← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تعريف الجهمية للإيمان وما ينبني عليه قول الجهمية في الإيمان هو أبعد الأقوال، فهم يقولون: إن الإيمان هو المعرفة فقط، فمن عرف فهو مؤمن، وهذا القول يلزم منه أن كل من عرف ولو لم يتبع المعرفة بإيمان يصير مؤمناً كامل الإيمان عندهم، والله تعالى قد ذكر أن إبليس -وهو أكفر الكافرين- يعرف أن الله ربه، ويعرف أن هناك بعثاً، وأن هناك جزاءً، وأن هناك جنة وناراً، وقد خاطبه الله بقوله: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨] ، فهو عارف، إذاً: فهو عند الجهمية مؤمن يستحق الوعد الذي وعد الله به المؤمنين! وكذلك فرعون قد أخبر الله أنه عارف، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: آيات موسى، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] ففرعون وقومه كانوا مستيقنين بها، وكذلك قول موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢] (علمت) أي: يا فرعون! ففرعون عندهم مؤمن كامل الإيمان، يستحق ما يستحقه أهل الإيمان الكامل. أيضاً: كثير من الكفار -على قولهم- كانوا مؤمنين، قال الله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ، قيل: إنها نزلت في أبي طالب، فقد كان يعرف أن محمداً ﷺ صادق، وكان ينهى عن أذاه، لكن كان ينأى عن اتباعه، وقيل: نزلت في الكفار كلهم؛ لأنهم يعرفون صدقه، وكانوا يسمونه بالصادق الأمين، وبكل حال فإن أبا طالب -كما سمعنا- مصدق بأن محمداً رسول، وبأنه صادق، وقد ظهر تصديقه في هذه الأبيات: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً يقول: لولا أن يلومني زملائي وأصدقائي، ويقولون: إنك تركت دين آبائك، وجلبت على أبيك عبد المطلب وآبائك وأسلافك المسبة، لولا ذلك لسمحت به ولاتبعته، فهذا ونحوه دليل على أنه كان عارفاً، وهل نفعته هذه المعرفة؟ ما نفعته. إذاً: الإيمان على قولهم يعم هؤلاء، فهم مؤمنون عند الجهمية! فما هو الكفر عند الجهمية؟ يقولون: الكفر هو الجهل بالله. فيقال لهم: أنتم أجهل الناس بالله، حيث جعلتموه الوجود المحض، دون أن تجعلوا لله صفات أو تجعلوا له أسماء، فهم جحدوا أسماء الله وجحدوا صفاته، ولم يصفوه إلا بأنه موجود، قيل لهم: موجود قديم أو موجود كذا؟ فيقولون: موجود فقط، فلا شك أن هذا هو غاية الجهل، فقد شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرون حيث جعلوا الكفر هو الجهل، وأي جهل أكبر من جهل هؤلاء الجهمية؟!

стр. 597

ترجيح الشارح أن الخلاف بين أهل السنة وأبي حنيفة في تعريف الإيمان خلاف لفظي قال الشارح ﵀: [وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم ﵏ كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ﵏، أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية. أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة كما قاله الجهم أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي ﵀. وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر. والخلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءاً من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه؛ نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد. والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى، وإلا فقد نفى النبي ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية اتفاقاً. والاختلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بـ (القول) : التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد هل يشمله اسم الإيمان أم الإيمان أحدهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازاً؟ هذا محل النزاع] . الشارح ﵀ حنفي المذهب، ومعلوم أنه أراد بتأليف هذا الكتاب تقريب الحنفية إلى مذهب أهل السنة، وذلك لأنه ولو كان حنفياً في الفروع فإنه سلفي في العقيدة، وقد تأثر بشيخه ابن كثير ﵀، ابن كثير كان شافعي المذهب، وقد تأثر ابن كثير بـ ابن تيمية وهو حنبلي في باب العقيدة، فكان شافعياً في الفروع، ولكنه في العقيدة على مذهب أهل السنة الذي تلقاه عن شيخه أبي العباس ابن تيمية ﵀. فأراد هذا الشارح ﵀ بشرحه أن يقرب الحنفية إلى مذهب أهل السنة، وشرح هذه العقيدة على مذهب أهل السنة، وبين أن الطحاوي أراد بها قول أهل السنة، وأراد بها ما عليه سلف الأمة، حتى يرد على الذين تمذهبوا بمذاهب باطلة بعد السلف، فأنكروا الصفات، وأنكروا العلو، وأنكروا الرؤية لله حقيقة، وأنكروا الكلام لله حقيقة، وما أشبه ذلك، فتقدم أنه شرح هذه الأشياء وبين أن القرآن حروفاً ومعاني كلام الله، رداً على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى دون اللفظ، وكذلك في مسألة الرؤية: أن الرؤية تكون حقيقة بالبصر، وأنها ليست كما يقول الأشاعرة: مكاشفات ورؤية قلبية، وكذلك بقية المسائل، وكثير من الحنفية يقولون بأقوال الأشاعرة. وبقيت هذه المسألة، وهي: مسألة الإيمان، فقد عجز عن الجمع بين مذهب أهل السنة ومذهب الحنفية في باب الإيمان؛ وذلك لصراحة كلام الطحاوي في أن الأعمال ليست من الإيمان، حيث إن الطحاوي جعل الإيمان فقط هو التصديق والقول، وذلك صريح لا يحتمل أن يؤول، فلم يجد الشارح بداً من أن يجمع بينهما بأن الخلاف لفظي، حيث يقول: إذا كنا متفقين على أن من عمل السيئات لا يخرج من الإيمان، فإنا لا نجعل فعلها مدخلاً في الإيمان أو زيادة في الإيمان، ولا نجعل تركها مخرجاً من الإيمان، ويستدل بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) . ومذهب أهل السنة في هذا الحديث أن نقول: ليس هو مؤمن كامل الإيمان، بل هو ناقص الإيمان، ونقول: هو عاص معه أصل الإيمان، ومعه بعض الأعمال المنافية له، فنسميه فاسقاً، ونسميه مؤمناً ناقص الإيمان، ولا نسميه كامل الإيمان، والحديث جاء على هذا، فما دام أننا اتفقنا على أن الأعمال من الإيمان فلماذا نجعل تركها نقصاً في الإيمان لا مخرجاً من الإيمان بالكلية؟ إذاً: لا دلالة في هذا الحديث على أن الأعمال ليست من الإيمان، بل الأعمال من الإيمان، والخلاف ليس لفظياً كما يقوله الشارح، بل الخلاف معنوي، لا شك أنه يترتب عليه معان كثيرة، يترتب عليه أن الفاسق ولو عمل ما عمل يسمى مؤمناً كامل الإيمان؛ وذلك لقول الطحاوي عفا الله عنه: إن أهله في أصله سواء. يعني: التفاوت بينهم إنما هو بالخشية والتقاة، وأما أصل الإيمان فإنهم يتساوون فيه، وعندهم أن إيمان جبرائيل وإسرافيل والملائكة مثل إيمان آحاد الناس، فالناس كلهم على حد سواء في الإيمان، لا تفاوت بينهم، وهذا خطأ، بل الناس متفاوتون في الإيمان. والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، والصحيح: أن الإيمان يزيد وينقص، وتأتينا أدلة واضحة في أن الإيمان يزيد وينقص. وبكل حال: فالأصل أن الإيمان الذي ذكرنا تدخل فيه الأعمال، فهي من الإيمان، والنبي ﷺ جعلها شعباً، فالشعب: هي القطع التي يتكون منها الشيء، فقوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) أي: أن الإيمان يتكون من هذه الشعب، فيقال: الصلاة شعبة من الإيمان، والزكاة والصدقات شعبة من الإيمان، والأذكار شعبة من الإيمان، وحسن الجوار شعبة من الإيمان، والصدق شعبة من الإيمان، وأشباه ذلك، ويقال -أيضاً-: إن للكفر شعباً كما أن للإيمان شعباً، والإيمان يتفاوت، وأهله متفاوتون، فالصحابة إيمانهم الذي في قلوبهم، وكذلك نتيجته التي هي أعمالهم التي عملوها؛ لا شك أنها أقوى وأكبر من إيمان من بعدهم، ومن إيمان الآخرين، فالله تعالى قد أخبر بأن هناك من يشمله اسم المؤمن ولو كان معه نقص، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] يصدق عليه أنه يحرر رقبة من أهل الإيمان ولو كان عاصياً، ولو كان مذنباً، ولكن الإيمان الذي مدح الله أهله ووصفهم بالنجاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] من هم؟ لابد أن يكون لهم صفات معينة، فلو قال: (قد أفلح المؤمنون) واقتصر على هذه الآية لكان المؤمنون هم المصدقون، ولكن الله بين صفاتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٢-٣] إذاً هذا من الإيمان، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٤-٥] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٨-٩] هذه كلها من الإيمان، وجعلها الله تعالى فروعاً، فإذا كانت هذه صفات المؤمنين فإذاً هذه من الإيمان. وكذلك -أيضاً- يقول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] فالإيمان الذي يكون معه أن أهله يسجدون ويسبحون، وتتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً؛ هو الإيمان الصادق، وهذه كلها صفات المؤمن، فلا يكون المؤمن صادقاً إلا إذا اجتمعت فيه هذه الخصال ونحوها، فعرفنا بذلك أن الإيمان لابد فيه من هذه الأصول، لابد فيه من الأصل الصحيح الصادق الذي هو العمل، والدافع إلى العمل الذي هو التصديق القوي الذي يظهر بالعمل، ويظهر بالكلام، فإذا اجتمع العمل بالأركان والنطق والعقيدة الصادقة كمل الإيمان، وإلا فالإيمان ناقص.

стр. 598

شرح العقيدة الطحاوية [٤٣] من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وزعم مرجئة الفقهاء وبعض المبتدعة أنه لا يزيد ولا ينقص، وقد رد عليهم العلماء وبينوا فساد قولهم.

стр. 599

مجمل عقيدة أهل السنة في أسماء الإيمان والدين والأقوال المخالفة لهم مما تكلم به العلماء في العقيدة: أسماء الإيمان والدين، فعند أهل السنة والأئمة وجماهير السلف أن الإيمان والدين هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأن الأعمال من مسمى الإيمان، هذه عقيدة أهل السنة. وعند أكثر الحنفية: أنه الاعتقاد بالجنان، والإقرار باللسان، ولم يجعلوا الأعمال من مسمى الإيمان، وهذا هو الذي ذكره الطحاوي بناءً على أنه معتقد الحنفية. وذهبت الماتريدية إلى أنه الاعتقاد بالجنان فقط، ولا تدخل فيه الأعمال ولا الأقوال. وذهبت الكرامية إلى أنه مجرد الإقرار باللسان فقط، وإن لم يكن هناك اعتقاد بالجنان، فعلى قولهم فإن المنافقين مؤمنون؛ لأنهم يقرون باللسان، وهم يقولون: المنافقون مؤمنون، ولكنهم مستحقون للوعيد الذي توعدهم الله به ولو كانوا مؤمنين. وذهب الجهم بن صفوان وأتباعه إلى أن الإيمان هو مجرد المعرفة، فعندهم - على هذا الاصطلاح- أن إبليس من المؤمنين، وأن فرعون من المؤمنين، وكذلك الكفار الذين عرفوا صدق النبي ﷺ من المؤمنين، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ، وكما سمعنا في نظم أبي طالب أنه كان يعرف صدق النبي ﷺ ، ولكنه لم يتبعه، فعندهم يكون مؤمناً، وكذلك اليهود يكونون عندهم مؤمنين لقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] . هذه ملخص الأقوال في مسمى الإيمان، والأصل هو قول أهل السنة، وهو أنه يجمع بين الثلاثة: القلب، واللسان، والأركان. وهو الذي ذكره البخاري في أول كتاب الإيمان من صحيحه، يقول: وهو قول وفعل، وهو إنما نص على القول والفعل، وعلى الزيادة والنقصان، ولم يذكر الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد لا خلاف فيه، فلأجل ذلك خصص ووضح أن القول والفعل من الإيمان، ثم أخذ يذكر الأبواب في ذلك، ويقول: باب: الصلاة من الإيمان. باب: رد السلام من الإيمان. باب: أداء الخمس من الإيمان. باب: الصدقة من الإيمان وهكذا. وقد أقره على ذلك الذين شرحوا صحيحه من أهل السنة، مثل: ابن كثير الذي شرح أول صحيح البخاري وأقره، وكذلك ابن رجب شرح أول صحيح البخاري وأقره، وأتى عليه بالأدلة، وهكذا الذين شرحوه من أهل السنة، أما الذين شرحوه من غيرهم فإنهم قد وقعوا في بعض التأويلات، مثل: صاحب عمدة القاري، وهو العيني، فإنه حنفي؛ لأجل ذلك أخذ يتأول هذه الأبواب، ويحاول أن تكون على مذهب الحنفية، وشارح الطحاوية الذي نقرأ له حنفي -أيضاً-، وهو علي بن أبي العز، ولكنه تتلمذ على ابن كثير، فتأثر به في باب العقيدة، فلأجل ذلك فإنه في باب الأسماء والصفات التزم بمذهب أهل السنة، ولما أتى على هذا الموضع -وكان كلام الطحاوي فيه مخالفاً لمذهب أهل السنة بناء على مذهب الحنفية- لم يستطع أن يجمع بينه وبين قول أهل السنة جمعاً ظاهراً، فحاول أن يجعل الخلاف لفظياً، يعني: أننا إذا جعلنا الإيمان -أصلاً- هو الاعتقاد الجازم، كانت الأعمال من ثمرات هذا الاعتقاد؛ لأن الذي يعمل إنما يحمله على العمل الاعتقاد الجازم، وهذا صحيح؛ إذ إن الإنسان إذا رسخت العقيدة في قلبه انبعثت جوارحه بالأعمال، وأكثر من الصالحات والحسنات والقربات، وإذا ضعفت العقيدة التي في قلبه ضعفت الأعمال عنده، والدوافع التي تدفعه إلى الأعمال الخيرية. ولكن لابد أن نقول: إن هذه الأعمال التي يعملها تسمى إيماناً، وأن الإيمان يزيد ويقوى، وأن كل واحد من هذه الأعمال يوصف بأنه إيمان، فتوصف الصلاة بأنها إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] نزلت هذه الآية لما صرفت القبلة إلى الكعبة، فقال بعض الصحابة: فما بال صلاتنا إلى بيت المقدس قبل أن تصرف؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم الأولى قبل التعديل لن تضيع، فسمى الصلاة إيماناً. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ جعل الأعمال كلها من الإيمان في قوله: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة؛ أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، والشعب: هي القطع من الشيء التي إذا تفرقت ضعف، وإذا اجتمعت كمل واستقام، فمعناه: أن هذه الشعب متى اجتمعت في قلب المؤمن وفي عمله أصبح مؤمناً كامل الإيمان، وإذا نقص واحدة نقص إيمانه، وهكذا فإذا ذهبت كلها ذهب الإيمان كله من قلبه. وفي هذا الحديث جعل النبي ﷺ كلمة التوحيد من الإيمان، وهي نطق باللسان، وجعل إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وهي عمل بالأركان، وجعل الحياء من الإيمان، وهو اعتقاد بالجنان، فدخل بذلك كل ما يشبه هذه الأشياء، هذا معتقد أهل السنة. أما معتقد الحنفية فالإيمان عندهم: هو الاعتقاد والقول، وبعضهم جعل الخلاف بينهم وبين أهل السنة لفظياً، والصحيح أنه معنوي؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يعتقد أن الأعمال من مسمى الإيمان ضعف حرصه على الأعمال، ولم يبالِ بالسيئات؛ لاعتقاده أنها لا تنقص الإيمان، وأن الحسنات لا تجلب الإيمان، وأنها ليست من الإيمان؛ فيضعف بذلك حرصه واجتهاده، فلأجل ذلك اهتم أهل السنة بمن يعتقد هذا الاعتقاد، وقربوهم، وقد ذكر عن البخاري أنه قال: رويت في هذا الكتاب عن مائتين وسبعين عالماً، كلهم يقول: الأعمال من مسمى الإيمان. يعني: أنه اختار مشايخه الذين روى عنهم في الصحيح -لا في خارج الصحيح- والذين بلغ عددهم إلى مائتين وسبعين أو نحو ذلك، وكانوا كلهم على هذه العقيدة، يعني: لم يروِ في صحيحه عن الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، مع كثرتهم في زمانه، وهذا دليل على اهتمام السلف بعقيدتهم، وتحريهم في أخذها، ومعرفتهم بمن هو أهل لأن يروى عنه ومن ليس أهلاً لذلك.

стр. 600

عدم تحقق الإيمان بالقول بدون العمل قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه، وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه: أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان من قال: لما كان الإيمان شيئاً واحداً فإيماني كإيمان أبي بكر الصديق وعمر ﵄! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ﵈!! وهذا غلو منه؛ فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، ومن يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة، وآخر بضده. ولهذا -والله أعلم- قال الشيخ ﵀: وأهله في أصله سواء. يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت درجات نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى، فمن الناس من نور لا إله إلا الله في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور الإيمان والتوحيد علماً وعملاً، وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا شبهة ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذه حال الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرس بالرجوم من كل سارق. ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) ، وقوله: (لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله) ، وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، ونحو ذلك] . القول بأن الأعمال ليست من الإيمان يحتج أهله بأنهم إذا حققوا الاعتقاد نتجت عنه الأعمال وأثمرت، وقد يستدلون بعطف الأعمال على الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] . و الجواب أن المراد بالإيمان هنا: أصله، والمراد بالأعمال: نتيجته وثمرته، أو المراد أكثروا من الأعمال الصالحة، وبكل حال فالأعمال لابد أنها داخلة في الإيمان؛ وذلك لأن الإيمان -الذي هو قوة اليقين وقوة التصديق- له علامات وله آثار وله ثمار، ومن أرفعها وأعلاها: ظهورها على بدن صاحبها. فنقول على هذا: كلها إيمان، فإذا رأيناه يغض بصره عن الإثم وعن العورات، قلنا: هذا هو الإيمان، وإذا رأيناه يصون سمعه عما لا يحل؛ قلنا: هذا هو الإيمان، وإذا رأيناه يحفظ لسانه عن الكلام القبيح والسيئ، أو سمعناه يتلفظ بالذكر وبالدعاء وبالنصح وبالتعليم؛ قلنا: هذا هو الإيمان، يعني: ظهر الإيمان عليه، وإذا رأينا زهده وورعه، وتقلله من المشتبهات، وبعده عن الآثام، قلنا: هذا هو الإيمان، أو هذا هو المؤمن، وأشباه ذلك. وأما الأدلة التي وردت في نجاة أهل التوحيد -أهل كلمة الإخلاص- كقوله ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ، وقوله: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) وأخبر عن شفاعته في يوم القيامة أنها تنال من قال: (لا إله إلا الله) خالصاً من قلبه، وأشباه ذلك، هذه الأحاديث تمسك بها أهل الإرجاء -الذين غلبوا جانب الرجاء- فقالوا: إنه يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ويكفي أن ينوي الإخلاص، ولا يشترط أن يعمل، ولا يشترط أن يكف عن السيئات، حيث لم يشترط ذلك في هذه الأحاديث. ولكن هذا القول خاطئ، والصواب: أن من قالها فإنه لابد أن يعمل بموجبها؛ فإن لا إله إلا الله قد قيدت بالقيود الثقال، ولها شروط سبعة ذكرت في قول الشاعر: علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها وبعضهم زاد شرطاً ثامناً، ونظمه بقوله: وزيد ثامنها الكفران منك بما سوى الإله من الأنداد قد ألِهَ فما دام أن هذه الشهادة قد قيدت بهذه القيود فلابد أن يتبعها العمل، وإلا فلا يكون القول صادقاً، وعرفنا أن النبي ﷺ عندما أخبر بنجاة أهل هذه الكلمة، فإنما أراد أهلها الذين تقع في قلوبهم موقعاً ينتج عنه أثر ونتيجة، وهذا الأثر هو العمل، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا الله؛ عبدوه بكل أنواع العبادة، فذلك هو التأله، وتركوا معصيته، وذلك -أيضاً- من التأله، وأعرضوا عما سواه، وذلك -أيضاً- من التأله له وترك التأله لغيره، فأما إذا لم يعبدوه فلا يصدق عليهم أنهم اتخذوه إلهاً، وكذلك إذا لم يؤدوا حقوق عبادته كلها لم يصدق عليهم أنهم اتخذوه إلهاً. وأما الذين قالوا: إن هذه الأحاديث في كلمة (لا إله إلا الله) محمولة على أول الأمر، فيقول بعض العلماء: إن قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) -ونحو ذلك- محمول على من دخل في الإسلام لأول مرة، فإنه يكف عنه، ولكن بعد ذلك ينظر في حاله: فإن استمر في العمل بمعنى لا إله إلا الله يكف عنه كفاً تاماً، وإن لم يستمر في العمل بها، ولم يؤدِ حقوقها؛ فحينئذ يعود إلى ما كان عليه، فيقاتل عليها؛ لأنه قالها ولم يعمل بها. وهناك من حمل قوله: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه) ، أو (حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله) على أن المراد نار الكفار، يعني: التي يخلدون فيها. يعني: أنه وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، أو لا يدخل نار الكفار، وهذا خلاف ما في الأحاديث المطلقة. فإذاً: نحمل أحاديث الرجاء -التي فيها النجاة لأهل لا إله إلا الله- على أن المراد: من قالها صادقاً من قلبه، وانطلقت جوارحه بالعمل بمقتضاها، فأنت إذا دعوت إنساناً إلى لا إله إلا الله، فنطق بها، وقال: أقول: لا إله إلا الله، وأقول: إن محمداً رسول الله. فطالبه بعد ذلك بمعناها، قائلاً له: ما معنى الإله؟ أليس الإله هو المألوه أو المعبود؟ نطالبك بأن تعبده، وأنت أقررت بأنه المستحق للعبادة، فأين العبادة؟ من العبادة أركان الإسلام من العبادة واجبات الإسلام من العبادة مكملات الإسلام من العبادة ترك المحرمات في الإسلام، طالبه بمعنى ذلك، وقل: هذا هو التأله، إن أتيت بذلك فأنت صادق، وإلا فأنت منافق؛ لأن الذي يقولها ثم لا يعمل بها شبيه بالمنافقين؛ فإن المنافقين يقولونها ليحموا بذلك أموالهم وأبدانهم، أما المؤمنون فإنهم يقولونها ويطبقونها.

стр. 601

تفاوت قوة الإيمان بتفاوت قوة الاعتقاد وكثرة الأعمال قال الشارح ﵀: [والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب. وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات، فلا يعذب صاحبها، ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار. وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان، التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية، وحملته -وهو في تلك الحال- أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت! وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان، حيث نزعت موقها وسقت الكلب من الركية؛ فغفر لها. وهكذا العقل أيضاً، فإنه يقبل التفاضل، وأهله في أصله سواء، مستوون في أنهم عقلاء غير مجانين، وبعضهم أعقل من بعض. وكذلك الإيجاب والتحريم، فيكون إيجاب دون إيجاب، وتحريم دون تحريم، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم قد طرد ذلك في العقل والوجوب] . عرفنا أن كلمة (لا إله إلا الله) لابد أن يعمل بها، وأن الذين يقولونها ولا يعملون بها هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار؛ وذلك لأنهم أخلوا بشرطها؛ وهو: العمل والتطبيق، أو أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلم تنفعهم هذه الكلمة إلا نفعاً دنيوياً، وذلك بأن حقنوا بها دماءهم، وأحرزوا بها أموالهم، فلما أظهروا أمام الناس أنهم مؤمنون -والله مطلع على ما في قلوبهم- لم تنفعهم هذه الكلمة التي ما صدرت عن اعتقاد، ولم يعملوا بها حق العمل. إذاً: أهل الإيمان حقاً هم الذين يقولونها ويعملون بمقتضاها، وتصدر عن قلوبهم، وتطمئن قلوبهم بمدلولها، ويعرفون معناها. وهم -بلا شك- متفاوتون في هذه القوة، وذلك بحسب كثرة الأدلة، وبحسب كثرة الأعمال، فكلما كثرت الأعمال الصالحة قوي الإيمان في القلب؛ ولأجل هذا نقول: إن الأعمال من مسمى الإيمان، وإنها تزيد الإيمان، وإن السيئات تنقص الإيمان، وكذلك ترك الصالحات ينقص الإيمان. وإذا كان الإيمان يتفاوت، فإن قدره في القلب يتفاوت، والإيمان الذي على الأبدان يتفاوت، وقد مثل الشارح الإيمان الذي في القلب بالبصر الذي في العين، وقال: الناس يتفاوتون في الإبصار، فبالرغم من أنهم كلهم مبصرون؛ إلا أن بعضهم أقوى بصراً من بعض، فبعضهم يرى الشخص من بعيد -من مسيرة ثلاثة أو أربعه أميال- فيعرف شخصه، وبعضهم لا يعرفه ولو كان بينه وبينه خمسة أمتار أو نحوها، وبعضهم يقرأ الخط الدقيق بدون نظارة ونحوها، وبعضهم لا يقرؤه إلا إذا كان كبيراً، كما هو مشاهد. واختلاف الناس في البصر يماثله اختلافهم في العقل، إذ يتفاوت الناس فيه، فمنهم من يكون فطناً ذكياً، ومنهم من يكون في غاية البلادة والغباوة، ومنهم من يكون بين ذلك. وإذا كان التفاوت حاصلاً في هذين الأمرين، وهما من خلق الله تعالى وتدبيره، فنقول: كذلك الإيمان الذي في القلب يقوى في حق أهل الإيمان القوي الذين تكاثرت الأدلة عليهم فرسخ بها الإيمان في قلوبهم، وآخرون ضعف الإيمان في قلوبهم بقلة الأدلة أو بعدم تأملها، لأجل ذلك فإن البعض من أهل الإيمان إذا جاءته شبهة أو دعاه داع إلى الضلال أو إلى الردة ترك الإسلام، وترك الصلوات، وترك الأعمال، وما ذاك إلا لضعف الإيمان الذي في قلبه؛ وضعف الأدلة التي بنى عليها هذا الإيمان، وبعضهم يكون الإيمان في قلبه أرسى من الجبال، لا تزعزعه الشبهات ولا التشكيكات، ولا الإيرادات التي يوردها عليه دعاة الضلال، فلو أتوه بكل دليل عندهم، ولو ألقوا عليه كل شبهة؛ فإن إيمان قلبه يحرق تلك الشبهات ويزيلها؛ وذلك لأن قلبه مستنير، وقد مثل الشارح الإيمان بالنور، فإن القلب إذا كان فيه إيمان فإن فيه نوراً، وأنتم تعرفون تفاوت الأنوار، فمنهم من يكون النور الذي في قلبه كنور الشمس الذي يضيء على الدنيا، ومنهم من يكون كنور القمر، ومنهم من يكون كالسرج القوية، ومنهم من يكون كالشمعة الضعيفة أو ما أشبهها، وقوة النور تتوقف على المواد التي تمد ذلك النور، فكذلك النور في القلب ما الذي يمده؟ لا شك أن الذي يمده الأدلة من آيات الله تعالى، ومن مخلوقاته، ومن أحكامه وشرائعه، ومن المعجزات التي جرت على أيدي رسله وعلى أيدي أوليائه، تواردت على ذلك القلب، فتمكنت ورسخت فيه، فصار لا حيلة لأحد في تضعيفها ولا إزالتها. فإذا رأيت إنساناً إيمانه ضعيف فإنك تجده قليل الأعمال، كثيراً ما يترك الصلوات أو يتكاسل عنها، ويرتكب بعض المنهيات ونحو ذلك، كيف السبيل إلى إنقاذه؟ السبيل إلى ذلك أن تحثه على ما يقوي إيمانه، بأن تكرر عليه الأدلة والآيات والبراهين التي تصل إلى قلبه، وتكرر عليه ما يبطل الشبهات التي امتلأ بها قلبه، فإن لم تقدر على ذلك فأرشده إلى ما يقرؤه أو ما يسمعه من النشرات، أو من الكتب والمؤلفات التي تحتوي على براهين وآيات ودلالات واضحات، وبذلك يقوى الإيمان في قلبه، وتزول تلك الأسباب التي تضعفه، فعند ذلك ينبعث بدنه وأعضاؤه وجوارحه بالأعمال الصالحات، فلا ينظر إلا نظر إيمان، ولا يسمع إلا سماع إيمان، ولا يتكلم إلا كلام إيمان، ولا يهم بقلبه إلا بما هو إيمان، ولا يمشي إلا إلى إيمان، ولا يعمل بيديه إلا ما هو إيمان، ولا ينفق ماله إلا فيما هو إيمان وهكذا. فهذا ونحوه من ثمرات الإيمان الذي هو أصل في القلب، ثم بعد ذلك ينبعث على الجوارح.

стр. 602

الأدلة العقلية والنقلية على زيادة الإيمان قال الشارح ﵀: [وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل: فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ﷺ ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله. وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح: فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (ليس المخبر كالمعاين) ، وموسى ﵇ لما أخبر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المخبَر -وإن جزم بصدق المخبِر- قد لا يتصور المخبَر به نفسه كما يتصوره إذا عاينه، كما قال إبراهيم الخليل -صلوات الله على نبينا محمد وعليه-: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] . وأيضاً: فمن وجب عليه الحج والزكاة -مثلاً- يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملاً، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل. وكذلك الرجل أول ما يسلم، إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان] . من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان -الذي في القلب، والذي في اللسان، وعلى الجوارح- يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، كيف زادهم إيماناً؟ أي: تصديقاً بخبر الله، وعملاً بآثار ذلك التصديق، فالله أخبرهم بأنه ينصرهم، وبأنه لا يخذلهم، فلما جاءهم هذا الخبر ما زادهم إلا تصديقاً بالله تعالى وبخبر الله، فدل ذلك على أن الإيمان يزيد، وكل ما هو قابل للزيادة فهو قابل للنقص. وقال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] فسمعاها أو قراءتها تزيدهم إيماناً يعني: أنهم يعملون بها، ويصدقون بها، ويعرفون مدلولها، فيكون ذلك زيادة في أعمالهم. وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، السكينة التي أنزلها في قلوبهم: الطمأنينة إلى خبر الله وخبر رسوله، والثقة بأنه ينصر من نصره، كما في الآيات الأخرى، فهذه الثقة زادتهم إيماناً؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، فدل على أنهم كانوا مؤمنين، وأن هذه السكينة زادتهم إيماناً إلى إيمانهم، ولا شك أنها زيادة محسوسة بحيث زادت أعمالهم، وكثرت حسناتهم، وقلت سيئاتهم، فيكون ذلك من أسباب زيادة الحق والإيمان. هذه بعض الأدلة على زيادة الإيمان، والشارح يقول: إن الزيادة هي زيادة الأعمال، يعني: أن الذي عمل بالشريعة أول ما نزلت عمل بأعمال قليلة، ولما زادت الشرائع زادت أعماله، ومعلوم أن الذين أسلموا بمكة في أول الإسلام ما فرضت عليهم الطهارة ولا الصلاة ولا الصوم ولا الصدقة ولا الجهاد، وما فرض عليهم من أركان الإسلام إلا الشهادتان، حيث بقوا عشر سنين قبل أن تفرض عليهم الصلاة، أما الذين أسلموا في سنة ثمان من الهجرة فقد أسلموا بعد أن تمت شرائع الإسلام، فصاروا يصلون ويزكون ويصومون ويجاهدون ويحجون ويعلمون ويعملون ويتعلمون القرآن ويقرءونه، فأعمالهم أكثر من أعمال الأولين الذين اقتصروا على التوحيد وعلى الإخلاص، فهذا دليل على تفاوت الإيمان بكثرة الأعمال، وهذه وجهة لبعض العلماء في زيادة الإيمان: أن المراد بها: زيادة الأعمال وكثرتها. ومثل الشارح بمن بلغته الشريعة فآمن بها، ولم تبلغه تفاصيلها كالنجاشي ملك الحبشة، فإنه لما أسلم لم تبلغه تفاصيل الشريعة من أركان الإسلام والمحرمات في الدين، وكذلك ما سمع من القرآن إلا بعضه، ولم يعمل به كله، فإيمانه بحسب ما وصل إليه من الأركان ومن الأحكام، فهو أقل نسبياً من الذين حضروا التنزيل فآمنوا به مفصلاً، وعملوا به عملاً كاملاً، فهؤلاء أكثر عملاً، فهم أقوى إيماناً وأزيد، هكذا فسر بعض العلماء الزيادة بكثرة الأعمال.

стр. 603

التصديق الذي في القلب يتفاوت التصديق الذي في القلب يتفاوت، فقد عرفنا خبر صاحب البطاقة الذي أخبر النبي ﷺ بأنه يدعى وله تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، مكتوب فيها سيئاته، لا يدرك أعلاه البصر؛ فيعترف بذلك كله، ثم يخرج له بطاقة صغيرة مكتوب فيها الشهادتان، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة؛ لماذا؟ لأن هذه الشهادة صدرت من صميم قلبه، صدرت وهو موقن بها يقيناً صادقاً وإيماناً قوياً، فلما قالها بهذه النية وبهذه العقيدة محت جميع ما سبقها، وكفرت السيئات كلها، وأحرقتها إحراقاً مزيلاً لأثرها، فلم يبق لها جرم تزن به، فكانت هذه الشهادة هي التي ثقلت بتلك الأعمال. واستدل الشارح بقصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، ثم سأل: هل له من توبة؟ فأفتاه عابد بأنه لا توبة له، فقتله وتمم به المائة، ثم سأل بعد ذلك فدله العالم على قرية بها أناس صالحون، فجاء إليها مهاجراً فاراً بدينه، فأدركه الموت وهو في الطريق، فلما أدركه الموت كان من محبته لتلك القرية أن أخذ ينأى بصدره ويقرب إليها، فكان فعله هذا دليلاً على قوة إيمانه وقوة تصديقه؛ مما جعله يلحق بأهل تلك القرية وتقبل توبته، فهذا دليل على أن الإيمان إذا كان قوياً في القلب ظهرت آثاره وظهرت علاماته. واستدل -أيضاً- بقصة امرأة بغي -يعني: زانية- كانت تكثر من الزنا، ثم إنها تابت، ولما رأت كلباً يلهث على ركية يكاد يموت عطشاً، نزعت موقها -يعن: خفها- وملأته ماءً وسقت ذلك الكلب، فشكر الله لها فغفر لها، وذلك دليل على أن رحمتها بهذه البهيمة ورجاءها من الله المغفرة هو الذي حملها على ذلك، فتعلق قلبها بربها أنه الذي يثيبها على هذا العمل، فكان هذا العمل الصادق الخالص نابعاً من إيمان قوي وتصديق ثابت، فأصبح مكفراً لهذه السيئات التي سبقت. وبكل حال: فالأعمال التي تكون على البدن، إذا كان البدن عاملاً بها زاد الإيمان الذي في القلب، وزاد الإيمان الذي هو من مسمى الإيمان، فإن تكلم بكلمة من الخير زاد إيمانه، وإن تكلم بكلمة شر أو سوء نقص إيمانه، وإذا أنفق لله تعالى درهماً أو ديناراً أو شيئاً يبتغي به وجه الله زاد إيمانه، وإن أنفقه فيما يسخط الله من لهو وباطل وكفر وضلال نقص إيمانه، وإن مشى خطوات إلى ذكر وإلى مسجد وإلى علم وإلى عبادة من العبادات زاد إيمانه، وإن مشى خطوة أو خطوات إلى لهو وباطل ولعب ومعصية من المعاصي وما أشبهها فمشيه هذا ينقص إيمانه. ومعلوم أن الصلوات تزيد الإيمان، وأن أكل الحرام ينقص الإيمان، وأن النكاح الحلال بالنية يزيد الإيمان، والنكاح الحرام ينقص الإيمان، وكذلك الكسب الحلال والنفقة منه يزيد الإيمان، والكسب الحرام والنفقة منه ينقص الإيمان، ويقال كذلك في الكلام السيئ والكلام الحسن: فالذكر بأنواعه والدعاء والأمر بالخير وتعلم العلم وتعليمه يزيد به الإيمان، وتعلم الباطل والسوء والكلام السيئ والسباب والشتائم ونحوها ينقص الإيمان وهكذا. فعلى المسلم أن يتفقد نفسه ويتفقد أعماله، ويحرص على أن يكون في زيادة لا في نقصان.

стр. 604

الفرق بين لفظ (التصديق) و (الإيمان) فيما يتعلق بخبر الغيب والشهادة لا يستعمل بدل كلمة الإيمان التصديق، والدليل عليه قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] ، مع أن التصديق يتعدى بـ (الباء) ، فيقال: صدقت به، ولا يقال: صدقت له. وأنت حين تتكلم عن شخص تقول: صدقت فلاناً، وصدقت بخبره، ولا تقول: صدقت له، فكذلك قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس:٨٣] (آمن لموسى) ولم يقل: فما آمن به؛ لأن المراد: اتبعوه وعملوا بما جاء به، فهذا دليل على أن الإيمان أصبح مغايراً للتصديق، وليس مرادفاً له، فعرف بذلك أن الاستدلال بأن الإيمان في اللغة: هو التصديق، لا يصلح دليلاً على أن الأعمال ليست من مسمى الإيمان. قال الشارح ﵀: [فالحاصل أنه لا يقال: قد آمنته، ولا صدقت له. إنما يقال: آمنت له، كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بـ (أقررت) ، أقرب من تفسيره بـ (صدقت) ، مع الفرق بينهما؛ لأن الفرق بينهما ثابت في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال له: كذبت. فمن قال: السماء فوقنا. قيل له: صدقت. وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب، فيقال لمن قال: طلعت الشمس: صدقناه، ولا يقال: آمنا له، فإن فيه أصل معنى الأمن والائتمان إنما يكون في الخبر عن الغائب، فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبِر، ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ (آمن له) إلا في هذا النوع. ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك؛ لكان كفراً أعظم، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، ولا الكفر هو التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان، يكون تصديقاً وموافقة وانقياداً، ولا يكفي مجرد التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان. ولو سلم الترادف فالتصديق يكون بالأفعال أيضاً، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن تزني، وزناها السمع -إلى أن قال:- والفرج يصدق ذلك ويكذبه) . وقال الحسن البصري ﵀: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال) . ولو كان تصديقاً فهو تصديق مخصوص كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم، وليس هذا نقلاً للفظ ولا تغييراً له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبينه. فالتصديق -الذي هو الإيمان- أدنى أحواله أن يكون نوعاً من التصديق العام، فلا يكون مطابقاً له في العموم والخصوص، من غير تغير اللسان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفاً من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق. ولأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه من لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى، أو إن اللفظ باق على معناه في اللغة، لكن الشارع زاد فيه أحكاماً، أو أن يكون الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي، أو أن يكون قد نقله الشارع، وهذه أقوال لمن سلك هذا الطريق] . كل هذا من البيان والإيضاح للفرق بين التصديق والإيمان، وأنهما ليسا مترادفين من كل جهة، ولو كانا مترادفين في اللغة فإنهما غير مترادفين في الشرع، فمعلوم أن التصديق ضده التكذيب، يقال: صادق أو كاذب، ويقال: صدقته أو كذبته، فالتصديق ضده التكذيب. أما الإيمان فليس ضده التكذيب، بل ضده الكفر، فيقال: آمن أو كفر، مؤمن وكافر، فأصبح له ضد غير التصديق، فدل على أنه ليس هو التصديق من كل جهة، والذين قالوا: الإيمان والتصديق معناهما واحد، يقال لهم: قد دلت اللغة على التفريق بينهما كما في الأمثلة التي ذكرها الشارح، فإذا قال: طلعت الشمس. قيل: صدقت، أو كذبت. ولا يقال: آمنت به، ولا آمنا بخبره، بل يقال: صدقناه، وأصبح الإيمان اسماً للإيمان بالشيء الغائب؛ لأن الله أخبر بذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] أي: يجزمون به ويعتقدونه وإن كان غائباً لم يروه إلى آخر ما ذكره الشارح. وبكل حال: فالإيمان في الأصل وفي اللغة: هو التصديق، ولكن نقله الشارع من اللغة، وجعله مسمى شرعياً، فأصبحت الأعمال من مسمى الإيمان، فمن آمن باللسان، وصرح بسب الدين، وبسب الله، وبسب الرسل، وبكلمات الكفر -ونحو ذلك- وهو مع ذلك يدعي أو يزعم أنه من أهل الإيمان، وأن قلبه مؤمن؛ لم نصدقه في ذلك، بل عاملناه بما يقول؛ وذلك لأنا نعمل بالظاهر، كما روي (أنه ﷺ استأذنه رجل في قتل بعض المنافقين، فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: يشهد، ولا شهادة له. قال: أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: يشهد، ولا شهادة له. قال: أليس يصلي؟ قال: يصلي، ولا صلاة له. قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم) يعني: أنه أمر بأن يعمل بالظاهر. ولما استأذنه خالد بن الوليد أن يقتل ذا الخويصرة الذي قال: (اعدل يا محمد! فقال: ألا نقتله؟ قال: لعله يصلي. فقال: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) يعني: أننا إنما نعامله بما يظهر منه، فلأجل ذلك إذا قال بعضهم: إن قلبي ممتلئ إيماناً، إن قلبي مؤمن. قلنا له: صدق هذا الإيمان بعلامة عليه وهو العمل، فإنه من مكملاته، فإذا لم تعمل، بل خالفت ما تقوله بما تعمله كذبناك، ولم نقبل قولك، فلو كنت صادقاً لعملت، كيف تزعم أنك تحب الله وتحب الرسول وتحب الشريعة والإسلام، ومع ذلك لا تأتي بعلامة على هذه المحبة؟! تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا عجيب في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع والأثر الذي روي عن الحسن مشهور، وهو أنه قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال) ، فنفى أن يكون بالتحلي، يعني: الحلة الظاهرة كاللباس أو الهيئة أو الشعور أو المظهر أو المقال أو السكنى فيما بين المسلمين أو نحو ذلك، وكذلك التمني، يعني: الألفاظ، يقول: أنا مؤمن، أنا من أهل الإيمان، ويمدح بذلك نفسه، ليس ذلك هو حقيقة الإيمان، الإيمان في الحقيقة هو ما امتلأ به القلب، ثم ظهرت آثاره على الأعمال، أي: صدقته الجوارح بأعمالها.

стр. 605

من استكمل خصال الإيمان استكمل إيمانه الإيمان الذي يكون في القلب، ويكون في البدن، هما ملازمان، وكذلك الذي يكون باللسان، والذي يكون بالأركان هما متلازمان، وكلاهما من خصال الإيمان، فمن استكملها استكمل الإيمان، كما ذكر ذلك البخاري عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: (إن للإيمان شروطاً وخصالاً وخصائص، من استكملها استكمل الإيمان، ومن أخل بها نقص منه الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص) ، هذا كلام عمر بن عبد العزيز ﵁. ولا شك أنه أخذ ذلك عن الصحابة، فهو عرف أن الإيمان لا يكفي فيه الانتماء والتسمي، فله شروط، وله مكملات، وله آثار، وله أعمال، فلابد أن المؤمن يأتي بها ويستكملها؛ حتى يكتب بذلك مؤمناً حقاً. فهكذا يكون المؤمنون الذين لا يفرقون بين الله ورسله، ولا يردون شيئاً من شريعته، هؤلاء هم المؤمنون حقاً. وقد عرفنا أن عقيدة أهل السنة أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأنه لا يكون مؤمناً إذا لم يعمل؛ وذلك لأن الإيمان الذي في القلب تظهر آثاره على الأعمال، فالأعمال إيمان كما أن الاعتقاد إيمان، وكما أن الأذكار اللسانية إيمان، وكما أن النفقات في وجوه الخير إيمان، وكما أن الأعمال الخيرية كلها وخصال الخير وخصال الدين كلها من الإيمان، فالكفر له شعب، والإيمان له شعب، فيقال: إن السباب والشتم واللعن من خصال الكفر، قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) ، فجعل الأعمال المحرمة كفر، وقال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة) ، فجعلها كفراً، أي: من خصال الكفر، فخصال الكفر تسمى كفراً، وخصال الإيمان تسمى إيماناً. والعبد يحرص على أن يجمع خصال الخير كلها حتى يكون مؤمناً حقاً: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤] ، من الذين يزهد في هذا الثواب كله؟! فالمؤمن يحرص على أن يكون مؤمناً حقاً حتى يحصل له هذا الثواب. كذلك الذين زعموا أن الأعمال ليست من الإيمان، وجعلوا الإيمان مقتصراً على العقيدة وعلى الكلام -كما هو مذهب الأحناف- لا شك أن قولهم فيه خلل، وقد ذكرنا فيما سبق أنهم لما اعتقدوا هذه العقيدة ضعف قدر الإيمان الذي في قلوبهم، فصاروا يكتفون بما في القلب وبما في اللسان، ولا يعدون الأعمال من مسمى الإيمان، فيضعف تنافسهم في الخيرات، ولا يبالي أحدهم بما ارتكب من السيئات والخطيئات، فيقعون في الذنوب ولا يشعرون، أو يظنون أنها لا تنافي إيمانهم، أو أنها لا تنقص ثوابهم، وكذلك يزهدون في الأعمال الخيرية من الحسنات والقربات وسائر الطاعات، ويظنون أنها لا يكون لها تأثير في إيمانهم ولا في قرباتهم ولا في أعمالهم، فكان ذلك سبباً في نقص تنافسهم في الخيرات. أما أهل السنة فإنهم لما عرفوا أن الأعمال من الإيمان صاروا يتنافسون في كثرة الخصال الخيرية، وصاروا يعملون الأعمال الدينية، وصاروا يكثرون من الحسنات، ويتقون السيئات والمخالفات، فصاروا بذلك في أعلى المراتب، وقد مر بنا كثير من أقوالهم التي يتعللون بها، ولكنها لا تصلح مستنداً.

стр. 606

شرح العقيدة الطحاوية [٤٤] الأدلة على زيادة الإيمان أكثر من أن تحصى من القرآن والسنة، وقد استدل المخالفون لهذه العقيدة بأدلة متشابهة، وقد بين العلماء فساد استدلالهم بها.

стр. 607

خلاف أهل السنة والحنفية في زيادة الإيمان ونقصانه قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جداً؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] ، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] . وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها: إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به؟ فهل في قول الناس: (قد جمعوا لكم فاخشوهم) زيادة مشروع؟! وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟! وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقيناً، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٦٧] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥]] . الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذه الجملة (يزيد وينقص) محل خلاف بين أهل السنة وبين الحنفية وكذلك غيرهم من المبتدعة، فإنهم كالمرجئة والجهمية لا يرون الأعمال من مسمى الإيمان، ولا يرون زيادة الإيمان ولا نقصه، ويعتقدون أن أهله في أصله سواء، وأن تفاضلهم إنما هو بالدرجات في الآخرة، أو بالأعمال، وإلا فالأعمال عندهم زائدة عن الإيمان، ويرون أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، هكذا قالوا. وأهل السنة يرون أن الإيمان يزيد وينقص، وقد ذكرنا فيما سبق أن على الإنسان أن يحرص على زيادة إيمانه، وأن الكلمة الطيبة تزيد إيمانه، والكلمة الخبيثة تنقص إيمانه، والدرهم الذي ينفقه في سبيل الله وفي وجوه الخير يزيد به إيمانه، وإذا أنفقه في المعاصي نقص إيمانه، والخطوات التي يسيرها إلى الخير وإلى أماكن الخير كالمساجد ونحوها تزيد إيمانه، وإذا خطا إلى اللهو وإلى اللعب وإلى الباطل نقص بذلك إيمانه وهكذا بقية الأعمال.

стр. 608

توضيح أدلة زيادة الإيمان ونقصه الآيات التي ذكر المؤلف فيها دلالة واضحة على أن الإيمان يزيد وينقص، حيث أثبت الله فيها الزيادة، وكل شيء يقبل الزيادة فهو يقبل النقصان، ففي سورة آل عمران قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣] ، لما خرج النبي ﷺ مع بعض أصحابه بعد وقعة أحد يريد اللحاق بالمشركين، جاءهم نعيم بن مسعود أو رجل من خزاعة وقال: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. يعني: أن المشركين قد جمعوا لكم، ويريدون أن يرجعوا إليكم ويقتلوا من بقي منكم، فاخشوهم، وهذه المقالة ليس فيها زيادة أعمال، ولا فيها زيادة تشريع، ولا فيها زيادة حكم، فكيف زادتهم إيماناً؟ ﴿قَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقوي إيمانهم بها، وكثر عملهم، وصمدوا فيما جاءوا له، وتوجهوا في طلب المشركين، جادين في اللحاق بهم، مع ما أصابهم من القرح كما قال الله تعالى بعد أن ذكر الشهداء: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧١-١٧٢] أي: المصيبة التي نزلت بهم وأصيبوا بها في أحد ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٢-١٧٣] . كذلك الآيات التي في آخر سورة التوبة: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] ، كيف زادتهم إيماناً؟ عملوا بما فيها، هذه السورة أو هذه الآيات طبقوها وعملوا بما فيها، وكذلك اعتقدوا مدلولها؛ فزاد إيمانهم، فهذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص. كذلك قوله تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، والهدى لا شك أنه زيادة إيمان وطمأنينة. كذلك قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤] ، لما رجعوا من غزوة الحديبية أنزل الله عليهم الطمأنينة، وأنزل في قلوبهم السكينة، فزاد إيمانهم، وكثرت أعمالهم، فهذه أدلة واضحة على أن الإيمان يزيد، ولا شك أنه إذا كان يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان؛ فلذلك قال أهل السنة: إنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وإذا عرف المسلم ذلك حرص على ما يزيد إيمانه ويقويه ويثبته ويرسخه، وهو إيمانه بما أخبر الله به، وكذلك تتبعه لآيات الله، ونظره في مخلوقاته، مما يرسخ الإيمان في قلبه ويقويه، كذلك يكثر عمله وتطبيقه لما جاءه في هذه الشريعة، وذلك كله مما يزيد به إيمانه. وإذا عرفت ما يزيد فإن ضد ذلك ما ينقص، فاعرف الأشياء التي يزيد بها إيمانك فاعمل بها، واعرف ضدها من المعاصي التي تنقص إيمانك، فابتعد عنها.

стр. 609

ضعف الأحاديث التي تدل على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قال الشارح ﵀: [وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀ في تفسيره عند هذه الآية فقال: حدثنا محمد بن الفضل وأبو القاسم الساباذي قالا: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل بن العابد قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال: حدثنا أبو مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال: (جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: لا؛ الإيمان مكمل في القلب، زيادته كفر، ونقصانه شرك) ؛ فقد سئل شيخنا عماد الدين ابن كثير ﵀ عن هذا الحديث فأجاب: بأن الإسناد من أبي ليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة. وأما أبو مطيع فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وأبو داود والنسائي وأبو حاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم. وأما أبو المهزم -الراوي عن أبي هريرة - فقد تصحف على الكتاب، واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضاً غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً!] . هذا الحديث باطل، وضعه بعض الوضاعين، ورجال إسناده كلهم إما مجهول، وإما كذاب، وإما ضعيف، فلا يلتفت إليه، وليس بدليل. ثم هو مصادم للنصوص، فإذا كان الآيات تدل على الزيادة فكيف يأتي الحديث بأنه لا زيادة؟! إذا كان الله يقول: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] ، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤] ، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] ، ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣] ، كيف مع ذلك يأتي هذا الحديث ويكون من قول النبي ﷺ ؟! الرسول ﷺ لا يخالف كتاب ربه، ولا يأتي إلا بما أوحي إليه، وقد أوحي إليه أن الشريعة فيها أعمال، وأن أعمالها إذا عمل بها العباد زاد بذلك إيمانهم، فلا يقول قائل: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، معتمداً على هذا الحديث الضعيف أو المكذوب.

стр. 610

أدلة أخرى من الحديث وكلام الصحابة تدل على نقص الإيمان قال الشارح ﵀: [وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين، وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) . والمراد: نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شعب الإيمان، وحديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء، وإنما التفاضل بينهم بمعان أخر غير الإيمان؟! وكلام الصحابة ﵃ في هذا المعنى كثير أيضاً: منه قول أبي الدرداء ﵁: (من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص) . وكان عمر ﵁ يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيماناً، فيذكرون الله تعالى . وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: (اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً) . وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) . ومثله عن عبد الله بن رواحة ﵁. وصح عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم) ، ذكره البخاري ﵀ في صحيحه. وفي هذا المقدار كفاية، وبالله التوفيق] . هذه أدلة واضحة تدل على تفاوت أهل الإيمان في إيمانهم، لا كما يقول المبتدعة: إن الناس سواء في الإيمان، وإنهم لا يتفاوتون إلا بمعان أخرى. والنبي ﷺ ينفي الإيمان عمن فعل بعض المعاصي، ويفسره العلماء بأن المراد: نفي كماله، إذا قال مثلاً: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) هل يقال: إن من لم يأمن جاره بوائقه كَفَر؟ لا؛ بل نقول: إيمانه ناقص. إذا قال مثلاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) هل نقول: إذا لم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه فهو كافر؟ لا؛ ولكن نقول: إنه لم يؤمن الإيمان الكامل؛ وذلك لأن الإيمان يتفاوت أهله فيه، فيكون منهم من هو كامل الإيمان، ومنهم من هو ناقص الإيمان، فهذا كمال، وهو استيفاء هذه الخصال ونحوها. وكذلك الأحاديث التي فيها حث النبي ﷺ المؤمن أن يفعل خصالاً، كقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، المعنى: أن هذه من خصال المؤمن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، فيدل على أن من لم يفعلها فإنه ناقص إيمانه بالله وباليوم الآخر. وهكذا قوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم) معلوم أنها تؤمن، ولكن سفرها يكون نقصاً في إيمانها، لا أنه نفي للإيمان كله. وقوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) ، معلوم أنه لا يخاطب إلا من هي مؤمنة، ولكن إذا أحدت على أبيها -مثلاً- أكثر من ثلاث، لم تخرج بذلك عن الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكن يكون هذا نقصاً في الإيمان. ويقال كذلك في الخصال التي ذكر فيها الإيمان. ولا شك أن هذا دليل على أنه أهله يتفاوتون، فمن استكمل هذه الخصال وابتعد عن الآثام فهو كامل الإيمان، وإلا فهو ناقص بحسب الأعمال التي أخل بها، أو المعاصي التي ارتكبها.

стр. 611

تفاوت الإيمان في القلب أخبر النبي ﷺ أن الإيمان الذي في القلب يتفاوت في حق من يدخل النار في قوله: (إن الله يقول لملائكته ولرسله: أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال درهم، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال برة، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال أدنى أدنى ذرة من إيمان) . وأخبر في حديث آخر أن الإيمان في قلوب أصحابه أثقل من الجبال يعني: أرسى من الجبال. أليس كل هذا يدل على أن الإيمان الذي في القلب يتفاوت؟! لا شك أنه كلما كان الإيمان أقوى كانت آثاره أكبر، وكانت الأعمال التي تنتج منه أكثر نتيجة وأكثر عملاً، فإن الإيمان إذا كان مثل الجبل كثرت الأعمال، ودفع البدن إلى الأعمال، وإذا كان ضعيفاً قلت الأعمال الخيرية، وتكثر السيئات أو تقل بحسب قوة الإيمان الذي في القلب، وبحسب ضعفه، وتكون هذه الأعمال علامة على ما في القلب، فتكون إيماناً. كذلك -أيضاً- ثبت أن السلف ﵏ كانوا يسمون الأعمال إيماناً، كما في هذه الآثار عن بعض الصحابة، ومنها: أن عمر ومعاذاً وابن رواحة كانوا يقولون: اجلس بنا نؤمن ساعة أو يقولون: نزدد إيماناً أو: هلم فلنزد إيماننا أو: هلم فلنعمل أعمالاً يقوى بها إيماننا ويزيد إيماننا، كيف يزيد؟ يقولون مثلاً: إذا ذكرنا الله، وحمدناه وشكرناه، وأطعناه وعبدناه، زاد بذلك إيماننا، كلما عملنا عمل بر وعملاً صالحاً زاد بذلك نصيبنا من الإيمان، وكثر الإيمان الذي عملناه، فكثرته يحصل بها ثقل الموازين، ويحصل بها خفة الحساب في الآخرة، ويحصل بها السعادة، ويحصل بها إعطاء الكتاب باليمين، ويحصل بها -أيضاً- التمكين من الورود على الحوض، وسرعة المسير على الصراط عندما ينصب، ثم دخول الجنة بسلام كما أخبر بذلك النبي ﵊. وذكر البخاري عن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه كتب إلى بعض عماله: (أن للإيمان شرائط ومكملات وأموراً من فعلها فقد استكمل الإيمان، ومن تركها فقد أخل أو نقص إيمانه، يقول عمر بن عبد العزيز: فإن أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص) ، ولا شك أنه لا يخبر بأن للإيمان مكملات، وله شرائط، وله نتائج، وله ثمرات؛ إلا وقد أخذ ذلك عن الصحابة، فإنه تلميذ الصحابة، والصحابة أخذوا ذلك عن نبيهم ﷺ وعن كتاب ربهم، فعرفنا بذلك أن الإيمان لابد أن يستكمل حتى يزيد في أصحابه، وحتى تكون نتيجته السعادة الأبدية.

стр. 612

وجه اقتران الإيمان بالعمل الصالح قال الشارح ﵀: [وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة، فلا يكون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقاً عن العمل وعن الإسلام، وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فالمطلق مستلزم للأعمال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٨١] . وقال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث، (لا تؤمنوا حتى تحابوا) ، (من غشنا فليس منا) ، (من حمل علينا السلاح فليس منا) ، وما أبعد قول من قال: إن معنى قوله: (فليس منا) أي: فليس مثلنا! فليت شعري فمن لم يغش يكون مثل النبي ﷺ وأصحابه!. أما إذا عطف عليه العمل الصالح، فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءاً منه، ولا بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٣] ، وهذا هو الغالب. ويليه: أن يكون بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢] . الثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] ، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧] . وفي مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلاً في الأول، فيكون مذكوراً مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلاً فيه هنا، وإن كان داخلاً فيه منفرداً، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣] وقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط، كقوله: فألفى قولها كذباً وميناً. ومن الناس من زعم أن في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] ، والكلام على ذلك معروف في موضعه] .

стр. 613

الجواب عن استدلال الحنفية بعطف العمل على الإيمان في قولهم بأن العمل ليس من الإيمان هذا جواب عما استدل به الحنفية من عطف العمل على الإيمان، فيقولون في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] : لو كانت الأعمال من الإيمان ما عطفت عليه، فعطفها عليه يقتضي أنها ليست من الإيمان، بل هي غيره، فالإيمان عندهم هو ما في القلب، والأعمال شيء زائد على الإيمان. هكذا قرروا هذا الدليل. ومر بنا جواب الشارح، وكذلك أجاب غيره، حيث ذكر أن الإيمان تارة يكون مستقلاً، يعني غير معطوف عليه بشيء، وتارة يعطف عليه، فمثلاً قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ، هذا تفسير للمؤمنين بأنهم أهل هذه الخصال، ومثله قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة:١٥] ، فهذا دليل على أن هؤلاء هم المؤمنون، ويكون من إيمانهم هذا السجود والتسبيح ونحوه. وكذلك قال في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] ، فهذا تفسير الإيمان، وأشباه ذلك كثير، يذكر الله فيها الإيمان، ويذكر أن الأعمال داخلة فيه، فمثل هذا يبين الإيمان الحقيقي، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إلخ، أي: هؤلاء هم المؤمنون، ويقول بعدها: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤] . إذاً: هذا معنى من المعاني يكون فيه الإيمان مستقلاً غير معطوف على شيء. أما إذا عطفت عليه بعض الأعمال فذكر الشارح أن العطف له عدة حالات، فتارة يقتضي العطف التغاير، أي: أن الثاني غير الأول، وهذا هو الكثير فيما إذا عطف بعضها على بعض، مثل قوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٢٧٧] ، فإن الزكاة غير الصلاة، فهي عطفت عليها للمغايرة. كذلك من أنواع العطف: العطف لأجل التنويع، مثل قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] ، هل هناك فرق بين الخلق والجعل في هذه الآية؟ لا، فالعطف هنا للتنويع لا للتغاير. كذلك من أنواع العطف: أن الشيء قد يعطف على بعضه، فيذكر مجملاً، ثم يذكر بعض التفصيل فيه، ومن الآيات التي في هذا -وهي كثيرة- قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] فـ (جبريل وميكال) داخلان في الملائكة، فلماذا عطفا؟ للتنويع، أو لبيان السبب. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:٧] من النبيين كلهم، ﴿وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧] أليس محمد ﷺ (من النبيين؟!) ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] لم خص هؤلاء؟ هذا عطف بيان، وليس عطف تنويع. ومن العطف -أيضاً-: الآية التي ذكرت في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] الشرعة والمنهاج واحد، فالعطف هنا للترادف، وذكر -أيضاً- قول الشاعر: فألفى قولها كذباً وميناً. الكذب والمين واحد، فالعطف هنا عطف بيان أو عطف إيضاح. إذاً: فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] العطف هنا عطف بيان، لا أنه عطف مغايرة، فبذلك يعرف أنه ليس في هذه الآيات ما يدل على أن الأعمال ليست من مسمى الإيمان.

стр. 614

شرح العقيدة الطحاوية [٤٥] العمل يدخل في مسمى الإيمان، فهو شطر منه، وقد اختلف الناس في مسمى الإيمان، وفي التفريق بينه وبين الإسلام، وقد بين أهل السنة الحق في ذلك كله معتمدين على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.

стр. 615

بيان أن الأعمال من الإيمان وأنه يزيد وينقص مر بنا في العقيدة زيادة الإيمان ونقصانه، ودليل ذلك من الكتاب والسنة، وأنه قول أهل السنة والجماعة، والأدلة على ذلك، وفائدة الإيمان بزيادة الإيمان ونقصانه، وفائدة اعتقاد ذلك، والنقص والخلل الحاصل في إيمان من أنكر ذلك. من اعتقد أن الأعمال من مسمى الإيمان فإنه يحرص على استكثار الأعمال الصالحة، ومن اعتقد أن الإيمان يزيد بالطاعة حرص على الاستكثار من أنواع الطاعات، ومن عرف أن إيمانه ينقص بالمعاصي ابتعد عن كل المعاصي حتى لا ينقص بها إيمانه؛ وذلك لأنه يحس أو يستحضر أنه كلما نقص إيمانه بسبب معصية ضعف يقينه، ونقص حظه من الآخرة ومن الأجر، فهو يبتعد عن هذه الآثام التي تكون سبباً في نقص الإيمان. لا شك أن الإيمان إذا كان يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان، وقد ذكرنا بعض الأدلة التي تدل على زيادة الإيمان، والأمثلة التي تكون سبباً في زيادة الإيمان وفي نقصه، وأن الإنسان إذا استحضر أنه بالكلمة الطيبة يزيد إيمانه، وبالكلمة الخبيثة ينقص إيمانه، وبالنفقة في وجوه الخير يزيد إيمانه، وبالنفقة لغير الله ينقص إيمانه، وبسماع كلام الله وبسماع الخير ونحوه يزيد إيمانه، وبسماع اللغو واللهو والإثم ونحو ذلك ينقص إيمانه، وبالخطوات التي يخطوها إلى عبادة أو إلى مكان عبادة يزداد إيمانه، وبالخطوات التي يخطوها إلى إثم أو محرم ينقص إيمانه؛ من استحضر مثل هذا في جميع أعماله فإنه ولابد سيكون منتبهاً في كل لحظة، وفي كل عمل، إذا أراد أن يتكلم لم يقدم على الكلام إلا بعد أن يتحقق أنه خير، وأنه زيادة في إيمانه، وأنه يكتب له به حسنات، فيقدم عليه، وإذا أراد أن يتوجه إلى طريق وإلى مسير تفكَّر: هل له فيه خير؟ وهل هو إيمان أو كفر؟ وهل هو من شعب الإيمان أو من شعب الكفر؟ فلا يقدم إلا بعدما يتحقق أنه عمل بر وخير وهكذا في بقية الأحوال.

стр. 616

الرد على شبهة القائلين بأن العمل ليس من الإيمان قد يقول قائل: كيف تكون الأعمال من الإيمان وهي تعطف عليه كما في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فإنه يفهم منه: أن الأعمال زائدة على الإيمان؟ الجواب أن هذا العطف من عطف البيان، وعطف البيان مشهور عند العرب، فيعطف على أنه بيان لما قبله وإيضاح له وتقوية له، كأنه يؤكد أنهم متى آمنوا فإنه يزيد إيمانهم بهذه الأعمال الصالحة فيكثِّرونها، والله تعالى كثيراً ما يذكر الأعمال الصالحة ويفصل فيها، فمثلاً سورة (قد أفلح المؤمنون) ذكر الله فيها عشر صفات، أولها: الخشوع في الصلاة، وآخرها: المحافظة على الصلاة، وإذا تأملنا هذه الصفات التي أولها الإيمان وجدناها كلها متفرعة من الإيمان، وصفهم بأنهم مؤمنون، وكأنه قيل: وما هي أعمالهم؟ فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] إلى آخرها، فهذا بيان بأنهم مؤمنون حقاً، وأنهم يدفعهم إيمانهم إلى فعل هذه الأشياء، فمن استكملها فهو منهم، ومن أخل بشيء منها فقد أخل بالإيمان أو قد نقص إيمانه. وبهذا يعرف أن الإيمان يتفاوت أهله فيه، فيزيد بعضهم على بعض، فالذين يصلون ولكنهم لا يخشعون في صلاتهم أنقص إيماناً من الخاشعين في صلاتهم، والذين يصلون ولكن لا يحافظون على الصلاة جماعة، بل يتكاسلون عن الجماعة أحياناً أنقص من الذين يحافظون عليها، وكذلك الذين يعرضون عن اللغو كلياً وعن مجالس اللغو، كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] أي: مبتعدون؛ أكمل من الذين لا يعرضون عنه، بل يجلسون مع أهله أو يسمعون لغوهم أو نحو ذلك، فدل على أن أهل الإيمان يتفاوتون وإن كانوا كلهم مؤمنين، ولكن من استكمل هذه الصفات فقد استكمل الإيمان، ومن أخل بشيء منها فقد نقص إيمانه، والنقص قد يأتي على الآخر، وقد يبقى معه بعض الشيء.

стр. 617

اعتقاد ازدياد الإيمان ونقصه سبب للاستكثار من الطاعات اعتقاد الإنسان زيادة إيمانه بالطاعات سبب لاستكثاره من الطاعات، واعتقاده نقص إيمانه بالمعاصي سبب لاجتنابه المعاصي، فلك أن تذكر العاصي وتقول له: يا أخي! بصفتك مؤمناً تذكر أن أعمالك هذه تنقص إيمانك! أعمالك هذه التي أنت تستمر فيها حتى ولو كانت من صغائر الذنوب. إذا كنت في كل يوم -مثلاً- تجدد حلق لحيتك، أو تطيل ثيابك تكبراً وإعجاباً بنفسك، أو تتعاطى هذا الدخان وتشمه دائماً وتشربه، وتتهاون به، أو تسمع غناء وتزعم أنك ترفه عن نفسك وتتسلى، وأنت مصر على ذلك، ففي كل يوم ينقص جزء من إيمانك، وفي كل يوم تقدح في إيمانك وتقطع منه قطعة، وتجمع شعباً من شعب الكفر، ويزيد حظك من المعاصي وحظك من الكفر، أفلا تكون منتبهاً خائفاً أن هذا النقص وتواليه يضعف إيمانك، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فما دمت في زمن الإمهال، فإن عليك أن تحرص كل الحرص على الأعمال التي يقوى بها إيمانك، ويضعف بها حظك من الكفر ومن المعاصي! وكذلك -أيضاً- تشجع أهل الطاعة، وتحثهم على الاستكثار منها، وتبشرهم بأنهم بكل خطوة يخطونها إلى المسجد يزيد إيمانهم، وبكل ركعة يركعونها من النوافل يزيد إيمانهم، وبكل آية يقرءونها يزيد إيمانهم، وبكل تهليلة وتكبيرة وتسبيحة، وبكل استغفار وبكل دعوة يدعون بها يزيد حظهم من الإيمان، ويقوى في قلوبهم، وكذلك تقوى أبدانهم بالإيمان، ويكثر نصيبهم من الأجر الذي رتب على الإيمان. إذاً: اعتقادنا أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فيه هذه الفوائد، والذين جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، وأن الناس في أصله سواء، فاتتهم هذه الفوائد، فصاروا يعتمدون على أن إيمانهم كامل لا يتزعزع ولا يتغير ولا ينقص، فلا يبالون بالنقص من الحسنات، ولا يبالون بالاقتراف للسيئات، فيقعون في المعاصي، ويتهاونون بها، ويدعون أنها لا تضر، ولا تنقص إيمانهم؛ لأنها ليست من الأعمال، والإيمان إنما هو عمل القلب، وهذه إنما هي أعمال اللسان أو أعمال البدن. ويسبب هذا الاعتقاد السيء تهوينهم على أنفسهم أمر الذنوب، وتهوينهم على غيرهم الوقوع في المعاصي، فيقعون فيما حذر الله تعالى منه وهم لا يشعرون.

стр. 618

أدلة دخول العمل في مسمى الإيمان قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ومن الناس من زعم أن في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] والكلام على ذلك معروف في موضعه. فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه، نظرنا في كلام الشارع: كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر، والتقوى، والدين، ودين الإسلام. ذكر في أسباب النزول أنهم سألوا عن الإيمان؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧] قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ والملائي قالا: حدثنا المسعودي عن القاسم قال: جاء رجل إلى أبي ذر ﵁ فسأله عن الإيمان؟ فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية، فقال الرجل: ليس عن هذا سألتك، فقال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى، قال: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنه سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها) وكذلك أجاب جماعة من السلف بهذا الجواب. وفي الصحيح قوله لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم) ، ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في مواضع أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان] . قد ذكرنا أن هذا الموضوع يسمى (أسماء الإيمان والدين) أو (أسماء الأحكام) ، وعرفنا أن هذه المسميات كانت مستعملة في اللغة، ولكن لها معان معروفة عندهم؛ لكن ليست هي المعاني الشرعية، فلأجل ذلك نقلها الشرع إلى هذه المسميات الخاصة. وقد ذكرنا أنهم يقولون مثلاً: الإيمان في اللغة كذا، وفي الشرع كذا، الإسلام لغة كذا وكذا، وفي الشرع كذا وكذا، التوحيد في اللغة كذا، والتوحيد في الشرع كذا، البر في اللغة كذا وكذا، والبر في لغة الشارع وفي لسان الشارع يراد به كذا وكذا، مثلاً: التقوى في اللغة مشتقة من التوقي، وهو الحذر من المخوف، وأما في لسان الشرع فهي توقي عذاب الله، وأن يجعل بينه وبين سخط الله وقاية وحاجزاً منيعاً، وذلك يكون بامتثال كل ما أمر، وتجنب كل ما نهى وزجر. وهكذا بقية التعاريف. أيضاً نقل أضدادها إلى مسميات شرعية، فالشرك له مسمى في اللغة ومسمى في الشرع، والفسوق له مسمى في اللغة ومسمى في الشرع، والذنوب لها مسمى في اللغة ومسمى في الشرع، والكفر له مسمى في اللغة ومسمى في الشرع وما أشبه ذلك. وهكذا -أيضاً- أسماء الأحكام: فالصلاة لغة كذا، وشرعاً كذا، والطهارة لغة كذا وكذا، وشرعاً كذا وكذا، والصوم والحج والجهاد والعمرة والزكاة وما أشبهها لها مسميات. فنقول: إن الإيمان أصله في اللغة التصديق، وشرعاً: التصديق الجازم بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس من الغنيمة، كما في الحديث، هذه أقوال وأعمال، أقوال لسانية وأعمال بدنية أو مالية، وكلها جعلها من الإيمان؛ ولكن لابد معها من الإيمان الذي هو العقيدة، لابد أن يكون القلب قد عقد عليها، وإلا فلا تنفع، فإن الأعمال بدون إيمان القلب لا تفيد، فبذلك يعرف أن الشرع أضاف إليها إضافات أصبحت من مسمياتها، حيث فسر الإيمان بهذه الأعمال. وقد ثبت في الصحيح أنه فسر بها الإسلام، فإنه لما سئل عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، وهي أركانه الخمسة، وفسر الإيمان بأعمال القلب، وهو الإيمان بالغيبيات وأركانه الستة، ومراده: أن هذا أصله التصديق بالأمور الغيبية وهي هذه الأركان، ومع ذلك لابد أن يكون له مكملات ومتممات، وهي بقية الأعمال البدنية. فيقال: البر في اللغة: الصدق، والبار: الصادق، وقد قالوا: البر هو طاعة الوالد، كما يقال: أوصيك ببر الوالدين يعني: طاعتهما، فالبر لغة: طاعة الأبوين، أو الصدق في الحديث، ولكن الشرع جعله اسماً لكل الأعمال الخيرية، حتى أعمال القلب، فأدخل فيه أركان الإيمان، في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، فهذه خمسة من أركان الإيمان، وذكر السادس وهو القدر في موضع آخر، وجعلها أساساً للبر، ثم ذكر أعمالاً مالية، وجعلها داخلة في البر في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:١٧٧] يعني: هذا عمل مالي، وهو: إعطاء المال لهؤلاء، فجعله من البر. ثم قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة:١٧٧] ، فهذه أربعة من الأعمال البدنية. ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] فأخبر بأنهم الذين صدقوا؛ لما قالوا: آمنا، فظهر إيمانهم على أبدانهم وعلى أموالهم، فهم قد صدقوا، وهم -أيضاً- أهل التقوى الذين توقوا أسباب الهلاك، وجعلوا بينهم وبين النار وقاية وحاجزاً منيعاً، فأصبحوا بذلك مستحقين لاسم التقوى. وهكذا يقال في سائر المسميات الشرعية، وهو: أن الله تعالى شرع لعباده هذه الأشياء، وسميت بهذه المسميات، وأريد بها هذه المعاني التي تدخل فيها، ورتب عليها الأجر والثواب، فرتب الله على البر الثواب: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣] ، ورتب على التقوى الجنة في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] أي: هيئت للمتقين، كما رتب ذلك على الإيمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥] ، أجر غير ممنون على إيمانهم وعملهم الصالح، فمن صدق بذلك كله وعمله فهو المصدق، وهو المتبع لهذه الشريعة، ومن نقص حظه من ذلك نقص حظه من الأجر.

стр. 619

الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان قال الشارح ﵀: [وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق؛ للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود. وفي المسند عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) ، وفي هذا الحديث دليل على المغايرة بين الإسلام والإيمان، ويؤيده قوله في حديث سؤالات جبريل في معنى الإسلام والإيمان، وقد قال فيه النبي ﷺ : (هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم دينكم) ، فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة؛ لكن هو درجات ثلاث: فمسلم، ثم مؤمن، ثم محسن. والمراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام قطعاً، كما أنه أريد بالإحسان ما ذكر مع الإيمان والإسلام، لا أن الإحسان يكون مجرداً عن الإيمان، هذا محال، وهذا كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه فإنه معرض للوعيد، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع التصديق بالقلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد. وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أهله، والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أهله من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين، وهذا كالرسالة والنبوة، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها، فكل رسول نبي، ولا ينعكس] . هذا كلام يتعلق بالإسلام والإيمان والإحسان، فإنه ﷺ لما سئل في حديث وفد عبد القيس فسر الإيمان بالأعمال والأقوال؛ لأنه ما أمرهم إلا بالإيمان، ولكن في حديث جبريل المشهور سئل عن الإسلام والإيمان والإحسان، ففسر كل واحد بتفسير، ولكن الثاني لابد أنه داخل في الأول، والثالث لابد أنه مستلزم للأولين قبله، ففسر الإيمان بالأعمال الباطنة، والإسلام فسره بالأركان الخمسة: بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج؛ لأن هذه يظهر من صاحبها إذعان. وأصل الإسلام: هو الإذعان والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] يعني: أذعنوا وانقادوا واستسلموا، غير مستعصين ولا متشردين، قويهم وضعيفهم، حيوانهم وإنسانهم، مؤمنهم وكافرهم كلهم أذعنوا، فالإسلام في الأصل: هو الإذعان، والأركان الخمسة دليل واضح على أنهم قد أعلنوا دخولهم في الإسلام، فمن رأيناه يتلفظ بالشهادتين ويحافظ على الصلوات، ويخرج زكاة ماله، ويصوم معنا، ويحج معنا؛ حكمنا بأنه مسلم، ويدخل مع المسلمين، ويدين لله تعالى ظاهراً، وإن لم نفتش ما في قلبه، فنعامله معاملة المسلمين، ولا نتكلف البحث عن باطنه ما دام أنه يفعل هذه الأعمال الظاهرة. هذه تسمى المرتبة الأولى، وهي المرتبة الواسعة. المرتبة الثانية: الإيمان، وفسره هاهنا بالعقيدة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر، الإيمان بهذه الستة يعني: الاعتقاد بصحتها، والاعتقاد بأحقيتها. الإيمان بأن الله هو رب الأرباب وإله العالمين، والمعبود وحده المستحق لذلك دون ما سواه. والإيمان بالملائكة لأنهم رسل من خلق الله مسخرون لعبادته. والإيمان بالكتب بأنها كلام الله وفيها شرعه. والإيمان بالرسل بأنهم رسل ووسائط بين الله وبين عباده. والإيمان باليوم الآخر بالتصديق بالبعث بعد الموت وبالجزاء الذي فيه. والإيمان بقدرة الله وبما قدره وقضاه على عباده. هذه أمور عقدية، ومعلوم أنها إذا صحت ورسخت في القلب فلابد أن تظهر آثارها على البدن، فلابد أن ينطق بما يعتقد، ولابد أن يفعل ما يقول، ولابد أن يظهر عليه الفعل والترك الذي هو من آثار هذه العقيدة، فلأجل ذلك يقولون: لابد مع الستة من الخمسة، أي: أن الستة التي هي العقيدة وهي أركان الإيمان، لا تنفع إلا إذا كانت معها الخمسة، فمن قال: أنا آمنت بالله، وآمنت بكتبه، وبرسله، وبملائكته، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر، ثم رأيناه لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يعبد الله وحده، بل يجعل معه آلهة أخرى؛ قلنا: كذبت، لو كنت صادقاً في إيمانك ويقينك لما خالفت ذلك بأعمالك، فالأعمال التي نراها ظاهرة هي في الحقيقة ترجمة لما تقوله ولما تعتقده. فإذاً: لابد مع أركان الإيمان من أركان الإسلام؛ حتى يكون الإيمان صحيحاً. كذلك يقال في الإحسان، فسره بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) . قسم العلماء هذا التفسير إلى قسمين؛ الأول: عين المشاهدة، والثاني: عين المراقبة. عين المشاهدة: أن تعبد الله كأنك تراه أي: تشاهده. وعين المراقبة: أن تستحضر أنه يراك، أي: يراقبك. فمن استحضر أنه يرى ربه اجتهد في الدعاء، واجتهد في العبادة وحسنها وكملها، ومن لم يصل يقينه وقلبه إلى هذا الاستحضار، فإنه يستحضر أن ربه مطلع عليه يعلم نبرات لسانه وفلتاته، ويعلم حديث قلبه وما توسوس به نفسه؛ فيكون من آثار هذا الإيمان أن يحسن العمل إذا استحضر أنه بمرأى وبمسمع من ربه، وأنه لا تخفى عليه منه خافية، وأن الله مطلع عليه، ويكون ذلك حاملاً له على إتقان العمل وإحسانه، فإنه -ولله المثل الأعلى- لو كان إنسان موظفاً تحت إدارة قوية المراقبة، تجعل هناك من يراقب هؤلاء الموظفين دائماً، ويشددون عليهم في الحضور وفي العمل، وقد يراقبونهم وهم لا يشعرون، ولا يبصرونهم، فلا شك أن الموظفين يجدون في العمل ويجتهدون فيه؛ مخافة أن يبعدوا منه، أو يحرموا من استحقاقهم. أما إذا كانوا مهملين، لا ينظر إليهم رئيسهم، ولا يفتش عليهم، ولا يراقبهم، وليس هناك في قلوبهم دوافع الإيمان، ولا مخافة من الله، ولا أمانة؛ فإنهم يهملون الأعمال، ويقطعون وقتهم في اللهو واللعب، وفي القيل والقال، ولا يخلصون في العمل، ولا يجدون فيه. فهذا مثل محسوس يشاهد عياناً، فنقول: كذلك الإنسان إذا كان يعمل وهو يستحضر أن الله يراه حرص على إتقان العمل، وإذا غاب عنه هذا الاستحضار فإنه يتساهل تساهلاً كثيراً في عمله.

стр. 620

وجه العموم والخصوص بين الإسلام والإيمان والإحسان مراتب الدين ثلاث؛ المرتبة العليا: هي الإحسان، والمرتبة الوسطى: هي الإيمان، والمرتبة الدنيا: هي الإسلام، فأهل الإسلام أكثر من أهل الإيمان؛ لأنهم يوجد فيهم من هو مسلم ظاهراً وليس بمسلم باطناً، يصلون وقلوبهم لم تطمئن بالإيمان. وأهل الإيمان أقل من أهل الإسلام؛ لأنهم خلاصتهم وصفوتهم. وأهل الإحسان هم خلاصة الخلاصة، وصفوة الصفوة، بمعنى: أنهم أهل الإيمان القوي الذين بلغت بهم القوة إلى أنهم يتقنون كل عمل، فإذا صلوا أتقنوا الصلاة ولم يغفلوا فيها ولم يحدثوا أنفسهم، وإذا دخل وقت نافلة لم يضيعوها إلا بعمل ما يحبون وما يريدون، وهكذا بقية أعمالهم، وكذلك يحملهم استحضارهم لربهم على ألا يعصوه طرفة عين، فيكون ذلك كله سبباً لإتقانهم العمل. فلذلك يقال: إن الإسلام أعم من جهة أهله -أي أن أهله أكثر من أهل الإيمان- وأخص من جهة وصفه، حيث إنه إنما يدخل فيه أهل الأعمال الظاهرة، فالمسلمون أعمالهم أقل من أعمال المؤمنين، ولكنهم أكثر عدداً، فيدخل فيهم المؤمنون ويدخل فيهم المسلمون الذين ليسوا بمؤمنين، هذا معنى كونه أعم من جهة أهله، وأخص من جهة وصفه، يعني: أعمال المسلمين أقل من أعمال أهل الإيمان. كذلك يقال: أهل الإيمان أكثر أعمالاً؛ لأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والقدر، وصلوا وصاموا، وحجوا واجتهدوا، وتشهدوا وذكروا الله، وأما أهل الإسلام فهم أقل أعمالاً، وصفهم إنما هو: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، يعني: الأعمال الظاهرة، فهم أقل أعمالاً، هذا معنى كونه أقل من جهة وصفه، وأكثر من جهة أهله. كذلك نقول: أهل الإحسان أقل من أهل الإيمان، فأهل الإيمان أكثر من أهل الإحسان، يعني: أكثر من جهة أهله، وأقل من جهة وصفه -من الإحسان-؛ وذلك لأن أهل الإحسان جمعوا الخصال الثلاث فأصبحوا مؤمنين مسلمين محسنين، فهم جمعوا بين الإتقان للعمل، وبين العبادة لله كأنهم يرونه، وبين مراقبته، وبين الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، والصلاة، والصوم، والحج، جمعوا الأعمال كلها، وتركوا السيئات وابتعدوا عن الآثام، فهم أكثر من جهة الوصف، ولكنهم أقل من أهل الإيمان. فأهل الإحسان أقل من أهل الإيمان، وأهل الإيمان أقل من أهل الإسلام، ولكن أهل الإسلام أقل أعمالاً من أهل الإيمان، وأهل الإيمان أقل أعمالاً من أهل الإحسان، هذا معنى كونهم أقل من كذا وأكثر من كذا. ومثل الشارح ذلك بالنبوة والرسالة، بمعنى أن الأنبياء أكثر من الرسل، ولكن هم أقل مسئولية، وأقل عملاً من الرسل، فإن الرسل عليهم أعمال ليست على الأنبياء، ولكن الرسل أقل عدداً، فليس كل نبي رسولاً، فالرسالة أقل من جهة أهلها، وأكثر من جهة وصفها، فإن النبي هو الذي أوحي إليه، وهو الذي أمر بالتبليغ، وهو الذي دعا، وهو الذي كُذِّب، وهو الذي عودي وأوذي، فهو أكثر عملاً، والرسل أقل عدداً من الأنبياء، فالأنبياء أكثر من جهة الأهل، وأقل من جهة الوصف، يعني من جهة الأعمال، فهذا تمثيل بالنبوة وبالرسالة، وكذلك أهل الإيمان وأهل الإحسان وأهل الإسلام. فإذا عرفنا أن هذه كلها من الأعمال الشرعية فالإنسان يحرص على أن يجمع بينها كلها، فيحرص على أن يأتي بالأعمال الظاهرة -وهي أركان الإسلام-، ويحقق الأعمال الباطنة -وهي أركان الإيمان-، ويحرص -أيضاً- على الأعمال الغيبية حتى يكون من أهل مرتبة الإحسان، فيجمع بين المراتب كلها. ومعلوم -أيضاً- أن المسلم إذا تسمى بأنه مسلم، ودخل في الإسلام؛ أصبح ملزماً بأمور يعتقدها، تسمى عقائد، وأصبح ملزماً بأعمال يعملها، وبأقوال يقولها، وكلها داخلة في الدين، ولأجل ذلك جعل النبي ﷺ هذه الأشياء كلها من الدين في قوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ، فجعل الإسلام والإيمان والإحسان كله من الدين الذي بعث الله به هذا، وسماه دين الإسلام في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .

стр. 621

اختلاف الناس في مسمى الإسلام قال الشارح رحمه الله تعالى: [فمن حقق هذا كله فقد حقق الدين الذي جاءت به الرسل، ومن نقص شيئاً نقص بحسبه. وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال: فطائفة جعلت الإسلام هو الكلمة. وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة. وطائفة جعلوا الإسلام مرادفاً للإيمان، وجعلوا معنى قول الرسول ﷺ : (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة) -الحديث- شعائر الإسلام. والأصل عدم التقدير، مع أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب. ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد، فيكون الإسلام هو التصديق! وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة، وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النبي ﷺ : (اللهم لك أسلمت وبك آمنت) ، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بينهما أن نجيب بغير ما أجاب النبي ﷺ . وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمناً بلا نزاع، وهذا هو الواجب، وهل يكون مسلماً ولا يقال له: مؤمن؟ تقدم الكلام عليه] . كلمة (الإسلام) كلمة شرعية، ولها معنى في اللغة، ومعنى الإسلام في الشرع قريب من معناه في اللغة، وعرفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بداية الأصول بقوله: الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهذا تفسير للإسلام بما يقرب من معناه اللغوي الذي هو: الإذعان والانقياد. وأما تفسيره في الشرع فلا أوضح من تفسير النبي ﷺ له بالأركان الخمسة؛ وذلك لأنها أدل دليل على إذعانه وانقياده والتزامه، فإن من التزم هذه الأركان انقاد لربه ولم يستعصِ، وفعلها منقاداً ظاهراً كأنه يقاد من زمام إلى هذه الأعمال كما يقاد البعير المذلل، فلا يستعصي ولا ينفر، فإن البعير إذا كان ذلولاً -يعني: قد ذلل وقد عسف وقد انقاد- فإنه يأتي صاحبه بأدنى إشارة، فينساق إذا ساقه، وينقاد إذا قاده. فهذا مثال للمسلم، ينقاد إلى أمر الله، ويذعن لأمره، ويتذلل له، بخلاف الكافر الذي إذا أمره الله استعصى، وأظهر الشقاق، وعاند، وامتنع، وشدد في الامتناع، فهو مثل الجمل الشرود الذي كلما قرب منه صاحبه نفر منه وابتعد، ولا يستطيع أن يأتيه إلا بقوة، وقد يتمانع على صاحبه ولا يمكنه من ركوبه، ولا من قيادته، ولا من غير ذلك، فهذا سبب تسمية من دخل في هذا الدين مسلماً، يعني: مستسلماً في الظاهر. من الناس من يقول: إن الإسلام هو مجرد الكلمة، أي: (أسلمنا) يعني: انقدنا ظاهراً، ولأجل ذلك أنكر الله على من ادعى الإيمان وهو ليس بمؤمن، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، وعلى هذا فيفسر الإيمان بالكلمة التي هي قوله: (أسلمنا) ، ولكن التفسير الواضح هو أن يفسر بمن التزم بالأركان الخمسة، فيقال: هذا مسلم أي: ملتزم، والله أعلم بحقيقة باطنه. أما إذا ذكر الإسلام والإيمان معاً فإن الإسلام يفسر بالأركان الخمسة لأنها ظاهرة، والإيمان يفسر بأعمال القلب. لكن إذا اقتصر على الإيمان، فقيل: هذا مؤمن، أو: هؤلاء أهل الأيمان؛ فلابد أن يكونوا مسلمين، ولابد أن يكونوا قائمين بالأركان الخمسة، وأن يكونوا قائمين ومعتقدين للأركان الستة التي هي العقيدة، فعلى هذا: من كان مؤمناً فهو مسلم. أما إذا اقتصر على الإسلام فهل يدخل فيه الإيمان أم لا يدخل؟ من العلماء من يقول: إن اسم (المسلم) عند الإطلاق يعم المؤمن، والملتزم لابد أن يكون ملتزماً بالرسالة وبكل ما جاء فيها، دليله: قول النبي ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه) ، فاشترط الكفر بما يعبد من دون الله. وثبت -أيضاً- قوله ﷺ في وصف الكفار: (أنهم لا ينجون حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به) ، فجعل ذلك -أيضاً- شرطاً لعصمتهم ولقبولهم، وبذلك يعرف أنهما متلازمان، كل مسلم يلزم أن يكون مؤمناً، وكل مؤمن يستلزم الإسلام.

стр. 622

إطلاق الإسلام على ما يشمل الإيمان مسألة مسمى الإيمان والإسلام، وما يتفرع عن هذه الأسماء، بحث العلماء وأفاضوا في هذا البحث، ومن خلال بحثهم يتبين حثهم على أن يكون المسلم المؤمن عاملاً بمقتضى هذا الاسم، فإنه إذا تسمى بأنه مسلم لم يكفِ مجرد التسمي حتى يظهر عليه أثر هذا الاسم، فلم يكتف بمجرد الانتساب حتى يظهر عليه أثر هذا الاسم، فلأجل ذلك جعلوا الاسم يشمل ما في القلب، ويشمل ما على اللسان، ويشمل ما على الأركان؛ ليصدق بذلك مسمى الإيمان؛ وذلك لأنه لو كان الإيمان هو مجرد ما يكون في القلب لما كان هناك فرق بين الناس، بل كل يقول: أنا مؤمن، ثم بعد ذلك يعمل ما يشاء! فإذا عرفنا أن الإيمان له آثار، وله مكملات؛ عرفنا بذلك من هو صادق ومن هو كاذب، فحقائق الأشياء تظهر بعلامات، فحقيقة الإيمان علامته العمل، كما أن حقيقة الإسلام علامته العمل، فمن ادعى أنه مؤمن فلابد أن يعمل، فإن العمل من تمام الإيمان، كما أن من ادعى أنه يحب الله فلابد أن يطيعه، لابد أن تظهر عليه آثار هذه المحبة، أما أنه يحب الله ولكنه لا يطيعه؛ بل يعصيه، فليس بصادق، كما روي عن بعض السلف أنه قال: من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه باطلة. والموافقة: هي الطاعة، أي: تمام الطواعية بالأعمال الصالحة، هذه هي حقيقة الموافقة، أي: موافقة ما أمر الله، وذلك لأن المحب لابد أن يتأثر بمحبوبه، ولابد أن يظهر عليه آثار هذا الحب. ولأجل ذلك ورد في الأحاديث الحث على محبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، وبيان أثرهما، فقال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) ، وهذه الثلاث كلها متلازمة، وكلها من آثار محبة الله، فإن من أحب الله وأحب رسوله، وقدم محبتهما على غيرهما؛ أطاع الله ورسوله. كذلك من آثار محبة الله ومحبة رسوله: أن يحب أولياء الله، من كانوا وأينما كانوا، ولو كانوا أباعد أجانب. كذلك من آثار محبة الله: أن يبغض معاصي الله، وأن يبغض العصاة الذين يبغضهم الله. كذلك من آثار محبة الله: أن يكره الكفر الذي يبعده عن ربه، وأن يؤثر الإيمان والطاعة التي تقربه إلى ربه. فهذا مثال في أن العمل تابع للإيمان، وأثر من آثاره، ولازم من لوازمه، وكذلك لازم من لوازم الإسلام، ولأجل ذلك روي عن الحسن ﵀ أنه قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال) ، فجعل الأعمال أثراً من آثار الإيمان الذي يكون في القلب. وبكل حال: من ظهرت عليه الأعمال الصالحة فهو المؤمن، ومن ادعى أنه مؤمن ولم تظهر عليه آثار الأعمال الصالحة فليس بمؤمن، ولو كان باطنه حسناً، فإننا لا نعمل إلا بالظاهر، أما الذي في الباطن والذي في القلب فلا يحاسب عليه إلا الرب، أما نحن فلنا أن نعتبر الإنسان بما يظهر لنا، فمن أظهر لنا خيراً وعمل بر شهدنا له بالإيمان، وشهدنا له بالصلاح. ومن أظهر لنا فسوقاً وعصياناً ومخالفات وسيئات أبغضناه، وشهدنا له بالفسوق وبالمعصية، ومقتناه ولو كان باطنه حسناً؛ لأن الله تعالى هو الذي يحاسب على ما في القلب، فهو علام الغيوب، هكذا يجب علينا. وبكل حال: قد عرفنا أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأنه لا يتم الإيمان إلا بالأعمال، وأن الإنسان عليه أن يحقق إيمانه بأعماله التي يعملها، سواء كانت أقوالاً يتلفظ بها كالأذكار والأدعية والتلاوة ونحوها، أو أعمالاً يعملها بيديه أياً كانت؛ كجهاد في سبيل الله، ونفقة في وجوه الخير وما أشبه ذلك، أو أعمالاً قلبية، كحب من يحبه الله، وبغض أعداء الله وما أشبه ذلك، أو بجميع جوارحه، فإذا كان كذلك سمينا هذه الأعمال كلها من الإيمان، وسمينا أصحابها مؤمنين، سواء كانوا مؤمنين كاملي الإيمان أو لا، وبذلك يعرف أن الإيمان يتفاوت أهله فيه بحسب الأعمال.

стр. 623

التلازم بين الإسلام والإيمان قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان؟ فيه النزاع المذكور، وإنما وعد الله بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١] . وأما اسم الإسلام مجرداً فما علق به في القرآن دخول الجنة، لكنه فرضه، وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه، وبه بعث النبيين، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] . فالحاصل: أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد. كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به صح إسلامه، ونظائر ذلك في كلام الله ورسوله وفي كلام الناس كثيرة -أعني في الإفراد والاقتران- منها: لفظ الكفر والنفاق، فالكفر إذا ذكر مفرداً في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥] ، ونظائره كثيرة. وإذا قرن بينهما كان الكافر من أظهر كفره، والمنافق من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه. وكذلك لفظ البر والتقوى، ولفظ الإثم والعدوان، ولفظ التوبة والاستغفار، ولفظ الفقير والمسكين وأمثال ذلك] .

стр. 624

استلزام الإسلام للإيمان والعكس هذا الكلام في الفرق بين الإسلام والإيمان، ولا شك أنهما مسميان شرعيان، وقد ذكرنا أن لهما مسمى في اللغة؛ وأن الإسلام في اللغة: الإذعان والاستسلام، والإسلام في الشرع: هو هذا الدين الذي هو الشرائع؛ قبولها والعمل بها، وأركانه خمسة كما هو معروف. والإيمان في اللغة: مجرد التصديق، والإيمان في الشرع تدخل فيه الأعمال. والكفر في اللغة: هو الستر والجحد والإنكار، والكفر في استعمال الشرع: هو الكفر بالله، يعني جحد دين الله وإنكاره. والنفاق في اللغة: مشتق من الإخفاء؛ لأنه شيء خفي، والنفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وهكذا بقية المسميات. فعلى هذا نقول: إن الإسلام والإيمان كلاهما مسميان شرعيان، وكلاهما مطلوبان ومفروضان على العباد، ولابد على العبد أن يعرف مسماهما، وأن يدين لله تعالى بهما، فيدين لله بأنه هو الإله الحق، وأنه هو الذي فرض عبادته على الخلق، ويدين للرسول ﵊ بأنه مرسل من ربه، وأنه يحمل هذه الرسالة التي هي الشريعة، ويدين لله بالعبادات، ومن جملتها بقية أركان الإسلام، فيؤدي الصلوات، ويخرج الزكاة، ويصوم، ويحج، ويجاهد، ويعمل بالأعمال الشرعية التي أوجبها الله، فبذلك يكون مسلماً ظاهراً، وكذلك يصحح عقيدته، فيعتقد ويجزم بأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص، وبأنه لا تصلح الإلهية إلا له وحده، وبأنه خالق الكون ومدبر الأمور، وكذلك يؤمن بأمور الغيب التي تقدم تفصيلها، وإن لم يرها، فبذلك يصير جامعاً بين الإسلام والإيمان. هذا مجمل القول في الإسلام والإيمان.

стр. 625

اجتماع الإسلام والإيمان وافتراقهما يقول العلماء: إذا جمع بين الإسلام والإيمان، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بأعمال القلب، ولا شك أنهما متلازمان، وكل من اتصف بواحد منهما دون الآخر لم يكفِ، فالذي يقول: أنا مؤمن إيماناً خفياً لا يكفيه، إلا أن يأتي بالأعمال الظاهرة التي هي أركان الإسلام، والذي يأتي بالأركان الظاهرة علانية، ولكن قلبه فاسد، لا تنفعه هذه الأركان ولو صلى ولو صام وحج وزكى؛ ما دام أنه من غير عقيدة، ولأجل ذلك كثيراً ما يجمع الله بينهما، مما يدل على أن الوصف لابد أن يأتي عليهما، قال الله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، فوصفهم بأنهم من المؤمنين، ثم وصفهم بأنهم من المسلمين، فدل على أنهم جمعوا بين الأمرين: بين الإسلام والإيمان، ولكن لا يكفي الإيمان عن الإسلام، ولا يكفي الإسلام عن الإيمان، وإن كان أحدهما إذا أفرد دخل فيه الآخر. وقد كذب الله الأعراب الذين قالوا: آمنا، وهم ليسوا بمؤمنين حقيقة في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، فأخبر بأنهم قالوا: آمنا، وهم ليسوا بمؤمنين حقيقة، حيث إن قلوبهم لا يزال فيها ريب وشك، ولا يزال عندهم توقف وتردد في صحة ما جاء به الرسول ﵊، وفي تصديقه بالأمور الغيبية؛ فلأجل ذلك قال: ((وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)) أي: لم يصل إلى قلوبكم، فأنتم أسلمتم ظاهراً، والإيمان الذي منبعه القلب لم يصل إلى قلوبكم حقيقة. وثبت في الصحيح (أن سعد بن أبي وقاص كان عند النبي ﷺ ، فقسم قسماً وترك واحداً من أهل المجلس، فقال: ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً؟! فقال النبي ﷺ : أو مسلماً) يعني: الأولى أن تقول: مسلم، ولا تحكم له بالإيمان، فإن الإيمان يجمع بين الباطن والظاهر، وأنت لا تعرف منه إلا الظاهر. هكذا يفسر الإسلام والإيمان إذا اجتمعا، فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، ويفسر الإيمان بأعمال القلب. وضرب له الشارح أمثلة فقال: الإسلام والإيمان متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، مثل الشهادتين، فالشهادتان متلازمتان من شهد بإحداهما لزمته الأخرى، بل هي مكملة لها؛ لأنا نقول: من أين عرفت أنه لا إله إلا الله، وعرفت بأن الله هو الإله الحق، وأنه لا تصلح الألوهية إلا له؟! أليس ذلك بواسطة الرسالة؟! إذاً: فيلزمك تصديق الرسول، والشهادة له بأنه مرسل من ربه. وإذا صدقت الرسول ﵇ في أنه رسول، وأنه مبعوث من ربه، فما هي الرسالة التي بلغها؟ أليس أول شيء بدأ به هو التوحيد بأن يقال: لا إله إلا الله؟ فالرسول ﵊ بدأ يدعو الناس إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وهذا هو أعظم الرسالة التي بلغها، فالشهادتان متلازمتان، فمن شهد أن لا إله إلا الله ألزم بأن يأتي بالشهادة الثانية وهي الشهادة بالرسالة، ومن شهد أن محمداً رسول الله لزمه قبول رسالته التي أهمها قول لا إله إلا الله، فعرفنا بذلك أنهما متلازمتان. فكذلك الإسلام والإيمان متلازمان، فمن أسلم في الظاهر قلنا له: لابد أن يكون إسلامك نابعاً عن قلب، ومن آمن في الباطن، وحقق الإيمان الذي في قلبه، قلنا: لابد أن يكون الذي في قلبك له أثر وله علامات، تظهر على سمعك وعلى بصرك، وعلى يديك وعلى لسانك وعلى رجليك، وعلى مالك وعلى حالك، فإذا أظهرت ذلك فأنت مؤمن، وإذا لم تظهره فلست بمؤمن.

стр. 626

اجتماع الكفر والشرك والنفاق والعصيان وافتراقهما ذكر الشارح أن كثيراً من الأمور تقترن، ويفسر أحدهما بكذا والآخر بكذا، مثل: الكفر والنفاق. والكفر من الأمور الشرعية التي بينها الشرع واستعملها، والنفاق من الأمور الشرعية التي بينها الشرع، وإن كان له مسمى في اللغة. كذلك -أيضاً- الكفر والشرك متلازمان، فإن كل من كفر وصف بأنه مشرك، وكل من أشرك وصف بأنه كافر؛ لأن الشرك مشتق من الشركة -أي: الاشتراك- كأنه جعل عبادته مشتركة بين الخالق والمخلوق، ولا شك أن هذا يعم كل من حكم بكفره؛ وذلك لأنه أطاع غير الله، ولو لم يطع إلا الشيطان الذي نهاه عن عبادة الله، أو أمره بأن يعبد المخلوق، أو أمره بأن يجحد الرسالة أو نحو ذلك، فيكون قد عبد الشيطان، ولأجل ذلك يقول العلماء: إن كل من عبد غير الله فعبادته منصبة على الشياطين. ولذلك لما نزل قول الله تعالى في آخر سورة الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال المشركون: كيف تزعم أن ما نعبده حصب لجهنم، ونحن نعبد الملائكة، فهل الملائكة حصب لجهنم؟! والنصارى يعبدون المسيح، فهل المسيح حصب لجهنم؟! واليهود يعبدون عزيراً، فهل عزير -وهو عبد صالح- من حصب جهنم؟! لكن لم يعبدوها حقيقة، وإنما عبادتهم تنصب على الشياطين) ، فالشياطين هي التي دعتهم إلى عبادتها فأطاعوها، فأصبحوا عابدين للشياطين، وإلا فالملائكة بريئة منهم كما حكى الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] يعني: جن الشياطين. فالحاصل: أن الشرك والكفر متلازمان، فكل من أشرك قيل: هذا كافر مشرك، وكل من كفر بالله أو بنعمة الله قيل: هذا مشرك كافر، يعني يصدق عليه الوصفان ويتلازمان. وكذلك -أيضاً- المنافق موصوف بأنه منافق، وبأنه كافر، ودليل ذلك قول الله تعالى في سورة المنافقون: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣] فسماهم المنافقين في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] ، وفي الآية بعدها وصفهم بأنهم قد آمنوا ثم كفروا، فدل على أن كل من نافق فهو كافر، ولو كان يظهر للناس أنه معهم؛ لأنه كما وصف الله المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤] أي: رؤساؤهم الذين يدعونهم إلى النفاق، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] فهذا دليل على أنهم في الباطن مع الكفار. فهذا دليل على أن هذه الأعمال متلازمة، لا يتم الإيمان إلا بها، الإسلام والإيمان والتوحيد واليقين، ورد في بعض الأحاديث: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله) ، وغيرها من المسميات الشرعية، وكذلك أسماء الكفر متلازمة، مثل الفسوق والعصيان والشرك والكفر والنفاق وما أشبهها، إذا وصف واحد بوصف منها انطبقت عليه الأوصاف، فيقال: هذا فاسق وكافر وضال وعاص ومشرك ومنافق ونحو ذلك، تنطبق عليه، وإن كان النفاق يختص بمن أخفى كفره، ولا يعم من أظهر كفره، لكنه في الحقيقة كثيراً ما ينطبق عليه أنه منافق ولو كان مظهراً لكفره غالباً.

стр. 627

الكلام على آية الحجرات في الفرق بين الإسلام والإيمان قال الشارح رحمه الله تعالى: [ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] إلى آخر السورة، وقد اعترض على هذا بأن معنى الآية: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) : انقدنا بظواهرنا، فهم منافقون في الحقيقة، وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة. وأجيب بالقول الآخر، ورجح، وهو: أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان، لا أنهم منافقون، كما نفى الإيمان عن القاتل والزاني والسارق ومن لا أمانة له، ويؤيد هذا سياق الآية، فإن السورة من أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي، وأحكام بعض العصاة، ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤] ، ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة. ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] يعني -والله أعلم- أن المؤمنين الكاملي الإيمان هم هؤلاء، لا أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل. يؤيد هذا: أنه أمرهم -أو أذن لهم- أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقال له ذلك، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى عنهم الإيمان، ونهاهم أن يمنوا بإسلامهم، فأثبت لهم إسلاماً، ونهاهم أن يمنوا به على رسوله، ولو لم يكن إسلاماً صحيحاً لقال: لم تسلموا، بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] . والله أعلم بالصواب] . هذه الآية في سورة الحجرات ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] يعني: أن المؤمنين حقاً هم الذين اتصفوا بهذه الصفات: أولاً: التصديق الجازم بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وبالرسول ﷺ وبما جاء عنه على مراده. ثانياً: نفي الريب، والبعد عن الريب الذي هو الشك: (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي: لم يداخل قلوبهم شك ولا توقف، بل هم على يقين جازم بما هم عليه، دون أن يشكوا في شيء من أمر البعث أو الحشر أو الجزاء أو نحو ذلك. ثالثاً: العمل، وهو قوله: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فهذا من أمثلة العمل، يعني: أنهم جمعوا بين الإيمان الذي هو العقيدة وعدم الريب والعمل، فيكون ذلك هو حقيقة الإيمان، هؤلاء هم المؤمنون حقاً، إنما المؤمنون من كان على هذا الوصف. والحاصل: أن الله نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام بقوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) ، وأخبر بأن الإيمان لم يصل إلى قلوبهم، ولكن آمنوا إيماناً ظاهراً، ولا شك أن هؤلاء الأعراب من بوادي المسلمين، دخلوا في الإسلام، ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولأجل ذلك ارتد الكثير منهم لما مات النبي ﷺ ؛ وذلك لأنهم لم يتمكنوا ولم يتوغلوا في الإسلام، فهؤلاء مسلمون، ولكن لم يكونوا على يقين، ولم تصل إليهم الأدلة اليقينة. هناك من يقول: إنهم منافقون. والصواب: أنهم ليسوا من المنافقين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١] ، ووصفهم بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] ، بل هؤلاء أسلموا ظاهراً وانقادوا؛ ولكن لم تطمئن قلوبهم، ولعل إسلامهم كان بالغلبة لما أنهم غلبوا، أو لعل إسلامهم كان بالظهور، لما رأوا الإسلام يعلو ويظهر آمنوا كتجربة وكنظر، يقولون: ندخل في هذا الإسلام، ثم بعد ذلك نختبره وننظر، فإن كان له الرفعة والمنعة والنصرة والقوة والتمكين اطمأننا فيه، وكذلك إن وجدنا منه سعة ووجدنا منه ثروة وغنى وراحة ومحبة لمطلب أو توسعة علينا، قبلناه وتأثرنا به، وإن وجدنا غير ذلك رددناه ورجعنا على ما كنا عليه. فدخلوا عن تجربة لا عن يقين، فليسوا مثل الصحابة الذين دخلوا عن يقين. وما أكثر الذين هذه حالتهم! ولكن إذا منَّ الله على العبد فدخل الإسلام، ثم بعد ذلك يسر له من يشرح له تعاليم الإسلام والإيمان، ويبين له الأدلة اليقينية؛ فإنه عند ذلك يقتنع، وينشرح بذلك صدره، ويعرف ويستيقن بأن الإسلام هو الدين الحق، وأنه هو الدين الصواب، فعند ذلك تظهر عليه آثار الإسلام، وهي الأعمال الصالحة.

стр. 628

انتفاء دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان قال الشارح ﵀: [وينتفي بعد هذا التقدير والتفصيل دعوى الترادف، وتشنيع من ألزم بأن الإسلام لو كان هو الأمور الظاهرة لكان ينبغي ألا يقابل بذلك، ولا يقبل إيمان المخلص وهذا ظاهر الفساد، فإنه قد تقدم تنظير الإيمان والإسلام بالشهادتين وغيرهما، وأن حالة الاقتران غير حالة الانفراد. فانظر إلى كلمة الشهادة فإن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) الحديث، فلو قالوا: لا إله إلا الله، وأنكروا الرسالة؛ ما كانوا يستحقون العصمة، بل لابد أن يقولوا: لا إله إلا الله. قائمين بحقها، ولا يكون قائماً بلا إله إلا الله حق القيام إلا من صدق بالرسالة، وكذا من شهد أن محمداً رسول الله، لا يكون قائماً بهذه الشهادة حق القيام إلا من صدق هذا الرسول في كل ما جاء به. فتضمنت التوحيد. وإذا ضممت شهادة أن لا إله إلا الله إلى شهادة أن محمداً رسول الله كان المراد من شهادة (أن لا إله إلا الله) إثبات التوحيد، ومن شهادة (أن محمداً رسول الله) إثبات الرسالة. كذلك الإسلام والإيمان: إذا قرن أحدهما بالآخر، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ، وقوله ﷺ : (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت) ؛ كان المراد من أحدهما غير المراد من الآخر، وكما قال ﵊: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) ، وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه، وكما في الفقير والمسكين ونظائره، فإن لفظي الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فهل يقال في قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] أنه يعطى المقل دون المعدم أو بالعكس؟ وكذا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] . ويندفع أيضاً تشنيع من قال: ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن في الدنيا والآخرة؟ فمن يثبت لأحدهما حكماً ليس بثابت للآخر ظهر بطلان قوله! ويقال له في مقابلة تشنيعه: أنت تقول: المسلم هو المؤمن، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فجعلهما غيرين، وقد قيل لرسول الله ﷺ : (ما لك عن فلان! والله إني لأراه مؤمناً؟ قال: أو مسلماً، قالها ثلاثاً) ، فأثبت له الإسلام وتوقف في اسم الإيمان، فمن قال: هما سواء. كان مخالفاً، والواجب رد موارد النزاع إلى الله ورسوله. وقد يتراءى في بعض النصوص معارضة، ولا معارضة بحمد الله تعالى، ولكن الشأن في التوفيق، وبالله التوفيق] . هذا الكلام يتعلق بالجمع بين الإسلام والإيمان في بعض المواضع، كالآيات التي سمعنا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ؛ هل هذه الصفات يكتفى بواحدة منها؟ لا يكتفى، بل هي متلازمة، فإن من أسلم لزمه الإيمان، ومن آمن لزمه القنوت، ومن قنت لزمه الصبر، ومن صبر لزمه الصيام إلى آخرها، فهي صفات مترابطة، وكلها من صفات أهل الإيمان، ولكن عطف بعضها على بعض من باب كثرة الأعمال، يعني أنهم متصفون بها كلها، وأنها كلها أعمال صالحة، فكل منها له معنى، وله تفسير. فالقنوت يفسر بأنه: دوام الطاعة. وهذا من لوازم الإسلام والإيمان، والصدق يفسر بأنه مطابقة القول للعمل، أو مطابقة العمل للقول. يعني: أن يصدق قوله عمله، وهذا من لوازم الإسلام والإيمان، فالذي يسلم ويؤمن ولكنه لا يصدق لا يقبل منه، ولأجل ذلك جعل الصدق من شروط (لا إله إلا الله) في قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله. صادقاً من قلبه دخل الجنة) ، فلابد من الصدق، فلذلك وصفهم الله بقوله: ((والصادقين والصادقات)) ، ولابد من الصبر؛ فإن الذي يسلم ويؤمن يؤمر بالأعمال، فإذا أمر بالأعمال فلابد أن يصبر على الطاعات ولو كان فيها مشقة، ويصبر عن المحرمات ولو نازعته نفسه إليها، فإذا لم يصبر انثلم إيمانه، وانخرمت أوصافه الدينية، فلابد أن يكون متصفاً بهذه الأعمال كلها. فالحاصل: أن العطف في هذه الآية لمجرد كثرة الصفات، لا للتغاير، وإلا فواحدة منها تستلزم البواقي، فالإسلام الحقيقي يستلزم الإيمان والقنوت والصدق والصبر والصيام إلى آخرها، فتكون كلها من تمامه. وكذلك بقية الآيات التي سمعنا، فإن قول الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] دليل على أنهم جمعوا بين الوصفين. فنقول: لا شك أن الشهادتين كل منهما مستلزمة للأخرى، شهادة أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله، أول ما بعث النبي ﷺ كان يدعو الناس إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله. يقول في الأحاديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) ، وأكثر الأحاديث لم يذكر فيها الشهادة الثانية، ولكنها مستلزمة لها، وفي بعض الروايات: (ويؤمنوا بي وبما جئت به) ، وهذا هو التصديق بالرسالة، فمن قال: لا إله إلا الله. ولكنه لم يأتِ بالشهادة الثانية لم تنفعه، فهما متلازمتان، وكذلك من قال: أنا مسلم. ولم يأتِ بصفة الإيمان؛ لم ينفعه، فلابد أن يأتي بصفة الإيمان حقاً حتى يصدق عليه أنه جمع بين الوصفين -الإسلام والإيمان- الحقيقيين. وكذلك بقية الأدلة تدل على أنه لابد لكل من أتى بصفة أن يأتي ببقية الصفات، وإلا فليس بصادق. فهذه الأوصاف التي وصف الله بها عباده لا شك أن كلها أسماء لمسمى واحد، وهو حقيقة هذا الدين الذي يدينون به، فإن الله سماه دين الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، والدين هو ما يدان به، يعني: ما يدين به العبد ويتقرب به، فمن أسمائه أنه دين، ولكن من فروعه هذه العبادات التي تسمى فروعاً، وتسمى شعباً للإيمان، وتسمى أركاناً للإيمان، وأركاناً للإسلام، وتسمى مراتب للدين، رتبة الإسلام ثم رتبة الإيمان ثم رتبة الإحسان، وتسمى أركاناً ودعائم يتكون منها ويتقوم منها. والمسلم عليه أن يأتي بهذه الأركان كلها، ومبدؤها -كما هو معروف- الإتيان بالشهادتين، ويتفرع عن الشهادتين قبول الرسالة، فإن من أتى بـ (لا إله إلا الله) لزمته جميع أنواع العبودية، لأنك إذا قلت: لا إله إلا الله. قلنا: الله هو الإله، فهو المعبود، وهو المحمود، وهو المدعو، وهو الذي يشكر، وهو الذي يذكر، وهو الذي يتقرب إليه، وهو الذي يطاع، وهو الذي يوحد. وإذا قلت: إن محمداً رسول الله، أو: عبد الله ورسوله. قلنا: إذا قلت ذلك فيلزمك أن تؤمن به، وأن تصدقه، وأن تتبعه، وأن تحبه، وأن تتأسى به وتقتدي به، وأن تقدم سنته على غيرها، ونحو ذلك، ويلزمك أن تعتقد صحة رسالته، وأن تقبل كل ما بلغه، فكل ذلك من تمام قولك: إنه رسول الله. فإن وظيفة الرسول أنه يطيعه المرسل إليهم. هذا معنى تلازم الشهادتين، وتلازم وصف الإيمان والإسلام.

стр. 629

نفي الاحتجاج بآية الذاريات على ترادف الإيمان والإسلام قال الشارح ﵀: [وأما الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] على ترادف الإسلام والإيمان، فلا حجة فيه؛ لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان، ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما. والظاهر: أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة ﵁، وإنما هي من الأصحاب، فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة! وقد حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث: (أي الإسلام أفضل؟) إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: (أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان) ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بم أجيبه، وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ ؟!] . قد سبق كلام طويل يتعلق بالإيمان والإسلام، وما يدخل في الإسلام، وما يدخل في الإيمان، والمسألة قديمة، حدث فيها خلاف بين المرجئة وبين أهل السنة، فذهب المرجئة إلى أن الإيمان هو تصديق القلب، وجعلوا الأعمال ليست من مسمى الإيمان، وذهب أهل السنة إلى أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإيمان له شعب وله فروع، كلها تسمى إيماناً، فتسمى الصلاة إيماناً أو شعبة من الإيمان، والشهادتان إيمان أو بعض من أصل الإيمان، والزكاة من الإيمان، والصدقة من الإيمان، والأذكار والأدعية إيمان وهكذا. وسبق -أيضاً- الخلاف: هل الإسلام غير الإيمان؟ وهل هما متغايران أم مترادفان؟ فذهب بعضهم إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد. والمحققون على أن الإسلام أوسع من الإيمان، وأن الإنسان قد يصير مسلماً ولا يصل إلى درجة الإيمان، فعلى هذا يكون الإيمان أخص من الإسلام. والذين سووا بينهما احتجوا على أن الإسلام والإيمان شيء واحد بهذه الآيات التي في سورة الذاريات، وهي قوله تعالى في قصة قوم لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، والكلام من الملائكة الذين يخاطبون إبراهيم ﵇ بأنهم سوف يخرجون أهل الإيمان، فوصفوا أهل ذلك البيت -وهم لوط وأهل بيته- بأنهم مسلمون وبأنهم مؤمنون؛ فقيل: لأن الإيمان والإسلام مترادفان. والصحيح أن الآية لا تدل على أن الإسلام هو الإيمان، وذلك لأن أهل بيت لوط كانوا متصفين بالإسلام وبالإيمان، فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو العقيدة الراسخة، كما تقدم أنه ﷺ فسر الإسلام في حديث جبريل بأركانه الخمسة، وفسر الإيمان بأركانه الستة، فجعل الإسلام أعمالاً: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم. وجعل الإيمان عقيدة، وهو: التصديق بالله، وبالملائكة، وبالرسل، وبالكتب، وبالبعث بعد الموت، وبالقضاء والقدر، جعل هذا هو الإيمان، فأفاد أن الإيمان أصلاً هو ما يقوم بالقلب من هذا التصديق، ولكن لا شك أن التصديق إذا كان راسخاً في العقل متمكناً في القلب نتجت عنه الأعمال، فأصبحت الأعمال هي الدلالة على أن هناك تصديقاً صادقاً، فلذلك دخلت العبادات في اسم الإيمان، فهذا أوضح الأدلة في أن الإسلام أوسع من الإيمان. قد ذكرنا أن من العلماء من جعل الإسلام والإيمان والإحسان درجات، فمثلاً: درجة الأرضية الواسعة هي الإسلام، والدرجة الثانية: هي الإيمان، كأن المؤمنين خلاصة من المسلمين، انتقوا وخلصوا حتى صعدوا إلى الدرجة الثانية أو المرتبة الثانية، ثم خلصت من المؤمنين خلاصة الخلاصة وصفوة الصفوة، وجعلوا في المرتبة الثالثة، وسموا بالمحسنين أو بأهل الإحسان، كما في حديث جبريل أنه قسم المراتب ثلاثاً: الإسلام، والإيمان والإحسان، فأوسعهم أهل الإسلام، ثم بعد ذلك خلاصتهم أهل الإيمان، ثم بعده خلاصة الخلاصة أهل الإحسان، وهم أقل. فيقال في أولئك الخلاصة: أنتم مسلمون ومؤمنون ومحسنون، أسلمتم أولاً، ثم آمنتم بعد ذلك، ثم أحسنتم ووصلتم إلى الرتبة العالية. ويقال لأهل الإيمان: آمنتم بعدما أسلمتم. ويقال لأهل الإسلام: أسلمتم فقط، لم تصلوا إلى الإيمان. فعلى هذا فالإنسان الكامل هو الذي وصل إلى مرتبة الإحسان، أسلم ثم آمن ثم أحسن، وقد تقدم تفسير الإحسان بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، فكذلك يقال: الإيمان الحقيقي هو الذي تنتج عنه الأعمال، أما تصديق لا تنتج عنه أعمال فليس بإيمان.

стр. 630

الشبه الواردة عن الحنفية لإخراج الأعمال عن الإيمان ليست منقولة عن الإمام أبي حنيفة هذه الحجج التي أوردها الشارح على أنها أدلة للحنفية في التفريق بين الإسلام والإيمان، ويجعلون الإيمان مجرد التصديق، ويجعلون أعمال الإسلام ليست داخلة في الإيمان؛ يقول الشارح: إن هذه الأدلة ضعيفة، وإنها لا يمكن أن تصدر من أبي حنيفة مع جلالته ومع معرفته ومع قوة فهمه، لكونها منهارة ضعيفة. واستدل على أن أبا حنيفة متى احتج عليه بالحديث توقف عن رده، كما احتج عليه حماد بن زيد -وهو من علماء الحديث- في التفرقة بين المسلمين والتفاوت بينهم، بقوله ﷺ لما قيل له: (ما أفضل الإسلام؟ فقال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله) ، فجعل الإيمان زائداً عن مسمى الإسلام، فدل على أن المسلمين يتفاوتون، فإذا كان المسلم ممن تمكن الإسلام في قلبه وصل إلى مرتبة الإيمان، وهي: قوة العقيدة مع الانبعاث على العمل، فـ أبو حنيفة لما احتج عليه بهذا الحديث الذي فيه تفاضل أهل الإسلام، وأنه ﷺ جعلهم متفاضلين، وجعل أفضل أعمال الإسلام هو الإيمان؛ أقر ذلك أبو حنيفة ولم يرد الحديث، مع أن أصحابه يتشوفون إلى رد ذلك الدليل، ولكنه سلم له، فيستدل على أن هذه الاحتجاجات الضعيفة ليست من أبي حنيفة، وإنما هي من أصحابه الذين يتعصبون لمذهبه. وهذه الآية يحتجون بها على تغاير الإسلام والإيمان، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، كأنه أخبر بأنه أخرج من كان فيها من المؤمنين، فلم يجد فيها إلا بيتاً واحداً من المسلمين، وهم لوط وأهل بيته، فلوط ﵇ وأهل بيته لا شك أنهم جمعوا بين الوصفين: بين الإيمان والإسلام، ولهذا استثنى الله امرأته وقال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣] ، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء:١٧١] . إذاً: لا منافاة بين هذا الدليل وتلك الأدلة، بل هو دليل واضح على أن الإسلام يستلزم الإيمان، فلا يتم الإيمان إلا بأركان الإسلام، ولا يتم الإسلام إلا بأركان الإيمان، ومن أتى بواحد منهما دون الآخر لم يقبل منه، فمن أتى بالأعمال الظاهرة، ولم تكن عن يقين وعن عقيدة وعن تصديق بقلبه لم يكن مؤمناً، ولم ينفعه الإسلام، ومن اعتقد اعتقاداً جازماً، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وصدق بخبر الله، وصدق بالبعث بعد الموت، ثم لم يعمل ولم يصلِ ولم يصم ولم يحج، ولم يؤد زكاة ماله، ولم يأت بواجباته، ولم يحرم الحرام ولم يحل الحلال؛ فليس بمؤمن، ولو ادعى أنه مطمئن قلبه بالإيمان، هذا مقتضى هذه الآيات. هذه هي الشبه التي يدلي بها الحنفية، ويدعون أنهم ينصرون بذلك مذهب أبي حنيفة في أن الأعمال ليست من مسمى الإيمان، وأن الإسلام مغاير للإيمان، حيث يذهبون إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، ويخرجون الأعمال من مسمى الإيمان. والصحيح مذهب الجمهور: أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن هذه الشبهات التي يستدلون بها، ويدعون أنها أدلة لـ أبي حنيفة لم تكن منقولة عن أبي حنيفة نفسه، فهو ﵀ من أجلاء السلف ومن أجلاء التابعين، ولم يكن ليدلي بهذه الشبهات، ولا يشكك بها في هذه العقيدة، فإن عقيدته سليمة صحيحة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن لما اشتهر عن الحنفية أنهم يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان أخذوا يجمعون ما يستطيعونه من الشبهات وما يسمونه بالأدلة، فأوردوها كنصرة لمذهبهم، والصحيح: أنه لا دلالة فيها كما ذكرنا، بل الأدلة واضحة في أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وثمرة من ثمراته.

стр. 631

شرح العقيدة الطحاوية [٤٦] الاستثناء في الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله، من المسائل التي كثر فيها الخلاف، والراجح فيها هو التفصيل، فيجوز باعتبار ولا يجوز باعتبار، كما بين ذلك أهل السنة.

стр. 632

أهمية دراسة العقيدة اجتمعنا في هذا المسجد المبارك لنستمع ونقرأ ما يتعلق بأصل ديننا، الأصل الأصيل الذي هو المعتقد، وما يتفرع عن ذلك المعتقد؛ وذلك أنه متى تأسست الأصول انبنت عليها الفروع، وإذا خربت الأصول سقطت الفروع، فالأصل لهذا الدين هو العقيدة، والفروع هي العبادات، فإذا كانت العقيدة راسخة في القلب نبعت عنها الأعمال، فأنتجت أعمالاً صالحة، وحصل من آثار تلك العقيدة الراسخة امتثال الأوامر، وترك الزواجر، والتصديق بالأخبار، والعمل الصالح، والعلم النافع، وكل ذلك من نتائج هذا الأصل الأصيل، ومن فروع هذه العقيدة. وبنظرنا في سير سلفنا الصالح نرى أنه لما كانت العقيدة متمكنة في قلوبهم أكثروا من الأعمال الصالحة، وصدقوا بما أخبر الله، واندفعوا في تحقيق تلك الأوامر، وأفنوا في ذلك أموالهم وأنفسهم وبلادهم، وهانت عليهم كلها في سبيل تحقيق عقيدتهم، وترك ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم. لما عرفوا صحة الرسالة، وعرفوا صحة التوحيد، وعرفوا حقيقة الإيمان بالبعث، وعرفوا ثواب الله تعالى في الآخرة، وعرفوا صدق ما وعد الله تعالى به لهم؛ هانت عليهم بلادهم فتركوها، وهانت عليهم أموالهم، وسهلت عليهم عشائرهم وأزواجهم وأقاربهم، كل ذلك أصبح هيناً عليهم في سبيل تمكنهم من علمهم، وتمكنهم من العمل الذي أمروا به. كذلك لما رسخت العقيدة في قلوبهم صدقوا بوعد الله الذي وعدهم أن ينصرهم، وأن يقويهم، وأن يمكن لهم في الأرض، وأن يستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً، فلما صدقوا هذا ورسخ وتمكن في قلوبهم، عند ذلك قاتلوا في سبيل الله وقتلوا، وكذلك هاجروا وهجروا كل قريب وبعيد، كل ذلك لأجل تصديقهم بخبر ربهم، وتصديقهم بوعده ووعيده، وطلبهم ما وعد الله لهم من الثواب الجزيل في الآخرة. والذي حملهم على أن يقاتلوا الأعداء مع كثرتهم، ويصبروا حتى نصرهم الله، تصديقهم بوعد الله، حيث تمكن ذلك من قلوبهم، فقابلوا أعداد الكفار وعددهم، وقابلوا جيوشهم الهائلة المتراكمة، واثقين بأن الله لا يخلف وعده. لا شك أن ذلك لأجل تمكن العقيدة في قلوبهم، وهكذا أتباعهم من بعدهم، فمن تأمل سيرة العلماء الذين بلغتهم السنة الصحيحة فتقبلوها، وجاءتهم الشريعة فصدقوها، وعلموا صحة ما جاء في هذه الرسالة، فآمنوا به إيماناً صحيحاً، لا يعتريه شك ولا ريب، فلما خالفهم من خالفهم، ولما أنكر عليهم بعض المبتدعة الذين زاغوا وضلوا، وحاولوا أن يردوهم عما هم عليه من المعتقد؛ امتنعوا أشد الامتناع، وأصروا على ما هم عليه، وأبوا إلا أن يدينوا بما يعرفونه وبما يعتقدونه، ولو خالفتهم فئام الناس، ولو هددوهم؛ كما حصل للأئمة. ما الذي حملهم على الصبر على السجون؟ ما الذي حملهم أن يصبروا على الأذى؟ ما الذي حملهم أن يصبروا على الضرب وعلى الجلد كما حصل للإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما؟ لا شك أنه ما رسخ في قلوبهم من تلك العقيدة التي نالوها من هذه الشريعة، فوثقوا بخبر الله ، وصدقوا ما جاء عنه، وعلموا أن النصر لهم، وأن العاقبة الحميدة لهم، وأن مآل الانتصار والظهور لمن كان على الحق، ولو ناوأهم من ناوأهم، وخالفهم من خالفهم. لا شك أن هذا كله من آثار صدق تلك العقيدة، ومن آثار قوة إيمانهم وتصديقهم. نقول: إن الواجب علينا أن نكون مثلهم، نحن تلقينا العقيدة مثلما تلقوها، هم تلقوها عن مشايخهم، وهكذا عن آبائهم وأسلافهم، ولما تلقوها عرفوا أنها صحيحة ثابتة، فتركزت تلك العقيدة على الإيمان بالله، والإيمان بخبر الله، والإيمان بوعده ووعيده، والإيمان بكتبه ورسله، والإيمان بأمره ونهيه، والإيمان بقدره وشرعه، آمنوا بذلك، يعني: صدقوا به غاية التصديق، وقوي في أنفسهم، وقامت عليه الدلالات والبراهين، ولم يخطر ببالهم شك ولا ريب ولا توقف ولا شبهة تعتريهم، بل متى ألقيت عليهم شبهة أو شك في البعث، أو في النشور، أو في الجزاء، أو في الحساب، أو في الأمر والنهي؛ احترقت تلك الشبهة قبل أن تتمكن في قلوبهم؛ وذلك لقوة البراهين التي تضعف عندها تلك الشبه. فنحن بحاجة إلى أن نعرف تلك البراهين والأدلة التي قامت عليها هذه العقيدة، بحاجة إلى أن ندرسها، ونعرف كيفية دلالتها، ودلالتها وإن كانت واضحة، ولكن تحتاج إلى قلوب فارغة من أضدادها. إذاً: نحن بحاجة إلى أن نفرغ قلوبنا لها، تأتي إلينا وقلوبنا فارغة من الشبهات، فارغة من الشواغل، فارغة من الأضداد، فارغة من الضلالات والبدع، فإذا كان كذلك فإن العقيدة الراسية ترسخ فيها، ولا تتزعزع مهما اعتراها. أما إذا تلقت تلك القلوب الفارغة بدعاً وضلالات وشركيات وخرافات في حالة فراغها، ولم تصغ إلا لها، ثم عرضت عليها بعد ذلك الأدلة الصحيحة، أو البراهين الساطعة، فإن تلك القلوب لا تجد لها مكاناً، فتبقى تلك القلوب مقفلة لا يدخلها الحق؛ لأنها امتلأت بالضلال فلم يجد الحق إليها سبيلاً، امتلأت القلوب الفاسدة بالبدع، فلم تجد السنة فيها مكاناً، امتلأت بالخرافات، وامتلأت بالمحدثات، وامتلأت بالشبهات، فلم يجد الدليل إليها وصولاً، فلا حيلة فيها إلا أن يشاء الله. نحن نعجب من أهل البدع، وتمكن البدع في نفوسهم، وتمسكهم بها مع أنها تمجها النفوس، تمجها العقول، تنكرها الطباع والفطر، ومع ذلك يتمسكون بها غاية التمسك، ويعضون عليها بالنواجذ، ولو أتيتهم بكل آية ما أقلعوا عنها إلا أن يشاء الله، تأملوا -مثلاً- في الشيعة والرافضة الذين نشئوا على عقيدة زائغة، تأملوا كيف أنهم يبقون على هذه العقيدة، ويلقنون عليها أولادهم منذ الطفولة، ثم يحاول المحاولون في أن يقلعوا عنها، ويبينوا لهم السنة، ويبينوا لهم الدليل، ولكن يدخل الكلام من أذن ويخرج من الأخرى دون أن يصل إلى القلوب، بل قلوبهم ليس فيها مكان للتقبل. كذلك الكثير من المبتدعة من أشعرية، من معتزلة، من جبرية، من مكارمة وغيرهم، لما امتلأت قلوبهم في الطفولة وفي الصغر بهذه الشبهات لم يجد الحق إليها سبيلاً. ونحث المسلم أن يلقن أولاده في طفولتهم معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الحساب والجزاء، ومعرفة الأسماء والصفات، ومعرفة ما أمر به، وما نهي عنه؛ حتى يرسخ ذلك في قلبه ويحبه ويألفه، فإذا لقن غيره من الخرافات ودعي إليها لم يتقبل ذلك، بل نفر منها غاية النفرة، بخلاف ما إذا بقي جاهلاً لا يعرف شيئاً، أو لقن في صغره عقيدة زائغة، فإنه لا يقبل العقيدة الصحيحة، فهكذا فلنكن، وهكذا فلنتمكن من عقيدتنا، وهكذا فلتظهر آثارها.

стр. 633

الاستثناء في الإيمان قال المصنف ﵀: [ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول -أي: الرجل-: أنا مؤمن إن شاء الله. والناس فيه على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال. أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافراً ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم. وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافراً إذا علم منه أنه يموت مؤمناً، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد، وليس هذا قول السلف، ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، فأخبر أنه يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة. ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه، حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني: القبول. ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه؟ يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره!! المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن -بهذا الاعتبار- فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين، القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخره كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ويحتجون بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] . وقال ﷺ حين وقف على المقابر: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وقال أيضاً: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله) ونظائر هذا] .

стр. 634

القول بوجوب الاستثناء في الإيمان هذه مسألة يتكلمون عليها في هذا الموضع، وهي مسألة الاستثناء في الإيمان، بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، أنا مسلم إن شاء الله، فمن العلماء من يوجبه، ومنهم من يحرم الاستثناء، ومنهم من يجوزه ولا يوجبه، أو يوجبه في حال دون حال. سمعنا أن أتباع ابن كرام ومن يقرب من الأشاعرة يوجبون الاستثناء، فيوجبون أن يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله. ثم تجاوزوا ذلك فصاروا يستثنون في الأشياء الظاهرة، فإذا صلى أحدهم قال: صليت إن شاء الله. وإذا دخل أو خرج قال: دخلت أو خرجت إن شاء الله. حتى يقول: هذا ثوب إن شاء الله، هذا قلم أو كتاب إن شاء الله؛ مع أنه لا يشك فيه! هؤلاء لهم مأخذ، يقولون: السبب أنا لا ندري ما الخاتمة وما هي العاقبة، فإن الإنسان إنما يكون مؤمناً إذا مات على الإيمان، ونحن لا ندري، ربما يحصل من أحدنا غير ما كان عليه، فلذلك يستثنون. يقولون: لأن الله أعلم بالخواتيم، وهو أعلم بما نحن نموت عليه. صحيح أن الله تعالى أعلم بالخاتمة، وأعلم بالعاقبة، وأعلم بما يموت عليه الإنسان، وقد أخبر ﵊ بأن الإنسان يكون مكتوباً عند الله من أهل النار، وهو أكثر وقته يعمل بعمل أهل الجنة، في قوله: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، ويعمل بعمل أهل النار فيدخلها) ، فهو طوال حياته يعمل بأعمال أهل الجنة، ومع أهل الجنة، ثم يرتد في آخر حياته، ويختم له بعمل أهل النار، فيدخل النار. ومن الحكايات المشهورة التي ذكرها كثير من المؤرخين: أن رجلاً كان مؤذناً من صالحي عباد الله، محافظاً على الصلاة، ومحافظاً على الأذان، ومحافظاً على الأعمال الصالحة، فصعد مرة إلى المئذنة ليؤذن، فلفت نظره ابنة أحد جيران المسجد، وقد أسفرت، فتعلق قلبه بها، فترك الأذان ونزل وطرق باب أهلها وقال: أريدك. فقالت: لماذا؟ فقال: أتزوجك. قالت: أنا نصرانية، وأنت مسلم! فعند ذلك قال: سوف أترك ديني وأدخل في دينك، وأتنصر. فتنصر، ولما تنصر وعقد له عليها مات قبل أن يدخل بها، فختم له بعمل أهل النار!! هذا مثال، والأمثلة كثيرة. فيقولون: إن العاقبة خفية علينا، فالاستثناء إنما هو بالنظر إلى العاقبة. و الجواب أننا نقول لكم: لا نسألكم عن العاقبة، إنما نسألكم عن الحال الذي أنتم فيه، وما قام الآن بقلوبكم، أما العواقب فأمرها إلى الله تعالى. فعلى هذا إذا سألك إنسان: ما دينك؟ فلا تقل: ديني الإسلام إن شاء الله؛ إلا على وجه التبرك، بل تجزم وتقول: نعم، أنا مسلم من أهل الإسلام، وفي بلاد الإسلام، وديني الإسلام، وأعتقد ما يعتقده المسلمون، دون أن أستثني ودون أن أتردد ودون أن أتوقف، والعاقبة للمتقين، وأمر الخاتمة إلى الله تعالى. وصحيح -أيضاً- أن الإنسان إنما يجازى بما مات عليه، فإن كانت حياته حياة كفر، ثم ختم له بالإسلام والإيمان فهو محبوب عند الله، وإن كانت حياته حياة إيمان، ولكن ختم له بكفر، فهو مبغوض عند الله طوال حياته، فإذا علم الله أن هذا الإنسان يموت كافراً فإن الله يبغضه حتى ولو كان يجاهد، ولو كان يصلي، ولو كان يتهجد، ولو كان يقرأ طوال حياته، ولو كانت يتدبر آيات الله، ولو كان يعظ وينصح، فهو مبغوض ممقوت عند الله منذ خلق، وإذا علم الله أن إنساناً يموت على الخير، ويموت على الدين، ويموت على الإسلام، ولكن أكثر حياته يشرك بالله ويكفر به، ويعصي، ويزني، ويرابي، ويقتل المسلمين ويقاتلهم، ويشن عليهم الغارات، ويشجع من يقاتلهم، ويحث على رد الإسلام والرد عليه، ومع ذلك يؤمل أنه يهتدي، والله يعلم أنه يختم له بخاتمة حسنة، يقولون: هو ما زال محبوباً عند الله، وإن كانت أعماله كفرية أو بدعية أو نحو ذلك. وبكل حال: هذا قول الذين يوجبون الاستثناء.

стр. 635

القول بجواز الاستثناء في الإيمان وعدم وجوبه الذين يجوزون الاستثناء ولا يوجبونه، أو يجوزونه في بعض الحالات، يعرفون بأنهم الذين يستثنون من غير شك ومن غير توقف، هؤلاء يقولون: إن الله تعالى قد ذكر الاستثناء للتبرك، وذكر الاستثناء في الأمور التي لا يشك فيها، فروى ﷺ عن سليمان نبي الله أنه لم يستثنِ، فحرم ما طلبه أو ما أمله، وذلك لما قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل امرأة تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله. فلم يقل. فقال ﷺ : لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) ، وما ولدت منهن إلا واحدة نصف إنسان؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله. وكذلك ذكروا أنه ﷺ جاءته قريش وقالوا له: أخبرنا عن أمور نسألك عنها: أخبرنا عن فتية في سالف الزمان، وكان لهم حديث عجيب -يعنون أصحاب الكهف- وأخبرنا عن رجل طواف، طاف مشارق الأرض ومغاربها -يعنون ذا القرنين - وأخبرنا عن الروح. فقال: سأخبركم عنها غداً. ولم يقل: إن شاء الله. فعاتبه الله، وقال له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] فتأخر عنه الوحي خمسة عشر يوماً لأنه لم يقل: إن شاء الله، فدل على أن الاستثناء يحصل به تحقيق المطلب. وكذلك عاتب الله أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] جزموا بقولهم: والله! لنصرمنها في الصباح، ولم يقولوا: إن شاء الله، لم يستثنوا؛ فكانت العاقبة أن حرموا منها: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] حريق أو رياح، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠] جزاء لهم لأنهم لم يقولوا: إن شاء الله، وجزاء لهم لما توعدوا ألا يدخلها عليهم مسكين. وبكل حال: فالاستثناء جائز إذا لم يكن عن شك، يقول إنسان: أنا مؤمن إن شاء الله. ولا يقصد بذلك الشك والتوقف، ويقول: أنا سوف أصلي إن شاء الله -ولو كان جازماً- وسوف أصوم إن شاء الله -ولو كان جازماً- ولو لم يكن بذلك متردداً، ولا شاكاً فيما هو جازم عليه.
следующие страницы →