Полный текст (1 175 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
التكفير بالذنب
قال المصنف ﵀: [قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) .
أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين) يشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب.
واعلم رحمك الله وإيانا أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم، فالناس فيه -في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم- على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية.
فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، فتنفي التكفير نفياً عاماً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يُظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين.
وأيضاً: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافراً مرتداً.
والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: (إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء) ، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] .
ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحداً بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب.
ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ ﵀ بقوله: (ما لم يستحله) .
وفي قوله: (ما لم يستحله) إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب، الذنوب العملية لا العلمية، وفيه إشكال، فإن الشارع لم يكتفِ من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، إلا أن يُضمّن قوله: (يستحله) بمعنى: يعتقده أو نحو ذلك] .
من عقيدة أهل السنة أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة بالذنب، ولا يصل عندهم إلى حد الكفر، ولكن هناك بدع توصل إلى حد الكفر، بدع محدثات في الدين وكبيرات وعظائم من عظائم المحدثات توصل إلى الكفر، وأما مطلق الذنوب ولو كانت كبائر، ولو كان مصراً عليها، فإنه لا يكفر بها، فلا يكفر ما دام أنه يعترف أنها ذنوب وأنها محرمة، إذا أكل الربا وهو يعتقد أنه محرم، أو فعل الزنا وهو يعترف أنه ذنب وحرام، أو شرب الخمر مع اعترافه بتحريمها، وكذلك غيرها من الذنوب لا يصل إلى حد الكفر، إلا إذا اعتقد حلها فإنه يكفر بذلك، فإنه يكفر مستحل الذنب المحرم ولو لم يفعله.
المخالف في هذا هم الخوارج الذين يجعلون الذنب كفراً، والعفو ذنباً، والمعتزلة الذين يجعلون أصحاب الكبائر غير مسلمين ولا مؤمنين ولا كافرين، يجعلونهم بمنزلة بين الكفر والإيمان، وهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين، أما أهل السنة فإنهم لا يكفرون بالذنوب.
стр. 527
الآثار الدالة على خطورة التكفير
وردت أدلة في خطر التكفير منها: قوله ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه) يعني: رجع عليه التكفير، وهذا وعيد شديد.
وكذلك: (ذكر النبي ﷺ رجلاً من بني إسرائيل مر على صاحب له يعمل ذنباً فقال: والله لا يغفر الله لك، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك) ، يقول الراوي: (قال كلمة أحبطت دنياه وآخرته) .
هذه تدل الآثار على خطر التكفير.
стр. 528
إطلاق الكفر على ذنوب لا تخرج من الملة
هناك ذنوب أطلق عليها كفر، ولكن يقول العلماء: إنه كفر دون كفر، مثل قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فإن الكفر هنا هو كفر أصغر لا يصل إلى الإخراج من الملة، وكذلك قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) المراد هنا: كفران النعمة أو كفر دون كفر، وهكذا قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة) يقولون: إنه كفر للنعمة لا أنه الكفر المبيح للدم والمال؛ لأن الطعن في النسب إنما هو عيب الإنسان والطعن في نسبه بأنه ليس ابن فلان أو ليس من آل فلان، وهو ذنب لا يصل إلى الكفر الذي يخرج من الملة، وكذلك النياحة على الميت لا توصل صاحبها إلى أن يخرج من الملة ويستباح دمه وماله.
فعرف بذلك أنه كفر دون كفر، هذا محمل هذه الأحاديث.
стр. 529
كفر تارك الصلاة
ما حكم تارك الصلاة؟ بعض العلماء يحمل الأحاديث التي فيه على أنه كفر النعمة، ويوجد فيه حديثان: حديث عن جابر: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وحديث بريدة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) فهذا فيه إطلاق الكفر على تارك الصلاة.
بعض العلماء يقول: إنه الكفر الأصغر، أي: كفر النعمة مثل الأحاديث الأخرى، والقول الثاني: أنه كفر يخرج من الملة، ودليله: قول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) ، فنقل عن الصحابة أنهم يرون أن ترك الصلاة كفر، ولا يرون ذلك في بقية الشرائع.
والصحيح أنه إذا تركها تهاوناً بها، وتمادى على هذا الترك واستمر عليه؛ فإنه يعتبر كفراً؛ وذلك لأنه وردت أحاديث تدل على ذلك منها حديث في البخاري: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) ، وأحاديث كثيرة تدل على أن من ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة، ومعنى ذلك: أنه لا يكون مسلماً.
وفيه أحاديث كثيرة مذكورة في الكتب المطولة، وهو يدل على خطر ترك الصلاة، وأنه حتى ولو كان الأعمال الأخرى لا توصل صاحبها إلى الكفر إلا إذا استحلها، لكن ترك الصلاة له أهميته وله منزلته، حيث ذهب الجماهير إلى أنه يكفر، وتوسع ابن القيم ﵀ في هذه المسألة في كتابه الذي اسمه: كتاب الصلاة، فتكلم على أن تارك الصلاة يقتل، ثم تكلم على الخلاف: هل يقتل حداً أم يقتل كفراً؟ وذكر حجج الفريقين، حجج من يقول هذا وحجج من يقول هذا، ورجح أنه إذا أصر وعاند وتمادى وامتنع أنه يصير جاحداً فيحكم بكفره وردته.
هذا نوع من التكفير.
стр. 530
البدع المكفرة وغير المكفرة
أكثر البدع لا يكفر بها كبدعة المرجئة وبدعة الخوارج وبدعة الجبرية والقدرية والأشعرية ونحوهم، فهذه البدع لا توصل إلى الكفر والبراءة من أصحابها، والأحاديث التي وردت في الخوارج: (أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أحاديث وعيد، فقد تنطبق على بعضهم وقد لا تنطبق، والدليل على عدم التكفير: أن علياً ﵁ سئل عنهم لما قاتلهم، فقالوا: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، قالوا: أمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً؛ فدل على أنه لم يكفرهم مع أنه قاتلهم؛ وذلك لأنهم يكفرون بالكبائر، فإذا كفرناهم صرنا مثلهم.
هناك بدعتان مكفرتان: بدعة غلاة الجهمية، وبدعة غلاة الروافض.
غلاة الجهمية: هم الذين غلوا في إنكار الصفات حتى صار حقيقة قولهم التعطيل.
وأما غلاة الرافضة: فهم الذين طعنوا في القرآن وطعنوا في السنة، وطعنوا في حملة الشريعة -وهم الصحابة -وكفروهم، فهؤلاء لم يكن عندهم دين يعتقدونه، فأصبحوا بذلك قد أبطلوا الشريعة وكفروا أهلها؛ فيكونون هم أولى بالكفر، مادام أنهم طعنوا في القرآن وادعوا أنه محرف قد زيد فيه ونقص منه النقص الكثير، وكذلك لم يقبلوا السنة ولو ثبتت، ولو رواها الخلفاء الثلاثة وغيرهم لا يقبلونها، ويرمون الخلفاء بأنهم كفرة وخونة ونحو ذلك، فهؤلاء ليس عندهم شرع يتمسكون به، فيكونون بذلك على غير شريعة، هذا يقال في غلاتهم الذين وصلوا إلى هذا الحد، أما الذين لم يكفروا الصحابة ولم يكفروا الخلفاء فلا يوصل في حقهم إلى التكفير.
стр. 531
عقيدة المرجئة في مرتكب الذنوب
قال الشارح ﵀: [وقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) إلى آخر كلامه، رد على المرجئة، فإنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
فهؤلاء في طرف، والخوارج في طرف، فإنهم يقولون: نكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون: يحبط إيمانه كله بالكبيرة، فلا يبقى معه شيء من الإيمان.
لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه المنزلة بين المنزلتين، وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار! وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال، لكن في الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها متأولاً، فيقولون: يكفر كل من قال هذا القول، لا يفرقون بين المجتهد المخطىء وغيره، أو يقولون: يكفر كل مبتدع! وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة، فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ونصوص الوعد التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك] .
ذكر الشارح أن هناك طائفتين متقابلتين: المرجئة، والوعيدية، فالمرجئة يبيحون إكثار الإنسان من الذنوب، ويقولون: إن الذنوب لا تضر ولو أكثر صاحبها، ويتعلقون بنصوص الوعد التي فيها أن أهل التوحيد ناجون، وأنهم من أهل الجنة، وأنهم يخرجون من النار، وأنهم يشفع فيهم ولو لم يفعلوا خيراً ونحو ذلك، هؤلاء هم المرجئة، يقولون: لا تضر الذنوب، حتى قال قائلهم: فكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم يقولون: نتعلق بكرمه، وقد روي عن بعض الزهاد أنه قرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] فقال: إذا قال لي ربي: ما غرك بربك الكريم؟ أقول: غرني كرمك! وهذا خطأ، والصواب أن يقال: إن الكريم لا ينبغي أن يقابل بالمعصية، إذا كان ربنا كريماً لا يجوز لنا أن نتجرأ على معصيته، ولا أن نتهاون بحقه، بل علينا أن نطيعه ونحذر من أسباب سخطه.
فعلى كل حال المرجئة هم الذين يقولون: لا تضر الذنوب وأصحابها يدخلون الجنة ولا يعذب أحد من أهل الذنوب ولو كانت كبيرة.
معلوم أنه قد وردت أحاديث فيها أنهم يعذبون وأنهم يحترقون، وأنهم يشفع فيهم، وأن الشافعين يعرفونهم بآثار السجود، وهذا دليل على أنهم يصلون ومع ذلك دخلوا النار، إلا أن النار لم تأكل آثار السجود، يعني: أعضاء السجود لا تأكلها النار، أما بقيتها فإنهم يحترقون كما ورد.
فدخلوا النار وهم مسلمون؛ بسبب ذنوب اقترفوها.
من عقيدة أهل السنة أن المعاصي التي دون الشرك قد يغفرها الله، وقد يعاقب عليها، وأما الشرك فإنه لابد أن يعاقب عليه، من عمل ما دون الشرك فقد يعفى عنه، ويغفر له ذنبه مهما كبر بمشيئة الله، وقد يدخله الله النار بسبب ما اقترفه من السيئات، ويكون ذلك تمحيصاً له من تلك السيئات، ودخوله في النار لأجل تمحيصه وإزالة ما فيه من الدرن، كالحديد الذي يدخل النار حتى يُصفى، حتى لا يبقى عليه شيء من الخبث، فهكذا هؤلاء الذين يدخلون النار من أهل الكبائر.
هذه عقيدة المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل.
وقياسهم ليس بصحيح، نحن نوافقهم على أن الشرك يحبط الأعمال، فالمشرك لو عمل أي عمل فأعماله حابطة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ونحو ذلك من الآيات.
فقولهم: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، قياس خاطئ، نحن نقول: صحيح أنه لا تنفع الأعمال والحسنات مع الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] لأن الشرك أحبطها، وقد قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] ، وفي آية أخرى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] ، وفي آية أخرى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة:٢٦٤] صفاة صلبة عليها تراب وجاءها مطر شديد، لا يبقى على الصفاة شيء من التراب فهكذا أعمالهم ونفقاتهم لا تبقى، حيث إنه لا أساس لها ولا أصل.
стр. 532
عقيدة الخوارج والمعتزلة في مرتكب الذنوب
الطرف الثاني المقابل للمرجئة: الوعيدية، الوعيدية من المعتزلة ومن الخوارج، كلهم يقولون: إن من دخل النار فهو مخلد فيها، وإن أصحاب الكبائر يدخلونها ولا يخرجون منها، ويستدلون ببعض الآيات التي فيها عدم الخروج، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] نقول: الآية في الذين يدخلونها من الكفار الذين حكم عليهم بالخلود، وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] إنما هي في الكفار، أما المؤمنون الذين معهم أصل الإيمان وأصل التوحيد فقد دلت الأدلة على أنهم يخرجون بشفاعة الشافعين أو برحمة الله تعالى.
стр. 533
عقيدة أهل السنة في مرتكب الذنوب
قول أهل السنة وسط بين طرفين: طرف شددوا، وهم الخوارج والمعتزلة، وجعلوا المذنبين كفاراً ومخلدين في النار، سواء كفروه في الدنيا أو أخرجوه من الإيمان ولم يكفروه.
وطرف غلا في فعل الذنوب، فأباح للمسلم أن يفعل الذنوب، وأن يفعل الفواحش، وقال: إنها لا تضر.
وتوسط أهل السنة، وقالوا: لا نوصل العاصي إلى الكفر، ولا نخلده في النار، ولكن نخشى عليه من العذاب، ومن يطيق العذاب ولو ساعة! ومن يطيق دخول النار ولو قليلاً.
وإذا كنا نخاف عليه أن يدخل النار حتى ولو ساعة، فعليه أن يهرب من هذا السجن ومن هذا العذاب، فإن ذلك يوجب عليه أن يخشى من أسباب دخول النار ويحذرها.
стр. 534
حكم من قال بأن القرآن مخلوق
قال الشارح ﵀: [والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه، وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ: وأهل الكبائر في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون.
والمقصود هنا: أن البدع هي من هذا الجنس، فإن الرجل يكون مؤمناً باطناً وظاهراً، لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه، إما مجتهداً، وإما مفرطاً مذنباً، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة.
ولا نقول: لا يكفر، بل العدل هو الوسط، وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة، المتضمنة نفي ما أثبته الرسول ﷺ ، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر به، يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال، وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ناظرت أبا حنيفة ﵀ مدة، حتى اتفق رأيي ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر] .
هذه تعتبر أمثلة من البدع، يعني: أن هناك بدعاً توصل إلى الكفر، وقد ذكرنا أن أهل السنة يكفرون غلاة الجهمية؛ وذلك لأن من قول الجهمية القول بأن القرآن مخلوق، والذي حملهم على هذا اعتقادهم أن الله تعالى لا يتكلم، فنفوا صفة الكلام عن الله، ومعلوم أن هذه الصفة صفة كمال، ونفيها يستلزم ضدها وهو النقص.
ولا شك أن من نفى هذه الصفة فقد تنقص الخالق، وكذلك قد أبطل الشرائع، فلا جرم أن أهل السنة قالوا: إن من قال بخلق القرآن فإنه كافر.
وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه أنه لما كان يناظر على القرآن ويقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، فقالوا له: القرآن من جملة الموجودات.
فقال: القرآن من علم الله، وعلم الله صفة من صفاته.
فقال له بعض أولئك الجدليين: أنا أقول: إن علم الله مخلوق.
-تعالى الله عن ذلك! - فقال: قد كفرت بهذه الكلمة.
الله تعالى هو الخالق، وصفاته من ذاته، وكلامه من صفاته، وعلمه من صفاته، وكلامه من علمه، ومن ادعى أن صفة من صفاته مخلوقة فقد جعل الرب تعالى محلاً للحوادث، فيكون بذلك متنقصاً لله تعالى أكبر التنقص، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
стр. 535
الحامل للمبتدعة على القول بخلق القرآن
الذي حمل الجهمية على القول بخلق القرآن هو إنكارهم للصفات، ولما أنكروا الصفات أصبحوا معطلة، ولما عطلوا الله عن هذه الصفات وصفهم السلف بالكفر، وقد ذكرنا أن ابن القيم ﵀ صرح بتكفيرهم عن جماهير العلماء، يقول في نونيته: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنـ هم بل حكاه قبله الطبراني خمسون في عشر، خمسون من العلماء، تضرب في عشرة فيكون خمسمائة عالم، وذكرنا أن اللالكائي نقل ذلك عن جمع كبير من العلماء أنهم كفروا من قال بخلق القرآن، ومن غلا في نفي الصفات، وكتابه مطبوع متداول -ويسمى (شرح أصول السنة) - في عدة مجلدات.
اللالكائي إمام من أئمة أهل السنة، نقل بأسانيده هذه الأقوال عن سلف الأمة: أنهم كفروا من قال بخلق القرآن.
وقد اشتهر أن أول من أظهر ذلك هو الجعد بن درهم، ولما نفى أن يكون الله تعالى متكلماً، وأن يكون القرآن كلامه، صرح بأن الله لم يكلم موسى تكليماً؛ فقتله أمير العراق في وقته خالد بن عبد الله القسري؛ لأنه خرج في العراق وأضل خلقاً كثيراً، فاشتكى علماء أهل السنة إلى الأمير القسري فقتله بعد صلاة عيد النحر، ومشهور أنه قال: (ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً.
ثم نزل فذبحه) .
يقول ابن القيم في نونيته: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الدان شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان القربان: هي الأضاحي، فجعله أضحية تقرب بذبحه إلى الله، فأقروه أهل السنة في زمانه، وهذا دليل على أن هذه المقالة كفرية؛ لأن مستلزماتها كثيرة.
стр. 536
ما يلزم من نفي الكلام عن الله سبحانه
الذين قالوا: إن الله غير متكلم، وكلامه مخلوق كسائر المخلوقات.
نقول لهم: من أين عرف الرسول ﷺ أن هذا كلام الله؟ ومن أين يعرفون أن الله أمر بهذا أو نهى عن هذا؟ ومن أين يعرف أن هذا شرعه وأن هذا أمره؟ إذا كان لا يتكلم فكيف يعرف ذلك؟! وكيف يكون الخلق إلا بالأمر؟! ما يكون هناك خلق إلا بأمر، الله تعالى ذكر أن المخلوقات تكون بأمره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فالخلق لابد أن يكون بالأمر، والأمر لابد أن يكون بالكلام، فمن عطل الكلام فقد عطل الخلق، وقد عطل الشرع، وقد افترى على الله، فمعناه: أن الرسول ﷺ بلغ شيئاً ما أنزل إليه، أو ما تحقق أنه شرع الله؛ لأنه إذا كان لا يتكلم فمن أين عرفوا أن هذا كلامه، أو أن هذا شرعه، أو أن هذا دينه؟! يستلزم قولهم بشاعة شنيعة، فلا جرم أن أهل السنة حكموا بأنهم كفار إذا صرحوا بذلك وعاندوا عليه، هذا مثال من قال بأن علم الله أو أن كلام الله مخلوق، وعاند على ذلك، وقامت عليه الحجة، فإنه يكفر.
وإطلاق هذه الكلمة، وتكرارها من هؤلاء الأئمة يقتضي أنهم يجعلونه كفراً مخرجاً من الملة، كفراً ناقلاً عن الإسلام مبيحاً للدم والمال، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
أما البدع الأخرى التي تقدمت فقد لا توصل إلى الكفر، وإن كانت مفسقة.
стр. 537
حكم تكفير المعين
قال الشارح ﵀: [وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت.
ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: باب النهي عن البغي، وذكر فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر.
فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة.
فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده! لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) ، وهو حديث حسن.
ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له، أويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غُفر للذي قال: (إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، ثم غفر الله له لخشيته) ، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك.
لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا؛ لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه.
ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل: إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا صار منافقاً زنديقاً، فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقاً زنديقاً، وكتاب الله يبين ذلك، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف: كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين.
وصنف: المؤمنون باطناً وظاهراً.
وصنف: أقروا به ظاهراً لا باطناً.
وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة.
وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر، وكان مقراً بالشهادتين، فإنه لا يكون إلا زنديقاً، والزنديق هو المنافق.
وهنا يظهر غلط الطرفين، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، يلزمه أن يكفر أقواماً ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله، ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أسلم مولى عمر ﵁ عن عمر: (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ اسمه: عبد الله، وكان يلقب: حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأتى به يوماً، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله) وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين، وفيهم بعض مقالات الجهمية، أو المرجئة، أو القدرية، أو الشيعة، أو الخوارج، ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة، بل بفرع منها؛ ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير، فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخطِّئون ولا يكفرون] .
هذا يتعلق بتكفير المعين، وهو غير التكفير العام؛ وذلك لأن هناك فرقاً بين أن يقال: فلان كافر.
وبين أن يقال: فلان يعمل عمل الكفار، أو يقال: هذا العمل كفر.
стр. 538
موانع تكفير المعين
الشهادة على معين بأنه كافر لا تجوز إذا كان من أهل القبلة ومن أهل الإسلام، من دخل في الإسلام وأعلن الدخول فيه ظاهراً لا يجوز أن يحكم عليه بعينه أنه كافر.
مثلاً: لو عمل إنسان عمل أهل الكفر، أو عمل معاص قد أطلق عليها أنها كفر، لا نكفره ما دام أنه من أهل القبلة، حتى ولو قال بمثل تلك الأقوال التي ذكرنا أن السلف كفروا بها، لكنهم لا يكفرون المعين لأسباب منها: أنه قد يكون مقلداً، وإثمه على من قلده وأحسن الظن به، يحسن الظن ببعض المشاهير، فيظن أنه على صواب فيتبعه، فنحن لا نحكم بكفره ما دام أنه لم يكن عنده الدليل الذي قام عليه، وإذا لم نكفره فلا نقاتله حتى نقيم عليه الحجة ويصر على كفره.
في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في القرن الثاني عشر خرج على أناس قد فشا فيهم الشرك، كتعظيم القبور، والذبح عندها، والتمسح بها، والتبرك بتربتها، ودعاء الأموات، ونحوه مما هو شرك، بل هو شرك الأولين، ولما دعا إلى ذلك لم يكفر إلا من عاند، فالجهلة وعوام الناس لم يكفرهم، وإنما يخطئهم، فإذا قامت الحجة عليهم وأصروا وعاندوا وتمادوا، وردوا الحق مع وضوحه، فهنالك يقاتلهم، ويكفر من قتل منهم، ويستبيح أموالهم ودماءهم؛ لأنهم أصبحوا كالمشركين الأولين الذين عبدوا غير الله، وأما قبل ذلك فلا يحكم بكفرهم.
وهذا مخالف لما ينقله عنه أعداؤه، فأعداؤه قد كذبوا عليه ﵀، وقالوا عنه شناعات، وقد رُد عليهم بكتب مثل: الأسنة الحداد في الرد على شبهات علوي الحداد، وهو حضرمي غال في الكذب عليه، ادعى أنه إذا جاءه إنسان ليدخل في دينه يقول له: لا أقبل منك حتى تقر أنك كنت كافراً، وتشهد على أبويك اللذين ماتا أنهما ماتا كافرين، وتشهد على أن الناس كفار منذ ستمائة سنة، ومثل هذه الأكاذيب التي ذكرها علوي الحداد في كتاب له في الرد على محمد بن عبد الوهاب.
وكذلك يوجد كتاب في الرد على آخر يقال له: بابصيل، وهو حضرمي أيضاً، جمع ترهات وأكاذيب مثل هذه الأشياء.
فالحاصل أنه ﵀ ما كان يكفر إلا من قامت عليه الحجة، ولا يقاتل إلا بعدما يبين لمن قاتلهم أن هذا شرك، فإذا بينه وأوضحه فعند ذلك ينذرهم ويقول: إن تبتم وإلا قاتلناكم؛ لأنكم أصبحتم من المشركين الذين يعملون عمل المشركين.
فهذا دليل على أن أهل السنة لا يكفرون المعين حتى ولو كان عمله كفراً، إلا بعدما تقوم عليه الحجة.
إذاً من الشبهات: التقليد وإحسان الظن بالعلماء الذين بين ظهراني أولئك الناس المقلدين لهم، بحيث لا يحكم بتكفيرهم حتى تقام عليهم الحجة ويصروا على الكفر.
كذلك من الشبهات أيضاً: أنهم قد يجدون بعض الكتب المؤلفة فيما هم عليه، فلأجل ذلك يسيرون عليها، ويعتقدون أن ما فيها هو الصواب، ولا يقفون على ردودها، ولا يقفون على أدلة غيرها؛ فيسيرون عليها، فنعذرهم في ذلك حتى نبين لهم الخطأ الذي فيها، فإذا بينا لهم فأصروا، وكانت تلك الأعمال من الكفر، حينئذ كفرناهم وقاتلناهم، وإلا فلا.
وهناك أعمال دون الكفر، وهي التي تعرض لها الشارح ﵀، وذكر أنها من جملة البدع التي لا توصل إلى الكفر، وإنما هي أمور اجتهادية، ولكنها خاطئة.
فالأشاعرة عندهم بدع، وهي: إنكار بعض الصفات، والقول بأن كلام الله كلام نفسي، وأن هذا الموجود إنما هو المعنى لا الحروف، ونحو ذلك من بدعهم، ولكن لا نوصل ذلك إلى الكفر.
كذلك المرجئة الذين غلبوا جانب الرجاء لا نقول: إنهم وصلوا إلى الكفر، ولكن نقول: إنهم وقعوا في بدعة مفسقة لا مكفرة.
وعلى كل حال: فالتكفير خطره كبير، قد سمعنا هذه القصة التي أوردها الشارح ﵀، وهي قصة ذلك الشخص العابد الذي قال لصاحبه: والله لا يغفر الله لك.
قال الله لذلك المذنب: ادخل الجنة برحمتي، وعذب ذلك الذي تألى عليه، يقول أبو هريرة: (قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته) ، وهذا يدل على أن التكفير ذنبه كبير وخطؤه عظيم؛ فلأجل ذلك على الإنسان أن يحفظ لسانه فلا يكفر المعين.
стр. 539
حكم إطلاق الكفر على العمل
تقدم تكفير المعين، أما العمل فيقال: هذا العمل كفر.
فيقال مثلاً: القول بخلق القرآن كفر.
ولا نقول مثلاً: فلان كافر؛ لأنه يقول بكذا؛ لأنا لا نعلم ما الخاتمة، يمكن أن يكون قد رجع عن قوله وقد تاب، أو كان متأولاً، أو ختم له بخاتمة حسنة، أو محيت عنه سيئاته؛ أو ما أشبه ذلك، ففرق بين أن يقال: هذا العمل كفر، أو هذا الشخص كافر؛ لأنه يعمل هذا العمل.
الأعمال قد يطلق عليها الكفر، فيقال مثلاً: ترك الصلاة كفر ولكن ما نحكم على الإنسان أنه كافر بمجرد عمله، إلا إذا أصر على ذلك وعاند وقتل عليه، فإذا عاند وأصر وامتنع من أداء الصلاة حتى قتل، فعند ذلك يقول العلماء: إنه يعامل معاملة الكافر الخارج من الملة، بحيث لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وعلى كل حال: فالناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام مذكورة في أول سورة البقرة، فالخمس الآيات الأولى من سور البقرة في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] إلى آخر الآية الخامسة والآيتان بعدها في الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة:٦] إلى قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] .
وثلاثة عشر آية بعدها في المنافقين، من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة:٨-٩] إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة:٢٠] إلى آخر الآية، فهذه الآيات في المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والعلماء يسمونهم زنادقة، فأمرهم خفي؛ لأننا لا نطلع على ما في قلوبهم؛ ولأجل ذلك كان النبي ﷺ يعاملهم معاملة المسلمين؛ لأنهم يظهرون الإسلام، ولأنهم يظهرون محبة المسلمين.
وعلى كل حال فتكفير المعين شيء، والحكم على العمل بأنه كفر شيء آخر، فرق بين هذا وهذا.
هذه مسائل في التكفير، والإنسان عليه أن يتثبت في الحكم على المعين بالكفر، ولابد أن يعرف الدليل على أن العمل من أعمال الكفار.
стр. 540
المسميات الشرعية في الدين وتعلقها بالعقيدة
مما يتعلق بالعقيدة مسألة أحكام الإسلام والدين، أو مسألة أسماء الإيمان والأسماء الشرعية، فالشرع نقل بعض المسميات من مسمياتها اللغوية إلى مسميات شرعية، فبدل ما كان الإيمان مجرد التصديق في اللغة، أصبح الإيمان يدخل فيه أعمال الجوارح وأعمال القلوب، ولا يكون مؤمناً إلا من ظهرت آثار الإيمان على جوارحه، هذا قول أهل السنة.
كذلك بدل ما كان الإسلام في اللغة هو الإذعان والانقياد، أصبح الإسلام يصدق على من أقام الشرائع والأركان الظاهرة ودان بها، هذا هو المسلم.
وكذلك مسمى الإحسان، الأصل فيه: أنه إحسان العمل أياً كان ولو عملاً دنيوياً، فنقله الشارع إلى الإحسان في الأعمال الصالحة، الذي هو إتقانها بأن يستحضر حالة أدائها مَن يؤديها له.
وكذلك يقال في مسمى التوحيد في اللغة: هو مشتق من الواحد، الذي هو العدد الفرد، فنقله الشارع إلى إفراد الله بالعبادة، أي: اعتقاد أن العبادة لله وحده، وأن الله وحده هو المتصف بصفات الكمال لا يشاركه فيها غيره، وأنه المتفرد بالملك والتصرف، هذا حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل.
وهكذا يقال في التقوى، لها مسمى في اللغة ومسمى في الشرع، فالتقوى في اللغة: هي اتقاء الشرور والأضرار، وأما في الشرع: فهي اتقاء عذاب الله وغضبه بفعل الأوامر وترك النواهي.
وكذلك مسمى البر الذي حث الله عليه، بدل ما كان بالإحسان إلى الإنسان، أصبح هو إحسان العمل كله، وتدخل فيه جميع الأعمال التي تدل على بر صاحبها وتصديقه.
ويقال كذلك في المسائل التي هي ضدها، فمثلاً: الشرك، كانوا يطلقونه على اشتراك اثنين في عمل، أو اشتراك اثنين في مال، هذا هو الشرك قبل الإسلام، أما الشرع فجعله اسماً لإشراك العبد مع الله غيره، أن يجعل العبادة مشتركة بين الله وبين غيره، فيدعوه ويدعو غيره، ويعبده ويعبد غيره، ويتقيه ويتقي غيره، ويخافه ويخاف غيره، ويرجوه ويرجو غيره على حد سواء، يسمى هذا: شركاً؛ لأنه تشريك في العبادة بين الخالق والمخلوق، وهو الذي ورد فيه الوعيد.
كذلك الكفر: العرب تعرف الكفر بأنه الستر، ستر الشيء، ولكن جاء الشرع وأطلقه على جحد الربوبية، أو جحد الإسلام، أو جحد الشريعة وإنكارها وسترها وتغطيتها تغطية معنوية، هذا مسمى الكفر.
стр. 541
مذهب أهل السنة في مسألة التكفير والتفسيق والتبديع
مسألة التكفير والتفسيق والتبديع قد تكلم فيها العلماء وأطالوا، وقرأنا بعضاً مما يتعلق بها.
مذهب أهل السنة فيها كما سمعنا: أنا لا نكفر أهل القبلة بالذنوب ولو كانت كبائر؛ إلا إذا استحل الذنب فإنه يكفر، فإذا استحله كفر ولو لم يفعله، من قال: إن الخمر حلال.
ولو لم يشربها؛ كفر؛ لأنه خالف نصاً، ومن قال: إن الربا حلال.
كفر وإن لم يرابي؛ لأنه يخالف النصوص، ومن قال: الصلاة ليست فريضة.
كفر، ولو لم يترك الصلاة، ومن قال: لم يوجب الله الحج، أو لا يجب الصوم، وأنكر ذلك، أو أنكر شرعية الجهاد، وقال: الجهاد تعرض للقتل، لا يمكن أن يشرعه الله، هذا ظلم، أو قتل للنفوس وإراقة لها، إذا أنكر ذلك ولو كان يجاهد نقول: إن هذا قد كفر بهذا الإنكار.
أما إذا فعل ذنباً ولكنه لم يستحله فإنه لا يكفر، كما لو فعل الزنا وهو يعتقد أنه حرام، أو شرب الخمر، أو قتل نفساً وهو يعتقد أنه مذنب ومخطئ، فنقول: هذا مذنب، وهذا فعل كبيرة من الكبائر، ولكن لا تصل إلى حد الكفر الذي يبيح الدم والمال، بل لا يزال موصوفاً بأنه مذنب، وأنه قد وقع في ذنب، وإن كان ذلك الذنب يحتمل أن يعاقب عليه، ويحتمل أن يغفر.
стр. 542
حكم المصر على الذنب
ماذا نسمي المذنب المصر على الذنب؟ لا نسميه كافراً ولا نسميه مؤمناً كامل الإيمان، بل نسميه ناقص الإيمان، أو يطلق عليه اسم فاسق أو عاص، هذه عقيدة أهل السنة: أنه لا يصل إلى الكفر؛ لأن ذنبه دون الكفر، ولا يوصف بكمال الإيمان؛ لأنه قد نقص إيمانه بهذا الذنب.
والذين كفروه انقسموا إلى طائفتين: طائفة أخرجته من الإسلام ولم تدخله في الكفر، وهم المعتزلة الذين قالوا بالمنزلة بين المنزلتين.
وطائفة أخرجته من الإسلام وأدخلته في الكفر، واستحلت دمه وماله، وهم الخوارج.
واتفق الفريقان على أنه مخلد في النار.
وأهل السنة لا يخرجونه من الملة، ولكن يقولون: هو معرض للوعيد، وهو تحت مشيئة الله ما دام أن ذنبه دون الكفر ودون الشرك، ففي الآخرة هو تحت مشيئة الله: إن شاء غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، هذه هي عقيدة أهل السنة.
стр. 543
وجه تسمية الشارع لبعض الذنوب كفراً
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ ﵀، وهو: أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً، قال الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] .
وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) .
متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁.
وقال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) .
و (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما) متفق عليهما من حديث ابن عمر ﵄.
وقال ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
وقال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) .
وقال ﷺ : (بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم عن جابر ﵁.
وقال ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد) وقال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر) رواه الحاكم بهذا اللفظ.
وقال ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت) .
ونظائر ذلك كثيرة.
و
الجواب
أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام.
ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد: أخوة الدين؛ بلا ريب.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] ، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار) أخرجاه في الصحيحين.
فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه.
وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من ليس له درهم ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ، فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته، وهذا مبسوط موضعه] .
الأحاديث التي تقدمت هي التي استدل بها الخوارج على مسألة التكفير بالذنوب، أخذوا بظاهرها، وأهل السنة قد أوردوها وأوردوا ما يبينها.
فمثلاً: الإمام مسلم صاحب الصحيح في أول كتابه كتاب الإيمان سرد أحاديث كثيرة فيها التكفير بالذنوب، ثم سرد أحاديث بعدها فيها الرجاء، وفيها نفع الشفاعة لأهل التوحيد، وأن أهل التوحيد يخرجون من النار ولو عملوا ذنوباً، وأن شفاعة النبي ﷺ تنال من لا يشرك بالله شيئاً، وأنهم ولو دخلوا النار بذنوب أذنبوها فإنهم لا يخلدون فيها، فهذا دليل على أن أحاديث الوعيد ليست دالة على الإخراج من الملة.
ثم إن كثيراً من العلماء قالوا في أحاديث الوعيد: إنها تجرى على ظاهرها؛ ليكون ذلك أبلغ في الزجر، مع اعتقادنا أن أهل التوحيد الذين لم يشوبوه بشرك، ولم يبتدعوا بدعاً مكفرة؛ لا يخلدون في النار ولو دخلوها، وعلى هذا فنسكت عن تأويل هذه الأحاديث، أو نحملها على محامل كما ذكر الشارح، ونحرص على الجمع بينها.
стр. 544
أمثلة لبعض الأدلة التي حملها العلماء على محامل غير الكفر
قول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ، هل كل من تقاتلوا لفتنة أو لخلافات سياسية يصيرون كفاراً؟ لا يكونون كذلك، فقد تقاتل الصحابة في عهد علي ومعاوية، ولم نحكم بكفر هؤلاء ولا هؤلاء، بل نقول: تلك فتن قدرها الله تعالى، وكل منهم له مقصد وله تأويل، ولم يكونوا كفاراً، وكل من قتل في هذه الفتنة تحت مشيئة الله.
كذلك الذين تقاتلوا في وقعة الجمل لم يقل أحد بأنهم كفار، ما عدا المعتزلة ونحوهم، بل قتل فيها من الصحابة من قتل كـ الزبير وطلحة وغيرهما، ولا شك أنها فتن، ولا نقول: إنهم وصلوا إلى مرتبة الكفر -والعياذ بالله- بل ننزههم عن ذلك.
إذاً: قوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) نجريه على ظاهره، ونعتقد أن القتال بنوع من التأويل لا يصل إلى الكفر، ونقول: لعله قصد الزجر والتحذير من قتال المسلمين بعضهم لبعض.
وكذلك قوله: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) نقول: هذا من أحاديث الوعيد، أطلق عليه كفراً وإن لم يكن مخرجاً من الملة من باب الزجر، ومن باب التحذير عن قتل المسلم والاستهانة به.
ومثل ذلك الآيات التي فيها وعيد شديد على بعض الذنوب، مثلاً: توعد الله على أكل الربا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٧٥] معلوم أنهم وإن دخلوها بذنوبهم فإنهم تحت مشيئة الله، وكذلك قال في القتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] عقيدة أهل السنة: أنه مسلم لا يخرج من الملة، لكن هذا من باب الوعيد، وكثير منهم يقولون: ذلك جزاؤه إن جازاه.
وكذلك قوله تعالى في الفرار من الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال:١٦] ، فهذا أيضاً نص فيه وعيد، فأهل السنة يقولون: هو وإن دخلها لا يخلد فيها أو قد يعفو الله عنه فلا يدخلها.
وكذلك القذف، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٣-٢٥] هذه الآيات من نصوص الوعيد أيضاً، مع أنها كلمة قد يكون فيها خطر وقد لا يكون، ومع ذلك توعد الله عليها بهذا الوعيد.
وهكذا الوعيد في الأحاديث التي سمعنا في قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) لا شك أن هذا أيضاً فيه تهديد وتخويف شديد على هذه الأعمال التي هي من كبائر الذنوب.
وقوله: (وهو مؤمن) أي: ليس يفعلها وهو كامل الإيمان؛ فإن إيمانه يزجره عنها، ويحذره عن اقترافها، لكن هو ناقص الإيمان، وقال بعضهم: ينزع منه الإيمان، ويكون عليه كالظلة، ثم إذا انتهى رجع إليه، ولكن لا يرجع كاملاً.
وهكذا حديث النفاق في قوله: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدث كذب) إلى آخره، لا نقول: إنها تخرج من الملة لمجرد كذبة أو خيانة، ولكنها من نصوص الوعيد.
وقد أثبت الله الإيمان بين المتقاتلين الذين يتقاتلون لضغائن وعداوات في الآيات التي سمعنا، يقول الله في القاتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] سماه: أخاً مع كونه قاتلاً، وكذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] سماهم: إخوة مع كونهم يتقاتلون، ولكنه قتال بغي، فالمخطئون منهم بغاة.
ومعلوم أنهم لو كانوا كفاراً لحبطت أعمالهم، ولم يبق لهم حسنات، فإن الكفر يحبط الأعمال، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] إذا حبط عملك فلا تكتب لك حسنة، الكفار ما تكتب لهم حسنات، ولا يثبت لهم شيء من الأعمال الصالحة، بل أعمالهم تبطل، يقول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] فلو كانوا كفاراً ما كان لهم حسنات، بل إما أن يجازوا بها في الدنيا كما في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] ، وإما أن يبطلها كفرهم وشركهم، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] حبطت أي: بطلت، ومثل الله تعالى أعمالهم بأنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يبقى منها شيء، فلو كانوا كفاراً ما بقي لهم أعمال صالحة، ولا حسنات يؤخذ منها للمظلومين.
وقد سمعنا أنه يكون لهم حسنات في هذه الأحاديث، هذا الذي يأتي وقد قتل هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، وظلم هذا، وشتم هذا، فمع ذلك يؤخذ من حسناته، أليس ذلك دليل على أنها باقية؟ إذاً: فهو لم يصل إلى درجة الكفر.
فهذا دليل على أن أعمالهم لا توصلهم إلى الإخراج من الملة، وعلى هذا ماذا نسميهم؟ نسميهم: عصاة، ونسميهم: فسقة، ونسميهم: أهل كبائر، ونسميهم: ناقصي الإيمان غير كاملي الإيمان، هكذا نسميهم.
هذا قولنا في أهل المعاصي، أما الشرك والكفر فمعلوم أنه يصير كفراً مخرجاً من الملة، وأن الشرك لا يغفر حتى ولو كان صغيراً، ومن الشرك الأصغر: الحلف بغير الله، فقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) المراد به: الشرك الأصغر؛ وذلك لأن الحلف بغير الله فيه إشراك بنوع تعظيم لذلك المخلوق، وتخصيصه بالحلف به حتى يكون شريكاً لله، والتعظيم حق الله، فالحالف قد عظم الذي حلف به، فمن حلف بالله فقد عظم الله، ومن حلف بالمخلوق فقد عظم المخلوق، فيكون تعظيمه شركاً، ولكنه من الأصغر، ولا يصل إلى الشرك الأكبر.
стр. 545
شرح العقيدة الطحاوية [٣٩]
الحكم بغير ما أنزل الله أقسام ينبغي معرفتها، فقد ضل كثير من الناس بسبب عدم معرفة أقسام ذلك، وقد بين العلماء تلك الأقسام، وحذروا الناس من التسرع في الأحكام.
стр. 546
البدع المكفرة
البدع منها ما هو مكفر، ومنها ما لا يصل إلى حد الكفر.
تواتر عن السلف ﵏ أنهم كفروا من قال بخلق القرآن، كفروهم من حيث العموم لا من حيث الأفراد، فهم ما يقولون: إن فلان بن فلان كافر؛ لأنه قال بخلق القرآن؛ فإن من أشهرهم خليفة من بني العباس المأمون، وهو أول من فتن الناس ودعاهم إلى القول بخلق القرآن، وفتن العلماء، ومع ذلك لم يكفره الإمام أحمد، بل كان يعذره بأنه متأول، وبأنه لبس عليه أولئك المبتدعة لما قربهم وأدناهم، فدخلت أفكارهم في قلبه، فشبه عليه.
لكن المبتدعة الذين تمكنت هذه البدعة منهم لا نعذرهم، ولكن لا نحكم على فلان بأنه كافر لهذه البدعة، لكن من حيث العموم نقول: القول بخلق القرآن كفر.
كذلك بدعة إنكار الصفات والغلو في إنكارها، وهي طريقة المعتزلة، هذه لا شك أنها كفر؛ وذلك لما فيها من التعطيل، حتى إن بعض العلماء جعلها أكبر من قول المشركين الذين يجعلون العبادة مشتركة بين الخالق والمخلوق، ولكن ما دام أنهم يتسمون بالإسلام فلا نطلق على أعيانهم بالكفر، كأن نقول مثلاً: أبو الهذيل العلاف كافر، أو أبو علي الجبائي كافر، لا، وإن كانا من غلاة المعتزلة، واشتهرا باعتناق هذا المذهب، وكتبا فيه، وأضلا خلقاً كثيراً، لكن نقول: أمرهما إلى الله، ولكن مقالتهما مقالة كفرية؛ لما فيها من مضادة للحق.
كذلك نقول في المذاهب المعاصرة الجديدة: هذه لا شك أنها كفر، يعني من حيث معتقداتهم، فمثلاً: الدروز ليسوا بمسلمين حقاً، ولو ادعوا أنهم يدينون بالشهادتين ظاهراً أو نحو ذلك، لكن في الباطن ليسوا بمسلمين، مع وجودهم وكثرتهم في بعض البلاد؛ ولكن لا نقاتلهم، ولا نكفر أعيانهم حتى نقيم عليهم الحجج، نواجههم مواجهة شخصية، ونبين لهم، لكنهم في الحقيقة يخفون عقائدهم ويخفون مؤلفاتهم التي يعتنقونها.
ويقال كذلك في الطائفة الجديدة الذين يسمون: بعثيين: لا شك أنا إذا بحثنا عن معتقداتهم ومبادئهم نجد أنها مبادئ كفر، وأنهم كافرون، وأن معتقدي هذه العقيدة ليسوا حقيقة بمسلمين؛ لأنهم علمانيون أو اشتراكيون أو ماركسيون أو دنيويون لا همة لهم بالآخرة ولا بمصالح الدين، ولا بالإقبال عليها، ولا بنصر الإسلام ولا غيره، كما يعرف ذلك من مؤلفاتهم، فمذهبهم مذهب كفر.
كذلك يقال أيضاً في مذهب النصيريين والإسماعيليين وغلاة الشيعة الرافضة وأشباههم، من الذين يدعون أنهم من جملة المسلمين، ولكن لهم عقائد ودسائس خفية، لا شك أنها تخالف الإسلام وتخالف عقائد الإسلام، فيقاتلون إذا أقيمت عليهم الحجة، وحصلت معهم مواقف يتبين فيها أنهم عارفون بالحق ومعاندون ومخالفون له، وأبطلت شبهاتهم التي يتمسكون بها، فهذا ونحوه دليل على أنه يوجد هناك مكفرات، ولكن الحكم إنما هو للفعل لا للفاعل.
ولأجل ذلك فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عندما خرج على أهل هذه البلاد، وجد أهلها يشركون بالغلو في الصالحين، ومع ذلك لم يكفرهم مبدئياً، ولكن بين أن فعلهم كفر، ولم يقاتلهم مبدئياً بل شرع في بيان أعمالهم وفي بيان كفرهم، ولما أصروا وعاندوا وجابهوا، وكتبوا رسائل في الرد عليه، وشبهوا على الناس مع اتضاح الحق كالشمس؛ أفتى عند ذلك بجواز قتالهم، وبأنهم -والحال هذه- كفار، حيث إنهم أباحوا عبادة غير الله، وشابهوا المشركين الأولين أو زادوا عليهم، كما بين ذلك في مؤلفاته ﵀، فما شرع في القتال إلا بعدما كتب الرسائل والكتب، وأرسلها إلى الطوائف الأخرى يبين لهم ويدعوهم، ويذكر لهم ما يدعوهم إليه، فهدى الله من هدى بواسطته، وأصر بعضهم على عناده، وشرع يلبس على الناس، فلما قامت عليهم الحجة عند ذلك أمر بالقتال.
ولا شك أنهم كانوا يدعون أنهم مسلمون، ويقرءون القرآن، ويأتون بالشهادتين، ويصلون ويزكون ويصومون ويحجون؛ ولكن يشركون، وذلك بعمارة المشاهد، التي هي القبور، وتسمى الآن في العراق مشاهد، والواحد منهم مشهدي؛ وهم يحجون إلى تلك القبور، وعندهم معابد أعظم من الحرمين كالنجف وكربلاء، فهم يأتون إليها بخشوع وبإقبال ونحو ذلك.
وهنا في نجد كان يوجد قبور كانت منصوبة ومرفوعة ويذبح عندها ويجلس عندها ويتحرى الصلاة عندها، ويطوفون بها، ويدعون أصحابها، ويهتفون بأسمائهم: يا زيد، يا يوسف، يا شمسان، يا فلان! فقال لهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أليس هذا هو الدعاء لغير الله؟ أليس الله يقول: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] ؟ فلم يجدوا بداً من أن يقتنعوا بكلامه، ولكن بعضهم فتنوا وزاغوا، وأصروا على شركهم، فحكم بكفرهم بعدما قامت عليهم الحجة، بل الثابت عن النبي ﷺ أنه ما قاتل قوماً إلا بعد أن دعاهم، ولما أرسل علياً ﵁ لدعوة اليهود، وهم يهود، ومعلوم عنادهم، قال له: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) فالرسول ﵊ قصده أن يدخل الناس في الإسلام، ليس قصده أن يقاتل، وليس قصده أن تكون له سيادة ومنصب وملك وسعة تصرف، أو أموال يقتنيها، ما كان هذا قصده، إنما قصده هداية الناس، وإقبالهم على الدين ودخولهم فيه.
وهذا هو الذي يجب علينا بالنسبة إلى كل المبتدعة في زماننا، أن نحرص على دعوتهم، وبيان الحق لهم، وإظهار الأحكام الشرعية، وبيان مطابقتها للحقيقة، فإذا أصروا بعد ذلك وعاندوا فهنالك يقاتلون، إلا إذا كانوا معاهدين أو لهم ذمة، الذميون والمعاهدون والمستأمنون هؤلاء يؤمنون بقدر مدتهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤] .
وعلى كل حال هذه مسألة ذات أهمية، وهي: مسألة التكفير والتفسيق ونحوها، وعلينا أن نعرف الفرق بين أن نقول: هذا العمل كفر، وهذا الشخص كافر.
стр. 547
من يحكم بكفره ودخوله النار
متى نحكم على الإنسان بأنه كافر، وبأنه في النار؟ إذا عرفنا أنه مات على الكفر، وهو ممن قامت عليه الحجة، كالذين قتلوا في عهد النبي ﷺ وهم كفار، أو جاءت الأدلة بأنهم من الكفار، وهكذا من بعدهم، إذا عرفنا أن شخصاً ممن عاند الحق، وقاتل ضده، وعرفه المعرفة التامة، ورده الرد الشنيع، وضلل أهله، وعاند في قبوله، واستمر على ذلك، ومات ولم يتب ولم يرجع عن بدعته المكفرة أو عن كفره، فحينئذ ندعو عليه، ونستحل لعنه وشتمه، ونقول: إنه في النار.
إذا تمت هذه الشروط.
فأما من لم يتم ذلك فيه فنكل أمره إلى الله.
مثال ذلك: أن أبا لهب توعده الله بقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، وكذلك أبو جهل مات على الكفر وقتل عليه، قال النبي ﷺ : (إنه فرعون هذه الأمة) ، فمثل هؤلاء نتحقق أنهم في النار، ونحكم عليهم بذلك، وأشباههم ممن تحقق أنه مات على الكفر، وكذلك مسألة الإيمان كما سيتطرق إليها الشارح إن شاء الله.
стр. 548
الأقوال المختلفة في أصحاب المعاصي
قال الشارح ﵀: [والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج: نسميه كافراً.
وقالت المعتزلة: نسميه فاسقاً.
فالخلاف بينهم لفظي فقط.
وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة! وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة تبين لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى.
ثم بعد هذا الاتفاق بين أهل السنة اختلفوا اختلافاً لفظياً، لا يترتب عليه فساد، وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفراً دون كفر؟ كما اختلفوا هل يكون الإيمان على مراتب، إيماناً دون إيمان؟ وهذا الاختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافراً، ولا نطلق عليهما اسم الكفر.
ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عنده.
ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة.
وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، إنها سميت إيماناً مجازاً؛ لتوقف صحتها على الإيمان؛ أو لدلالتها على الإيمان، إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً؛ ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى كصلاتنا، فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب، إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول، وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد.
ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة، ولكن أردأ ما في ذلك التعصب على من يضادهم، وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه، والتشنيع عليه! وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]] .
стр. 549
عقيدة أهل البدع في أصحاب المعاصي
ذكرنا أن هناك طوائف في هذا الباب انحرفوا، فطائفة المعتزلة يقولون: إن أصحاب المعاصي خارجون من الإسلام، ولم يدخلوا في الكفر بحيث لا تستباح دماؤهم ولا قتالهم، ولكنهم يخلدون في النار.
وطائفة الخوارج يقولون: أصحاب الكبائر كفار، يقاتلون، وتحل دماؤهم وأموالهم، وإذا ماتوا ماتوا كفاراً، يعاملون معاملة الكفار، لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وهم في الآخرة يحكمون عليهم بالخلود في النار، هذا قول الخوارج، ويستدلون بالأحاديث التي تقدمت في الكفر كقوله: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) ، أو: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) وما أشبه ذلك.
وطائفة المرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، وهذه طائفة تبيح للإنسان أن يكثر من المعاصي، وأنها لا تضره، ولو زنى، ولو سرق، ولو قتل، ولو شرب الخمر، ولو كذا وكذا، وذلك كله لا ينقص إيمانه، فإيمانه كامل، وحسناته كاملة، وهو من أهل الجنة، ولا تضره هذه الكبائر ولا هذه السيئات، فيبطلون الأحاديث التي فيها الوعيد، ونحو ذلك، وهؤلاء أيضاً مخطئون.
стр. 550
عقيدة أهل السنة في أصحاب المعاصي
القول الوسط هو قول أهل السنة حيث قالوا: إن أهل المعاصي يخاف عليهم الوعيد، يخاف عليهم النار ما دام أنهم قد سموا في بعض الأحاديث كفاراً، وسموا في أحاديث أخرى فساقاً، فلابد أن هذه المعاصي تضرهم، فإما أن تؤخرهم عن دخول الجنة، ولا شك أن ذلك ضرر، وإما أن يدخلوا بها النار، ولا شك أن ذلك ضرر أعظم؛ لأنهم قد يدخلون النار ويطول مكثهم فيها، وقد يدخلون النار ولا يطول مكثهم، وذلك على قدر أعمالهم، وأشباه ذلك، وهذا دليل على أن المعاصي لها تأثير على العاصي، فلأجل ذلك يخاف عليه إذا أصر عليها.
ومعروف أن الشرع ما حذر من المعاصي وأكثر الذم لها إلا ولها تأثير في الإيمان، فعلى الإنسان أن يرجع إلى الأحاديث التي وردت في الحث على كثرة الطاعات، والتحذير من المعاصي، حتى ولو كانت صغيرة، ويحذر من الإصرار عليها، ويتذكر آثارها ومضارها، فسيكون ذلك زاجراً للمسلم عن أن يصر على كبيرة، أو عن أن يأتي ذنباً ولو مرة واحدة؛ مخافة أن يسبب له عذاباً عاجلاً أو آجلاً.
стр. 551
سبب الخلاف في حكم أهل المعاصي
ذكر الشارح أن هذه المسألة مبنية على قول من يقول: إن الإيمان يتفاوت، وإن هناك إيماناً كاملاً، وهناك إيماناً ناقصاً، وإن هناك كفراً دون كفر ونحو ذلك.
وهذه الآيات التي في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] بعض السلف أطلق عليهم هذا الكفر والفسق والظلم؛ وذلك لأنهم عاندوا، وعرفوا أنه حكم مغاير لحكم الله، وشرعوا مع الله، وجعلوا شرعهم أحسن من شرع الله، وتنقصوا حكم الله، وادعوا أنه ليس بمناسب وليس بصالح، فلأجل ذلك حكم عليهم بالكفر والظلم والفسق.
وآخرون قالوا: إذا فعل ذلك لهوى، ورأى أن الحكم الشرعي لا يناسب في بعض الأحيان، وأن الحكم بغيره قد يكون أنسب، فحكم بذلك متأولاً، فإنا لا نخرجه من الإسلام، بل نجعله دون هذا، فقالوا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وهذا على طريقة من يجعل الكفر يتفاوت، ويجعله كفراً أكبر، وكفراً أصغر، وكفراً أوسط، وكذلك يجعلون الإيمان إيماناً كاملاً، وإيماناً متوسطاً، وإيماناً ناقصاً.
ونحن نقول: نعم؛ الإيمان يتفاوت؛ ولأجل ذلك تنقصه المعاصي، وتزيده الطاعات.
وأما الكفر فنقول: إن الكفر يبطل الأعمال كما ذكرنا أدلته، فلأجل ذلك الكافر ولو أدى أعمالاً في حياته لا تنفعه، إلا أننا إذا رأيناه يعمل الأعمال التي تختص بالإسلام عاملناه معاملة المسلم، فمن رأيناه مثلاً: يصلي، ويحافظ على الصلاة مع الجماعة؛ حكمنا بأنه مسلم؛ لأننا نحكم بالظاهر، ونكل أمر السرائر إلى الله تعالى، ولو كان في الباطن كافر فباطنه أمره إلى الله.
لكن إذا رأيناه مع الصلاة يعبد غير الله مثلاً أو يشرك، أو يحكم بغير الشرع، ويفضل حكم غير الشرع على حكم الشرع عاملناه بما يستحقه.
وبذلك يعرف أن باب تفاوت المؤمنين، وتفاوت الكفار يكون بحسب ما في القلوب من الإيمان أو من ضد الإيمان، وهذه مسألة لها أهميتها، يعرف الإنسان أن أهل الإيمان يتفاوتون، فإيمان قوي يحمل على كثرة الطاعات والعبادات، وإيمان ضعيف لا يزجر عن المحرمات ولا عن الآثام.
стр. 552
واجب المسلم تجاه مسائل العقيدة
ينبغي للمسلم أن يهتم بأمر دينه؛ حتى يسلك طريق النجاة، ولا شك أن مبنى دينه على أمور العقيدة، التي إذا ثبتت ورسخت انبنت عليها صحة الأعمال، وأثيب عليها، وإذا فسدت العقيدة انبنى عليها وترتب عليها فساد الفروع والأعمال.
ولا شك أن من جملة العقيدة أسماء الإيمان والدين، وقد عرفنا جانباً كبيراً منها فيما يتعلق بالتكفير والتفسيق، وطريقة أهل السنة في ذلك، ومن خالفهم.
وسبب الخلاف في ذلك: أنه جاءت أحاديث كثيرة فيها الحكم بالكفر على بعض الأعمال التي هي من المعاصي، وتسمى تلك النصوص نصوص الوعيد، أو أحاديث الوعيد، وطريقة أهل السنة فيها أنهم يجرونها على ظاهرها؛ ليكون أبلغ في الزجر، مع اعتقادهم أنها لا تخرج من الملة، وأن مرتكب الكبيرة ولو كان متوعداً بالكفر أو نحو ذلك، فإنه لا يصل إلى أن يستباح دمه وماله، وأن يحكم عليه بالخلود في النار، بل يقال: هذا من الذنوب التي جاء فيها هذا الوعيد، وأمرها إلى الله تعالى، وكل المعاصي التي دون الشرك فإنها تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لصاحبها، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه.
هذه طريقة أهل السنة.
وقد مر بنا بعض أحاديث الوعيد التي فيها شيء من الغلظة والشدة، مثل قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) فإن هذا فيه نفي الإيمان، فنحن لا نقول: إنه خرج من الإيمان كلياً، ولا أنه دخل في الكفر.
المعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر.
والخوارج يقولون: يخرج من الإيمان، ويدخل في الكفر.
ونحن نقول: إنه لا يخرج من الإيمان، ولكنه تحت مشيئة الله، ونقول: إنه فاسق بهذا الذنب، ولا يصل إلى أن يستباح دمه وماله وعرضه، ولكن ذنبه غليظ.
ومثله: قول النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) ومعلوم أن هاتين المعصيتين لا يكفر بهما.
ومثل قوله ﵊: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) ، ومعلوم أن قتاله لا يصل إلى حد أنه يخرج من الملة.
ومثله: قوله ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) ، والأحاديث الكثيرة التي فيها: (ليس منا) كقوله: (من غشنا فليس منا) .
وأحاديث البراءة كقوله: (من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة فإن محمداً بريء منه) وما أشبه ذلك مما فيه البراءة من هذا الفعل أو الفاعل.
نقول: إن هذه جاءت للزجر عن هذه المعاصي، ومعلوم أنه جاءت أحاديث تدل على إخراج المسلمين الذين هم من أهل التوحيد من النار، إما بشفاعة الشافعين، وإما برحمة الله تعالى، فتلك الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه وإن عمل الكبائر ونحوها لا يصل إلى حد الكفر.
وفي حديث أبي ذر لما قال النبي ﷺ : (إنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه ذرة من إيمان -يعني: أن عنده أصل الإيمان- فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فيدل على أنه لا يصل إلى حد الكفر بمثل هذه الذنوب.
ومع ذلك فإنه لا يجوز التساهل بهذه الذنوب؛ وذلك لأن التساهل بها والإدمان عليها يقسي القلب، ويصد عن الطاعة وفعل الحسنات، ويجرئ على كثرة السيئات، ويضعف الخوف من الله في القلب، وقد يسبب هذا الضعف ترك الواجبات، وارتكاب المحرمات، مما قد يكون سبباً في الطعن بالشريعة والعيب لها، والاعتراض على الله تعالى في تحريم هذا الشيء، أو إيجاب هذا الشيء، وذلك كفر؛ لأنه من الاعتراض على الله تعالى، ورد لأحكامه، والطعن في شيء من الشريعة بأنه غير مناسب، أو أنه جور أو نحو ذلك؛ تقوّل على الله، واعتراض عليه؛ فلأجل ذلك ينهى عن الإصرار على الذنوب حتى ولو كانت صغائر.
ويكثر في الأحاديث الزجر عن صغائر الذنوب وعن كبائرها، وتكثر الأدلة على الوعيد الشديد على بعض الذنوب، ويستشهد العلماء بأدلة فيها الهلاك والردى والعذاب لمن فعل هذه الذنوب، ولمن أصر عليها، وإذا عرف المسلم ذلك لم يتهاون بها ولو كانت لا تصل إلى الكفر؛ مخافة أنها مع التساهل ومع الاستمرار عليها تقسي قلبه، وتصده عن ذكر الله وعن معرفة الله.
والمسلم إذا تخلى عن السيئة حتى ولو صغيرة، وكرهها بقلبه، فبلا شك أنه سوف يحب الطاعات ويألفها، وتسهل عليه، ويحب الاستكثار منها، ولا شك أن الإقلاع عن السيئة والبعد عنها، وكثرة الحسنات، وكثرة الأعمال الصالحة مما يرفع الله تعالى به العبد درجات، ومما يقبل منه عبادته، ولا شك أن سبب ذلك معرفة عظم ثواب الله تعالى وأجره، حتى يكون بذلك مثابراً مكباً على الإكثار من الحسنات، وحتى يعرف عقاب الله وأليم عذابه على إصراره على الكبائر، ولو عذاب يوم أو عذاب ساعة أو نحو ذلك، فكيف بعذاب دهور متطاولة؟! كل ذلك مما يبعد الإنسان عن المعاصي، أي: معرفته بجزيل الثواب، ومعرفته بأليم العقاب.
стр. 553
الحكم بغير ما أنزل الله، وأقسام أهله
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً: إما مجازياً، وإما كفراً أصغر، على القولين المذكورين.
وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله؛ فهذا كفر أكبر.
وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة؛ فهذا عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر.
وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ، فهذا مخطىء، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور.
وأراد الشيخ ﵀ بقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) مخالفة المرجئة، وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن مظعون شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] الآية، فلما ذكروا ذلك لـ عمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا.
وقال عمر لـ قدامة: (أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر) .
وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر، وكان تحريمها بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية، وبين فيها أن من طعم الشيء الحرام في الحال التي لم يحرم فيها، فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.
ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطئوا وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:١-٣] ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولاً أم يأسك من رحمة الله ثانياً؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام] .
سمعنا أولاً تفصيل القول في الحكم بغير ما أنزل الله، وأنه ينقسم أهله إلى ثلاثة أقسام:
стр. 554
الحاكمون بغير ما أنزل الله مع اعتقادهم أنه أحسن من حكم الله
القسم الأول: أنهم كفار، وهم الذين يعرفون حكم الله وينتقدونه، ويقولون: إن الحكم الشرعي لا يناسبنا، أو إن الحكم الشرعي الذي في القرآن والسنة قديم، ولا يناسب هذا الزمان، فنحن نبتكر ونبتدع حكماً يناسب هذا الزمان؛ حتى يوافق الحال.
فهؤلاء الذين يحكم أكثرهم بالقوانين الوضعية في هذا الزمان هم كفار والعياذ بالله، وذلك أنهم يعرفون الأحكام الشرعية المأخوذة من الوحيين، ولكن زهدوا فيها، ورموها خلف ظهورهم.
من أين أخذوا قوانينهم التي يحكمون بها؟ أخذوها من الغربيين، أخذوها من محاكاة الأفكار الغربية، ومن زبالة الأذهان الغربية، ومما تلقوه عن الغربيين وعن اليونان وعن الكفرة والملاحدة، فهم قد جمعوا لهم هذه القوانين ووضعوها، وجعلوا التحاكم إليها.
وكان من نتيجتها تعطيل الكثير من الحدود، وتغيير الكثير من الأحكام، فمنهم الذين لا يجعلون المال خاصاً، وهم الذين يسمون بالاشتراكيين ونحوهم، فهؤلاء طوائف كثيرة يتسمون بأنهم مسلمون، وينزعون الملكيات من أهلها، ويستبدون بها، ويتصرفون فيها، ويزعمون أن هذه اشتراكية، وكذبوا وإنما هي استبدادية، فهذا من جملة أحكامهم الجائرة.
كذلك من نتيجة أحكامهم تغيير كثير من الفرائض والمواريث التي فرضها الله، فهم غيروا فيها وحرموا كثيراً، وأعطوا من لا ميراث لهم، ونحو ذلك، ويطول بنا التفصيل لو ذكرنا ذلك.
كذلك من نتيجة أقوالهم تعطيل كثير من الحدود، فالقصاص عندهم لا يجوز، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] سواء في الطرف أو في النفس، يستبدلون بدله أخذ المال من القاتل، أو نحو ذلك حتى يترك، أو يستبدلون بدله السجن المؤبد، أو نحو ذلك.
وكذلك تعطيل حد الزنا، حيث أباحوا الزنا إذا كان الزانيان متراضيين؛ لأن هذا شيء يملكانه، وقد بذلاه باختيارهما.
وكذلك تعطيل حد الخمر، حيث إن الخمر عندهم أمر مباح ليس فيه أي بأس، وأنها جائزة، وأن الحكم بتحريمها حكم ظلم وجور، وانتقدوا الشرع في تحريمها، إلى غير ذلك من تفاصيل هذه الأحكام الوضعية.
نقول: لا شك أن هذا كفر، حيث اعترضوا على الشرع وخطئوه، وادعوا أنه قد تغير، وأنه لا يناسب التطور -كما يقولون- فجعلوا حكمهم أحسن من حكم الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
هذه مقالة هؤلاء الذين يجعلون الحكم بغير ما أنزل الله على حسب أهوائهم، فيحكمون بما يلائمهم ويتركون حكم الله وهم يعرفونه، ويطعنون في حكم الشرع، لا شك أن هؤلاء كفار: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] .
стр. 555
الحاكمون بغير ما أنزل الله لهوى في نفوسهم
القسم الثاني: الذين يحكمون به وهم يعرفون أنه حرام، ولكن يقولون: لعذر، أو لضرورة، أو نحو ذلك، فهؤلاء عصاة، إلا إذا كانوا مضطرين.
كثير من المسلمين من الإخوان الصالحين يضطرون إلى السفر إلى بلاد تحكم بحكم الطاغوت الذي هو القوانين الوضعية، مع أن الذين يحكمون بها إما مسلمون وإما غير مسلمين، ويكون لأحدهم حق، وإذا كان له حق فماذا يفعل؟ يقول: هل أترك حقي يضيع أو أتحاكم إلى محاكمهم هذه التي هي قانونية، وأنا أعرف أني صاحب حق، وأنا أعرف أنهم يحكمون بحكم الطاغوت، ولكني مضطر إلى التحاكم إليهم؛ لعدم وجود حاكم شرعي، ولو تركت حقي لذهب علي، وهو قد لا يتساهل به؟ ففي هذه الحال هو معذور؛ حتى لا يضيع حقه، هو معذور إذا ترافع مع خصمه إلى أولئك الذين يحكمون بالقوانين، ومتى حكموا له أخذ حكمهم، وألزموه ضرورة؛ لأنه في بلادهم.
والحاصل أن الذي يحكم بها وهو يعلم أنها محرمة، ولكن يدعي أنه مضطر إليه أو أنها ذنب، وأنه لا يناسب في هذا الوقت، أو لا يخلص له حقه في هذا المجال إلا بهذا، فهو معذور، ولكن هو مذنب، حيث إنه تعاطى الشيء الذي اضطره إلى ذلك، وأما إذا كانت ضرورة فلعله معذور.
стр. 556
المجتهد المخطئ في الحكم
القسم الثالث: الذي اجتهد في طلب إصابة الحق ولكنه لم يصبه، فحكم باجتهاده، فهذا معذور، وهو الذي له أجر على اجتهاده، ويغفر خطؤه.
هذه أقسام من يحكم بغير ما أنزل الله.
عرفنا أن منها ما هو معصية، ومنها ما هو كفر، ومنها ما هو عذر.
سمعنا قصة قدامة بن مظعون في عهد عمر ﵁، كان قدامة وبعض المسلمين في الشام، والشام يكثر فيها صناعة الخمر، وكانوا في الشام وفي مصر يجلسون فيها يدعون إلى الله، ويعلمون من دخل في الإسلام، وكانوا يجالسون أولئك، فعند ذلك يرونهم يشربون الخمر، فـ قدامة واثنان معه شربوها، وتأولوا هذه الآية التي في سورة المائدة، لما ذكر الله تحريم الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] ، ثم قال بعد ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] فظنوا أن هذه باق حكمها فقالوا: نشربها ونتقي ونؤمن ونحسن ويغفر لنا، ولا يكون علينا حرج، فهذا تأويل منهم، فهم ظنوا أن شربها لا ينافي الإيمان فشربوها.
ولما وصل الخبر إلى عمر -وكان رجلاً غيوراً- أمر أن يجلدوا حتى ولو كانوا من مشاهير المسلمين، فجلدوا حد الخمر، ولكن سأل الأمير هناك وهو أبو عبيدة فقال: إن وقعوا فيها عن معصية فعليهم الجلد، وإن أصروا واعتقدوا أنها حلال مباحة فعليهم القتل؛ وذلك لأنهم أباحوا ما حرم الله، مع التصريح بتحريمها في الآية، فمن أباح شيئاً حرمه الله حتى ولو لم يتناوله فقد خالف النصوص، فيحكم بردته، ولكنهم تعللوا بأنهم شبه عليهم، وظنوا أن في هذه الآية دليلاً.
وقال عمر ﵁ لـ قدامة: (أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات وأحسنت ما شربتها) ، فالإيمان والعمل الصالح والتقوى والإحسان زواجر تزجر عن هذه المنكرات، ثم بين لهم أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربونها قبل التحريم، الذين قتلوا في غزوة أحد أو بدر أو غيرها قبل أن تحرم الخمر نزل فيهم لما قال المسلمون: كيف بفلان مات وهي في بطنه؟ قتل شهيداً وهو يشربها، كيف حالتهم؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] يعني: فيما قد طعموا، لم يقل: فيما سوف يطعمون، أو فيما يأكلون أو يشربون، بل قال: ((فيما طعموا)) فدل على أن المراد: في الشيء الذي قد طعموه قبل التحريم.
وحتى أنتم الذين نزل تحريمها وأنتم أحياء وكنتم تشربونها، ما قد طعمتموه قبل التحريم قد عفي عنه، فاستقبلوا وقتاً جديداً، وتوبوا إلى الله وأقلعوا عنها.
فالحاصل أن عمر ﵁ بين أنهم إن اعتقدوا أنها حلال فقد خالفوا النصوص، فهذا يعتبر ردة، وإن قالوا: بل هي حرام، ولكنا شربناها بتأويل، فهذه معصية لا تخرج من الملة، ولكن فيها حد الخمر الذي شرعه الله.
وبهذا يعرف أن من استحل الحرام المعروف من الدين بالضرورة فإنه يكفر، حتى ولو لم يفعله، فمن قال: الزنا حلال إذا كان الزانيان متراضيين، ولا حرج فيه؛ لأنه شيء من الإنسان، وقد بذلت المرأة نفسها، وقد بذل الرجل نفسه، فلا حرج عليهما فيما فعلا ولا إثم! نقول: هذا قد كفر، ولو لم يزنِ هو؛ وذلك لأنه أحل حراماً.
ومن قال مثلاً: الربا الذي ذكره الله في القرن مباح، ولا إثم فيه، كما حكى الله عن المشركين قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] نقول: يكفر ولولم يأكل الربا، ولو لم يتعامل به، إذا أباحه واستحله، وجعله مثل البيع، وجعله يجوز بالتراضي، ما دام أن المتعاقدين متراضيان؛ ويعتبر بذلك مرتداً، ففرق بين من فعل المعصية وهو يعرف أنها معصية، ولم يستحلها، وبين من فعلها وهو مستحل لها، أو استحلها ولو لم يفعلها؛ فإنه يكفر.
стр. 557
شرح العقيدة الطحاوية [٤٠]
الخوف والرجاء عبادتان قلبيتان عظيمتان، وقد ضل فيهما الخوارج والمعتزلة من جانب، والمرجئة من جانب آخر، وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
стр. 558
العقائد المختلفة في الخوف والرجاء
قال الشارح ﵀: [قوله: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم) .
وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ ﵀ في حق نفسه وفي حق غيره، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠] ومدح أهل الخوف فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَة رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧-٦١] .
وفي المسند والترمذي عن عائشة ﵂ قالت (قلت: يا رسول الله! ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) [المؤمنون:٦٠] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه) ، قال الحسن ﵁: عملوا -والله- بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً.
انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَة اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إتيانهم بهذه الطاعات! فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى] .
стр. 559
عقيدة أهل البدع في الخوف والرجاء
الرجاء: هو تعلق القلب برحمة الله.
والخوف: وجل القلب من عذاب الله.
وهنا طائفتان منحرفتان: طائفة المرجئة غلبوا جانب الرجاء، وقالوا: لا تضر الذنوب، ومهما كثرت المعاصي فإنها لا تضر، ما دام أن الإنسان مؤمن، لا يضر عندهم ذنب.
والطائفة الثانية غلبوا جانب الخوف، ويسمون: الوعيدية: وهم الخورج والمعتزلة الذين يخلدون أصحاب الكبائر في النار، ولا يجعلون لهم توبة، ويقولون: إنهم قد لا يوفقون للتوبة، وأنهم لا يخرجون من النار، فهؤلاء غلبوا جانب الخوف.
стр. 560
عقيدة أهل السنة في الخوف والرجاء
أهل السنة يأمرون بالجمع بين الخوف والرجاء، أي: أن على الإنسان أن يكون جامعاً بين الخوف والرجاء، فمن العلماء من يقول: عليك أن تسوي بينهما، وقرأت لبعضهم، أنه مثل المحبة والخوف والرجاء بطائرٍ، فقال: المحبة رأس الطائر، والخوف والرجاء جناحاه، فإذا قطع رأسه مات، وإذا قطع أحد جناحيه تحسر، وإذا كمل الجناحان والرأس تم الطيران، فهكذا تكون المحبة حاملة للإنسان على العبادات، الجناح الأول الذي هو الرجاء يحمله على البعد عن اليأس وعن القنوط، ويعلق قلبه برحمة ربه.
والجناح الثاني الذي هو الخوف يحمله على البعد عن الآثام، مبعداً له عن المعاصي وعن الذنوب وعن الإصرار عليها.
فإذا تذكر سعة رحمة الله ومغفرته وفضله وجوده وإحسانه، ومحبته للتائبين من عباده، ومغفرته للذنوب جميعاً برد قلبه، ورجا رحمة ربه.
وإذا قرأ الآيات التي فيها الخوف والعقاب والألم والغضب والنار وشديد البطش ونحو ذلك فزع من المعاصي وابتعد عنها، وتاب وأقلع، وحذر من عقوبتها، فهو دائماً يقرأ هذه وهذه، ولعل هذا هو السبب في أن الله يقرن بين الخوف والرجاء في كثير من الآيات، مثل قول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠] فالآية الأولى فيها الرحمة، حتى لا يغلب على العاصي اليأس، والآية الثانية فيها الخوف؛ حتى لا يغلب على قاسي القلب ونحوه التساهل بالمعاصي ونحوها، فخوفه يحمله على البعد عن السيئات، ورجاؤه يحمله على الإكثار من التوبة رجاء أن تقبل حسناته وأن تغفر سيئاته.
ومثله: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦] قوله: ((لذو مغفرة للناس على ظلمهم)) هذه في الرحمة، فلا تيئس من الرحمة ولا تقنط منها، وقوله: ((لشديد العقاب)) في عدم التساهل بالمعصية؛ فإن الله شديد العقاب.
ومثلها: الآية التي استشهد بها عمر ﵁ لما بلغه أن قدامة بن مظعون قد يئس، وانقطع رجاؤه، وظن أنه ليس له توبة، فكتب إليه الآية التي في أول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] جمع الله بين الأمرين: المغفرة، والعقاب.
فقال له عمر: (لا أدري أي ذنبيك أعظم: شربك للخمر أولاً، أو يأسك من روح الله) الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] فأنت إذا يئست فقد بلغت هذه الرتبة، فالإنسان بين هاتين المرتبتين: بين اليأس، وبين الأمن، فلا يكون آيساً ولا يكون آمناً، الآمن: هو أن يكثر من الذنوب وكأنه آمن، والله تعالى يقول: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] .
إذاً: المسلم يكون جامعاً بين الأمرين: بين الخوف، بحيث لا يعصي، وبين الأمن بحيث لا ييئس، الأمن الذي لا يوصله إلى التهاون بالمعاصي، يكون آمناً، ولكن ليس أمناً من مكر الله، ولكن آمنا بفضل الله، ويكون راجياً لرحمة الله.
الذين يقعون في كبائر ومعاص من زنا ومن سرقة ومن قتل ومن فواحش، كثير منهم إذا نصحته يقول: أنا قد عملت كذا وكذا، وقد شربت الخمور، وقد تركت الصلوات مدة طويلة، وقد قسا قلبي، وقد فعلت وفعلت أنا لا تقبل توبتي، ولا تعمني الرحمة، أنا مقدم على العذاب، أنا من أهل النار كائن ما كان.
فهذا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] هذا هو القنوط، وهو قطع الرجاء، كأنه يقول: ما دمت فعلت الذنوب والكبائر فلا تعمني الرحمة، ولا يصلني العفو، ولا تبلغني رحمة الله، أنا مقدم على النار، أنا آيس من الرحمة ونحو ذلك، يقوله بلسانه والله أعلم بما في قلبه، ولعل السبب: أنه ألف المعاصي، وشب ونشأ عليها، وصعب عليه تركها، فلأجل ذلك اعتذر بهذا العذر الذي هو أفسد من الفعل.
فهؤلاء لا شك أنهم قد وصلوا إلى هذه الرتبة الخطرة، وهي اليأس والقنوط، أو التساهل بالمعاصي، حتى اعتقدوا أنهم مقدمون على النار، جازمون بأنهم من أهل النار.
وهناك طائفة أخرى تجدهم يكثرون من المعاصي، ويكبون عليها، وإذا نصحتهم تعلقوا بالرحمة، وقالوا: رحمة الله واسعة، الله يغفر الذنوب جميعاً، الله وسعت رحمته كل شيء، الله غفور رحيم، ويتعلقون بالرحمة، فهؤلاء آمنون، دخلوا في قول الله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] فتجد أحدهم يترك العبادات، ويقترف المحرمات، ويكثر من السيئات، ولا يهاب الإقدام عليها، ويتعلق بالرحمة، فمثل هذا على طريقة المرجئة، الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، ويقول أحدهم: فكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم لا شك أن مثل هذا قد أمن مكر الله، وتهاون بعقوبة الله، ونقول له: لا تأمن أن يأتيك الأجل وأنت على هذا التفريط، وأنت متساهل بحدود الله وبحقوقه، لا تأمن أن هذه المعاصي تطمس قلبك وتقسيه وتحول بينه وبين المعرفة، وتحول بينه وبين التلذذ بالطاعة؛ فتبقى طريداً شريداً والعياذ بالله! إذا أتاك الأجل وأنت على هذه الذنوب مصر عليها فماذا تكون حيلتك؟ هل لك استطاعة في الصبر على النار؟ هل تصبر على عذاب الله ولو لحظة؟ حتى نار الدنيا لو عذبت بها ماذا يكون صبرك في نار الدنيا؟ فكيف بنار الآخرة؟! تذكر أنه قد يعذبك حيث استهنت بحقوقه وبحدوده، وأقدمت على هذه المعاصي، وتهاونت بنظر الله ، وتهاونت بعقابه، فلا تأمن أن يعاقبك على هذا، ولو كنت موحداً ولو كنت مؤمناً ونحو ذلك، لا تتهاون بحدود الله ولا بعقابه.
وعلى كل حال: فقد ظهر لنا ذم هاتين الطريقتين:- طريقة المرجئة: الذين يبيحون المعاصي ويكثرون منها ويحلونها، ويغلبون جانب الرجاء.
وطريقة الخوارج والمعتزلة: الذين يكفرون بالذنوب، ويحرمون العاصي من المغفرة في الآخرة، ونحو ذلك.
الطريقة الوسط بينهما: هي أن يكون المسلم خائفاً راجياً، كما جمع الله بينهما في هذه الآية التي في سورة الإسراء، وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] (يرجون) (يخافون) فجمعوا بين رجاء الرحمة حتى تبرد قلوبهم عن اليأس، وخوف العذاب حتى لا يأمنوا من مكر الله، حتى يحملهم الرجاء على إحسان الظن بالله، ويحملهم الخوف على الحذر من سخط الله، وعن البعد عن معاصيه من صغائر وكبائر، ويحملهم على الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله، هذا وجه الجمع بين الخوف والرجاء.
стр. 561
عقيدة المسلم في الخوف والرجاء في حق نفسه وغيره
من عقيدة المسلمين الخوف والرجاء؛ الخوف من عذاب الله، والرجاء برحمة الله، ونتيجة هذا أن الإنسان لا يأمن من عذاب الله ومن مكره، ولا ييئس من روح الله ولا يقنط من رحمته، بل يجمع بينهما، ويكون ذلك في نفسه وكذلك في غيره، ففي نفسه يخاف، يقول: إنني مذنب، وإنني مقصر، وأخاف على نفسي من عذاب الله، وأخاف من مقته، ولكن لا يحمله هذا الخوف على القنوط، بل يضيف إلى الخوف الرجاء.
وقد ذكر العلماء أنه في حالة الصحة يغلب جانب الخوف؛ حتى يدفعه إلى استقلال أعماله فيستكثر ويتوب، وأما عند الاحتضار وفي حالة المرض فالأولى أن يغلب جانب الرجاء، ورد في حديث: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) رجاء أنه إذا مات وهو على تلك الحال أن يتغشاه الله برحمته، ويصدق عليه الحديث: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) ، فإذا مات وهو على ذلك رجي له أن يعمه الله تعالى برحمته.
هذا بالنسبة إلى الإنسان في نفسه، يكون خائفاً راجياً، يحمله الخوف على أن يحتقر أعماله، ويحمله الرجاء على أن يعلق قلبه بربه، وعلى ألا ينقطع رجاؤه، ولا يقنط من رحمته.
كذلك في حق غيره، تخاف عليه وترجو له، فتقول: فلان توفي وهو على الإسلام، نخاف عليه من العذاب، ونرجو له الثواب، أو نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.
فالمحسنون الذين يظهر من أعمالهم الصالحة أنهم من أهل الخير، ترجو لهم الثواب، وترجو لهم الجنة، وترجو لهم المغفرة، وتأمل أن يكونوا من أهل الخير، وأن يكونوا من أهل الطواعية، وأن يحظوا بالثواب.
والمسيئون الذين ماتوا وهم على إساءة، أو باقون وهم على إساءتهم وعلى سيئاتهم، تقول: نخشى عليهم أن يقعوا في العذاب، أو أن يدركهم عذاب الله ونقمته.
ذكر ذلك العلماء حتى في كتب الأحكام، في آخر الجنائز من كتب الفقهاء يقولون: نرجو للمحسنين الذين ماتوا وهم من أهل الإيمان والإحسان، نرجو لهم الخير، ولكن لا نجزم بأنهم من أهل الجنة، ولكن نرجو ونغلب جانب الرجاء، ونخاف على المسيئين الذين ماتوا وهو مصرون على بعض السيئات، أو من أهل الإساءة ومن أهل التقصير في الأعمال نخاف عليهم، ولكن لا نجزم لهم بالنار، ولا نجزم لهم بدخول العذاب، وإنما نخشى عليهم.
وأما الذين قد ستروا أنفسهم، ولم يظهر لنا منهم هذا وهذا، ولكنهم في الظاهر مسلمون، ومن أهل السنة ومن أهل الخير، فهؤلاء لا يجوز أن نظن بهم ظناً سيئاً، بل يستحب أن يظن بهم الظن الحسن، يستحب أن يحسن الظن بالمسلم الذي ظاهره الإسلام، ولم يبدُ لنا منه ما يوجب سوء الظن، فنقول: نحسن الظن به، ونرجو له الخير في حياته وبعد مماته.
стр. 562
الجمع بين الخوف والرجاء
المسلم يجمع بين الخوف والرجاء، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها الأدلة التي فيها أن الإنسان دائماً يكون خائفاً راجياً، منها: أن الله كلما ذكر الجنة ذكر النار، كلما ذكر عذابه ذكر ثوابه، مثل قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣-١٤] آيتان متتابعتان، ذكر النعيم حتى يرجو المسلم، ويدفعه الرجاء على الطلب، ثم ذكر بعده الجحيم حتى يخشى وحتى يخاف، ويدفعه الخوف على الابتعاد عن أسباب دخول الجحيم، وهكذا في الكثير من السور، كلما ذكر الله أهل الجنة ذكر أهل النار، أو بالعكس، مثل قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ:٢١] ، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ:٣١] ، ومثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات:٣٧-٣٨] قال بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] كثيراً ما يذكر الله تعالى ثواب هؤلاء، وعقاب هؤلاء؛ ليكون المؤمن خائفاً راجياً، سواء في نفسه، أو في بني جنسه.
стр. 563
متعلقات الخوف
الخوف يتعلق بالخوف من بطش الله وعذابه، إذا قيل: خفِ الله، ألا تخاف الله؟ قد تقول: كيف أخافه؟ فيقال: تخاف من أن يغضب، تخاف من أن يعاقب، تخاف من أن يبطش بك، فإنه شديد العقاب لمن عصاه، ولمن خرج عن طاعته.
قد يتعلق الخوف بالعذاب، فيقال: أما تخاف العذاب؟ أما تخاف النار؟ أما تخاف عقاب الله؟ قد يتعلق الخوف بالأهوال، فيقال مثلاً: أما تخاف أهوال القيامة؟ أما تخاف هول المطلع؟ الكل بمعنى واحد، إذا قيل: خف الله، وخف النار، وخف هول المطلع، النتيجة واحدة، وهي: أن من خاف فإنه يهتم لما خاف منه، ويبتعد عنه.
وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً للخوف بالخوف الحسي في الدنيا، في حديث عنه ﷺ أنه قال: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) وهذا قلنا: إنه مثل حسي، يعني: أن الخوف في الدنيا قد يكون خوفاً حسياً، مثلاً: إنسان سافر وحده على قدميه، وضرب طريقاً بعيداً، وهذا الطريق فيه مخاوف، فيه قطاع طريق، وفيه سباع، وفيه هوام، وهو وحده، وليس معه أسلحة يدفع بها هؤلاء القطاع، فماذا يفعل؟ لا شك أنه في حالة سيره يكون حذراً غاية الحذر، ولا شك أنه يسير في الوقت الذي يهدأ الناس فيه، ويغفلون فيه، يتحين الوقت الذي يكون قطاع الطريق فيه غافلين أو نائمين أو مشتغلين بحاجتهم، أو نحو ذلك، فلذلك قال: (من خاف أدلج -الدلجة: هي السير بالليل- ومن أدلج بلغ المنزل) .
في القديم كان الإنسان يقطع المسافات الطويلة على الأرجل وعلى الرواحل في أيام، لكن مع وجود الخوف في الطريق فإنه يسير في الليل خمس ساعات أو عشر ساعات في غفلة الناس، وإذا جاء النهار كمن واختفى حتى يظلم الليل عليه، حتى لا يتعرض له أحد، يمضي عليه يومان أو ثلاثة أيام وإذا هو قد قطع هذه المسافة حتى يبلغ منزله الذي قصده (ومن أدلج بلغ المنزل) .
كذلك أيضاً: من خاف من الله تعالى فإنه يهرب من أسباب عذابه، من خاف من النار هرب منها، من خاف من عذاب الله هرب من أسبابه، كما أن من رجا شيئاً طلبه.
стр. 564
علامة الخوف والرجاء
الرجاء الصادق له علامة، وهي: صدق الطلب وصدق المواصلة، فإذا قلت لإنسان: أما ترجو ربك؟ فيقول: أنا أرجوه، ألا ترجو رحمة الله؟ ألا ترجو ثوابه وجنته؟ فيقول: بلى، أنا راجٍ له.
لابد أن تقول له: أين علامة الرجاء؟ علامة صدق الرجاء: هو الطلب، من رجا شيئاً طلبه، إذا كنت ترجو الجنة فلابد أن تبذل لها ثمناً، وثمنها هو الحسنات والأعمال الصالحة، فأما من يقول: أنا أرجو ثواب الله وأرجو رحمته وأرجو جنته، ولكنه لا يقدم لها ثمناً، فإنه لا تحصل له هذه الجنة، فهي غالية، ليست رخيصة، ولابد لها من ثمن.
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان كذلك نقول لمن يقول: إني أخاف النار، نقول له: أما تخاف النار؟ فإن قال: بلى؛ أخاف النار، نقول له: أين علامة الخوف؟ لابد للخوف من علامة، فعلامة ذلك: أن تهرب من أسباب دخولها، وهي السيئات، وتبتعد عنها، فإذا ابتعدت عن السيئات، وتركت المخالفات، ولازمت الطاعات حق الملازمة، يصدق عليك أنك من الخائفين حقاً، فإذا قلت: أنا خائف من العذاب، وأنت مع ذلك تكثر من الذنوب، وتكثر من السيئات، ولا تخاف من عاقبتها، فلست بصادق حينئذٍ.
تذكر -عبد الله! - أن الجنة قد أخرج منها أبونا آدم بذنب واحد، قال بعض السلف: (آدم أخرج من الجنة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها، وترجون بها دخول الجنة!) .
وقال في ذلك بعضهم: يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهد للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدم منها إلى الدنيا بذنب واحد لا شك أن الخوف قليل في قلوبنا، وكذلك الرجاء غير محقق في صدورنا، والله المستعان!
стр. 565
حقيقة الرجاء ومتعلقاته
قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَة اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] .
فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات، فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى، وشرعه وقدرته وثوابه وكرامته.
ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع وتعاهد الأرض؛ لعده الناس من أسفه السفهاء، وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام وأمثال ذلك.
فكذلك من حسن ظنه، وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئاً، استلزم رجاؤه أموراً: أحدها: محبة ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.
وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني، والرجاء شيء والأماني شيء آخر.
فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فالمشرك لا ترجى له المغفرة؛ لأن الله نفى عنه المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.
وفي معجم الطبراني: (الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو: مظالم العباد بعضهم بعضاً، وديوان لا يعبأ الله به، وهو: ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه) .
وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ ﵀: (وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون) , ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره] .
سمعنا أن الرجاء هو محبة الشيء وطلبه، وترك أضداده، أو ترك ما يعوق عنه.
أما متعلق الرجاء، فإنه قد يتعلق بالله تعالى، وقد يتعلق بثوابه، وقد يتعلق ببعض خلقه، فيقال مثلاً: أنت ترجو ربك.
ويقال: هذا يرجو رحمة الله.
ويقال: هذا يرجو الجنة، رجاء الشيء محبته والأمل في أن يحصل له.
سمعنا أنه لابد لمن رجا أن يعمل، وضرب الشارح لذلك أمثلة، قال: لو كان إنسان له أرض وأهملها، وقال: أنا أرجو أن يكون لها ثمرة، وأن يكون لها بذرة، مثل الذي حرث أرضه أو غرسها أو بنى فيها.
فهل يكون هذا محقاً؟ يقول الشارح: لعده الناس سفيهاً، كيف ترجو ثمرتها وقد أهملتها؟! إذا كنت ترجو منها ثمراً، إذا كنت ترجو منها غلة فلابد أن تفعل السبب الذي تحصل منه الغلة، وهو الحرث والسقي والغرس والإصلاح أو البناء والحفر وما أشبه ذلك.
والأمثلة الأخرى أيضاً واضحة، يقول: كيف يرجو الإنسان الولد وهو لم يتزوج؟! أو نقول في الأشياء المحسوسة: كيف يرجو الشبع وهو لم يتناول طعاماً، أو الري وهو لم يشرب شراباً يدفع به الظمأ، أو الرزق وهو لم يطلبه ويفعل أسبابه؟! فهكذا الذي يرجو السعادة لابد أن يفعل أسبابها، والذي يرجو الجنة يبذل ثمنها، والذي يرجو رحمة الله تعالى ويرجو ثوابه يعمل سبباً يحصل به على ما رجاه، هذا ما يتعلق بالرجاء.
следующие страницы →