← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كل ما أوجده الله فهو خير بالنسبة إليه تعالى هذا الاعتراض الذي يعترض به بعض غلاة القدرية على خلق الله تعالى للشرور وللأشرار، قد يعترض بذلك فيقال: لماذا خلق الله إبليس مع أنه كله شر؟! ولماذا خلق الله الكفرة والمشركين الذين ليس فيهم خير، بل هم شر وجودهم ضرر على المسلمين؟! ولماذا خلق الله أو أوجد هذه المعاصي والأسباب التي يستعان بها عليها؟ لماذا وجدت المسكرات مثلاً وما يتصل بها؟! ولماذا وجدت العاهرات والفاسقات؟! ولماذا وجد المفسدون الذي يعيثون في الأرض فساداً؟! ولماذا وجدت المعاصي؟! قد يعترضون ويقولون: هذا شر، فكيف أوجده الله وكيف أراده وكيف خلقه، مع أنه لا يحصل به إلا شر وضرر على الأمم الدينية، فيتضررون بوجود هؤلاء الكفار حيث إنهم يصدونهم عن الهدى، ويحاولون ردهم إلى الكفر وإخراجهم من ملة الإسلام، ويلقون عليهم الشبهات والشكوك، ويظهرون الفساد والمعاصي ونحو ذلك، فلماذا أوجدوا ولماذا خلقهم الله، ولماذا مكنهم الله؟! أليس في هذا إعانة على المعاصي؟ أليس في هذا تمكين للعصاة وتقوية لشأنهم؟ هذا خلاصة هذا الاعتراض على حكم الله . وقد تقدم أنه سبحانه خلق الجنة والنار، فمن حكمته أن جعل داراً للثواب وداراً للعقاب، فلا بد أن لهذه من يسكنها ولهذه من يدخلها، حكمة الله لا بد أن تتم لذلك، فلما كان كذلك لم يكن بد من أن يكون الخلق فريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] . وتقدم أن من أسماء الله تعالى الذي سمى بها نفسه وامتدح بها، أسماء تدل على مثل هذه الأفعال، كاسمه المنتقم، واسمه الجبار، واسمه العزيز، وذي القوة المتين، وكذلك أسماؤه المزدوجة مثل: الخافض الرافع، المعز المذل، المعطي المانع، فلا بد أن تظهر مدلولات هذه الأسماء، ولا تظهر إلا إذا وجد من يذلهم الله ومن يمنعهم ومن يخفضهم. ولا بد أن يوجد من يقهرهم باسمه القهار، ومن يقدر على عقوبتهم بموجب اسمه القادر، ومن يرحمهم ويغفر لهم بموجب اسمه الغفور الرحيم، ولو كان الناس كلهم أتقياء بررة لم تظهر آثار أسمائه: الغفور الرحيم، وهكذا بقية أسماء الله . بعد ذلك الجواب عن هذا الاعتراض، والجواب أن نقول: كل ما أوجده الله وأراده فإنه خير بالنسبة إلى الله تعالى وإن كان شراً بالنسبة إلى العبد الذي صدر منه ذلك الشر، وذلك لأن الله تعالى ما أوجده إلا لمصلحة، وهي الاختبار والابتلاء للعباد، ولكي يظهر من يصبر ومن يجزع، ومن يطيع ومن يعصي، ويظهر من يمتثل ومن يأبى، ولكي يظهر من يكون صالحاً أو يكون فاسداً. هذا من اختبار الله لعباده، فهو سلط عليهم هؤلاء الأعداء، فسلط عليهم إبليس الرجيم حتى يكون منهم مقاومة وشدة تمسك رغم ما يلقيه من الدعوات إلى الفساد وإلى المعاصي، فيثابون ويزداد ثوابهم إذا تمسكوا، كذلك سلط عليهم الشهوات التي تدفعهم إلى المحرمات، وأظهرها أمامهم فتنة، فيثبت الله أولياءه ويخذل أعداءه، فالذي يستمسك بالدين ويصبر عليه هو الذي يعظم ثوابه، وهذا أيضاً يصدق على المصائب التي تحصل للعباد، وقد يكون حصولها للأتقياء أكثر من حصولها للفسقة ونحوهم، فالمصائب التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٥٥] ، هذه قد يكون الابتلاء بها للمؤمنين أشد. الكفار قد يمتعون بالقوة ويمتعون بالأموال ونحو ذلك، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ:٣٥] ، فهذا الابتلاء الذي يبتلي الله تعالى به المؤمنين ليكون أعظم لأجرهم إذا صبروا واحتسبوا، فهكذا خلقه لهذه الشرور ليكون أعظم للأجر، فإذا عرف العبد أنه قد سلط عليه الأعداء فصبر عد مجاهداً غاية الجهاد، فهو يجاهد الشيطان الرجيم الذي يسول له ويوسوس له، وهو يجاهد النفس الأمارة بالسوء التي تتخيل له دائماً وتدفعه، وهو يجاهد الهوى الذي يعمي ويصم، وهو يجاهد الشهوات التي تتجلى له وتندفع نفسه إليها وتتزين له، ولكنه يمسك نفسه ويقمعها، فيعتبر بذلك مجاهداً غاية الجهاد. وهو يجاهد قرناء السوء وجلساء السوء الذين يدفعونه إلى الشرور ويدعونه إليه، هذا يدعوه إلى زنا، وهذا يدعوه إلى ربا، وهذا يدعوه إلى شرك، وهذا يدعوه إلى غش، وهذا يدعوه إلى تكاسل عن عبادة، وهذا يدعوه إلى شرب مسكر، وهذا يدعوه إلى كذا وإلى كذا، ولكنه يمسك زمام نفسه ويجاهد هؤلاء الدعاة، ويرد عليهم دعايتهم، فلو كان الناس كلهم مفطورين على الإسلام ما ظهر هذا الجهاد، زيادة على الجهاد الحسي الذي هو جهاد الكفار الذي أمر الله به وأكده وكرر ذكره بعدد من الآيات. لا شك أن الإنسان متى قاوم هذه المقاومة وصبر هذه المصابرة، فإنه يعد ناجحاً في هذا الابتلاء والاختبار، ويعد مثاباً غاية الثواب، فيجزل الله له الأجر على ذلك فهذا من حكمة الله! إذاً: فلا يعترض على الله ولا يقال: لماذا سلط الأشرار؟ ولماذا قواهم؟ ولماذا أعطاهم الدنيا، وأعطاهم النعم، وأعطاهم العدد والعدة ونحو ذلك؟ لا يعترض على الله بشيء من ذلك، كما لا يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ ولماذا خلق الله هذه الشهوات المحرمة؟ ولماذا أوجد الله هذه المسكرات وهذه المخدرات وما أشبهها؟ لا يعترض على الله تعالى، لأنه أوجد ذلك ليظهر من يصبر ممن يجزع، وليظهر من يقوى على نفسه ومن لا يقوى، فيثاب هذا على مقاومته، ويعرف بذلك عدم صبر هؤلاء الذين لم يصبروا على قمع نفوسهم الأمارة بالسوء، فلله تعالى الحكمة في ذلك. فهو خير بالنسبة إلى خلق الله تعالى وإيجاده، وشر بالنسبة إلى فعل العبد، فالعبد مثلاً إذا زنا قيل: هذا الزنا شر، حيث إنه صدر منه، ولكن الله تعالى هو الذي قدر ذلك وأحدثه، فهو خير بالنسبة إلى إيجاد الله تعالى، حيث إنه اختبر العباد بذلك وجعل أسبابه ظاهرة. كذلك العبد إذا سكر مثلاً، والمرأة إذا تبرجت وتجملت وفعلت ما لا يحل لها فعله عند الأجانب، والرجل إذا تعاطى غشاً في معاملة أو غصباً أو سرقة أو اختلاساً أو ما أشبه ذلك. كذلك إذا سولت له نفسه ترك الصلوات أو تخلفاً عن جماعات أو ما أشبه ذلك من ترك الطاعات؛ فالله تعالى هو الذي قدر أسباب ذلك، ولكنه جعل ذلك اختباراً للعباد وابتلاءً لهم، ليظهر بذلك أهل طاعته الذين أراد الله بهم الخير فقويت نفوسهم وأعطاهم قوة، والذين خذلهم وخلى بينهم وبين نفوسهم، وقوى عليهم أعداءهم فلم يتمكنوا من مقاومة أولئك الأعداء، فأصبحوا من الخاسرين.

стр. 422

إيضاح أن خلق الشرور ليس شراً بالنسبة إلى الله قال المؤلف: [فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد والإعداد والإمداد، فإيجاد هذا خير وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل وإنما إليه ضده. فإن قيل: هلا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده، فإيجاده خير والشر وقع من عدم إمداده. فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع] .

стр. 423

الحكمة من تقدير الشر بخذلان المنافقين عن الخروج للجهاد قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] . فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: فساداً وشرّاً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: سعوا بينكم بالفساد والشر، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه. فاجعل هذا المثال أصلاً وقس عليه] . يكثر إيرادات هؤلاء المجبرة، وهم الذين يعذرون العبد على فعل المعاصي ويزعمون أن له عذراً في ذلك، حيث لم يكن له اختيار ولا قدرة على أية مزاولة، فيكثرون من إيراد مثل هذه الشبهات، فيقولون مثلاً: كيف يريد الله هذه المعاصي وهو يكرهها؟ فيقال: الله تعالى أرادها كوناً وكرهها شرعاً، ويقولون: كيف لا يسوي بين عباده ما دام أنه قد خلقهم كلهم لعبادته، فكيف لا يسوي بينهم فيهديهم جميعاً ويرشدهم؟ و الجواب أنه سبحانه خلقهم ومكنهم، ولكنه علم أن فيهم نفوساً شريرة تختار الشر فخذلها، ونفوساً خيرة تختار الخير فوثقها، فله الحكمة في توفيق هذا وفي خذلان هذا، وإن كان الجميع كلهم عبيده وتحت تصرفه، وهم الذين كلفوا جميعاً بعبادته وبالإنابة إليه. وضرب المؤلف مثلاً لما حكى الله تعالى عن المنافقين في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦-٤٧] ، هؤلاء ممن كانوا أسلموا ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، لا شك أن الله تعالى خذلهم وخلى بينهم وبين أهوائهم وشهواتهم، ولم يوفقهم لما وفق إليه صفوته وخيرته من خلقه من المهاجرين والأنصار الذين اصطفاهم والذين مكن لهم في دينهم. فهؤلاء المنافقون لما كان في غزوة تبوك تخلفوا عن القتال وتخلفوا عن الخروج، وأتوا بأعذار لا فائدة فيها وليست صادقة، بل حلفوا وهم كاذبون، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦] ، ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥-٩٦] . فأخبر تعالى بأنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولم يستعدوا له، ولو كانوا يريدون الخروج ويرغبون في الغزو لأعدوا العدة ولهيئوا أنفسهم، فهم قادرون على أن يخرجوا وعندهم استطاعه وتمكن ولكنهم لم يفعلوا، فلما لم يفعلوا دل على أنهم ما أرادوه ولا أعدوا له عدة، مع أن الله تعالى هو الذي خذلهم؛ لأنه علم أن في خروجهم مفسدة كبيرة حيث إنه لا يكون منهم إلا ضرر، فلذلك كره الله خروجهم وانبعاثهم فثبطهم، أي: سكنهم وصرف أنفسهم عن الخروج لمصلحة عظيمة؛ فإنهم لو خرجوا ما زادوا المسلمين إلا خبالاً، أي: ضعفاً وتخذيلاً وتثبيطاً عن القتال وعن العدو، (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) يعني: أوقعوا فيما بين المسلمين الفتن والتشكيكات ونحو ذلك، فكان هذا من حكمة الله في أن خذلهم ولم يبعث عزائمهم إلى القتال، وبذلك يعرف أنه تعالى حكيم يضع الأشياء في موضعها اللائقة بها. فعلى المسلم أن يرضى ويسلم بما جاءه من شرع الله تعالى وأمره ودينه، وأن يعترف بأنه ما خلق إلا ما فيه مصلحة، سواء كانت مخلوقات جوهرية أو عرضية، وسواء كانت أشخاصاً أو أعراضاً وأعمالاً، كل ذلك له فيه الحكمة، فهو الحكيم العليم. وعلى الإنسان أن يلح في سؤاله لربه، وأن يكثر من الدعاء، والله تعالى قد قدر له ما هو مقدر وجعل سبب ذلك هو كثرة الإلحاح في الدعاء، فيكون سبباً من أسباب تيسير اليسرى وتجنيب العسرى، وليس مغيراً لما في قدر الله تعالى.

стр. 424

هل يحب العبد الشر ويرضى به من جهة أنه مراد لله واقع بمشيئته قال المؤلف: [وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد: فهو أيضاً ممكن بل واقع، فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد، واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه؛ فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان. وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته. وسر المسألة: أن الذي إلى الرب منها غير مكروه والذي إلى العبد مكروه. فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها، قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين. فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته! وفي ذلك قيل: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات! وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل. لكن إذا شهد العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين؛ كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة، فإن عليه حصناً حصيناً من: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) ، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال. فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه] .

стр. 425

شبهة من يقول: إذا خالفت أمر الله فقد وافقت مراده كثيراً ما يحتجون بأن هذه المعاصي مرادة لله تعالى، فيقول أحدهم: أنا خالفت أمر الله ولكن وافقت إرادة الله، الله تعالى أراد مني هذا الفعل وهذه المعصية. ف الجواب أن هذه الإرادة إرادة كونية، وقد أراد منك إرادة شرعية أن تطيعه، فلا تحتج بالإرادة الكونية وتترك الإرادة الشرعية، الله تعالى أراد كل ما في الكون إرادة كونية ولكنه أراد الطاعات إرادة شرعية، وهذه الطاعات التي أرادها قد تقع وقد لا تقع، لأنه خلق كل الخلق للعبادة، فمنهم من عبد ومنهم من لم يعبد، فهذه إرادة شرعية. فالذي يقول: ليس للعبد أي اختيار، نقول له: هذه مقالة الجبرية الذين يزعمون أن العبد مسلوب الاختيار أصلاً، وأنه بمنزلة الشجرة التي تحركها الرياح، ففي ذلك إبطال شرع الله وإبطال أحكامه وقضائه وقدره، والواجب على المسلم أن يعترف بشرع الله وأن يدين له بالطاعة، وأن يسلم لقضائه وقدره، ولا يرد عليه شيئاً من أمره، فبذلك يصبح مستسلماً لأمره، فأما هؤلاء الذين يقولون: إن جميع حركاتنا ولو كانت معاصي، ولو كانت غير محبوبة لله؛ فهي طاعة حيث إنها وافقت مراد الله القدري، حتى قال قائلهم في هذا البيت الذي ذكره المؤلف: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات فهذا عين المحادة لله لأنه لا شك أن الطاعات إنما تكون بالعبادات التي فرضها، فكونه يقول: أفعالي كلها طاعات، حتى ولو كانت فجوراً وزوراً، ولو كانت كذباً، ولو كانت معاصي وكفراً وشركاً، فكيف تكون طاعات وقد حرمها الله تعالى وسماها معاصي؟! فهذه معاص بالنسبة إلى صدورها من العبد، وهي مرادة لله كوناً وقدراً، حيث إنها وقعت بخلقه وتكوينه، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فإذا علم العبد أولاً أن الله تعالى أراد جميع ما في الكون كوناً وقدراً، وما هو حادث، ولكنه أحب الطاعات وكره المحرمات، وأمر بالطاعات أمراً شرعياً، ونهى عن المحرمات نهياً شرعياً، وعلم أيضاً بأن مزاولة العبد لها باختيار منه لهذا الذي اختاره إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وأن الثواب والعقاب يترتب على هذا الاختيار وعلى هذا الفعل، وعلى الجد والاجتهاد في الطاعة، أو الجد والاجتهاد في المعصية، وهو الذي يكون عليه الثواب والعقاب، فمتى علم العبد واستسلم لذلك فهو من أهل الخير.

стр. 426

على العبد أن يستحضر أنه مكلف مختار ولا شك أن من استحضر دائماً أنه مكلف، واستحضر أن الله تعالى يوفق العبد الذي يستحضر عظمة ربه، واستحضر دائماً أنه ليس بمهمل، بل خلق للعبادة ولم يخلق هملاً ولا سدى؛ من كان كذلك وفقه الله. وإذا استحضر أيضاً أن ربه لما كلفه ولما أمره ونهاه، كان في مرأى ومسمع من ربه لا تخفى عليه منه خافية، واستحضر أيضاً أنه في كل حالاته عنده الدافع الذي يدفعه إلى الخير، وهو قوة الإيمان وقوة هذا الاستحضار؛ لا شك أن من تمت معه هذه الاستحضارات فإنه لا يقدم على معصية، وكيف يقدم عليها وهو يستحضر عظمة الله تعالى وكأنه واقف بين يدي ربه؟ كيف يقدم عليها وهو يعلم أنه يترتب عليها عقوبة وإثم شديد؟ كيف يقدم عليها وهو يعلم أن ربه يكرهها؟ ولا شك أن العبد الذي يكثر من العبادات سواء كانت قلبية أو قولية أو بدنية، ثم يثق بالثواب عليها؛ أن ذلك يحجزه عن أن يأتي بضدها، ولا يجتمع أنه في آن واحد يطيع الله ويطيع الشيطان، ولا يجتمع أنه في آن واحد يعبد الله ويعبد الأصنام مثلاً، ولا يجتمع أنه في آن واحد يكون مستحضراً لعظمة الله تعالى وغافلاً عنه مقبلاً على هواه، بل متى تمت له هذه الاستحضارات عبد ربه وأكثر من عبادته وأقبل عليه إقبالاً كلياً، ومتى كان كذلك فإن ربه تعالى يسدد خطاه ويوفقه، ويحبب إليه العبادة ويحميه عن المعصية، كما في قوله في الحديث القدسي الذي سمعنا بعضه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ، وفي بعض الروايات: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) . والمعنى: أن الله تعالى يحفظه ويحوطه ويحرسه، فتكون حركاته في إرادة الله وفي طاعة الله، وما ذاك إلا أن قلبه امتلأ بعظمة الله وامتلأ بالإيمان به، وامتلأ بحب الخير، وامتلأ بالأعمال الخيرية الصالحة والميل إليها، ولما امتلأ القلب ظهر آثار ذلك على السمع وعلى البصر وعلى اليد وعلى الرجل، فصار نظره كله بالله، وسمعه كله لله، ومشيه وحركاته كلها لله، فصار بالله ومن الله وفي الله، فهذا هو الذي لا يمكن أنه يقدم على معصية مع ما يقوم به من هذه الحال. فالعبد الذي يكون بهذه المثابة لا شك -أنه إن شاء الله- لا يقدم على معصية، وإنما يؤتى من نقص في ذلك، يعني من نقص في استحضاره بقلبه لهذه الأشياء، فإن العوائق التي تعوقه عن هذه الاستحضارات كثيرة، فالشهوات من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، والشغل بها كثيراً، والانهماك في المحرمات؛ كل ذلك يجلب إلى قلبه شيئاً من الغفلة، فيوجب له بذلك صدوداً عن الخير، وإقبالاً على الشرور والفساد، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 427

ما يرضى به من قضاء الله وما لا يرضى به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟ ! ف الجواب أن يقال أولاً: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم. ويقال ثانياً: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة ويرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به. ويقال ثالثاً: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به. والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى: ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه، وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره؛ نرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره، وعصى الله بفعله؛ نسخطه ولا نرضى به. وقوله: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان إلى آخره) . التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء، والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان الذريعة: الوسيلة، والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى، وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقارب المعنى أيضا، لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر، والطغيان في مقابلة الاستقامة] .

стр. 428

نرضى بقضاء الله ولا يلزم الرضا بكل مقضي الكلام الأول يتعلق بالرضا بالقضاء والرضا بالمقضي، فنقول: يلزمنا أن نرضى بالقضاء، وأما المقضي الذي يقع بذلك القضاء فلا يلزمنا الرضا به، بل قد ننكره ونستبشعه، فمثل الشارح بقتل النفس ظلماً، نقول: هذا الذي قُتِل قد بلغ أجله الذي كتب له، ولم يقطع عليه أجله، فالله تعالى قضى وقدر وكتب أن عمره لا يزيد ولا ينقص، فالمقتول مات بأجله المحدد له، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: لو تحصنتم في بيوتكم والله قد كتب على بعضكم القتل، لخرجوا إلى أن يصلوا المكان الذي قدر الله أنهم يموتون أو يقتلون فيه ولا بد. وقد ذكر الله تعالى أن الموت محتوم على الإنسان مهما تحصن، كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ [النساء:٧٨] ، يعني: ولو تحصنتم في أحصن الأماكن، فإنه يصل إليكم الموت الذي قدره الله لكم سواء بسبب ظاهر أو بسبب خفي. فمن حيث حصول الموت لهذه النفس نؤمن بأن هذا قضاء وقدر، وأنه مهما تحصن هذا المقتول فلن يحصل له التحصن أبداً مهما تحصن، ولا بد أن يحصل له ما قدر الله تعالى عليه، ولكن مع ذلك ننكر هذا الذنب على القاتل ونلومه عليه ونسخطه، والله تعالى أنكره عليه وتوعده على هذا القتل بوعيد شديد، وتوعده النبي ﷺ وأخبر بأنه يستحق العقوبة، والله تعالى كتب القصاص في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] وفي قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] . فهذا دليل على أنه من حيث إنه قضاء وقدر نرضى به، ومن حيث صدوره من ذلك الظالم القاتل نسخطه وننكره، ونلوم القاتل، وهكذا بقية الحوادث التي تحدث في الدنيا، منها ما نرضاه ومنها ما نسخطه من حيث الظاهر، أما من حيث القضاء والقدر فجميعه مرضي لله مقضي له، ومرضي للعباد.

стр. 429

الاحتجاج بالقدر لا يمنع من أخذ الحق فعلى كل حال يلزمنا الرضا بكل ما قضاه الله وقدره، ولا يلزمنا الرضا بكل مقضي ومخلوق ومقدر وجوده في العالم، بل نسخط المعاصي ولو كانت قضاء وقدراً، وننكر على من فعلها ونلومه، وإذا احتج بالقدر لم يمنعنا ذلك من أخذ الحق منه، كما ذكر أن عمر ﵁ لما رفع إليه سارق وأمر بقطع يده فقال: هذا قدر الله، فقال: (سرقت بقدر الله ونقطع يدك بقدر الله) ، فهو بذلك يعرف أن هذا مأمور به، فنحن مأمورون بكذا وأنت فعلت كذا وكذا. ولما خرج عمر ﵁ إلى الشام وأقبل على أذرعات الشام، ذكروا له أن الطاعون قد وقع في الشام، فشاور الصحابة هل يقدم الشام أو لا يقدم؟ فاختلفوا، فمنهم من قال: لا تذهب إلى الشام ومعك هؤلاء الذين هم صفوة الصحابة فتعرضهم للموت، ومنهم من قال: إن هذا شيء مكتوب فلا تفر بهم ولا ترجع، ولكنه عزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. أي: نقول إن الله تعالى قدر لنا أن نرجع وما كتب لنا أن نذهب، فنحن إذا رجعنا ففي قدر الله أننا نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم ضرب مثلاً وقال: أرأيت لو كان لك إبل وذكر لك واديان: أحدهما مخصب والآخر مجدب، ثم إنك اخترت واحداً منهما، أليس بقدر الله؟ أي: لو دخلت الوادي المجدب المقحط الذي ليس فيه رعي، ثم قيل لك: إن هاهنا وادياً أخصب وشعباً مخضراً، وفيه أعشاب وفيه رعي؛ فذهبت إليه، أليس ذهابك إليه بقضاء الله وبقدره؟ الله تعالى هو الذي قدر لك أن تسلك هذا، ثم اختار لك أن تسلك هذا، فهكذا إذا رجعت من مكان مخوف، فليس ذلك هرباً من قضاء، بل الله هو الذي قدر عليك هذا القضاء والقدر، وقدر عليك أنك ترجع أو لا ترجع، وإذا كان الله تعالى قد كتب على الإنسان أنه يموت بسبب، فلا بد أن يصل إليه الموت في أي مكان. روي أن إنساناً وقع الطاعون في بلاده، فلما ذكر له ذلك ركب حماراً وتوجه إلى بلاد أخرى، وفي أثناء الطريق سمع هاتفاً يقول: لن يسبق الله على حماري قد يصبح الله أمام الساري فتوقف واستمع قليلاً ثم إنه نزل في ذلك المكان وأصابه الطاعون فمات، ولم يغنه فراره ولا هربه.

стр. 430

الأخذ بالأسباب الله تعالى قد ذكر قوماً هربوا من الموت ثم إن الله أماتهم، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] ألوف: جمع ألف، يعني: آلافاً مؤلفة، (حذر الموت) : ما أخرجهم إلا حذر الموت، ولكن هل سلموا؟ ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣] ، أي: أن قدرة الله تعالى تأتي على كل شيء، فأماتهم الله ليريهم أن الخروج والهرب لا ينجيهم، ثم أحياهم بقدرته ليريهم كامل قدرته. وعلى كل حال نحن نقول: إن الإنسان مأمور بأن يتحصن وبأن يفعل الأسباب وبأن يأخذ حذره، ولكن ذلك لا يرد عنه ما قد كتب الله عليه من الآجال والأمراض والعاهات ونحو ذلك، وإنما هذه أسباب ظاهرة، ولا يجوز مع ذلك تركها. الله سبحانه أمر بأخذ الحذر في حالة صلاة الخوف، فلما أمر بصلاة الخوف أمر بأخذ الحذر، معلوم أن المسلمين قد يقول قائلهم: سوف نصلي جماعة والله تعالى يحرسنا ويحفظنا، ولكن الله تعالى أخبر بأن المشركين يتحينون الفرص ويحتالون في أن يجدوا غفلة من المؤمنين فيقتلونهم، فقال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢] ، هكذا أخبر عنهم ثم أمرهم بأن يأخذوا الحذر في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] ، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] يعني في حالة صلاتهم للخوف، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] أي: ليكونوا حذرين. فكل ذلك دليل على أن فعل السبب لا يمنع في التوكل وأنه لا يرد ما قدر الله، مع أن فعل الأسباب مأمور به وتركها إلقاء باليد إلى التهلكة، وأن التعرض أو فعل الأسباب التي يحصل بها الموت عمداً يصير ذنباً كبيراً، ولهذا ورد الوعيد الشديد على من قتل نفسه بفعل ظاهر، كما في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ قال: (من تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم) تحساه، أي: التهمه، فمن التهم سماً فإنه يدخل جهنم ويجعل السم في يديه يتحساه دائماً في نار جهنم والعياذ بالله (ومن تردى من شاهق) يعني: رأس جبل حتى يموت (فهو يتردى في نار جهنم) والعياذ بالله، فهذا دليل على أنه إذا فعل سبباً يعوقه أو يصل إلى أنه يقتل به نفسه فإنه معرض لهذا الوعيد. ولو قال مثلاً: إن هذا مكتوب علي وإن هذا مقدر، نقول: الله تعالى هو الذي قدر كل شيء ولكنه نهاك عن شيء أنت تستطيعه، فنهاك أن تلقي بيدك إلى التهلكة ونهاك عن هذه المعاصي، ونهاك عن هذه المخالفات وأمرك بأضدادها، وما أمرك إلا بأمر أنت مستطيع له، ولو كان كل ذلك واقع بقضاء وبقدر.

стр. 431

التحذير من الوسوسة والتشكك في القدر قال المؤلف ﵀: [وقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة) ] . عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان!) رواه مسلم، الإشارة بقوله: (ذلك صريح الإيمان) إلى تعاظمهم أن يتكلموا به. ولـ مسلم أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان) ، فهو بمعنى حديث أبي هريرة، فإن وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان. هذه طريقة الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف سودوا الأوراق بتلك الوساوس التي هي شكوك وشبه، بل سودوا القلوب وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذلك أطنب الشيخ ﵀ في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) ، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم، قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده) ورواه ابن ماجة أيضاً] . يقول: إن عندنا شيئين: الأمر الأول: ما يجول في النفس وما يحدث من الوساوس والأوهام، ولكن لا يخرجها الإنسان بل يزيلها أو يحرص على إزالتها، فهذه مما يعفى عنه. والأمر الثاني: ما ابتلي به المتكلمون من إظهار تلك الوساوس والتكلم بها وكتابتها وإشاعتها، وهذا مذموم. فكان في عهد الصحابة وكذلك في عهد التابعين وتلاميذهم، إذا خطرت في أنفسهم خطرات وشكوك لم يبدوها، بل استمروا على ما هم عليه من العقيدة، وآمنوا بالله وبما جاء عن الله ، فلم تضرهم تلك الوساوس ولا تلك الهواجس ونحوها. كثيراً ما يحصل على قلب الإنسان وسوسة في أمور من الغيب؛ إما مثلاً في طبقات السماء وطبقات الأرض وكيفية العرش وذات الرب تعالى وصفاته، وكذلك أمور البعث وأمور البرزخ، قد يتوارد على نفسه شيء من التشكيكات في هذه، وكيف تتصور؟ وكيف يتحقق ما ذكر من وصفها في هذه النصوص؟ فإن في ذلك شيئاً من الاستبعاد ومن الاستغراب. فإذا تواردت هذه الشكوك على هذه النفوس، ولكن أحرقتها النفس المطمئنة ولم تلتفت إليها ولم يتكلم بها الإنسان، فإن ذلك مما يعفى عنه، وسماه النبي ﷺ صريح الإيمان، يعني: ما دمتم تقتصرون على هذه الوسوسة دون أن تتكلموا بها فإن ذلك معفو عنه، ثبت بالحديث قوله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) ، فحديث النفس معفو عنه، أي عن الخواطر التي تخطر في القلب والتي تكون خواطر ووساوس وأوهاماً وتشكيكات ولكن يغلبها الإنسان بقوة إيمانه، وبما قام عنده من الأدلة الصريحة في صدق الرسل وما جاءوا به من الأمور الغيبية، فلم تؤثر فيه تلك الشكوك والأوهام ونحوها، بل اضمحلت تلك الوساوس ولم تضره. فعليك أن تؤمن بالحق الذي أنت عليه وتثق به، دون أن تلتفت إلى شيء من تلك الأوهام أو تتمادى معها، هكذا أخبر ﵊.

стр. 432

شرح العقيدة الطحاوية [٣٠] يصر القدرية على إنكار خلق الله لأفعال العباد، وهم بذلك يشابهون المجوس المشركين، وقد جاءت الآثار بذمهم والحث على هجرهم وزجرهم، وقد رد العلماء على شبهاتهم وبينوا لهم الصواب.

стр. 433

الإيمان والإسلام والإحسان وضدها مسميات شرعية قد عرفنا أن من عقيدة المسلمين الإيمان، وأركانه ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الإيمان تدخل فيه الأعمال، فهي من مسمى الإيمان، ولأجل ذلك يقوى الإيمان ويضعف، ويزيد وينقص، فيزيد بسبب زيادة الأعمال وينقص بسبب نقص الأعمال، أو بسبب ارتكاب الذنوب، وذلك مما يحمل المسلم على أن يتعاهد إيمانه بالزيادة ويحذر من النقصان، لأنه إذا تغافل وصار ينقص إيمانه شيئاً فشيئاً لم يأمن أن يضعف، وإذا ضعف لم يكن زاجراً له عن اقتراف السيئات، ولم يكن دافعاً له إلى التكاثر من الحسنات. كذلك قد يصير ضعف الإيمان سبباً لأن يقوى ضده، وهو الكفر أو الذنب أو المعصية، فإنه كلما قوي الإيمان ضعفت دوافع الكفر والفسوق والمعاصي، وكلما ضعف الإيمان قويت أضداده، فيحرص المسلم على أن يجدد هذا الإيمان، وأن يكون مجداً مجتهداً في الحرص على تقوية إيمانه، وعلى البعد عن الأسباب التي تضعفه. وقد بين العلماء مسمى هذه الأشياء، وذلك لأنها مسميات شرعية، فالإيمان وإن كان أصله لغوياً ولكنه أصبح مسمى شرعياً، استعمله الشرع في الانقياد لأوامر الله تعالى واتباع ما جاء عنه، واستعمله في تكميل هذا الاتباع بامتثال الطاعات وترك المحرمات، فأصبح مسمى شرعياً. كذلك الإسلام مسمى شرعي وإن كان أصله في اللغة: أنه الإذعان والاستسلام، ولكنه أصبح اسماً شرعياً يراد به الدخول في هذا الدين والانتماء إليه والالتزام بتعاليمه، فهو مسمى شرعي بعد أن كان لغوياً. كذلك الإحسان مسمى شرعي، وقد بينه النبي ﵊ ووصف أهله وقسمهم، فأصبح هذا الاسم مسمى شرعياً. فالإسلام والإيمان والإحسان، وكذلك أضدادها؛ مسميات شرعية؛ فالكفر مسمى شرعي وإن كان أصله في اللغة الستر التغطية والشرك مسمىً شرعي وإن كان أصله في اللغة: الاشتراك في شيئين أو التشريك بين اثنين. والنفاق مسمىً شرعي وإن كان له أصل في اللغة، ولكنه أصبح مستعملاً في هذا الاستعمال الشرعي. فهذه الأشياء جاءت الشرعية باستعمالها، فمنها ما هو مأمور به: كالإسلام والإيمان والإحسان والدين والاستقامة وما أشبهها، ومنها ما هو منهي عنه ومحذر منه: كالكفر والشرك والنفاق والسيئات والخطايا والذنوب وما أشبهها، فهذه مسميات شرعية، ودخولها في العقيدة من حيث إن على المسلم أن يعتقد تقبل ما جاءت به الشريعة قبولاً كلياً فيقول: هذا الإسلام تضمنته هذه الشريعة فأنا أدين بالإسلام، سواء فيما يتعلق بالعقائد أو ما يتعلق بالأعمال، فيدين لله تعالى به، ويعتقد أنه سفينة النجاة، وأنه سبيل الوصول إلى السلامة، فيعتقد صحته وسلامة من سار عليه، ويعتقد خطأ من ضل عنه وابتعد عنه، أو أخذ منه بعضاً دون بعض، فهذا وجه دخوله في العقيدة. أما أركان الإسلام فهي مشهورة، ولم يدخلوها في العقيدة ما عدا الركن الأساسي الذي هو الشهادتان، فإنهما أساس العقيدة وأساس التوحيد، بخلاف الأركان العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبهها، فهذه من الأعمال فجعلوها من الفروع، ولكن هي في الحقيقة من العقيدة لأنها أسس للعقيدة، ولأن إنكارها إنكار لشيء معلوم من الدين بالضرورة، فيخرج المنكر له من الملة ويدخل في الكفر والعياذ بالله، وذلك لأنها لما كانت أدلتها واضحة، والمسلمون تلقوها بالقبول؛ لم يكن هناك مجال لإنكارها. ولو وجد من ينكرها، فإن أولئك الذين أنكروها قد خالفوا المعقول والمنقول، وكذلك الذين تأولوها كالفلاسفة وبعض الصوفية الذين قالوا إن الصلاة ليست هي هذه الأفعال، إنما المراد بها اتصال القلب بالرب، وفسروا الحج بأنه حج القلوب إلى علام الغيوب وأسقطوا بذلك هذه الأركان الظاهرة التي تعلمها المسلمون من نبيهم ﷺ ، ولكن نفرة المسلمين من هذه الأقوال واستبشاعهم لها أوجب أنها لا تذكر في العقائد، فاقتصر أهل العقائد على أركان الإيمان الستة، وأصلها كما تقدم وتكرر أصلان: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، فإذا اجتمع هذان تبعتهما بقية الأركان، ولكنهم فصلوا في كثير منها وأجملوا في بعض منها لقلة الخلاف، وإذا حققها المسلم أصبح من أهل العقيدة السليمة، وأصبح من أهل الاستقامة الذين هم على سبيل النجاة.

стр. 434

الإيمان بعلم الله الأزلي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل، ولا مغير ولا محول، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه) . هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات وأنه قدر مقاديرها قبل خلقها، كما قال ﷺ : (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء) ، فيعلم أن الله قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها على ما اقتضته حكمته البالغة فكانت كما علم، فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يتصور إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] . وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالماً في الأزل، وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوا، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً، قال الإمام الشافعي ﵁: (ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا) . فالله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه.

стр. 435

لا منافاة بين قدرة العبد وسبق علم الله بما هو عامل وإذا قيل: فيلزم أن يكون العبد قادراً على تغيير علم الله، لأن الله علم أنه لا يفعل، فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله؟ قيل: هذه مغلطة، وذلك أن مجرد مقدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم، وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه لا عدم وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه، بل إن وقع كان الله قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع، ونحن لا نعلم علم الله إلا بما يظهر، وعلم الله مطابق للواقع، فيمتنع أن يقع شيء يستلزم تغيير العلم، بل أي شيء وقع كان هو المعلوم، والعبد الذي لم يفعل لم يأت بما يغير العلم، بل هو قادر على فعل لم يقع، ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع. وإذا قيل: فما انعدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه قدر على تغيير العلم. قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه، وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه، وهو فرض محال، وذلك بمنزلة من يقول: افرض وقوعه مع عدم وقوعه وهو جمع بين النقيضين. فإن قيل: فإذا كان وقوعه مع علم الرب بعدم وقوعه محالاً لم يكن مقدوراً. قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالماً بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالماً بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالاً من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه، وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال. مما يلزم هؤلاء: أن لا يبقى أحد قادراً على شيء لا الرب ولا الخلق، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده، والله تعالى أعلم] . الكلام الأول يتعلق بعلم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها ويسمى هذا: التقدير العام، وهو أن الله تعالى علم أن الخلق عاملون بعلمه القديم الذي سبق كل شيء، علم أعمالهم وعلم عددهم وعلم عدد المخلوقات، وأحصى ذلك قبل أن يوجدوا، وخلق القلم وأمره أن يكتب، وجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، هذا ما يؤمن به المسلمون. دليل ذلك من القرآن ظاهر مثل قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، ومثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ، والآيات في هذا كثيرة تفيد سعة علم الله بالأشياء قبل وجودها.

стр. 436

غلاة المعتزلة ينكرون علم الله في الأزل ذكر أن غلاة المعتزلة المتقدمين أنكروا هذا النوع وزعموا أن الله لا يعلم الأشياء حتى توجد، وقال بعضهم: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، أي: يعلم عموم الأشياء ولا يعلم تفاصيلها، ومقتضى هذا أنه يعلم عدد الخلق ولكن لا يعلم تفاصيل أعمالهم، فإذا علم أن هذه القبيلة يبلغ عددها كذا وكذا، فلا يعلم أعمال هذا الإنسان حتى يعملها. وهذا يعتبر تنقصاً لعلم الله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة:٧٨] ، فيلزم التنقص إذا وصف بأنه لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها. هؤلاء الذين أنكروا العلم السابق الأزلي هم الذين عناهم الإمام الشافعي في هذه الكلمة: (ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا) ، يعني: هل تقرون بأن الله بكل شيء عليم؟ هل تقرون بأن الله عالم بكل شيء؛ لأن الله علام الغيوب، وأن الله يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ هل تقرون بسعة علم الله تعالى؟ فإن أقروا خُصموا، فإن العلم بالتفاصيل داخل في ذلك، وإن جحدوا كفروا، وذلك لأنهم إذا جحدوا علم الله تعالى لزمهم أن يصفوه بالعجز وبالجهل، وبأنه يكون في الوجود ما لا يريد، فيلزم من ذلك التنقص، ولا شك أنه إنكار للأدلة، فيكونون بذلك كفاراً جاحدين لصفات الله تعالى. وقد أقر الأشعرية بوصف الله تعالى بأنه بكل شيء عليم، ولكنهم أنكروا بعض الصفات الفعلية، أما المعتزلة فأنكروا صفة العلم لله ، ووصفوه بأنه لا يجهل؛ هكذا في معتقداتهم!

стр. 437

شبهات القدرية حول علم الله السابق بعد ذلك أخذوا يوردون شبهات ويقولون: إذا علم الله أن هذا الإنسان يعمل كذا وأنه يعمل كذا، فلا بد أن يكون قادراً على أن يرده أو غير قادر على أن يرده. فإذا كان قادراً على أن يرده فلم يرده، أصبح قد رضي بأفعاله التي هي المعاصي. وإذا لم يكن قادراً، أصبح موصوفاً بالعجز، وما أشبه ذلك من هذه التشكيكات التي يوردونها على أهل السنة الذين يصفون الله تعالى بالعلم القديم. وقد ذكر المؤلف جواب أهل السنة عن ذلك، فإن أهل السنة يقولون: إن كل ما وقع فإنه مراد، ولكن من ذلك ما هو مراد ومحبوب كالطاعات، ومنه ما هو مراد ومقدر كالمعاصي، فمن المراد المقدر ما علمه الله وقدره وقضاه على العبد، ولكنه كرهه شرعاً ولم يحبه، وتوعد عليه، والعبد عندما زاوله يوصف بأنه كافر أو عاص أو مجرم أو فاسق أو خاطئ أو مذنب، حيث ارتكب هذا وفعله بقدرة واختيار مستطاع له، فهو الذي يعاتب ويعاقب عليه، هذا هو معتقد أهل السنة في هذا، ولا يلزم من إرادته كوناً أن يحبه وأن يقدره وأن يريده شرعاً. والله تعالى كما تقدم قد أعطى العبد قدرة يستطيع بها مزاولة أعماله، فالعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أفعالهم ولهم إرادة، ولكن الله تعالى هو الذي خلقهم وخلق قدرتهم وإرادتهم ولو شاء لهداهم، ولكنه لحكمته البالغة أضل قوماً بعدله، وهدى قوماً بفضله، فله النعمة على من هداه، وله الحكمة على من أضله. وأعطى كلاً منهم من الاستطاعة ما يزاول به أعماله، وهذا قد تكرر معنا في الرد على هؤلاء الذين يطيلون الجدل في مثل علم الله تعالى وإرادته، فنحن إذا قلنا: إن جميع ما في الوجود مراد قدراً، وكل ما هو حادث فهو معلوم لله قبل أن توجد المخلوقات ومراد كوناً وقدراً؛ بحيث إن الله قدره وإنه لو شاء ما حصلت هذه الأشياء، فإنه سبحانه لقدرته لا يمكن أن توجد معصية قسراً عليه بدون رضاه أو بدون تقديره، ولكنه لحكمته جعل هؤلاء من أهل الذنوب وهؤلاء من أهل الحسنات لحكمة منه، ولا شك أن الذين اختاروا هذا والذين اختاروا هذا لهم نوع من هذا الاختيار ليستحقوا ثواباً أو عقاباً، وحكمة الله تعالى خفية لا يطلع عليها العباد. فهذه الدرجة التي ذكرنا وهذه المنزلة التي هي العلم السابق هو الذي لا يتغير، يعني يقال: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ لا يمكن تغييره، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] ، هذا في المصائب، ويقول: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] . ويقول علقمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، يعني: يستسلم لما أصابه بقضاء الله تعالى وبقدره، فيكون بذلك قد اتقى الله حق تقاته، وقد علم أن ما حدث فهو بأمر الله تعالى وبتقديره، وفعل ما يقدر عليه وما هو مأمور به، واستسلم لأمر الله تعالى. وقد تقدم لنا وتكرر أن إيماننا بالقضاء والقدر لا يستلزم أن نترك الأسباب والأفعال والأعمال التي نعملها، كما أننا لا نترك الأسباب الحسية في طلب المعاش؛ فكذلك في طلب الأجر الأخروي والحسنات الأخروية، فالعبد مأمور بأن يفعلها مع إيمانه بأنها مقدرة وأنها ستأتيه، ويؤمن بأن المصائب التي وقعت عليه لا بد منها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، ولقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ، وهذا في الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء:٧٧] ، فتبين أن التحصن لا يدفع قدر الله تعالى الذي قدره. فعلى كل حال فإن الإيمان بسعة علم الله تعالى وواسع علمه بتفاصيل المخلوقات، لا ينافي فعل الأسباب وحدوث المسببات بعد أسبابها.

стр. 438

الإيمان بالقدر وسبق علم الله من عقد الإيمان والاعتراف بربوبية الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] ) . الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها، قال ﷺ في جواب السائل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، وقال ﷺ في آخر الحديث: (يا عمر؛ أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) رواه مسلم] .

стр. 439

أحاديث ذم القدرية قال المؤلف ﵀: [وقوله: (والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته) أي: لا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقاً غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، وأحاديثهم في السنن. روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) . وروى أبو داود أيضا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال) . وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) . وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من بني آدم ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية) ، لكن كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة وإنما يصح الموقوف منها. فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: (القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده) ، وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما أظهر من علمه بخطابه وكتابة مقادير الخلائق، وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر] .

стр. 440

الإيمان بالصفات متوقف على الإيمان بالقدر ذكر أن الإيمان بالقدر من تمام الإيمان بصفات الله تعالى، وأنه واجب على الإنسان أن يؤمن بصفات الله، فيؤمن بأنه الخالق وحده، ويؤمن بأنه العليم والحكيم، وبأنه المدبر والمتصرف في الخلق، وذلك كله يتوقف على الإيمان بالقدر؛ لأن القدر إذا قلنا إنه يدخل فيه قدرة الله ويدخل فيه علم الله، فإنكار قدرة الله تعالى إنكار لصفاته ووصف له بالعجز ، وبأنه يكون معه من يتصرف في الكون بدون رضاه، وذلك شرك. كذلك إنكار علم الله وصف له تعالى بالجهل، وذلك أيضاً غاية التنقص، فمن آمن بأن الله على كل شيء قدير، وبأن الله بكل شيء عليم، آمن بأنه عزيز حكيم، وبأنه هو الذي نظم الخلق وهو الذي يتصرف في الكون وحده، وهو الذي يعلم السعيد والشقي والفاجر والتقي، وهو الذي قدر المقادير وأوجدها، فيلزمه والحال هذه أن يعلم أن هذه المصائب التي تحدث تحدث بعلم الله، وأنها متى وقعت فليس منها مفر ولا محيد، ولأجل ذلك أمر النبي ﵊ بالإيمان بهذا الأمر بقوله: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ، وقال لـ ابن عباس في حديثه المشهور: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، يعني يبست الصحف مما كتب فيها، ورفعت الأقلام فلم يبق كتابة، بل الأمر قد فرغ منه وقد عرف أهل الجنة من أهل النار. فالإيمان بالقدر من تمام الإيمان بالله، والذين أنكروه صنفان: صنف أنكروا العلم وصنف أنكروا القدرة، فالذين أنكروا العلم هم الغلاة الذين يقولون: إن الله لا يعلم الأشياء حتى توجد أو إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، وهم غلاة المعتزلة قديماً؛ منهم عمرو بن عبيد ومنهم غيلان القدري ومنهم معبد الجهني، فهؤلاء موصوفون بأنهم من غلاة القدرية. ثم جاء بعدهم المعتزلة الذين أخذوا منهم بعض الأشياء فأنكروا قدرة الله عموماً، ومنهم أبو الهذيل العلاف المعتزلي وأبو هاشم الجبائي ومنهم القاضي عبد الجبار الهمداني ومنهم الجاحظ المشهور وأشباههم، هؤلاء من المعتزلة الذين أنكروا قدرة الله، ولأجل ذلك قال الإمام أحمد ﵀: (القدر قدرة الله) ، يعني أن الإيمان بقدرة الله إيمان بالقدر.

стр. 441

مشابهة القدرية للمجوس في إثبات خالق غير الله وعلى قول هؤلاء المعتزلة يكون هناك من يخلق مع الله، ولا يكون الله هو الذي يخلق وحده، وعقيدة المعتزلة أن كل إنسان يخلق فعله، وأن الله لا يقدر على أفعال العباد، وأنه لا يستطيع أن يهدي هذا ولا يضل هذا، وأن قدرة العبد تغلب قدرة الله، فإذا أراد العبد أن يعصي وأراد الله ألا يعصي غلبت قدرة العبد على قدرة الخالق تعالى، فهذا هو معتقدهم في أن العبد يخلق أفعاله دون أن يكون لله قدرة على رده. ويزعمون أن هذا هو العدل فيقولون: إنه لو خلق الأفعال في العبد ثم عذبه عليها لاعتبر ظالماً له، وهذا هو سبب غلوهم في القدر حتى جعلوا هنالك من يخلق مع الله تعالى، ولم يجعلوا الخلق والأمر لله، فخالفوا قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ، فالخلق لله وحده والأمر الذي هو الشرع لله وحده. ولأجل ذلك وردت هذه الأحاديث في أن: (القدرية مجوس هذه الأمة) ، وهذه الأحاديث مروية في السنن ولكن فيها مقال فلا يثبت رفعها، وإنما الصحيح أنها موقوفة، يعني: أنها من كلام الصحابة. ولا شك أن كلام الصحابة معتبر؛ وذلك لأنهم هم الذين شاهدوا نزول الوحي، وهم الذين نقلوا لنا الشرع عن النبي ﷺ ، فإذا حذرونا من هؤلاء القدرية وقالوا: إنهم يجعلون مع الله من يخلق وإنهم مجوس هذه الأمة؛ لم يقولوا ذلك إلا عن توقيف، ولا بد أنهم عرفوا ذلك عن طريق الرسول ﷺ وعن طريق شريعته، هذا هو السبب في كون أقوالهم أصبحت معتبرة. ومعنى كونهم مجوس هذه الأمة أن المجوس كما تقدم في أول الكتاب -ويسمون الثانوية- يدعون أن الخلق صدر عن اثنين: النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، فيدعون أن الخلق صادر عن خالقين. القدرية يقولون: الله هو الذي خلق الإنسان ولكن الإنسان يخلق أعماله وأفعاله، فيجعلون مع الله من يخلق ولا يجعلون الأفعال مخلوقة لله تعالى، ويخالفون قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وقد تقدم أنهم يخشون بذلك أن يحتج محتج بالقدر على المعاصي. يقول العلماء: إنهم لما اعتقدوا هذا الاعتقاد السيئ، وهو أن العبد هو المستقل بفعله، وأن الله ليس بقادر على أن يخلق أفعال العباد لا خيراً ولا شراً، خلى الشيطان بينهم وبين الأعمال فأصبحوا يتعبدون ويكثرون من التمسك، ويأتون بأنواع التنفلات والقربات، ويبتعدون عن المحرمات صغائرها وكبائرها، لأن من عقيدتهم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، وأن الكبيرة توجب الخلود في النار، ويسمون ذلك إنفاذ الوعيد، فالوعيد الذي ورد في الشرع لا بد أن ينفذ، ومن توعده الله بأية عذاب فإنه يحكم بخلوده في النار. فأهل المعاصي عندهم مخلدون في النار لا يخرجون منها، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، وبقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] ، وبقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] ، وما علموا أن هذه الآيات في الكفار الذين حكم بأنهم مخلدون فيها، أما العصاة الذين أذنبوا ذنوباً فسيأتينا أنهم يخرجون من هذه بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين، وبكل حال فهؤلاء مجوس هذه الأمة، وهذا هو قولهم. وأما مخافتهم أن يحتج محتج بالقدر على فعل المعاصي، فقد ذكرنا أن من عقيدة أهل السنة: أن المعاصي إذا صدرت عن العبد نسبت إليه مباشرة ونسبت إلى الله تعالى تقديراً، ولما كانت تنسب إلى العبد مباشرة وإيجاداً استحق ذلك العبد أن يعاتب عليها وأن يعاقب، وكذلك الطاعات تنسب إلى العبد مباشرة وتنسب إلى الله خلقاً وتقديراً، وإذا كان كذلك فلا حجة للمجبرة على فعل الذنوب، ونعرف بذلك أن كلتا الطائفتين خاطئة: أعني القدرية الذين ينفون قدرة الله على أفعال العباد، والمجبرة الذين يعذرون العبد في الأفعال ويقولون إن تعذيبه على أفعاله ظلم، حيث إنه ليس له أية اختيار، فنقول: إن له اختياراً لكن اختياره مسبوق باختيار الله تعالى، وله قدرة ولكن قدرته مغلوبة بقدرة الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة، حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد فأخرجوها عن قدرته وخلقه، والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع هو: ما قدره الله من مقادير العباد، وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعنى به هؤلاء، كقول ابن عمر ﵄ لما قيل له يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: (أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء) ] .

стр. 442

الأصول التي يقتضيها الإيمان بالقدر المطابق للعلم قال المؤلف: [والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولاً عظيمة: أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم. الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدراً قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، فالخلق يتضمن تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له قدراً، وتقديره قبل وجوده، فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافاً لمن أنكر ذلك وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات! فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات. الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخباراً مفصلاً، فيقتضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علماً مفصلاً، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، فإنه إذا كان يعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو؟! الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله محدث له بمشيئته وإرادته، ليس لازماً لذاته. الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه] . الاستدلال بهذه الآيات على القدر: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، والقدر معناه: تحديد الشيء وتقدير مدته وتقدير زمانه، ومعناه: أن الله قدر الأعمال، أي: متى تحدث هذه الطاعة، ومتى تنتهي، وقدر الأعمار، فعمر الإنسان لا يزيد عما قدره الله وكتبه ولا ينقص، وقدر الوفيات وأسبابها وجعلها مكتوبة؛ بأن هذا الإنسان لا بد أن يموت بكذا وكذا، وليس له مفر مما كتبه الله عليه وما أشبه ذلك. وورد أيضاً: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر الله) أي: هي مكتوبة، يعني قدر الله أن هذا يصاب بمرض وأن المرض يعالج بكذا وكذا، فهو مقدر ومكتوب أن يزول المرض بهذا السبب، ولأجل ذلك أمر النبي ﷺ بالتداوي في قوله: (تداووا عباد الله ولا تتداووا بالحرام، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء) ، فتعاطي هذه الأسباب لا ينافي أن العبد مكتوب عليه ما هو فاعل، ولا يقول إنسان: أنا سوف أترك هذا الفعل ولا بد لي من حصول ما كتب لي! لأن ترك الأسباب كلياً نقص في العقل. لو رأيت إنساناً عزم على ترك الأكل والشرب واللباس ونحو ذلك، وقال: إذا قدر الله أني أتغذى فسأتغذى بدون ذلك، وإذا كان الله قد قدر لي ذلك فلا حاجة إلى أن أطعم وإلى أن أشرب وإلى أن ألبس وإلى غير ذلك! نقول: هذا نقص في العقل؛ لأن هذه الأشياء جعلها الله أسباباً حسية وأمر بتعاطيها وأباحها، فلا يكون شبع إلا بواسطة الأكل، ولا ري إلا بواسطة الشرب، ولا ولد إلا بواسطة النكاح، وكذلك الأرزاق التي أمر بالاكتساب لها، فإنه أمر بفعل هذه الأسباب حتى يحصل من آثارها الرزق، ولو كان هو الذي قدرها وهو الذي يسرها، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] ، فذكر أنهم يزرعون، أي: يغرسون الأشجار ويسقونها ويبذرون الحبوب وينبتونها، فأضاف إليهم الفعل، ولكن أخبر بأنه هو الذي جعل هذه الأرض قابلة لذلك حتى تصير منبتة ومثمرة ونحو ذلك، وهو الذي أوجد هذا الماء الذي به هذا الشراب، ولو شاء لغيره كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة:٧٠] يعني ملحاً أجاجاً لا يصلح للشرب ولا للسقي ولا لغير ذلك. فأصبح الإيمان بهذا القدر يقتضي أن نعلم بأن تفاصيل الأشياء معلومة وموجودة لله تعالى، ولكن لا تترك الأسباب الحسية، بل يفعلها الإنسان ويعلم أنها مقدرة من الله، وأنه هو الذي أمر بها ويسرها.

стр. 443

شرح العقيدة الطحاوية [٣١] التكذيب بالقدر والتشكيك في علم الله مرض من الأمراض الخبيثة التي تسيطر على القلب، فعلى المؤمن أن يتخذ أسباب الوقاية من ذلك، وإذا طرأ عليه مرض فعليه أن يعالجه بكتاب الله وسنة رسوله كما ذكر العلماء.

стр. 444

أهل السنة في القدر وسط بين القدرية والجبرية لا نزال في أحد أركان الإيمان، وهو ركن الإيمان بالقضاء والقدر، وقد توسع فيه صاحب المتن وصاحب الشرح؛ وذلك لأن الخلاف فيه مع طائفتين مشهورتين: طائفة تغلو في الإثبات وطائفة تغلو في النفي، والذين يغلون في النفي طائفتان أيضاً، منهم من ينفي العلم ومنهم من ينفي القدرة، وكل هذه الطوائف مبتدعة ضلال. وقد هدى الله أهل السنة فتوسطوا في باب القدر بين الجبرية والقدرية، فالجبرية نفوا قدرة العبد وجعلوه مجبوراً ليس له أي اختيار، وجعلوه يعاقب على ما لم يفعل ويثاب على ما ليس له فيه اختيار، فجعلوا حركته كحركة الشجر الذي تحركه الرياح. وأما القدرية فإنهم نفوا قدرة الله على أفعال العباد، ووصفوا ربهم تعالى بالعجز عن الهداية وعن التصرف في الخلق كما يريد، فلأجل ذلك كانوا -كما سبق- شبيهين بالمجوس، ووردت فيهم آثار وأحاديث -وإن لم يصح رفعها- تذكر أنهم مجوس هذه الأمة، وأنهم لخصلتهم هذه ينبغي مقاطعتهم، كما في تلك الأحاديث: (إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) . فهذا يدل على أن على أهل السنة مقاطعتهم، ومعلوم أن عيادة المريض من حق المسلم على المسلم وكذلك أن يتبع جنازته إذا مات، ولكن قاطع الصحابة وتلامذتهم هؤلاء؛ وذلك لأنهم أتوا بأمر شنيع، وهو تعجيز الله واتهامه بعدم القدرة، وتفضيل قدرة العباد على قدرته، ولو كانوا -في زعمهم- يريدون أن ينزهوا ربهم عن الظلم، أي: عن أن يخلق المعصية ثم يعاقب عليها! وقد ذكرنا أن أهل السنة وسط في باب القدر بين الجبرية والقدرية، وذلك لأنهم آمنوا بقدرة الله على كل شيء، ثم مع ذلك اعتقدوا أن العبد له قدرة مغلوبة بقدرة الله، وأن الله تعالى أعطى العباد قدرة يزاولون بها أعمالهم، فبتلك القدرة يفعلون الأعمال التي يثاب العبد عليها أو يعاقب ولو كانت مغلوبة بقدرة الله! فيقال: للعبد قدرة وله إرادة، وقدرة الله وإرادته غالبة على قدرة العبد وعلى إرادته، وتلك القدرة هي التي يستحق عليها أن يثاب على الطاعة ويعاقب على المعاصي، ولولا تلك القدرة لبطلت حكمة الله ولبطل شرع الله، وذلك لأن الله تعالى قد شرع الشرائع، وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب وضمنها أوامر ونواهي، فلا بد أن يكون هذا الأمر والنهي موجهاً إلى من يستطيع مزاولته، وإذا آمنا بذلك آمنا بأن الله تعالى أقدر العباد على ما هم قادرون عليه وأعطاهم القدرة التي تناسبهم، فبها يثابون وبها يعاقبون.

стр. 445

أمراض القلوب في باب القدر يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (فويل لمن ضاع له في القدر سقيماً -وفي نسخة: فويل لمن صار قلبه في القدر قلباً سقيماً- لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرّا كتيماً وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً) . القلب له حياة وموت ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان، فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر) ، وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه] .

стр. 446

مرض القلب ناتج إما عن شهوة أو شبهة قال المؤلف ﵀: [ومرض القلب نوعان كما تقدم: مرض شهوة ومرض شبهة، وأردؤها مرض الشبهة، وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر، وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته. وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته: وما لجرح بميت إيلام. وقد يشعر بمرضه ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس وليس له أنفع منه. وتارة يوطن نفسه على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي أسوة بهم؟! وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم. فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]] .

стр. 447

الأمر بلزوم الجماعة هو لزوم الحق لا الكثرة قال المؤلف ﵀: [وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بـ أبي شامة -في كتاب الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: (السنة - والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي؛ الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك فكونوا) ] .

стр. 448

تفصيل أمراض القلوب الكلام يتعلق بمرض القلب وصحته، ومناسبته أن هؤلاء المبتدعة ما أتوا إلا من زيغ القلوب، وما صرفوا عن الحق إلى بسبب مرضها. ولا شك أن أسباب المرض كثيرة، ومنها تلقي الشبهات، فالله تعالى قد ذكر أن القلوب تمرض فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] . فذكر المؤلف أن مرض القلوب نوعان: مرض شهوة ومرض شبهة، وقد ذكر الله مرض الشهوة في قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، هذا مرض الشهوة، وهو الذي يميل إلى الفواحش ويطمع في الأجنبية إذا خضعت بالقول، فلذلك قال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، ينهى نساء النبي عن هذا. وأما مرض الشبهة فهو أشد، وهو الذي يصد القلب عن الحق، ومتى صد القلب عنه ابتلي بالباطل، وقد ذكر الله للقلوب أنواعاً من الأمراض فمنها الطبع، قال تعالى حكاية عن اليهود: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النساء:١٥٥] ، فالطبع عليها معناه: أنه ختم عليها بحيث لا يصل إليها الخير ولا تعرفه ولا تطمئن إليه، وهذا الطبع هو أشد الأمراض. كذلك مرض ثان وهو الختم، وهو بمعنى الطبع، قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] ، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] ، ومعلوم أن الختم هو تغطية الشيء بحيث لا يصل إليه شيء، كما في الظروف المختومة التي لا تصل إليها الأيدي، فالقلب الذي قد ختم عليه لا يصل إليه الخير ولا ينتبه للمواعظ ولا يتذكر، وسبب ذلك هو الشبهات. وكذلك ذكر الله من أمراض القلوب: الزيغ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] . والزيغ معناه: الانحراف والميل، ولا شك أن سببه الشبهات والتشكيكات التي تجعل الحق عنده باطلاً والباطل حقاً، فيميل عن الحق إلى الباطل وذلك هو الزيغ، وقد ذكر الله أيضاً أسبابه: فذكر من أسبابه أنهم زاغوا بأنفسهم فزادهم الله من ذلك: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] . وذكر أيضاً من أسبابه تتبع المتشابهات، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله عن الراسخين: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] ، فالزيغ: معناه الانحراف والميل عن الاستقامة، وسببه هذه المعاصي والمخالفات. وذكر الله أيضاً من أمراض القلوب: القسوة، التي هي قسوة معنوية، بحيث إن القلب لا يصل إليه الخير ولا يلين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] . فعابهم بأنهم قست قلوبهم، وأبعد القلوب من الله تعالى القلب القاسي، وهو الذي لا يلين لموعظة ولا يتأثر بتذكير ولا يقبل ذكراً، ولا يتأثر بتخويف، وتأتيه الإرشادات والنصائح وهو يصد عن كل ذلك صدوداً، ولا يزيده ذلك الأمر إلا نفوراً، وما ذاك إلا أنه ممتلئ من الانحراف وممتلئ من الشبهات، ولم يبق فيه محل للمواعظ ولا محل للاعتبار ولا لقبول الحق، فكان بذلك قلباً قاسياً لا يلين، وشبه بحجارة أو أشد من الحجارة. وقد ذكر الله أيضاً من أمراض القلوب: الران، الذي ذكره بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ، والران أو الرين: هو الغطاء الذي يحجب القلب عن الاعتبار ويحجبه عن التذكر ولا يصل إليه الخير، ولا شك أن سببه كثرة الذنوب؛ فكلما كثرت الذنوب صارت أغلفة على القلب؛ غلافاً فوق غلاف وغطاء فوق غطاء، إلى أن يشق اختراقها وتعسر تنقيتها وإزالتها! وأشد الأمراض كما ذكر بعض العلماء هو: الإقفال الذي ذكره الله بقوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ، ولا شك أن القفل هو ما يغلق به الباب ويوصد ولا يمكن فتحه إلا بمفتاحه الذي صنع له، فالقلب إذا كان قد أقفل ولم يكن له ما يفتح به، فإنه يبقى محجوباً ومحجوزاً لا يصل إليه خير.

стр. 449

أسباب الوقاية من أمراض القلوب نقول: لا شك أن هذه الأمراض التي ذكرنا لها أسباب، وقد ورد من أسباب أمراض القلوب: الشبهات والشهوات والتشكيكات وما أشبهها، وكلما عظمت تلك الشكوك تراكمت على القلب فحصل الزيغ والانحراف والميل عن الاستقامة، وكلما لان القلب وقبل الحق فإنه يلين ويتأثر، كما ذكر الله تعالى ذلك عن أوليائه المؤمنين بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] . والقلب اللين: هو الذي إذا سمع موعظة تأثر، ومن علامة تأثره أنه يقبل على الله ويعرض عما سواه، ومن علامة تأثره -أيضاً- أنه يحدث فيه خشوع وخوف، ويحدث فيه زيادة في الطاعات وانصراف عن الآثام والمحرمات؛ فهذه من علامة لين القلب. وكذلك أيضاً اطمئنانه إلى الخير، وقد ذكر الله ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، فقلوب المؤمنين هي التي تطمئن بذكر الله وهي التي تلين لكلام الله، وأما قلوب الفسقة ونحوهم فإنها قاسية مقفلة لا يصل إليها الخير مهما تكلم الإنسان ومهما وعظ، كما وصفوا بأنهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨] . وعلى كل حال: فأسباب ذلك في هؤلاء المبتدعة هي الشبهات، فعلى العبد أولاً أن يكثر الاستعاذة بالله من زيغ القلب، لقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] ونحو ذلك من الأدعية، كذلك يتجنب تلك الشبهات التي تصل إلى القلب فتقسيه، كذلك يتجنب المعاصي التي لها تأثير أيضاً في القلوب ولها تأثير في إعراضها عن الحق وعدم تقبله. وبعد أن عرفنا أن الأسباب في قسوة القلب هو هذه الشبهات، نقول: إن هذه الشبهات كثيراً ما يثيرها أولئك المشبهون الذين زاغت قلوبهم؛ فهم يثيرونها حتى يزيغوا غيرهم، فعلى الإنسان أن يحذر من شبهاتهم. وشبهاتهم وتشكيكاتهم يشككون بها في قدرة الله وفي آثار علمه ومعلوماته، ويشككون بها أيضاً في عذابه وفي ثوابه وما أشبه ذلك، فإذا عرف العبد أن هذه من تشكيكات الذين قست قلوبهم تجنبها حتى يبقى قلبه ليناً خاشعاً خاضعاً متواضعاً. معلوم أيضاً أن هذه المواعظ ونحوها لها أثار على عباد الله، وأن العبد إذا قبلها استقام على الخير واستمر عليه وقبله، وإذا أكثر من حضور مجالس الذكر ومجالس العلماء ومجالس العباد، وقبل مناصحاتهم وإرشاداتهم تأثر بذلك أيضاً ولان قلبه؛ زيادة على ما يحصل له من كثرة العبادات وكثرة المعلومات؛ فإن السبب في أن قسماً من الناس لا يتأثرون بخير ولا يقبلون إرشاداً ولا نصحاً ولا غير ذلك، أنهم عاشوا على البعد عن الخير وعدم تقبله. وقسم آخر إذا تكلم معهم إنسان بكلمة أو كلمتين لانت قلوبهم وخشعوا ودمعت أعينهم، وأقبلوا على الله وتابوا إليه وأنابوا؛ وسبب ذلك محبتهم للخير وإقبالهم عليه، فعلى العبد أن يكون من الذين يحبهم الله والذين يقبلونه ويقبلون كلامه.

стр. 450

أعراض مرض القلب وعلاجه قال المؤلف ﵀: [وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة إلى الأغذية الضارة، وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه الضار، فهاهنا أربعة أشياء: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] ، و (من) في قوله: (من القرآن) لبيان الجنس لا للتبعيض. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧] . فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق، وإيمان وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه لم يقاوم الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها؟! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه. وقوله: (لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرّاً كتيماً) أي: طلب بوهمه في البحث عن الغيب سرّاً مكتوماً، إذ القدر سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب، وقد قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] إلى آخر السورة. وقوله: (وعاد بما قال فيه) أي: في القدر (أفاكاً) : كذاباً (أثيماً) أي: مأثوماً] .

стр. 451

علاج أمراض القلوب بكتاب الله وسنة رسوله ذكر أن القلوب تمرض وأن لها شفاء، وأنها بحاجة إلى علاج وبحاجة إلى غذاء، فالبدن إذا مرض احتاج إلى الدواء، وإذا جاع احتاج إلى الغذاء، وغذاء البدن الأكل والطعام، وعلاجه الأدوية والعقاقير وما أشبهها وهذا غذاء ودواء حسي، ولكن لا يفيد ذلك في مرض القلوب. فالقلوب لها غذاء هي بحاجة إليه أشد من حاجة الأبدان إلى غذائها، وهو غذاء معنوي؛ هذا الغذاء هو ما يستنبط من العلوم الشرعية، هذا الغذاء هو كلام الله وكلام رسوله والعمل به. فما دام القلب مستقيماً وما دام سليماً، فإنه بحاجة إلى أن يستمر معه هذا الغذاء، يستمر العبد على قراءة كلام الله وعلى تعلمه، وعلى تعلم السنة النبوية وعلى العمل بها، حتى يبقى قلبه سليماً ويبقى على العمل وعلى الفطرة والاستقامة. أما إذا أحس بمرض من الأمراض التي ذكرنا، فإن لديه العلاج النافع، وليس علاجه عند الأطباء وفي الصيدليات ونحوها، بل علاجه معنوي، وهو أن يتعاطى هذا الكتاب وأن يعالج به قلبه، فإذا كان المرض من الشبهات فإنه يزيلها بما يبطلها، فإذا ورد إلى القلب شبه التشكيك في المعاد وجد في القرآن علاجاً يزيل هذه الشبهة. وإذا مرض القلب بشبهة التشكيك مثلاً في الإيمان بالغيب وجد في القرآن علاجاً ودواءً لهذا المرض، وإذا مرض القلب بشبهة الشك في المعاد أو في المبدأ أو في أول الخلق أو في آخره، أو بشبهة الشك -مثلاً- في الأسماء والصفات، أو بشبه الشك في العبادات والمعاملات، أو بشبهة الشك في الأوامر والنواهي، أو ما أشبه ذلك؛ وجد علاج ذلك علاجاً كاملاً في كلام الله وكلام رسوله، ولكن ذلك يحتاج إلى قلب حي واع فطن، يحتاج إلى تأمل؛ فيقرأ كتاب الله ويتتبع السنة النبوية، وعند ذلك يحيا قلبه بعد أن كان ميتاً، ويصح بعد أن كان مريضاً، ويزول ما فيه من الوهن، وتزول الأمراض الكثيرة التي ذكرنا، فيزول الإقفال، وتزول الأكنة، ويزول الختم، ويزول الطبع، وتزول القسوة، ويزول الرين إذا استعمل كتاب الله كعلاج ودواء لهذه الأمراض القلبية.

стр. 452

الآيات التي تصف القرآن بأنه شفاء وقد توسع العلماء ﵏ في أمراض القلوب وفي بيان علاجها، وقد ذكر من ذلك جملة كثيرة ابن القيم ﵀ في أول كتابه الذي سماه (إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان) ، وغيره من العلماء الذين تكلموا على أمراض القلوب وعلاجها، وذكروا أن علاجها بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه ﷺ ، وأنه أيضاً هو غذاؤها، واستدلوا بالآيات التي تصف القرآن بأنه شفاء، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] ، والذي في الصدور هو الشكوك؛ فمن وقع في قلبه شك أو وقع في قلبه شيء من التردد أو ما أشبه ذلك، فليعالج قلبه بكتاب الله ، وبذلك يزول ذلك الشك ويزول ذلك المرض. كذلك قول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] ، فالمؤمنون هم الذين إذا قرءوا القرآن شفوا؛ سواء شفاء حسياً وهو إزالة الأمراض، أو شفاء معنوياً وهو تصفية القلوب وإزالة ما فيها من الصدأ، فإن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤه بكتاب الله وبسنة رسوله، وبالعمل بالشريعة، فبذلك يصفو القلب ويستنير ويصير نوره محرقاً لتلك الأمراض التي يأتي بها أولئك المشبهون. فعلى العبد أن يقبل على هذا العلاج النافع حتى يؤثر فيه، ولا يؤثر فيه إلا إذا كان صادق الرغبة في إقباله على الله، وصادقاً في محبته لكلام الله وكلام رسوله، ومصدقاً بما وصف به هذا القرآن من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] ، وفي الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ للمؤمنين﴾ [يونس:٥٧] فوصف بأربع صفات، وكل واحدة منها لها أهميتها. كذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤] .

стр. 453

القرآن علاج للأمراض الحسية والمعنوية المستعصية بشرط الإيمان وقد جرب كثير من العلماء هذه الآيات في أنها تشفي شفاءً حسياً الأمراض الحسية التي يبتلى بها بعض الناس، فقالوا: إن المسلم إذا استعمل هذه الآيات وعمل بها وعالج بها قلبه شفي، وكذلك إذا عالج بها بدنه شفي، فتزول الأمراض العارضة التي تعرض للإنسان ولا يستطيع علاجها الأطباء، كمرض الشياطين الذي هو مرض السحرة ونحوهم، والصرف والعقل. وكذلك مرض الجان والإصابات بالجنون وملامسات وملابسات الجان، لا يستطيعها أيضاً الأطباء ولا يعالجونها، ومرض الإصابات بالنظرة وبالعين ونحوها، لا يستطيعها أيضاً الأطباء؛ ولكن علاجها الصحيح هو القرآن الذي فيه هذا الشفاء الذي مدحه الله بهذه الآيات في قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] ، أي: غير المؤمنين، وذلك: أولاً: أنهم لا يعترفون بأنه كلام الله. ثانياً: أن أمراضهم مستعصية، وهم التي قست قلوبهم فهم لا يتأثرون به. ثالثاً: أن الله ما جعله إلا لأهل ذكره ولأهل عبادته شفاءً، أما غير المؤمنين فحرمهم من الانتفاع به. فهذا علاج حسي، فإذا أراد الإنسان أن ينتفع بالقرآن وأن تزول به أمراضه، فعليه أن يحقق الإيمان، وأن يحقق التصديق به، وأن يحقق العمل بالشريعة، وأن يصدق بأنه كلام الله الذي جعله شفاء، وأن يعمل منه بكل ما يستطيع من العمل، فبذلك إذا عالج به صدقاً نفعه واستفاد منه، هكذا ذكر كثير من المحققين من العلماء. كذلك أيضاً نقول: وجد أيضاً بالتجربة أن هناك أمراضاً مستعصية على الأطباء، كمرض السرطان ونحوه من الأمراض التي استعصت، ومع ذلك عولجت بكلام الله فشفاها الله، ولكن ما حصل الشفاء إلا لأناس، وذلك إذا اجتمع أمران: إيمان المريض وتصديقه بأن القرآن شفاء وكان أمله به، وكذلك إيمان الراقي وتصديقه بذلك واستعماله له، فاجتمع الأمران فحصل بذلك الشفاء. وعولج به الفسقة والعصاة وأهل الشبهات والمبتدعة ونحوهم، فلم يتأثروا لا في الأمراض الحسية ولا في الأمراض المعنوية، وذلك كله تحقيق لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤] .

стр. 454

شرح العقيدة الطحاوية [٣٢] العرش أعظم المخلوقات، وهو غير الكرسي، وقد جاء وصفه في كثير من الآيات والأحاديث، وأهل السنة يؤمنون به كما جاءت به الأدلة، ولا يصغون إلى شبهات المبطلين.

стр. 455

الكلام على العرش قال الشارح ﵀: [قوله: (والعرش والكرسي حق) . كما بين تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] ، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] ، في غير ما آية من القرآن: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦] ، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧] ، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] . وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) . وروى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء) ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. وروى أبو داود وغيره بسنده إلى رسول الله ﷺ من حديث الأطيط أنه ﷺ قال: (إن عرشه على سماواته كهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة) الحديث، وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن) ، يروى: (وفوقه) بالنصب على الظرفية وبالرفع على الابتداء، أي: وسقفه. وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وربما سموه: الفلك الأطلس والفلك التاسع! وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة كما قال ﷺ : (فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟) ] .

стр. 456

عظمة العرش ابتدأ في الإيمان بالغيب، ومن جملة ما أخبر الله به من الأمور الغيبية: العرش والكرسي، فذكر الله العرش في هذه المواضع في القرآن، وذكره النبي ﷺ في هذه الأحاديث، وذكر الكرسي في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وذكر الله تعالى أنه استوى على العرش في سبع آيات من القرآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] . وقد أنكر حقيقة العرش بعض المبتدعة، فقال بعضهم: العرش: هو الملك، فقوله: (استوى على العرش) أي: استوى على الملك. وهذا باطل، بل العرش هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ولهذا ذكر الله عن ملكة سبأ هذا العرش في قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ؛ وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨] ؛ وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢] ، فدل أن العرش هو السرير الذي يجلس عليه الملك. أما العرش الذي خصه الله تعالى بالاستواء فهو من الأمور الغيبية لا يحيط بوصفه إلا الله ، ورد في بعض الآثار في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، قال بعض الصحابة: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) ، الترس: هو المجن الذي يقي المقاتل به ضربات السلاح، والدراهم: واحدها درهم، قطعة من الفضة صغيرة كانوا يتعاملون بها، ماذا تشغل سبعة دراهم إذا جعلت في الترس؟ وماذا تغطي منه؟! لا شك أن هذا دليل على عظمة هذا الكرسي، فالسماوات السبع؟ والأرضون السبع من يحيط بها إلا الله ! كذلك ورد أيضاً أن الكرسي صغير بالنسبة إلى العرش، جاء في بعض الأحاديث: (الكرسي في العرش كحلقة ألقيت بأرض فلاة) ، الحلقة: هي الحديدة المتلاقية الطرفين، إذا ألقيت بأرض فلاة فماذا تشغل من تلك الأرض؟ هذا الكرسي الذي وسع السماوات والأرض هو بالنسبة إلى العرش كما ذكر، فإذا كانت هذه عظمة العرش فكيف بعظمة الخالق الذي هو رب العرش ورب كل شيء؟! وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كحبة خردل في يد أحدكم) ، والخردل حبه صغير في غاية الصغر؟! فكل هذا دليل على عظمة الله ، وأن هذه المخلوقات حقيرة بالنسبة لعظمته وجلاله وكبريائه، والعبد إذا استحضر عظمة الله فإنه يمتنع أن يقدم على معصيته، ويمتنع أن يغفل عن ذكره، ويحمله هذا الاستحضار على أن يعظم ربه غاية التعظيم، وأن يخافه غاية الخوف، وأن يجله ويبجله، وأن يصغر كل مخلوق عنده، فكل مخلوق -مهما كان قدره- يكون حقيراً وصغيراً بالنسبة إلى عظمة الخالق وجلاله وكبريائه. هذا هو السبب في كون الله تعالى وصف نفسه بالعظم، ووصف أيضاً العرش الذي خصه بالاستواء بالعظم في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] . وذكر الله العرش في عدة آيات مما يدل على أنه عرش حقيقي تطوف به الملائكة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] ، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] أي: رب العرش، أي: مالكه وخالقه. فهذه الأدلة تدل على أنه ليس كما تقول المعتزلة: إن العرش هو الملك، بل العرش مخلوق قد خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات، ولكنه عظيم لا يحيط به إلا الله ، ولا يعلم قدره إلا الله، والمخلوقات كلها صغيرة وحقيرة بالنسبة إليه، والله تعالى أعلم بحقيقته، وإنما على المؤمن أن يؤمن بما أخبر الله به، وأن يفوض علم الغيب إلى الله.

стр. 457

معنى العرش في اللغة قال الشارح رحمه الله تعالى: [والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ، وليس هو فلكاً، ولا تفهم منه العرب كذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب؛ فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، فمن شعر أمية بن أبي الصلت: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً لا يناله بصر العين ترى حوله الملائك صورا الصور هنا: جمع أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو، والشرجع: هو العالي المنيف، والسرير: هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة. وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: (مخفق الطير سبعمائة عام) . وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على الماء! ويكون موسى ﵇ آخذاً بقائمة من قوائم الملك؟! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟ !] . الله تعالى قد أخبر بأنه خلق العرش وأنه رب العرش في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] . والعرش في اللغة: هو سرير الملك، وقال الله عن بلقيس -وهي امرأة كانت ملكة في بلاد سبأ-: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] . كذلك أخبر تعالى عن عرشه العظيم بأخبار واضحة تدل على أنه مخلوق، وأنه محمول، وأن حوله الملائكة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] ، فالذين يحملونه بعض من الملائكة، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] ، والحفوف بمعنى: الاستدارة حول العرش، وذلك دليل على أنه مخلوق وأنه محمول. وأخبر أنه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] أي: صاحب العرش، وأخبر بأنه في يوم القيامة يحمل، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] . وأخبر أيضاً بأنه استوى على العرش في سبعة مواضع من القرآن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، في سورة الأعراف وفي سورة يونس، وفي سورة طه، وفي سورة الفرقان، وفي سورة السجدة، وفي سورة الحديد، وأخبر في سورة هود بأن العرش على الماء بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] أي: قبل أن يخلق السماوات كان عرشه على الماء. وسئل ابن عباس فقيل: (على أي شيء الماء؟ فقال: على متن الريح) ، فالله قادر على أن يجعل الماء على الريح، أو يجعله في هواء، فهو قادر على كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ) . ولما ذكر الله تعالى أنه استوى على العرش في آيات كثيرة، صعب تصديق ذلك على النفاة الذين ينفون علو الله تعالى واستواءه على عرشه، فقالوا: العرش: الملك، وقالوا في قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: على الملك استوى! وهذا خطأ بعيد، كيف يكون للملك هذه الأوصاف؟ فإن الله ذكر أن العرش تحمله الملائكة؛ فهل الملائكة تحمل الملك؟! والله ذكر أن العرش على الماء: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فكيف يكون الملك على الماء؟ لا شك أن هذا قول تنكره الطباع. العرب تعرف مسمى العرش، العرش في اللغة هو: السرير الذي يكون للملك، ذكر ذلك العرب في شعرهم، كما ذكر المؤلف الأبيات التي نقلت عن أمية بن أبي الصلت، وكان من شعراء العرب، فهو يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً لا يناله بصر العين ترى حوله الملائك صورا فوصفه بأنه سرير بالبناء الأعلى الذي بهر الناس، وسوى فوق السماء سريراً، فأطلق عليه أنه سرير كما هو في لغة العرب، وجعله في البناء الأعلى الذي هو السموات العلى، وأخبر بأنه فوق السموات. هذا الشعر قاله هذا الإنسان الذي هو عارف وعالم ببعض الأحكام، وقد أنشد بعض العرب شعره للنبي ﷺ كما في حديث عمرو بن الشريد أنه قال: (ردفت مع النبي ﷺ فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، فقال، هيه! فأنشدته بيتاً، فقال: هيه! ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه! حتى أنشدته مائة بيت، فقال: آمن شعره وكفر قلبه) أي: كما في أوصافه هذه حيث وصف الله تعالى بأنه الأعلى، وبأنه فوق السماء، وبأنه فوق العرش، وبأن العرش سرير كما في هذه الأبيات. كذلك أيضاً الأبيات التي نظمها عبد الله بن رواحة أحد شعراء الصحابة من الأنصار، لما وطئ أمة له بملك اليمين، فرأته زوجته فأنكرت عليه، فأنكر وقال: ما فعلت؟ وهي تعرف أن الذي عليه جنابة لا يقرأ القرآن، فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن، فأنشد هذه الأبيات واعتقدت أنها من القرآن، يقول فيها: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا فأخبر النبي ﷺ وأقره على ذلك، والشاهد منه ذكر العرش في قوله: وأن العرش فوق الماء طاف، والطافي: هو السابح الراكد فوق الماء. وقوله: وفوق العرش رب العالمينا، وقد أخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ، والمراد أنه فوق الماء وفوق المخلوقات. وبكل حال فالعرش هو هذا السرير الذي لا يعلم قدره إلا الله. وقد ذكر العلماء: أن الكرسي غير العرش، وهو الذي قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فالكرسي قيل: إنه كالمرقاة بين يدي العرش، هذا الكرسي وسع السماوات والأرض، أي: اتسع للسماوات السبع وللأرضين السبع، وقد ذكرنا فيما مضى الحديث الذي فيه: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) الترس: هو المجن، والدراهم: هي قطع من الفضة صغيرة، ماذا تشغل السبعة الدراهم من هذا الترس؟! الترس قد يتسع لسبعمائة أو لألف أو أكثر من ألف، ثم هذا الكرسي صغير بين يدي العرش! ورد أيضاً في بعض الآثار: (الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة) ، الحلقة: هي القطعة من الحديد المتلاقية الطرفين، إذا ألقيت في أرض فلاة ماذا تشغل منها؟! هل تشغل ربعها أو عشرها أو عشر عشرها أو ربع عشر من أعشار عشرها؟! ما تشغل منها إلا جزءاً يسيراً، فهكذا نسبه الكرسي إلى العرش، وإذا كانت هذه عظمة العرش فكيف بعظمة رب العرش، الذي خلقه والذي خلق جميع الخلق؟! إذا عرف العباد عظمة هذه المخلوقات فإنهم يعظمون رب العرش. الملائكة الذين يحملون العرش ذكر الله عددهم في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] . ولكن ماذا نقول في أولئك الملائكة الذين لا يعلم قدر وصفهم إلا الله؟ في هذا الحديث أخبر أن منهم ملكاً: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ، وفي رواية: (مخفق الطير سبعمائة عام) متى تقدر هذه المسافة القليلة منه؟ فكيف ببقية جسده؟ هذا من حملة العرش، ومع ذلك لا يحملون العرش بقوتهم إنما يحملونه بذكر الله، جاء في الأثر أنهم يقولون: (كيف نحمل العرش وأنت رب العرش، وهذه عظمة العرش؟ فقال: (احملوه بالتسبيح) أو كما ورد، فلولا أن الله أعان الملائكة بالتسبيح لما حملوه، مع أن هذه عظمتهم وهذه صورهم وعظم خلقهم. وقد تقدم أن العرش سقف المخلوقات، وأنه سقف الفردوس، يقول ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) ، فهذا دليل على أنه سقف المخلوقات وأنه محيط بالمخلوقات ولا يعلم قدره إلا الله، ومع ذلك فإن الرب تعالى مستغن عن العرش وما دونه، وهو تعالى محيط بخلقه وقريب منهم وعالم بأعمالهم لا تخفى عليه منهم خافية، ومع ذلك فإنه مطلع على الأعمال، وقادر على أن يثيب هذا ويعاقب هذا، وقادر على أن يسع خلقه رحمة وعلماً وحكمة وعزة وتصرفاً. ومعنى هذا أنه إذا كانت هذه عظمة المخلوقات فعظموا رب المخلوقات.

стр. 458

العرش غير الكرسي قال الشارح ﵀: [وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره، روى ابن أبي شيبة في كتابه صفة العرش والحاكم في مستدركه وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أنه قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى) ، وقد روي مرفوعاً، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش. وقال ابن جرير: قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض) . وقيل: كرسيه علمه، وينسب إلى ابن عباس، والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه] . هذا الكلام على الكرسي الذي ذكر الله أنه وسع السماوات والأرض، وهو كالمرقاة بين يدي العرش أو أن الكرسي موضع القدمين، وبكل حال فهو مخلوق، وقد ذكر الله أنه وسع السماوات بأكملها: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فإذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض فكيف بالعرش؟ هذا هو القول الصحيح: وهو أن الكرسي مخلوق، وأنه غير العرش، وهناك قول بأن الكرسي هو العرش، والصحيح أنه غيره؛ هذا هو المشهور، فالكرسي مقدمة العرش أو مرقاة بين يديه. وهناك قول ثالث ولكنه ضعيف: وهو أن الكرسي هو العلم، (وسع كرسيه) أي: علمه، وهذا القول -وإن روي عن ابن عباس - فإنه لا يثبت عنه، والصحيح القول الأول عنه، ولعل هذا من أقوال بعض المبتدعة الذين يريدون أن يئولوا الأشياء بغير ظواهرها، فلما أولوا العرش بأنه الملك أولوا الكرسي بأنه العلم؛ حتى يبطلوا الصفات التي وردت في النصوص، والتي تتعلق بالعرش والكرسي، والتي الإيمان بها من الإيمان بالغيب.

стр. 459

استغناء الله عن العرش وما دونه قال الشارح ﵀: [قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقة) . أما قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه) فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاوياً للعالي محيطاً به حاملاً له، ولا أن يكون الأعلى مفتقراً إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأناً وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق. ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ويروى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ] . قوله: (إن الله مستغن عن العرش ومستغن عما دون العرش) يفيد أن العرش هو سقف المخلوقات، وأنه أعظمها فيما أخبرنا الله به، وأن هذه المخلوقات كلها حقيرة بالنسبة إلى هذا العرش، ومع ذلك فإن الرب الذي خلقه وخلق غيره مستغن عن العرش ومستغن عن غيره، ولا يحتاج إليه ليحمله، ولا إلى الملائكة لتحمله، بل هو بقدرته الذي يمسك المخلوقات، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥] ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] ، وأخبر بأنه: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان:١٠] ، ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] ، سبعاً شداداً بناها فوق الأرض، ومع ذلك ثبتها فهي مستغنية عن عمد تعتمد عليه. المخلوق إذا رفع سقفاً فلا بد أن يثبته بعمد يعتمد عليها ذلك السقف، والله تعالى ذكر أن السماء سقف في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] ، ومع ذلك ليس لها عمد، يقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان:١٠] أي: تشاهدونها، فهي مستغنية عن ذلك لكون الله تعالى هو الذي أمسكها بقوته، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] ، فمع كونه فوق العالم وفوق الخلق وعال على عباده، فإن جميع المخلوقات بحاجة إليه، وهو مستغن عنها، وعن العباد وطاعاتهم، وعن الملائكة وعبادتهم، وكذلك مستغن عن السماوات وعن العرش وعن الكرسي، هو غني عن ذلك، وكل شيء فقير إليه، بل هو الذي يمسكها وهو الذي يحملها وهو الذي يثبتها كما يشاء. فالنفاة توهموا في هذه المخلوقات أنه إذا كان الله فوقها فيلزم أن تكون هناك حاجة وضرورة إليها! و الجواب أن هذا خطأ، بل الله أخبر بأنه عال على هذه المخلوقات، ومع ذلك فإنه الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فلا يحتاج إلى خلقه في شيء من خصائصهم، بل هو الغني وهم الفقراء إليه . فلا يغتر بما يقوله الذين يردون بعض النصوص، فيعتقدون أن في إثباتها لزوم حاجة أو نحو ذلك، أو يقولون -كما يذكر عن النفاة-: إن هذا يلزم منه حلول الحوادث في ذات الله تعالى، ونحو ذلك من الكلمات التي هي من توليدات المتكلمين.

стр. 460

العرش فوق المخلوقات، والله مستو عليه محيط بكل شيء قال الشارح ﵀: [وأما قوله: (محيط بكل شيء وفوقه) وفي بعض النسخ: (محيط بكل شيء فوقه) بغير واو من قوله: (فوقه) ، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها: أنه تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء، ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش، وهذا -والله أعلم- إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهواً ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصداً للفساد، وإنكاراً لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات، وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: محيط بكل شيء فوق العرش -والحالة هذه- معنى، إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحاط به، فتعين ثبوت الواو. ويكون المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء. أما كونه محيطاً بكل شيء، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤] ، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٢٦] ، وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وإنما المراد: إحاطة عظمة وسعة وعلم وقدرة، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن، وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ] . كل هذا يؤخذ منه عظمة الرب ، وأنه محيط بكل شيء، والإحاطة هي العلم بها والاستيلاء عليها والتصرف فيها، فالله قد أحاط علماً بها كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٢٦] بمعنى: أنه أحصاها وعلمها، واستولى عليها، وعلى جميع المخلوقات، فالله محيط بكل شيء، ومن جملة ذلك العباد، فالله محيط بهم، فهو محيط بعلومهم التي يعلمونها، فهو الذي فتحها عليهم، ومحيط بأعمالهم التي يعملونها لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، قال سبحانه: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكذلك الله محيط بالمخلوقات كلها سواء الجماد منها والمتحرك، والحيوان والنبات وغير ذلك، كله قد أحاط به، واستولى عليه، وتصرف فيه، فهو المستولي على خلقه. والفائدة من معرفة ذلك التعظيم، فإن العبد إذا تصور أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً عظّمه حق التعظيم، وعبده حق العبادة، وابتعد عما يسخطه، وعما نهى عنه، واستفاد من ذلك تعظيم شرعه والتصديق بخبره، وطلب الثواب الذي رتبه على العبادة، فكل ذلك من فوائد معرفة إحاطته بكل شيء من المخلوقات، وهذه عقيدة المسلمين؛ فلذلك أصبح أهل العقيدة السليمة هم الذين يعظمون حرمات الله وشرائعه، وأما الذين أنكروا علم الله أو أنكروا عظمته أو نحو ذلك فهم الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من المخالفات والمعاصي والعقائد المنحرفة.
следующие страницы →