← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عقيدة المسلم في الخوف والرجاء في حق نفسه وغيره من عقيدة المسلمين الخوف والرجاء؛ الخوف من عذاب الله، والرجاء برحمة الله، ونتيجة هذا أن الإنسان لا يأمن من عذاب الله ومن مكره، ولا ييئس من روح الله ولا يقنط من رحمته، بل يجمع بينهما، ويكون ذلك في نفسه وكذلك في غيره، ففي نفسه يخاف، يقول: إنني مذنب، وإنني مقصر، وأخاف على نفسي من عذاب الله، وأخاف من مقته، ولكن لا يحمله هذا الخوف على القنوط، بل يضيف إلى الخوف الرجاء. وقد ذكر العلماء أنه في حالة الصحة يغلب جانب الخوف؛ حتى يدفعه إلى استقلال أعماله فيستكثر ويتوب، وأما عند الاحتضار وفي حالة المرض فالأولى أن يغلب جانب الرجاء، ورد في حديث: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) رجاء أنه إذا مات وهو على تلك الحال أن يتغشاه الله برحمته، ويصدق عليه الحديث: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) ، فإذا مات وهو على ذلك رجي له أن يعمه الله تعالى برحمته. هذا بالنسبة إلى الإنسان في نفسه، يكون خائفاً راجياً، يحمله الخوف على أن يحتقر أعماله، ويحمله الرجاء على أن يعلق قلبه بربه، وعلى ألا ينقطع رجاؤه، ولا يقنط من رحمته. كذلك في حق غيره، تخاف عليه وترجو له، فتقول: فلان توفي وهو على الإسلام، نخاف عليه من العذاب، ونرجو له الثواب، أو نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين. فالمحسنون الذين يظهر من أعمالهم الصالحة أنهم من أهل الخير، ترجو لهم الثواب، وترجو لهم الجنة، وترجو لهم المغفرة، وتأمل أن يكونوا من أهل الخير، وأن يكونوا من أهل الطواعية، وأن يحظوا بالثواب. والمسيئون الذين ماتوا وهم على إساءة، أو باقون وهم على إساءتهم وعلى سيئاتهم، تقول: نخشى عليهم أن يقعوا في العذاب، أو أن يدركهم عذاب الله ونقمته. ذكر ذلك العلماء حتى في كتب الأحكام، في آخر الجنائز من كتب الفقهاء يقولون: نرجو للمحسنين الذين ماتوا وهم من أهل الإيمان والإحسان، نرجو لهم الخير، ولكن لا نجزم بأنهم من أهل الجنة، ولكن نرجو ونغلب جانب الرجاء، ونخاف على المسيئين الذين ماتوا وهو مصرون على بعض السيئات، أو من أهل الإساءة ومن أهل التقصير في الأعمال نخاف عليهم، ولكن لا نجزم لهم بالنار، ولا نجزم لهم بدخول العذاب، وإنما نخشى عليهم. وأما الذين قد ستروا أنفسهم، ولم يظهر لنا منهم هذا وهذا، ولكنهم في الظاهر مسلمون، ومن أهل السنة ومن أهل الخير، فهؤلاء لا يجوز أن نظن بهم ظناً سيئاً، بل يستحب أن يظن بهم الظن الحسن، يستحب أن يحسن الظن بالمسلم الذي ظاهره الإسلام، ولم يبدُ لنا منه ما يوجب سوء الظن، فنقول: نحسن الظن به، ونرجو له الخير في حياته وبعد مماته.

стр. 562

الجمع بين الخوف والرجاء المسلم يجمع بين الخوف والرجاء، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها الأدلة التي فيها أن الإنسان دائماً يكون خائفاً راجياً، منها: أن الله كلما ذكر الجنة ذكر النار، كلما ذكر عذابه ذكر ثوابه، مثل قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣-١٤] آيتان متتابعتان، ذكر النعيم حتى يرجو المسلم، ويدفعه الرجاء على الطلب، ثم ذكر بعده الجحيم حتى يخشى وحتى يخاف، ويدفعه الخوف على الابتعاد عن أسباب دخول الجحيم، وهكذا في الكثير من السور، كلما ذكر الله أهل الجنة ذكر أهل النار، أو بالعكس، مثل قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ:٢١] ، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ:٣١] ، ومثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات:٣٧-٣٨] قال بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] كثيراً ما يذكر الله تعالى ثواب هؤلاء، وعقاب هؤلاء؛ ليكون المؤمن خائفاً راجياً، سواء في نفسه، أو في بني جنسه.

стр. 563

متعلقات الخوف الخوف يتعلق بالخوف من بطش الله وعذابه، إذا قيل: خفِ الله، ألا تخاف الله؟ قد تقول: كيف أخافه؟ فيقال: تخاف من أن يغضب، تخاف من أن يعاقب، تخاف من أن يبطش بك، فإنه شديد العقاب لمن عصاه، ولمن خرج عن طاعته. قد يتعلق الخوف بالعذاب، فيقال: أما تخاف العذاب؟ أما تخاف النار؟ أما تخاف عقاب الله؟ قد يتعلق الخوف بالأهوال، فيقال مثلاً: أما تخاف أهوال القيامة؟ أما تخاف هول المطلع؟ الكل بمعنى واحد، إذا قيل: خف الله، وخف النار، وخف هول المطلع، النتيجة واحدة، وهي: أن من خاف فإنه يهتم لما خاف منه، ويبتعد عنه. وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً للخوف بالخوف الحسي في الدنيا، في حديث عنه ﷺ أنه قال: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) وهذا قلنا: إنه مثل حسي، يعني: أن الخوف في الدنيا قد يكون خوفاً حسياً، مثلاً: إنسان سافر وحده على قدميه، وضرب طريقاً بعيداً، وهذا الطريق فيه مخاوف، فيه قطاع طريق، وفيه سباع، وفيه هوام، وهو وحده، وليس معه أسلحة يدفع بها هؤلاء القطاع، فماذا يفعل؟ لا شك أنه في حالة سيره يكون حذراً غاية الحذر، ولا شك أنه يسير في الوقت الذي يهدأ الناس فيه، ويغفلون فيه، يتحين الوقت الذي يكون قطاع الطريق فيه غافلين أو نائمين أو مشتغلين بحاجتهم، أو نحو ذلك، فلذلك قال: (من خاف أدلج -الدلجة: هي السير بالليل- ومن أدلج بلغ المنزل) . في القديم كان الإنسان يقطع المسافات الطويلة على الأرجل وعلى الرواحل في أيام، لكن مع وجود الخوف في الطريق فإنه يسير في الليل خمس ساعات أو عشر ساعات في غفلة الناس، وإذا جاء النهار كمن واختفى حتى يظلم الليل عليه، حتى لا يتعرض له أحد، يمضي عليه يومان أو ثلاثة أيام وإذا هو قد قطع هذه المسافة حتى يبلغ منزله الذي قصده (ومن أدلج بلغ المنزل) . كذلك أيضاً: من خاف من الله تعالى فإنه يهرب من أسباب عذابه، من خاف من النار هرب منها، من خاف من عذاب الله هرب من أسبابه، كما أن من رجا شيئاً طلبه.

стр. 564

علامة الخوف والرجاء الرجاء الصادق له علامة، وهي: صدق الطلب وصدق المواصلة، فإذا قلت لإنسان: أما ترجو ربك؟ فيقول: أنا أرجوه، ألا ترجو رحمة الله؟ ألا ترجو ثوابه وجنته؟ فيقول: بلى، أنا راجٍ له. لابد أن تقول له: أين علامة الرجاء؟ علامة صدق الرجاء: هو الطلب، من رجا شيئاً طلبه، إذا كنت ترجو الجنة فلابد أن تبذل لها ثمناً، وثمنها هو الحسنات والأعمال الصالحة، فأما من يقول: أنا أرجو ثواب الله وأرجو رحمته وأرجو جنته، ولكنه لا يقدم لها ثمناً، فإنه لا تحصل له هذه الجنة، فهي غالية، ليست رخيصة، ولابد لها من ثمن. يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان كذلك نقول لمن يقول: إني أخاف النار، نقول له: أما تخاف النار؟ فإن قال: بلى؛ أخاف النار، نقول له: أين علامة الخوف؟ لابد للخوف من علامة، فعلامة ذلك: أن تهرب من أسباب دخولها، وهي السيئات، وتبتعد عنها، فإذا ابتعدت عن السيئات، وتركت المخالفات، ولازمت الطاعات حق الملازمة، يصدق عليك أنك من الخائفين حقاً، فإذا قلت: أنا خائف من العذاب، وأنت مع ذلك تكثر من الذنوب، وتكثر من السيئات، ولا تخاف من عاقبتها، فلست بصادق حينئذٍ. تذكر -عبد الله! - أن الجنة قد أخرج منها أبونا آدم بذنب واحد، قال بعض السلف: (آدم أخرج من الجنة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها، وترجون بها دخول الجنة!) . وقال في ذلك بعضهم: يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهد للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدم منها إلى الدنيا بذنب واحد لا شك أن الخوف قليل في قلوبنا، وكذلك الرجاء غير محقق في صدورنا، والله المستعان!

стр. 565

حقيقة الرجاء ومتعلقاته قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَة اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] . فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات، فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى، وشرعه وقدرته وثوابه وكرامته. ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع وتعاهد الأرض؛ لعده الناس من أسفه السفهاء، وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام وأمثال ذلك. فكذلك من حسن ظنه، وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئاً، استلزم رجاؤه أموراً: أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني، والرجاء شيء والأماني شيء آخر. فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فالمشرك لا ترجى له المغفرة؛ لأن الله نفى عنه المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وفي معجم الطبراني: (الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو: مظالم العباد بعضهم بعضاً، وديوان لا يعبأ الله به، وهو: ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه) . وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ ﵀: (وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون) , ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره] . سمعنا أن الرجاء هو محبة الشيء وطلبه، وترك أضداده، أو ترك ما يعوق عنه. أما متعلق الرجاء، فإنه قد يتعلق بالله تعالى، وقد يتعلق بثوابه، وقد يتعلق ببعض خلقه، فيقال مثلاً: أنت ترجو ربك. ويقال: هذا يرجو رحمة الله. ويقال: هذا يرجو الجنة، رجاء الشيء محبته والأمل في أن يحصل له. سمعنا أنه لابد لمن رجا أن يعمل، وضرب الشارح لذلك أمثلة، قال: لو كان إنسان له أرض وأهملها، وقال: أنا أرجو أن يكون لها ثمرة، وأن يكون لها بذرة، مثل الذي حرث أرضه أو غرسها أو بنى فيها. فهل يكون هذا محقاً؟ يقول الشارح: لعده الناس سفيهاً، كيف ترجو ثمرتها وقد أهملتها؟! إذا كنت ترجو منها ثمراً، إذا كنت ترجو منها غلة فلابد أن تفعل السبب الذي تحصل منه الغلة، وهو الحرث والسقي والغرس والإصلاح أو البناء والحفر وما أشبه ذلك. والأمثلة الأخرى أيضاً واضحة، يقول: كيف يرجو الإنسان الولد وهو لم يتزوج؟! أو نقول في الأشياء المحسوسة: كيف يرجو الشبع وهو لم يتناول طعاماً، أو الري وهو لم يشرب شراباً يدفع به الظمأ، أو الرزق وهو لم يطلبه ويفعل أسبابه؟! فهكذا الذي يرجو السعادة لابد أن يفعل أسبابها، والذي يرجو الجنة يبذل ثمنها، والذي يرجو رحمة الله تعالى ويرجو ثوابه يعمل سبباً يحصل به على ما رجاه، هذا ما يتعلق بالرجاء.

стр. 566

أسباب الخوف مؤلف المتن ذكر الخوف والرجاء، وأن الخوف على من فعل كبيرة، فنخاف على أهل الكبائر، نخاف عليهم إذا ماتوا وهم على كبائرهم، وكذلك يخاف الإنسان من عقاب الله، إذا كان قد فعل ذنباً، وهذا الخوف يحمله على ترك ذلك الذنب، سواء كان كبيراً أو صغيراً، ومعلوم أن الخوف هو الوجل والفزع الذي يحمله على أن يترك هذا الذنب ويتوب منه ويقلع عنه، ولا يعود إليه، فإذا كان كذلك فهو خوف صادق. والذنوب التي تسبب العذاب وتوجبه كالشرك، أو تسببه ولا توجبه وهي ما دون الشرك، والذي دون الشرك من الذنوب هي إما صغائر وإما كبائر، والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة؛ وذلك لأن من تهاون بذنب ولو كان صغيراً وأصر واستمر عليه، دل إصراره وتهاونه به على احتقاره للذنوب، ومن احتقر الذنوب أصبحت في نفسه عظيمة، وكونها تصبح عظيمة لا يبقى لها في قلبه قدر، فيتهاون بالذنوب، ويكثر من فعلها، وتتراكم عليه وتهلكه، كما ورد ذلك في الأحاديث. وأكبر الذنوب وأكبر الكبائر هو الشرك، وهو يوجب دخول النار؛ لأن الله ذكر أنه لا يغفره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] ، وفي الحديث أن الشرك لا يغفر، فجعل الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر وهو الشرك، صاحبه لابد أن يدخل النار بقدر شركه إن كان أصغر، أو يخلد فيها إن كان أكبر، وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه، تقصيره في حقوق نفسه، هذا يغفره الله ولا يحاسب العبد عليه، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو مظالم العباد فيما بينهم، فالقصاص فيها لا محالة، إذا كان الإنسان عنده مظالم للخلق فلابد أن تستوفى هذه المظالم في الدار الآخرة. والشاهد منه ذكره أكبر الظلم وهو الكفر والشرك، فإن الله سمى الشرك ظلماً حيث قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ، وسمى الكفر ظلماً في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] ؛ وذلك لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فالكافر وضع الإيمان في غير موضعه، والمشرك وضع العبادة في غير موضعها، فأصبح بذلك ظالماً، بل هو أعلى أنواع الظلم. نحن نخاف على المذنبين، ونرجو للمحسنين، ونخاف من عذاب الله، ونرجو ثوابه، فالمسلم يجمع بين الخوف والرجاء، فمن أسباب الخوف تذكر عظمة الله وهيبته وكبريائه، وهو أهل أن يخاف حق الخوف، ومن أسباب الخوف: تذكر العذاب الدنيوي، وما أحل الله بالعصاة، وما وقع بهم من المثلات، وذلك يسبب أن يخاف العباد من عذاب الله العاجل، الذي أنزله بمن كفر به وعصاه وبغى وتكبر. ومن الأسباب الدافعة له أو الداعية إليه: تذكر عذاب الآخرة، وأن عذاب النار شديد، وأن هول المطلع شديد، وأن عذاب الله في الآخرة أشد وأبقى، وذلك يدفع الإنسان إلى أن يخاف أشد الخوف. وقد مدح الله الذين يخافونه ويخشونه فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يعني: الذين يخشونه حق خشيته هم العارفون به، العالمون بأمره ونهيه، والعالمون بعقوبته وشدة بطشه، وقد أمر الله بأن نخشاه دون غيره في قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤] والخشية: شدة الخوف. وكذلك أمرنا أن نخافه وألا نخاف غيره، وأخبرنا بأن الشيطان يخوفنا بأعدائنا، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] الشيطان يخوف بأوليائه، يعني: يعظم أولياءه في نفوس المؤمنين، ويوقع في نفوسهم أن الكفار أهل قوة وأهل نجدة وأهل عدد وأهل معرفة وأهل خبرة، وعندهم وعندهم فاخشوهم وخافوهم، فعند ذلك يضعف خوف الله في قلب العبد، ويعظم خوفه من الإنسان، ولا شك أن هذا هو أعلى مقصد للشيطان؛ فلذلك قال: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي: يخوفكم أولياءه، (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ) . والأسباب التي تدفع إلى الخوف كثيرة، نكتفي منها بهذه.

стр. 567

أسباب الرجاء الأسباب التي تدفع إلى الرجاء: كون الإنسان يرجو رحمة الله، ويعلق قلبه بربه، ويثق بأنه سيعينه وينصره، وأنه سينجيه من كيد عدوه، ويثق بأنه سبحانه أهل أن يرحم عبده، وأن يتجاوز عن سيئاته. والأسباب في ذلك كثيرة، فمنها: تذكر واسع الرحمة؛ لأن من أسماء الله تعالى: الرحمن، الرحيم، وقد وصف نفسه بأنه أرحم الرحمين، ومقتضى هذه الرحمة أن يرحمهم وأن يعلق آمالهم برحمته، ولا ييئسوا من فضله ومن عطائه. ومن الأسباب التي تدفع العبد إلى أن يرجوه وحده: تذكر أنه سبحانه قد غفر للعباد المذنبين، وكفر عنهم السيئات، ومحا عنهم الزلات، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وهو واسع الفضل وواسع الرحمة، وقد خلق الرحمة مائة جزء، أنزل منها جزءاً يتراحم بها الخلق فيما بينهم، ويوم القيامة يكمل المائة فيرحم بها عباده، كل جزء منها طباق ما بين السماء والأرض. كذلك من الأسباب الدافعة للرجاء: أن يتذكر أن الله تعالى يغفر الذنوب لمن استغفره، ويفرح بتوبة التائب، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويقبل على عباده إذا أقبلوا إليه، وفي الحديث القدسي: (ومن تقرب إلى شبراً تقربت منه ذراعاً) وذلك كله دليل على أنه واسع الرحمة فيرجوه العباد. ومن الأسباب التي تدفع العبد إلى الرجاء: تذكره مضاعفة الله للحسنات، فإنه يضاعفها بأضعاف كثيرة، فالحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها، وقد أخبر النبي ﵊ بأن الله كتب على نفسه الرحمة، وأنه كتب كتاباً عنده على العرش: (إن رحمتي تغلب غضبي) . فهذه بعض الأسباب التي لأجلها يجمع العبد بين الخوف والرجاء، فرجاؤه يكون حاملاً له على تعلق قلبه بربه، وفعل الطاعات التي يستأهل بها لأن ينال واسع الرحمة والثواب، وخوفه يدفعه إلى الهرب عن المحرمات وعن المعاصي؛ حتى ينجو من أسباب العذاب، فإذا جمع بين الخوف والرجاء اعتدل أمره، وأصبح بذلك من المؤمنين، فلا أمن ولا يأس، الأمن: هو فعل المذنبين الذين يصرون على الذنوب ويأمنون، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، واليأس: هو قطع الرجاء، ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، بل الأمر بينهما. قد ذكرنا أنه يستحب في حال الصحة تغليب الخوف؛ حتى يحتقر أعماله فيكثر من الحسنات، وفي حالة المرض يغلب جانب الرجاء؛ حتى يفد ويقدم على ربه وهو يحسن الظن به، وبذلك يعمل الحسنات ويهرب من السيئات) .

стр. 568

شرح العقيدة الطحاوية [٤١] للذنوب مكفرات كثيرة في الدنيا والبرزخ والآخرة، وقد ذكرها أهل العلم بأدلتها من الكتاب والسنة.

стр. 569

مكفرات الذنوب قال الشارح ﵀: [وأيضاً: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فإن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة: السبب الأول: التوبة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٦٠] ، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة:١٦٠] وغيرها، والتوبة النصوح، وهي: الخالصة، لا يختص بها ذنب دون ذنب، ولكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة، حتى لو تاب من ذنب، وأصر على آخر لا تقبل؟ والصحيح أنها تقبل. وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها أم لابد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك، حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر مثلاً هل لا يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر أم لابد أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه، أو يتوب توبة عامة من كل ذنب؟ وهذا هو الأصح: أنه لابد من التوبة مع الإسلام، وكون التوبة سبباً لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها مما لا خلاف فيه بين الأمة، وليس شيء يكون سبباً لغفران جميع الذنوب إلا التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ، وهذا لمن تاب، ولهذا قال: ((لا تقنطوا)) ، وقال بعدها: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] الآية. السبب الثاني: الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ، ولكن الاستغفار تارة يذكر وحده، وتارة يقرن بالتوبة، فإن ذُكر وحده دخلت معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار، فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله. ونظير هذا: الفقير والمسكين، إذا ذكر أحد اللفظين شمل الآخر، وإذا ذكرا معاً، كان لكل منهما معنى، قال تعالى: ﴿فإِطْعَامُ عَشَرَة مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] ، ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] ، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] لا خلاف أن كل واحد من الاسمين في هذه الآيات لما أفرد شمل المقل والمعدم، ولما قرن أحدهما بالآخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] كان المراد بأحدهما المقل، والآخر المعدم، على خلاف فيه. وكذلك: الإثم والعدوان، والبر والتقوى، والفسوق والعصيان، ويقرب من هذا المعنى: الكفر والنفاق، فإن الكفر أعم، فإذا ذكر الكفر شمل النفاق، وإن ذكرا معاً، كان لكل منهما معنى. وكذلك الإيمان والإسلام، على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى] .

стр. 570

السبب الأول مما يمحو السيئات: التوبة لما ذكر الشارح أن الكفر والشرك أعظم الذنوب، وأنه لا يغفر، وذكر أيضاً الذنوب التي دونه، ذكر أن ذلك يغفر بأسباب، وهذه الأسباب أوصلها شيخ الإسلام إلى عشرة أسباب، وأغلبها خاصة بالمسلم، أما المشرك والكافر فلا يغفر له ولا ينفعه إلا السبب الأول وهو التوبة، فمن تاب من الكفر محي عنه الكفر، وإذا تاب من الشرك محي عنه ذنب الشرك، فالتوبة تجب ما قبلها، (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، وهذا السبب يعم جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، الكفر وما دون الكفر. إذا وفق الله العبد للتوبة وتاب فإسلامه يعتبر توبة، وندمه على كفره وعلى سيئاته يعتبر توبة، وعزمه وتصميمه على أنه لا يرجع إلى شيء من ذلك هو من شروط التوبة، وتركه للأعمال التي تاب منها يعتبر أيضاً من التوبة، وقد أطال العلماء الكلام على التوبة كما تكلم على ذلك ابن القيم ﵀ في أول كتابه: المدارج، فإنه جعله الباب الثاني، وأطال فيها إطالة تستدعيها هذه التوبة. وهل يشترط لمن تاب أن يتوب من الذنوب كلها أو يصح أن يتوب من ذنب وهو يعمل ذنباً؟ مثلاً: إذا أسلم الكافر، ودخل في الإسلام، ونطق بالشهادتين، وأتى بالأركان الخمسة، ولكن قال: أنا لا أصبر عن الخمر، أو لا أصبر على الزنا، واستمر على هذا الذنب، فهل يقبل منه إسلامه أم لا يقبل؟ الصحيح: أنه يقبل منه، ويكون كسائر المذنبين، ما دام أنه يوجد في المسلمين ومن يزني، ولا يخرجه ذلك عن كونه مسلماً، وإن كان ينقص إسلامه أو ينقص إيمانه. كذلك لو أن إنساناً تاب من الزنا ولم يتب من السرقة، قبلت توبته من هذه وعوقب على هذه، وهكذا بقية الذنوب، يصح أن يتوب من ذنب وإن كان معه ذنب آخر، فيقبل عمله في هذا، ويعاقب على الذنب الثاني. أما أدلة التوبة والترغيب فيها فهي كثيرة في القرآن، وقد ورد الأمر بها، وورد الترغيب فيها، وورد الحث عليها، وورد قبولها، وأن الله يفرح بها، وما أشبه ذلك.

стр. 571

السبب الثاني مما يمحو السيئات: الاستغفار الاستغفار مشتق من الغفر الذي هو الستر، غفر الشيء يعني: ستره، ومنه سمي المغفر الذي يلبسه المجاهد على رأسه يقيه من السلاح؛ لأنه يستر الرأس، فإذا قال العبد: أستغفر الله. معناه: أطلبه أن يستر ذنوبي ويمحو عني أثرها، إذا قال: اللهم اغفر لي. أي: امح عني السيئات، وكفرها عني، وأزل عني ما تلوثت به منها، هذا معنى: أستغفر الله، أي: أطلب المغفرة أو أطلب محو الذنب؛ وذلك أن الذنب يسبب للإنسان شيئاً من الأثر السيئ، كأنه يؤثر عليه أثراً معنوياً، ليس أثراً حسياً، فهو تلويث ووسخ وقذر وأذى، وإن كان نظيف الجسد ونظيف البدن ونظيف الثياب، لكنه قد تلبس بهذه الذنوب فأكسبته شيئاً من هذا الأذى، ومن هذا الوسخ والقذر، فهذا الاستغفار يمحوها، ويزيل أثر السيئات، فإذا قال: اغفر لي. أي: امح عني، واسترني من آثار هذه السيئات. ذكر الشارح أن الاستغفار مقارن للتوبة، لا يمكنه أن يكون تائباً إلا إذا كان مستغفراً، إذا قال: أستغفر الله. فمعناه: أطلبه أن يمحو عني ذنوبي، وإذا قال: رب! تب علي. فمعناه: اقبل مني توبتي. وكأن السائل راجع إلى الله بعد أن كان معرضاً، والمستغفر كأنه طالب من الله أن يزيل عنه أثر السيئات، فيكونان متلازمين، لا تكون توبة إلا ومعها استغفار، وذكر الشارح أنهما متقاربان، كل منهما يدخل في معنى الآخر، لو اشتغل إنسان بقوله: إني تائب إلى الله، رب تب علي، أنا تائب إليك، أتوب إلى الله، تبت إليك وأنا من المؤمنين، كفاه عن طلب الاستغفار، ولو قال إنسان مثلاً: رب اغفر لي، أسألك مغفرتك، أستغفر الله، غفرانك ربنا، وأكثر من طلب المغفرة، كفاه عن أن يقول: إني تائب. فالتوبة تقوم مقام الاستغفار، والاستغفار يقوم مقام التوبة، والجمع بينهما من باب التأكيد والتقوية؛ ولأجل ذلك كان ﷺ يجمع بينهما، ثبت عن ابن عمر قال: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: رب! اغفر لي وتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم) قوله: (رب اغفر لي) هذا استغفار، وقوله: (وتب علي) هذا توبة، أتى بهما معاً، مع أن أحدهما بمعنى الآخر؛ ولكن من باب التقوية ومن باب المعاهدة. وكان ﵊ يكثر من الاستغفار، مع أن الله قد غفر له وقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] وكان يعد الغفلة ذنباً فيتوب ويبادر، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إنه ليغان على قلبي -يعني: يغفل قلبي عن الذكر أحياناً- فأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) هذه توبة واستغفار من ترك الذكر، أو من الغفلة أحياناً، كيف بنا ونحن دائماً إلا ما شاء الله في غفلة، وفي سهو، وفي حديث نفس؟! أليس علينا أن نكثر من التوبة، وأن نكثر من الاستغفار؟ هذا هو الواجب. فهذان سببان عظيمان في حصول محو السيئات، وإزالة أثرها سواء كانت كبيرة أو صغيرة.

стр. 572

السبب الثالث مما يمحو السيئات: الحسنات قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [السبب الثالث: الحسنات؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فالويل لمن غلبت آحاده عشراته، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ، وقال ﷺ . (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) . السبب الرابع: المصائب الدنيوية، قال ﷺ : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه) ، وفي المسند: (أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] قال أبو بكر: يا رسول الله، نزلت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: يا أبا بكر! ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به) . فالمصائب نفسها مكفرة، وبالصبر عليها يثاب العبد، وبالسخط يأثم، والصبر والسخط أمر آخر غير المصيبة، فالمصيبة من فعل الله لا من فعل العبد، وهي جزاء من الله للعبد على ذنبه، ويكفر ذنبه بها، وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله، والصبر والسخط من فعله، وإن كان الثواب والأجر قد يحصل بغير عمل من العبد، بل هدية من الغير، أو فضل من الله من غير سبب، قال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠] ، فنفس المرض جزاء وكفارة لما تقدم. وكثيراً ما يفهم من الأجر غفران الذنوب، وليس ذلك مدلوله، وإنما يكون من لازمه. السبب الخامس: عذاب القبر. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. السبب السادس: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات. السبب السابع: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج، ونحو ذلك، ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. السبب الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده. السبب التاسع: ما ثبت في الصحيحين: (أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) . السبب العاشر: شفاعة الشافعين، كما تقدم عند ذكر الشفاعة وأقسامها. السبب الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه، فلابد من دخوله إلى الكير، ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه، فلا يبقى في النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، بل من قال: لا إله إلا الله، كما تقدم من حديث أنس ﵁. وإذا كان الأمر كذلك امتنع القطع لأحد معين من الأمة، غير من شهد له الرسول ﷺ بالجنة، ولكن نرجو للمحسنين، ونخاف عليهم] . هذه هي أسباب رحمة الله ومغفرته، ومحوه للسيئات، وإزالته لأثرها، تقدم السبب الأول وهو: التوبة النصوح، وأن التوبة تمحو الذنوب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وتقدم السبب الثاني وهو: الاستغفار، الذي هو طلب محو الذنوب وإزالة أثرها، وورد الأمر به في القرآن وفي الأحاديث. وابتدأ بالسبب الثالث هنا، وهو: الحسنات والأعمال الصالحة التي تمحو السيئات، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ، وسمعنا قول النبي ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ، فالحسنات لا شك أنها تزيل أثر السيئات، ولو كثرت السيئات؛ وذلك لأن الحسنات يضاعفها الله أضعافاً كثيرة، وأما السيئات فلا تضاعف، وإن كانت قد تعظم بسبب من الأسباب. ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أخبر بأن الحسنة تضاعف إلى عشر حسنات، يقول في الحديث: (إذا هم الإنسان بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإذا هم بها وعملها كتبت سيئة واحدة -زاد في رواية:- أو محاها، ولا يهلك على الله إلا هالك) . أخبر بأنه إذا هم بحسنة ولكن عاقه عائق فلم يعملها أثابه الله بنيته، وكتب همه حسنة، وإذا هم بسيئة فلم يعملها، بل تركها خوفاً من الله كتبها الله حسنة كاملة، وإذا عمل الحسنة فله عشر حسنات، وإذا عمل السيئة فله سيئة واحدة، فويل لمن غلبت آحاده عشراته، الذي تكثر سيئاته وهي واحدة واحدة، ثم تغلب حسناته التي هي عشرات، هذا هالك، ولا يهلك على الله إلا هالك. فإذا كان الإنسان قد وقع في ذنوب، فإنه يؤمر بأن يكثر من الحسنات حتى تمحو أثر تلك السيئات، هذا سبب من أسباب تكفير السيئات.

стр. 573

السبب الرابع مما يمحو السيئات: المصائب الواقعة للإنسان السبب الرابع: المصائب التي تصيب الإنسان في هذه الحياة، والأدلة على ذلك كثيرة، الله تعالى يسلط المصائب على الناس ليختبرهم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] يعني: نبتليكم بالمصائب حتى نطهركم، وحتى نختبر من يصبر ومن يجزع. وردت أدلة كثيرة تدل على أن الحسنات تزداد بالمصائب، والسيئات تمحى بالمصائب، فإذا صبر العبد على المصيبة كتب له بها حسنات، ومحي عنه بها سيئات، المصائب تعم المصائب في النفس وفي المال وفي الأولاد وفي الأقارب ونحو ذلك، فإذا أصاب الإنسان خوف أو مرض أو جوع أو فقد مال أو فقد ولد أو موت قريب، وحزن على ذلك، وأصابته هذه المصيبة، ولكنه علم أنها من الله؛ أثابه الله. قال علقمة في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] : (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم) . وقال ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) قوله: (عظم الجزاء) يعني: كثرة الجزاء، وقوله: (مع عظم البلاء) يعني: مع كثرة الابتلاء، ثم قال: (وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) ، وفي الحديث: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) . وسمعنا قوله ﷺ : (ما أصاب العبد من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب، حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفر الله بها من خطاياه) وهذا بشرط أن يعلم أنها من الله ويصبر. أما المصائب التي تصيب بعض الناس فيشتكي إلى الناس ويجزع ويصيح وينوح، فإن هذا يبطل أجره، ولهذا وردت الأدلة الكثيرة في بيان وجوب الصبر، والنهي عن الجزع.

стр. 574

السبب الخامس مما يمحو السيئات: ما يهدى للميت بعد موته السبب الخامس: ما يهدى إلى الميت بعد موته، بعد موته يهدي إليه المسلمون يدعون له، يتصدق عنه أقاربه أو أحبابه وأصحابه، فيصل إليه ثواب ذلك، فإنهم أولاً يصلون عليه، ويدعون له، ويترحمون عليه، ويهدي له أهله حسنات، ويستغفرون له، ويتصدقون عنه، ويوقفون له أعمالاً جارية، وما أشبه ذلك، فتكون أسباباً في مغفرة الذنب.

стр. 575

السبب السادس مما يمحو السيئات: عذاب القبر السبب السادس: عذاب القبر، قد يسلط الله عليه العذاب إذا كان عنده بقية ذنوب، فيكون ذلك سبباً في محوها، فتنة القبر، وعذاب القبر، وما فيه من الأهوال.

стр. 576

السبب السابع مما يمحو السيئات: أهوال يوم القيامة السبب السابع: أهوال يوم القيامة، ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والشدائد والفزع الأكبر، وذلك أيضاً مما يكفر الله به الخطايا، ويمحو به الذنوب ونحوها.

стр. 577

السبب الثامن مما يمحو السيئات: المقاصصة السبب الثامن: ورد في الحديث: (أن الناس إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعضهم لبعض مظالم كانت بينهم) ، فهذا أيضاً مما تكفر به السيئات عن العبد ويزال عنه أثرها.

стр. 578

السبب التاسع مما يمحو السيئات: شفاعة الشافعين السبب التاسع: أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى يشفع عباده الصالحين وأنبياءه في أهل السيئات، فيشفعون لهم، ويخرج الله من النار بشفاعتهم من قدر الله أنه تزيل عنه هذه الشفاعة أثر السيئات.

стр. 579

السبب العاشر مما يمحو السيئات: رحمة الله وعفوه بعباده السبب العاشر: رحمة الله ، وعفوه عن عبده، فإنه ورد في الحديث أن الله يقول: (شفعت الأنبياء، وشفعت الملائكة، وشفع الصالحون، ولم يبق إلا رب العالمين، فيخرج الله قبضة من النار لم يعملوا خيراً قط -يعني: من أهل التوحيد- فيدخلهم الجنة) . وعلى كل حال هذه الأسباب وغيرها يغلب العبد فيها جانب الرجاء، بحيث يعلم أن هذه من الأسباب التي يدفع الله بها العذاب، ويكفر بها السيئات.

стр. 580

السبب الحادي عشر مما يمحو السيئات: دخول النار بقدر الذنوب إذا لم تنفع هذه الأسباب، وبقي على العبد سيئات لم تكفر بهذه المكفرات كلها، فحينئذٍ لابد أن يدخل الكير حتى ينقى، فإن النار بمنزلة كير الحداد، الحداد إذا كان عنده حديدة فيها صدى، أو فيها مزيج تراب ونحوه ماذا يفعل بها؟ يدخلها النار حتى تذوب، فإذا ذابت تلك الحديدة طفا منها الحديد الخالص، أما التراب والصدى والخبث فإنه يرسب، ويتبين ما هو صالح وما ليس بصالح، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد:١٧] يوقدون النار على الذهب حتى يذوب، ويخلص ما هو ذهب وما هو نحاس، يتميز هذا من هذا في كير الحداد، ويوقد على هذا الحديد حتى يتميز ما هو حديد خالص وما ليس بخالص من التراب ونحوه، فكذلك النار التي أعدها الله للعذاب، يدخلها هذا الذي بقيت عليه سيئات وبقيت عليه ذنوب لم تكفرها هذه المكفرات، فإذا هذب ونقي، ولم يبق فيه إلا ما هو خالص، عند ذلك أذن الله بإخراجه، بعدما يمحص؛ لأن دار النعيم وهي الجنة دار طيبة، لا يدخلها إلا الطيب، لا يجاور الله فيها إلا من هو طيب، فالذي عنده شيء من الخبث لابد أن ينقى. وعلى كل حال فعقيدة أهل السنة أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد وأهل الإيمان، وأما من ليسوا بمؤمنين فإنهم يلحقون بالكفار، ومعلوم أن الإيمان هو تحقيق الإيمان بالأركان الستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. الإيمان بهذه الأركان الستة هو الذي يحمل على الأعمال الصالحة، ولكن هذا الإيمان قد يكون ضعيفاً فيقع معه شيء من المعاصي والمخالفات، ويقع صاحبه في شيء من التقصير وترك بعض الطاعات، فتتراكم عليه الذنوب، فيحتاج إلى ما يمحوها وما يكفرها، وقد يكون ضعفه كثيراً فيكثر تناوله للسيئات، وقد يكون ضعف الإيمان قليلاً فلا تكثر منه السيئات، فيمحوها ربه بالمكفرات، وقد يكون الإيمان قوياً راسخاً أرسخ من الجبال، فلا يقدم العبد على شيء من السيئات ولا من المخالفات، ولا يترك شيئاً من الواجبات، فهذا هو السبب. أما من فقد الإيمان بهذه الأمور، وضعف إيمانه بالله، أو لم يؤمن بالله إلهاً ورباً، وإنما أنكر أن يكون الله إلهه وربه، أو عبد إلهاً غيره أو نحو ذلك، أو لم يؤمن باليوم الآخر، ولم يصدق بالبعث، بل أنكر الدار الآخرة، وأنكر الجزاء والجنة والنار، وجعل الدنيا هي الدار التي ليس بعدها دار، وما أشبه ذلك، وكذلك إذا أنكر الشرع الشريف، وأنكر كتاب الله أو كتبه المنزلة، أو أنكر رسالة الرسل وما جاءوا به، أو لم يؤمن برسالتهم وبما جاءوا به، أو رد شيئاً من شرعهم ولم يقبله؛ فمثل هذا لا يكون مؤمناً؛ وذلك لأنه لم يثبت الإيمان في قلبه، فلا تنفع طاعات فعلها، ولا قربات تقرب بها، حيث إنها لم تكن على أصل، ولم تكن على أساس. إذاً: فهذه المكفرات التي هي أحد عشر أو اثنا عشر في حق أهل الإيمان وأهل العقيدة وأهل التوحيد، الذين قد يضعف توحيدهم بسبب من الأسباب، فأما من ليسوا من أهل العقيدة ولا من أهل الإيمان، بل من أهل الكفر والنفاق والشرك والمخالفات والإنكار للدار الآخرة، أو الإنكار للجزاء والحساب، أو الإنكار للشرائع أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء كفار لا تنفعهم أعمالهم، بل أعمالهم يحبطها الله كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، ولو أكثروا من الصدقات، ولو أكثروا من الحسنات وما أشبه ذلك، ما دام أنها ليست على أساس وأصل أصيل، وهو العقيدة الراسخة التي هي أركان الإيمان كما ذكرنا.

стр. 581

شرح العقيدة الطحاوية [٤٢] من عقائد أهل السنة أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقد خالف أهل السنة في هذا كثير من المبتدعة، وأيضاً خالفهم في هذا مرجئة الفقهاء، وقد رد أهل العلم عليهم بنصوص الكتاب والسنة، وبالنقول عن علماء سلف الأمة.

стр. 582

خطر الأمن من عذاب الله واليأس من رحمته قال الشارح ﵀: [قوله: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الاسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) . يجب أن يكون العبد خائفاً راجياً، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنباً ثم تاب منه إلى الله، فهو راج لمغفرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] . أما إذا كان الرجل متمادياً في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. قال: أبو علي الروذباري ﵀: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير، وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا، صار الطائر في حد الموت. وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ﴾ [الزمر:٩] ، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] ، فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً، وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله تعالى، فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. وقال صاحب منازل السائرين ﵀: الرجاء أضعف منازل المريد. وفي كلامه نظر، بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل المريد. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : يقول الله : (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) . وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) ، ولهذا قيل: إن العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه. وقال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. ولقد أحسن محمود الوراق في قوله: لو قد رأيت الصغير مَنْ عمل الخي ـر ثواباً عجبت من كبره أو قد رأيت الحقير من عمل الش ـر جزاءً أشفقت من حذره] . في هذا الكلام أن المسلم يجمع بين الخوف والرجاء، وأن هذه النصوص تدل على ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] جمع الله فيها بين الخوف والرجاء: يرجون، ويخافون. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] جمع الله فيها بين الخوف والطمع، والطمع هنا هو الرجاء. ويظهر ذلك في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] والحذر: هو الخوف، يعني يخاف عذاب الآخرة، ويرجو رحمة ربه ونحو ذلك من الأدلة التي تدل على أن المسلم يجمع بين الخوف والرجاء. وقد ذكرنا بعض الأسباب التي لأجلها يخاف المسلم، وبعض الأسباب التي لأجلها يرجو. وقد ذكر الله عن عباده هذه الصفات ليرغب فيها، وكثيراً ما يأمر الله عباده بالخوف منه، كقوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١] (فارهبون) يعني: خافوا عذابي. وتارة يعلق الخوف ببعض مخلوقاته، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:٢٤] يعني: خافوا من النار وابتعدوا منها، والنار من الأسباب التي تحمل العبد على الخوف إذا تذكرها.

стр. 583

الجمع بين الخوف والرجاء يجب على الإنسان أن يجمع بين الخوف والرجاء، فيجعل المحبة كرأس الطائر، والخوف والرجاء مثل الجناحين، فإذا كان الطائر قد استوى جناحاه، ورأسه موجود، ففيه حياة مستقرة، وطيرانه معتدل، وإذا قطع أحد جناحيه تعثر، وإذا قطع جناحاه فهو أقرب إلى الموت، وإذا قطع رأسه مات، فلابد أن هذه الخصال تجتمع في العبد وتستوي: المحبة، والخوف، والرجاء. المحبة: هي محبة الله لإنعامه على عبده، والخوف: خوفه من عذابه، والرجاء: تعلق قلبه بثوابه. فإذا عبد الله بالمحبة فقط دون أن يخافه فقد أخطأ كما يذكر ذلك عن بعض المتصوفة، وعن بعض غلاة الزهاد ونحوهم، أنهم يقولون: ما نعبد الله خوفاً من ناره، ولا رجاءً لجنته، ولكن نعبده محبة له، ويغالون في باب المحبة، وكأنهم أمنوا من العذاب، وكأنهم لم يكن لهم رغبة في الثواب، فهذه حال الصوفية، والحقيقة أن من يعبد الله بهذا فهو زنديق. من غلب جانب الخوف فإنه قد وقع في عقيدة الوعيدية الذين يغلبون جانب الوعيد، ومن هؤلاء الوعيدية الحرورية والمعتزلة، وسموا بذلك لأنهم يتمسكون بالأدلة التي فيها الوعيد فيحققونها؛ ولهذا يخلدون أصحاب الكبائر في النار كما تقدم مراراً. وأما من عبد الله مغلباً جانب الرجاء، فهذا يسمى مرجئاً، والمرجئة: هم الذين يتعلقون بالرحمة ولا يذكرون العذاب، فيرجون ولا يخافون عقابه، وهم على خطر.

стр. 584

الرد على من غلب جانب الرجاء لابد من الجمع بين الخوف والرجاء؛ لأجل ألا يكون هناك خوف شديد فيئول إلى القنوط، ولا رجاء منفرد فيئول إلى الأمن؛ لأن الله ذم الأمن في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] إذا رأيت -مثلاً- الذي يتمادى في العصيان، ويترك الطاعات، ويكثر من الذنوب، وقلت له: ألا تخاف الله؟! ألا تتقيه؟! ألا تخشاه؟! أين الخشية وأين الخوف وأين الرهبة من عذاب الله؟! فيتعلق بالرحمة ويقول: رحمة الله واسعة، الله أرحم الراحمين. ثم يتمادى في المعصية، تخوفه من عذاب الدنيا فيأمن، تخوفه من عذاب الآخرة فلا يخاف، فمن هذه حاله يُخاف عليه أن يكون من الذين أمنوا مكر الله أمنوا انتقامه أمنوا عذابه أمنوا بطشه الشديد أمنوا من أخذه لهم على غرة وغفلة، فيخاف عليهم أن يأتيهم أمر الله وهم على غرتهم وغفلتهم وسلوتهم؛ لأن سنة الله أنه ما أخذ قوماً إلا عند غرتهم، وقد أخبر النبي ﵊ بأن هذا إمهال وليس إهمالاً، يقول ﷺ : (إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلم أنه استدراج) وهذا مذكور في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢] فهم يغترون بإمهال الله، ويغترون بنعمه، ويغترون بعطائه لهم، فيأتيهم أمر الله وهم غافلون، وكذلك قال ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] ) ، وهذا الإمهال والتأخير ليس هو لأجل أنهم ليسوا بمذنبين، ولكن الله يؤخرهم إلى أجل، يقول بعضهم: أيحسب الظالم في ظلمه أهمله القادر أم أمهله فهم ما أهملوا، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً، لهم موعد لابد أن يأتي، وهذا في حق الذين يأمنون مكر الله، فيعملون السيئات ويكثرون منها، وهم آمنون مطمئنون، وكأنهم لم يعملوا سيئة.

стр. 585

الرد على من غلب جانب الخوف هناك قسم آخر قد قطعوا رجاءهم، وقطعوا طمعهم في الرحمة، واستسلموا للعذاب في نظرهم، ولا ندري هل هم صادقون أم هم مستهزئون؟ فإنك إذا جئت إلى بعض من عاش على السيئات والكفريات وترك القربات، ونصحته قائلاً: تب إلى الله، وأقبل عليه، واترك ما أنت عليه من التمادي في الغفلة، واترك الذنوب، وأكثر من الحسنات. فإنه يمتنع ويقول: أنا قد أذنبت، وقد كفرت، وقد أسأت، وقد ارتكبت من الخطايا كذا وكذا شربت الخمور زنيت قتلت أكلت الحرام فعلت وفعلت، فلا تنالني الرحمة، ولا حيلة لي فيها، ولست من أهلها، بل أنا من أهل النار. هكذا ينقل عن بعضهم. ولعل هؤلاء من الذين يستهترون بمن ينصحهم، ويتهاونون بنظر الله ، أو ينكرون أن يكون هناك عذاب دنيوي وعذاب أخروي، فيقولون هذه المقالة لرد ذلك الذي ينصحهم، ولعدم قناعتهم بما يقوله. فنقول: لا شك أن هذا كفر أو يئول إلى الكفر، وذلك هو اليأس، قال تعالى: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، هؤلاء قد يئسوا من الرحمة، وقطعوا رجاءهم، ووقعوا في القنوط، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] والقنوط هو: قطع الرجاء، فهم قد قطعوا رجاءهم كلياً من الرحمة، وكأنهم يقولون: لا تنالنا الرحمة، ولو كانت رحمة الله واسعة فذنوبنا أكبر من أن تنالها، وذنوبنا أكبر من أن تغفرها، قد كفرنا، وقد أسأنا، وقد أذنبنا، وقد ارتكبنا، وقد فعلنا وفعلنا، فذنوبنا كبيرة لا تصل إليها رحمة الله!! فيبقون على ما هم عليه من الكفر والضلال والفسوق والمعاصي، ويتمادون فيها، ويموتون وهم مصرون على ذلك، وكأنهم ممن يئسوا من الخير وقطعوا رجاءهم، فهؤلاء وقعوا في هذه المرتبة القبيحة التي هي اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله. وبكل حال: فإن المسلم ولو وقع فيما وقع فيه من المعاصي فإن الله تعالى يكفر عنه السيئات بالأسباب التي ذكرناها آنفاً، وإذا حقق العقيدة والتوحيد قبل الله منه، وتاب عليه، ورحمه وهو أرحم الراحمين، أما إذا تمادى في عصيانه فقد أقدم على العذاب والعياذ بالله.

стр. 586

من عقيدة أهل السنة الحكم على الإنسان بحسب ظاهره من عقيدة المسلمين أنهم يصفون إلإنسان بما يظهر منه، فإذا أظهر خيراً أحبوه، وإذا أظهر سوءاً أبغضوه، ومع ذلك فإنهم إنما يحكمون بالظاهر، وقد جاء عن عمر أنه قال: إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم بالظاهر، فمن أظهر لنا خيراً أحببناه وقربناه، ومن أظهر لنا سوءاً أبعدناه وأبغضناه، وليس لنا من أمره -أي: من باطن أمره- شيء، والله تعالى هو الذي يتولى السرائر. وبناءً على هذه القاعدة فإننا نحب المؤمنين الذين أظهروا لنا الخير ودانوا به، وأظهروا العمل الصالح وأظهروا السنة، وظهر لنا منهم أنهم من أهل الدين ومن أهل الصلاح، وعملوا لله بما يحبه الله وبما فرضه عليهم، فنحبهم، ونشهد لهم بالخير، سواء كانوا ممن أدركنا أو ممن سبقنا، فندعو لهم بالمغفرة والرحمة، كما وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، فوصفهم الله بأنهم يحبون من هاجر إليهم، ويحبون من سبقهم من المؤمنين، ويدعون لهم بالمغفرة والرحمة، ويدعون الله بأن ينزع من قلوبهم الغل والحقد والحسد والبغضاء والشنآن لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، فهذه صفة المؤمنين. وإذا كان كذلك فإنهم بضد ذلك في حق الفسقة والمشركين والمنافقين والمعاندين، فإذا رأوا أهل الفساد وأهل السوء وأهل المنكر أبغضوهم ومقتوهم، وعاملوهم بما يظهر منهم من السوء والفحش والكلام القبيح، وحذروا من فعلهم، ومقتوهم على هذا، ولو كانت قلوبهم نقية؛ فليس إليهم معرفة ما في القلوب. فأهل الفساد وأهل الشرور وأهل البدع إذا أظهروا بدعهم وأظهروا معاصيهم وأعلنوها؛ فإننا نبغضهم، ونمقتهم، ونحذرهم، ونحذر منهم، ويكون بغضنا لهم بغضاً في ذات الله، ولا نبغضهم لأجل أهوائنا، ولا لأجل مصالحنا، ولا لأجل أنهم تنقصونا أو عابونا أو ما أشبه ذلك، بل يكون الحامل لنا على بغضهم الغيرة لله، والغيرة على شريعته ودينه، والحماية لتعاليمه، ويكون من أثر هذا البغض وهذا المقت البعد عنهم، والحذر من شرهم ومن سوئهم، والتحذير من أن ينخدع أحد بدعاياتهم وبتضليلاتهم، وبمعاصيهم وفسوقهم الذي يدعون إليه والذي ينشرونه، والذي يظهرونه، ثم يزعمون أنهم على حق، وأن الصواب في جانبهم. وتقدم لنا أن من عقيدة أهل السنة أنهم يرجون النجاة لأهل الخير، ولا يجزمون لهم بالجنة، ويخافون على أهل الشر من العذاب، وإن لم يجزموا لهم بالنار، ولكن يكون من آثار معرفتهم أن هؤلاء من الصالحين، سواء أدركوهم أو سبقوهم، أنهم يحبونهم، ويحثون على مثل أعمالهم، وإن لم يشهدوا لهم بأنهم من أهل الجنة؛ لأنهم لا يعلمون ما في القلوب. كذلك من آثار معرفتهم لأهل المعاصي أنهم يحذرونهم ويحذرون منهم، وإن لم يشهدوا لهم بالنار، كما أنهم يخافون عليهم من عذاب الله، وإن لم يجزموا لهم بالعذاب، فهم إذا أنكروا عليهم ومقتوهم حذروا من شرهم، وحذروا من أفعالهم، وبينوا أخطاءهم، وقالوا: إنهم قد وقعوا في هذا الخطأ، فإياكم أن تساعدوهم على خطئهم، أو توافقوهم، أو تفعلوا كفعلهم؛ فينسب إليكم من الخطأ ما نسب إليهم أو ما وقعوا فيه. وهكذا طريقة أهل الخير: أنهم يحذرون من الشر ويحذِّرون منه.

стр. 587

الحكم على أهل العصيان يتفاوت بتفاوت معاصيهم الشرور والمعاصي والفتن تتفاوت، فمنها ما قد يوصل إلى الكفر والردة والخروج من الإسلام، كالاستهزاء بشعائر الله، والاستهزاء بأوامره، والسخرية من أهل الدين والتنقص لهم، فإذا ظهر هذا من أناس فإننا نبرأ منهم، بل ونضللهم، ونخشى أن يكونوا قد وقعوا فيما يخرج من الملة؛ وذلك لأن الله قد ذكر السخرية من أعمال الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] أي: ضحك استهزاء، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٣٠] . ويقول الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١٠٩-١١٠] أي: تستهزئون بهم وتتنقصونهم، فجعل من أسباب عذابهم سخريتهم بأهل الدين. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] ، يستهزئون بهم ويتنقصونهم لضعف حالهم، فهذا دليل على أن الاستهزاء بالدين وبحملته يعتبر من دلائل الكفر. كذلك قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢١١-٢١٢] أي: يستهزئون بالمؤمنين، (يسخرون منهم) أي: من أعمالهم ومن ديانتهم ومن عباداتهم أو ما أشبه ذلك، فتكون هذه السخرية من أسباب ردتهم وكفرهم. وقد وقع في عهد النبي ﷺ أن بعض المنافقين استهزئوا ببعض المؤمنين من أجلاء الصحابة، أولئك المنافقون الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنةً، ولا أجبن عند اللقاء! وهم يعنون بذلك الصحابة، حيث وصفوهم بأنهم شديدو الرغبة في الأكل فقط، ولكنهم عند القتال جبناء أذلاء، وأنهم لا يقولون إلا كذباً. وكذب من قال عليهم بهذا القول، بل هو المتصف بذلك، ولما ذكر للنبي ﷺ ذلك وبخهم على ذلك، فجاءوا يعتذرون ويقولون: يا رسول الله! إنما كنا نتحدث حديث الركب لنقطع به الطريق، وهذا معنى قولهم: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول لهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] فجعل فعلهم هذا كفراً، حيث إنهم استهزئوا بالله وبآياته وبرسوله وبأصحاب رسوله، فكان ذلك ردة منهم، فإذا وصلت الحال بالمرء إلى هذا القدر فإنه يحكم بكفره والعياذ بالله.

стр. 588

أهل السنة يرجون للمحسنين ويخافون على المذنبين نحن نرجو للمحسنين، ونخاف على المذنبين، وإذا وصلت الحال إلى أن ذلك الذنب وصل إلى درجة الكفر، فإننا نحكم بكفره صاحبه وردته، وأما إذا كان الذنب مما يحتمل أن يغفر، ويدخل تحت مشيئة الله فإن ذلك مما لا يكفر به صاحبه. والذنوب التي دون الشرك معرضة للأسباب التي تكون مكفرة لها، ومن هذه الأسباب: التوبة، والاستغفار، ودعاء المؤمنين له بالمغفرة، والمصائب الدنيوية، وشدة النزع عند الموت وما يصيبه جراء ذلك، وعذاب القبر، وشدة الفزع في الآخرة، والحزن الذي يناله في الموقف وشدة الألم، ومنها: تكفير الله له بما يحصل له من المصائب، ومنها: شفاعة الشافعين، ومنها: ما يحصل من القصاص بين العباد على القنطرة، ومنها: أنه يدخل النار ويكفر عنه بقدر ما عمل، ثم بعد ذلك يخرج إذا كان من أهل التوحيد ومن أهل الصلاح. وقد سبق أن ذكرنا أن على المرء أن يجمع بين الخوف والرجاء، فيكون خائفاً راجياً، ولكن لا يبلغ به الرجاء إلى الأمن، بحيث يأمن مكر الله، ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، ولا يبلغ به خوفه إلى اليأس ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] بل يكون بينهما، وذكرنا أن العلماء يقولون: يفضل في حالة الصحة الخوف حتى يستقل أعماله، ويستكثر من الحسنات. وفي حالة الاحتضار يفضل الرجاء -أي: يغلب الرجاء- ليقدم على ربه وهو يحسن الظن به، وقد مر بنا في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) فيكون ذلك إن شاء الله من أسباب رحمة الله لعبده. فيتعين على الإنسان في نفسه أن يجمع بين الخوف والرجاء، ويتعين عليه مع غيره أن يخاف على المذنب، ويرجو للمحسن، فيجمع في ذلك بين الخوف والرجاء، من غير أن يصل به إلى الجزم واليقين.

стр. 589

خروج العبد من الإيمان إذا جحد شيئاً من أركان الإيمان قال الشارح الإمام ابن أبي العز رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة. وفيه تقرير لما قال أولاً: لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله. وتقدم الكلام على هذا المعنى] . قد تقدم أن الخوارج يكفرون بالذنب، ويقولون: إذا عمل الإنسان ذنباً وأصر عليه صار داخلاً في الكفر خارجاً من الإيمان، وأما المعتزلة فإنهم يخرجونه بالذنب من الإيمان، ولكن لا يدخلونه في الكفر، بل يجعلونه في منزلة بين الكفر والإيمان، والكل على خطأ، والصواب ما قاله الطحاوي من أنه لا يخرجه من الإيمان إلا الجحد بما أدخله فيه، فالذي أدخله في الإيمان هو الإيمان بالله، والإيمان بالبعث، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل والكتب، فإذا جحد مثل هذه الأشياء خرج من الإيمان، وأما ما دام أنه يؤمن بالله، ويعمل بطاعته، ويؤمن بالرسل، ويدين باتباعهم، ويؤمن بالكتب ويعمل بها، ويؤمن باليوم الآخر ويستعد له، فإنه لم يخرج من الإيمان، ولو قصر في بعض الأوامر، ولو ارتكب بعض النواهي، ولو أذنب بعض الذنوب، فذلك لا يوصله إلى الكفر.

стр. 590

تعريف الإيمان عند أهل القبلة قال الشارح ﵀: [قوله: (والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى) . اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافاً كثيراً: فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة ﵏ وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي ﵀: أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ﵀، ويروى عن أبي حنيفة ﵁. وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط! فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به! وقولهم ظاهر الفساد. وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي -أحد رؤساء القدرية - إلى أن الإيمان: هو المعرفة بالقلب! وهذا القول أظهر فساداً مما قبله! فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] ، وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به، معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمناً، فإنه قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً بل إبليس يكون عند الجهم مؤمناً كامل الإيمان! فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] ، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] ، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحد أجهل منه بربه! فإنه جعله الوجود المطلق، وسلب عنه جميع صفاته، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافراً بشهادته على نفسه! وبين هذه المذاهب مذاهب أخر بتفاصيل وقيود، أعرضت عن ذكرها اختصاراً، ذكر هذه المذاهب أبو المعين النسفي في تبصرة الأدلة وغيره] . من هنا ابتدأ المصنف في الكلام على الإيمان، ويعرف هذا الفصل بأسماء الإيمان والدين، ومعلوم أن الشرع الشريف جاء إلى هذه الأمة وهم على جهل، ولكنهم يتكلمون بلغة فصحى عربية، فخاطبهم بلغتهم، وجاءهم بهذه الشريعة وشرع لها أسماء وعرفها، وأصبحت معروفة بأسمائها الشرعية، ولو كان لها أسماء لغوية، فعرفت هذه بأسماء الإيمان والدين، فيقال: تعريف الصلاة في اللغة: الدعاء، وتعريفها في الشرع: العبادة المشتملة على القيام والقعود والركوع والسجود، وتعريف الزكاة في اللغة: النماء أو الطهارة، وتعريفها في الشرع: القدر المخرج من المال الذي ينفق في وجوهه، وتعريف الصيام في اللغة: مجرد الإمساك، وفي الشرع: الإمساك بالنية عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتعريف الحج في اللغة: القصد إلى شيء معين، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام في وقت مخصوص من إنسان مخصوص، وتعريف الجهاد في اللغة: بذل الجهد والوسع في الشيء الذي يكون فيه مشقة، وتعريفه في الشرع: قتال الكفار لأجل كفرهم، وكذلك يقال في تعريف المعروف، وفي تعريف المنكر، وفي تعريف الإسلام والإيمان والكفر والشرك والنفاق والفسوق وما أشبهها، فهذه كلها لها مسميات في اللغة ومسميات في الشرع معروفة، حيث نقل الشارع شيئاً من مسمياتها اللغوية فسمى بها هذه المسميات الشرعية، فأصبحت إذا أطلقت في الشرع لا تنصرف إلى المعنى اللغوي الذي نقلت إليه، فالكلام هنا على الإيمان، والإيمان له معنى واسم في اللغة، وله معنى واسم في الشرع، نقله الشرع إليه وأصبح إذا أطلق على أهله، قصد به المؤمنون الشرعيون، لا المؤمنون اللغويون.

стр. 591

تعريف الإيمان لغة واصطلاحاً الإيمان في اللغة: هو التصديق، ومن ذلك قول الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لما أخبروا أباهم بأن الذئب أكل أخاهم، فقالوا بعد ذلك: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] أي: بمصدق لنا، فالإيمان في اللغة: التصديق. لكن الشرع الشريف جعله أعم من التصديق، فأدخل فيه العقيدة، وأدخل فيه الأقوال، وأدخل فيه الأعمال، وعلى ذلك بنى الأئمة ﵏ هذه الأصول، فنجد أن المؤلفين من العلماء عملوا على ذلك، فالإمام البخاري في صحيحه جعل كتاب الإيمان في المقدمة بعد بدء الوحي، وأورد فيه الأدلة، فقال: باب: الصلاة من الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان وهكذا عدد الأعمال الصالحة، وجعلها من الإيمان كأركان الدين كلها. وتجدون مسلماً ﵀ بدأ كتابه بعد المقدمة بكتاب الإيمان، وأورد فيه الأحاديث الكثيرة التي تبين الإيمان، وتبين ما يدخل فيه. فالإيمان إذا أطلق فإنه هو المسمى الشرعي، فمن لم يكن على هذا فلا يقال له: مؤمن، ولا يثاب ثواب المؤمنين.

стр. 592

الأحكام المترتبة على تحقق اسم الإيمان يترتب على التسمية بالمؤمن أحكام، منها: أن من آمن عصم نفسه من القتل، وأن من آمن أحرز الثواب واستحقه، وأن من آمن اعتقدناه من إخواننا من المؤمنين وعاملناه على أساس ذلك. ولابد من أجل تحقق هذه الأحكام أن يؤمن المرء الإيمان الشرعي، ليس الإيمان اللغوي؛ لأن الإيمان اللغوي خفي، وهو شيء في القلب، ونحن لا نشق عن القلوب، وإنما نعمل بما يظهر لنا، فإذا رأينا الإنسان يصلي ويصوم معنا، ويجاهد، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويترك المحرمات والمشتبهات، ويستكثر من الأعمال الصالحات؛ قلنا: هذا من أهل الإيمان وهكذا.

стр. 593

تعريف جمهور أهل السنة للإيمان وما ينبني عليه الأقوال التي ذكرها الشارح في تعريف الإيمان منها ما هو صواب ومنها ما هو خطأ، فالصواب: هو القول الأول، الذي هو قول أهل الحديث، وقول أكثر الأئمة، فقد ذهب إليه الإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري والأوزاعي وأئمة الحديث كـ البخاري ومسلم، وأهل السنن، وسائر المحدثين، وأكثر المتكلمين، وسلف الأمة، وهذا القول الصحيح هو: أن الإيمان يدخل فيه قول اللسان، وعقيدة الجنان، وعمل الأركان. فيقولون: هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. والأركان هي: الجوارح، فالعينان لهما عمل، والأذنان لهما عمل، واليدان والرجلان والبطن والفرج كلها لها عمل، هذه هي عقيدة أهل السنة. ومن اعتقادهم -أيضاً- أنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة سيأتينا بعضها، وأوضح هذه الأدلة قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فقوله: (بضع وستون أو بضع وسبعون) يعم خصال الخير كلها، فيقال: الصلاة من الإيمان، والصوم من الإيمان، والصدقة من الإيمان وفيما يتعلق بالكلام يقال: الذكر من الإيمان، والتسبيح من الإيمان، والقراءة من الإيمان، والجهاد من الإيمان، والأمر بالخير والدعوة إلى الله -وما أشبه ذلك- من الإيمان، ويقال في أعمال القلوب: الزهد في الدنيا خوفاً من المشتبهات من الإيمان، والرغبة في الآخرة من الإيمان، والحب في الله والبغض في الله من خصال الإيمان وما أشبهها. جاء في الحديث: (أعلاها: قول: لا إله إلا الله) فجعل هذه الكلمة من العقيدة، وهي كلمة التوحيد، وقال: (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) ، وهذا عمل بالأركان، كون الإنسان يميط الأذى عن الطريق ويوسع للمسلمين هذا من عمل البدن، وقال: (والحياء شعبة من الإيمان) والحياء عمل قلبي، فذكر القول: لا إله إلا الله، وذكر العمل: إماطة الأذى، وذكر الحياء الذي هو خلق قلبي، يحمل على ما يجمل ويزين، وينهى عن كل ما يدنس ويشين. إذاً: تدخل الأعمال كلها في مسمى الإيمان؛ ولأجل ذلك اهتم العلماء بشعب الإيمان، فصنف الإمام البيهقي كتاباً كبيراً سماه: شعب الإيمان -يعني: خصال الإيمان- وطوله، وأورد فيه الأحاديث الكثيرة بأسانيدها، واختصره بعض المؤلفين في مختصر مطبوع اسمه مختصر شعب الإيمان، وأوصله إلى تسع وسبعين أو ثمان وسبعين خصلة، وجعل منها الأعمال اليدوية والبدنية ونحوها، ومنها: إماطة الأذى عن الطريق وما أشبهها. فعرفنا بذلك أن هذا القول هو الأقوى، وعليه الأدلة.

стр. 594

تعريف الحنفية للإيمان القول الذي ذكره الشارح عن أصحابه ﵏ هو الذي اشتهر عن الحنفية، وأبو حنيفة ﵀ كان من المتقدمين، وكأنه لم يتوسع في الأدلة؛ ولأجل ذلك أخذ الإيمان على أنها كلمة لغوية، فجعل الإيمان هو التصديق بالقلب، وجعل القول علامة عليه، أو جعل القول منه، فالإيمان عند أبي حنيفة له ركنان: القول، والاعتقاد، ولم تكن الأعمال عنده من الإيمان، ولا شك أن هذا قول خاطئ، وفيه نقص كما سيأتي.

стр. 595

تعريف الكرامية للإيمان هناك أقوال أخرى في الإيمان مرت الإشارة إليها، ولكنها أقوال باطلة، ومن هذه الأقوال: قول الماتريدية بأن الإيمان إنما هو العقيدة، وأن القول إنما هو من آثاره. وأما الكرامية فالإيمان عندهم هو القول. والكرامية هم أتباع محمد بن كرام، وكانوا في باب الإيمان بالصفات أقرب إلى أهل السنة، ولكن لهم قول في الإيمان غريب! وهو أن الإيمان هو القول، أي: هو الكلمة والتلفظ، ولازمه أن المنافقين عندهم مؤمنون؛ لأنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ومعنى هذا أنهم مؤمنون، حتى ولو كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم! والله تعالى قد أثبت أن المنافقين كافرون في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون:٣] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء:١٣٧] هؤلاء هم المنافقون، فالمنافقون الذين يقولون بألسنتهم: آمنا؛ مؤمنون عند الكرامية! ولكن الكرامية يقولون: إنهم مع ذلك في النار؛ لأن الله توعدهم في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ، وبالآيات التي فيها الوعيد الشديد لهم، فهم يقولون: إنهم في النار، وقولهم: آمنا غير عاصم لهم عن العذاب، وبكل حال فقد جعلوهم مؤمنين، وهذا قول خاطئ.

стр. 596

تعريف الجهمية للإيمان وما ينبني عليه قول الجهمية في الإيمان هو أبعد الأقوال، فهم يقولون: إن الإيمان هو المعرفة فقط، فمن عرف فهو مؤمن، وهذا القول يلزم منه أن كل من عرف ولو لم يتبع المعرفة بإيمان يصير مؤمناً كامل الإيمان عندهم، والله تعالى قد ذكر أن إبليس -وهو أكفر الكافرين- يعرف أن الله ربه، ويعرف أن هناك بعثاً، وأن هناك جزاءً، وأن هناك جنة وناراً، وقد خاطبه الله بقوله: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨] ، فهو عارف، إذاً: فهو عند الجهمية مؤمن يستحق الوعد الذي وعد الله به المؤمنين! وكذلك فرعون قد أخبر الله أنه عارف، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: آيات موسى، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] ففرعون وقومه كانوا مستيقنين بها، وكذلك قول موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢] (علمت) أي: يا فرعون! ففرعون عندهم مؤمن كامل الإيمان، يستحق ما يستحقه أهل الإيمان الكامل. أيضاً: كثير من الكفار -على قولهم- كانوا مؤمنين، قال الله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ، قيل: إنها نزلت في أبي طالب، فقد كان يعرف أن محمداً ﷺ صادق، وكان ينهى عن أذاه، لكن كان ينأى عن اتباعه، وقيل: نزلت في الكفار كلهم؛ لأنهم يعرفون صدقه، وكانوا يسمونه بالصادق الأمين، وبكل حال فإن أبا طالب -كما سمعنا- مصدق بأن محمداً رسول، وبأنه صادق، وقد ظهر تصديقه في هذه الأبيات: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً يقول: لولا أن يلومني زملائي وأصدقائي، ويقولون: إنك تركت دين آبائك، وجلبت على أبيك عبد المطلب وآبائك وأسلافك المسبة، لولا ذلك لسمحت به ولاتبعته، فهذا ونحوه دليل على أنه كان عارفاً، وهل نفعته هذه المعرفة؟ ما نفعته. إذاً: الإيمان على قولهم يعم هؤلاء، فهم مؤمنون عند الجهمية! فما هو الكفر عند الجهمية؟ يقولون: الكفر هو الجهل بالله. فيقال لهم: أنتم أجهل الناس بالله، حيث جعلتموه الوجود المحض، دون أن تجعلوا لله صفات أو تجعلوا له أسماء، فهم جحدوا أسماء الله وجحدوا صفاته، ولم يصفوه إلا بأنه موجود، قيل لهم: موجود قديم أو موجود كذا؟ فيقولون: موجود فقط، فلا شك أن هذا هو غاية الجهل، فقد شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرون حيث جعلوا الكفر هو الجهل، وأي جهل أكبر من جهل هؤلاء الجهمية؟!

стр. 597

ترجيح الشارح أن الخلاف بين أهل السنة وأبي حنيفة في تعريف الإيمان خلاف لفظي قال الشارح ﵀: [وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم ﵏ كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ﵏، أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية. أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة كما قاله الجهم أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي ﵀. وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر. والخلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءاً من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه؛ نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد. والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى، وإلا فقد نفى النبي ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية اتفاقاً. والاختلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بـ (القول) : التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد هل يشمله اسم الإيمان أم الإيمان أحدهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازاً؟ هذا محل النزاع] . الشارح ﵀ حنفي المذهب، ومعلوم أنه أراد بتأليف هذا الكتاب تقريب الحنفية إلى مذهب أهل السنة، وذلك لأنه ولو كان حنفياً في الفروع فإنه سلفي في العقيدة، وقد تأثر بشيخه ابن كثير ﵀، ابن كثير كان شافعي المذهب، وقد تأثر ابن كثير بـ ابن تيمية وهو حنبلي في باب العقيدة، فكان شافعياً في الفروع، ولكنه في العقيدة على مذهب أهل السنة الذي تلقاه عن شيخه أبي العباس ابن تيمية ﵀. فأراد هذا الشارح ﵀ بشرحه أن يقرب الحنفية إلى مذهب أهل السنة، وشرح هذه العقيدة على مذهب أهل السنة، وبين أن الطحاوي أراد بها قول أهل السنة، وأراد بها ما عليه سلف الأمة، حتى يرد على الذين تمذهبوا بمذاهب باطلة بعد السلف، فأنكروا الصفات، وأنكروا العلو، وأنكروا الرؤية لله حقيقة، وأنكروا الكلام لله حقيقة، وما أشبه ذلك، فتقدم أنه شرح هذه الأشياء وبين أن القرآن حروفاً ومعاني كلام الله، رداً على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى دون اللفظ، وكذلك في مسألة الرؤية: أن الرؤية تكون حقيقة بالبصر، وأنها ليست كما يقول الأشاعرة: مكاشفات ورؤية قلبية، وكذلك بقية المسائل، وكثير من الحنفية يقولون بأقوال الأشاعرة. وبقيت هذه المسألة، وهي: مسألة الإيمان، فقد عجز عن الجمع بين مذهب أهل السنة ومذهب الحنفية في باب الإيمان؛ وذلك لصراحة كلام الطحاوي في أن الأعمال ليست من الإيمان، حيث إن الطحاوي جعل الإيمان فقط هو التصديق والقول، وذلك صريح لا يحتمل أن يؤول، فلم يجد الشارح بداً من أن يجمع بينهما بأن الخلاف لفظي، حيث يقول: إذا كنا متفقين على أن من عمل السيئات لا يخرج من الإيمان، فإنا لا نجعل فعلها مدخلاً في الإيمان أو زيادة في الإيمان، ولا نجعل تركها مخرجاً من الإيمان، ويستدل بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) . ومذهب أهل السنة في هذا الحديث أن نقول: ليس هو مؤمن كامل الإيمان، بل هو ناقص الإيمان، ونقول: هو عاص معه أصل الإيمان، ومعه بعض الأعمال المنافية له، فنسميه فاسقاً، ونسميه مؤمناً ناقص الإيمان، ولا نسميه كامل الإيمان، والحديث جاء على هذا، فما دام أننا اتفقنا على أن الأعمال من الإيمان فلماذا نجعل تركها نقصاً في الإيمان لا مخرجاً من الإيمان بالكلية؟ إذاً: لا دلالة في هذا الحديث على أن الأعمال ليست من الإيمان، بل الأعمال من الإيمان، والخلاف ليس لفظياً كما يقوله الشارح، بل الخلاف معنوي، لا شك أنه يترتب عليه معان كثيرة، يترتب عليه أن الفاسق ولو عمل ما عمل يسمى مؤمناً كامل الإيمان؛ وذلك لقول الطحاوي عفا الله عنه: إن أهله في أصله سواء. يعني: التفاوت بينهم إنما هو بالخشية والتقاة، وأما أصل الإيمان فإنهم يتساوون فيه، وعندهم أن إيمان جبرائيل وإسرافيل والملائكة مثل إيمان آحاد الناس، فالناس كلهم على حد سواء في الإيمان، لا تفاوت بينهم، وهذا خطأ، بل الناس متفاوتون في الإيمان. والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، والصحيح: أن الإيمان يزيد وينقص، وتأتينا أدلة واضحة في أن الإيمان يزيد وينقص. وبكل حال: فالأصل أن الإيمان الذي ذكرنا تدخل فيه الأعمال، فهي من الإيمان، والنبي ﷺ جعلها شعباً، فالشعب: هي القطع التي يتكون منها الشيء، فقوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) أي: أن الإيمان يتكون من هذه الشعب، فيقال: الصلاة شعبة من الإيمان، والزكاة والصدقات شعبة من الإيمان، والأذكار شعبة من الإيمان، وحسن الجوار شعبة من الإيمان، والصدق شعبة من الإيمان، وأشباه ذلك، ويقال -أيضاً-: إن للكفر شعباً كما أن للإيمان شعباً، والإيمان يتفاوت، وأهله متفاوتون، فالصحابة إيمانهم الذي في قلوبهم، وكذلك نتيجته التي هي أعمالهم التي عملوها؛ لا شك أنها أقوى وأكبر من إيمان من بعدهم، ومن إيمان الآخرين، فالله تعالى قد أخبر بأن هناك من يشمله اسم المؤمن ولو كان معه نقص، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] يصدق عليه أنه يحرر رقبة من أهل الإيمان ولو كان عاصياً، ولو كان مذنباً، ولكن الإيمان الذي مدح الله أهله ووصفهم بالنجاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] من هم؟ لابد أن يكون لهم صفات معينة، فلو قال: (قد أفلح المؤمنون) واقتصر على هذه الآية لكان المؤمنون هم المصدقون، ولكن الله بين صفاتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٢-٣] إذاً هذا من الإيمان، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٤-٥] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٨-٩] هذه كلها من الإيمان، وجعلها الله تعالى فروعاً، فإذا كانت هذه صفات المؤمنين فإذاً هذه من الإيمان. وكذلك -أيضاً- يقول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] فالإيمان الذي يكون معه أن أهله يسجدون ويسبحون، وتتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً؛ هو الإيمان الصادق، وهذه كلها صفات المؤمن، فلا يكون المؤمن صادقاً إلا إذا اجتمعت فيه هذه الخصال ونحوها، فعرفنا بذلك أن الإيمان لابد فيه من هذه الأصول، لابد فيه من الأصل الصحيح الصادق الذي هو العمل، والدافع إلى العمل الذي هو التصديق القوي الذي يظهر بالعمل، ويظهر بالكلام، فإذا اجتمع العمل بالأركان والنطق والعقيدة الصادقة كمل الإيمان، وإلا فالإيمان ناقص.

стр. 598

شرح العقيدة الطحاوية [٤٣] من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وزعم مرجئة الفقهاء وبعض المبتدعة أنه لا يزيد ولا ينقص، وقد رد عليهم العلماء وبينوا فساد قولهم.

стр. 599

مجمل عقيدة أهل السنة في أسماء الإيمان والدين والأقوال المخالفة لهم مما تكلم به العلماء في العقيدة: أسماء الإيمان والدين، فعند أهل السنة والأئمة وجماهير السلف أن الإيمان والدين هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأن الأعمال من مسمى الإيمان، هذه عقيدة أهل السنة. وعند أكثر الحنفية: أنه الاعتقاد بالجنان، والإقرار باللسان، ولم يجعلوا الأعمال من مسمى الإيمان، وهذا هو الذي ذكره الطحاوي بناءً على أنه معتقد الحنفية. وذهبت الماتريدية إلى أنه الاعتقاد بالجنان فقط، ولا تدخل فيه الأعمال ولا الأقوال. وذهبت الكرامية إلى أنه مجرد الإقرار باللسان فقط، وإن لم يكن هناك اعتقاد بالجنان، فعلى قولهم فإن المنافقين مؤمنون؛ لأنهم يقرون باللسان، وهم يقولون: المنافقون مؤمنون، ولكنهم مستحقون للوعيد الذي توعدهم الله به ولو كانوا مؤمنين. وذهب الجهم بن صفوان وأتباعه إلى أن الإيمان هو مجرد المعرفة، فعندهم - على هذا الاصطلاح- أن إبليس من المؤمنين، وأن فرعون من المؤمنين، وكذلك الكفار الذين عرفوا صدق النبي ﷺ من المؤمنين، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ، وكما سمعنا في نظم أبي طالب أنه كان يعرف صدق النبي ﷺ ، ولكنه لم يتبعه، فعندهم يكون مؤمناً، وكذلك اليهود يكونون عندهم مؤمنين لقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] . هذه ملخص الأقوال في مسمى الإيمان، والأصل هو قول أهل السنة، وهو أنه يجمع بين الثلاثة: القلب، واللسان، والأركان. وهو الذي ذكره البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه، يقول: وهو قول وفعل، وهو إنما نص على القول والفعل، وعلى الزيادة والنقصان، ولم يذكر الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد لا خلاف فيه، فلأجل ذلك خصص ووضح أن القول والفعل من الإيمان، ثم أخذ يذكر الأبواب في ذلك، ويقول: باب: الصلاة من الإيمان. باب: رد السلام من الإيمان. باب: أداء الخمس من الإيمان. باب: الصدقة من الإيمان وهكذا. وقد أقره على ذلك الذين شرحوا صحيحه من أهل السنة، مثل: ابن كثير الذي شرح أول صحيح البخاري وأقره، وكذلك ابن رجب شرح أول صحيح البخاري وأقره، وأتى عليه بالأدلة، وهكذا الذين شرحوه من أهل السنة، أما الذين شرحوه من غيرهم فإنهم قد وقعوا في بعض التأويلات، مثل: صاحب عمدة القاري، وهو العيني، فإنه حنفي؛ لأجل ذلك أخذ يتأول هذه الأبواب، ويحاول أن تكون على مذهب الحنفية، وشارح الطحاوية الذي نقرأ له حنفي -أيضاً-، وهو علي بن أبي العز، ولكنه تتلمذ على ابن كثير، فتأثر به في باب العقيدة، فلأجل ذلك فإنه في باب الأسماء والصفات التزم بمذهب أهل السنة، ولما أتى على هذا الموضع -وكان كلام الطحاوي فيه مخالفاً لمذهب أهل السنة بناء على مذهب الحنفية- لم يستطع أن يجمع بينه وبين قول أهل السنة جمعاً ظاهراً، فحاول أن يجعل الخلاف لفظياً، يعني: أننا إذا جعلنا الإيمان -أصلاً- هو الاعتقاد الجازم، كانت الأعمال من ثمرات هذا الاعتقاد؛ لأن الذي يعمل إنما يحمله على العمل الاعتقاد الجازم، وهذا صحيح؛ إذ إن الإنسان إذا رسخت العقيدة في قلبه انبعثت جوارحه بالأعمال، وأكثر من الصالحات والحسنات والقربات، وإذا ضعفت العقيدة التي في قلبه ضعفت الأعمال عنده، والدوافع التي تدفعه إلى الأعمال الخيرية. ولكن لابد أن نقول: إن هذه الأعمال التي يعملها تسمى إيماناً، وأن الإيمان يزيد ويقوى، وأن كل واحد من هذه الأعمال يوصف بأنه إيمان، فتوصف الصلاة بأنها إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] نزلت هذه الآية لما صرفت القبلة إلى الكعبة، فقال بعض الصحابة: فما بال صلاتنا إلى بيت المقدس قبل أن تصرف؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم الأولى قبل التعديل لن تضيع، فسمى الصلاة إيماناً. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ جعل الأعمال كلها من الإيمان في قوله: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة؛ أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، والشعب: هي القطع من الشيء التي إذا تفرقت ضعف، وإذا اجتمعت كمل واستقام، فمعناه: أن هذه الشعب متى اجتمعت في قلب المؤمن وفي عمله أصبح مؤمناً كامل الإيمان، وإذا نقص واحدة نقص إيمانه، وهكذا فإذا ذهبت كلها ذهب الإيمان كله من قلبه. وفي هذا الحديث جعل النبي ﷺ كلمة التوحيد من الإيمان، وهي نطق باللسان، وجعل إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وهي عمل بالأركان، وجعل الحياء من الإيمان، وهو اعتقاد بالجنان، فدخل بذلك كل ما يشبه هذه الأشياء، هذا معتقد أهل السنة. أما معتقد الحنفية فالإيمان عندهم: هو الاعتقاد والقول، وبعضهم جعل الخلاف بينهم وبين أهل السنة لفظياً، والصحيح أنه معنوي؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يعتقد أن الأعمال من مسمى الإيمان ضعف حرصه على الأعمال، ولم يبالِ بالسيئات؛ لاعتقاده أنها لا تنقص الإيمان، وأن الحسنات لا تجلب الإيمان، وأنها ليست من الإيمان؛ فيضعف بذلك حرصه واجتهاده، فلأجل ذلك اهتم أهل السنة بمن يعتقد هذا الاعتقاد، وقربوهم، وقد ذكر عن البخاري أنه قال: رويت في هذا الكتاب عن مائتين وسبعين عالماً، كلهم يقول: الأعمال من مسمى الإيمان. يعني: أنه اختار مشايخه الذين روى عنهم في الصحيح -لا في خارج الصحيح- والذين بلغ عددهم إلى مائتين وسبعين أو نحو ذلك، وكانوا كلهم على هذه العقيدة، يعني: لم يروِ في صحيحه عن الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، مع كثرتهم في زمانه، وهذا دليل على اهتمام السلف بعقيدتهم، وتحريهم في أخذها، ومعرفتهم بمن هو أهل لأن يروى عنه ومن ليس أهلاً لذلك.

стр. 600

عدم تحقق الإيمان بالقول بدون العمل قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه، وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه: أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان من قال: لما كان الإيمان شيئاً واحداً فإيماني كإيمان أبي بكر الصديق وعمر ﵄! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ﵈!! وهذا غلو منه؛ فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، ومن يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة، وآخر بضده. ولهذا -والله أعلم- قال الشيخ ﵀: وأهله في أصله سواء. يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت درجات نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى، فمن الناس من نور لا إله إلا الله في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور الإيمان والتوحيد علماً وعملاً، وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا شبهة ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذه حال الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرس بالرجوم من كل سارق. ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) ، وقوله: (لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله) ، وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، ونحو ذلك] . القول بأن الأعمال ليست من الإيمان يحتج أهله بأنهم إذا حققوا الاعتقاد نتجت عنه الأعمال وأثمرت، وقد يستدلون بعطف الأعمال على الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] . و الجواب أن المراد بالإيمان هنا: أصله، والمراد بالأعمال: نتيجته وثمرته، أو المراد أكثروا من الأعمال الصالحة، وبكل حال فالأعمال لابد أنها داخلة في الإيمان؛ وذلك لأن الإيمان -الذي هو قوة اليقين وقوة التصديق- له علامات وله آثار وله ثمار، ومن أرفعها وأعلاها: ظهورها على بدن صاحبها. فنقول على هذا: كلها إيمان، فإذا رأيناه يغض بصره عن الإثم وعن العورات، قلنا: هذا هو الإيمان، وإذا رأيناه يصون سمعه عما لا يحل؛ قلنا: هذا هو الإيمان، وإذا رأيناه يحفظ لسانه عن الكلام القبيح والسيئ، أو سمعناه يتلفظ بالذكر وبالدعاء وبالنصح وبالتعليم؛ قلنا: هذا هو الإيمان، يعني: ظهر الإيمان عليه، وإذا رأينا زهده وورعه، وتقلله من المشتبهات، وبعده عن الآثام، قلنا: هذا هو الإيمان، أو هذا هو المؤمن، وأشباه ذلك. وأما الأدلة التي وردت في نجاة أهل التوحيد -أهل كلمة الإخلاص- كقوله ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ، وقوله: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) وأخبر عن شفاعته في يوم القيامة أنها تنال من قال: (لا إله إلا الله) خالصاً من قلبه، وأشباه ذلك، هذه الأحاديث تمسك بها أهل الإرجاء -الذين غلبوا جانب الرجاء- فقالوا: إنه يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ويكفي أن ينوي الإخلاص، ولا يشترط أن يعمل، ولا يشترط أن يكف عن السيئات، حيث لم يشترط ذلك في هذه الأحاديث. ولكن هذا القول خاطئ، والصواب: أن من قالها فإنه لابد أن يعمل بموجبها؛ فإن لا إله إلا الله قد قيدت بالقيود الثقال، ولها شروط سبعة ذكرت في قول الشاعر: علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها وبعضهم زاد شرطاً ثامناً، ونظمه بقوله: وزيد ثامنها الكفران منك بما سوى الإله من الأنداد قد ألِهَ فما دام أن هذه الشهادة قد قيدت بهذه القيود فلابد أن يتبعها العمل، وإلا فلا يكون القول صادقاً، وعرفنا أن النبي ﷺ عندما أخبر بنجاة أهل هذه الكلمة، فإنما أراد أهلها الذين تقع في قلوبهم موقعاً ينتج عنه أثر ونتيجة، وهذا الأثر هو العمل، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا الله؛ عبدوه بكل أنواع العبادة، فذلك هو التأله، وتركوا معصيته، وذلك -أيضاً- من التأله، وأعرضوا عما سواه، وذلك -أيضاً- من التأله له وترك التأله لغيره، فأما إذا لم يعبدوه فلا يصدق عليهم أنهم اتخذوه إلهاً، وكذلك إذا لم يؤدوا حقوق عبادته كلها لم يصدق عليهم أنهم اتخذوه إلهاً. وأما الذين قالوا: إن هذه الأحاديث في كلمة (لا إله إلا الله) محمولة على أول الأمر، فيقول بعض العلماء: إن قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) -ونحو ذلك- محمول على من دخل في الإسلام لأول مرة، فإنه يكف عنه، ولكن بعد ذلك ينظر في حاله: فإن استمر في العمل بمعنى لا إله إلا الله يكف عنه كفاً تاماً، وإن لم يستمر في العمل بها، ولم يؤدِ حقوقها؛ فحينئذ يعود إلى ما كان عليه، فيقاتل عليها؛ لأنه قالها ولم يعمل بها. وهناك من حمل قوله: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه) ، أو (حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله) على أن المراد نار الكفار، يعني: التي يخلدون فيها. يعني: أنه وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، أو لا يدخل نار الكفار، وهذا خلاف ما في الأحاديث المطلقة. فإذاً: نحمل أحاديث الرجاء -التي فيها النجاة لأهل لا إله إلا الله- على أن المراد: من قالها صادقاً من قلبه، وانطلقت جوارحه بالعمل بمقتضاها، فأنت إذا دعوت إنساناً إلى لا إله إلا الله، فنطق بها، وقال: أقول: لا إله إلا الله، وأقول: إن محمداً رسول الله. فطالبه بعد ذلك بمعناها، قائلاً له: ما معنى الإله؟ أليس الإله هو المألوه أو المعبود؟ نطالبك بأن تعبده، وأنت أقررت بأنه المستحق للعبادة، فأين العبادة؟ من العبادة أركان الإسلام من العبادة واجبات الإسلام من العبادة مكملات الإسلام من العبادة ترك المحرمات في الإسلام، طالبه بمعنى ذلك، وقل: هذا هو التأله، إن أتيت بذلك فأنت صادق، وإلا فأنت منافق؛ لأن الذي يقولها ثم لا يعمل بها شبيه بالمنافقين؛ فإن المنافقين يقولونها ليحموا بذلك أموالهم وأبدانهم، أما المؤمنون فإنهم يقولونها ويطبقونها.
следующие страницы →