← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بداية ظهور المبتدعة منكري العلو الصحابة ﵃ كانوا على العقيدة السلفية، لم يرتد منهم أحد وينكر شيئاً منها، وحاشاهم من ذلك، ولكن حدث في آخر عهدهم بدع، وبعضها أهون من بعض، أهونها البدعة الأولى التي هي بدعة الخوارج، ثم تليها بدعة القدرية، وقد يكون لهم فيها عذر، وكل هذه حدثت في آخر القرن الأول، ولكن أشنعها وأبشعها هي البدعة التي حدثت في أوائل القرن الثاني: بدعة الجهمية. نشأت في خراسان ببلاد إيران، أول ما وجدت هذه البدعة في تلك الأماكن، فانتشرت انتشاراً خفياً، وفي آخر القرن الثاني تمكنت من بعض النفوس، وتمكنت جداً في أول القرن الثالث، وحصل ما حصل. وقد تكرر معنا أن من دعاتها، الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد القسري يوم العيد، ومن دعاتها أيضاً الجهم بن صفوان، وهو الذي ينتسب إليه هذا المذهب، وقد قتله سلم بن أحوز ﵀ لبدعته، وورثه بشر بن غياث المريسي، وهو مبتدع على طريقة الجهم، وتمكن من بعض الولاة فقربه، وقبل مقالته كثير من المخدوعين الذين رأوا زخرف قوله فصدقوه، حتى أهلكه الله. وقد ذكروا أنه لما دفن في مقبرة من مقابر العراق رئي بعض الأموات في المنام وعلى وجهه سفعة من النار أو لفحة منها، فقيل: ما هذا؟ فقال: دفن عندنا بشر المريسي، فنفحت جهنم أو التهبت على ذلك المكان، فنال: منها هذا اللهب والعياذ بالله! ثم ظهر في أواخر القرن الثاني وأول الثالث أحمد بن أبي دؤاد، وهو الذي زين للمأمون الفتنة والدعاء إلى القول بخلق القرآن، ونصر الله الحق وظهر، وخذل الله هذا العدو، بحيث إنه عوقب بإصابته بمرض الفالج في آخر عمره، وبقي ذليلاً مهيناً مهجوراً، لا يحترمه ولا يعظمه أحد، ولما مات لم يوجد من يحمله إلا ثلاثة رجال والرابع امرأة، وكل ذلك تحقير من الله تعالى لأهل الشر ولأهل الأهواء والبدع. أما أهل السنة فإنهم أعزاء، ولهم النصرة والتمكين، لكن مع الأسف بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة تمكن هذا المذهب، وصار أهل القرن الرابع لا يعرفون غيره إلا ما شاء الله، وبقي أهل السنة مستخفين في القرن الرابع وما بعده، إلى أن أظهر الله الحق على يدي شيخ الإسلام ابن تيمية ومن على طريقته، ولا يزال لله تعالى بقايا من أهل العلم ومن أهل الدين في كل زمان ينافحون ويكافحون عن الدين الحق، ويردون البدع، ويردون على أهلها، وبهم تقوم حجة الله على عباده.

стр. 492

ما يترتب على اعتقاد العلو لله من جملة ما مر بنا في هذه العقيدة الكلام على صفة العلو والفوقية، وقد ذكر الشارح ﵀ الأدلة على العلو، وأورد أنواعاً كثيرة من الأدلة العقلية ومن الأدلة النقلية الشرعية من الآيات والأحاديث، وهو لم يستوفِ الأدلة، ومن الكتب التي استوفت كتاب: العلو للعلي الغفار للإمام الذهبي، وكتب كثيرة استوفت هذه المقالة التي هي صفة العلو بأدلتها. والمسلم إذا اعتقد هذه الصفة، ودان لله تعالى بأنه هو العلي الأعلى، فإن الله تعالى سيتقبل عبادته، ويضاعف أجره، ومن نتيجة هذه العقيدة، أنه يحصل للذين يعتقدونها مخافة ربهم من فوقهم كما أخبر عن الملائكة بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، فإن المؤمن إذا استشعر أن ربه من فوقه، وأنه مطلع عليه؛ فإنه يشعر من نفسه بالذل، ولربه بالعز والجلال، فيعظمه ويراقبه ويخافه، ويعبده حق عبادته، وهذا نتيجة اعتقاد هذه العقيدة.

стр. 493

شرح العقيدة الطحاوية [٣٥] أنكر الجهمية أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه كلم موسى تكليماً، وقد رد عليهم أهل العلم، وبينوا حقيقة الخلة، وأنها أرفع درجة من المحبة.

стр. 494

حقيقة الخلة والمحبة والفرق بينهما قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً) . قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] . الخلة: كمال المحبة، وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين؛ زعماً منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية، فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً. ثم نزل فذبحه. وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيراً. وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول (الجهمية) ، فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلاً وموسى كليماً؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى كسائر صفاته، ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) ، يعني: نفسه. وفي رواية: (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ، وفي رواية: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ، فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلاً، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصاً، كقوله لـ معاذ: (والله إني لأحبك) ، وكذلك قوله للأنصار، وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ، وابنه أسامة حبه، وأمثال ذلك. وقال له عمرو بن العاص: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوباً لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة؛ لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد، وكمال الحب، ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه، ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثاراً لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم، وتوطين النفس على أعلى ما أُمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة] .

стр. 495

معنى الخلة والخليل تكلم الشارح ﵀ -كما سمعنا- على مسألة الخلة التي قال الله فيها: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ، وذكر أن الخلة أعلى أنواع المحبة، وأن الخليل في الأصل: هو المحبوب الذي تخللت محبته شغاف القلب، فالخليل: هو المحبوب الذي بلغت محبته النهاية، والأخلاء: هم الأحباب، قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] يعني: الذين كانوا متحابين محبة شديدة في الدنيا، إذا لم تكن تلك المحبة على التقوى صار بعضهم في الآخرة لبعض عدواً، ولو كانت تلك المحبة والخلة وثيقة وقوية. فالخلة تخلل المحبة شغاف القلب، قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً قوله: (مسلك الروح) يعني: دخلت فيما يدخل فيه الروح، الروح يسري في الجسد وفي العروق وفي الدماء وفي العظم وفي البشر وفي كل شيء ما عدا الشعر، فالروح يسري في كل الإنسان، يقول: إني أخاطب محبوبة كأنها تخللت ما تخلله الروح حتى وصلت إلى شغاف القلب، وبذا سمي الخليل خليلاً. ويقول الشاعر أيضاً: لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل فالخليل: هو المحبوب. وقال الله تعالى حكاية عن بعض الكفار في النار: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨] يعني: محبوباً. الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، يعني: محبوباً، والنبي ﷺ له أخلاء محبوبون، ولكن المحبة القوية الخالصة كانت بينه وبين ربه، فربه تعالى قد اتخذه خليلاً، وهو قد أحب ربه تلك المحبة التي هذه نهايتها، وهذه غايتها، فبقي قلبه ممتلئاً بتلك المحبة التي هي الخلة، ليس فيه موضع لغيره، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يكون قلبه ممتلئاً بمحبة ربه، المحبة التي لا ينازعها غير محبة المحبوب. الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، وأحبه هذا النوع من المحبة، وإبراهيم كذلك أحب ربه المحبة التامة التي هي أعلى أنواع المحبة، ولما وهبه الله ولده إسماعيل أحبه كما هو معلوم أن الولد محبوب في النفس، وأن النفس تميل إليه وتحبه محبة طبعية، محبة شفقة وحنان، فلما تعلق قلب إبراهيم بولده وأحبه غار الرب تعالى على خليله أن يكون في قلبه موضع لغير ربه، وأن يكون قلبه منشغلاً بربه، فهو يريد ألا يكون فيه أية محبة صادقة لغير الله تعالى، فعند ذلك امتحنه بذبح ولده، فلما استسلم لذلك، والتزم بأن يطيع ربه في هذه المحنة، وأن يذبح ولده؛ خرج ذلك الجزء الذي في قلب إبراهيم من المحبة لولده، وذلك الاشتراك الذي كان فيه من محبة الولد، وصفا قلب إبراهيم لربه، وعرف ربه من قلبه أنه ممتلئ بمحبة ربه، وأنه لا يقدم على محبته محبة مال ولا ولد ولا أخ ولا خليل ولا غير ذلك، فعند ذلك نسخ الله هذا الأمر كما سمعنا، وفداه الله بذبح عظيم.

стр. 496

شبهة إنكار المحبة بين العبد وربه والرد عليها المحبة من أعلى صفات الله الفعلية، الله تعالى يحب عباده، ويتخذ من يشاء منهم خليلاً، فإبراهيم ومحمد ﷺ هما الخليلان اللذان اتخذهما الله لهذه الخلة التي هي من خصائصهما، وأما بقية الخلق فإنهم يحبون الله تعالى والله تعالى يحب المؤمنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين كما أخبر بذلك. فالمحبة عامة للمؤمنين، والخلة خاصة بالخليلين، وهي من الله تعالى. صفة الخلة وصفة المحبة عموماً، أنكرتها الجهمية من الجانبين، فقالوا: الله لا يُحِب ولا يُحَب، أنكروا أن المؤمنين يحبون ربهم، وأنكروا أن الله يحبهم، لماذا؟ يقولون: إن المحبة لا تكون إلا بين اثنين بينهما تجانس، فالإنسان يحب إنساناً لأنه إنسان؛ ولأن بينهما تجانساً، وليس بين الرب وبين الخلق تجانس، يقولون: الرب قديم، والإنسان حادث، فما دام أن بينهما هذا التفاوت فلا يمكن أن يكون بينهما هذه المحبة التي هي خاصة بالمتجانسين. هذه شبهة، ولا شك أنها شبهة باطلة، فالمؤمنون يجدون في قلوبهم المحبة، ويجدون من ربهم آثار هذه المحبة، فالله تعالى يحب عباده، ومن آثار هذه المحبة: أنه ينصرهم، ويكرمهم، ويؤيدهم، ويقويهم، ويعلي شأنهم، ويعلي كلمتهم، ويوفقهم، ويسدد خطاهم، أليس ذلك دليل من آثار المحبة؟ إذا رأيت إنساناً يكرم رجلاً، ويقدسه، ويقدمه، ويدخله بيته دائماً، ويزوره، ويستزيره، ويهدي له، ويقبل هديته، ويمدحه في المجالس، ألست تستدل على أنه يحبه؟ نعم، وتقول: هذا يحب فلاناً، وبينهما محبة. نحن نشهد آثار رحمة الله تعالى، نشهد أنه يوفق بعض عباده، وأنه ينصرهم ويؤيدهم، ويقويهم ويقوي عزائمهم، ويقوي قلوبهم، أليس ذلك من آثار المحبة؟ بلى؛ هذا دليل على أنه أحبهم حيث أظهرهم وقواهم ونصرهم وأيدهم، كما حصل لأولياء الله تعالى في كل مكان وزمان. إذاً: نستدل بآثار المحبة على وجودها، هذا لو لم ترد في الأدلة، فكيف والأدلة الشرعية كثيرة كقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، اجتمعت المحبتان: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) ، وهذا رد على المعتزلة في الجهتين، هم يقولون: لا يحُب ولا يحِب، والآية أثبتت أنه يحبهم وأنهم يحبونه، ومن آثار محبته لهم: أنه ينصرهم ويؤيدهم ويقوي كلمتهم، وآثار محبتهم لربهم: أنهم يعبدونه، ويخلصون العبادة له، ويوحدونه ويطيعونه، ويطيعون أمره، ويعظمون شرعه، ويستعدون للقائه، ويعملون بشرائعه كلها، ويحذرون من أسباب غضبه، ويفعلون أسباب ثوابه، وهذا دليل على أنهم يحبونه. كذلك أيضاً محبتهم للنبي ﷺ واجبة عليهم، وهي تابعة لمحبة الله تعالى، يقول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) . نحن نحب هذا النبي ﷺ ، والكثير يقولون: نحن نحبه، ونشهد أنه رسول الله، لكن لهذه المحبة علامات، فلابد أن تظهر في الذي يحبه علامات المحبة، ومن أبرزها طاعته واتباعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .

стр. 497

تكليم الله لموسى وغيره ذكر الشارح أن الله تعالى كلم موسى تكليماً، وقد تقدم الكلام على القرآن، وأنه كلام الله، وأن الله تعالى متكلم، يتكلم إذا شاء، ومن كلامه القرآن، وكلامه لا يفنى، ولو كتب بكل أقلام الدنيا وكانت البحار مداداً لها؛ لفنيت الأقلام وتكسرت، ولفنيت مياه البحار قبل أن يفنى كلام الله. والله تعالى خص من عباده من كلمهم، ومنهم: موسى، قال الله تعالى يخاطب موسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] (اصطفيتك) يعني: اخترتك وفضلتك وميزتك بهذه الأشياء التي منها: أن الله كلمه، ومنها: أنه أرسله وجعله من المرسلين، وغير ذلك مما ميزه الله به. هذه الآية لا يستطيع المعتزلة أن يؤولوها: (اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) . أما الآية التي استشهد بها الشارح، وهي قوله الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، ومثلها قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، فهذا صريح أيضاً في أن الله كلم موسى، ومعروف أن الكلام هو المسموع؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فهو كلام سمعه، ولكن المعتزلة لما أنكروا هذه الصفة تأولوها تأويلاً بعيداً، فيقولون: إن التكليم هنا: التجريح، (كلمه) أي: جرحه بأظافير الحكمة. وما أبعد هذا التأويل!! ونسوا أن الله تعالى أخبر بأنه اصطفاه بكلامه، وتكرر الآيات يمنع من صرفها إلى هذا التأويل البعيد، ونسوا أن التأويل لا يمكن إلا ببينة وبقرينة ترجح ما تأولوه، وحيث إنه ليس هناك قرينة فلا نقبل منهم هذا التأويل البعيد، وهذا تحريف. وقد ذكر أن رجلاً جاء إلى أبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة من قراء البصرة، وقال: أريد أن تقرأ هذه الآية هكذا: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا) يعني: أن موسى هو الذي كلم الله، وأن الله لم يكلم موسى، فجعل اسم (الله) مفعول به منصوب على أنه هو المكلم. ماذا قال أبو عمرو ﵀؟ قال: هب أني أو غيري قرأها هكذا، فكيف تفعل بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ؟! فبهت ذلك المعتزلي، حيث إن تلك الآية لا تستطيع المعتزلة تأويلها ولا تحريفها، ويسمى هذا: تحريفاً لفظياً. والحاصل أن المعتزلة أنكروا هاتين الصفتين: صفة الخلة التي هي أعلى أنواع المحبة، وصفة الكلام من الله تعالى الذي هو صفة كمال، أنكروا هاتين الصفتين. وهذه المقالة -التي هي إنكار هذه الصفات- اشتهرت عن الجعد بن درهم كما ذكر الشارح، وهو الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط -قرية من قرى العراق- فقتله في يوم العيد وجعله أضحيته يوم العيد، بعد أن أفتى علماء زمانه بكفره، وأنه أصر على قوله وعناده ولم يرجع، ولم يقبل، فبعدما خطب ﵀ نزل وذبحه. يقول ابن القيم ﵀ في النونية: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان ما هي مقالته؟ إذ قال إبراهيمُ ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الدان المقالة التي أنكروها عليه أنه أنكر أن الله كلم موسى تكليماً، وأنكر اتخاذ الله إبراهيم خليلاً. هذه المقالة حفظت عن الجعد، وذكر ابن تيمية ﵀ أن الجعد أخذها عن طالوت، وطالوت أخذها عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر المشهور، فصارت مأخوذة عن سحرة اليهود. والجهم أخذها عن الجعد ونشرها فنسبت إليه، أصبح يقال: جهمية. الجهم كلمة مستبشعة، قالوا: إنها مشتقة من جهنم، مما يدل على أن اسمه قريب من هذه الكلمة. وذكر الإمام أحمد ﵀ أنه أخذ مقالته عن طائفة يقال لهم: السمنية. وعلى كل حال فأسانيد الجهمية تعود إلى السمنية وإلى سحرة اليهود وإلى أشبهاهم، فكيف يترك لها كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وعقائد سلف المسلمين؟!

стр. 498

نبينا محمد ﵊ شارك إبراهيم وموسى في منزلة الخلة والتكليم قال الشارح ﵀: [وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا ﷺ كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا ﷺ ، كما ثبت ذلك في حديث الإسراء. وهنا سؤال مشهور؛ وهو: أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ ، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة، يضيق هذا المكان عن بسطها. وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد ما يليق بهم؛ لأنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد صلى الله عليهما وسلم، فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره. وأحسن من هذا: أن النبي ﷺ من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم. متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، بل هو متناول لإبراهيم أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] ، فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤] فإن لوطاً داخل في آل لوط، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩] ، وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فإن فرعون داخل في آل فرعون، ولهذا -والله أعلم- أكثر روايات حديث الصلاة على النبي ﷺ إنما فيها: (كما صليت على آل إبراهيم) . وفي كثير منها: (كما صليت على إبراهيم) ، ولم يرد: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) إلا في قليل من الروايات، وما ذلك إلا لأن في قوله: (كما صليت على إبراهيم) يدخل آله تبعاً. وفي قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) هو داخل في آل إبراهيم] . سمعنا أن محمداً ﷺ قد أعطي مثل ما أعطي الأنبياء قبله، فلما اتخذ الله إبراهيم خليلاً اتخذ النبي ﷺ خليلاً كما تقدم في قوله: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ، وقد تقدم أنه ﷺ لم يتخذ من أمته خليلاً، مع أنه قد أحب كثيراً منهم، كقوله لـ معاذ: (إني أحبك) ، وكتسمية زيد: حب النبي ﷺ ، وأسامة حب النبي ﷺ وابن حبه، ولكن لم يقل: إن هذا خليلي، بل قال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله) . وقد كلم الله موسى تكليماً، وحصل ذلك -أيضاً- لنبينا ﷺ ، كلمه الله لما أسري به، وأسمعه كلامه لما أمره بخمسين صلاة فرجع وقال: (يا رب! خفف عن أمتي. فقال: خففت عنك عشراً، وهكذا تردد إليه حتى صارت خمس صلوات، فقال الله: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) . ففي هذا أنه كلمه تكليماً، فعلى هذا يكون قد حصل للنبي ﷺ الخلة التي لإبراهيم، وحصل له الكلام الذي لموسى، وكذلك بقية الفضائل التي لبقية الأنبياء.

стр. 499

معنى قول: (كما صليت على آل إبراهيم) سمعنا الإشكال الذي يورده بعض العلماء لقوله في الصلاة على النبي ﷺ : (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم، أو كما صليت على إبراهيم، أو كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم) فيقولون: كيف يسأل للنبي ﵊ مثلما حصل لإبراهيم، يعني: شبيهاً به، والمشبه دون المشبه به، فعلى هذا يكون الذي يحصل لمحمد من الصلاة أقل من الذي يحصل لإبراهيم؛ لأن المشبه دون المشبه به؟ هذا إشكال، كيف ذلك ومحمد ﷺ أفضل؟ الجواب الصحيح أن يقال: إن محمداً ﷺ من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم، ولأجل ذلك يذكره الله بقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] ، ولما كان في الإسراء ولقيه في السماء السابعة قال: (مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح) لأنه من ذريته، فهو من آل إبراهيم، فإذا قلنا: (كما صليت على آل إبراهيم) . دخل في ذلك محمد ﷺ ، وطلبنا لآل محمد كما حصل لآل إبراهيم، فلا يحصل هناك إشكال إن شاء الله.

стр. 500

منبع العقيدة الإيمان بالغيب منبع العقيدة وأصلها هو الإيمان بالغيب، وأن ذلك ينحصر في الأركان الستة التي ذكرها النبي ﷺ في تفسير الإيمان حيث قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، وذكرنا أن أصل ذلك كله هو الإيمان بالله، وأن من آمن بالله سبحانه إلهاً ورباً وخالقاً ومعبوداً التزم الإيمان بسائر كتبه، والتزم الإيمان بالعذاب والنعيم الذي وعد به، والتزم الإيمان بالأمر والنهي الذي شرعه، والتزم الإيمان بالقضاء والقدر الذي قدره وقضاه، والتزم الإيمان بالبعث والنشور الذي أخبر به، وآمن بالرسل، وآمن بالكتب، وآمن بالملائكة، وآمن بالغيب كله، آمن بما أخبر الله به، ونتج عن الإيمان بذلك العمل، أي: صدق بذلك تصديقاً جازماً، وعمل بما صدق به وبما هو قادم عليه. ويتوقف الإيمان بالله تعالى على معرفة الأدلة، قال في الأصول الثلاثة التي كان الأولون يقرئونها أبناءهم: إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته. هذه أكبر العلامات وأكبر الأدلة: الآيات والمخلوقات، فمن عرف الله تعالى بآياته وعرفه بمخلوقاته آمن به، ومن آمن به آمن بخبره، وآمن بأمره ونهيه، وآمن بوعده ووعيده، وآمن بشرعه وبحكمه، وآمن بقضائه وبقدره، وآمن بكل ما أخبر به، ومتى آمن بذلك وصدق به تصديقاً جازماً ظهرت آثار ذلك على أعماله، فرأيته مسارعاً للأعمال، ورأيته مستكثراً من الصالحات، ورأيته مستعداً للقاء الله، ورأيته عاملاً بما أمر الله، ورأيته مبتعداً عما حرم الله، وإذا رأيته ليس كذلك فاعلم أن تصديقه ضعيف، واعلم أن إيمانه ضعيف، من رأيته يتجشم الكبائر، من رأيته يتساهل بالصغائر ويصر عليها، من رأيته يترك الأوامر ويتساهل بفعل الشرائع، فاعلم أن تصديقه ضعيف، واعلم أن إيمانه مشكوك فيه، فإن الإيمان الضعيف يظهر أثره بقلة الأعمال الصالحة، وباقتراف السيئات وترك المأمورات، والإيمان القوي يظهر أثره على الأعمال، فتجد المؤمن القوي مسارعاً إلى الخيرات مستكثراً منها، يعلم آثارها، ويعلم صلاحها، ويعلم النتيجة التي يجنيها من ورائها، ويعلم أن ثوابها عظيم، وأن أجرها لا يضيع عند الله، ويعلم أن في تركها الحسرة والندامة. فهذه العلامات التي تعرف بها المصدق من المكذب، تعرف بها الصادق من الكاذب، تعرف بها الإيمان من النفاق. ومر بنا أن من أركان الإيمان الإيمان بالملائكة، ويدخل في ذلك ما أخبر الله تعالى عنهم، مع أنا لم نرهم، ولكن نؤمن بهم كما أخبر الله، وذلك من الإيمان بالغيب.

стр. 501

خصائص آل إبراهيم ﵇ قال الشارح ﵀: [وكذلك لما جاء أبو أوفى ﵁ بصدقته إلى النبي ﷺ ، دعا له النبي ﷺ وقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى) . فعلى رواية من روى: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) لا يدخل فيهم لإفراده بالذكر، ولما كان بيت إبراهيم ﵇ أشرف بيوت العالم على الإطلاق، خصهم الله بخصائص: منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته. ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم. ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين، كما تقدم ذكره. ومنها: أنه جعل صاحب هذا البيت إماماً للناس، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] . ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياماً للناس ومثابة للناس وأمناً، وجعله قبلة لهم وحجاً، فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين. ومنها: أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل البيت، إلى غير ذلك من الخصائص] . قد ذكرنا أن من أركان الإيمان: الإيمان بالأنبياء والرسل، وأن الأنبياء هم الذين أوحى الله إليهم، وأنزل عليهم شيئاً من شرعه، وأن منهم من كلفه الله بالتبليغ، وأمره بالدعوة، وجعل رسالته مؤكدة في أن يدعو إليها ويبلغها، وحذر من أرسل إليهم إذا لم يصدقوه أن يعذبهم، وأنزل عليه شريعة مستقلة، فهؤلاء هم رسل الله، نؤمن بهم، ومنهم أنبياء يوحي الله إليهم، ولكن لم يفردهم بشرائع خاصة، بل يحكمون بشرائع من قبلهم، ولكن ينزل عليهم الوحي، ويأمرهم الله فيه بأوامر تكون موافقة للأوامر التي أوحى بها إلى الأنبياء قبلهم، فهؤلاء أنبياء، وليسوا مكلفين بالدعوة العامة، ولم يعذب من كذبهم تعذيباً عاماً كالذين كذبوا المرسلين. ورد في الحديث: (أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر) ، الله تعالى ذكر في القرآن نحو خمسة وعشرين نبياً أو رسولاً، والبقية لم يقصصهم علينا، قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] ، أفضل هؤلاء الأنبياء المرسلون منهم، وأفضل المرسلين خمسة وهم أولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، وأفضل هؤلاء الخمسة الخليلان: إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وأفضلهما محمد، وهو خاتم الرسل، وأفضل الأنبياء، وسيد ولد آدم.

стр. 502

فضائل إبراهيم ﵇ استشكل بعض الناس أننا أمرنا بأن نصلي على محمد كما نصلي على إبراهيم، أو نطلب من الله صلاته على محمد كما صلى على آل إبراهيم، وكيف دعي له بمثل صلاته على إبراهيم، يقول العلماء: إن المشبَه دون المشبه به، فيكون إبراهيم على هذا أفضل من محمد والأمر بالعكس، وأجاب العلماء بأن محمداً ﷺ من آل إبراهيم، فهو واحد منهم، ولا شك أيضاً أن إبراهيم ﵇ له ميزة وله فضائل أثنى الله عليه بها، ومدحه بها، فذكر أنه دعا الناس وهو صغير، وبكتهم ووبخهم وهو لا يزال في الفتوة، كما حكى الله عنهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] وذلك عندما كسر أصنامهم وهو لم يزل فتى شاباً، وذلك دليل على أنه قام بالدعوة وهو شاب. وكذلك أيضاً وقعت له المعجزة الكبيرة، وهو أن الله تعالى جعل النار عليه برداً وسلاماً. كذلك وهب الله له على الكبر إسماعيل وإسحاق، ولما دعا بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] أجاب الله تعالى دعوته ووهب له الصالحين. كذلك أيضاً جعل الأنبياء بعده كلهم من ذريته، فأولاده أنبياء إسماعيل وإسحاق، وكذلك ابن ابنه يعقوب، وكذلك يوسف بن يعقوب، وهكذا ذرية يعقوب الذي هو إسرائيل ﵇، وكذا أيضاً من كان بعدهم من ذريتهم إلى أن كان نبينا ﷺ ، وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، فالكل من ذرية إبراهيم، فهم من آل إبراهيم. ومن فضائله: أن الله تعالى جعل على يديه بناء البيت، أمره الله تعالى أن يبنيه بعدما اندرس واندثر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] مكانه يعني: موضعه، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] فجعله الله تعالى على يديه، وأمره بأن يطهره بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة:١٢٥] فهذه كلها من الخصائص والميزات، ولما كان بهذا الشرف لم يكن هناك استنكار في أن يصلى على محمد كما صلي على آل إبراهيم.

стр. 503

شرح العقيدة الطحاوية [٣٦] للفلاسفة والمعتزلة والرافضة أصول في العقائد يعتمدون عليها، ويعتقدون صحتها، وهي مخالفة للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.

стр. 504

حقيقة إيمان الفلاسفة بأركان الإيمان قال المصنف ﵀: [قوله: (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين) . هذه الأمور من أركان الإيمان. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] الآيات. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] الآية. فجعل الله الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة، بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] ، وقال ﷺ في الحديث المتفق على صحته حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان، فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) . فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكاراً الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلاً وأبداً، وإن سموه مفعولاً له، فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم بالله. وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته، لينال من العلم أعظم ما يناله غيره، وقوة النفس، ليؤثر بها في هيولى العالم يقلب صورة إلى صورة، وقوة التخييل، ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم، وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان. وأما اليوم الآخر، فهم أشد الناس تكذيباً وإنكاراً له في الأعيان، وعندهم أن هذا العالم لا يخرب، ولا تنشق السماوات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار، كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل، فهذا إيمان هذه الطائفة - الذليلة الحقيرة - بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهذه هي أصول الدين الخمسة] . قد ذكرنا أن الإيمان له أركان ستة، وأنها ذكرت في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] هذه بعض أركان الإيمان، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وهذه أيضاً من أركان الإيمان، ولقد مدح الله المؤمنين بها، وقال تعالى في ذم الذين يكذبون بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٣٧] والمراد بإيمانهم هو تصديقهم بشيء ثم تكذيبهم به، وإيمانهم بشيء آخر أو نحو ذلك، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦] أمرنا أن نؤمن بالله، وأن نؤمن برسله، ونؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء قبلنا، وبالكتاب المنزل على نبينا ﵊، وأخبر بسوء وعاقبة من كذب بهذه الأركان الخمسة. ولا شك أن الإيمان بها يستلزم اعتقادها واعتقاد صحتها، وإذا كنا نؤمن بالله تعالى، فمن أي شيء نأخذ صفات ربنا؟ نأخذها من كلامه ومن كلام رسوله، فنؤمن بما جاء في صفاته سبحانه من صفات الكمال، وننزهه عما نزه نفسه عنه من صفات النقص، هذا كمال الإيمان بالله تعالى.

стр. 505

الإيمان بالله عند الفلاسفة الفلاسفة ونحوهم لم يؤمنوا بالله حقيقة، إنما يؤمنون بوجود مجرد ليس له وجود في الخارج، وإنما هو وجود في الذهن يرجع في الحقيقة إلى العدم، حيث وصفوه بصفات العدم، مما يجل عن أن يوصف به، هذا إيمانهم بالله وهم مع ذلك يسمون بالحكماء وبالعلماء، والفلسفة عندهم هي نوع من الحكمة، هي علم المعتقد الذي يدور على الأدلة، فهو عندهم علم له أهميته، هذا إيمانهم بالله تعالى، ويوجد هذا التفسير في مؤلفات أكابرهم كمؤلفات عالمهم الكبير المشهور بـ ابن سيناء، وعالم آخر يقال له: الفارابي، وعالم آخر منهم يقال له: الطوسي، وأشباههم، وهؤلاء علماء إسلاميون كما يقال لهم، وهم معظمون عند الكثير في هذه الأزمنة ومقدسون، وكتبهم لها ثمن رفيع، ولها منزلة عالية عند الكثير في هذه الأزمنة؛ وذلك لما فيها بزعمهم من الأفكار، ولما فيها من الابتكارات والاختراعات والعلوم العقلية كما يسمونها، فلذلك صارت محل تقدير عندهم، وكتب ابن سيناء تتعلق بالطب أو تتعلق بالكلام أو تتعلق بالعلوم التي يسمونها علوماً، أو تتعلق بالأحكام وغير ذلك، وكذلك كتب الفارابي. ولا شك أن هؤلاء وإن سموا فلاسفة إسلاميين فإنهم أبعد عن الصواب، وبالأخص في الإيمان بالغيب، فهم أبعد الناس عنه، فلا يغتر بمن يمدحهم ومن يثني عليهم ومن يزعم أنهم علماء إسلاميون أجلاء، وأن لهم منزلة رفيعة، ولهم مكانة عند المسلمين، لا يغتر أحد بذلك.

стр. 506

الإيمان بالرسل عند الفلاسفة الرسل عند الفلاسفة لم ينزل عليهم الوحي، ولكن الرسل عندهم أناس أذكياء لهم فطنة استطاعوا بفطنتهم وبذكائهم أن يلبسوا على الناس وأن يقولوا: إنما أنزل علينا، وإننا مشرعون، وجاءنا الشرع، وإننا رسل من الله، ولم يكن هناك رسالة، ولم يكن هناك شرع، وإنما أرادوا أن يكون لهم أتباع، فصار لهم أتباع بهذه الفكرة، هذه عقيدتهم في الرسل، ويسمون ذلك: تخييلاً، ولا شك أنهم ما آمنوا بالرسل حقيقة الإيمان.

стр. 507

الإيمان بالكتب عند الفلاسفة الفلاسفة لا يعتقدون أن لله تعالى كلاماً، ولا أن الله تعالى يتكلم، ولا أن له صفات حقيقة ما دام أنهم يجعلون وجوده وجود في الأذهان لا في الأعيان؛ فإذاً ليس لله كلام عندهم، وهذا القرآن ليس هو كلامه، وإنما هو إما من نظم البشر وإما من تركيب الملك أو نحو ذلك، فليس لله عندهم كتب منزلة متضمنة لشرع الله.

стр. 508

الإيمان بالملائكة عند الفلاسفة الفلاسفة يؤمنون بأن هناك ملائكة ذات أرواح يصعدون وينزلون ويسمعون ويتكلمون ويحملون الوحي، لا يؤمنون بذلك. وعندهم أن الروح التي في الإنسان عبارة عن حياة عامة في هذا الكون، إذا اتصلت بالمخلوق حس بالحياة، وإذا انفصلت عنه انتقل إلى الوفاة، هذه حقيقة الروح عندهم. وعندهم أن الملائكة ليس لهم حقيقة وجود، وليس لهم أجنحة يصعدون بها وينزلون، فإذاً ليس للملائكة عندهم وجود.

стр. 509

الإيمان باليوم الآخر عند الفلاسفة الفلاسفة لا يؤمنون باليوم الآخر، وعندهم أنه لا حقيقة للبعث، ولا حقيقة لانقضاء الدنيا، بل من معتقدهم أنه ليس هناك بعث ولا نشور، ولا حياة للأجساد، ولا جمع لها بعد أن تتفتت، ولا إعادة للأرواح إليها، وليس هناك جنة ولا نار يثاب بهذه ويعاقب بهذه، بل ليس عندهم مبدأ، والعالم هذا لم يزل موجوداً منذ القدم، ولم يسبق بعدم، ويكذبون بخلق آدم، ويقولون: ليس هناك شخص اسمه آدم خلق من تراب، بل هذا الخلق وهذا الوجود وهذه الأرض قديمة ما سبقت بعدم، هذه عقائد الفلاسفة، فهم كذبوا خبر الله تعالى، وكذبوا أخبار الرسل وكذبوا ما جاءت به، فخالفهم بذلك أهل السنة وأقروا بها على ما جاءت به، وأخذوا تفاصيلها عن الرسل الذين جاءوا بهذه الشرائع وقبلوها كما جاءت، وصاروا بذلك أحق باتباع الرسل.

стр. 510

أصول الدين وأركانه عند المعتزلة قال الشارح ﵀: [وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيراً من الدين، فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات -التي هي الأعراض- على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيهاً بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك: العدل. ثم تكلموا في النبوة والشرائع، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ومسألة إنفاذ الوعيد. ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال. فهذه أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول. والرافضة المتأخرون، جعلوا الأصول أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة. وأصول أهل السنة تابعة لما جاء به الرسول. وأصل الدين: الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة - لما تضمنتا هذا الأصل - لهما شأن عظيم ليس لغيرهما، ففي الصحيحين عن أبي مسعود عقبة بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄، قال: (بينا جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته) ، وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة، يعني هذه الخمسة، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار. وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية. وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة] . لما ذكر الشارح تأويلات الفلاسفة لأركان الإيمان الستة، ذكر بعد ذلك أركان الدين عند المعتزلة. المعتزلة يتسمون بأنهم مسلمون، ويدعون أن الحق بجانبهم، ولهم مؤلفات ولهم كتب على مذهبهم ومعتقدهم، وجدوا وكثروا في القرن الثالث، ولكن تمكنوا بقوة وسيطروا على أكثر الأمة في القرن الرابع وما بعده، وأصبح وجود أهل السنة قليلاً في تلك القرون. أركان الدين عندهم خمسة: يسمونها بأسماء حسنة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما أحسنها من أسماء! ولكن محتوياتها وما تتضمنه وما تفسر به فيها الشر، فما المراد بهذه الأصول عندهم؟

стр. 511

التوحيد عند المعتزلة التوحيد عند المعتزلة هو نفي الصفات، يقولون: إذا أثبتنا سمعاً وبصراً وقدرة وعلماً ورحمة ومحبة ويداً ووجهاً وعلواً ونزولاً، وما أشبه ذلك؛ لم نثبت واحداً بل أثبتنا عدداً فلا نكون موحدين، الموحد هو الذي يثبت واحداً، وهو الله، ولا يجعل له صفات، فإن الصفات تكون زائدة عن الذات عندهم. ويقولون: إن القدم لله وحده، ولو كانت الصفات قديمة لكان القدماء عدداً، وهذا من شبههم. و الجواب أن الصفة من الموصوف، ولا يلزم من إثباتها تعدد، فأنت تقول: جاءني رجل، وهو واحد، ولا تعدد فيه. ولا تقول: جاءني زيد ورجله ويده ورأسه وبطنه وظهره وروحه، ونفسه، ما تقول ذلك، هو رجل واحد، فما دام أن الصفة تابعة للموصوف، فلا يلزم من إثبات الصفات إثبات العدد، فبطلت بذلك شبهتهم في إنكارهم للصفات، وزعمهم أن إنكارها هو التوحيد.

стр. 512

العدل عند المعتزلة العدل عند المعتزلة هو إنكار القدرة العامة، يقولون: إن الله لا يقدر على خلق أفعال العباد، كيف يخلقها ثم يعذب العصاة، ويثيب المطيعين، وهو الذي خلق حركات هؤلاء وحركات هؤلاء. وقد تقدم الكلام على القدر وذكرنا أن الله هو الذي خلق أفعال العباد، ولكنه سبحانه مع خلقه للعبد وعمله قد أعطى العباد قدرة خاصة، يتمكنون بها من مزاولة أعمالهم، وبها تنسب إليهم، فيقال: هذا هو المؤمن، وهذا هو الكافر، وهذا هو البر، وهذا هو الفاجر، وهذا هو المصلي، وهذا هو التارك للصلاة، وهذا هو المزكي، وهذا هو البخيل، تنسب لهم أعمالهم، ويثابون على حسنها، ويعاقبون على سيئها، وإن كانت مخلوقةً لله تعالى. أما المعتزلة فيقولون: إذا أثبتنا أن الله هو الذي خلقها فكيف يعذب عليها؟! بل ننفي خلقها ونقول: لم يخلقها الله، ولا يقدر الله على ذلك، وليس لله قدرة على أفعال العباد، وليس الله عندهم على كل شيء قدير، وقدرة العبد عندهم تغلب قدرة الله، تعالى الله عن قولهم، وعندهم أنه لا يقدر أن يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، ولا يعطي من يشاء، ولا يمنع من يشاء، كل هذا عندهم يسمونه عدلاً، هذا معتقد باطل.

стр. 513

المنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة الأصل الثالث عند المعتزلة هو: المنزلة بين المنزلتين، وماذا يريدون بذلك؟ يتعلق هذا بأسماء الأحكام والدين، عند أهل السنة أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بالذنوب، ولا يدخل في الكفر، بل يقال للمذنب: مؤمن عاصٍ، ويقال له: فاسق، ويقال له: مؤمن بإيمانه، وفاسق بكبيرته، ولا نخرجه من الإيمان كلياً، ولا ندخله في الكفر، ولا نحكم عليه بالنار، ولا نستحل قتله ولا قتاله، ولا أخذ ماله، ولا سفك دمه؛ لأن معه الأصل الأصيل الذي هو الإيمان بالله وحده، ولو صدر منه ما صدر. أما المعتزلة فإنهم يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر، يجعلونه في منزلة بينهما، فيقولون: ليس بمؤمن وليس بكافر، (ليس بمؤمن) بمعنى: أننا لا نعامله معاملة المؤمن حتى ولو كان يصلي ويزكي، ما دام أنه مثلاً يأكل الربا أو يزني أو يشرب الخمر أو يكذب وما أشبه ذلك، يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر، يجعلونه في منزلة بينهما، لو أدخلوه في الكفر لاستحلوا سفك دمه، ولاستحلوا أخذ ماله، ولاستحلوا سبي نسائه، لكنهم لا يفعلون ذلك بل يجعلونه في منزلة بينهما، وهذه المنزلة مبتدعة، أهل السنة يقولون: إنه لا يخرج بذلك من الإيمان والله إذا شاء عفا عنه، وإذا شاء عذبه.

стр. 514

إنفاذ الوعيد عند المعتزلة الأصل الرابع عند المعتزلة هو: إنفاذ الوعيد، وما أدراك ما إنفاذ الوعيد؟ الوعيد عندهم هو ما توعد الله به على الكبائر، يقولون: الله لا يخلف وعيده، ولابد أن تقع تلك العقوبات التي رتبت على تلك الذنوب والكبائر، فيخلدون أصحاب الكبائر في النار، ويكذبون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ويقولون: صاحب الكبيرة مخلد في النار، وهذه الطريقة أخذوها من الخوارج، الخوارج امتازوا بأنهم يخرجونه من الإيمان وأنهم يستحلون دمه وماله وسبيه، وأما المعتزلة فإنهم يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر، ولا يعاملونه في الدنيا معاملة الكفار، ولكن في الآخرة الخوارج والمعتزلة متفقون على أنه مخلد في النار لا يخرج منها. وعقيدة أهل السنة أنهم يجعلون أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله، إذا شاء الله غفر لهم وأدخلهم الجنة، وإذا شاء أدخلهم النار بقدر سيئاتهم، ثم أخرجوا من النار بإيمانهم وبعقيدتهم وبتوحيدهم، يخرجون منها بعدما امتحشوا صاروا فحماً أو حمماً، ويلقون في نهر الحياة، وينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، وكل ذلك مذكور في الأحاديث النبوية الصحيحة.

стр. 515

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة من أصول المعتزلة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويضمنون ذلك الخروج على الأئمة، فيقولون: إذا عصى إمام المسلمين العام وأصر على معصية حتى ولو كانت صغيرة لم نقره، بل نخرج عليه ونقاتله، ويسمون ذلك: أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. وأهل السنة يقولون: لا نكفر الأئمة بذنب، ولا نخرج عن طاعتهم ما لم نر كفراً بواحاً، كما أمرنا بذلك النبي ﷺ ، هذه أصول الإسلام وأركان الدين عند المعتزلة.

стр. 516

أصول الدين وأركانه عند الرافضة الرافضة أصولهم أربعة: التوحيد والعدل -وهما كما تقدم عند المعتزلة- والإمامة -وهي أصل من أصولهم- والرسالة. أما الإمامة فهي عندهم من أقوى أركان دينهم، والذي لا يؤمن بالإمامة لأهل البيت لا يكون مؤمناً ولا مسلماً، ولا يقبل منه إسلام ولا دين ولا أعمال صالحة. ويجعلون الأئمة اثني عشر، وليس لهم أئمة إلى هذا اليوم؛ لأن الإمامة عندهم قد انقطعت منذ سنة مائتين وخمسين للهجرة، ليس لهم إمام، إمامهم الثاني عشر ينتظرونه إلى اليوم، ويسمونه: المهدي المنتظر الذي دخل سرداب سامراء، وفي كل ليلة يوقفون فرساً عند طرف ذلك السرداب في ذلك النهر، ويصيحون طوال ليلهم: اخرج يامولانا، اخرج يامولانا، ولا يجيبهم أحد طوال هذه القرون، هذا معتقدهم. الإمامة عندهم محصورة في الأئمة الاثني عشر من أهل البيت، يؤمنون بأنهم هم الأئمة، وأنه ليس للناس إمام، وأنه لا تصح الصلاة إلا خلف إمام معصوم، وأن صلاتهم خلفنا لا تقبل أبداً، وكذلك صلاتهم خلف غير المعصوم. وعلى كل حال فهي عقائد باطلة يعرف بطلانها بمجرد سماعها. أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بأن واجب المسلمين طاعة ولاة أمورهم، والسمع لهم والطاعة، والصبر على ما يرى منهم من المخالفات أو من المعاصي، ما لم يروا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله تعالى برهان، وعند ذلك يخرجون عن طواعيتهم ولا يدخلون في الديانة لهم.

стр. 517

فضل الآيتين من آخر سورة البقرة الإيمان بالملائكة والرسل ونحو ذلك مذكور في أواخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] هذه أربعة من أركان الإيمان ذكرها الله تعالى في هذه الآية. وهذه الآية في آخر سورة البقرة ورد فيها فضل، مع الآية التي بعدها، وفي الحديث (من قرأهما في ليلة كفتاه) ، يعني: أصبحت كافية له عن الأوراد، ومن سأل الله تعالى بها أعطاه؛ وذلك لأن الله تعالى أجاب الدعاء الذي ذكر فيها، إذا قال العبد: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، وإذا قال: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، وإذا قال: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، إذا كمل الآية إلى قوله: ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، فيعتبر قراءة هاتين الآيتين تجديداً للإيمان، وختمت سورة البقرة بهذا الدعاء الذي ترجى إجابته إن شاء الله.

стр. 518

شرح العقيدة الطحاوية [٣٧] من المسائل التي تكلم عليها العلماء: مسألة التفضيل بين الملائكة والبشر، والمراد بالبشر الأنبياء وغيرهم من المؤمنين، وقد وردت أدلة كثيرة في هذه المسألة تدل على هذا وعلى هذا، وجمع بعض العلماء بأن الملائكة أفضل من البشر ابتداءً، وأن البشر أفضل منهم انتهاءً حينما يدخلون الجنة.

стр. 519

الإيمان بالملائكة وما يتضمنه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات:٥] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ [الذاريات:٤] وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم. وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته. ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل آلاتها ملائكة. فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم: المرسلات عرفاً، والناشرات نشراً، والفارقات فرقاً، والملقيات ذكراً. ومنهم: النازعات غرقاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، والسابقات سبقاً. ومنهم: الصافات صفاً، والزاجرات زجراً، والتاليات ذكراً. ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات، التي مفردها: (فرقة) و (طائفة) و (جماعة) . ومنهم: ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى. ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧-٢٨] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم، لا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠]] .

стр. 520

حقيقة خلق الملائكة وذكر أسماء بعضهم في القرآن والسنة ذكرنا أن من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، الملائكة واحدهم ملَك، بفتح اللام، هذا النوع خلق من خلق الله، وهم أرواح لا نراهم، لا نشك بأنهم يتجسدون وأنهم يصعدون وينزلون، وأنهم يتصلون بالإنسان ويتكلمون، وأن الملك يتمثل إنساناً ويكلم النبي، وينزل عليه بالوحي. وقد سمى الله تعالى منهم في القرآن اثنين كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] سمى الله جبريل وميكال، وجِبريل قرئ جبرائيل وجبريل وجَبريل، يعني: بعدة قراءات، وهو مسمى واحد، وذكر الله ملك الموت في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] وسمي في بعض الروايات بعزرائيل، وسمي في الحديث أيضاً ملك رابع وهو: إسرافيل، وسمي ملك خامس وهو: مالك، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، وذكر الله في القرآن خزنة النار وخزنة الجنة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر:٧١] ، وفي الجنة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] ، وفي قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨] الخزنة: هم الموكلون بها، فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، لما نزل قول الله تعالى في النار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] قال المشركون: ما داموا تسعة عشر فنحن أكثر منهم؛ سنغلبهم، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً﴾ [المدثر:٣١] إلى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] أي: جنوده الذين هم الملائكة لا يعلم عددهم إلا هو، وورد في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو ملك راكع أو ساجد) .

стр. 521

الأعمال التي أوكلت إلى الملائكة من قبل الله الملائكة خلق الله تعالى، وقد سمعنا في كلام الشارح بعضاً من صفاتهم وما وكلوا به، الموكلون بالقطر يعني: بالمطر وتصريفه والسحب وتصريفها، وكذلك الموكلون بحفظ بني آدم كما في قول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وكذلك الموكلون بحفظ الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] وكذلك الذين ينزلون بالوحي ذكروا في قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٥-١٦] وصفهم بأنهم سفرة يعني: بأنهم وسطاء بين الله وبين رسله، وأنهم كرام، وأنهم بررة، وكذلك أقسم الله بهم في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً﴾ [الصافات:١] يعني: الملائكة الذين يصفون صفوفاً ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً﴾ [الصافات:٢] الذين يزجرون السحب ونحوها، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [الصافات:٣] الذين يتلون كلام الله ويذكرون الله تعالى به. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] ، هم الذين يرسلهم الله تعالى ليعرفوا عباده، والآيات التي بعدها، وقوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] ، النازعات: هي التي تنزع أرواح الكفار نزعاً شديداً يعني: عند الموت، وهم ملائكة العذاب، والناشطات: هي التي تنشط أرواح المؤمنين عند الموت نشطاً، وهكذا في الآيات التي بعدها، لا شك أن هذه ألقاب تبين أنواعاً من الملائكة هذه أعمالهم، فنصدق بهم وإن لم نر الملائكة، ولكن نصدق أنهم خلق الله تعالى، كما أننا نصدق بالجن وبأنهم يدخلون في الإنس ويداخلونهم، وأنهم أرواح مستغنية عن أجساد تقوم بها، وإن لم نر الجن، وإن كذب بهم من كذب وقال: الجن لو كانوا موجودين لرأيناهم بالمجهر، نقول: إنهم لا يرون، فإنهم بمنزلة شعاع النور الذي يشع من هذه الأنوار ونحوها وليس لهم جرم، ولكن يخرقهم البصر، فليس لهم جسد حقيقي حتى ينعكس وحتى يكبره المكبر وحتى يراه البصر، فالملائكة والجن والشياطين أرواح ليس لهم أجساد تقوم بها، الإنسان مركب من روح وجسد، فإذا خرجت الروح بالموت فإننا لا نرى الروح تخرج وتفارق جسدها، بل يبقى الجسد ليس فيه هذه الروح التي تحركه، فإذا أراد الله تعالى إحياءه جمع الجسد مرة ثانية وأعاد إليه الروح فعاش وحيي، فنقول: إن الروح التي يحيا بها الجسد لا يعلم كيفيتها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فالأرواح التي ليست لها أجساد تعيش وتتقلب وتذهب وتجيء وهي خفيفة الحركة كالملائكة وكالجن الذين ذكر الله تعالى أنهم يصلون إلى السماء كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن:٨] فلا يستغرب أن تكون الملائكة يصعدون إلى السماء في طرفة عين، ويقطعون المسافات الطويلة في لحظة؛ وذلك لخفة أجسادهم؛ ولأن الله تعالى أعطاهم من القدرة على الصعود وعلى قطع المسافات ما لم يعطه الإنسان في أية حال، فعلى المسلم أن يصدق بمثل هذه الأمور وإن كان لم يدركها ببصره؛ وذلك لإخبار الله عنها وهو الصادق المصدوق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] .

стр. 522

صفات الملائكة في القرآن مر بنا أن من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، والإيمان بما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه حيث وصفهم بقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦-٢٧] ، وبقوله: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠] ، وبقوله: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، ونحو ذلك من الآيات التي مدحهم بها، وكذلك الإيمان بمن سمي منهم، والإيمان بأعمالهم التي أسندت إليهم، والإيمان بما نقل من أوصافهم وأخبارهم، وهذا يدخل في الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يعم كل شيء غائب عنا، أخبرنا الله به خبراً يقينياً يلزمنا أن نصدق به كما وصف لنا، وليس لنا أن نتكلف أكثر من ذلك. معلوم أن الملائكة لا يمكننا رؤيتهم فهم أرواح مستغنية عن أجساد تقوم بها، والذي خلق الأجساد خلق الأرواح، ومعلوم أن لهم أجساماً خفيفة علوية نورانية حية متحركة تسمع وتعقل، وتمتثل، وتركع، وتسجد، وتأتمر بأمر الله، وتقطع المسافات الطويلة الشاسعة في زمن قصير، وكل ذلك بقدرة الله الذي أقدرهم على ذلك كله.

стр. 523

المفاضلة بين البشر والملائكة قال المصنف ﵀: [ومنه: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] . قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد ﷺ ، فإن قلتم: هو من ذريته؟ فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة إذا قيل لآدم: (ابعث من ذريتك بعثاً إلى النار) ، (يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة) . فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط؟! ومنه: قول عبد الله بن سلام ﵁: (ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد ﷺ . الحديث، فالشأن في ثبوته وإن صح عنه، فالشأن في ثبوته في نفسه، فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات. ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) أخرجه الطبراني، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم أنه قال: أخبرني الأنصاري، عن النبي ﷺ : (أن الملائكة قالوا) ، الحديث، وفيه: (وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا) . والشأن في ثبوتهما، فإن في سندهما مقالاً، وفي متنهما شيئاً، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله مرات عديدة؟ وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧] وهل يظن بهم أنهم متبرمون بأحوالهم، متشوفون إلى ما سواها من شهوات بني آدم؟ والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟ وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو، وهو من الباطل؟ قالوا: بل الأمر بالعكس، فإن إبليس إنما وسوس إلى آدم ودلاه بغرور، إذ أطمعه في أن يكون ملكاً بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] ، فدل أن أفضلية الملك أمر معلوم مستقر في الفطرة، يشهد لذلك قوله تعالى حكاية عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤية يوسف: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] ،وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] . قال الأولون: إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفس: أن الملائكة خلق جميل عظيم، مقتدر على الأفعال الهائلة، خصوصاً العرب، فإن الملائكة كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] . قال الآخرون: قد يذكر العالمون، ولا يقصد به العموم المطلق، بل في كل مكان بحسبه، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] ، ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر:٧٠] ، ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] . ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]] . هذه بعض الأدلة التي يفاضلون بها بين الملائكة وبين صالحي البشر، فإن الآية وهي قوله في سورة (ص) مخاطباً لإبليس: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فيها تفضيل آدم، وقد تقدم في أول الكلام أنهم فضلوا آدم حيث إنه سجد له الملائكة، قالوا: والمسجود له أفضل من الساجد، وأجيب بأن السجود امتثال لأمر الله تعالى لا أنه لسجودهم لآدم، وإنما هو تعظيم لله وطواعية له، فإبليس لما امتنع من السجود له اعتبر عاصياً لله ولم يعتبر عاصياً لآدم، ولكنه تكبر حيث قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] أو قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فالله تعالى قال له: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: لآدم الذي خلقت بيدي، وهذا تفضيل لآدم، ولكن ما يلزم أن يكون أفضل من الملائكة، ولو لزم لكان أفضل من محمد ﷺ ، مع الإجماع أن محمداً أفضل البشر وهو خير البرية، وإذا قالوا: إن محمداً من ذرية آدم وإنما شرف بشرف أبيه، ف الجواب أنه قد أخبر أن من ذريته الصالح وغير الصالح، وإذا كان ذلك فلا يلزم في الآية تفضيل. وقوله تعالى للملائكة في الحديث: (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت: له كن فكان) فهذا الحديث فيه ضعف، وفيه اعتراض الملائكة على الله تعالى وتمنيهم أن تكون لهم الآخرة ولبني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويتمتعون وينامون وينكحون ويتصرفون، فهم يقولون: ما دام أنك جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، فلا يظن بالملائكة أنهم يتمنون أعمال الدنيا، ولا يظن بهم أنهم يعترضون على الله مع طواعيتهم له، وامتثالهم لأمره، ومع أن الله وصفهم بأنهم لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، وبذلك يعلم بأن هذا لا يليق بمقام الملائكة. وأما ما استدل به من فضل الملائكة من قصة يوسف في قول النسوة: ﴿مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] فإنه يفهم منه أن الملك أفضل من البشر، ولكن لا يلزم ذلك، حيث إنه لما رأينه في تلك الحال وهو في غاية الجمال، كان مغروساً في فطرهم أن الملك له هيئة ليست كهيئة البشر. وكذلك ما حكى الله عن نوح أنه قال: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً﴾ [هود:٣١] وما أشبه ذلك لا يدل أيضاً على أن الملك أفضل؛ وذلك لأن العرب كانوا يعتقدون أن للملائكة منزلة أرفع من منزلتهم؛ فلذلك كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، يعني: من قربهم منه، ولذلك أنكر الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣] ، وبقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمْ الْبَنُونَ﴾ [الطور:٣٩] وما أشبه ذلك. وعلى كل حال: هذه الأدلة ونحوها ليست دليلاً واضحاً في تفضيل الملك ولا في تفضيل البشر، والصحيح أن التفاضل بينهم كالتفاضل بين البشر إنما هو بالأعمال والقربات.

стр. 524

من أدلة التفضيل بين البشر وبين الملائكة قال الشارح ﵀: [ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] ، والبرية: مشتقة من البرء، بمعنى: الخلق، فثبت أن صالحي البشر خير الخلق. وقال الآخرون: إنما صاروا خير البرية؛ لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات، والملائكة في هذا الوصف أكمل، فإنهم لا يسأمون ولا يفترون، فلا يلزم أن يكونوا خيراً من الملائكة، هذا على قراءة من قرأ (البريئة) ، بالهمز، وعلى قراءة من قرأ بالياء، إن قلنا: إنها مخففة من الهمزة، وإن قلنا: إنها نسبة إلى البري وهو التراب، كما قاله الفراء فيما نقله عنه الجوهري في الصحاح؛ يكون المعنى: أنهم خير من خلق من التراب، فلا عموم فيها -إذاً- لغير من خلق من التراب. قال الأولون: إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا، ووصلوا إلى غايتهم، وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، وحباهم الرحمن بمزيد قربه، وتجلى لهم ليستمتعوا بالنظر إلى وجهه الكريم. قال الآخرون: الشأن في أنهم هل صاروا إلى حالة يفوقون فيها الملائكة أو يساوونهم فيها؟ فإن كان قد ثبت أنهم يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة، سلم المدعى، وإلا فلا. ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] وقد ثبت من طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه، لأنه لا يجوز أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يكون خادماً للملك، ولا الشرطي أو الحارس! وإنما يقال: لن يستنكف الشرطي أن يكون خادماً للملك ولا الوزير، ففي مثل هذا التركيب يترقى من الأدنى إلى الأعلى، فإذا ثبت تفضيلهم على عيسى ﵇ ثبت في حق غيره، إذ لم يقل أحد إنهم أفضل من بعض الأنبياء دون بعض. أجاب الآخرون بأجوبة أحسنها أو من أحسنها: أنه لا نزاع في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى ﵇ لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقاً، ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] ، ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك، لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك. أجاب الآخرون: إن الكفار كانوا قد قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] . فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة] . هذه الأدلة ساقها الشارح للاستدال في مسألة التفضيل بين البشر والملك، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] هل المراد الإنس الذين هم البشر خير البرية أو الخلق المؤمنون من الملائكة ومن الإنس ومن الجن خير البرية؟ الصحيح أن الآية على عمومها، يدخل فيها الملائكة ويدخل فيها الجن المؤمنون، ويدخل فيها الإنس المؤمنون، فكل من آمن وعمل صالحاً من الإنس والجن والملائكة فهو من خير البرية أي: خير الخليقة، ويدخل في الخليقة جميع المخلوقات، يدخل فيها حتى الشياطين، ويدخل فيها الجماد، ويدخل فيها الحيوان، ويدخل فيها الأفلاك السائرة والأفلاك الثابتة ونحوها، كلها من البرية، البرء: الخلق، وعلى هذا الآية عامة في كل مؤمن عامل للصالحات من الملائكة والبشر فهو من خير البرية. روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا خير البرية! فقال النبي ﷺ تواضعاً: ذاك إبراهيم) يعني: الخليل ﵇، قاله من باب التواضع لله تعالى وإلا فهو خير البرية، وكأنه لا يحب أن يكون هناك مفاضلة بين الأنبياء؛ حتى لا يكون في ذلك شيء من التنقص لبعض الأنبياء أو الازدراء والاحتقار لهم، أو تعصب أتباعهم أو نحو ذلك. وأما الآية الثانية التي استدل بها من فضل الملائكة وهي قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] فالاستدلال بها حيث وصف الملائكة بالقرب، والملائكة كلهم مقربون؛ لأنهم عند الله كما أخبر بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ﴿فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] وعلى كل حال فالله وصف الملائكة بأنهم عنده، فالتقريب في حقهم تقريب ذاتي، هم مقربون إلى الله حساً ومقربون عند الله معنى، ولكن الصحيح أن كل من اتقى الله وآمن به فإنه من المقربين.

стр. 525

شرح العقيدة الطحاوية [٣٨] تكفير المعين من أخطر المسائل التي يجب التورع فيها، وقد زل فيها الخوارج قديماً وحديثاً، ومن عقيدة أهل السنة عدم التكفير بالذنب، ولا الحكم على المعين بنار ولا جنة.

стр. 526

التكفير بالذنب قال المصنف ﵀: [قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) . أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين) يشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب. واعلم رحمك الله وإيانا أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم، فالناس فيه -في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم- على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية. فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، فتنفي التكفير نفياً عاماً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يُظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين. وأيضاً: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافراً مرتداً. والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: (إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء) ، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] . ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحداً بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب. ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ ﵀ بقوله: (ما لم يستحله) . وفي قوله: (ما لم يستحله) إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب، الذنوب العملية لا العلمية، وفيه إشكال، فإن الشارع لم يكتفِ من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، إلا أن يُضمّن قوله: (يستحله) بمعنى: يعتقده أو نحو ذلك] . من عقيدة أهل السنة أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة بالذنب، ولا يصل عندهم إلى حد الكفر، ولكن هناك بدع توصل إلى حد الكفر، بدع محدثات في الدين وكبيرات وعظائم من عظائم المحدثات توصل إلى الكفر، وأما مطلق الذنوب ولو كانت كبائر، ولو كان مصراً عليها، فإنه لا يكفر بها، فلا يكفر ما دام أنه يعترف أنها ذنوب وأنها محرمة، إذا أكل الربا وهو يعتقد أنه محرم، أو فعل الزنا وهو يعترف أنه ذنب وحرام، أو شرب الخمر مع اعترافه بتحريمها، وكذلك غيرها من الذنوب لا يصل إلى حد الكفر، إلا إذا اعتقد حلها فإنه يكفر بذلك، فإنه يكفر مستحل الذنب المحرم ولو لم يفعله. المخالف في هذا هم الخوارج الذين يجعلون الذنب كفراً، والعفو ذنباً، والمعتزلة الذين يجعلون أصحاب الكبائر غير مسلمين ولا مؤمنين ولا كافرين، يجعلونهم بمنزلة بين الكفر والإيمان، وهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين، أما أهل السنة فإنهم لا يكفرون بالذنوب.

стр. 527

الآثار الدالة على خطورة التكفير وردت أدلة في خطر التكفير منها: قوله ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه) يعني: رجع عليه التكفير، وهذا وعيد شديد. وكذلك: (ذكر النبي ﷺ رجلاً من بني إسرائيل مر على صاحب له يعمل ذنباً فقال: والله لا يغفر الله لك، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك) ، يقول الراوي: (قال كلمة أحبطت دنياه وآخرته) . هذه تدل الآثار على خطر التكفير.

стр. 528

إطلاق الكفر على ذنوب لا تخرج من الملة هناك ذنوب أطلق عليها كفر، ولكن يقول العلماء: إنه كفر دون كفر، مثل قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فإن الكفر هنا هو كفر أصغر لا يصل إلى الإخراج من الملة، وكذلك قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) المراد هنا: كفران النعمة أو كفر دون كفر، وهكذا قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة) يقولون: إنه كفر للنعمة لا أنه الكفر المبيح للدم والمال؛ لأن الطعن في النسب إنما هو عيب الإنسان والطعن في نسبه بأنه ليس ابن فلان أو ليس من آل فلان، وهو ذنب لا يصل إلى الكفر الذي يخرج من الملة، وكذلك النياحة على الميت لا توصل صاحبها إلى أن يخرج من الملة ويستباح دمه وماله. فعرف بذلك أنه كفر دون كفر، هذا محمل هذه الأحاديث.

стр. 529

كفر تارك الصلاة ما حكم تارك الصلاة؟ بعض العلماء يحمل الأحاديث التي فيه على أنه كفر النعمة، ويوجد فيه حديثان: حديث عن جابر: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وحديث بريدة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) فهذا فيه إطلاق الكفر على تارك الصلاة. بعض العلماء يقول: إنه الكفر الأصغر، أي: كفر النعمة مثل الأحاديث الأخرى، والقول الثاني: أنه كفر يخرج من الملة، ودليله: قول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) ، فنقل عن الصحابة أنهم يرون أن ترك الصلاة كفر، ولا يرون ذلك في بقية الشرائع. والصحيح أنه إذا تركها تهاوناً بها، وتمادى على هذا الترك واستمر عليه؛ فإنه يعتبر كفراً؛ وذلك لأنه وردت أحاديث تدل على ذلك منها حديث في البخاري: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) ، وأحاديث كثيرة تدل على أن من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة، ومعنى ذلك: أنه لا يكون مسلماً. وفيه أحاديث كثيرة مذكورة في الكتب المطولة، وهو يدل على خطر ترك الصلاة، وأنه حتى ولو كان الأعمال الأخرى لا توصل صاحبها إلى الكفر إلا إذا استحلها، لكن ترك الصلاة له أهميته وله منزلته، حيث ذهب الجماهير إلى أنه يكفر، وتوسع ابن القيم ﵀ في هذه المسألة في كتابه الذي اسمه: كتاب الصلاة، فتكلم على أن تارك الصلاة يقتل، ثم تكلم على الخلاف: هل يقتل حداً أم يقتل كفراً؟ وذكر حجج الفريقين، حجج من يقول هذا وحجج من يقول هذا، ورجح أنه إذا أصر وعاند وتمادى وامتنع أنه يصير جاحداً فيحكم بكفره وردته. هذا نوع من التكفير.

стр. 530

البدع المكفرة وغير المكفرة أكثر البدع لا يكفر بها كبدعة المرجئة وبدعة الخوارج وبدعة الجبرية والقدرية والأشعرية ونحوهم، فهذه البدع لا توصل إلى الكفر والبراءة من أصحابها، والأحاديث التي وردت في الخوارج: (أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أحاديث وعيد، فقد تنطبق على بعضهم وقد لا تنطبق، والدليل على عدم التكفير: أن علياً ﵁ سئل عنهم لما قاتلهم، فقالوا: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، قالوا: أمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً؛ فدل على أنه لم يكفرهم مع أنه قاتلهم؛ وذلك لأنهم يكفرون بالكبائر، فإذا كفرناهم صرنا مثلهم. هناك بدعتان مكفرتان: بدعة غلاة الجهمية، وبدعة غلاة الروافض. غلاة الجهمية: هم الذين غلوا في إنكار الصفات حتى صار حقيقة قولهم التعطيل. وأما غلاة الرافضة: فهم الذين طعنوا في القرآن وطعنوا في السنة، وطعنوا في حملة الشريعة -وهم الصحابة -وكفروهم، فهؤلاء لم يكن عندهم دين يعتقدونه، فأصبحوا بذلك قد أبطلوا الشريعة وكفروا أهلها؛ فيكونون هم أولى بالكفر، مادام أنهم طعنوا في القرآن وادعوا أنه محرف قد زيد فيه ونقص منه النقص الكثير، وكذلك لم يقبلوا السنة ولو ثبتت، ولو رواها الخلفاء الثلاثة وغيرهم لا يقبلونها، ويرمون الخلفاء بأنهم كفرة وخونة ونحو ذلك، فهؤلاء ليس عندهم شرع يتمسكون به، فيكونون بذلك على غير شريعة، هذا يقال في غلاتهم الذين وصلوا إلى هذا الحد، أما الذين لم يكفروا الصحابة ولم يكفروا الخلفاء فلا يوصل في حقهم إلى التكفير.
следующие страницы →