديره لأعمال الخلائق قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه) . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٥] ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ؛ فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] . وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ، خرجاه في الصحيحين.

стр. 390

عموم علم الله بكل شيء هنا: صفة من صفات الله تعالى وهي العلم العام، وفي هذا رد على طائفة من غلاة المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يعلم بالأشياء حتى تقع، ولم يعلم بها قبل أن يوجدها، يردون بذلك النصوص ويتنقصون الرب ، وهؤلاء هم غلاة القدرية قديماً كـ معبد الجهني وغيره، يقولون: إن الأمر أنف يعني: أنه يستقبل ويستأنف ولا يعلم الشيء الذي قد مضى. من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، فلا يعزب عن علمه شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس:٦١] يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الخفي والجلي: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ، ويعلم السر وأخفى من السر، والسر هو: ما يضمره الإنسان في نفسه ولا يبديه لأحد، وأخفى منه ما لم يخطر بباله إذا علم الله أنه سيخطر بباله، فيعلم الله أنه سيخطر له كذا وكذا مما لم يكن يظن أنه يخطر. والأدلة على صفة العلم وقدمه كثيرة مشهورة، وقد جمعها العلماء الذين كتبوا في الصفات واستوفوا ما ورد فيها من الآيات ومن الأحاديث، وإذا عرف المؤمن أن الله تعالى موصوف بالعلم، اعتقد دخول أعمال العباد، وهو أنه علم من هو سعيد ومن هو شقي، ومن هو فاجر ومن هو تقي، ومن هو مخلط ومن هو نقي، وعلم من هو فقير ومن هو غني، ومن هو من أهل الخير ومن هو من أهل الشر؛ كل ذلك قد أحاط الله به علماً، كما قال تعالى: في هذه الآيات ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فيدخل في (كل شيء) ما لم يكن مما سيكون كما علمه الله.

стр. 391

كتابة الله ما علمه في اللوح المحفوظ كذلك بعد أن علمه الله تعالى فإنه قد أثبته وكتبه في الذكر -اللوح المحفوظ- فأول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة مما سيوجد، وممن سيولد، ومن أعمال العباد ونحو ذلك، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] يعني: علم ذلك وصفاته هو يسير على الله. ويقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، أي: من قبل أن نبرأ تلك المصيبة، بل من قبل أن نبرأ الخليقة كلهم، كتب ذلك في اللوح المحفوظ كما يشاء الله، وذلك يسير على الله، ليس فيه صعوبة؛ لأنه هو الذي يبدل الخلائق، وهو الذي يعلم أحوالهم ولا يخفى عليه شيء منهم. فإذاً: ما داموا خلقه وأنه هو الذي يتصرف فيهم؛ فهم لا يخرجون عما علمه فيهم، وقد علم من سيصير إلى الخير، ومن سيصير إلى الشر، ولكن كلفهم وأمرهم بالإيمان بذلك الغيب. وكذلك أعان هؤلاء وخذل هؤلاء، وله الحجة البالغة، وهدى من شاء وأضل من شاء وله الحجة البالغة على عباده، ولا يقول قائل: إن هذا يتخذ حجة للكافر بأن يقول: إذا كان الله كتب عليّ الشقاء فليس لي حيلة في أن أرد ما كتب الله؟ نقول: ومن أدراك بذلك؟ أنت مأمور بأن تفعل الأسباب، وقد يكون فعلك سبباً من الأسباب التي قدر الله بها أنك من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة.

стр. 392

أنواع التقدير ذكر العلماء أن القدر على أربعة أنواع: القدر العام يعني: العلم بالكائنات قبل وجودها، وكتابتها في اللوح المحفوظ. والثاني: العلم السنوي: وهو أن الله يكتب في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة من الحوادث، وهذه كتابة جزئية، حيث يقدر في ليلة القدر ويكتب فيها ما يكون على وجه الأرض من تلك الليلة إلى مثلها من السنة القابلة، فهذا تقدير أو كتابة أو علم خاص، وهو السنوي. والثالث: تقدير عمري وهو أن المولود إذا علقت به أمه في الرحم، أرسل الله تعالى إليه الملك فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ يعني: هل يتم خلقه ويولد سوياً أو تسقطه الرحم وتقذفه منياً؟ فإذا قال الله: مخلقة، قال: يا رب! ذكر أم أنثى؟ فيكتب ذلك، ويسأل عن رزقه فيخبره الله بأن رزقه يكون بكذا وكذا، ويكتب أجله بأنه طويل الأجر أو قصير الأجل، يقدر الله ذلك كله له. وفي حديث ابن مسعود المشهور: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد) أي: يكتب ذلك كله وهو في رحم أمه، فالمؤمن الذي يؤمن بذلك يؤمن بسعة علم الله تعالى، ولكن لا يتخذ ذلك حجة في ترك العمل، بل يعمل فكل ميسر لما خلق له كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فمن كان سعيداً فإن الله يسهل له الأسباب التي يكون بها سعيداً وعليه أن يبذل السبب، وإن كان شقياً فإنه محروم ولو بذلت الأسباب. فهذا هو واسع علم الله، يعني: أن الله تعالى عليم بكل شيء وعلمه قد وسع الخلائق كلها. وفائدة الإيمان بالعلم المراقبة، وهو أنك إذا علمت أن الله عليم بما يجول في نفسك، وبما تهم به من طاعة أو معصية، وأنه يطلع على ضميرك، ويعلم ما في قلبك؛ حملك ذلك على ألا تعمل إلا خيراً، وعلى ألا تحدث نفسك إلا بخير، فبذلك تكون من أهل الخير. أما الإنسان الذي يتجاهل أو يظن أن الله لا يعلمه ولا يعلم أحواله؛ فإن هذا التجاهل أو الجهل هو الذي يوقعه في العصيان ويجرئه على المخالفات، فكأنه يعتقد أنه لا يراه ربه وأنه سيختفي. ذكر ابن أم عبد أن ثلاثة من قريش جلسوا في المسجد الحرام يقول: قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الثاني: إن كان يسمع إن جهرنا سمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢-٢٣] ، فهؤلاء الذين ظنوا أن الله لا يعلم أعمالهم حصل لهم أنهم أكثروا من السيئات وتجرءوا على المحرمات، ووقعوا في الذنوب؛ فكان ذلك سبباً في شقائهم وإن كان ذلك مكتوباً عليهم في الأزل؛ لكن وقع منهم سبب وافق ما قدره الله عليهم. فعلى العبد إذا علم أن الله تعالى عليم بأحواله وبوساوسه وبخطرات قلبه وبأعماله؛ أن يحمله هذا الاعتقاد على أن يراقب ربه، وعلى ألا يخالفه طرفة عين.

стр. 393

علم وكتابة مآل الإنسان من السعادة والشقاوة وهو في رحم أمه قال المؤلف: [وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله] . تقدم حديث علي ﵁ وقوله ﷺ فيه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم: أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: لا. بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر) رواه مسلم. وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) خرجاه في الصحيحين، وزاد البخاري: (وإنما الأعمال بالخواتيم) . وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد؛ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكذلك الآثار عن السلف، قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها، وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق] .

стр. 394

الأعمال بالخواتيم معناه أن الله تعالى علم السعيد والشقي، ولكن قد يعمل الإنسان بعمل أهل الخير ثم يرتد في آخر عمره، ويكون من أهل الشر، حيث إن الله كتب عليه الشقاوة، وبالعكس: قد يحيا الإنسان مع أهل الكفر ويمضي عمره كله على الكفر والضلال، ثم يأتيه الله قرب الموت فيموت وقد اهتدى، وقد ذكروا أن الأصيرم من الأنصار، كان على دين قومه المشركين، ولم يسلم إلا قبيل معركة أحد، فأسلم ودخل المعركة واستشهد مع من استشهد، فجعله النبي ﷺ من الشهداء ودعا له. هذا توفي هو ولم يصل لله ركعة، ولكنه أسلم إسلاماً يقينياً وجاهد في سبيل الله، وضده رجل كان يظهر أنه مسلم، ويجتهد في الأعمال، ولما حضر المعركة قاتل قتالاً شديداً حتى قتل ستة أو سبعة، فلما ذكر للنبي ﷺ قال: (إنه من أهل النار) ، فختم له بخاتمة سيئة، وهو أنه لما أحس بالألم قتل نفسه، فقال النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) ، وبالعكس أيضاً، فالأعمال بالخواتيم، والإنسان عليه أن يسأل الله حسن الختام؛ وذلك لأنه إذا ختم له بخاتمة حسنة انتهت بها حياته كان من أهل السعادة، فإذا استمر على العمل السيئ حرم الخير، وختم له بعمل الشقاوة والعياذ بالله.

стр. 395

ينبغي على الإنسان الحرص على حسن الختام فنعرف بذلك معنى: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، أو يعمل بعمل أهل الجنة حتى يقرب من الموت فيعمل بعمل أهل النار ويرتد ما بين عشية وضحاها، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في حديث الفتن، فقال: (يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) يعني: أنه يكفر بين عشية وضحاها. فهذا يحث الإنسان على أن يتمسك بدينه، وأن يحرص على حسن الخاتمة، ويعرف أن الله تعالى يختم للإنسان بالعمل الذي قدره له والذي كتبه من أهله، ولكن له في ذلك سبب، وإذا أكثر من سؤال الله تعالى أجاب الله دعوته، وإن كان ذلك مكتوباً عليه قبل أن يخلقه.

стр. 396

أهمية تعلم العقيدة بتفاصيلها والعقيدة ما يعقد عليه القلب، وإذا انعقد القلب على أمر فإنه لا يتخلى عنه، ولا شك أن من آثار الاعتقاد قوة العمل، فإذا اعتقد العبد أمراً فإنه يلازمه ويتمسك به، ويتشبث به بكل قواه، ويتفانى في العمل به، على ما يناله من أذى أو من تعذيب، ويبذل في تحقيق ما يعتقده كل غالٍ ورخيص ولو بذل نفسه، كما حصل للمؤمنين الذين بذلوا نفوسهم رخيصة في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله، كل ذلك لأجل قوة العقيدة.

стр. 397

الإيمان بالله ورسوله وما جاء به جملة وتفصيلاً من العقيدة التي نحن نقرأ فيها الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، ويدخل فيها الإيمان بأسماء الله تعالى وبصفاته، ويظهر على من اعتقدها أثرها، ويدخل فيها أيضاً الإيمان بوحدانية الله تعالى وتفرده، ويدخل في ذلك أيضاً الإيمان بقوته وبقهره وبجبروته وبخلقه وبتقديره وبقدرته على كل شيء، وآثار ذلك عبادته وحده وترك عبادة ما سواه. ويدخل في الشهادة الثانية -شهادة أن محمداً رسول الله- الإيمان بصدق النبي ﷺ وبأمانته، والإيمان بتبليغه للرسالة وبيانها، والإيمان بصحة ما جاء به وما بلغه، وكونه كله من عند ربه. ويدخل في ذلك وجوب طاعته، ووجوب محبته واتباعه والتأسي به والسير على نهجه، وتحكيمه والرضى بحكمه، وعدم الميل عن سنته، ومتى تحقق ذلك ظهر أنه من قوة العقيدة. ويدخل في ذلك الإيمان بفضائله وبمزاياه، وكان منها أنه ﵊ سيد الخلق يوم القيامة، وأنه الشفيع المشفع، وأنه صاحب المقام المحمود والحوض المورود والشفاعة في الآخرة، وكل ذلك يستدعي ممن قاله واعتقده أن يتبعه بالعمل. ويدخل في ذلك: الإيمان بكل ما جاء العبد من الله تعالى وبلغته رسل الله تعالى. وبلا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام -وخاتمهم وأفضلهم محمد ﵊ مكلفون من الله تعالى بتبليغ الرسالة، وأنهم بلغوا ما أرسلوا به، فأدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ونصحوا لأممهم، فكل ما بلغوه وكل ما جاءوا به، فالعبد يلتزم به ويصدقه، سواءٌ كان مجملاً أو مفصلاً. التفصيل: جاءنا في كتابنا الذين أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، فيه تفصيل أحوال الآخرة وما يكون بعد الموت، وما يكون في الدار الآخرة، فيؤمن العبد بذلك ويصدق بتفاصيله. والإجمال بالكتب السابقة، فنؤمن بها إيماناً مجملاً، فنصدق بأنها كلام الله، وبأنها من الله، وبأنها حق، وبأن الله كلف الأمم الذين نزلت عليهم بالعمل بتفاصيلها، ولكن نحن ما كلفنا بالعمل ولا بالعلم بتفاصيلها، وإنما نؤمن بها مجملة، وهي تدخل في الإيمان بكتب الله. وأدلة ذلك واضحة والحمد لله، فإذا آمن العبد بكل ذلك وبغيره من تفاصيل العقيدة، صدق عليه أنه من أهل العقيدة الراسخة الذين يعملون عن عقيدة، ويعملون عن يقين، ويعملون عن إيمان، ولا يردهم عن العمل شبهة ولا شك، ولا يعتريهم توقف ولا ريب.

стр. 398

ظهور آثار العقيدة على العمل فإذا اعتقد العبد العقيدة التي هي متلقاة عن الله تعالى وعن رسله، ظهرت آثارها على أعماله. وإذا رأيت المبتدعة الذين يخالفون الأدلة، دل ذلك على ضعف عقيدتهم، وعلى تزعزها وكونها على شفا جرف هار، وأنها لم تكن راسخة في قلوبهم. وهكذا إذا رأيت الذين يتهاونون بالسيئات ويرتكبون المحرمات، ويتركون الطاعات الواجبة، فإن ذلك دليل على ضعف معتقدهم، بحيث إنها لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، ولم يطمئنوا بالإيمان، ولو اطمئنوا به لما أقدموا على هذه المخالفات، ولو استحضروا عظمة ربهم وأنه يراهم ويعلم سرائرهم وضمائرهم، لما أقدموا على المعاصي وهم يعرفون أنها معاص. فإذاً: يتفقد الإنسان نفسه، ويتفقد بني جنسه، ويعرف بذلك سليم العقيدة وضعيف العقيدة، يعرف بذلك من هو قوي في الإيمان متمكن منه قد رسخ الإيمان في سويداء قلبه، فيقول: هذا من أهل العقيدة، عرفته بقوة إيمانه، وعرفته بآثار إيمانه، وعرفته بقوة تصديقه، وعرفته بالعمل، وعرفته بالبعد عن الحرام، وعرفته بالبعد عن المشتبهات. وهذا ضعيف العقيدة: عرفته بتساهله في الإيمان، عرفته بتساهله بالمعاصي، عرفته بتساهله في ترك الطاعات، وما أشبه ذلك. فهذه هي النتيجة والفائدة الصحيحة لعلم هذه العقيدة، وتفاصيلها التي فصلت في الطحاوية، وكذلك في غيرها من عقائد أهل السنة، فتفاصيلها لا شك أنها تزيد العبد قوة وإيماناً، سواء منها ما يتعلق بالعقود أو ما يتعلق بالمواثيق، أو ما يتعلق بدخول الأعمال في مسمى الإيمان، أو ما يتعلق بالقضاء والقدر، أو ما يتعلق بعلم الغيب، أعني: العلوم الغيبية السابقة واللاحقة، أو ما يتعلق بالإيمان بالبعث وبما بعد البعث، أو ما يتعلق بالقبر وفتنته ونعيمه وما أشبه ذلك، أو ما يتعلق بالإيمان بالجنة والنار والثواب والعقاب والوعد والوعيد، أو ما يتعلق بالإيمان بالله وبملائكته وبكتبه وبرسله وما أشبه ذلك، كل ذلك يعتبر تفاصيل لأصل هذه العقيدة، ولكن الأصل كما قلنا: الإيمان بالله وبما جاء عن الله على مراد الله. وقد مضى الكلام حول المواثيق والعهود التي أخذها الله تعالى على عباده، بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] وعرفنا أن هذا إما أنه -كما ورد في الأحاديث- العهد الذي أخذه الله على بني آدم وهم في أصلاب آدم، أو أنه العهد الذي فطر الله عليه العباد وجبلهم عليه، وهذا هو الأقرب والأمثل، يبينه قول الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، وقوله في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فأخرجتهم عن دينهم) ، فكونهم حنفاء، أي: على الفطرة والحنيفية التي هي معرفة الله ومعرفة ما خلقوا له، فهذا هو الأقرب. ولكن نؤمن أيضاً بالحديث الذي فيه (أن الله تعالى استخرج ذرية آدم من ظهره، وعرف منهم من هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي!) ، فنؤمن بذلك وإن كنا لا نتذكر ذلك العهد، ولكن خبر الله أوثق. والأصل أن أدلة معرفة الله تعالى لو ترك عليها الإنسان لعرف أنه مخلوق، وأن له خالقاً، وأن خالقه له عليه حقوق، فيؤمن العباد بذلك من جملة الإيمان بالغيب، ومن جملة العقيدة التي يعتقدونها.

стр. 399

شرح العقيدة الطحاوية [٢٨] القدر غيب لا يطلع عليه أحد من الخلق، وقد كتب الله تعالى ما سيعمله العبد، ولكن جعل له قدرة واختياراً يزاول بها ما أراد من خير أو شر، وهذا هو الذي يحاسب عليه.

стр. 400

القدر سر الله تعالى في خلقه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) . أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، قال علي ﵁: (القدر سر الله فلا تكشفه) ، والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً ولا يرضاه ديناً. وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة: وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكنّ الكافر شاء الكفر؛ فروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم -والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! هذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل: روى اللالكائي من حديث بقية عن الأوزاعي حدثنا العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد المكي: عن ابن عباس: (أن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه -وهو يومئذ أعمى- فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطك ألياتهن مشركات، هذا أول شرك في الإسلام، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر) . قوله: (وهذا أول شرك في الإسلام) إلى آخره من كلام ابن عباس وهذا يوافق قوله: (القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده) ] .

стр. 401

لا يسأل عما يفعل هذا يتعلق بالقضاء والقدر، ويذكر المؤلف أن القدر سر الله تعالى في كونه وفي أمره، ووجه كونه سراً لا يعلمه البشر أن الرب سبحانه له الحكمة في كونه هدى هذا وأضل هذا، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يجوز للعباد أن يسألوا عن الأسباب في أفعال الله تعالى، فلا يقال: لماذا حبس الله الخير؟ لماذا أنزل الله العذاب؟ لماذا خلق الله الأمراض؟ لماذا خلق الله الحشرات والأضرار؟ لماذا خلق الله السباع؟ لماذا سلط الله على المؤمنين الأمراض والعاهات والفقر؟ لماذا سلط عليهم الكفار؟ لماذا أفقر هذا وأغنى هذا؟! قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، لكن مع ذلك نعرف أنه سبحانه حكيم يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فلا يفعل شيئاً عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥] وليس شيء من خلقه موجوداً إلا لحكمة، ولم يسلط عقوبة ولم يخلق مرضاً إلا لمصلحة ولحكمة، سواء علمنا تلك الحكمة أو حجبت عنا؛ لأن هذا مقتضى اسمه الحكيم، أي: ذي الحكمة التي هي غاية المصلحة، ولكن ليس لنا الاعتراض على تصرفه، فهو سبحانه يتصرف في خلقه كيف يشاء فيهدي هذا فضلاً منه، ويضل هذا عدلاً منه، ويغني ويفقر، ويميت ويحيي، ويسعد ويشقي، ويمنع ويعطي، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وليس لنا أن نعترض على الله تعالى، بل نؤمن بذلك كله ونقول: لا نعلم الحكمة في ذلك ولا نعلم السر في ذلك، فالقدر سر الله في خلقه، هذا من ناحية خلقه الأشياء النافعة والضارة معاً.

стр. 402

خلق الخير والشر دليل على كمال القدرة ولكن لا ينسب الشر إلى الله ولا شك أن خلق الخير والشر، وخلق النفع والضر المتضادين، دليل على كمال القدرة، فإننا إذا رأينا أنه فرق بين الأخوين: هذا غني وهذا فقير، هذا سليم وهذا مريض، هذا سعيد وهذا شقي، هذا مهتد وهذا ضال؛ فلا شك أن هذا يدل على كمال التصرف، وأنه تصرف في خلقه كيفما شاء، وذلك دليل كمال القدرة. فالظلمة ضدها النور، والليل ضده النهار، وكذلك المزدوجات كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] يعني: ذكراً وأنثى، فهكذا أيضا المتضادات: الصحة والمرض ضدان، والخير والشر، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، الله تعالى هو الذي خلقها وقدرها، ولكن نعرف أن كل ما صدر عن الله تعالى فإنه بالنسبة إلى إيجاده هو خير، ولذلك ورد في حديث الاستفتاح: (لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك) . معلوم أن الله يقدر الأمراض، وهو الذي قدر الفقر والمصائب، وهو الذي يقدر العاهات على العباد ونحوها، ولكن هل يقال: إنها شر بالنسبة إلى الله؟ ليست شراً، بل هي لحكمة ومحض مصلحة، فهذا معنى قوله: (والشر ليس إليك) . وإذا تتبعت القرآن والأدلة تجد أن كل ما فيه شر ينسب إلى الإنسان وإن كان الله هو الذي أوجده وكونه وقدره، حكى الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٩-٨٠] لم يقل: وإذا أمرضني، مع أن الله تعالى هو الذي ينزل المرض ويقدره، ولكن لا يضاف إليه الشر المحض. وحكى الله عن مؤمني الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فالشر قالوا: أريد، والخير قالوا: (أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ) وذلك: حتى ينزه الله تعالى عن أن يصدر منه الشر المحض، وإن كان هو الذي قدر الشر، وخلقه وكونه، فإنه لا يكون في الوجود إلا ما يريد، فيعتقد العبد أن صدورها من الله تعالى خير ومحض مصلحة، وليس فيها أية ضرر بالنسبة إلى الله، ولو كان فيها كراهية للعباد وضرر عليهم حسياً، لكن ما خلقها وقدرها إلا لحكمة ومصلحة، فهي خير، فلا يضاف الشر إلى الله تعالى؛ هذا هو قول أهل السنة.

стр. 403

مذهب المعتزلة في أفعال العباد سمعنا أن طائفة المعتزلة أنكروا أن يكون الله تعالى يخلق أفعال العباد، وجعلوا العبد هو الذي يخلق فعله، وجعلوا العباد هم الذي يهدون أنفسهم، ويضلون أنفسهم، وكذبوا بالنصوص الواردة في مثل إضافة الأفعال إلى الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] . وكذلك قول النبي ﷺ في خطبة الحاجة: (من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ، أي: أن الله هو الذي هدى هذا وأقبل بقلبه إلى الخير، وأضل هذا وصرفه إلى الشر، وله المنة والنعمة على المهتدين، وهو العادل في صرف هؤلاء المعتدين الظالمين، ولكن ما عذبهم وهو ظالم لهم، ولو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أفضل من أعمالهم.

стр. 404

الرد على المعتزلة في المشيئة فعلى هذا نقول: إن الله تعالى هو الذي خلق أفعال العباد، ولو شاء لما فعلوها، فلو شاء لما ضل هذا ولما اهتدى هذا، فهو الذي من على هذا وهداه، وهو الذي أضل هذا وصرفه، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] . وقد حكى الله عن المشركين أنهم يتعلقون بعموم المشيئة، ولا متعلق لهم في ذلك، فإذا قال المشركون مثلا: ً ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] ، ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، نقول: حقاً أن الله لو شاء ما أشركتم، ولكنه سبحانه خذلكم عدلاً منه، ولم يقدر لكم الهداية؛ لكن أعطاكم قوة وأعطاكم اختياراً، وأعطاكم ميلاً صرتم به مائلين إلى أفعال الشر وإلى الكفر وإلى المعاصي، فميلكم هذا واختياركم -وإن كان مسبوقاً بقضاء الله وقدره- هو الذي تستحقون عليه العقوبة. فلذلك يقول أهل السنة: إن الله تعالى تغلب قدرته قدرة العباد، ولكن أعطانا قوة وأعطانا قدرة وأعطانا استطاعة نتمكن بها من مزاولة الأعمال، وقدرة الله ومشيئته غالبة على قدرة العبادة ومشيئتهم وإرادتهم، ولأجل ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ، ويقول النبي ﵊ في الدعاء المأثور: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) . المعتزلة ما اتسعت نفوسهم لهذا، فقالوا: إن قدرة العبد غلبت قدرة الله، وعلى قولهم يكون في الوجود ما لا يريد، فإنه أراد من الناس كلهم أن يؤمنوا، ولكن غلبت قدرة هؤلاء الكفار قدرة الله، فاختاروا الكفر، فكان في الكون من يخلق مع الله؛ لأنهم خلقوا أفعال العباد مستقلين بها، دون أن يكون لله تصرف بها ولا قدرة عليها، فكانوا بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار، كأنهم يقولون: لو أنه خلق فيهم ذلك وعذبهم لكان ظالماً لهم، إذ كيف يعذبهم وهو الذي خلق فيهم الكفر وخلق فيهم المعاصي وأقدرهم عليها. نقول: أنتم فررتم من شيء ووقعتم في شر منه، حيث جعلتم الله مغلوباً على أمره، حيث قلتم: إنه يعصى قسراً، وإن قدرتهم تغلب قدرته؛ تعالى الله عن ذلك.

стр. 405

المعتزلة مجوس هذه الأمة ولأجل ذلك الاعتقاد الذي هو قولهم: إن الله معه من يخلق، سموا مجوس هذه الأمة، لأن المجوس يجعلون الأمر صادراً عن خالقين: النور والظلمة، فالنور هو الذي يخلق الخير والظلمة هي التي تخلق الشر، والقدرية الذين ينكرون قدرة الله يجعلون العباد يخلقون أفعالهم مستقلين بها، ولا يجعلون لله قدرة على الهداية ولا على الإضلال. وبكل حال فعقيدة أهل السنة أن لله تعالى قدرة تغلب قدرة العباد، ولكن يثيب العباد ويعاقبهم على ما أوجد فيهم من القدرة والاستطاعة التي يتمكنون بها من مزاولة الأعمال، فثواب العباد وعقابه على طاعته، كما في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] ، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] . فما دام أنهم أضيفت إليهم الأعمال، فلا بد أن لهم استطاعة ولهم قدرة يتمكنون بها من إيجاد الإيمان والكفر، وإيجاد الطاعات والمعاصي، ولكن كل ذلك مسبوق بقدرة الخالق تعالى وباختياره وبقهره، ولو شاء لما حصل ذلك الإثم. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، فله الحجة على خلقه، فهو الذي يقدر على أن يعطي هذا الهداية منا منه وكرماً، ويخذل هذا. وهذا بحث واسع يتعلق بالقضاء والقدر، وقد أطال فيه العلماء حتى يبطلوا شبهة طائفتين: طائفة غلت في الإثبات، وطائفة غلت في النفي. فالذين غلوا في النفي نفوا قدرة الله، وهؤلاء يسمون قدرية، وهم نفاة القدر، وهم عموم المعتزلة. والذين غلوا في الإثبات يسمون المجبرة أو الجبرية، فإنهم غلوا في الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره وجعلوه كشجرة تحركها الرياح ليس له أي اختيار، وجعلوا تعذيبهم على المعاصي ظلماً من الله لهم، تعالى الله عن قولهم! وتوسط أهل السنة والجماعة وجعلوا للعبد قدرة وإرادة، والله خالقه وخالق قدرته وإرادته، وجعلوا العباد فاعلين حقيقة تضاف إليهم أعمالهم، فالعبد المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم تسند إليه هذه الأعمال، وإن كانت بقضاء الله وقدره وبخلقه وبإرداته، حيث لا يخرج شيء عن إرادة الله تعالى.

стр. 406

قصتان لمجوسي وأعرابي مع المعتزلة قال المؤلف: [وروى عمر بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم! قال المجوسي: حتى يريد الله فقال القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد! قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي! وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما!!. ووقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال: يا هؤلاء! إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها عليّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت فارددها عليه! فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك! قال: ولم؟ قال: أخاف -كما أراد أن لا تسرق فسرقت- أن يريد ردها فلا ترد! وقال رجل لـ أبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم عذبني؛ أيكون منصفاً؟ فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئا هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء. وأما الأدلة من الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] . ومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا: فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية؛ فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] . في هذه القصص التي سمعنا ما يبطل قول المعتزلة، ففي القصة الأولى مجوسي وقدري، والمجوس معلوم أنهم يجعلون الكون صادراً عن خالقين: خالق للخير وخالق للشر، وهذا المجوسي باق على مجوسيته، فهذا القدري دعاه إلى الإسلام، فقال المجوسي: لا أسلم حتى يريد الله أن أسلم، فقال ذلك القدري: الله يريد الإسلام منك، ولكن الشيطان هو الذي يريد منك الكفر، فتعجب ذلك المجوسي، وقال: هذا شيطان قوي، وقوة الشيطان غلبت قوة الله! فالله أراد أن أؤمن والشيطان أراد أن أكفر، فغلبت إرادة الشيطان إرادة الله. فخصم ذلك المعتزلي، ولو أنه قال: إن الله تعالى أراد كل شيء، فأراد منك الإيمان وأحبه منك، ولكن جعل لك قدرة وميلاً واستطاعة تزاول بها العمل، لكان ذلك أقرب أن يتقبل، فهذه لا شك أنها دالة على أن المعتزلة متذبذبين في شبهاتهم وفي حججهم. أما القصة الثانية فهي قصة صاحب البعير مع المعتزلي، وهذا من أول من أظهر الاعتزال، فأول من أظهر الاعتزال في عهد السلف هو واصل بن عطاء، وتبعه عمرو بن عبيد، فلما دعا الله ذلك المعتزلي بقوله: اللهم إنك لم ترد أن يسرق البعير فاردده، فطن الأعرابي وقال: الله أراد ألا يسرق فسرق، إذاً: لو أراد أن يرده لم يقدر، فلا حاجة لي بدعائك. الله تعالى هو الذي يريد كل شيء ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولكنه يقدر هذه الأشياء كما يشاء. وبكل حال فالأدلة واضحة الدلالة في أن مشيئة الله تعالى وقدرته عامة، وأنه لا يكون في الوجود إلا ما يريد، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ، أي: مشيئتكم التي تزاولون بها الأعمال مرتبطة بمشيئة الله. وقوله: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ؛ فإضلاله لهؤلاء عدل منه، ولكنه معلوم أنه مكنهم من الأعمال، فزاولوا الأعمال السيئة من الكفر والذنوب، فعذبوا على تلك المزاولة التي صاروا بها كفاراً مقدمين للكفر ومقدمين للمعاصي، وهدى المؤمنين وأقبل بقلوبهم ومكنهم وأعطاهم قدرة يزاولون بها الطاعات والإيمان، فصاروا بذلك مؤمنين مطيعين، فعذب هؤلاء على معاصيهم وكفرهم وإن كان بقضاء وقدر، وأثيب هؤلاء على إيمانهم وطاعتهم وإن كان بقضاء وبقدر.

стр. 407

شرح العقيدة الطحاوية [٢٩] لقد ضل في باب القدر طائفتان وهما الجبرية والقدرية، ومنشأ ضلالهم من التسوية بين المشيئة الكونية والإرادة الشرعية، وقد نشأت لهم من ذلك تساؤلات وأوهام قد توصل بعضهم إلى الانحلال من التكاليف، وقد أجاب السلف عن تلك الشبهات ودمغوها بالكتاب والسنة.

стр. 408

مراتب القدر من أركان الإيمان بالله: الإيمان بقضائه وقدره، فهو ركن من أركان الإيمان الستة، ذكره النبي ﷺ بقوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، وذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وبقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] .

стр. 409

العلم والكتابة والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: أولاً: العلم، وثانياً: الكتابة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ، هذا دليل على العلم، ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ، هذا دليل على الكتابة. كذلك قول النبي ﷺ : (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) أي: أنه تعالى علم ما سوف يحدث من أول الدنيا إلى آخرها، وأثبت ذلك، وليس في ذلك صعوبة على الله، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] يعني: علمه وكتابته للأشياء قبل وقوعها يسير عليه ليس فيه صعوبة؛ لأنه هو الذي أوجد الكائنات، فلا يكون في الوجود إلا ما يريد، وحيث إنها تكون بإرادته ، فإنها كذلك كائنة بعد خلقه وبعد إيجاده لها، فهو علمها قبل أن توجد وأثبتها في اللوح المحفوظ كما أخبر بذلك. وقد كان غلاة القدرية قديماً ينكرون هذا النوع ويقولون: إن الله لا يعلم بالأشياء حتى تقع، وبعضهم يقول: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، بمعنى: أنه لا يعلم مفردات الأشياء وإن كان يعلم عموماتها، وقد ورد في حديث: (أن ثلاثة من أهل مكة اجتمعوا في مكان فقال بعضهم: أترون أن الله يسمع ما نقول، فقال الثاني: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا، وقال الثالث مستنكراً: إن كان يسمع جهرنا فإنه يسمع سرنا، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٢-٢٣]-يعني: أهلككم- ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣] ) فهكذا ظن هؤلاء الذين يظنون أن الله لا يعلم أعمالهم، أو أنه يخفى عليه شيء من أحوالهم، أو أنهم يكونون في مكان أو موضع لا يراهم ربهم أو نحو ذلك. وفائدة العبد إذا آمن بأن الله عالم بسره وعالم بنجواه، وعالم بأحواله، وعالم بما هو عامل، وإذا علم وآمن بأنه قد كتب أعماله قبل أن يوجده، وقد كتب ما هو كائن، ويعلم ما توسوس به نفسه، ويتحدث به قلبه؛ لا شك أن فائدة ذلك أنه يخاف الله حق الخوف، فإن من علم أن أعماله محصاة عليه، وعلم أنها مكتوبة لا تضيع؛ دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، وأنه سوف يحاسب عليها، وأنه سيوقف عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ؛ فإنه سيخاف الله. فهذه درجة من درجات القدر، وهي الإيمان بأن الله عالم بالأعمال وبالمخلوقات، وعالم بعددها، وكتب ذلك وأثبته قبل أن توجد المخلوقات بأسرها، وأنه لا يحدث إلا ما علم الله أنه سوف يحدث، في الوقت الذي قدر أنه يحدث فيه دون تقدم أو تأخر.

стр. 410

الإرادة والخلق وأما الدرجة الثانية فهي الإيمان بإرادة الله تعالى وبخلقه، هذه الدرجة تتضمن أن الله أراد ما في الكون وخلقه. والإرادة عامة لا يكون شيء في الوجود خارجاً عنها، وهي الإرادة الكونية القدرية التي بمعنى المشيئة، فلهذا يقول المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يكون في الوجود حركة إلا بإرادة الله ومشيئته، ولا يكون لإنسان حول إلا بإذن الله، ولا يكون له قوة ولا قدرة ولا استطاعة على أمر من الأمور إلا بالله تعالى، فما شاءه كان وإن لم يشأ العباد، وما شاءه العباد لا يكون إذا لم يشأ الله كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أبيات له: فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن فيؤمن العبد بأن ما شاء الله كان وإن لم يشأ الخلق، وما لم يشأ الله لم يكن وإن شاء الخلق، ومصداق ذلك في قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعون بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، ومع ذلك فإنا إذا آمنّا بكتابة هذه المخلوقات وبإيجاد الله لها، لم يكن ذلك عذراً لنا في ترك الأعمال، بل يزيدنا ذلك نشاطاً في العمل وجداً واجتهاداً، وما ذاك إلا أننا خلقنا للعمل، وأعطينا من القوة ما نستطيع به مزاولة الأعمال. فهذا هو الجمع بين كون الله تعالى خالق ما في الوجود، وأنه يريد ما في الكون، وبين كونه أراد من العباد أفعالهم التي هي الطاعة والإيمان، أراد ذلك ديناً وشرعاً وأمرهم بما هم قادرون على امتثاله، وأعطاهم من القوة ما يزاولون به تلك الأعمال وما يصح أن تنسب إليهم، ويثابون عليها ويعاقبون عليها، فعلى هذا يجتمع إيمان أهل السنة بما ذكرنا، ويكون هذا من السر الذي لا يعلم كيفيته إلا الله، كما تقدم لنا أن القدر سر الله تعالى في خلقه.

стр. 411

التسوية بين المشيئة والمحبة هي منشأ الضلال في القدر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين: المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا: فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها. وأما نصوص المحبة والرضا فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ، وقال تعالى عقب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] . وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، وفي المسند: (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) ، وكان من دعائه ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) . فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، فالأول للصفة والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره؛ فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي هي بمشيئتك أيضاً، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، فعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك. فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته] .

стр. 412

الفرق بين المشيئة والإرادة يقول: إن الذين ضلوا في هذا الباب سووا بين المشيئة والإرادة، والصحيح أن بينهما فرقاً: فإن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة قدرية. فالإرادة القدرية هي بمعنى المشيئة، والإرادة الشرعية بمعنى المحبة، فالله تعالى أراد الطاعات شرعاً وأحبها، وأراد المعاصي كوناً وكرهها ولم يحبها، ولكنه قدرها وأرادها وشاءها، ولو لم يشأها لم تكن، ولكنه ما رضيها ولا أحبها، بل كرهها وتوعد عليها ولو كانت بمشيئته وبقدرته وبإرادته الكونية حتى لا يكون في الوجود ما لا يريد، وحتى لا يعصى ربنا قسراً عليه. فنعرف بذلك أن هناك فرقاً بين المشيئة والإرادة، أي: الإرادة الشرعية، فالإرادة الشرعية هي كونه تعالى يريد الطاعات، يعني: شرعها وأرادها وأحبها. وقد ذكر الله هذه الإرادة في مواضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فهذه إرادة شرعية، وكذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٢٦] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ، فهذه الإرادات شرعية. نقول: إن الله تعالى أراد الطاعات شرعاً، فأراد من الخلق كلهم الإيمان شرعاً، وأراد منهم الطاعات، فأراد منهم أن يصلوا، وأراد منهم الصيام، والصدقات، والزكوات، والجهاد، والحج، والعمرة، والذكر، والقراءة، والبر والتقوى، أراد هذا منهم شرعاً، وأحب هذه الطاعات، وأراد منهم ترك المعاصي شرعاً، وكره منهم تلك المعاصي؛ فهذه إرادة شرعية وهي تستلزم المحبة للمراد. فإذا شرع الله شيئاً وأراده شرعاً فإنه يحبه ولو لم يكن، فيحب الإيمان من الخلق كلهم ولو لم يحصل إلا من بعضهم، ويحب الصلوات من الناس كلهم ولو أن بعضهم ما حصلت منه الصلاة، ويحب الصوم، ويحب الصدقات، ويحب الجهاد، ويحب التوبة، ويحب الاستغفار، ويحب الأذكار، ويحب التلاوة، يحب ذلك منهم وقد أراده شرعاً، ولكنه لم يحصل إلا من البعض وهم المسلمون المؤمنون. فهذه إرادة شرعية، وهي التي ذكرنا أن الله تعالى يحب ما يترتب عليها، ولكنها لا تستلزم وجود المراد، فقد يريد شرعاً أمراً ولكنه لا يحصل لكونه ما أراده قدراً، فمثلاً: أراد من الكفار الإيمان شرعاً ولم يرده قدراً، فلذلك لم يحصل، وأراد من العصاة أن يطيعوه ولكنه لم يرده قدراً ولم يشأه، فلذلك لم يحصل، هذا معنى الإرادة الشرعية. أما الإرادة الكونية: فهي التي لا بد أن يقع مرادها، وقد ذكرت في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، فهذه إرادة كونية، أي: مكتوبة في الكون وفي الأزل، وهي القدرية، وهي التي يقع المراد بها، وإن لم يكن محبوباً، فليس كل ما يريده الله من هذه الكائنات يكون محبوباً، فلذلك نقول: إنه أراد المعاصي كوناً ولكنه لا يحبها، وأراد الكفر كوناً ولكنه لا يحبه ولم يرده شرعاً، ومع ذلك لو لم يشأه لما حصل، فإنه لا يكون في الوجود إلا ما يريد ولمّا لم يحبه ولم يأمر به شرعاً بل كرهه، كان مترتباً عليه العقاب!

стр. 413

القدرية والجبرية لا يثبتون إلا الإرادة الكونية هذا هو المراد بكونه سبحانه لا يكون في الوجود إلا ما يريد؛ ولكن غلا في هذه الإرادة قوم ونفاها قوم، وتقابل الطرفان والطائفتان، فطائفة جبرية جعلوا كل الموجودات مخلوقة لله ولم يجعلوا للإنسان أي تصرف، بل جعلوه مجبوراً ليس له أي اختيار، وقالوا: إن عقوبته على المعاصي ظلم، حيث إنه مقسور ومجبور عليها؛ فهذه الطائفة هم الجبرية. والطائفة الثانية التي قابلتهم: هم نفاة القدر أو نفاة قدرة الله، وهم الذي يقولون: ننزه الله عن الظلم فنقول: إنه لو خلق هذه المعاصي وعاقب عليها لكان ظالماً، فهذه الطائفة غلت في النفي فقالت: إن أعمال العباد ومعاصيهم وطاعاتهم ليست من خلق الله، بل من خلقهم ومن إيجادهم، وإن العباد هم الذي يوجدون أفعالهم، فهذه الطائفة غلت في النفي، وجعلت الإنسان يخلق فعله، ونفت أن يكون لله أي قدرة على أفعال العبد، وزعموا بذلك أنهم أهل العدل والتوحيد. وكلا الطائفتين ضال؛ فالطائفة الأولى جعلت القدر عذراً للعصاة، حيث إنهم يقولون: كيف يخلقنا ويخلق فينا المعاصي ثم يعاقبنا عليها؟ والطائفة الثانية: جعلت مع الله من يخلق، وجعلت كل إنسان خالقاً مستقلاً بأفعاله، وكذبت الأدلة التي تثبت أن الأمر بيد الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

стр. 414

مذهب أهل الحق في خلق أفعال العباد وتوسط أهل الحق وقالوا: إن الكائنات حاصلة بقدرة الله كلها طاعات ومعاصي، ولكن تنسب إلى العبد من حيث إن الله أعطى العبد قدرة يزاول بها الأعمال ويصح نسبتها إليه؛ ولأجل ذلك يقولون: إن العباد فاعلون حقيقة والله خالقهم وخالق أفعالهم، فالعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم؛ تنسب أعماله إليه وإن كانت بقضاء الله تعالى وبقدره، وبإرداته الكونية، وبمشيئته التي حصلت بإرادة الله، ولكنها تنسب إلى العبد. ولو سلبنا العبد هذه القدرة لبطلت الشريعة، وفي بطلان الشريعة بطلان الحكمة من إرسال الرسل ومن إنزال الكتب، ومن الأوامر والنواهي، ومن خلق الثواب والعقاب، والله تعالى منزه عن ذلك. فلو لم يكن للعباد قدرة على مزاولة أعمالهم لما أمروا؛ ولأجل ذلك تتوجه إليهم الإرشادات فيقول الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [التوبة:١٠٥] ، فأخبر بأنهم لهم أعمال، ولو لم يكن لهم قدرة لما أمروا، ولكن الله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم، وقدرتهم مسبوقة بقدرة الله. أما أدلة الرضا فقد مر بنا الآيات والأحاديث في إثبات أن الله تعالى يرضى ويسخط، وللرضا والسخط أسباب ذكر في هذه الآيات بعضها، فتارة يثبته وتارة ينفيه، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] ، فأخبر بأنه لا يرضى الكفر، ومعناه أنه يكرهه، وأخبر بأنه يرضى بالشكر ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] ، وأضاف هنا الكفر إليهم؛ لأنه الذي صدر بأفعالهم وإن كانت مقدرة، والشكر إليه تشكره، وهكذا الحديث: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط ثلاثاً) ، فأثبت الرضا وأثبت السخط، وأثبت الكراهية: (وكره لكم ثلاثاً) ، أثبت أن هذه المعاصي يكرهها الله. ومعلوم أنه نهى العباد، وما نهاهم إلا ولهم قدرة على الانتهاء، وعلى أن ينزجروا ويتركوا الأعمال السيئة التي منها الكفر. والحاصل: أن من عقيدة أهل السنة إثبات أن الله يرضى ويسخط ويحب ويكره، وأن الأعمال التي يحبها قد أمر بها عباده، وما أمرهم إلا وهم قادرون، وأن الأعمال التي نهى عنها يسخطها ويكرهها، ولا ينهاهم إلا عن شيء يقدرون على فعله، فإن العاجز لا يُنهى عما يعجز عن فعله، فلا يقال مثلاً للإنسان: لا تحي الموتى؛ لأنه عاجز عن إحيائهم فلا ينهى عنه، ولا يقال له: لا تصعد إلى السماء؛ لأنه عاجز عن أن يصل إلى السماء، ولا يقال له مثلا: ً لا تخرق الأرض؛ لأنه عاجز عن أن يخرقها، بخلاف ما إذا قيل له: لا تقتل النفس التي حرم الله، فإنه في إمكانه أن يقتل، وكذلك: لا تزن أو لا تأكل الحرام فلا ينهى إلا عن شيء هو قادر على أن يفعله. وهكذا أيضاً الأفعال: لا يؤمر بشيء مستحيل، فلا يقال له مثلاً: رد أمس، ولا يقال له: اقلب الحجر ذهباً، فلا يؤمر بشيء لا يستطيعه، بخلاف ما يستطيعه، فيقال له مثلاً: احمل هذا الكرسي أو: انقل هذا المصحف من مكان إلى مكان، أو يقال له: قم واركع ركعتين، لأن هذه في استطاعته، فيؤمر بما يستطيع وينهى عما هو ممكن أن يفعل، ولا يؤمر بالمستحيل أن يفعله ولا ينهى عن الشيء الذي يستحيل فعله.

стр. 415

حكمة الله في خلقه ومشيئته لما يكرهه ولا يرضاه قال المؤلف: [فإن قيل: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكونه؟ وكيف يجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقاً وتباينت طرقهم وأقوالهم، فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً للمريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده؛ فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفى عليه خافية، فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره وكونه سبباً إلى أمر هو أحب إليه من فوته، من ذلك: أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب ﵎، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى تترتب على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها: منها: أنه تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذا الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر، في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا! كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر. وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض، وجعلها محال تصرفه وتدبيره، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل؛ فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء] .

стр. 416

ابتلاء المؤمنين بمجاهدة الشرور وبغض أهلها نعم هذا الاعتراض كثيراً ما يردده العصاة ويقولون إذا نصحناهم عن المعصية: إن الله ما هدانا، إن الله قدر هذا علينا، لو أنه هدانا لما خرجنا عن الطاعة، نتوقف حتى يهدينا الله، فيستمرون في المعاصي ويحتجون بمثل هذه الحجج. ويقول بعضهم: كيف يقدر علينا أن نكفر أو نفسق أو نعصي، ثم مع ذلك يعاقبنا ويعذبنا، لو كان يعذب على ذلك ما قدره ولا أوجده ولا أراده كوناً وقدراً! فدائماً يحتجون بهذه الأمور المقدرة، ونقول: صحيح أن الله أرادها كوناً وأنه قدرها، وأنه لو شاء لما حصلت، ولكن لا يلزم من إرادته لبعضها أنه يحبها، فهو أراد الكفر كوناً وهو يكرهه ويكره أهله شرعاً، وأراد الطاعات وهو يحبها وإن لم تحصل من البعض، فالكائنات التي أرادها وقدرها وخلقها حتى ولو كانت كفراً ومعصية وبدعة ونحو ذلك، ولكن هذه الإرادة لغرض خفي، قد لا نتفطن له. وفي كلام الشارح أن المرادات إما أن تكون مرادة لنفسها وإما أن تكون مرادة لغيرها، فالإيمان، الطاعة، السنن، الصالحات، الحسنات، وسائر الطاعات مرادة لنفسها، أرادها الله من المؤمنين وحصلت لأنه يحبها، وأما المعاصي فإنه أرادها ولكن لغيرها ولم يردها لذاتها، وإنما أرادها لمصلحة قد تظهر وقد تخفى على البعض. وقد ذكر الشارح بعض الحكم في إيجاد هذه المخلوقات الشريرة، وكذلك في إيجاد المعاصي وإرادة المعاصي، وتقدير الكفر والبدع وفشوها وانتشارها وما أشبه ذلك، فمن ذلك أنه شاء هذه الأشياء كوناً وقدرها حتى يمتحن ويبتلي عباده المؤمنين بمجاهدتها وببغضها وببغض أهلها، وبمعرفة ما يجب عليهم نحوها، فلو كان الناس كلهم مؤمنين ما حصل بغض في الله، ولو كان الناس كلهم مؤمنين ما حصل جهاد في سبيل الله، ولو كان الناس كلهم مؤمنين ما حصل البراء، وهو أن نتبرأ من الكفار ونحوهم.

стр. 417

إظهار كمال قدرة الله تعالى ثم أيضاً من حكمة الله في إيجاد هذا الكفر إظهار قدرة الله، فالله تعالى قد أظهر قدرته العامة ووجدت آثارها، فمن آثارها عقوبات العصاة وما أنزل بهم من المثلات، ولو كان الناس كلهم مؤمنين ما أغرق هؤلاء، ولا أهلك هؤلاء بصيحة، ولا أرسل على هؤلاء الريح العقيم، ولا أهلك هؤلاء بعذاب يوم الظلة، ولا كذا ولا كذا. فمن حكمة الله في إيجاد ذلك أن تعرف قدرة الله، حيث إنه ينتقم ممن عصاه ويعاقبه ويعجل له العذاب في الدنيا، ليكون ذلك دليلاً على العذاب في الآخرة، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لما كان في الآخرة إلا دار واحدة وهي الجنة، ولكنه تعالى قدر في الدنيا معاصي حتى يكون للدار الآخرة نصيب، فإنه خلق الجنة والنار، وهما صنوان، كما خلق في الدنيا الخير والشر، والإيمان والكفر، وكذلك سائر المتضادات، فجعل في الدنيا أضداداً وأزواجاً، وكل واحد مضاد للآخر، فمثلا الليل يقابله النهار، والنور تقابله الظلمة، والخير يقابله الشر، والذكر يقابله الأنثى، والبياض يقابله السواد مثلاً. كذلك الطاعة مع المعصية، والكفر مع الإيمان، والعقوبة مع الثواب، والوعد مع الوعيد، فخلق الضدين دليل على كمال القدرة، فإذا رأى العبد خلق المتضادات آمن بكمال قدرة القادر حيث خلق هذه الأشياء. ثم مع ذلك نحن نؤمن بأنه ما خلق شيئاً إلا وله فيه حكمة، ولا يجوز أن نعترض على الله بخلقه لشيء من مخلوقاته. سمعت أو قرأت حكاية أن إنساناً رأى دابة الخنفساء فقال: لماذا خلق الله هذه الخنفسة التي لا فائدة فيها، وليس لها خلق جميل أو نحو ذلك؟ فاعترض على الله في خلقها، فابتلي بقرحة خرجت فيه، ولم يوجد لها علاج إلا خنفساء أحرقت وذر عليها رمادها فبرأ، فعرف بذلك أن الله ما خلق شيئاً إلا وله حكمة في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ليس الله من خلق السباع، ليس الله من خلق هذه الحيات، ولا هذه الهوام التي ليس فيها إلا مضرة على العباد. نقول: إنه خلقها لتعلم بذلك قدرته، ويعلم أنه قادر على خلق الأضداد، وليكون ذلك أيضاً آية من آياته: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فهذه المخلوقات كبيرها وصغيرها دالة على كمال قدرته، إذا تأملها الإنسان عرف بذلك كمال قدرة القادر، مع أن مخلوقاته لا تحصى دواب البر من طيور ومن دواب تدب على الأرض لا يحصيها إلا الله تعالى، وفي خلقها عجائب من عجائب الله. دواب البحر مع كثرتها وتفاوتها وما أشبه ذلك؛ فيها عجائب من قدرة الله تعالى، فخلقها ليس عبثاً، حتى البعوضة والنملة والذرة ونحو ذلك من الدواب الصغيرة خلقها وله في ذلك حكمة , ولو كان على الناس مضرة من هذه السباع التي تأكل دوابهم، أو من هذه الحيات والهوام ونحوها، أو من هذا الذباب الذي يقع على طعامهم أو عليهم، أو من هذا البعوض الذي يقرصهم أو نحو ذلك، فإن الله تعالى حكيم. وأيضاً فإنه له الحكمة حتى فيما يجلبه من الأمراض ونحوها، فهذه الأمراض التي يسلطها على من يشاء لا يجوز أيضاً أن يعترض على الله بها، ولا يقال: ليس الله من خلق الحمى ولا من خلق المرض، بل الله له الحكمة في خلقه وفي أمره. وبكل حال: فإن هذه الأشياء مرادة، ولكن لأجل الحكمة ولأجل إظهار القدرة وكمالها. فيقال أيضاً: كذلك في الحكمة في خلق إبليس، والحكمة في خلق أعوان إبليس الذي هو مادة الشر ونحوه، والحكمة من خلق الكفار وانتشارهم، وكذلك في تقويتهم وإمدادهم بالقوات وبالذخائر ونحو ذلك، والحكمة مثلاً في تمكينهم من الأعمال التي عملوها، ومن تسليطهم أحياناً على المؤمنين؛ لا شك أن الله تعالى له الحكمة في ذلك، فلا يعترض على الله، بل يؤمن العبد بأنه هو القادر على كل شيء، وأن ذلك دليل على كمال قدرته وتمام تصرفه.

стр. 418

ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة قال المؤلف: [ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر. ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت؛ فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها] . يعني: من الحكمة في أنه أوجد المعاصي والطاعات، وأوجد في الدنيا عصاة ومطيعين، وأوجد أسباباً يتمكن بها البعض من مزاولة المعاصي أو تكون سبباً لانتشار بعضها، وبعضها تكون سبباً في الطاعات ونحوها، ويطول البحث فيها. فمثلاً: العصاة أسباب معاصيهم كثيرة، فمنها الشهوات التي تتزين لهم، ومنها الدنيا التي تبسط على كثير منهم فيتمادون في المعصية، ومنها الهوى الذي يميل بكثير منهم، ومنها دعاة الضلال الذين يدعون إلى الباطل ويزينونه، ومنها وساوس الشيطان التي هي سبب للضلال والكفران ونحو ذلك. كذلك أيضا أسباب الطاعة التي منها إرسال الرسل ودعاتهم، ومنها قراءة كتب الله، وما يكون بها من الاهتداء، ومنها دعوة المؤمنين إخوانهم إلى الله وترغيبهم في الخير وتعليمهم إياه، وذكر الطرق التي يتوصلون بها إلى الطاعات ونحو ذلك، فوجد في الحياة الدنيا طاعات ومعاص، ووجد فيها كفر وإيمان، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لما ظهرت آثار أسماء الله. فمن أسماء الله العزيز، الجبار، المنتقم، شديد العقاب، هذه الأسماء لو لم يكن هناك من يُعاقَب لم يظهر أثر اسم الله شديد العقاب، فلو كان الناس كلهم مطيعين ما حصل أنه ينتقم من العاصي ولا حصل أنه يعاقب الباغي، فهذه من أسماء الله الحسنى، والتي تدل على كماله، فمن حكمة الله في إيجاد المعاصي ظهور آثار هذه الأسماء. من أسماء الله: الرءوف، الرحيم، المعطي، المتفضل، ولو كان الناس كلهم على الإيمان الكامل ما حصل أنه رحم هؤلاء وعفا عن هؤلاء، وغفر لهؤلاء وتاب على هؤلاء؛ فإنه ليس هناك معاص ليتوب هذا منها، ولا يستغفر هذا منها فيغفر له، ونحو ذلك كما في الحديث: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) ، ولو كان الناس كلهم مطيعين ما حصلت آثار ذلك. كذلك أيضاً من أسمائه الحكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فلو كان الناس كلهم مطيعين ما حصلت آثار الحكمة، فمن حكمته أنه يعاقب هذا عقوبة في موضعها، ومن حكمته أنه يثيب هذا، من حكمته أن يعطي هذا ويمنع هذا، ويرفع هذا ويخفض هذا، ويعز هذا ويذل هذا، ونحو ذلك، فلا بد أن تظهر آثار هذه الأسماء، فقدر الله وجود هذه المعاصي حتى تظهر آثار هذه الأسماء التي هي من أسماء الله تعالى الحسنى. هذا الكلام ونحوه استنبطه العلماء من وجود الطاعات والمعاصي، وكون الناس كلهم ليسوا على إيمان ولا على كفر، بل فيهم مؤمن وكافر، ومطيع وعاص، فقالوا: إن آثار هذه إنما ظهرت بوجود من يتوب الله عليهم بعد أن كانوا عصاة فالله هو التواب، ويقبل توبة عبده ويفرح بها. كذلك هؤلاء يستغفرون فيغفر لهم، والله تعالى غفور رحيم، وهؤلاء يرحمهم ويتجاوز عنهم، والله غفور رحيم، وغير ذلك من الحكم في أسماء الله تعالى.

стр. 419

الشرور المرادة لله نظراً لما تفضي إليه من الحكمة هل تكون محبوبة له من هذا الوجه ؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ فهذا سؤال فاسد! وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب. فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم؛ فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال قالوا يرد على وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محباً لها من جهة إفضائها إلى محبوبه وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد وهو أنه هل يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة أيضاً؟ فهذا سؤال له شأن.

стр. 420

الشر يرجع إلى عدم الخير وهو من هذه الجهة شر لا من جهة وجوده المحض فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني: عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه؛ مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة خير، وإنما تكون شراً بالإضافة لا من حيث هي حركة. والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شراً، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية، ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيراً في نفسها وإن كانت شراً بالنسبة إلى المحل الذي حلت به، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها، وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه. فإنه سبحانه لم يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه والاعتبارات، فإن حكمته تأبى ذلك، فلا يمكن في جناب الحق تعالى أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما؛ هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شراً فتأمله! فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً. فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير] .

стр. 421

كل ما أوجده الله فهو خير بالنسبة إليه تعالى هذا الاعتراض الذي يعترض به بعض غلاة القدرية على خلق الله تعالى للشرور وللأشرار، قد يعترض بذلك فيقال: لماذا خلق الله إبليس مع أنه كله شر؟! ولماذا خلق الله الكفرة والمشركين الذين ليس فيهم خير، بل هم شر وجودهم ضرر على المسلمين؟! ولماذا خلق الله أو أوجد هذه المعاصي والأسباب التي يستعان بها عليها؟ لماذا وجدت المسكرات مثلاً وما يتصل بها؟! ولماذا وجدت العاهرات والفاسقات؟! ولماذا وجد المفسدون الذي يعيثون في الأرض فساداً؟! ولماذا وجدت المعاصي؟! قد يعترضون ويقولون: هذا شر، فكيف أوجده الله وكيف أراده وكيف خلقه، مع أنه لا يحصل به إلا شر وضرر على الأمم الدينية، فيتضررون بوجود هؤلاء الكفار حيث إنهم يصدونهم عن الهدى، ويحاولون ردهم إلى الكفر وإخراجهم من ملة الإسلام، ويلقون عليهم الشبهات والشكوك، ويظهرون الفساد والمعاصي ونحو ذلك، فلماذا أوجدوا ولماذا خلقهم الله، ولماذا مكنهم الله؟! أليس في هذا إعانة على المعاصي؟ أليس في هذا تمكين للعصاة وتقوية لشأنهم؟ هذا خلاصة هذا الاعتراض على حكم الله . وقد تقدم أنه سبحانه خلق الجنة والنار، فمن حكمته أن جعل داراً للثواب وداراً للعقاب، فلا بد أن لهذه من يسكنها ولهذه من يدخلها، حكمة الله لا بد أن تتم لذلك، فلما كان كذلك لم يكن بد من أن يكون الخلق فريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] . وتقدم أن من أسماء الله تعالى الذي سمى بها نفسه وامتدح بها، أسماء تدل على مثل هذه الأفعال، كاسمه المنتقم، واسمه الجبار، واسمه العزيز، وذي القوة المتين، وكذلك أسماؤه المزدوجة مثل: الخافض الرافع، المعز المذل، المعطي المانع، فلا بد أن تظهر مدلولات هذه الأسماء، ولا تظهر إلا إذا وجد من يذلهم الله ومن يمنعهم ومن يخفضهم. ولا بد أن يوجد من يقهرهم باسمه القهار، ومن يقدر على عقوبتهم بموجب اسمه القادر، ومن يرحمهم ويغفر لهم بموجب اسمه الغفور الرحيم، ولو كان الناس كلهم أتقياء بررة لم تظهر آثار أسمائه: الغفور الرحيم، وهكذا بقية أسماء الله . بعد ذلك الجواب عن هذا الاعتراض، والجواب أن نقول: كل ما أوجده الله وأراده فإنه خير بالنسبة إلى الله تعالى وإن كان شراً بالنسبة إلى العبد الذي صدر منه ذلك الشر، وذلك لأن الله تعالى ما أوجده إلا لمصلحة، وهي الاختبار والابتلاء للعباد، ولكي يظهر من يصبر ومن يجزع، ومن يطيع ومن يعصي، ويظهر من يمتثل ومن يأبى، ولكي يظهر من يكون صالحاً أو يكون فاسداً. هذا من اختبار الله لعباده، فهو سلط عليهم هؤلاء الأعداء، فسلط عليهم إبليس الرجيم حتى يكون منهم مقاومة وشدة تمسك رغم ما يلقيه من الدعوات إلى الفساد وإلى المعاصي، فيثابون ويزداد ثوابهم إذا تمسكوا، كذلك سلط عليهم الشهوات التي تدفعهم إلى المحرمات، وأظهرها أمامهم فتنة، فيثبت الله أولياءه ويخذل أعداءه، فالذي يستمسك بالدين ويصبر عليه هو الذي يعظم ثوابه، وهذا أيضاً يصدق على المصائب التي تحصل للعباد، وقد يكون حصولها للأتقياء أكثر من حصولها للفسقة ونحوهم، فالمصائب التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٥٥] ، هذه قد يكون الابتلاء بها للمؤمنين أشد. الكفار قد يمتعون بالقوة ويمتعون بالأموال ونحو ذلك، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ:٣٥] ، فهذا الابتلاء الذي يبتلي الله تعالى به المؤمنين ليكون أعظم لأجرهم إذا صبروا واحتسبوا، فهكذا خلقه لهذه الشرور ليكون أعظم للأجر، فإذا عرف العبد أنه قد سلط عليه الأعداء فصبر عد مجاهداً غاية الجهاد، فهو يجاهد الشيطان الرجيم الذي يسول له ويوسوس له، وهو يجاهد النفس الأمارة بالسوء التي تتخيل له دائماً وتدفعه، وهو يجاهد الهوى الذي يعمي ويصم، وهو يجاهد الشهوات التي تتجلى له وتندفع نفسه إليها وتتزين له، ولكنه يمسك نفسه ويقمعها، فيعتبر بذلك مجاهداً غاية الجهاد. وهو يجاهد قرناء السوء وجلساء السوء الذين يدفعونه إلى الشرور ويدعونه إليه، هذا يدعوه إلى زنا، وهذا يدعوه إلى ربا، وهذا يدعوه إلى شرك، وهذا يدعوه إلى غش، وهذا يدعوه إلى تكاسل عن عبادة، وهذا يدعوه إلى شرب مسكر، وهذا يدعوه إلى كذا وإلى كذا، ولكنه يمسك زمام نفسه ويجاهد هؤلاء الدعاة، ويرد عليهم دعايتهم، فلو كان الناس كلهم مفطورين على الإسلام ما ظهر هذا الجهاد، زيادة على الجهاد الحسي الذي هو جهاد الكفار الذي أمر الله به وأكده وكرر ذكره بعدد من الآيات. لا شك أن الإنسان متى قاوم هذه المقاومة وصبر هذه المصابرة، فإنه يعد ناجحاً في هذا الابتلاء والاختبار، ويعد مثاباً غاية الثواب، فيجزل الله له الأجر على ذلك فهذا من حكمة الله! إذاً: فلا يعترض على الله ولا يقال: لماذا سلط الأشرار؟ ولماذا قواهم؟ ولماذا أعطاهم الدنيا، وأعطاهم النعم، وأعطاهم العدد والعدة ونحو ذلك؟ لا يعترض على الله بشيء من ذلك، كما لا يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ ولماذا خلق الله هذه الشهوات المحرمة؟ ولماذا أوجد الله هذه المسكرات وهذه المخدرات وما أشبهها؟ لا يعترض على الله تعالى، لأنه أوجد ذلك ليظهر من يصبر ممن يجزع، وليظهر من يقوى على نفسه ومن لا يقوى، فيثاب هذا على مقاومته، ويعرف بذلك عدم صبر هؤلاء الذين لم يصبروا على قمع نفوسهم الأمارة بالسوء، فلله تعالى الحكمة في ذلك. فهو خير بالنسبة إلى خلق الله تعالى وإيجاده، وشر بالنسبة إلى فعل العبد، فالعبد مثلاً إذا زنا قيل: هذا الزنا شر، حيث إنه صدر منه، ولكن الله تعالى هو الذي قدر ذلك وأحدثه، فهو خير بالنسبة إلى إيجاد الله تعالى، حيث إنه اختبر العباد بذلك وجعل أسبابه ظاهرة. كذلك العبد إذا سكر مثلاً، والمرأة إذا تبرجت وتجملت وفعلت ما لا يحل لها فعله عند الأجانب، والرجل إذا تعاطى غشاً في معاملة أو غصباً أو سرقة أو اختلاساً أو ما أشبه ذلك. كذلك إذا سولت له نفسه ترك الصلوات أو تخلفاً عن جماعات أو ما أشبه ذلك من ترك الطاعات؛ فالله تعالى هو الذي قدر أسباب ذلك، ولكنه جعل ذلك اختباراً للعباد وابتلاءً لهم، ليظهر بذلك أهل طاعته الذين أراد الله بهم الخير فقويت نفوسهم وأعطاهم قوة، والذين خذلهم وخلى بينهم وبين نفوسهم، وقوى عليهم أعداءهم فلم يتمكنوا من مقاومة أولئك الأعداء، فأصبحوا من الخاسرين.

стр. 422

إيضاح أن خلق الشرور ليس شراً بالنسبة إلى الله قال المؤلف: [فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد والإعداد والإمداد، فإيجاد هذا خير وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل وإنما إليه ضده. فإن قيل: هلا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده، فإيجاده خير والشر وقع من عدم إمداده. فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع] .

стр. 423

الحكمة من تقدير الشر بخذلان المنافقين عن الخروج للجهاد قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] . فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: فساداً وشرّاً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: سعوا بينكم بالفساد والشر، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه. فاجعل هذا المثال أصلاً وقس عليه] . يكثر إيرادات هؤلاء المجبرة، وهم الذين يعذرون العبد على فعل المعاصي ويزعمون أن له عذراً في ذلك، حيث لم يكن له اختيار ولا قدرة على أية مزاولة، فيكثرون من إيراد مثل هذه الشبهات، فيقولون مثلاً: كيف يريد الله هذه المعاصي وهو يكرهها؟ فيقال: الله تعالى أرادها كوناً وكرهها شرعاً، ويقولون: كيف لا يسوي بين عباده ما دام أنه قد خلقهم كلهم لعبادته، فكيف لا يسوي بينهم فيهديهم جميعاً ويرشدهم؟ و الجواب أنه سبحانه خلقهم ومكنهم، ولكنه علم أن فيهم نفوساً شريرة تختار الشر فخذلها، ونفوساً خيرة تختار الخير فوثقها، فله الحكمة في توفيق هذا وفي خذلان هذا، وإن كان الجميع كلهم عبيده وتحت تصرفه، وهم الذين كلفوا جميعاً بعبادته وبالإنابة إليه. وضرب المؤلف مثلاً لما حكى الله تعالى عن المنافقين في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦-٤٧] ، هؤلاء ممن كانوا أسلموا ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، لا شك أن الله تعالى خذلهم وخلى بينهم وبين أهوائهم وشهواتهم، ولم يوفقهم لما وفق إليه صفوته وخيرته من خلقه من المهاجرين والأنصار الذين اصطفاهم والذين مكن لهم في دينهم. فهؤلاء المنافقون لما كان في غزوة تبوك تخلفوا عن القتال وتخلفوا عن الخروج، وأتوا بأعذار لا فائدة فيها وليست صادقة، بل حلفوا وهم كاذبون، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦] ، ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥-٩٦] . فأخبر تعالى بأنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولم يستعدوا له، ولو كانوا يريدون الخروج ويرغبون في الغزو لأعدوا العدة ولهيئوا أنفسهم، فهم قادرون على أن يخرجوا وعندهم استطاعه وتمكن ولكنهم لم يفعلوا، فلما لم يفعلوا دل على أنهم ما أرادوه ولا أعدوا له عدة، مع أن الله تعالى هو الذي خذلهم؛ لأنه علم أن في خروجهم مفسدة كبيرة حيث إنه لا يكون منهم إلا ضرر، فلذلك كره الله خروجهم وانبعاثهم فثبطهم، أي: سكنهم وصرف أنفسهم عن الخروج لمصلحة عظيمة؛ فإنهم لو خرجوا ما زادوا المسلمين إلا خبالاً، أي: ضعفاً وتخذيلاً وتثبيطاً عن القتال وعن العدو، (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) يعني: أوقعوا فيما بين المسلمين الفتن والتشكيكات ونحو ذلك، فكان هذا من حكمة الله في أن خذلهم ولم يبعث عزائمهم إلى القتال، وبذلك يعرف أنه تعالى حكيم يضع الأشياء في موضعها اللائقة بها. فعلى المسلم أن يرضى ويسلم بما جاءه من شرع الله تعالى وأمره ودينه، وأن يعترف بأنه ما خلق إلا ما فيه مصلحة، سواء كانت مخلوقات جوهرية أو عرضية، وسواء كانت أشخاصاً أو أعراضاً وأعمالاً، كل ذلك له فيه الحكمة، فهو الحكيم العليم. وعلى الإنسان أن يلح في سؤاله لربه، وأن يكثر من الدعاء، والله تعالى قد قدر له ما هو مقدر وجعل سبب ذلك هو كثرة الإلحاح في الدعاء، فيكون سبباً من أسباب تيسير اليسرى وتجنيب العسرى، وليس مغيراً لما في قدر الله تعالى.

стр. 424

هل يحب العبد الشر ويرضى به من جهة أنه مراد لله واقع بمشيئته قال المؤلف: [وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد: فهو أيضاً ممكن بل واقع، فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد، واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه؛ فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان. وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته. وسر المسألة: أن الذي إلى الرب منها غير مكروه والذي إلى العبد مكروه. فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها، قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين. فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته! وفي ذلك قيل: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات! وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل. لكن إذا شهد العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين؛ كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة، فإن عليه حصناً حصيناً من: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) ، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال. فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه] .

стр. 425

شبهة من يقول: إذا خالفت أمر الله فقد وافقت مراده كثيراً ما يحتجون بأن هذه المعاصي مرادة لله تعالى، فيقول أحدهم: أنا خالفت أمر الله ولكن وافقت إرادة الله، الله تعالى أراد مني هذا الفعل وهذه المعصية. ف الجواب أن هذه الإرادة إرادة كونية، وقد أراد منك إرادة شرعية أن تطيعه، فلا تحتج بالإرادة الكونية وتترك الإرادة الشرعية، الله تعالى أراد كل ما في الكون إرادة كونية ولكنه أراد الطاعات إرادة شرعية، وهذه الطاعات التي أرادها قد تقع وقد لا تقع، لأنه خلق كل الخلق للعبادة، فمنهم من عبد ومنهم من لم يعبد، فهذه إرادة شرعية. فالذي يقول: ليس للعبد أي اختيار، نقول له: هذه مقالة الجبرية الذين يزعمون أن العبد مسلوب الاختيار أصلاً، وأنه بمنزلة الشجرة التي تحركها الرياح، ففي ذلك إبطال شرع الله وإبطال أحكامه وقضائه وقدره، والواجب على المسلم أن يعترف بشرع الله وأن يدين له بالطاعة، وأن يسلم لقضائه وقدره، ولا يرد عليه شيئاً من أمره، فبذلك يصبح مستسلماً لأمره، فأما هؤلاء الذين يقولون: إن جميع حركاتنا ولو كانت معاصي، ولو كانت غير محبوبة لله؛ فهي طاعة حيث إنها وافقت مراد الله القدري، حتى قال قائلهم في هذا البيت الذي ذكره المؤلف: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات فهذا عين المحادة لله لأنه لا شك أن الطاعات إنما تكون بالعبادات التي فرضها، فكونه يقول: أفعالي كلها طاعات، حتى ولو كانت فجوراً وزوراً، ولو كانت كذباً، ولو كانت معاصي وكفراً وشركاً، فكيف تكون طاعات وقد حرمها الله تعالى وسماها معاصي؟! فهذه معاص بالنسبة إلى صدورها من العبد، وهي مرادة لله كوناً وقدراً، حيث إنها وقعت بخلقه وتكوينه، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فإذا علم العبد أولاً أن الله تعالى أراد جميع ما في الكون كوناً وقدراً، وما هو حادث، ولكنه أحب الطاعات وكره المحرمات، وأمر بالطاعات أمراً شرعياً، ونهى عن المحرمات نهياً شرعياً، وعلم أيضاً بأن مزاولة العبد لها باختيار منه لهذا الذي اختاره إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وأن الثواب والعقاب يترتب على هذا الاختيار وعلى هذا الفعل، وعلى الجد والاجتهاد في الطاعة، أو الجد والاجتهاد في المعصية، وهو الذي يكون عليه الثواب والعقاب، فمتى علم العبد واستسلم لذلك فهو من أهل الخير.
следующие страницы →