Полный текст (1 175 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عظمة العرش
ابتدأ في الإيمان بالغيب، ومن جملة ما أخبر الله به من الأمور الغيبية: العرش والكرسي، فذكر الله العرش في هذه المواضع في القرآن، وذكره النبي ﷺ في هذه الأحاديث، وذكر الكرسي في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وذكر الله تعالى أنه استوى على العرش في سبع آيات من القرآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] .
وقد أنكر حقيقة العرش بعض المبتدعة، فقال بعضهم: العرش: هو الملك، فقوله: (استوى على العرش) أي: استوى على الملك.
وهذا باطل، بل العرش هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ولهذا ذكر الله عن ملكة سبأ هذا العرش في قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ؛ وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨] ؛ وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢] ، فدل أن العرش هو السرير الذي يجلس عليه الملك.
أما العرش الذي خصه الله تعالى بالاستواء فهو من الأمور الغيبية لا يحيط بوصفه إلا الله ، ورد في بعض الآثار في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، قال بعض الصحابة: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) ، الترس: هو المجن الذي يقي المقاتل به ضربات السلاح، والدراهم: واحدها درهم، قطعة من الفضة صغيرة كانوا يتعاملون بها، ماذا تشغل سبعة دراهم إذا جعلت في الترس؟ وماذا تغطي منه؟! لا شك أن هذا دليل على عظمة هذا الكرسي، فالسماوات السبع؟ والأرضون السبع من يحيط بها إلا الله ! كذلك ورد أيضاً أن الكرسي صغير بالنسبة إلى العرش، جاء في بعض الأحاديث: (الكرسي في العرش كحلقة ألقيت بأرض فلاة) ، الحلقة: هي الحديدة المتلاقية الطرفين، إذا ألقيت بأرض فلاة فماذا تشغل من تلك الأرض؟ هذا الكرسي الذي وسع السماوات والأرض هو بالنسبة إلى العرش كما ذكر، فإذا كانت هذه عظمة العرش فكيف بعظمة الخالق الذي هو رب العرش ورب كل شيء؟! وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كحبة خردل في يد أحدكم) ، والخردل حبه صغير في غاية الصغر؟! فكل هذا دليل على عظمة الله ، وأن هذه المخلوقات حقيرة بالنسبة لعظمته وجلاله وكبريائه، والعبد إذا استحضر عظمة الله فإنه يمتنع أن يقدم على معصيته، ويمتنع أن يغفل عن ذكره، ويحمله هذا الاستحضار على أن يعظم ربه غاية التعظيم، وأن يخافه غاية الخوف، وأن يجله ويبجله، وأن يصغر كل مخلوق عنده، فكل مخلوق -مهما كان قدره- يكون حقيراً وصغيراً بالنسبة إلى عظمة الخالق وجلاله وكبريائه.
هذا هو السبب في كون الله تعالى وصف نفسه بالعظم، ووصف أيضاً العرش الذي خصه بالاستواء بالعظم في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] .
وذكر الله العرش في عدة آيات مما يدل على أنه عرش حقيقي تطوف به الملائكة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] ، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] أي: رب العرش، أي: مالكه وخالقه.
فهذه الأدلة تدل على أنه ليس كما تقول المعتزلة: إن العرش هو الملك، بل العرش مخلوق قد خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات، ولكنه عظيم لا يحيط به إلا الله ، ولا يعلم قدره إلا الله، والمخلوقات كلها صغيرة وحقيرة بالنسبة إليه، والله تعالى أعلم بحقيقته، وإنما على المؤمن أن يؤمن بما أخبر الله به، وأن يفوض علم الغيب إلى الله.
стр. 457
معنى العرش في اللغة
قال الشارح رحمه الله تعالى: [والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ، وليس هو فلكاً، ولا تفهم منه العرب كذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب؛ فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، فمن شعر أمية بن أبي الصلت: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً لا يناله بصر العين ترى حوله الملائك صورا الصور هنا: جمع أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو، والشرجع: هو العالي المنيف، والسرير: هو العرش في اللغة.
ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة.
وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: (مخفق الطير سبعمائة عام) .
وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على الماء! ويكون موسى ﵇ آخذاً بقائمة من قوائم الملك؟! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟ !] .
الله تعالى قد أخبر بأنه خلق العرش وأنه رب العرش في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] ، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] .
والعرش في اللغة: هو سرير الملك، وقال الله عن بلقيس -وهي امرأة كانت ملكة في بلاد سبأ-: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] .
كذلك أخبر تعالى عن عرشه العظيم بأخبار واضحة تدل على أنه مخلوق، وأنه محمول، وأن حوله الملائكة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] ، فالذين يحملونه بعض من الملائكة، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] ، والحفوف بمعنى: الاستدارة حول العرش، وذلك دليل على أنه مخلوق وأنه محمول.
وأخبر أنه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] أي: صاحب العرش، وأخبر بأنه في يوم القيامة يحمل، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] .
وأخبر أيضاً بأنه استوى على العرش في سبعة مواضع من القرآن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، في سورة الأعراف وفي سورة يونس، وفي سورة طه، وفي سورة الفرقان، وفي سورة السجدة، وفي سورة الحديد، وأخبر في سورة هود بأن العرش على الماء بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] أي: قبل أن يخلق السماوات كان عرشه على الماء.
وسئل ابن عباس فقيل: (على أي شيء الماء؟ فقال: على متن الريح) ، فالله قادر على أن يجعل الماء على الريح، أو يجعله في هواء، فهو قادر على كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ) .
ولما ذكر الله تعالى أنه استوى على العرش في آيات كثيرة، صعب تصديق ذلك على النفاة الذين ينفون علو الله تعالى واستواءه على عرشه، فقالوا: العرش: الملك، وقالوا في قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: على الملك استوى! وهذا خطأ بعيد، كيف يكون للملك هذه الأوصاف؟ فإن الله ذكر أن العرش تحمله الملائكة؛ فهل الملائكة تحمل الملك؟! والله ذكر أن العرش على الماء: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فكيف يكون الملك على الماء؟ لا شك أن هذا قول تنكره الطباع.
العرب تعرف مسمى العرش، العرش في اللغة هو: السرير الذي يكون للملك، ذكر ذلك العرب في شعرهم، كما ذكر المؤلف الأبيات التي نقلت عن أمية بن أبي الصلت، وكان من شعراء العرب، فهو يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً لا يناله بصر العين ترى حوله الملائك صورا فوصفه بأنه سرير بالبناء الأعلى الذي بهر الناس، وسوى فوق السماء سريراً، فأطلق عليه أنه سرير كما هو في لغة العرب، وجعله في البناء الأعلى الذي هو السموات العلى، وأخبر بأنه فوق السموات.
هذا الشعر قاله هذا الإنسان الذي هو عارف وعالم ببعض الأحكام، وقد أنشد بعض العرب شعره للنبي ﷺ كما في حديث عمرو بن الشريد أنه قال: (ردفت مع النبي ﷺ فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، فقال، هيه! فأنشدته بيتاً، فقال: هيه! ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه! حتى أنشدته مائة بيت، فقال: آمن شعره وكفر قلبه) أي: كما في أوصافه هذه حيث وصف الله تعالى بأنه الأعلى، وبأنه فوق السماء، وبأنه فوق العرش، وبأن العرش سرير كما في هذه الأبيات.
كذلك أيضاً الأبيات التي نظمها عبد الله بن رواحة أحد شعراء الصحابة من الأنصار، لما وطئ أمة له بملك اليمين، فرأته زوجته فأنكرت عليه، فأنكر وقال: ما فعلت؟ وهي تعرف أن الذي عليه جنابة لا يقرأ القرآن، فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن، فأنشد هذه الأبيات واعتقدت أنها من القرآن، يقول فيها: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا فأخبر النبي ﷺ وأقره على ذلك، والشاهد منه ذكر العرش في قوله: وأن العرش فوق الماء طاف، والطافي: هو السابح الراكد فوق الماء.
وقوله: وفوق العرش رب العالمينا، وقد أخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ، والمراد أنه فوق الماء وفوق المخلوقات.
وبكل حال فالعرش هو هذا السرير الذي لا يعلم قدره إلا الله.
وقد ذكر العلماء: أن الكرسي غير العرش، وهو الذي قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فالكرسي قيل: إنه كالمرقاة بين يدي العرش، هذا الكرسي وسع السماوات والأرض، أي: اتسع للسماوات السبع وللأرضين السبع، وقد ذكرنا فيما مضى الحديث الذي فيه: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) الترس: هو المجن، والدراهم: هي قطع من الفضة صغيرة، ماذا تشغل السبعة الدراهم من هذا الترس؟! الترس قد يتسع لسبعمائة أو لألف أو أكثر من ألف، ثم هذا الكرسي صغير بين يدي العرش! ورد أيضاً في بعض الآثار: (الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة) ، الحلقة: هي القطعة من الحديد المتلاقية الطرفين، إذا ألقيت في أرض فلاة ماذا تشغل منها؟! هل تشغل ربعها أو عشرها أو عشر عشرها أو ربع عشر من أعشار عشرها؟! ما تشغل منها إلا جزءاً يسيراً، فهكذا نسبه الكرسي إلى العرش، وإذا كانت هذه عظمة العرش فكيف بعظمة رب العرش، الذي خلقه والذي خلق جميع الخلق؟! إذا عرف العباد عظمة هذه المخلوقات فإنهم يعظمون رب العرش.
الملائكة الذين يحملون العرش ذكر الله عددهم في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] .
ولكن ماذا نقول في أولئك الملائكة الذين لا يعلم قدر وصفهم إلا الله؟ في هذا الحديث أخبر أن منهم ملكاً: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ، وفي رواية: (مخفق الطير سبعمائة عام) متى تقدر هذه المسافة القليلة منه؟ فكيف ببقية جسده؟ هذا من حملة العرش، ومع ذلك لا يحملون العرش بقوتهم إنما يحملونه بذكر الله، جاء في الأثر أنهم يقولون: (كيف نحمل العرش وأنت رب العرش، وهذه عظمة العرش؟ فقال: (احملوه بالتسبيح) أو كما ورد، فلولا أن الله أعان الملائكة بالتسبيح لما حملوه، مع أن هذه عظمتهم وهذه صورهم وعظم خلقهم.
وقد تقدم أن العرش سقف المخلوقات، وأنه سقف الفردوس، يقول ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) ، فهذا دليل على أنه سقف المخلوقات وأنه محيط بالمخلوقات ولا يعلم قدره إلا الله، ومع ذلك فإن الرب تعالى مستغن عن العرش وما دونه، وهو تعالى محيط بخلقه وقريب منهم وعالم بأعمالهم لا تخفى عليه منهم خافية، ومع ذلك فإنه مطلع على الأعمال، وقادر على أن يثيب هذا ويعاقب هذا، وقادر على أن يسع خلقه رحمة وعلماً وحكمة وعزة وتصرفاً.
ومعنى هذا أنه إذا كانت هذه عظمة المخلوقات فعظموا رب المخلوقات.
стр. 458
العرش غير الكرسي
قال الشارح ﵀: [وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره، روى ابن أبي شيبة في كتابه صفة العرش والحاكم في مستدركه وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أنه قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى) ، وقد روي مرفوعاً، والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.
وقال ابن جرير: قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض) .
وقيل: كرسيه علمه، وينسب إلى ابن عباس، والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه] .
هذا الكلام على الكرسي الذي ذكر الله أنه وسع السماوات والأرض، وهو كالمرقاة بين يدي العرش أو أن الكرسي موضع القدمين، وبكل حال فهو مخلوق، وقد ذكر الله أنه وسع السماوات بأكملها: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فإذا كان الكرسي قد وسع السماوات والأرض فكيف بالعرش؟ هذا هو القول الصحيح: وهو أن الكرسي مخلوق، وأنه غير العرش، وهناك قول بأن الكرسي هو العرش، والصحيح أنه غيره؛ هذا هو المشهور، فالكرسي مقدمة العرش أو مرقاة بين يديه.
وهناك قول ثالث ولكنه ضعيف: وهو أن الكرسي هو العلم، (وسع كرسيه) أي: علمه، وهذا القول -وإن روي عن ابن عباس - فإنه لا يثبت عنه، والصحيح القول الأول عنه، ولعل هذا من أقوال بعض المبتدعة الذين يريدون أن يئولوا الأشياء بغير ظواهرها، فلما أولوا العرش بأنه الملك أولوا الكرسي بأنه العلم؛ حتى يبطلوا الصفات التي وردت في النصوص، والتي تتعلق بالعرش والكرسي، والتي الإيمان بها من الإيمان بالغيب.
стр. 459
استغناء الله عن العرش وما دونه
قال الشارح ﵀: [قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقة) .
أما قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه) فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاوياً للعالي محيطاً به حاملاً له، ولا أن يكون الأعلى مفتقراً إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأناً وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.
ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ويروى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ] .
قوله: (إن الله مستغن عن العرش ومستغن عما دون العرش) يفيد أن العرش هو سقف المخلوقات، وأنه أعظمها فيما أخبرنا الله به، وأن هذه المخلوقات كلها حقيرة بالنسبة إلى هذا العرش، ومع ذلك فإن الرب الذي خلقه وخلق غيره مستغن عن العرش ومستغن عن غيره، ولا يحتاج إليه ليحمله، ولا إلى الملائكة لتحمله، بل هو بقدرته الذي يمسك المخلوقات، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥] ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] ، وأخبر بأنه: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان:١٠] ، ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] ، سبعاً شداداً بناها فوق الأرض، ومع ذلك ثبتها فهي مستغنية عن عمد تعتمد عليه.
المخلوق إذا رفع سقفاً فلا بد أن يثبته بعمد يعتمد عليها ذلك السقف، والله تعالى ذكر أن السماء سقف في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] ، ومع ذلك ليس لها عمد، يقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان:١٠] أي: تشاهدونها، فهي مستغنية عن ذلك لكون الله تعالى هو الذي أمسكها بقوته، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] ، فمع كونه فوق العالم وفوق الخلق وعال على عباده، فإن جميع المخلوقات بحاجة إليه، وهو مستغن عنها، وعن العباد وطاعاتهم، وعن الملائكة وعبادتهم، وكذلك مستغن عن السماوات وعن العرش وعن الكرسي، هو غني عن ذلك، وكل شيء فقير إليه، بل هو الذي يمسكها وهو الذي يحملها وهو الذي يثبتها كما يشاء.
فالنفاة توهموا في هذه المخلوقات أنه إذا كان الله فوقها فيلزم أن تكون هناك حاجة وضرورة إليها!
و
الجواب
أن هذا خطأ، بل الله أخبر بأنه عال على هذه المخلوقات، ومع ذلك فإنه الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فلا يحتاج إلى خلقه في شيء من خصائصهم، بل هو الغني وهم الفقراء إليه .
فلا يغتر بما يقوله الذين يردون بعض النصوص، فيعتقدون أن في إثباتها لزوم حاجة أو نحو ذلك، أو يقولون -كما يذكر عن النفاة-: إن هذا يلزم منه حلول الحوادث في ذات الله تعالى، ونحو ذلك من الكلمات التي هي من توليدات المتكلمين.
стр. 460
العرش فوق المخلوقات، والله مستو عليه محيط بكل شيء
قال الشارح ﵀: [وأما قوله: (محيط بكل شيء وفوقه) وفي بعض النسخ: (محيط بكل شيء فوقه) بغير واو من قوله: (فوقه) ، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها: أنه تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء، ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش، وهذا -والله أعلم- إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهواً ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصداً للفساد، وإنكاراً لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات، وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: محيط بكل شيء فوق العرش -والحالة هذه- معنى، إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحاط به، فتعين ثبوت الواو.
ويكون المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء.
أما كونه محيطاً بكل شيء، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤] ، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٢٦] ، وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وإنما المراد: إحاطة عظمة وسعة وعلم وقدرة، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن، وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ] .
كل هذا يؤخذ منه عظمة الرب ، وأنه محيط بكل شيء، والإحاطة هي العلم بها والاستيلاء عليها والتصرف فيها، فالله قد أحاط علماً بها كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٢٦] بمعنى: أنه أحصاها وعلمها، واستولى عليها، وعلى جميع المخلوقات، فالله محيط بكل شيء، ومن جملة ذلك العباد، فالله محيط بهم، فهو محيط بعلومهم التي يعلمونها، فهو الذي فتحها عليهم، ومحيط بأعمالهم التي يعملونها لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، قال سبحانه: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكذلك الله محيط بالمخلوقات كلها سواء الجماد منها والمتحرك، والحيوان والنبات وغير ذلك، كله قد أحاط به، واستولى عليه، وتصرف فيه، فهو المستولي على خلقه.
والفائدة من معرفة ذلك التعظيم، فإن العبد إذا تصور أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً عظّمه حق التعظيم، وعبده حق العبادة، وابتعد عما يسخطه، وعما نهى عنه، واستفاد من ذلك تعظيم شرعه والتصديق بخبره، وطلب الثواب الذي رتبه على العبادة، فكل ذلك من فوائد معرفة إحاطته بكل شيء من المخلوقات، وهذه عقيدة المسلمين؛ فلذلك أصبح أهل العقيدة السليمة هم الذين يعظمون حرمات الله وشرائعه، وأما الذين أنكروا علم الله أو أنكروا عظمته أو نحو ذلك فهم الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من المخالفات والمعاصي والعقائد المنحرفة.
стр. 461
شرح العقيدة الطحاوية [٣٣]
من عقائد أهل السنة أن الله فوق مخلوقاته، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، وقد بينها أهل العلم، وردوا على من أنكر هذه الصفة من المبتدعة.
стр. 462
وجوب الإيمان بصفة العلو لله تعالى
يجب على المسلم أن يدين بعظمة ربه، وأن يستحضر جلاله وكبرياءه، وأن يكون ذلك حاملاً له على تعظيمه، وعلى خوفه وإجلاله، وعلى الرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، ويكون ذلك بمعرفة الأدلة على ذلك، فالأدلة على عظمة الله سبحانه تعظيم الله لنفسه، فقد ورد في الحديث: (لا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه) ، وورد أيضاً وصف الله بالكبرياء والعظمة، واختصاصه بذلك، كما في قوله في الحديث القدسي: (العظمة إزاري، والكبرياء ردائي) يعني: أن ذلك من خصائصه التي لا يجوز أن ينازعه فيها أحد، فإذا كان ذلك من خصائصه سبحانه فمنازعته ومشاقته في شيء مما هو خاص به يعتبر اعتراضاً على الله.
ومعلوم أن الإنسان إذا وجب عليه أمر تعين أن يعرف الدليل عليه، فالله تعالى قد أقام الأدلة على عظمته وجلاله، وعلى استحقاقه للتبجيل والإعظام، ووصف نفسه بقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] فيجب أن نعتقد أن أنواع العظمة لله، فهو المستحق للتعظيم وأنواع الكبرياء، وأنواع العلو لله وحده.
قد يقول قائل: ما الفائدة التي أحصل عليها إذا وصلت إلى هذه العقيدة؟
و
الجواب
أن نقول: لا شك أنك متى قمت بهذا واعتقدته عقيدة صحيحة عظم قدر ربك في قلبك، فصعب عليك أن تعصيه، وعظم عليك أن تدين لغيره بالعظمة، وكذلك كبر عليك أن تترك طاعته، وعرفت أن له عليك حقوقاً كثيرة لابد أن تدين بها، ولابد أن تحرص على أدائها، وهذه من فوائد هذه المعرفة.
وقد مر بنا أن من صفات الله تعالى الغنى، فهو غني ومستغنٍ عن العرش وما دونه، فهو الذي خلق الخلق وليس بحاجة إلى عبادة الخلق، وليس بحاجة إلى شيء من المخلوقات، بل هو الغني عنهم: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] (وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦] فإذا دان العبد لله بالغنى، علم أن هذا الغنى عام، وأن الله مستغنٍ عن العرش، ومستغنٍ عن السماوات، ومستغن عن الأرض، ومستغنٍ عن المخلوقات كلها، ومستغنٍ عن جميع ما في الكون، فهو الخالق وحده، وقد وصف الله نفسه بأنه استوى على العرش، وبأنه علا على خلقه، ولا يدل ذلك على حاجته إلى أي مخلوق.
стр. 463
إحاطة الله بكل شيء لا تنافي فوقيته وعلوه
من صفات الله أنه محيط بكل شيء وفوقه، والإحاطة بها هو الاستيلاء عليها، بمعنى: أنه محيط بالأشياء، وكلها تحت سيطرته وتصرفه، فلا شيء يتحرك إلا بإرادته، ولا يتصرف إلا بعلمه، وهو المتصرف فيها وحده، وهذا يدل على كماله وعظمته، فالذي يعتقد ذلك لا شك أنه يعظم قدر ربه في قلبه، ويصعب عليه أن يتخلف عن طاعته، أو يرتكب معصيته، أو يفعل إثماً أو جرماً، أو يبارز ربه بالعصيان؛ لأنه يستحضر عظمته وكبرياءه وجلاله وغناه عن خلقه، ثم يستحضر ضعف الخلق كلهم، وفقرهم وفاقتهم، وحاجتهم الشديدة إلى ربهم، فبعد ذلك يقول: ما أنا وما قدري حتى أظهر الغنى عن الله، وحتى أبارزه بالذنوب، وأعصي أمره وأرتكب نهيه؟! وهل أتحمل شيئاً من سخطه أو أصبر على شيء من عذابه؟ فيكون استحضاره ذلك زاجراً له عن اقتراف المآثم.
ودليل إحاطته بكل شيء قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] ونفى ذلك عن المخلوقين بقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٢٦] فالإحاطة: هي السيطرة والاستيلاء التام، والولاية الكاملة التي لا ينقصها شيء، وهي لله وحده، فهو محيط بالأشياء كلها علويها وسفليها، وعالم بها ومتصرف فيها، ولا يخفى عليه شيء من أمرها، وذلك لأنها مخلوقة، وهو الخالق وحده.
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ومن المعلوم -ولله المثل الأعلى- أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها وأحاطت قبضته بها، وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين لها، عال عليها، فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف؟! فلو شاء لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة، فإنه لا يتجدد له إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته أو يدني إليه من يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره.
وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين: (كيف يسعنا -يا رسول الله - وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخلياً به، والله أكبر من ذلك) ، وإذا قد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء، فهذا يزيل كل إشكال، ويبطل كل خيال.
وأما كونه فوق المخلوقات، فقال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام:١٨] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وقال ﷺ في حديث الأوعال المتقدم: (والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله) .
وقد أنشد عبد الله بن رواحة شعره المذكور بين يدي النبي ﷺ ، وأقره على ما قال وضحك منه.
وكذا أنشده حسان بن ثابت ﵁ قوله: شهدت بإذن الله أن محمداً رسول الذي فوق السماوات من عَلُ وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل وأن الذي عادى اليهود ابن مريم رسول أتى من عند ذي العرش مرسل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يجاهد في ذات الإله ويعدل فقال النبي ﷺ : (وأنا أشهد) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وفي رواية: تغلب غضبي) رواه البخاري وغيره.
وروى ابن ماجة عن جابر يرفعه قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه) .
وروى مسلم عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) [الحديد:٣] بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) ] .
الكلام الأول يتعلق بإحاطة الله بالمخلوقات، وقد تقدم الاستدلال على عظمة العرش والكرسي، وصغر المخلوقات بالنسبة إليهما، وأن السماوات السبع والأرضين السبع للكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، وما الكرسي بالنسبة إلى العرش إلا كحلقة ألقيت في أرض فلاة، فماذا تشغل الحلقة من هذه الفلاة؟! وذكر ابن كثير أحاديث عند قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، وأن هذه السماوات والأرضين صغيرة بالنسبة إلى قبضة الرب ، فهي مطويات بيمينه، والأحاديث التي فسرت ذلك فيها الدلالة على أن الله يقبض المخلوقات كما يشاء، وقد ورد في الأحاديث أنه يقبض السماوات والأرض، وأنه يهزهن ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] .
وكذلك نقل عن ابن عباس ﵄ -وهو من أجل علماء الصحابة- أنه قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كحبة خردل في يد أحدكم) كمثل حبة خردل في يد العبد، وماذا تشغل حبة الخردل من اليد؟! معلوم أن الحبة صغيرة وحقيرة في القبضة، فقد يقبض ألفاً أو أكثر من ألف في كفه ولا يمتلئ الكف بذلك، فكيف بحبة واحدة؟ فهذه المخلوقات التي نشاهد عظمتها، ولا يعلم سعتها إلا الله تعالى، قد أخبرنا الله ورسوله بأنها سبع شداد، وأنها سبع طباق، وأن المسافات التي بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة، ومتى تقطع هذه المسافة؟ وكل ذلك صغير بالنسبة إلى عظمة الرب تعالى!! فهذا ونحوه دليل على عظمته، ودليل على إحاطته بكل شيء.
стр. 464
ذكر الأدلة على إثبات صفة الفوقية لله تعالى
قول صاحب المتن: (محيط بكل شيء وفوقه) المراد: أننا نعتقد أن الله فوق كل شيء، قد ذكر الشارح أن في بعض النسخ: (محيط بكل شيء فوقه) ، بدون واو، والواو لا معنى لها هنا؛ لأن الله إحاطته ليست بما فوق العرش، بل بكل شيء، بالعرش وبما فوقه وبما تحته، ومعلوم أن العرش هو سقف المخلوقات، وهو أعلاها، وفوقه الرب سبحانه، وهو قريب من عباده.
والأدلة على الفوقية كثيرة، فمنها ما هو صريح لا يحتمل التأويل، فالآية التي سمعنا في سورة النحل لا تحتمل التأويل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] قيدت بـ (من) حتى لا يتأولها المتأول، وأما الآية الثانية في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] في موضعين، فهذه الآية قد يقال: إن المراد بالفوقية: فوقية الغلبة، وفوقية القهر، كما قال فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧] يعني: فوقية القهر، ولكن يؤخذ منها فوقية الذات، وفوقية الغلبة، فهي دالة على المعنيين؛ فتكون من الآيات الدالة على وصف الله تعالى بالفوقية، وهو العلو الذي يقتضي العظمة.
أما الأحاديث فمنها قوله ﷺ في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش) فالفوقية هنا صريحة، ومن ذلك قوله: (إن الله كتب كتاباً فهو مكتوب عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي) وهذا دليل واضح على أن الرب تعالى فوق العباد، وفوق العرش.
كذلك الحديث الذي فيه تفسير الآية الكريمة من سورة الحديد: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] وهو الدعاء المأثور عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر) فسر قوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) بأنه العالي الذي ليس فوقه شيء، فهو فوق المخلوقات، ومع ذلك هو قريب منها؛ ولذلك فسر الباطن بالقريب الذي ليس دونه شيء، فعلوه وفوقيته لا تنافي قربه ومعيته، فيستحضر المؤمن الوصفين معاً القرب والعلو.
وذكر المؤلف شعر أمية وشعر عبد الله بن رواحة وشعر حسان، وكلها تذكر العلو والفوقية، فيقول ابن رواحة: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا فصرح بالفوقية وأقره النبي ﷺ ، وهكذا أيضاً في البيت الذي لـ حسان: شهدت بإذن الله أن محمداً رسول الذي فوق السماوات من عَلُ يعني: فوق السماوات وفوق العرش، ثم وصفه بأنه من علُ، فهذا دليل على أن الصحابة كلهم يدينون بهذه الفوقية، وأنهم قد تلقوها من نبيهم ﷺ .
стр. 465
الرد على منكري العلو
أدلة الفوقية نوع من أنواع الأدلة على صفة العلو، وقد أوصلها بعضهم إلى واحد وعشرين نوعاً، وقد ذكر ذلك ابن القيم في نونيته، وابتدأها بالآيات التي تدل على الاستواء.
وكل نوع تحته مفردات.
ولما كانت مسألة العلو من المسائل الاعتقادية بالغ أئمة السلف في إثباتها، وكتبوا فيها الأدلة التي توضح قول السلف، وقول من سار على طريق السلف، فنجد في كتب المتقدمين من السلف أنهم أوفوها حقها، ككتاب التوحيد لـ ابن خزيمة الذي هو شجىً في حلوق الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم، حتى قرأت لبعضهم أنه يسميه: كتاب الشرك، مع أنه استدل بآيات وأحاديث صحيحة رواها بالأسانيد، ولكن لما خالف معتقدهم أساءوا به وصاروا يحذرون منه.
كذلك كتب السنة التي كتبها أئمة السلف كالإبانة، وكتاب التوحيد، وكتاب الإيمان، وكتاب السنة وغيرها من كتب السلف، فمنهم من رد على الجهمية، وسمى كل من خالف ذلك جهمياً، ومن السلف الذين كتبوا في ذلك ابن مندة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن أبي عاصم، وكذلك القاضي أبو يعلى، والإمام الذهبي له كتاب العلو للعلي الغفار، وصفه بهذا الوصف، وكأنه لما رأى كثرة الذين دانوا بعقائد باطلة ممن سموا أنفسهم أشاعرة، أراد أن يفصح بما يعتقده ولو خالف مشايخه، ولو خالف زملاءه، ولو خالف المنتمين إلى مذهبه، لا يبالي بذلك ما دام أنه يعتمد الدليل، ويقول الحق.
مسألة العلو لم ينكرها في المائة المتأخرة إلا أفراد قلة كالأشاعرة والمعتزلة والشيعة والخوارج والجبرية ونحوهم، كلهم ينكرون هذه الصفة، ولا عبرة بإنكار من أنكرها مادامت الأدلة واضحة صريحة في إثباتها، فلا يعتبر بمن أنكر الحق مع وضوحه.
وأهل السنة يثبتونها على ما يليق بالله تعالى، ويذكرون الأدلة ويعتمدونها، ثم يجمعون بينها وبين آيات القرب وأدلة المعية ونحو ذلك، ولا يفهمون منها تجسيماً ولا تشبيهاً، ولا جهة ولا حصراً، ولا تحيزاً ولا غير ذلك، أما أولئك المنكرون فيقولون: إن هذه الكلمات تدل على حصر الخالق، وأنه متحيز، إلى غير ذلك، ولا عبرة بتلك الأقوال التي يموهون بها، وعلى المسلم أن يعتقد الحق ولو خالفه من خالفه.
стр. 466
ذكر بعض الأدلة على إثبات صفة العلو
قال الشارح ﵀: [والمراد بالظهور هنا: العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧] ، أي: يعلوه.
فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب وأبديته، واسمان لعلوه وقربه.
وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، ونهكت الأموال؛ فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب) .
وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة، لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات) وهو حديث صحيح، أخرجه الأموي في مغازيه، وأصله في الصحيحين.
وروى البخاري عن زينب ﵂ أنها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات) .
وعن عمر ﵁: (أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها يحدثها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! حبست الناس بسبب هذه العجوز؟ فقال: ويلك! أتدري من هذه؟ امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل الله فيها.
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] ) أخرجه الدارمي.
وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] قال: (ولم يستطع أن يقول من فوقهم، لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم) .
ومن سمع أحاديث الرسول ﷺ وكلام السلف، وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر.
ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات، مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفاً بضد ذلك؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق؛ لأنه مستقر إبليس وأتباعه وجنوده] .
سرد المصنف ﵀ هذه الأدلة التي تدل على الفوقية، فذكر حديث الأعرابي لما قال: (نستشفع بالله عليك) ، ولا شك أن هذا تنقص لله، فكأنه يقول: نجعل الله شافعاً عندك، وهل الله يشفع عند الخلق؟! هذا فيه شيء من التنقص، أما قوله: (نستشفع بك على الله) ، فهذا لم يستنكره، لأنه يقول: اشفع لنا إلى ربك، فأنكر عليه الأمر الثاني وهو الاستشفاع بالله؛ فشأن الله أعظم، وذاته أجل، ووصفه وجلاله وكبرياؤه أعظم من أن يكون شفيعاً عند أحد من خلقه، بل هو الذي يشفع إليه، ولا يشفع إلى أحد، بل لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما ذكر ذلك في القرآن: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ولما أنكر عليه ذلك بين له عظمة الرب تعالى فقال: (أتدري ما الله؟) يعني: أنك ما عرفت قدر ربك، وما استحضرت عظمته، ولو استحضرت ذلك لما قلت هذه المقالة، شأن الله أعظم، وذكر أن الله تعالى فوق العرش، وأن العرش يئط به أطيط الرحل، وهذا من باب التمثيل يعني: أن الله تعالى فوق العرش، وأن العرش مع كبره وعظمته وإحاطته بهذه المخلوقات، فإنه يسمع له هذا الأطيط، فيقال: إن هذا من ثقل الرب تعالى، وقد ذكر الله أن العرش محمول، وأن حملة العرش ما حملوه بقوتهم وإنما حملوه بقوة ربهم، ومع ذلك فإن الرب تعالى غني عن العرش، وغني عن حملة العرش، ولكن ذلك كله من باب إظهار العظمة والكبرياء ونحو ذلك.
ومن الأدلة قوله ﷺ لـ سعد بن معاذ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات) يعني: وافقت حكم الله، والله فوق سماواته.
وكذلك قول زينب: (زوجني الله من فوق سبع سماوات) تريد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: أن الله تعالى هو الذي زوجها، فصرحت بالفوقية، وأن الله تعالى فوق سماواته.
وبالجملة فهذه أمثلة من الأدلة التي تثبت صفة الفوقية لله سبحانه.
فإذا قيل: إن هذه أدلة نقلية، والمخالفون لا يقبلون الأدلة النقلية التي في زعمهم أنها تخالف العقل، ويزعمون أنهم ما عرفوا صدق الرسل إلا بالعقول، فإذا جاء الرسل بما ينافي العقول لم يقبلوه، هكذا عللوا.
و
الجواب
إن العقول التي ردت هذه النقول عقول فاسدة مضطربة، لا تصلح أن تكون ميزاناً لقبول شيء دون شيء، فعقولكم التي رددتم بها هذه النصوص، ورددتم بها هذه الصفات، وزعمتم أن هذا مستنكر ومستبشع على النفوس ولا تقبله العقول، نقول: هذه العقول كثيراً ما يكون فيها الاضطراب، وكثيراً ما تأتي بشبهات لا تثبت عند الحق، وكثيراً ما يبطل بعضهم شبهة الآخر التي يدلي بها، وكثيراً ما يبطل أحدهم دليله بنفسه، فيذكر دليلاً ثم يأتي بما يناقضه، وكذلك يأتي الآخر بدليل يناقض دليل شيخه ونحو ذلك، فكيف يعتمدون ذلك ويقولون: إنها أدلة عقلية؟! وقد ذكر لهم الشارح دليلاً عقلياً فقال: هب أنه ليس هناك دليل نقلي، أو هب أنكم تأولتم تلك النصوص، وقلتم مثلاً: الفوقية هنا: فوقية العظمة أو فوقية الغلبة، أو فوقية القهر، وأنها لا تدل على أن الله تعالى فوق المخلوقات، بل إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات، وجميع الأماكن بالنسبة إليه سواء، وليس له مكان، تعالى الله عما يقولون! نقول لكم: العقول السليمة تشهد بإقرار الفوقية؛ لأن من لم يثبت الفوقية لزمه أن يثبت ضدها، فمن لم يوصف بالفوقية لابد أن يوصف بالسفل، وهذه صفة نقص، والله تعالى أحق أن يوصف بالفوقية، وقد ذكر أن السفل والتحتية أماكن الشياطين، وأن إبليس وجنوده هم الذين يوصفون بأنهم في السفل لا في الفوقية، وقد دان أهل السنة والمسلمون عموماً بوصف الله تعالى بالفوقية، وأقروا بذلك في عقولهم، ووافقوا على ذلك الأدلة الصريحة الصحيحة، وعلموا أن من لم يكن موصوفاً بالعلو فهو موصوف بالسفل، ومن لم يكن موصوفاً بالفوق فهو موصوف بالتحت، واستدلوا على ذلك بهذه النصوص، وأقروا على ذلك بعقولهم.
ولا عبرة بمن خالفهم في ذلك ولو كثر عددهم، وقد قرأت لبعض هؤلاء المبتدعة لما نقل أثراً يخالف معتقده في تفسير قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى:٥] فنقل عن ابن عباس أنه قال: (تتفطر السماوات من ثقل الرب) فكبرت هذه الكلمة عند هذا المبتدع، فقال: المراد: من هيبته.
انظروا كيف صرف هذا الأثر عن ابن عباس وجعل المراد أنها تتفطر من هيبته؛ لأنه لا يدين بأن الله فوق السماوات، وأن السماوات تتفطر من ثقله، وكذلك العرش، ويكذب ما ذكر في الحديث من أن العرش يئط به ونحو ذلك.
فعلى كل حال: يقال لهم: العقول السليمة تدل على أن من لم يتصف بالعلو اتصف بالسفل، ومن لم يتصف بالفوقية اتصف بالتحتية، فأنتم يلزمكم إذا نفيتم الفوق أن تثبتوا التحت، وذلك وصف نقص، وهذا لا يجوز.
فأصبح العقل والنقل كلاهما متفقان على وصف الله تعالى بالفوقية وهي وصف كمال، وأصبحت عقلياتهم متهافتة كما وصفها شيخ الإسلام بالبيت الذي استشهد به: ججج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكلٌ كاسر مكسور شبهها بالزجاجتان إذا ضربت إحداهما بالأخرى تكسرت الزجاجتان، فهكذا شبه هؤلاء وشبه هؤلاء.
стр. 467
الرد بالأدلة العقلية على نفاة صفة الفوقية
قال الشارح ﵀: [فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها.
قيل: لو لم يكن قابلاً للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه، غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ذهنياً فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو: إما داخل العالم، وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب، فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين.
وإذا كان صفة العلو والفوقية صفة كمال، لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصاً، ولا يوجب محذوراً، ولا يخالف كتاباً، ولا سنة، ولا إجماعاً، فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلاً.
فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله، والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعاً؟!] .
هذه مجادلة مع أصحاب البدع بالعقليات، ويستحسن عدم التوسع فيها؛ وذلك لأن التوسع فيها قد يؤدي إلى عدة مفاسد، منها: أولاً: فيه مضيعة للوقت.
ثانياً: فيه إثارة لشبهات لا ينبغي الخوض فيها.
ثالثاً: لا شك أنه يسبب التشويش على الإنسان والتفكر في أشياء لا يحتاج إلى التفكر فيها، وقد ورد في بعض الآثار: (تفكروا في المخلوق، ولا تفكروا في الخالق) يعني: انظروا في مخلوقات الله فإنكم تأخذون منها عبرة على عظمة خالقها، وأما ذات الخالق وكيفية ذاته وصفاته فاصرفوا عنها الأفكار، واستحضروا بأذهانكم عظمته وكبرياءه، وجلاله وعلوه على خلقه، وتفرده بالملك، وتفرده بالتصرف، واستحقاقه للعبادة على خلقه، فإذا اعتقدتم ذلك كفيتم عن الخوض في الأشياء الباطلة.
ومعلوم أن كلامهم في وصف الله تعالى يفيد أنه ليس له حقيقة ولا وجود إلا في الأذهان، فهم يقسمون الوجود إلى وجودين: وجود في الأذهان، ووجود في الأعيان، وهو الذي يمكن للعيان أن يصل إليه، وإذا تأملنا ما يقوله المعتزلة وما يقوله سلفهم -وهم الفلاسفة- من ذلك المحض الذي لا أتجرأ أن آتي به، إذا تأملناه وجدناه يقود إلى النفي المحض، وعدم الاعتراف بخالق مدبر متصرف في الخلق، فيقال لهم: إما أن تعترفوا بوجود رب خارج الأذهان -ليس مجرد وجود في الأذهان- أو لا تعترفوا، فإذا كنتم معترفين لزمكم لزوماً لا محيد لكم عنه أن تعترفوا بأنه ولابد فوق العباد أو تحت أو عن يمين أو عن يسار، وجهة الفوقية أشرف الجهات فاعتمدوها واعتقدوها، ولا يلزم منها محذور، ولا يقال: إنها تدل على حصر أو إنها تدل على تحيز أو على تجسيم، أو على غير ذلك من المحذورات التي يلتزمون بها.
فالواجب أن ندين بذلك، ونترك الخوض فيما يقولونه مما هو في الحقيقة نفي محض، ولا فرق بين ما يقولونه ويعتقدونه وبين العدم المحض، الذي هو حقيقة المعدوم الذي لا مدح له ولا وجود له أصلاً فيمدح.
هذا هو معتقد أهل السنة، وتلك هي أقوال الفلاسفة التي أخذها عنهم المعتزلة.
ومن أقوالهم أن الله إنما يتصف بالسفل لو كان قابلاً للعلو، فإذا لم يكن قابلاً للعلو لم يلزم اتصافه بالسفل، ويقولون: إنه لا يقبل السمع ولا البصر، فلا يوصف بها، فهم يلتزمون نفي صفة السمع والبصر، وإذا قيل لهم: إذا نفيتم عنه السمع والبصر فقد لزمكم أن تشبهوه بفاقد السمع وهو الأصم، وفاقد البصر وهو الأعمى، فيقولون: هذا لو كان قابلاً، أما إذا لم يكن قابلاً فلا، ثم يقولون: الجدار مثلاً لا يقبل الاتصاف بهما، فلا يقال للجدار: حي ولا ميت؛ لأنه لا يقبلهما، ولا يقال للجدار: إنه أصم ولا سميع ولا أعمى ولا بصير؛ لأنه ليس بقابل لواحد منهما، وهذا ليس بصحيح بل هو قابل لهما، فيوصف بأنه جماد، ويوصف بأنه ميت لا حركة فيه، فهو يقبل ذلك، فهم يتمسكون بهذه الشبهة التي تلقوها من الفلاسفة، وهي شبهة باطلة ضالة.
стр. 468
أنواع الأدلة الدالة على إثبات صفة العلو لله تعالى
قال الشارح رحمه الله تعالى: [أحدها: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة: (من) المعينة للفوقية بالذات: كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] .
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة: كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] .
الثالث: التصريح بالعروج إليه: نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، وقوله ﷺ : (فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم) .
الرابع: التصريح بالصعود إليه: كقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر:١٠] .
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه: كقوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء:١٥٨] ، وقوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران:٥٥] .
السادس: التصريح بالعلو المطلق، الدال على جميع مراتب العلو، ذاتاً وقدراً وشرفاً، كقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة:٢٥٥] (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [سبأ:٢٣] ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١] .
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه: كقوله تعالى: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [غافر:٢] (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [الزمر:١] (تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [فصلت:٢] (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت:٤٢] (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) [النحل:١٠٢] ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] .
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [الأعراف:٢٠٦] (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ) [الأنبياء:١٩] ففرق بين (من له) عموماً وبين (من عنده) من مماليكه وعبيده خصوصاً.
وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: (أنه عنده فوق العرش) .
التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون (في) بمعنى (على) ، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره.
العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحباً في الأكثر لأداة: (ثم) الدالة على الترتيب والمهلة] .
أنواع الأدلة على علو الله تعالى كثيرة، ويمكن أن تصل فروع بعضها وأفرادها إلى أكثر من مائة أو مائتين.
стр. 469
ذكر الفوقية مقرونة بـ (من)
النوع الأول من أنواع الفوقية: الفوقية المقرونة بـ (من) ، وقد ورد في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، وهذا صريح في أن ربهم من فوقهم، فهذا دليل على العلو.
стр. 470
ذكر العلو مجرداً عن (من)
النوع الثاني: ذكر العلو مجرداً عن (من) ، وهو عام لأنواع الفوقية، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] يعم ذلك أنه فوقهم بقهره، وفوقهم بذاته فوقية تليق بجلاله.
стр. 471
التصريح بالعروج إليه
النوع الثالث: التصريح بالعروج إليه، والعروج هو: الرقي.
وقد ذكر في قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وفي قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، ولا شك أن العروج يكون من أسفل إلى أعلى، وهذا دليل على أنه هو العلي الأعلى.
стр. 472
التصريح بالصعود إليه
النوع الرابع: التصريح بالصعود إليه، والصعود: هو الرقي -أيضاً- وقد ذكر في قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] فدل على إثبات صفة العلو.
стр. 473
التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه
النوع الخامس: ذكر الرفع، ومعلوم أن الرفع يكون من مكان منخفض إلى مكان مرتفع، وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وذكر في قوله عن عيسى في سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وفي سورة النساء: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقد كان عيسى في الأرض، فرفعه الله إليه إلى السماوات، فهذا دليل على صفة العلو.
стр. 474
التصريح بالعلو المطلق
النوع السادس: ذكر كلمة (العلو) وقد وردت بثلاث صيغ: وردت بصيغة (العلي) كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقوله ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١] ، وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] .
ووردت بصيغة (الأعلى) كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وكقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] .
ووردت بصيغة (كان) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] ، ولا شك أن العلو يلتزم ثلاثة أنواع: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات.
стр. 475
التصريح بأنه تعالى في السماء
النوع السابع: التصريح بذكر أنه في السماء في موضعين من سورة الملك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ، وقوله: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧] .
وأما في الأحاديث فكثير جداً، كقوله ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) وكقوله: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، وقوله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
فقال: اعتقها فإنها مؤمنة) .
وتفسر (في) هنا بتفسيرين: التفسير الأول: أن (في) بمعنى (على) ، (في السماء) يعني: على السماء، ولا يلزم أن تكون السماء تحيط به أو تحصره تعالى الله، فيكون معنى (في السماء) : على السماء، قال تعالى عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] أي: على جذوع النخل، وقال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] أي: على الأرض، فكذلك (في السماء) يعني: على السماء.
التفسير الثاني: أن السماء اسم للعلو، وكل ما علا وارتفع فهو سماء، فيكون قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من في العلو.
стр. 476
التصريح بالنزول من عند الله
النوع الثامن من الأدلة: ذكر النزول من الله تعالى في عدة من المواضع، كقوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] ، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر:١] والنزول معناه: الهبوط، فدل على أن الملائكة تنزل من عند الله، وكذلك الكتاب نزل من الله، فهذا يستدعي أن يكون النزول من أعلى، فدل على إثبات صفة العلو.
стр. 477
التصريح باختصاص بعض المخلوقات أنها عنده
النوع التاسع: تخصيص بعض المخلوقات بأنها عند الله، قال تعالى عن امرأة فرعون: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] ، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] ، وقال ﷺ : (إن الله كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) فالتصريح بأنها عنده دليل على صفة العلو، ولا شك أن الله أخبر بأن بعض المخلوقات أقرب إليه من بعض، والقرب قد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، وإن كان الجميع بالنسبة إلى قدرة الله وعظمته سوياً.
стр. 478
ذكر الاستواء مقروناً بأداة (على)
النوع العاشر: ذكر الاستواء، وقد ورد في سبعة مواضع: في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، وكذا في سورة يونس، وفي سورة الرعد، وفي سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وفي سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩] ، وفي سورة السجدة، وفي سورة الحديد، وكلها ذكر فيها لفظ (استوى) ، والعرب إذا ذكرت الاستواء متعدياً بـ (على) فإنها تقصد بذلك العلو.
ودليل ذلك قوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] يعني: استقرت مرتفعة عليه، وقوله تعالى في الإبل: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] يعني: تركبوها مرتفعين على ظهورها، فهذا الاستواء بمعنى الارتفاع، وهكذا قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، وقد فسرها السلف ﵏، وإن كانوا يفوضون حقيقتها وكيفيتها، كما ذكر عن مالك أنه قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) ، وصف الاستواء بأنه معلوم، أي: معروف من جهة اللغة، فالقرآن كلام عربي فصيح، نزل على قوم يعرفونه ويفهمونه، فهو معروف، ولكن الكيفية هي المجهولة والخفية، وهذا تفسير السلف ﵏، والإمام مالك إمام دار الهجرة، وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأم سلمة ﵂ إحدى أمهات المؤمنين، كلهم روي عنهم هذا التفسير.
أما المعتزلة والنفاة فقد حرفوا هذه اللفظة، وجعلوها بمعنى: الاستيلاء.
فقالوا: (استوى) أي: استولى.
ورد عليهم بعض علماء أهل السنة فقالوا: الاستيلاء عام، وليس خاصاً، فالله مستول على جميع المخلوقات لا على العرش وحده، وإنما خص الله الاستواء بالعرش، وأنتم تجعلون الاستواء بمعنى الاستيلاء، ولا خصوصية للعرش بذلك، وبذلك يبطل تأويلهم، فعرفنا بذلك أن هذه الأنواع صريحة بأن الله فوق عباده كما أخبر في هذه الأنواع من الأدلة، وغيرها كثير.
стр. 479
التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى
قال الشارح ﵀: [الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى: كقوله ﷺ : (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) ، والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع كما يأتي إن شاء الله تعالى.
الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا: والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل.
الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو: كما أشار إليه من هو أعلم بربه، وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلاً: اللهم اشهد) فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لما رفع أصبعه إليه: (اللهم اشهد) ، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أُمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين.
الرابع عشر: التصريح بلفظ: (الأين) : كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: (أين الله؟) في غير موضع.
الخامس عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه في السماء.
بالإيمان.
السادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء؛ ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبته فهو موسوي محمدي.
السابع عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج؛ بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة مرار.
الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى من الكتاب والسنة، وإخبار النبي ﷺ أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، ولا يرونه إلا من فوقهم، كما قال ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم) رواه الإمام أحمد في المسند وغيره من حديث جابر ﵁] .
هذه -أيضاً- أنواع من الأدلة على علو الله وفوقيته، وكل نوع قد يكون تحته عدة أسرار، فمنها: النوع الحادي عشر: رفع الأيدي، وقد ورد في أكثر من ستين موضعاً أنه ﷺ كان إذا دعا رفع يديه، وكذلك صرح بذلك في قوله: (إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) .
ولا شك أن الذي يرفع يديه إنما يرفعهما إلى الله؛ لأنه بذلك يستعطي ويستجدي ويسأل ويطلب، فلو لم يكن ربه فوقه لما رفع يديه، فهذا دليل على ذلك.
стр. 480
الإشارة بالأصبع إلى الله
النوع الثاني عشر: الإشارة بالإصبع إليه في التشهد وفي الخطب ونحو ذلك، فالنبي ﷺ لما خطب في حجة الوداع، وبلغهم وعلمهم، رفع إصبعه يشهد ربه، ويقول: (اللهم اشهد اللهم اشهد) يحرك إصبعه فيرفعها إلى السماء، ثم ينكبها مراراً، ولا شك أن ذلك استشهاد بربه الذي هو فوق العباد، ولا شك أن هذا من الأدلة الواضحة على مسألة العلو والفوقية.
стр. 481
التصريح بلفظ (أين)
النوع الثالث عشر: السؤال بكلمة (أين) : كما في قوله للجارية: (أين الله؟) ، وقاله في غير ما حديث، وذلك دليل على أنه فوق العباد، حيث اعترف من سأله بالفوقية.
وكذلك أيضاً لما قالت الجارية: (في السماء) شهد لها بالإيمان، فأفاد أن أهل الإيمان هم الذين يعترفون بأن الرب تعالى فوقهم، وأنهم يعتقدون ذلك، وأن هذه فطرة الله.
стр. 482
النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة لربهم
من أنواع الأدلة على علو الله: رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، ولا شك أنها من المسائل التي اعترف بها أهل السنة، ووافق عليها الأشاعرة، ونفتها المعتزلة، ولكن موافقة الأشاعرة حجة عليهم، وهم مع ذلك لا يؤمنون بها إيماناً حقيقياً؛ وذلك لأنهم ينكرون مسألة العلو، ولما أنكروا العلو وجاءتهم الأدلة بأن المؤمنين يرون ربهم لم يجدوا بداً من أن يقولوا بالرؤية اتباعاً للأئمة الذين ينتسبون إليهم، ومن جملتهم الأشعري الذي يقولون: إنهم على معتقده، ولكن فسروا الرؤية بالمكاشفات القلبية، أو بالرؤية القلبية، أو برؤية أنواره، أو ما أشبه ذلك، فلم يثبتوا رؤية حقيقية؛ وذلك لأنها ترد على مذهبهم في نفي صفة العلو، وقد تكاثرت الأدلة على إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم، وهي معروفة مشهورة، وقد تقدم بعضها.
وبكل حال: فالأدلة التي سمعنا وغيرها كثيرة، وهي دالة على أن الله تعالى موصوف بأنه فوق عباده، وبأنه هو العلي الأعلى، ومتى اعتقد المسلم هذا الاعتقاد -الذي هو علو الله تعالى وفوقيته- فإنه يستحضر دائماً أنه فوق عباده، وأنه مع ذلك يسمعهم ويراهم ويطلع عليهم، ويعلم مناجاتهم وأحوالهم؛ فبذلك يعرف كيف يطيعه، ويعرف أنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
стр. 483
شرح العقيدة الطحاوية [٣٤]
تأول أهل البدع استواء الله على عرشه بالاستيلاء، وقد بين العلماء فساد تأويلهم هذا، وردوا عليهم بردود نقلية وعقلية تبين بطلان ما ذهبوا إليه.
стр. 484
الرد على من أنكر صفة العلو لله سبحانه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية النفيين، وصدق أهل السنة بالأمرين معاً، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى العلو مذبذباً بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك! وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جداً، فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر.
وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل.
انتهى.
ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداته، وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابته لـ بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق العرش مشهورة، رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره.
ومن تأول (فوق) بأنه خير من عباده وأفضل منهم، وأنه خير من العرش وأفضل منه كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم، فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل ابتداءً: الله خير من عباده، وخير من عرشه.
من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من فلان اليهودي، والسماء فوق الأرض!! وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً!! بل في ذلك تنقص كما قيل في المثل السائر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك! لضحك منه العقلاء؛ للتفاوت الذي بينهما، فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم، بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجاً على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] ، وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] ، و ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]] .
يبين الشارح بهذا الرد على هؤلاء المتأولين لهذه الأدلة التي يقول المصنف: إنها لو بسطت أفرادها لبلغت ألف دليل، وهم يعجزون عن أن يجيبوا عنها دليلاً دليلاً، ولذلك سلكوا في التخلص منها مسالك رديئة، فقالوا: إن معنى قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] أي: خير من عباده، كما يقال مثلاً: هذا الطعام فوق هذا الطعام.
يعني: خيراً منه، أو: هذه الشاة فوق هذا الشاة.
يعني: أفضل منها، وما أشبه ذلك، فتأولوا قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بمعنى: خير من عباده.
ولا شك أن هذا من الكلام الذي لا فائدة فيه، ومثلها الأمثلة التي ذكرها الشارح، فلا شك أنه لا مناسبة بين الخالق والمخلوق حتى يقال: إن الله خير من عباده لأمور منها: أولاً: أنه سماهم (عباده) ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فكيف يقال: وهو القاهر الذي هو خير منهم؟! ثانياً: ولله المثل الأعلى لا يقال في ملك يملك الكثير من البلاد: هذا الملك خير من هذا المملوك الذي هو عبد ذليل؛ لأنه لا مناسبة بينهما، لو قال ذلك أحد لاستحق التأديب، كيف يقال: إن هذا خير من هذا مع أنه لا مناسبة ولا مقاربة بينهما؟! فكذلك لا يقال: (فوق عباده) أي: خير من عباده.
وكذلك بقية الكلام الذي سمعنا، لا شك أنه كلام بارد سامج، كقولهم: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والشمس حارة، أو الشمس أضوأ من السراج، لا مناسبة بينهما حتى يقال ذلك.
وضرب المصنف المثل بهذا البيت: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا صحيح أن السيف أمضى من العصا، ولكن ينقص قدر السيف إذا قيل ذلك، فلا مناسبة بينهما، فالسيف له قدره، والعصا أنقص قدرة منه.
وكذلك لو قال قائل: الجوهر -الذي هو من أنفس ما يدخر- خير من قشر البصل، أو من قشر السمك.
هذا صحيح، ولكن من سمع هذا استهزأ بقائله، وقال: لا مناسبة بينهما؛ فبذلك يعرف أن هذا الكلام كلام رديء، وأنه لا مناسبة له.
ويجب أن تفسر هذه الآيات بالمعاني التي تناسبها، فيقال في الفوقية: إنها فوقية القدر، وفوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة.
ويقال أيضاً في العلو: إن الله تعالى عالٍ بجميع أنواع العلو، ومن ذلك علو الذات.
ويقال في بقية الأدلة مثل ذلك، وهذه الأدلة بأنواعها التي لو بسطت لبلغت أفرادها ألف دليل، فلو اجتمع منها عشرة فقط لصعب التخلص منها فكيف إذا اجتمع مائة دليل؟! فكيف إذا اجتمع ما يقرب من ألف دليل؟! كيف يجيبون عنها ويتخلصون منها؟!! إذاً: ليس لهم إلا أن يسلموا بهذه الصفة التي هي صفة العلو لله ، ويؤمنون بأن الله هو العلي الأعلى، ويعترفون بصفاته التي منها: أنه قريب منهم، وأنه مطلع عليهم، وأن علوه وارتفاعه على خلقه لا يلزم منه غيبة ولا بعد، ولا خفاء شيء عليه كما أخبر بذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس:٦١] يعني: وما يغيب عنه ويذهب عليه مثقال ذرة مما في السماوات ومما في الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧] أي: أنه تعالى ليس غائباً عن عباده، بل هو مطلع عليهم، سأل بعض الصحابة النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ) فعند ذلك أمرهم أن يناجوا ربهم، وأن يسألوه سراً، ولما رفع الصحابة أصواتهم مرة بالتكبير، وكانوا في سفر، فقال لهم ﷺ : (أيها الناس! إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فأمرهم أن يدعوا ربهم سراً، وأن يناجوا ربهم، ويذكروه، ويستحضروا عظمته، فإنه يعلم سرهم ونجواهم، ومتى استشعر العبد هذه الصفة التي هي صفة الفوقية والقهر والغلبة، واستشعر صفة القرب والمناجاة ونحو ذلك؛ حمله ذلك على أن يعظم ربه، وأن يعبده حق عبادته.
стр. 485
الأدلة العقلية على علو الله سبحانه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه، فله فوقية القهر، وفوقية القدر، وفوقية الذات، ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص.
وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه، فإن قالوا: بل علو المكانة لا المكان، فالمكانة: تأنيث المكان، والمنزلة: تأنيث المنزل، فلفظ (المكانة والمنزلة) تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية، كما يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية، فإذا قيل: لك في قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في قلوبنا، وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان، كما جاء في الأثر: (إذا أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه) ، فقوله: (منزلة الله في قلبه) : هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، فإذا عرف أن (المكانة والمنزلة) تأنيث المكان والمنزل، والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة، إذا كان مطابقاً كان حقاً، وإلا كان باطلاً.
فإن قيل: المراد علوه في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء.
قيل: وكذلك هو، وهذا العلو مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عالياً بنفسه على كل شيء كان علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى.
وعلوه كما هو ثابت بالسمع، ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته بالعقل فمن وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر، قائماً به كالصفات، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر.
الثاني: أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجاً عن ذاته، والأول باطل.
أما أولاً: فبالاتفاق، وأما ثانياً: فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والثاني: يقتضي كون العلم واقعاً خارج ذاته، فيكون منفصلاً، فتعينت المباينة؛ لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية؛ لأنه غير معقول، فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعين الثاني، فلزمت المباينة] .
العلو على ثلاثة أنواع: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
وكذلك الفوقية: فوقية القدر، وفوقية القهر، وفوقية الذات.
وفوقية القدر مثل أن يقال: الذهب فوق الفضة.
يعني: فوقها قدراً، هذه فوقية القدر، وفوقية القهر: كأن يقال: الأمير فوق الرعية.
يعني: فوقية قهر، أي: قاهراً لهم.
وفوقية الذات كأن يقال: الأمير فوق الكرسي.
يعني: أنه فوقه بذاته، فنثبت لله تعالى الفوقية بأنواعها، والعلو بأنواعه، وإذا أثبتنا لله فوقية الذات فإننا نثبت مع ذلك قربه ومعيته ومراقبته لعباده، وكونه لا تخفى عليه خافية، بل هو قريب منهم كما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] .
فالذين تأولوا أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقالوا: المراد: فوقية الغلبة، واستدلوا بكلمة (القهر) ، يرد عليهم بأن هذا نوع من أنواع الفوقية، وقد دل على النوع الثاني قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] فإن هذه الآية لا تحتمل أنها فوقية القهر، بل هي فوقية الذات.
يعني: أنهم يخافون ربهم، وربهم فوقهم، ومع ذلك فهو مطلع عليهم وقريب منهم.
كذلك (العلو) قد يستعمل بمعنى: الغلبة، كما حكى الله عن فرعون أنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، فأراد بالعلو هنا: الغالب.
يعني: أنا الغالب، وأنا القاهر، وأنا المتصرف، وأنا المالك، فهذا نوع من أنواع العلو، فالله تعالى وصف نفسه بقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] ، فنقول: (الأعلى) علو غلبة، وعلو قهر، وعلو قدر وذات، فله أنواع العلو كلها، ولا يلزم من ذلك أن يكون محتاجاً إلى شيء من مخلوقاته، بل هو غني عن العرش وما دونه كما تقدم.
وصفة العلو دل عليها العقل والفطرة، كما دل عليها النقل، فالنصوص التي وردت فيها أكثر من أن تحصر، وكلها دالة على صفة العلو، والفطرة والعقل تدل على صفة العلو عند كل عاقل، أما صفة الاستواء فدل عليها النقل، فدلت عليها النصوص والآيات الصريحة التي لا تحتمل التأويل، وقد ذكر العلماء في تفسير آيات الاستواء ما يدل على أنهم متفقون على دلالتها على العلو، حيث إنها عديت بـ (على) كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فكلمة (على) تدل على الفوقية، أي: فوق العرش.
стр. 486
معاني قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)
فسروا كلمة (استوى) بعشرة تفاسير: قال بعضهم: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] يعني: استقر عليه.
وقال بعضهم: (استوى على العرش) : ارتفع عليه.
وقال آخرون: (استوى) يعني: علا.
وقال آخرون: (استوى) يعني: صعد.
كما نظم ذلك ابن القيم في النونية بقوله لما ذكر أدلة الاستواء، وأنها سبع آيات فيها ثبوت الاستواء على العرش يقول: وكذلك اطردت بلا (لام) ولو كانت بمعنى (اللام) في الأذهان لأدت بها في موضع كي يحمل الباقي عليها وهو ذو إمكان اطردت في السبع الآيات بلفظ: (استوى) ، وما منها موضع واحد جاء بـ (اللام) استولى، فالسلف فسروها بأربعة تفاسير، وذكر ذلك بقوله: ولهم عبارات عليها أربع قد حررت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ارتفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى من علماء اللغة فسر قوله: (استوى على العرش) أي: صعد، وكان من علماء اللغة، وذكروا أنه طرق عليه بعض أصحابه الباب، وكان في غرفة في أعلى بيته، فأطل عليهم من تحت وقال: استووا.
أي: اصعدوا إلي.
فدل على أن كلمة (استوى) تأتي بمعنى: صعد.
وعلى كل حال: فالاستواء دل عليه النقل، ولا يخالف العقل، وكل الأدلة تؤيد العقل، وعرف بذلك أن الاستواء قد دل عليه السمع، وأن العلو قد دل عليه النقل والعقل وهو الفطرة.
وأما تأويلات المتأولين بأن المراد: علو المكانة، أو علو المنزلة، وأن هذا مثل قولهم: فلان له مكانة في قلبي، أو له منزلة في نفسي، وفسروا العلو بعلو المكانة؛ فهذا خلاف الظاهر، وإذا قلنا: إن الله فوق عباده فلا يلزم أن يكون محتاجاً إلى شيء من مخلوقاته، بل هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
يقول الشارح: كلمة (المكانة والمنزلة) تأنيث المكان والمنزل، وعلى هذا يكونون قد أثبتوا مكاناً ومنزلاً، وسواء كان ذلك المكان في قلوب العباد أو فوق العباد فلابد أنهم قد أثبتوه.
وذكر الشارح أن العقل دل على انفصال الخالق عن المخلوق وتميزه عنه، وأنه لا يمكن أن يكون الخالق مختلطاً بالمخلوق، فإن ذلك يلزم منه أنه محل لحلول الحوادث.
وأما قول الفلاسفة: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فهو قول بالنفي المحض، فالشيء الذي لا داخل العالم ولا خارجه هو المعدوم حقاً، فكأنهم لا يثبتون إلهاً تعالى الله عن قولهم، بخلاف أهل السنة الذين أثبتوا أنه فوق العالم، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وأنه خلق خلقه متميزين عنه، والجميع خلقه، وهو الذي ابتدأ خلقهم وأنشأهم وقال لأحدهم: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] ، كما أخبر بذلك، فالخلق خلقه، والأمر أمره، والعباد عليهم أن يعبدوه وأن يصفوه بصفاته التي هي صفات الكمال.
стр. 487
الرد العقلي على من أنكر صفة العلو
قال الشارح ﵀: [وأما ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ فإنه ما قال عارف قط: يا ألله! إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟! قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى! وقال: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني! أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله عليه عباده، ومن غير أن يتلقوه من المعلمين، يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو.
وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته؛ لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهياً لما كان مختلفاً فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية.
والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة، وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل قولنا فهو لقولكم أعظم رداً، فإن كان قولنا باطلاً في العقل، فقولكم أبطل، وإن كان قولكم حقاً مقبولاً في العقل، فقولنا أولى أن يكون مقبولاً في العقل، فإن دعوى الضرورة مشتركة.
فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم: تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل، قابلناكم بنظير قولكم، وعامة فطر الناس -ليسوا منكم ولا منا- يوافقونا على هذا، فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولاً ترجحنا عليكم، وإن كان مردوداً غير مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضاً، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم.
فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا.
قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم ليس هو فوق العالم وليس فوق العالم شيء موجود، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم طائفة من النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه] .
سمعنا هذه الدلالة العقلية على إثبات صفة العلو، وذكروا أن صفة الاستواء دل عليها الكتاب والسنة، وأما صفة العلو فدل عليها الكتاب والسنة والفطرة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، فالناس مفطورون وقلوبهم موجهة إلى السماء، لا يقدرون أن ينكروا ذلك، إذا دعا أحدهم ربه رفع رأسه، حتى ذكروا أن الدواب إذا أجدبت ترفع رءوسها إلى السماء، وهذا أيضاً دليل على أن هذه الفطرة فطرة عامة، الخلق المكلف وغيره قد فطر على الخوف والرغبة من الله تعالى وأنه فوقه، وهذا دليل فطري.
стр. 488
الفطرة السليمة تدل على علو الله
قصة أبي المعالي الجويني وأبي جعفر الهمذاني مشهورة، والجويني من علماء الشافعية، ولكنه من الأشاعرة الذين ينكرون صفة العلو، وإن كانوا يقرون بكثير من الصفات، لكن صفة العلو التزموا إنكارها، وحجته في إنكارها أن الله كان قبل أن يخلق العرش، وهو الآن على ما كان قبل خلق العرش، وهذه الحجة وهمية ليست بلازمة ولا مقنعة، صحيح أن الله تعالى كان قبل كل شيء، وأنه هو الذي خلق العرش وما دون العرش، وأنه مستغن عن العرش وما دونه، ولا يلزم من استوائه على العرش أنه محتاج إلى العرش أو غيره، فهو لما تكلم بهذا في هذا الجمع الكبير اعترض عليه الهمذاني بهذا الاعتراض، وقال: دعنا من هذا، نحن مضطرون إلى أن نرفع رغباتنا إلى السماء عند الدعاء، إذا دعا أحدنا ربه وجد من قلبه ميلاً إلى العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا فوق ولا تحت، هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا كيف ندفعها؟! ولما تكلم بهذا حير الجويني، ولم يجد بداً من أن يستسلم وقال: حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني! فهذه فطرة الله التي فطر الخلق عليها، ولا يستطيعون إنكارها، لكن هؤلاء الذين أنكروها بعد أن كانوا مفطورين عليها إنما أنكروها عناداً، وإلا فلا شك أن قلوبهم تميل إلى أن الله فوق، ولكنهم لما تلقوا هذه العقيدة عن أكابرهم ومشايخهم لم يجدوا بداً من الاستسلام لها وعدم الاعتراض عليها، فهذا هو السبب في كونهم ينكرون ما هو ظاهر وما هو مشهور.
وقولهم: لو كانت فطرية لاستوى الناس فيها وفي الإقرار بها، فإن الناس كلهم ذوو عقول.
الجواب
أنه قد أقر بها من بقي على فطرته، وأما من تغيرت فطرته فلا يلتفت إلى إنكاره، فهؤلاء المنكرون تغيرت فطرتهم؛ بسبب تأثير البيئة أو المجتمع أو التربية السيئة.
فصار لهم حالتان: إما أنهم مقرون بقلوبهم، ومنكرون بألسنتهم ما في قلوبهم من الميل إلى الفوقية، وإما أنهم تغيرت فطرتهم فلم يبق في قلوبهم ذلك الميل الذي كانوا عليه عندما ولدوا، وقد أخبر النبي ﷺ بأن الفطرة تتغير بالمجتمعات في قوله ﷺ : (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) يعني: أنه مولود على الفطرة التي هي معرفة ربه، ومعرفة خالقه، والإقرار بفوقيته، ولكن أبواه ومجتمعه ومعلموه ومدربوه ومدرسوه هم الذين يغيرون تلك الفطرة إلى ما يعتقدونه، حتى يصير يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو وثنياً أو مبتدعاً جهمياً أو غيره، فالله تعالى فطر الناس على هذه الفطرة، ولكن هؤلاء أنكروا بزعمهم، وادعوا أن عقولهم لا تدل على هذه الفطرة.
والجواب: أن يقال: قد أقر بهذه الفطرة الخلق الكثير الذين بقوا على عقيدتهم، وأنتم على ما أنتم عليه من إنكارها، فنقابل إقرار هؤلاء وإقرار هؤلاء فننظر أيهما أرجح، فنجد أن هؤلاء المقرين في جانبهم النقل وهو الكتاب والسنة، فيجتمع العقل والنقل فيكون أرجح من الذين ليس معهم إلا العقل.
جواب آخر وهو: أن عقول هؤلاء دائماً تتغير، وتختلف اختلافاً كثيراً، فتجد اثنين يتعلمان على معلم واحد ثم يختلفان، فهذا يقول: أنكر عقلي كذا.
وهذا يقول: لم ينكره عقلي.
ويبقى الواحد منهم برهة من الزمان قد تصل إلى أربعين سنة أو خمسين سنة وهو يقر ويعترف بهذا الأمر، ثم تغلب عليه بعض الأمور فتصرفه وينقلب ويقول: أنكره قلبي! بقيت أربعين أو خمسين سنة وقلبك مقر به، ثم بعد ذلك أنكره! قد يكون بالعكس أيضاً: يتربى عشرين أو ثلاثين سنة وهو منكر له؛ تقليداً لمجتمعه ولمدرسيه ومعلميه، ثم بعد ذلك يمن الله عليه ويرجع إلى العقل السليم فيوافق عليه، فإذاً: اختلاف عقولهم دليل على عدم اتزانها.
وكذلك تفاوتهم وكون هذا يقر وهذا ينكر، أو هذا يقر زماناً ثم ينكر؛ دليل على أنها ليست معياراً، فالمعيار هو الشرع، وكذلك العقول السليمة.
стр. 489
من أدلة علو الله: رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء
يقول الشارح ﵀: [واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما كان لكون السماء قبلة للدعاء، كما أن الكعبة قبلة للصلاة، ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض، مع أنه ليس في جهة الأرض.
وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه: أحدها: أن قولكم: إن السماء قبلة الدعاء.
لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين؛ إحداهما: الكعبة، والأخرى السماء.
فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين.
الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء، والذكر، والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون؛ ولذلك سميت (وجهة) ، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازاً، فلو كانت السماء قبلة الدعاء، لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازاً، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك، ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر، والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة.
وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض! فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له، لا بأن يميل إليه إذ هو تحته! هذا لا يخطر في قلب ساجد.
لكن يحكى عن بشر المريسي أنه سمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل!! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً! وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال لحري أن يتزندق، إن لم يتداركه الله برحمته، وبعيد من مثله الصلاح، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة﴾ [الأنعام:١١٠] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان، نسأل الله العفو والعافية.
وقوله: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) .
أي: لا يحيطون به علماً ولا رؤية، ولا غير ذلك من وجوه الإحاطة، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء] .
стр. 490
بطلان القول بأن السماء قبلة الدعاء
هذا اعتراض اعترض به النفاة، قالوا: تقولون: إن رفع الأيدي في الدعاء دليل على صفة العلو، وأن الإشارة بالإصبع في التشهد دليل على صفة العلو، فيقولون: نحن نجيب ونقول: إنما رفعت الأيدي إلى السماء؛ لأن السماء قبلة الدعاء، لا أن الله فوق السماء، ولا أن الله فوق العباد، كما أن الكعبة قبلة الصلاة كذلك السماء قبلة الدعاء، هذا اعتراضهم.
واعترضوا أيضاً بالسجود، قالوا: السجود: وضع الجبهة على الأرض، وهذا دليل على أن الله ليس فوق العباد، وإلا لما وضعوا جباههم على الأرض.
سمعنا الجواب، وهو واضح والحمد لله، وخلاصته: قولهم: إن قبلة الدعاء هي السماء.
قول باطل، بل الصحيح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، من أراد أن يستجاب دعاؤه فليستقبل القبلة التي هي الكعبة، وليست السماء قبلة الدعاء، ولو كانت قبلة الدعاء لاستقبلها الداعي بوجهه، ولم يكتفِ برفع يديه، فرفع اليدين دليل على أنه يشعر بأن ربه فوقه، وأنه هو الذي يعطيه، والقبلة إنما هي ما يستقبل بالوجه، كما أن المصلي يستقبل الكعبة أو جهة الكعبة بوجهه.
جواب آخر وهو: أن القبلة تقبل النسخ، فقبلة الصلاة بعد أن كانت إلى بيت المقدس نسخت إلى الكعبة، فإذا كانت القبلة تقبل النسخ دل على أن هذه أيضاً تقبل النسخ، ورفع الأبصار إلى السماء، وكذلك رفع الأيدي إلى السماء، وكذلك رفع القلوب إلى السماء؛ أمر فطري لا يمكن أن ينسخ، وليس كمثل قبلة الصلاة.
ثم يذكر الشارح أنهم اعترضوا بقولهم: لو كان في السماء لما سجدوا بوجوههم على الأرض.
و
الجواب
السجود على الأرض ليس لأن الله تحت العباد تعالى الله عن ذلك، وإنما السجود يشعر العبد في صلاته أنه متواضع لربه، فإن أعلى شيء في الإنسان وجهه، وهو أكرم أعضائه عليه، فإذا وضعه على الأرض تواضعاً وذلاً وخضوعاً دل ذلك على تعظيمه لربه، وحينئذ يرحمه ربه، ويغفر له ذنبه، حيث إنه تواضع هذا التواضع، وشعر من نفسه بالاستكانة وبالضعف وبالفقر والفاقة إلى ربه، ومن الأسباب التي شرعت السجدة لأجله أن يشعر العبد في صلاته بالعبودية، فإن مبنى الصلاة على العبودية والذل لله، فالقيام فيه ذل وتواضع، والركوع فيه انحناء وخضوع، والسجود فيه تعبد وذل وانكسار بين يدي ربه، وليس لأجل الاعتقاد أن الرب تعالى في جهة التحت، وإنما هذا عقيدة من انتكست فطرته، كما نقل الشارح ﵀ عن بشر بن غياث المريسي، وهو من أكابر المعتزلة والجهمية أتباع الجهم بن صفوان الذين ينكرون الصفات، وينكرون أن القرآن كلام الله.
هذه المقالة السيئة التي نقلت عنه تقشعر منها الجلود، وهذا دليل على أن زيغ القلوب والإصابة بالانتكاس من عقوبات الابتداع، لما طبع الله على قلوبهم، ووقعوا في هذا الابتداع صدق عليهم قول الله في هذه الآية التي سمعنا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠] قلب الله أفئدتهم عندما لم يؤمنوا به، فلم يستفيدوا مما سمعوا، فتعالى الله عن قولهم وعن معتقداتهم السيئة.
стр. 491
بداية ظهور المبتدعة منكري العلو
الصحابة ﵃ كانوا على العقيدة السلفية، لم يرتد منهم أحد وينكر شيئاً منها، وحاشاهم من ذلك، ولكن حدث في آخر عهدهم بدع، وبعضها أهون من بعض، أهونها البدعة الأولى التي هي بدعة الخوارج، ثم تليها بدعة القدرية، وقد يكون لهم فيها عذر، وكل هذه حدثت في آخر القرن الأول، ولكن أشنعها وأبشعها هي البدعة التي حدثت في أوائل القرن الثاني: بدعة الجهمية.
نشأت في خراسان ببلاد إيران، أول ما وجدت هذه البدعة في تلك الأماكن، فانتشرت انتشاراً خفياً، وفي آخر القرن الثاني تمكنت من بعض النفوس، وتمكنت جداً في أول القرن الثالث، وحصل ما حصل.
وقد تكرر معنا أن من دعاتها، الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد القسري يوم العيد، ومن دعاتها أيضاً الجهم بن صفوان، وهو الذي ينتسب إليه هذا المذهب، وقد قتله سلم بن أحوز ﵀ لبدعته، وورثه بشر بن غياث المريسي، وهو مبتدع على طريقة الجهم، وتمكن من بعض الولاة فقربه، وقبل مقالته كثير من المخدوعين الذين رأوا زخرف قوله فصدقوه، حتى أهلكه الله.
وقد ذكروا أنه لما دفن في مقبرة من مقابر العراق رئي بعض الأموات في المنام وعلى وجهه سفعة من النار أو لفحة منها، فقيل: ما هذا؟ فقال: دفن عندنا بشر المريسي، فنفحت جهنم أو التهبت على ذلك المكان، فنال: منها هذا اللهب والعياذ بالله! ثم ظهر في أواخر القرن الثاني وأول الثالث أحمد بن أبي دؤاد، وهو الذي زين للمأمون الفتنة والدعاء إلى القول بخلق القرآن، ونصر الله الحق وظهر، وخذل الله هذا العدو، بحيث إنه عوقب بإصابته بمرض الفالج في آخر عمره، وبقي ذليلاً مهيناً مهجوراً، لا يحترمه ولا يعظمه أحد، ولما مات لم يوجد من يحمله إلا ثلاثة رجال والرابع امرأة، وكل ذلك تحقير من الله تعالى لأهل الشر ولأهل الأهواء والبدع.
أما أهل السنة فإنهم أعزاء، ولهم النصرة والتمكين، لكن مع الأسف بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة تمكن هذا المذهب، وصار أهل القرن الرابع لا يعرفون غيره إلا ما شاء الله، وبقي أهل السنة مستخفين في القرن الرابع وما بعده، إلى أن أظهر الله الحق على يدي شيخ الإسلام ابن تيمية ومن على طريقته، ولا يزال لله تعالى بقايا من أهل العلم ومن أهل الدين في كل زمان ينافحون ويكافحون عن الدين الحق، ويردون البدع، ويردون على أهلها، وبهم تقوم حجة الله على عباده.
стр. 492
ما يترتب على اعتقاد العلو لله
من جملة ما مر بنا في هذه العقيدة الكلام على صفة العلو والفوقية، وقد ذكر الشارح ﵀ الأدلة على العلو، وأورد أنواعاً كثيرة من الأدلة العقلية ومن الأدلة النقلية الشرعية من الآيات والأحاديث، وهو لم يستوفِ الأدلة، ومن الكتب التي استوفت كتاب: العلو للعلي الغفار للإمام الذهبي، وكتب كثيرة استوفت هذه المقالة التي هي صفة العلو بأدلتها.
والمسلم إذا اعتقد هذه الصفة، ودان لله تعالى بأنه هو العلي الأعلى، فإن الله تعالى سيتقبل عبادته، ويضاعف أجره، ومن نتيجة هذه العقيدة، أنه يحصل للذين يعتقدونها مخافة ربهم من فوقهم كما أخبر عن الملائكة بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، فإن المؤمن إذا استشعر أن ربه من فوقه، وأنه مطلع عليه؛ فإنه يشعر من نفسه بالذل، ولربه بالعز والجلال، فيعظمه ويراقبه ويخافه، ويعبده حق عبادته، وهذا نتيجة اعتقاد هذه العقيدة.
стр. 493
شرح العقيدة الطحاوية [٣٥]
أنكر الجهمية أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه كلم موسى تكليماً، وقد رد عليهم أهل العلم، وبينوا حقيقة الخلة، وأنها أرفع درجة من المحبة.
стр. 494
حقيقة الخلة والمحبة والفرق بينهما
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً) .
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] .
الخلة: كمال المحبة، وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين؛ زعماً منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية، فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً.
ثم نزل فذبحه.
وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيراً.
وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول (الجهمية) ، فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك.
وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلاً وموسى كليماً؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى كسائر صفاته، ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) ، يعني: نفسه.
وفي رواية: (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ، وفي رواية: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ، فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلاً، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصاً، كقوله لـ معاذ: (والله إني لأحبك) ، وكذلك قوله للأنصار، وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ، وابنه أسامة حبه، وأمثال ذلك.
وقال له عمرو بن العاص: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوباً لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة؛ لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد، وكمال الحب، ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه، ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثاراً لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم، وتوطين النفس على أعلى ما أُمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة] .
стр. 495
معنى الخلة والخليل
تكلم الشارح ﵀ -كما سمعنا- على مسألة الخلة التي قال الله فيها: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ، وذكر أن الخلة أعلى أنواع المحبة، وأن الخليل في الأصل: هو المحبوب الذي تخللت محبته شغاف القلب، فالخليل: هو المحبوب الذي بلغت محبته النهاية، والأخلاء: هم الأحباب، قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] يعني: الذين كانوا متحابين محبة شديدة في الدنيا، إذا لم تكن تلك المحبة على التقوى صار بعضهم في الآخرة لبعض عدواً، ولو كانت تلك المحبة والخلة وثيقة وقوية.
فالخلة تخلل المحبة شغاف القلب، قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً قوله: (مسلك الروح) يعني: دخلت فيما يدخل فيه الروح، الروح يسري في الجسد وفي العروق وفي الدماء وفي العظم وفي البشر وفي كل شيء ما عدا الشعر، فالروح يسري في كل الإنسان، يقول: إني أخاطب محبوبة كأنها تخللت ما تخلله الروح حتى وصلت إلى شغاف القلب، وبذا سمي الخليل خليلاً.
ويقول الشاعر أيضاً: لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل فالخليل: هو المحبوب.
وقال الله تعالى حكاية عن بعض الكفار في النار: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨] يعني: محبوباً.
الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، يعني: محبوباً، والنبي ﷺ له أخلاء محبوبون، ولكن المحبة القوية الخالصة كانت بينه وبين ربه، فربه تعالى قد اتخذه خليلاً، وهو قد أحب ربه تلك المحبة التي هذه نهايتها، وهذه غايتها، فبقي قلبه ممتلئاً بتلك المحبة التي هي الخلة، ليس فيه موضع لغيره، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يكون قلبه ممتلئاً بمحبة ربه، المحبة التي لا ينازعها غير محبة المحبوب.
الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، وأحبه هذا النوع من المحبة، وإبراهيم كذلك أحب ربه المحبة التامة التي هي أعلى أنواع المحبة، ولما وهبه الله ولده إسماعيل أحبه كما هو معلوم أن الولد محبوب في النفس، وأن النفس تميل إليه وتحبه محبة طبعية، محبة شفقة وحنان، فلما تعلق قلب إبراهيم بولده وأحبه غار الرب تعالى على خليله أن يكون في قلبه موضع لغير ربه، وأن يكون قلبه منشغلاً بربه، فهو يريد ألا يكون فيه أية محبة صادقة لغير الله تعالى، فعند ذلك امتحنه بذبح ولده، فلما استسلم لذلك، والتزم بأن يطيع ربه في هذه المحنة، وأن يذبح ولده؛ خرج ذلك الجزء الذي في قلب إبراهيم من المحبة لولده، وذلك الاشتراك الذي كان فيه من محبة الولد، وصفا قلب إبراهيم لربه، وعرف ربه من قلبه أنه ممتلئ بمحبة ربه، وأنه لا يقدم على محبته محبة مال ولا ولد ولا أخ ولا خليل ولا غير ذلك، فعند ذلك نسخ الله هذا الأمر كما سمعنا، وفداه الله بذبح عظيم.
следующие страницы →