Полный текст (1 175 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
شرح العقيدة الطحاوية [٤٦]
الاستثناء في الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله، من المسائل التي كثر فيها الخلاف، والراجح فيها هو التفصيل، فيجوز باعتبار ولا يجوز باعتبار، كما بين ذلك أهل السنة.
стр. 632
أهمية دراسة العقيدة
اجتمعنا في هذا المسجد المبارك لنستمع ونقرأ ما يتعلق بأصل ديننا، الأصل الأصيل الذي هو المعتقد، وما يتفرع عن ذلك المعتقد؛ وذلك أنه متى تأسست الأصول انبنت عليها الفروع، وإذا خربت الأصول سقطت الفروع، فالأصل لهذا الدين هو العقيدة، والفروع هي العبادات، فإذا كانت العقيدة راسخة في القلب نبعت عنها الأعمال، فأنتجت أعمالاً صالحة، وحصل من آثار تلك العقيدة الراسخة امتثال الأوامر، وترك الزواجر، والتصديق بالأخبار، والعمل الصالح، والعلم النافع، وكل ذلك من نتائج هذا الأصل الأصيل، ومن فروع هذه العقيدة.
وبنظرنا في سير سلفنا الصالح نرى أنه لما كانت العقيدة متمكنة في قلوبهم أكثروا من الأعمال الصالحة، وصدقوا بما أخبر الله، واندفعوا في تحقيق تلك الأوامر، وأفنوا في ذلك أموالهم وأنفسهم وبلادهم، وهانت عليهم كلها في سبيل تحقيق عقيدتهم، وترك ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم.
لما عرفوا صحة الرسالة، وعرفوا صحة التوحيد، وعرفوا حقيقة الإيمان بالبعث، وعرفوا ثواب الله تعالى في الآخرة، وعرفوا صدق ما وعد الله تعالى به لهم؛ هانت عليهم بلادهم فتركوها، وهانت عليهم أموالهم، وسهلت عليهم عشائرهم وأزواجهم وأقاربهم، كل ذلك أصبح هيناً عليهم في سبيل تمكنهم من علمهم، وتمكنهم من العمل الذي أمروا به.
كذلك لما رسخت العقيدة في قلوبهم صدقوا بوعد الله الذي وعدهم أن ينصرهم، وأن يقويهم، وأن يمكن لهم في الأرض، وأن يستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً، فلما صدقوا هذا ورسخ وتمكن في قلوبهم، عند ذلك قاتلوا في سبيل الله وقتلوا، وكذلك هاجروا وهجروا كل قريب وبعيد، كل ذلك لأجل تصديقهم بخبر ربهم، وتصديقهم بوعده ووعيده، وطلبهم ما وعد الله لهم من الثواب الجزيل في الآخرة.
والذي حملهم على أن يقاتلوا الأعداء مع كثرتهم، ويصبروا حتى نصرهم الله، تصديقهم بوعد الله، حيث تمكن ذلك من قلوبهم، فقابلوا أعداد الكفار وعددهم، وقابلوا جيوشهم الهائلة المتراكمة، واثقين بأن الله لا يخلف وعده.
لا شك أن ذلك لأجل تمكن العقيدة في قلوبهم، وهكذا أتباعهم من بعدهم، فمن تأمل سيرة العلماء الذين بلغتهم السنة الصحيحة فتقبلوها، وجاءتهم الشريعة فصدقوها، وعلموا صحة ما جاء في هذه الرسالة، فآمنوا به إيماناً صحيحاً، لا يعتريه شك ولا ريب، فلما خالفهم من خالفهم، ولما أنكر عليهم بعض المبتدعة الذين زاغوا وضلوا، وحاولوا أن يردوهم عما هم عليه من المعتقد؛ امتنعوا أشد الامتناع، وأصروا على ما هم عليه، وأبوا إلا أن يدينوا بما يعرفونه وبما يعتقدونه، ولو خالفتهم فئام الناس، ولو هددوهم؛ كما حصل للأئمة.
ما الذي حملهم على الصبر على السجون؟ ما الذي حملهم أن يصبروا على الأذى؟ ما الذي حملهم أن يصبروا على الضرب وعلى الجلد كما حصل للإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما؟ لا شك أنه ما رسخ في قلوبهم من تلك العقيدة التي نالوها من هذه الشريعة، فوثقوا بخبر الله ، وصدقوا ما جاء عنه، وعلموا أن النصر لهم، وأن العاقبة الحميدة لهم، وأن مآل الانتصار والظهور لمن كان على الحق، ولو ناوأهم من ناوأهم، وخالفهم من خالفهم.
لا شك أن هذا كله من آثار صدق تلك العقيدة، ومن آثار قوة إيمانهم وتصديقهم.
نقول: إن الواجب علينا أن نكون مثلهم، نحن تلقينا العقيدة مثلما تلقوها، هم تلقوها عن مشايخهم، وهكذا عن آبائهم وأسلافهم، ولما تلقوها عرفوا أنها صحيحة ثابتة، فتركزت تلك العقيدة على الإيمان بالله، والإيمان بخبر الله، والإيمان بوعده ووعيده، والإيمان بكتبه ورسله، والإيمان بأمره ونهيه، والإيمان بقدره وشرعه، آمنوا بذلك، يعني: صدقوا به غاية التصديق، وقوي في أنفسهم، وقامت عليه الدلالات والبراهين، ولم يخطر ببالهم شك ولا ريب ولا توقف ولا شبهة تعتريهم، بل متى ألقيت عليهم شبهة أو شك في البعث، أو في النشور، أو في الجزاء، أو في الحساب، أو في الأمر والنهي؛ احترقت تلك الشبهة قبل أن تتمكن في قلوبهم؛ وذلك لقوة البراهين التي تضعف عندها تلك الشبه.
فنحن بحاجة إلى أن نعرف تلك البراهين والأدلة التي قامت عليها هذه العقيدة، بحاجة إلى أن ندرسها، ونعرف كيفية دلالتها، ودلالتها وإن كانت واضحة، ولكن تحتاج إلى قلوب فارغة من أضدادها.
إذاً: نحن بحاجة إلى أن نفرغ قلوبنا لها، تأتي إلينا وقلوبنا فارغة من الشبهات، فارغة من الشواغل، فارغة من الأضداد، فارغة من الضلالات والبدع، فإذا كان كذلك فإن العقيدة الراسية ترسخ فيها، ولا تتزعزع مهما اعتراها.
أما إذا تلقت تلك القلوب الفارغة بدعاً وضلالات وشركيات وخرافات في حالة فراغها، ولم تصغ إلا لها، ثم عرضت عليها بعد ذلك الأدلة الصحيحة، أو البراهين الساطعة، فإن تلك القلوب لا تجد لها مكاناً، فتبقى تلك القلوب مقفلة لا يدخلها الحق؛ لأنها امتلأت بالضلال فلم يجد الحق إليها سبيلاً، امتلأت القلوب الفاسدة بالبدع، فلم تجد السنة فيها مكاناً، امتلأت بالخرافات، وامتلأت بالمحدثات، وامتلأت بالشبهات، فلم يجد الدليل إليها وصولاً، فلا حيلة فيها إلا أن يشاء الله.
نحن نعجب من أهل البدع، وتمكن البدع في نفوسهم، وتمسكهم بها مع أنها تمجها النفوس، تمجها العقول، تنكرها الطباع والفطر، ومع ذلك يتمسكون بها غاية التمسك، ويعضون عليها بالنواجذ، ولو أتيتهم بكل آية ما أقلعوا عنها إلا أن يشاء الله، تأملوا -مثلاً- في الشيعة والرافضة الذين نشئوا على عقيدة زائغة، تأملوا كيف أنهم يبقون على هذه العقيدة، ويلقنون عليها أولادهم منذ الطفولة، ثم يحاول المحاولون في أن يقلعوا عنها، ويبينوا لهم السنة، ويبينوا لهم الدليل، ولكن يدخل الكلام من أذن ويخرج من الأخرى دون أن يصل إلى القلوب، بل قلوبهم ليس فيها مكان للتقبل.
كذلك الكثير من المبتدعة من أشعرية، من معتزلة، من جبرية، من مكارمة وغيرهم، لما امتلأت قلوبهم في الطفولة وفي الصغر بهذه الشبهات لم يجد الحق إليها سبيلاً.
ونحث المسلم أن يلقن أولاده في طفولتهم معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الحساب والجزاء، ومعرفة الأسماء والصفات، ومعرفة ما أمر به، وما نهي عنه؛ حتى يرسخ ذلك في قلبه ويحبه ويألفه، فإذا لقن غيره من الخرافات ودعي إليها لم يتقبل ذلك، بل نفر منها غاية النفرة، بخلاف ما إذا بقي جاهلاً لا يعرف شيئاً، أو لقن في صغره عقيدة زائغة، فإنه لا يقبل العقيدة الصحيحة، فهكذا فلنكن، وهكذا فلنتمكن من عقيدتنا، وهكذا فلتظهر آثارها.
стр. 633
الاستثناء في الإيمان
قال المصنف ﵀: [ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول -أي: الرجل-: أنا مؤمن إن شاء الله.
والناس فيه على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال.
أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به.
قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافراً ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم.
وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافراً إذا علم منه أنه يموت مؤمناً، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد، وليس هذا قول السلف، ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، فأخبر أنه يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة.
ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه، حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني: القبول.
ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه؟ يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره!! المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن -بهذا الاعتبار- فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين، القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخره كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ويحتجون بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] .
وقال ﷺ حين وقف على المقابر: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وقال أيضاً: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله) ونظائر هذا] .
стр. 634
القول بوجوب الاستثناء في الإيمان
هذه مسألة يتكلمون عليها في هذا الموضع، وهي مسألة الاستثناء في الإيمان، بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله، أنا مسلم إن شاء الله، فمن العلماء من يوجبه، ومنهم من يحرم الاستثناء، ومنهم من يجوزه ولا يوجبه، أو يوجبه في حال دون حال.
سمعنا أن أتباع ابن كرام ومن يقرب من الأشاعرة يوجبون الاستثناء، فيوجبون أن يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله.
ثم تجاوزوا ذلك فصاروا يستثنون في الأشياء الظاهرة، فإذا صلى أحدهم قال: صليت إن شاء الله.
وإذا دخل أو خرج قال: دخلت أو خرجت إن شاء الله.
حتى يقول: هذا ثوب إن شاء الله، هذا قلم أو كتاب إن شاء الله؛ مع أنه لا يشك فيه! هؤلاء لهم مأخذ، يقولون: السبب أنا لا ندري ما الخاتمة وما هي العاقبة، فإن الإنسان إنما يكون مؤمناً إذا مات على الإيمان، ونحن لا ندري، ربما يحصل من أحدنا غير ما كان عليه، فلذلك يستثنون.
يقولون: لأن الله أعلم بالخواتيم، وهو أعلم بما نحن نموت عليه.
صحيح أن الله تعالى أعلم بالخاتمة، وأعلم بالعاقبة، وأعلم بما يموت عليه الإنسان، وقد أخبر ﵊ بأن الإنسان يكون مكتوباً عند الله من أهل النار، وهو أكثر وقته يعمل بعمل أهل الجنة، في قوله: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، ويعمل بعمل أهل النار فيدخلها) ، فهو طوال حياته يعمل بأعمال أهل الجنة، ومع أهل الجنة، ثم يرتد في آخر حياته، ويختم له بعمل أهل النار، فيدخل النار.
ومن الحكايات المشهورة التي ذكرها كثير من المؤرخين: أن رجلاً كان مؤذناً من صالحي عباد الله، محافظاً على الصلاة، ومحافظاً على الأذان، ومحافظاً على الأعمال الصالحة، فصعد مرة إلى المئذنة ليؤذن، فلفت نظره ابنة أحد جيران المسجد، وقد أسفرت، فتعلق قلبه بها، فترك الأذان ونزل وطرق باب أهلها وقال: أريدك.
فقالت: لماذا؟ فقال: أتزوجك.
قالت: أنا نصرانية، وأنت مسلم! فعند ذلك قال: سوف أترك ديني وأدخل في دينك، وأتنصر.
فتنصر، ولما تنصر وعقد له عليها مات قبل أن يدخل بها، فختم له بعمل أهل النار!! هذا مثال، والأمثلة كثيرة.
فيقولون: إن العاقبة خفية علينا، فالاستثناء إنما هو بالنظر إلى العاقبة.
و
الجواب
أننا نقول لكم: لا نسألكم عن العاقبة، إنما نسألكم عن الحال الذي أنتم فيه، وما قام الآن بقلوبكم، أما العواقب فأمرها إلى الله تعالى.
فعلى هذا إذا سألك إنسان: ما دينك؟ فلا تقل: ديني الإسلام إن شاء الله؛ إلا على وجه التبرك، بل تجزم وتقول: نعم، أنا مسلم من أهل الإسلام، وفي بلاد الإسلام، وديني الإسلام، وأعتقد ما يعتقده المسلمون، دون أن أستثني ودون أن أتردد ودون أن أتوقف، والعاقبة للمتقين، وأمر الخاتمة إلى الله تعالى.
وصحيح -أيضاً- أن الإنسان إنما يجازى بما مات عليه، فإن كانت حياته حياة كفر، ثم ختم له بالإسلام والإيمان فهو محبوب عند الله، وإن كانت حياته حياة إيمان، ولكن ختم له بكفر، فهو مبغوض عند الله طوال حياته، فإذا علم الله أن هذا الإنسان يموت كافراً فإن الله يبغضه حتى ولو كان يجاهد، ولو كان يصلي، ولو كان يتهجد، ولو كان يقرأ طوال حياته، ولو كانت يتدبر آيات الله، ولو كان يعظ وينصح، فهو مبغوض ممقوت عند الله منذ خلق، وإذا علم الله أن إنساناً يموت على الخير، ويموت على الدين، ويموت على الإسلام، ولكن أكثر حياته يشرك بالله ويكفر به، ويعصي، ويزني، ويرابي، ويقتل المسلمين ويقاتلهم، ويشن عليهم الغارات، ويشجع من يقاتلهم، ويحث على رد الإسلام والرد عليه، ومع ذلك يؤمل أنه يهتدي، والله يعلم أنه يختم له بخاتمة حسنة، يقولون: هو ما زال محبوباً عند الله، وإن كانت أعماله كفرية أو بدعية أو نحو ذلك.
وبكل حال: هذا قول الذين يوجبون الاستثناء.
стр. 635
القول بجواز الاستثناء في الإيمان وعدم وجوبه
الذين يجوزون الاستثناء ولا يوجبونه، أو يجوزونه في بعض الحالات، يعرفون بأنهم الذين يستثنون من غير شك ومن غير توقف، هؤلاء يقولون: إن الله تعالى قد ذكر الاستثناء للتبرك، وذكر الاستثناء في الأمور التي لا يشك فيها، فروى ﷺ عن سليمان نبي الله أنه لم يستثنِ، فحرم ما طلبه أو ما أمله، وذلك لما قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل امرأة تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله.
فقيل له: قل: إن شاء الله.
فلم يقل.
فقال ﷺ : لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) ، وما ولدت منهن إلا واحدة نصف إنسان؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله.
وكذلك ذكروا أنه ﷺ جاءته قريش وقالوا له: أخبرنا عن أمور نسألك عنها: أخبرنا عن فتية في سالف الزمان، وكان لهم حديث عجيب -يعنون أصحاب الكهف- وأخبرنا عن رجل طواف، طاف مشارق الأرض ومغاربها -يعنون ذا القرنين - وأخبرنا عن الروح.
فقال: سأخبركم عنها غداً.
ولم يقل: إن شاء الله.
فعاتبه الله، وقال له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] فتأخر عنه الوحي خمسة عشر يوماً لأنه لم يقل: إن شاء الله، فدل على أن الاستثناء يحصل به تحقيق المطلب.
وكذلك عاتب الله أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] جزموا بقولهم: والله! لنصرمنها في الصباح، ولم يقولوا: إن شاء الله، لم يستثنوا؛ فكانت العاقبة أن حرموا منها: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] حريق أو رياح، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠] جزاء لهم لأنهم لم يقولوا: إن شاء الله، وجزاء لهم لما توعدوا ألا يدخلها عليهم مسكين.
وبكل حال: فالاستثناء جائز إذا لم يكن عن شك، يقول إنسان: أنا مؤمن إن شاء الله.
ولا يقصد بذلك الشك والتوقف، ويقول: أنا سوف أصلي إن شاء الله -ولو كان جازماً- وسوف أصوم إن شاء الله -ولو كان جازماً- ولو لم يكن بذلك متردداً، ولا شاكاً فيما هو جازم عليه.
стр. 636
القول بتحريم الاستثناء في الإيمان
قال المصنف ﵀: [وأما من يحرمه: فكل من جعل الإيمان شيئاً واحداً، فيقول: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه.
وسموا الذين يستثنون في إيمانهم: الشكاكة.
وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه، وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت.
وفي كلا الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين، مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول ولا في الأمن، ولا في دخول الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضاً، فكان قول: إن شاء الله.
هنا تحقيقاً للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله.
لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين؛ لأنه لا يجزم بحصول مراده.
وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليماً لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل.
وفي كون هذا المعنى مراداً من النص نظر، فإنه ما سيق الكلام له، إلا أن يكون مراداً من إشارة النص.
وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين، وهما: أن يكون الملك قد قاله فأثبت قرآناً أو أن الرسول قاله! فعند هذا المسكين يكون من القرآن ما هو غير كلام الله! فيدخل في وعيد من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] نسأل الله العافية!] .
هؤلاء هم الذين يمنعون الاستثناء أصلاً، ويسمون من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
شاكاً، ويسمون المستثنين شكاكاً، يقولون: أنت تشك في نفسك، وتشك في إيمانك، كيف تشك وأنت جازم بأنك من أهل الإسلام، وبأنك من أهل الإيمان؟! أنت تعرف أنك تتشهد الشهادتين، قد نطقت بالشهادتين، ومعلوم أن من نطق بالشهادتين دخل في الإسلام، فإذا دخل في الإسلام فليس شاكاً فيه.
فكذلك -أيضاً- إذا دخل في الإيمان لم يكن شاكاً فيه، فيمنعون الاستثناء، ويحرمون أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله.
بل يقول أحدهم: أنا مؤمن حقاً.
كما يقول: أنا مسلم حقاً.
لا شك أن الاستثناء في الإيمان يرجع إلى الخاتمة كما تقدم، ويرجع إلى الكمال، والقول الوسط هو المختار: وهو أن الإنسان إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله.
كان قصده بذلك العاقبة، وكان قصده الكمال، يعني: أن الله يوفقني لأن أكمل أعمال الإيمان، وآتي بكل ما أمرت به، وبكل ما هو من الإيمان، وهذا علمه عند الله، فإذا شاء الله وفقني لذلك، هذا هو القول الوسط.
أما الذين حرموا الاستثناء فإنهم يجزمون أو يقولون: إن الإنسان قد آمن يقيناً، فلم يكن في شك ولم يكن عنده تردد، هؤلاء يدعون أن الإيمان هو الكلمة، ويقولون: إن من قال: آمنت بالله.
فقد كمل إيمانه، فلا حاجة إلى أن يستثني.
وسمعنا جوابهم عن الآية، وهي قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ، فيقولون: الاستثناء إنما هو للأمن.
يعني: أن الدخول محقق، ولكن الأمن فيه تردد.
وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى أخبر بالأمن كما أخبر بالدخول، وخبر الله محقق، فليس فيه تردد! إذاً: وقعوا فيما فروا فيه، فأجاب بعضهم بأن قوله: ((إن شاء الله)) راجع إلى دخولهم كلهم، حيث علم الله أن بعضهم يموت قبل الدخول.
والجواب أيضاً: أن المراد أن الله تعالى أخبر بالدخول، وليس المراد دخول الذين خوطبوا بهذه الآية كلهم، بل المراد جنس الدخول، فإنه قد انضم إليهم غيرهم، وإن كان قد مات بعضهم.
وأما جواب الزمخشري أن كلمة (إن شاء الله) ليست من كلام الله، وإنما هي من كلام جبريل أو من كلام النبي ﷺ ، فهذا قول بعيد، يلزم منه أن في القرآن ما ليس من كلام الله تعالى، والزمخشري ولو كان لغوياً لكنه معتزلي، دخل في الاعتزال وتمكن منه، فبنى ذلك على مذهبه الباطل.
стр. 637
شرح العقيدة الطحاوية [٤٧]
الإيمان يشتمل على أفعال وتروك، وهو بضع وسبعون شعبة، ومن الإيمان تقديم قول رسول الله ﵊ على قول كل أحد كائناً من كان، وعدم التحايل في رد السنة بدعوى مخالفة العقل، أو بدعوى أن الحديث آحاد، أو غير ذلك من طرق المبتدعة.
стр. 638
اشتمال الإيمان على الأفعال والتروك
مما يتعلق بالأمور الاعتقادية مسألة الإيمان بالله تعالى وما يلحق به، ولا شك أن الإيمان هو السمة والصفة التي تميز بها أتباع الرسل، ولأجل ذلك يدعو الله تعالى من اتبع النبي ﷺ وصدقه بهذا الاسم، فيناديهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] ، ولم يرد: يا أيها الذين أسلموا، ولا: يا أيها الذين صدقوا، ولا: يا أيها الذين اتبعوا.
بل تتابعت الآيات التي فيها الأوامر بهذا السياق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .
ولاشك أن هذا الوصف ميزة لمن اتبع النبي ﷺ ، وعمل بسنته، وصدقه حق تصديقه، ووطن نفسه على العمل بما جاء به.
ولأجل ذلك يوجه الله الأوامر لهؤلاء تارة بالأعمال وتارة بالاعتقادات، فمن الأعمال قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] وما أشبه ذلك.
ومن العقائد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] ، فهذا أمر بالاعتقاد، والمعنى: صدقوا بذلك كله، ومعلوم أن من صدق بالكتب المنزلة وبالكتاب الذي بين أيدينا؛ ظهرت عليه آثار هذا التصديق بالاتباع والعمل، وأما من لم يتبعه ولم يعمل به؛ فإنه لا يصدق عليه أنه مؤمن، فلابد أن يكون للإيمان آثار وعلامات على من ادعى تصديقه.
وقد تكلم العلماء على هذا المسمى، وجعلوا هذا النوع تحت عنوان (أسماء الإيمان والدين) ، وجعلوا هذه المسميات لها حقائق، واعتقدوها مسميات شرعية، نقلها الشرع من المسميات اللغوية إلى مسميات شرعية، فيقال -مثلاً-: الإيمان في اللغة التصديق، والإيمان في الشرع قول وعمل واعتقاد، كما يقال: الإسلام في اللغة الإذعان، والإسلام في الشرع الاتباع والعمل.
فالشرع نقل هذه المسميات إلى مسميات شرعية، فأصبحت بذلك ذات معانٍ مقصودة للشارع؛ ولأجل ذلك جعل النبي ﷺ الإيمان عاماً للأعمال، وعاماً للاعتقادات، وعاماً للأقوال.
وفي الحديث أن شعب الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، ذكر منها النبي ﷺ ثلاث شعب في نفس الحديث: شعبة قولية، وشعبة اعتقادية، وشعبة عملية.
فالشعبة القولية أن: تقول: لا إله إلا الله.
والشعبة الاعتقادية: الحياء من الإيمان.
والشعبة العملية: إماطة الأذى عن الطريق.
ومعنى ذلك: أن الإيمان يستوعب الأعمال كلها، ويستوعب الأقوال كلها، ويستوعب الاعتقادات كلها، فكلها داخلة في اسم الإيمان.
ولأجل ذلك يتفاوت الناس في الإيمان، فيكون هذا ناقص الإيمان، وهذا متوسط الإيمان، وهذا كامل الإيمان، وهذا قدحت السيئات في إيمانه، وهذا قد استوفى خصال الإيمان وما أشبه ذلك، ونتج من ذلك أن الأعمال الصالحة من مسمى الإيمان، فيقال: الصلاة من الإيمان، والصدقة من الإيمان، والصوم من الإيمان، يعني: أنها أبعاض وأجزاء من هذا الإيمان الذين سمى الله به عباده.
فلا يكون الإنسان كامل الإيمان إلا إذا كمل هذه الشعب، وأتى بها كما ينبغي، سواء كانت أفعالاً أو تروكاً، يعني: أن الأعمال من الإيمان، والتروك من الإيمان، وكيف تكون التروك من الإيمان؟ نقول: لا شك أنها إذا تركت خوفاً من الله تعالى كان الدافع على تركها هو قوة اليقين، ولأجل ذلك يعد تركها من الخصال العظيمة، وفي الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وعد منهم رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله) ؛ فما هو العمل الذي عمله حتى استحق أن يكون من أهل الظلال؟ هو أنه ترك الشهوة الجنسية التي في النفس منها دوافع، ومع ذلك لا يخاف محذوراً، فتركه هذا من أعظم الأفعال، يعني: أن هذا الترك مع قوة الدافع أعظم من كثير من الأعمال.
وللعلماء خلاف: أيهما أفضل: ترك المحرمات أو فعل الطاعات؟ فمثلاً: إذا كان هناك إنسان له شهوة قوية تدفعه إلى فعل فاحشة الزنا ونحوه، ولكنه أمسك نفسه، وعصمها، وحفظها، وقادها بزمامها إلى الطاعات، وترك هذا الحرام مع قوة الدوافع إليه، أليس هذا قد جاهد نفسه؟ لا شك أن نفسه تدفعه دفعاً قوياً، ولكنه يقوى على قمعها، ويقوى على ردها، فهو دائماً في جهاد مع نفسه، فهذا يعتبر من أفضل القربات.
كذلك إنسان أمامه المشروبات المحرمة كالخمور والمسكرات وما أشبهها، وهو يعرف أنها لذيذة الطعم، وأن النفس تشتهيها، ولكن عرف أنها محرمة، وأن فيها عقوبة؛ فرد نفسه، واجتهد في قمعها، وأمسك بزمامها، وحمى نفسه عن هذه المحرمات؛ فهو في نفسه مجاهد، مجتهد في قمع هذه الشهوة، تدفعه نفسه ولكنه يردها، ماذا تكون حالته؟ لا شك أنه في جهاد، قد يكون جهاد نفسه وقمعها مساوياً لجهاد الكفار، الذي هو بذل المال وبذل النفس في قتال أعداء الله تعالى.
عندنا فعل يكون عبادة: كقتال الكفار، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة وما أشبه ذلك.
وعندنا ترك يكون عبادة: كترك الشهوات مع الدوافع إليها، فيثاب على ترك الزنا مع وجود الدوافع، وعلى ترك الخمور مع وجود الشهوات، وعلى ترك الأكل الحرام مع تيسره وسهولة تناوله، وعلى ترك المعاملات الربوية، وعلى ترك الغش مع وجود الدوافع له، وعلى ترك الجدال بغير حق، وعلى ترك السباب مع وجود من يسبه، وما أشبه ذلك.
فيثاب الإنسان على التروك كما يثاب على الطاعات والقربات، والكل داخل في مسمى الإيمان.
وبهذا نعرف أن الإيمان يستوعب خصال الطاعة، والخصال الخيرية كلها، ويستوعب ترك المحرمات، وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان، فمن استكمله استكمل الإيمان، ومن نقص منه شيئاً نقص حظه من الإيمان.
стр. 639
جواز الاستثناء في الإيمان إذا لم يكن للشك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهو أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه.
وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢-٤] ، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ؛ فالاستثناء حينئذ جائز، وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله، لا شكاً في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى] .
من مسائل الإيمان: مسألة الاستثناء، أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ هل يجوز أو لا يجوز؟ فمنعه قوم، وقالوا: لا يجوز أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن في ذلك توقفاً.
وسموا من يستثني شاكاً، يقولون: أتشك في أنك مصدق؟! أتشك في أنك من أهل الدين؟! أتشك في أنك من أهل هذا الإسلام؟! هؤلاء منعوا الاستثناء.
وأوجبه آخرون وقالوا: لا يجوز الجزم، فلا يجوز لأحد أن يقول: أنا مؤمن، أو أنا مؤمن حقاً؛ وذلك لأنه ربما ينقصه شيء من الإيمان، وربما يكون من غير أهل الإيمان في العاقبة، فأوجبوا الاستثناء، فصاروا يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله.
وتقدم أن منهم من يستثني حتى في الأشياء الحقيقية، فيقول بعضهم: هذا رجل إن شاء الله، أو: هذا بيت إن شاء الله، أو: هذا مالي إن شاء الله.
وهؤلاء فيهم تشدد.
والصحيح القول الوسط: أنه يجوز الاستثناء ويجوز تركه، فإن كان الذي يستثني شاكاً ومتردداً فلا يجوز الاستثناء على وجه الشك ولا على وجه التردد، وإن كان الذي يستثني إنما يستثني لأنه لم يصل إلى درجة الكمال جاز الاستثناء، ومعلوم أننا لم نصل إلى درجة كمال الإيمان، كمال الإيمان استيفاء بضع وسبعين شعبة، من الذي يستكملها على التمام؟! إذاً: فلنا أن نستثني؛ لعدم وثوقنا باستيفاء هذه الشعب كلها، لأنه لابد أن يكون عندي خلل، وعندي نقص في خصلة من الخصال، إما لم أكملها، وإما لم أعملها، وإما لم آت بها على الكمال أو ما أشبه ذلك، فإذاً: أنا أستثني حيث إن إيماني لم يصل إلى درجة الكمال، فأقول: أنا مؤمن إذا شاء الله، أو: إلا ما شاء الله، أو: إن شاء الله.
كذلك معلوم أن من خصال المؤمنين ما يكون جامعاً لأفضل الخصال، والإنسان لا يثق بأنه وصل إلى ذلك، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ؛ قليل منا من يوجل قلبه عند ذكر الله إلا ما شاء الله، ﴿إ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] يعني: يزدادوا أعمالاً، ونحن كل يوم نسمع آيات الله، ومع ذلك قليل منا من يزداد عملاً، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] قليل من يكون متوكلاً على الله حق التوكل، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] يعني: يتمونها تماماً كاملاً، فمثل هؤلاء قليل وجودهم، فلأجل ذلك إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله.
يعني: أرجو أن أكون من أهل هذه الصفات؛ فلا بأس.
وكذلك الآيات التي سمعنا في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، هذه -أيضاً- خصال قد يتعذر في الكثير استيفاؤها، وبذلك نعرف أن الاستثناء يعود إلى الكمال، يعني: أنا مؤمن ولكن لا أجزم بكمال إيماني، بل أرجو أن أكون من أهل هذه الخصال، ولكني لم أتحقق وصولي إليها، فيكون الاستثناء نظراً إلى الكمال، أو يكون الاستثناء نظراً إلى عاقبة الإنسان التي يموت عليها، فالله أعلم بها، فهو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
أي: أرجو أن أكون مؤمناً وأن أستمر على هذا الإيمان حتى يأتيني أجلي، فإذا استثنى بهذا الاعتبار جاز الاستثناء.
هذا هو القول الوسط، لا أنه شك وتردد في تصديقه، ولا أنه جزم ببلوغه الرتبة العالية، وخير الأمور أوسطها.
стр. 640
قبول ما صح عن الرسول من الشرع والبيان
قال الشارح ﵀: [قوله: (وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق) .
يشير الشيخ ﵀ بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة، القائلين بأن الأخبار قسمان: متواتر، وآحاد، والمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة، فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، وبهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات.
قالوا: والآحاد لا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طريقها، ولا من جهة متنها.
فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول، وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وهي في التحقيق ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٣٩-٤٠] .
ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي، وعزلوا لأجلها النصوص؛ فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص، ولم يظفروا بقضايا العقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية، ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح، الموافق للفطرة السليمة.
بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولاً، فما وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به! وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم رده، وسمى رده تفويضاً أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلاً! فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم] .
стр. 641
موقف المؤمن من الأدلة السمعية
أكمل الشارح الكلام على أسماء الإيمان والدين، وابتدأ المتن في إجمال قول أهل السنة في الأدلة، معلوم أن الأدلة عقلية ونقلية، الأدلة العقلية: هي ما دلت عليه الفطرة، وما تشهد بسلامته وملاءمته العقول المستقيمة والفطر السليمة، ولا شك أن الإسلام هو دين الفطرة، يقول الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، ولا شك أن دين الإسلام موافق لما دلت عليه العقول السليمة، وغير مخالف لها.
أما النوع الثاني: فهو الأدلة السمعية النقلية، ويراد بها: الكتاب والسنة، فإنهما نقول منقولة نقلها كابر عن كابر، وهي أدلة سمعية، سمعها هذا عن شيخه، والشيخ عن شيخه إلى أن اتصلت بالرسول ﷺ ، وتناقلوها، فأنت -مثلاً- علمك أستاذك القرآن والسنة، وشيخك علمه شيخه، وهكذا شيخ شيخك تعلم من شيخه، إلى أن اتصلت السلسلة بالنبي ﷺ ، والنبي ﵊ جاء إليه الوحي من الله تعالى، ولا شك أن وحي الله إلى أنبيائه لا يتطرق إليه شك، ولا يكون فيه توقف في صحته؛ فإذاً: هي أدلة سمعية يقينية متلقاة عن الشرع الشريف.
فماذا يجب علينا نحوها؟ يجب علينا أن نؤمن بها، وأن نعمل بها، وأن نتقبلها، ولا نتوقف في قبول شيء منها، فنعمل بها في العقائد كما نعمل بها في الأحكام، ونعتبر بها، ونمتثل ما فيها، وإذا سمعنا آيات الوعيد خفنا، وإذا سمعنا آيات الوعد رجونا، وإذا سمعنا القصص تفكرنا، وإذا رأينا الأمثال اعتبرنا، وإذا جاءتنا الأحكام عملنا، وإذا جاءتنا الأخبار صدقنا، هذه وظيفة المسلم، وهذا عمله، عمل المؤمن أنه يتقبلها؛ لماذا؟ لأنه جاءك الوحي من الله بواسطة الرسول، وعقولنا قاصرة لا تصل إلى معرفة ما يحبه الله وما يكرهه، ولا تحيط بما في الملأ الأعلى، ولا بما في الدار الآخرة، وكل ذلك يتوقف على النقل، ويتوقف على السمع الذي طريقه الاتباع.
فنقول: إن من واجب المسلمين أن يقدموا قول الله وقول رسوله على قول كل أحد، وأن يعملوا بهذه الأدلة وبهذه النصوص، ويقدموها على العقول، وعلى أقوال المشايخ، وعلى أقوال فلان وفلان؛ حتى يكونوا بذلك متبعين حق الاتباع.
قد أمر الله تعالى المؤمنين بالاتباع في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ، وفي قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، متى يكون الإنسان متبعاً للرسول ﵊؟ إذا عمل بما جاء به، وهل العمل بما جاء به يختص بالأفعال أو يعم العقائد؟ لا شك أنه يعم العقائد، فيجب على المسلم أن يتلقى العقيدة من كتاب الله، فترسخ في قلبه، وإذا رسخت وتمكنت في قلبه كان من آثارها أن تنبعث جوارحه لتعمل، وإلا فليس بمصدق، وليس بمتبع، وليس بمؤمن حقاً.
стр. 642
موقف المبتدعة من الأدلة السمعية
ذكر الشارح ﵀ أن المخالفين سدوا على أنفسهم باب السمع، فالأدلة من القرآن والأدلة من السنة لما كانت مخالفة لعقولهم لم يقبلوها، الأدلة من القرآن قطعية الدلالة قطعية الثبوت، فلا يترددون في أن هذا القرآن هو كلام الله المنزل، ولا يترددون في أنه نقل نقلاً متواتراً، نقلته الأمة في شرق الأرض وفي غربها، يقرؤه هؤلاء لهؤلاء، لا يترددون في صحته ولا في ثبوته.
ولكن فيه نصوص تخالف معتقداتهم، وفيه أدلة قطعية الثبوت تخالف ما ذهبوا إليه؛ فالمعتزلة والأشعرية والجهمية والجبرية والشيعة وما أشبههم؛ لهم عقائد منحرفة، من أين أخذوا عقائدهم؟ من عقولهم، فحكموا عقولهم وجعلوها هي المرجع! قرأت لبعضهم يقول: ما علمنا صدق الرسل إلا بعقولنا، فإذا جاء عن الرسل شيء يخالف ما في عقولنا رددناه.
نقول: عجباً لكم! ما دامت قد أيقنت عقولكم بصدقهم، فما عليكم إلا أن تتقبلوا كل ما جاء عنهم، فأما أن تشهد عقولكم بصدقهم، ثم تقولون: نأخذ من أقوالهم ما يوافق عقولنا، ونرد ما يخالف عقولنا، فما كنتم بمصدقين ولا بصادقين في الاتباع.
كذلك هم يقولون: الآيات القرآنية ثابتة يقينية قطعية الثبوت؛ ولكن ليست بقطعية الدلالة، فدلالتها غير واضحة.
فأخذوا يسلطون عليها التحريف، وسموا هذا التحريف تأويلاً، وبالأخص فيما يتعلق بالصفات وبالأسماء، سلطوا عليها التأويل، وهو في الحقيقة تحريف.
مثلاً: الأشعرية أولوا كثيراً من آيات الصفات: كآيات المحبة، وآيات الرحمة، وآيات الغضب والرضا.
وكذلك الصفات الذاتية: أولوا صفة الوجه، وصفة اليدين.
وأولوا الصفات الفعلية: كصفة العلو، وصفة الاستواء.
ما كذبوها لكن أولوا أدلتها، ثم أثبتوا بعض الصفات: كصفة الكلام، مع أن قولهم في الكلام غير واضح كما تقدم، وأثبتوا الرؤية في الآخرة ولكن لم يثبتوها كما ينبغي، وأثبتوا صفة الإرادة وصفة السمع والبصر إلى آخرها.
فجاءت الجهمية والمعتزلة وقالوا: نحن نفعل كما فعلتم، أنتم أولتم آيات المحبة والرحمة والغضب والرضا، لماذا خصصتم هذه بالتأويل؟! نحن كذلك نتأول آيات القدرة، وآيات العلم، وآيات السمع والبصر، وآيات الكلام، وآيات الحياة وما أشبهها، فقدرتكم على التأويل ليست أقل من قدرتنا ولا نحن أضعف منكم، فدخلوا من باب التأويل، فسدوا على أنفسهم أخذ الأدلة من القرآن.
قالوا: إن الآيات قطعية الثبوت، ولكنها ليست قطعية الدلالة، بل هي محتملة للتأويل، فأولوها وحرفوها، فصاروا لا يستدلون بآيات القرآن على هذا النوع.
جاءتهم السنة، والأحاديث النبوية المنقولة بالأسانيد الصحيحة، فقالوا: نقسمها قسمين: متواتر، وآحاد.
فأما المتواتر: فنجعله كالقرآن قطعي الثبوت، ولكنه ظني الدلالة، فدلالته ضعيفة وغير واضحة، فنسلط عليه التأويلات التي سلطناها على الآيات فنستريح منه.
أما القسم الثاني: الذي هو الأحاديث الآحادية، ويسمونها أخبار الآحاد، فهذه يردونها كلها، ولا يقبلونها في العقائد، ويقولون: إنها ظنية الثبوت، مع كونها ظنية الدلالة، وإذا كانت قطعية الدلالة فإنها ظنية الثبوت، فلا تفيد إلا الظن، والظن أكذب الحديث، فلا نقبلها، لأن الله قد نهانا عن الظن في قوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، وفي قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] ، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٨] فالأحاديث ولو كانت في البخاري وفي مسلم، وفي السنن، وفي المسانيد، ولو رواها من رواها؛ فهي ظنية، لا تفيد إلا الظن؛ فسدوا على أنفسهم هذا الباب.
ناقشهم العلماء كـ ابن القيم ﵀، وبين أن قولهم هذا خطأ، وأن الواجب قبولها، وأنها قطعية الثبوت، ولو كانت آحاداً، فهي تفيد اليقين، والناس يضطرون إلى العمل بها، فكما يعملون بها في الفروع فكذلك يعتقدونها في الأصول، وكما يعملون بها في الواقع فكذلك يصدقونها في الواقع، والكلام عليها طويل.
قد ناقش أدلتهم العلماء، وأول من أثار الكلام فيها الإمام الشافعي في رسالته التي تعرف بـ (الرسالة في أصول الفقه) ، وكذلك الإمام البخاري في آخر صحيحه قال: كتاب أخبار الآحاد.
وبين أدلتها والعمل بها في الفروع وفي الأصول.
وتكلم عليها ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) ، وكسر ما يتعلق به الجهمية من رد هذه الأخبار، وبين أنها تفيد العلم القطعي، وأنها ليست ظنية الثبوت كما يقولون، وعلى هذا تصير دلالتها واضحة، ولو ردها من ردها منهم.
فمثلاً: أحاديث الشفاعة متكاثرة متواترة، وإن كانت أفرادها آحاداً، ولكن مجيئها من طرق وعن عدد من الصحابة يثبتها ويوضحها، ولم تقبل ذلك المعتزلة الذين ينكرون شفاعة الشافعين، وكذلك الخوارج الذين ينكرون شفاعة الشافعين وإخراج العصاة من النار، فيقال لهم: أحاديث الشفاعة قطعية؛ لكثرتها، ولكنهم يردونها.
مثلاً: أحاديث رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، مروية عن عدد كبير من الصحابة بروايات قوية ثابتة، ليس فيها توقف، وليس فيها تردد، فهي متواترة في المعنى، وإن لم تكن متواترة في اللفظ، ومع ذلك يردونها، ويقولون: إنها لا تزال آحاداً ولم تخرج عن خبر الواحد.
والحاصل: أن عقيدة أهل السنة أن الدلالة السمعية هي الأصل وهي المرجع، فكما أننا صدقنا بالنبي ﷺ فلا نكون متبعين له حق الاتباع إلا إذا تقبلنا كل ما بلّغه من الشريعة، فهو الذي بلغ القرآن فنعمل به في الأصول والفروع، وهو الذي علمنا، وبين لنا القرآن بفعله وبقوله، فلابد أن نعتقد ذلك، وهو الذي أخبرنا عن الأولين، وهو الذي أخبرنا عن الآخرين، وهو الذي أخبرنا عن الدنيا، وهو الذي أخبرنا عما يكون في الآخرة، وكل ذلك من شريعته وسنته، ولا نكون مصدقين له إلا إذا صدقناه بكل دقيق وجليل.
стр. 643
طريقة أهل السنة في التعامل مع النص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وطريق أهل السنة: ألا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوا بمعقول ولا قول فلان، كما أشار إليه الشيخ ﵀، وكما قال البخاري ﵀: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي ﵀، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة! ترى على وسطي زناراً؟! أقول لك: قضى رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! ونظائر ذلك في كلام السلف كثير، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملاً به وتصديقاً له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات) ، وخبر ابن عمر ﵄: (نهى عن بيع الولاء وهبته) ، وخبر أبي هريرة: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) ، وكقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وأمثال ذلك، وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء، وأخبر أن القبلة تحولت إلى الكعبة، فاستداروا إليها.
وكان رسول الله ﷺ يرسل رسله آحاداً، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبله؛ لأنه خبر واحد! وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] ، فلابد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه؛ لئلا تبطل حججه وبيناته] .
هذا بيان أدلة حجية أخبار الآحاد، يقول: إن الله تعالى فرض على الأمة قبول ما بلغه الرسول ﷺ ، وقبول الشريعة التي جاءت عنه ﷺ ، ووصف المؤمنين بأنهم يقدمون ذلك على قول كل أحد في مثل هذه الآيات، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] يعني: إذا جاءنا قضاء الله وقضاء رسوله فلا نقدم عليه أهواءنا، ولا نجعله محل تردد، ولا نقول: نعرضه على عقولنا، ولا نقول: نختار عليه قول مشايخنا فلان أو فلان، بل نجعله هو الأصل، وهو المقدم على قول كل أحد صغيراً كان أو كبيراً، وذلك هو وصف كل مؤمن، وهكذا -أيضاً- عمل أئمة الإسلام؛ كانوا يقدمون قول النبي ﷺ على اجتهاداتهم وعلى آرائهم، فهذا أبو حنيفة يقول: إذا جاء الخبر عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط، وإذا جاء عن الصحابة فاضربوا بقولي الحائط، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال؛ وذلك لأنه من علماء التابعين.
وهذا الإمام مالك ﵀ يقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.
يعني: رسول الله ﷺ ، فالإمام مالك جعل على نفسه أن قول الرسول ﷺ لا يرد منه شيء، أما قول غيره فإنه محل للقبول وللرد؛ وذلك لأنه محل اجتهاد، وأما قول الرجال فإنها تدور على قدر الأدلة في النقد.
والثابت عن الإمام الشافعي في ذلك أكثر وأكثر كما في هذه القصة، جاء رجال إلى الإمام الشافعي، وسأله عن مسألة، والإمام الشافعي يحفظ فيها حديثاً ثابتاً، فيقول: قضى فيها رسول الله ﷺ بكذا وكذا، وذلك السائل كأنه ما قنع، فقال: ما تقول أنت يا شافعي؟ فغضب الإمام الشافعي أشد الغضب، وقال له هذه المقالة: سبحان الله! أتراني في بيعة! أتراني في كنيسة! أترى على وسطي زناراً؟! أقول: قضى فيها رسول الله ﷺ بكذا، وتقول: ماذا تقول أنت؟! يعني: أنني إذا عرفت قضاء رسول الله ﷺ فهل يكون لي اختيار؟! هل يكون لي رأي مع رأي الرسول ﵊؟! حاشا الشافعي وحاشا غيره من الأئمة أن يكون لهم أي اختيار.
كذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ثبت عنه أنه قال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان الثوري - والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
سفيان بن سعيد الثوري إمام من الأئمة وعالم من علماء العراق، مشهور بالعلم، ومع ذلك له آراء قد تكون مخالفة للدليل، فيقول: إن هؤلاء الذين يأخذون رأي سفيان، ويتركون الأحاديث مع معرفتهم بصحتها، حري أن تنطبق عليهم هذه الآية، وهي قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
стр. 644
من الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد
أخبار الآحاد لا شك أنها متى ثبتت فإنها تفيد اليقين، وتفيد العلم، وضرب الشارح لذلك أمثلة، وذكر على ذلك أدلة، منها: أن أهل قباء كانوا يصلون إلى القبلة التي كانوا عليها، إلى جهة بيت المقدس، فجاءهم رجل واحد وهم في نفس الصلاة، وقال لهم: (إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها) ، فصدقوه وهو واحد، وهم على قبلة متحققين لها، فاستداروا من الشمال إلى الجنوب نحو الكعبة، وعملوا بقوله وهو واحد، فلا شك أن هذا دليل على أن خبر الواحد الصادق المتثبت يعمل به ويقدم ويصدق.
رسول الله ﷺ واحد، ومع ذلك صدقوه وقبلوا ما جاء به، والرسل الذين يرسلهم الله تعالى غالباً أنهم أفراد، أرسل الله نوحاً وحده، وأرسل هوداً وأرسل صالحاً وأرسل شعيباً وأرسل لوطاً وأرسل موسى وهارون، ولا شك أن هذا دليل على أن خبر الواحد يقبل ويفيد العلم.
كذلك نبينا ﷺ كان يرسل الدعاة أفراداً، فأرسل معاذاً -مثلاً- إلى اليمن داعية إلى الله، وكذلك أرسل أبا موسى، وأرسل علياً، وأرسل عماراً، وأرسل سلمان، كل منهم إلى جهة، أرسلهم للدعوة.
كذلك -أيضاً- كان يرسل جباة الزكاة أفراداً، يأتي الفرد الواحد إلى أهل الإبل أو الغنم، ويقول: أعطوني زكاتكم، أنا مرسل من النبي ﷺ .
فلا يقولون له: أنت واحد.
بل يقولون: خذ زكاة أموالنا.
فيقبلون خبره.
الحاصل: أن الأدلة متنوعة، وإنما هذه نماذج مما ذكر منها.
وبذلك يعرف أن الحق قبول خبر الواحد إذا كان ثابتاً ويقيناً، وأن الناس يعملون بذلك، فما دام كذلك فلا مجال لرد ثلث السنة أو ثلثيها بهذه الشبهة، ومع ذلك فالذين ردوها ما ردوا إلا قسماً خاصاً وهو ما يتعلق بالعقائد، وأما ما يتعلق بالأعمال فإنهم رأوا الناس يعملون به، وقالوا: إن الناس يعملون بخبر الآحاد فهو يفيد العمل ولا يفيد العلم.
وهذا في الحقيقة تناقض، ومعلوم أن كتب السنة قد تلقتها الأمة بالقبول وعملوا بها، فصحيح البخاري تلقته الأمة بالقبول، واعتقدوا ما فيه، وصاروا يعملون به ويطبقونه، ولم يقولوا: إنه أخبار آحاد.
وكذلك صحيح مسلم، وكذلك الكتب التي تعتمد الصحة تلقتها الأمة بالقبول بدون توقف، فكانوا يعملون بما فيها؛ لأنها ثابتة، وأسانيدها قوية، ليس فيها كذاب، وليس فيها من يشك في صدقه، وبذلك يعرف أن الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ محل القبول، لا يجوز ردها، حتى ولو خالفت ما في العقول، حتى ولو خالفت ما في فطر الناس أو في أفكارهم، تقدم على قول كل قائل، وعلى عقل كل عاقل، سيما وعقول أولئك الذين ردوا السنة أو ردوا الآيات عقول مضطربة، عقول مختلفة، وشبهاتهم التي يشبهون بها لا شك أنها مضطربة أيما اضطراب، ويحصل فيها التناقض.
فيشاهد أن الواحد منهم يبقى -مثلاً- ثلاثين سنة وهو يقول: إن هذه الصفة ينكرها العقل، ثم بعد ثلاثين سنة، وبعدما يكون نضج عقله، يرجع ويقرها! سبحان الله! ثلاثين سنة من زمانك ومن عمرك وأنت تنكرها، ثم بعد ذلك أقررت بها، هل تغير عقلك؟! هل تبدل عقلك؟! فهذا دليل على أن عقولهم ليست ميزاناً.
وكذلك نجد مجموعة -مائة أو ألفاً- من العلماء في هذا البلد ينكرون هذه الصفة، ويقولون: العقل ينكرها، ونجد في البلد الثاني ألفاً أو ألوفاً يقرون بها، ويقولون: العقول تثبتها، فإذاً: كيف تكون هذه العقول مختلفة؟ هؤلاء يقولون: نثبت، وهؤلاء يقولون: ننفي، هؤلاء يقولون: لا يقر بها العقل، وهؤلاء يقولون: بل يثبتها ويوجبها! إذاً: فهذه العقول تضطرب؛ فهي عقول غير متزنة.
فأدلتهم وشبهاتهم هذه لا عبرة بها، وقد شبهها بعض العلماء بالزجاج الذي يضرب بعضه بعضاً فيتكسر، إذا ضربت الزجاجتين إحداهما بالأخرى بقوة هل يبقى منهما شيء؟ كلاهما تتكسر، فهكذا أدلة هؤلاء مع هؤلاء تضرب هذا بهذا فيتكسر الدليلان، أما أدلة أهل السنة من الكتاب والسنة فإنها ثابتة، لا يعتريها شيء من التغير.
стр. 645
شرح العقيدة الطحاوية [٤٨]
فضح الله من كذب على رسوله ﷺ في حياته وبعد مماته، وبين حاله للناس، فقد سخر الله لسنة نبيه من يقوم بها، ويعرف صحيحها من سقيمها، وهم أهل الحديث رحمهم الله تعالى.
стр. 646
اعتماد أهل السنة في العقائد على الكتاب والسنة ومخالفة غيرهم لهم
فقد عرفنا أن معتقد أهل السنة والجماعة الاعتماد على كتاب الله ، وعلى سنة رسوله ﷺ في الإيمان بالغيب، والإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والإيمان بما أخبر الله به مما بعد الموت، فيرجعون في ذلك إلى هذه الأدلة؛ لقطعهم بصحتها وثبوتها، ولقطعهم بصراحتها ومعرفة مدلولها.
معلوم أن الله تعالى خاطب العرب بما يفهمون، وأنزل عليهم القرآن بلسان عربي مبين، وهم فصحاء يفهمون المراد، ويعقلون المعاني، ويسمعون وينظرون، ومعلوم أنهم تقبلوا تلك النصوص التي جاءتهم بها الرسل، وأنهم وثقوا بأن معناها مراد، وأنها ليست ألفاظاً جوفاء، بل هي ألفاظ لها معانٍ، وعرفوا أنه مطلوب منهم فهمها، وتعقل معناها؛ ذلك لأن الله تعالى يأمر بتعقل هذا الكتاب، يقول الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] ، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] ، ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] ، والتدبر: هو التعقل.
ولو كانت لا معاني لها، أو لا يجوز اعتقاد معناها، وإنما يتعبد بألفاظها، لما أمرنا بالتدبر، ولما أمرنا بالتفهم.
وقد ثبت -أيضاً- أن النبي ﷺ كان يعلم أمته ما يخفى عليهم بقوله وبفعله، فكان يبين لهم المعاني التي اشتملت عليها الآيات من الأمور الغيبية ونحوها، وكان يخبرهم بما ورد في القرآن، فيخبرهم بشرح أمور الآخرة، وبشرح أسماء الله وصفاته، ويخبرهم بما يطلب منهم، وبما يعفى عنهم.
ومعلوم -أيضاً- أن الصحابة ﵃ عرب فصحاء، ذوو فهم ومعرفة، ولو كانوا لم يفهموا ما قال لهم لما نقلوه بلفظه، ولما شرحوا معانيه، ولما اعتقدوا مدلولاته.
وأيضاً: لو كانوا أمروا أن يعرفوا منه غير المتبادر لبينوا لتلامذتهم، ولقالوا لهم: لا تعتقدوا ظواهر النصوص، فإنها ظواهر ظنية، لا تفيد اليقين.
فلما لم يقولوا ذلك عرف بأنهم فهموا أنه مطلوب منهم تعقلها واعتقاد مدلولها.
فهذا هو مذهب أهل السنة: يقرءون الآيات، ويفهمون معانيها، ويسمعون الأحاديث، ويفهمون معانيها، سواء كانت تتعلق بالآخرة، أو كانت تتعلق بالأسماء والصفات، أو كانت تتعلق بعلم الغيب، أو بالإيمان بالكتاب والبعث والنشور أو ما أشبه ذلك، كل ذلك يعرفونه ويعتقدون مدلوله.
إذا قرءوا ما يتعلق بالبعث اعتقدوا حقيقة أنه سيحصل البعث والنشور والجزاء والعذاب والثواب.
إذا قرءوا ما يتعلق بصفات الله اعتقدوا أن هذه النصوص دالة على علو الله وارتفاعه فوق خلقه، ودالة على قربه واطلاعه على خلقه، ودالة على علمه بكل شيء، ودالة على سمعه وبصره وقدرته التامة، ودالة على مراقبته لخلقه في كل أعمالهم وأحوالهم.
وإذا قرءوا ما يتعلق بعموم قدرة الله اعتقدوا أن الله قادر عليهم، وأنه خالق كل شيء، وأنه المتصرف في الخلق، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، هذه مدلولات النصوص يعتقدونها كما هي.
والدليل على ذلك: أنهم نقلوا ذلك، وكتبوه في مؤلفاتهم، ومن جملة ذلك ما كتبه صاحب هذا المتن الذي هو الطحاوي، وقبله الأئمة، فكتب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ رسائل تتعلق بالعقيدة، وكتب ابنه عبد الله بن أحمد رسالة في السنة، وكتب -أيضاً- زميله ابن أبي شيبة رسالة تتعلق بالإيمان، وهي رسائل موجودة مَنَّ الله بحفظها حتى وصلت إلينا، ولم تتغير.
стр. 647
المبتدعة قسموا الآيات والأحاديث أقساماً لكي يخالفوها
المخالفون لأهل السنة لم يعملوا بهذه النصوص، ولم يعملوا بالآيات، ولم يعملوا بالأحاديث، فعلى أي شيء اعتمدوا في المعتقد؟ اعتمدوا على عقولهم فحكموها، وجعلوها هي الدليل، فقبلوا ما وافقت عقولهم عليه، وردوا ما أنكرته عقولهم، وزعموا أن العقل هو الدليل الأساسي، وقالوا: ما عرفنا صدق الرسل إلا بالعقول، فإذا جاء عن الرسل ما يخالف العقول وجب اطراحه.
وقد تقدم أنهم قالوا في الآيات: إنها تنقسم إلى قسمين، وكذلك الأحاديث.
قسموا الآيات إلى قسمين: فقسم قالوا: إنه ظاهر الثبوت، ولكنه ظني الدلالة فلا يقبلونه؛ لاحتماله بزعمهم التأويل، ولأجل ذلك سلطوا التأويل على تلك النصوص.
والقسم الثاني: جعلوه ظاهراً، ولكن لا يلزم أيضاً قبوله ولو كان ظاهر الدلالة، لأنه محتمل للتأويل.
أما السنة فجعلوها قسمين: متواتراً، وآحاداً.
فقالوا: إن المتواتر قطعي الثبوت، ولكنه ليس قطعي الدلالة لاحتمال أنه ذو معان كثيرة، فسلطوا عليه التأويل.
أما الآحاد فجعلوه ظني الثبوت، وما دام أنه ظني الثبوت فلا يدخل في المعتقد، ويقولون: إن العقيدة لا تبنى إلا على اليقين، والآحاد ظنية.
ومعنى هذا: اطراح الأحاديث كلها إلا أفراداً قليلة، فالأحاديث المتواترة قليلة، والبقية كلها آحاد، فيقولون: الآحاد لا تقبل في المعتقد.
وقد تقدم تعقب الشارح لذلك.
لا شك أن أكثر الأحاديث التي وردت في صحيح البخاري وفي مسلم، وكذلك في كتب أهل السنة؛ أنها في اصطلاحهم آحاد؛ وهي ما يرويها واحد أو اثنان أو ثلاثة، ولم تبلغ حد التواتر، وإذا كانت كذلك فإنها ظنية الثبوت فلا تفيد يقيناً، فقالوا مثلاً: الأحاديث التي في إثبات النظر إلى الله تعالى ورؤيته في الآخرة كلها ظنية-آحاد- فلا نعتقدها، والأحاديث التي في علو الله على عرشه، وعلوه فوق سمواته كلها ظنية، فلا نقبلها لكونها آحاداً، والأحاديث التي في نزوله لفصل القضاء، وفي نزوله إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، كلها آحاد، فلا يقبلونها، والأحاديث التي في صفة الفعل لا يقبلونها أيضاً.
إذاً: ماذا بقي؟ ما بقي إلا أحاديث قليلة في الشفاعة وفي الحوض وما أشبهها، جعلوها متواترة، وقبلها بعضهم، والبعض لم يقبلها، وقال: إنها وإن كانت قطعية الثبوت لكنها محتملة للتأويل.
وقد رد عليهم الشارح ﵀ فقال: إن الأمة لم يزالوا يعملون بالآحاد، وإن النبي ﷺ كان يرسل رسله آحاداً، فيعمل بقولهم، فيرسل الداعية إلى اليمن مثلاً وهو واحد، ويكلف الذين أرسل إليهم أن يقبلوا منه، ويرسل المبلغين آحاداً، ويرسل كتبه مع آحاد ويقبل منهم، ويرسل أيضاً الجباة الذين يجمعون الصدقات آحاداً، فيقبل منهم، ولا شك أن ذلك كله دليل على أنهم عرفوا صدق أولئك الذين جاءوا بهم.
فما دام كذلك: فإن هذه الأخبار التي رويت في الصحيحين نقلها عدل عن عدل، ضابط عن ضابط، ثقة عن ثقة، إذا دونت في الكتب أليست قطعية الثبوت؟ هي قطعية، فلماذا لا نعمل بها؟ لماذا لا نطبقها؟ لماذا لا ندخلها في الاعتقاد كما أدخلناها في العمل؟ ما الفرق بين العمل والاعتقاد؟ لا فرق بينهما.
فإذاً: واجب على الأمة أن يعملوا بهذا وهذا، في الاعتقاد وفي العمل.
стр. 648
دفاع أهل السنة عن الحديث
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس.
قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث.
وقال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث، لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب.
وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب، ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث، والبحث عن سيرة الرواة؛ ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة يتقولها على رسول الله ﷺ ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك.
وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، فهم يزك الإسلام، وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث.
فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم؛ ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه.
ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره ما ليس لغيرهم به شعور، فضلاً أن يكون معلوماً لهم أو مظنوناً، كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك، لعد ذلك جهلاً كبيراً] .
стр. 649
خبرة أهل الحديث بالحديث
الأحاديث التي رواها الثقات وكتبت في أمهات الكتب قد تأكد العلماء من صحتها.
وإذا قيل: إن هناك أحاديث موضوعة، وأحاديث مكذوبة قد رويت وقد كتبت، وقد ألفت فيها الكتب، فما دام أن الأحاديث وجد فيها مكذوب، ووجد فيها موضوع، ووجد فيها ضعيف ومضطرب ومعلوم وشاذ وكذا وكذا فكيف تعتمدون هذه الأحاديث وتجعلونها دليلاً، وتعتقدونها في المعتقد، والعقيدة لا تعتمد إلا على اليقين؟
و
الجواب
قد أجاب الشارح ﵀ وبيَّن أن الأحاديث قد يسر الله لها من يحررها وينقحها، ويبين صحيحها من سقيمها، هؤلاء العلماء هم علماء الحديث الذين رزقهم الله علماً ثاقباً، ورزقهم الله فهماً وقوة يدركون بها ما هو حديث وما ليس بحديث، ولأجل ذلك شبههم بالنقاد، وشبههم بالصيارفة، والصيرفي: الذي حرفته أن يصرف الذهب والفضة، ويبيع هذا بهذا، فحرفته منذ نشأ أن يعرف الدرهم الذي فيه غش، والدينار الذي فيه غش، والجنيه المغشوش الذي فيه زيف، والحلي الصافي، والحلي المغشوش المخلوط؛ لأن هذه حرفته وصنعته، فكذلك أهل الحديث، هذه حرفتهم وهذه صنعتهم، منذ أن نشئوا وهم يتتبعون أحاديث النبي ﷺ ، فكانت معهم ملكة يدركون بها ما هو صحيح وما هو ضعيف، لدرجة أن أحدهم لمجرد سماعه أول الحديث يقول: هذا ضعيف، هذا مكذوب، وبمجرد سماع الإسناد يعرفون من هو مقبول الحديث ومن ليس بمقبول، هؤلاء هم الذين يسرهم الله تعالى لحفظ سنة نبيه ﷺ .
стр. 650
تبيين أهل الحديث للأحاديث الضعيفة
حكي أن المهدي العباسي قبض على زنديق وعرف أنه من المنافقين، وعزم على قتله، فقال ذلك الزنديق: هب أني قتلت، كيف تفعل بأربعة آلاف حديث قد كذبتها وبثثتها في الناس؟! فقال المهدي: تعيش لها نقادها، أي: جهابذة المحدثين ونقاد الحديث يزيفونها ويخرجونها من جملة الأحاديث، إذا سمعوا عشرة أحاديث من شخص واحد وفيها حديث موضوع قالوا: امحوا هذا، اضربوا هذا الحديث، هذا ليس بصحيح، فهذه صنعتهم، وهذه حرفتهم، تخصصوا بها وصار معهم ملكة ليست مع غيرهم، وعندهم معرفة بأخبار النبي ﷺ وبسنته، وبما ثبت عنه، وبما يقوله، إذا جاءهم الحديث مخالفاً للأحاديث الصحيحة عرفوا أنه مكذوب، وقالوا: سنة النبي ﷺ لا تتضارب، وإذا جاءهم الحديث ولفظه مستبشع قالوا: هذا مكذوب؛ لأنهم مع كثرة سماعهم لألفاظ النبي ﷺ يدركون اللفظ الركيك المضطرب المتقطع المتضارب، يقولون: ينزه أفصح الخلق عن أن يتكلم بمثل هذا، فيحكمون بأنه مكذوب.
وهكذا أيضاً يدركونه إذا رأوا فيه مبالغة كبيرة، كذكر ثواب كبير على عمل قليل، أو ذكر عقاب كثير على سيئة صغيرة أو نحو ذلك، فيدركون أن هذه المبالغة لا ترد عن النبي ﷺ بهذه الصيغ، وأشباه ذلك.
وبكل حال: قد بينوا الأحاديث الموضوعة، وبينوا من وضعها، والأسباب التي حملت عليها، وجعلوا ذلك صنعتهم.
روي أن رجلاً جاء إلى أبي حاتم الرازي ﵀ وكان من المتخصصين بالأحاديث، فقال له: كيف تدرك الحديث الموضوع والحديث الصحيح بمجرد ما تسمعه؟ فقال: هذه صنعتنا، ولكن إذا كنت شاكاً في ذلك فاسألني، وأقول لك: اعرض علي مائة حديث أبين لك مثلاً عشرة منها أنها مكذوبة، ثم اذهب واعرضها على أبي زرعة ويبين لك العشرة نفسها، واعرضها مثلاً على النسائي ويبين لك العشرة نفسها، واعرضها على الإمام أحمد ويبين لك العشرة نفسها، ففعل ذلك، فعرض عليه مائة حديث، فكان فيها -مثلاً- عشرة فيها علة، فقال: هذا علته كذا، وهذا علته كذا، ثم عرضها على غيره فتوافقوا؛ هؤلاء مثلاً عشرة من نقاد الأحاديث اتفقوا على سماع هذه المائة واتفقوا على الحديث المعلول، وأن علته كذا وعلته كذا، مع أن بعضهم لم يخبر بعضاً، وإنما ذلك صنعتهم، فهذه حرفة أئمة الحديث ومعلوم أن ذلك هو ديدنهم وعملهم.
مثل الشارح بأن كل من اهتم بعلم من العلوم فإنه يبحث عن أهله وأصله، فمثلاً: الذين حرفتهم علم النحو يتتبعون أخبار النحاة والمجتهدين من الصدر الأول مثل: سيبويه أبي بشر المشهور بعلم النحو، الخليل بن أحمد الفراهيدي، والمشتغلون -مثلاً- بعلم الطب يعكفون على كتب الأطباء المتقدمين كـ بقراط وجالينوس، وكانوا أطباء متقدمين قبل الإسلام، ومؤلفاتهم وكتبهم في الطب موجودة يعتمدها الذين جاءوا بعدهم.
وهكذا كل إنسان وصنعته وحرفته، فالبقال ليس مثل العطار، البقال صنعته أن يبيع البقول والمعلبات ونحوها، والعطار يبيع الأطياب وصنعته معرفة الطيب المخلوط، والطيب الخالص، وكذا وكذا، كل أحد وصنعته، فهذه صنعة المحدثين سخرهم الله لتنقية الأحاديث حتى يتميز الحديث الذي ليس فيه طعن من الأحاديث المطعونة.
стр. 651
تبيين أهل الحديث للضعفاء والمتروكين
عندما تقرأ الأحاديث التي في أمهات الكتب يقولون: هذا الحديث صححه فلان، أو هذا الحديث ضعيف الإسناد، أو هذا حديث فيه اضطراب، أو هذا حديث مدرج، أو هذا حديث منقطع، أو معضل، أو مضطرب المتن، أو مرسل، أو نحو ذلك؛ لأنهم أرادوا أن يبينوا للأمة، ما دام أن هذه الأحاديث كتبت وستعرض على الأفراد، فلابد أن يعرف الفرد الحديث الذي يعمل به والذي لا يعمل به، فأصبحت السنة والحمد لله محفوظة.
فإذاً: لماذا تردونها أيها المعتزلة والمتكلمون؟ لماذا تقولون: إن السنة قد دخلها الكذب؟ نقول: صحيح أنه دخلها الكذب، ولكن تميزت الأحاديث المكذوبة من الأحاديث الثابتة الصحيحة، ولأجل ذلك فضح الله الكذابين، سمعنا أن الأئمة يقولون: ما هم أحد بكذب إلا فضحه الله على رءوس الأشهاد.
هناك أناس دخلوا في الإسلام وهم زنادقة، وصاروا يكذبون أحاديث ويفشونها، وهناك أناس يكذبون على النبي ﷺ حسبة أو انتصاراًَ لمذهب، أو نحو ذلك، ولكنهم افتضحوا، وألفت فيهم المؤلفات، تجدون كتباً مذكور فيها تراجم الضعفاء والمتروكين والمجروحين ومن ضعفه المحدثون، عندنا مثلاً كتاب اسمه الكامل لـ ابن عدي في نحو ثمانية مجلدات، كله في أسماء الرجال الضعفاء، يذكر أحاديثهم أو بعضها ويمثل بالأحاديث الضعيفة، وعندنا أيضاً كتاب للعقيلي في أربعة مجلدات اسمه أيضاً: الضعفاء، وهكذا كتاب في ثلاثة أجزاء لـ ابن حبان اسمه: المجروحون، لا شك أن اهتمام العلماء بهم يبين أنهم من جملة من لا يقبل حديثهم إذا تفردوا به.
فعرف بذلك أن السنة والحمد لله محفوظة، فلماذا لا تفرقون بينها وبين غيرها؟ لماذا تردون السنة مع ثبوتها؟
стр. 652
اعتماد المعطلة لآية: (ليس كمثله شيء) في النفي
قال الشارح ﵀: [ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم، وما وضعته خواطرهم وأفكارهم ردوه بـ: (ليس كمثله شيء) تلبيساً منهم وتدليساً على من هو أعمى قلباً منهم، وتحريفاً لمعنى الآية عن مواضعه.
ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام، أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين! ثم استدلوا على بطلان ذلك بـ (ليس كمثله شيء) تحريفاً للنصين!! ويصنفون الكتب، ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون كثيراً من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى، من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول ﷺ ، وأخبر أنه معناه الذي أراده الله.
وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص علينا ذلك من خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] إلى أن قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] والأماني: التلاوة المجردة، ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] .
فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله، وعلى اكتسابهم بذلك، فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضاً من الدنيا مالاً أو رياسة.
نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه] .
السنة والحمد لله محفوظة مصونة قد يسر الله لها من يميزها، ويبين صحيحها من سقيمها، والسنة متى ثبتت فليس لأحد ردها، وكذلك كتاب الله تعالى ثابت وصريح الدلالة، وليس لنا أن نرده ولا أن نرد السنة اعتماداً على العقول، واعتماداً على الأقيسة الباطلة ونحوها.
وقد ذكرنا أن هؤلاء المبتدعة اعتمدوا عقولهم وجعلوها هي المقياس، فما وافقها أثبتوه، وما خالفها نفوه، ثم انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم يحرفون الكلم عن مواضعه.
وقسم يفوضون الألفاظ والكلمات، ويقولون: لا نعرف معناها.
وقسم يولدون شيئاً من قبل أنفسهم، كلاماً أو عبارات لا أصل لها ويجعلونها معتمدة، وكل الأقسام قد ذمها الله تعالى.
стр. 653
تحريف نصوص الصفات وتسميته تأويلاً
من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه: الذين يؤولون النصوص، ويسلطون عليها التفسيرات البعيدة التي لا تمت إليها بصلة، ولا شك أن هذا مثل تحريف اليهود؛ وهو إما تحريف لفظي وإما تحريف معنوي: فالتحريف اللفظي: قولهم: إن كلمة استوى بمعنى: استولى، زادوا فيها لاماً، وقد حكى الله أن اليهود لما قيل لهم: حطة، غيروا الكلمة، فلم يقولوا: حطة، بل قالوا: حنطة، فزادوا فيها نوناً، فزيادة اليهود مثل زيادة الجهميين للام في استوى، يقول ابن القيم ﵀: نون اليهود ولام جهمي هما في وحي رب العرش زائدتان يعني: كما زاد هؤلاء نوناً فكذلك زاد هؤلاء لاماً، فهذا هو التحريف.
стр. 654
بدعة التفويض في الصفات
من أهل الأهواء من يسمون المفوضة، إذا سمعوا النصوص قالوا: لا نعرف معناها، ولكن نرد ظاهرها ولا نفسرها، فيردون مدلولها ويقولون: لا نثبت لله السمع، ولا نثبت لله النزول، ولا نثبت لله الاستواء، ولا نثبت له العلو، ولا نثبت له القدرة؛ لأن العقل ينكر ذلك، يقولون: ولا نفسر قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، ولا نفسر قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ولا نفسر قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ، ولا نفسر قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، بل نفوض ذلك ونسكت عن معناه! هؤلاء يعتمدون على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فكلما جاءتهم آيات وأحاديث فيها إثبات صفات قالوا: إذا أثبتنا السمع فإن المخلوق يسمع، فنكون قد شبهنا، والله ليس كمثله شيء، وإذا أثبتنا العلم فالإنسان له علم، فنكون قد شبهنا، فـ (ليس كمثله شيء) ، وهكذا كل صفة يردونها اعتماداً على هذه الآية.
ولكن كثيراً منهم يسكتون عن التأويل ويفوضون، فهؤلاء المفوضة النفاة الذين جمعوا بين الأمرين، وادعوا أن أحداً لا يعرف مدلولها ولا المراد بها.
قد ذكرنا أن الصحابة فهموا معانيها وأنهم فسروها، وذكرنا أنها كلام عربي بلسان فصيح، يعرفه من سمعه ومن خوطب به.
وذكرنا أن الله تعالى لا يخاطب الأمة بكلام أعجمي، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤] أينزل على العرب كتاب أعجمي؟ إذاً: فهو عربي، والعرب يفهمون معانيه، فكيف يكون فيه معان لا يدرى ما مدلولها؟ وإنما يطلب منهم تفويض أمرها إلى الله، لا شك أن هذا بعيد عن الصواب.
كذلك القسم الذين جعلوا عمدتهم ما أثبته لهم رؤساؤهم ومشايخهم وعلماؤهم فجعلوه عمدة.
نقول: لا شك أن أولئك المشايخ الذين اعتمدتموهم ليسوا بمعصومين، ثم نقول: على أي شيء اعتمد مشايخكم وعلماؤكم الذين قلدتموهم؟ اعتمدوا على أدلة عقلية، وجعلوا النصوص ظواهر لفظية، إذا جاءتهم الآيات قالوا: آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ ظواهر لفظية لا تفيد معنى، ولا يعتمد على ظاهرها، وإنما المطلوب منا أن نتلوها للتبرك، ونقرؤها لمجرد البركة، أما أن نعتقد معناها فلا، هذا يقولونه في الأمور الغيبية، وفي الأمور الأخروية ولكن في باب الأحكام، يقولون: إنها تفيد العلم، وإنه يعمل بها.
فيقال لهم: قد فرقتم بين متماثلين، تعملون بآيات الصلاة والصيام، ولا تعملون بآيات الأسماء والصفات، ولا تعملون مثلاً بآيات الآخرة وما أخبر الله فيها، بل تردون مثل قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] وأشباه ذلك، فتقبلون بعضاً وتردون بعضاً، فقد شابهتم اليهود الذين قال الله عنهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥] يعني: أن يخزيهم في الدنيا، وأن يفضحهم في الآخرة.
стр. 655
صحيح المنقول لا يخالف صريح المعقول
عمدة أهل السنة والجماعة على النصوص، وإذا فكرنا فيها وجدناها موافقة للعقول، ولا يمكن أن يكون هناك نص صحيح ثابت، ومع ذلك يخالف العقل الصريح الذي سلم من الشبهة.
ولأجل ذلك جمع العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - بين النصوص الصحيحة الثابتة وبين صراحة العقل، فألف ابن تيمية ﵀ كتاباً في ذلك اسمه: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، صحيح المنقول يعني: الأحاديث المنقولة الصحيحة، لصريح المعقول، وسمي في الطبعة الأخيرة: درء تعارض العقل والنقل، يعني: دفع التعارض بين العقل والنقل، فالعقل الفطرة، والنقل الأحاديث الثابتة الصحيحة، فبين أن كل الآيات الصريحة لا تخالف العقول الصريحة، ولكن أولئك الذين اعتمدوا عقولهم لا شك أنهم ممن خربت عقولهم، وخربت فطرهم، لماذا؟ لأن الانحراف والزيغ -والعياذ بالله- هو الذي سبب لهم هذا الانحراف والبعد عن الصواب، فصارت قلوبهم مضطربة.
وقد مر بنا في هذا الكتاب أن نهاية أولئك المتكلمين ونحوهم الحيرة، نقل الشارح عن بعضهم قوله: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال ويقول الآخر: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذين نهوا عنه، والآن إن لم يتداركني الله برحمته، وإلا فالويل لـ ابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمي.
فدل على أن عقولهم مضطربة، ما استفادوا فائدة معتمدة، يقول شاعرهم: ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقالوا هذا بحثهم، فإذا كانت هذه غايتهم فكيف مع ذلك تعتمد عقولهم، ويركن إلى أن تلك العقول ترد بها الآيات والأحاديث.
стр. 656
منة الله على أهل الجزيرة العربية بالعقيدة السلفية
الحمد لله الذي حفظ هذه البلاد، ورزقها علماء مخلصين، هم أئمة الدعوة، ساروا على مذهب السلف الذي كان عليه الصحابة والتابعون والقرون المفضلة، فأحيوا هذا المذهب، واستجلبوا أدلته، فأصبحوا على هذا المعتقد.
كثير من البلاد ومن الدول لا يزالون على معتقد الأشعرية وعلى معتقد المعتزلة ونحوهم، ولا يزالون يحيون تراثهم ويحققون كتبهم وينشرونها، ويفتخرون أنهم جددوا تلك المذاهب، فيكونون على هذه العقيدة الزائغة مع وضوح الأدلة في زيغها.
ومن هذه الكتب التي حققت كتب القاضي عبد الجبار وهو من رؤساء المعتزلة، وكتب رجل من أهل النحو يقال له: ابن جني معتزلي أيضاً، وكتب الزمخشري المفسر اللغوي وهو معتزلي أيضاً، وأشباههم، يحققونها، ويقدمون لها مقدمات، ويمدحونها، ويثنون على أربابها، وهم يعرفون اضطرابها، ولو كانوا في زمن قديم لم تصل إليهم كتب أهل السنة لأصبحوا معذورين، ولكن في هذه الأزمنة طبعت كتب أهل السنة وانتشرت، وتجددت مرة بعد مرة، وأصبح الحق واضحاً في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكتب تلميذه ابن القيم وأتباعهما، وكتب أئمة الدعوة، وكتب أئمة السلف، كالإمام أحمد بن حنبل ﵀، وتلامذته وأهل قرنه، حتى لو لم يكونوا من تلامذة الحنابلة فمؤلفاتهم موجودة والحمد لله، ولكنها غصص في حلوق أولئك المعتزلة، كلما طبع كتاب حرصوا أن يردوا عليه، ولكن لا ينفعهم إنكارهم ولا ينفعهم ردهم، فهنيئاً لأهل هذه الجزيرة، هنيئاً لهم أن نشئوا على هذه العقيدة، والحمد لله.
أهل السنة والجماعة بنوا عقيدتهم على الشريعة الإسلامية التي أسست على كتاب الله تعالى، وعلى سنة رسول الله ﷺ ، وعرفوا أن ما جاءت به هذه الشريعة فكله من الدين، وكله مما كلف به المسلمون.
وعرفوا أيضاً أن الشريعة سواء في العقائد أو في الأعمال مبنية على الحكم والمصالح، فليس فيها أمر إلا وفيه مصلحة، وليس فيها شيء نهي عنه إلا وفي تركه مصلحة، فهي مؤسسة على تحقيق المصالح وتكميلها، ونفي المفاسد وتقليلها، هكذا بنيت هذه الشريعة.
ولا شك أنهم في طريقتهم يؤمنون بالنصوص كما هي دون أن يتوقفوا في شيء من مدلولاتها، وقد نقل عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
وهذا هو الرضا والتسليم، وهذا هو التقبل للشريعة بما جاءت به دون أن يتردد في شيء، ودون أن ينكر شيئاً، ودون أن يحكم فيه العقل، ودون أن يعرضه على فكر، بل يقبله كما هو، وإذا لم يدركه عقله فوض كيفيته إلى عالمه .
ولا شك أن من أهم ذلك: أمر الإيمان بالغيب؛ وذلك لأن الشريعة مبنية على الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب: أن يؤمن ويصدق العبد بكل ما أخبر به من الأمور التي لم يرها، ويعتقد صحتها وثبوتها، ويؤمن بما جاء من صفاتها، ويفوض كيفيتها إلى خالقها وإلى الذي أخبر بها وهو الله تعالى، فلأجل ذلك يصلح أن يقال: إن أهل السنة هم الذين حققوا الإيمان بالغيب وتركوا التدخل بالعقول في الأمور الغيبية، وضد ذلك أهل البدع الذين عرضوا أمور الشريعة -سيما الأمور الغيبية- على عقولهم، فرأوا أن ما أدركته عقولهم فهو المناسب والمقبول، وما أنكرته عقولهم الزائغة فإنه مردود ولو اتفق عليه الكتاب والسنة ولو سار عليه سلف الأمة، فقد ردوا النصوص وردوا على الأئمة وأنكروا على السلف، وابتدعوا بدعاً عمدتهم فيها عقولهم الزائفة، فلا التفات إلى مثل هؤلاء.
стр. 657
غلط المبتدعة في الاستدلال بالنصوص
المبتدعة يتمسكون ببعض النصوص ويتركون بعضها، فيؤمنون بالمتشابه أو بالمجمل، ويجعلون مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] مرجعاً لهم، ولا يعتبرون بآخر الآية الذي فيه رد عليهم، فإن هذه الآية فيها رد على طائفتين: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) رد على الممثلة والمشبهة الذين يجعلون لله مثلاً ﴿وهو السميع البصير﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة الذين أنكروا صفات الله؛ ومنها: السمع والبصر، فرد على الطائفتين ببعض آية، ولأجل ذلك كان هؤلاء المبتدعة والمعتزلة يسوءهم ما يقرءون في النصوص من إثبات الصفات، وقد مر بنا في هذا الكتاب أن أحدهم وهو ابن أبي دؤاد الذي تمكن من المأمون وأضله، طلب منه أن يكتب على كسوة الكعبة: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) أراد أن يغير الآية؛ لأن فيها ذكر السمع والبصر، وهو لا يؤمن بإثبات ذلك صفة لله.
فدل على أنهم يأخذون ما يناسبهم ويتركون ما لا يناسبهم، بل يسلطون على ذلك بعض التأويلات، يزعمون أن العقل هو الذي عرفت به الشرائع وأدركت به صحة النبوات، فإذا جاءت الشرائع والنبوات بما يخالف ذلك العقل لم يقبل، هكذا عللوا.
стр. 658
أهل الأهواء يزنون النصوص بعقولهم المضطربة
المبتدعة جعلوا عقولهم ميزاناً وهي مضطربة، فإن بعضهم ينكر صفة ويبقى على إنكارها عشرين سنة أو ثلاثين، ثم بعد ذلك يرجع فيقر بها، فيقال: هل نبت لك عقل جديد حيث أقررت بها بعد الإنكار وادعائك أن العقل هو الميزان في الأول والآخر؟ وكذلك بالعكس، يقر بعضهم بالصفات ثم في الأخير ينكرها، وهو شخص واحد، وكذلك التفاوت بينهم كبير، قد يكون اثنان تلميذين لشيخ واحد، أحدهما يقول: إن العقل يثبت الرؤية-مثلاً- والآخر ينكرها، وهذا أيضاً يقول: إن العقل يثبت العلو، والآخر يقول: إن العقل ينكر العلو.
وهما أخوان، فيعرف بذلك أن العقول ليست ميزاناً للشريعة، وإنما الميزان هو الكتاب والسنة.
стр. 659
أهل الأهواء يؤولون ما ليس بصريح ويردون ما هو صريح
المبتدعة يقولون: إن النصوص من القرآن صحيحة ولكن ليست صريحة، أي: محتملة للتأويل، فلأجل ذلك نعتمد على التأويل، ويحزنهم إذا رأوا آيات العلو مجموعة في موضع، وكذلك إذا رأوا آيات الاستواء مجموعة في موضع، وكذلك إذا رأوا آيات إثبات السمع، أو البصر، أو إثبات الرؤية أو نحو ذلك؛ لأنه يشق عليهم تأويلها إذا كانت مجتمعة، ولكن إذا فسروا فإنهم يفسرونها متفرقة، ويتأولونها، ويحملونها على محامل بعيدة.
كذلك يقولون: الأحاديث إما صحيحة وليست صريحة, فيسلطون عليها التأويل، أو صريحة ولكنها لا تفيد إلا الظن، وهي التي يسمونها: أخبار الآحاد، فلا يجعلونها حجة إلا في الأعمال لا في العقائد، فيبطلون بذلك شريعة الله.
وأهل السنة يقبلونها كما هي، ويصفون الله تعالى بموجبها، ويتوقفون عن كنه الصفة وكيفيتها، وذلك هو العلم الذي استأثر الله تعالى بعلمه.
стр. 660
اختلاف قوة الإيمان في القلوب
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [ويشير الشيخ ﵀ بقوله: (من الشرع والبيان) ، إلى أن ما صح عن النبي ﷺ نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله في كتابه العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع.
وقوله: (وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى) .
وفي بعض النسخ: (بالخشية والتقى) بدل قوله: (بالحقيقة) .
ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت -كما تقدم تنظيره- بقوة البصر وضعفه.
وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، والمعنى الأول أظهر قوة، والله أعلم بالصواب] .
قد ذكرنا أن الإيمان الذي في القلب يتفاوت بقوته أو بضعفه، وكذلك يتفاوت التصديق بقوة الأدلة وكثرتها، أو بضعفها وقلتها، وإذا تفاوت الذي في القلب تفاوتت الآثار؛ وذلك لأن ما في القلب يؤثر على البدن، فإذا كان الإنسان قوي الاعتقاد قوي التصديق، وقلبه مطمئن بالإيمان، مصدق لما سمعه من الآثار، فلا شك أن تصديق القلب يقع أثره، فترى لسانه دائماً يلهج بذلك الشيء الذي اعترف به، وترى أيضاً قلبه مطمئناً بذلك، وترى أيضاً بدنه مشتغلاً بذلك، وإذا كان التصديق ضعيفاً لم تر له أثراً على الإنسان، ولا على البدن إلا قليلاً، وإذا كان هناك تكذيب لشيء من الشريعة رأيت آثار ذلك التكذيب.
فالحاصل: أن آثار التصديق القوي هي الطاعات، وآثار التكذيب هي المعاصي، وآثار التوقف هي قلة الأعمال، فآثار ضعف التصديق هو ضعف النتيجة، فنتيجة التصديق القوي كثرة الأعمال الصالحة، والاستعداد للموت ولما بعد الموت، وكذلك الإكثار من الحسنات، وعمل أنواع القربات، والبعد عن السيئات وأنواع الخطايا، ولا شك أن ذلك كله أثر من آثار قوة الإيمان في القلب، ومع ذلك فإن الأعمال التي على البدن هي في الحقيقة من الإيمان كما تقدم، فلأجل ذلك كان المؤمن هو الذي يصدق ويعمل، والذي لا يصدق ولا يعمل فهو كافر، والذي يصدق ولا يعمل فليس بمؤمن، أو إيمانه ضعيف، فلابد أن يجمع الإيمان الذي في القلب بين ثباته وقوته، وبين ظهور آثاره.
стр. 661
شرح العقيدة الطحاوية [٤٩]
الولاية مرتبة إيمانية عظيمة، فمن كان ولياً لله انتصر الله له، وهي درجات، فأكمل الناس ولاية أكملهم إيماناً وتقوى، وقد انحرف في الولاية بعض الصوفية، فجعلوا الولي خيراً من الرسول، بل زعموا الولاية لغير الأتقياء.
стр. 662
المؤمنون كلهم أولياء الرحمن
قال المؤلف: [قوله: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن) .
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .
الولي: من الولاية بفتح الواو، التي هي ضد العداوة.
وقد قرأ حمزة: (ما لكم من ولايتهم من شيء) بكسر الواو، والباقون بفتحها.
فقيل: هما لغتان.
وقيل: بالفتح النصرة، وبالكسر: الإمارة.
قال الزجاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل: الخياطة ونحوها.
فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥-٥٦] فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم.
فالله يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له ولياً فقد بارزه بالمحاربة.
وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١] ، فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعاً، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره] .
стр. 663
أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون
يتلكم هنا على الولي الذي يكثر ذكره في اصطلاحات الصوفية ونحوهم، وفي اصطلاحات القبوريين الذين يغلون في بعض الأشخاص ويسمونهم أولياء، ويدعون أن محبتهم تستدعي تعظيمهم بما يصل إلى إعطائهم شيئاً من حق الله تعالى، فلأجل ذلك تكلم هنا على الولي وعلى الولاية.
فأولاً: كلمة الولي مشتقة من الولاية التي هي النصرة، فقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] يعني: بعضهم أنصار بعض؛ أي: بعضهم ينصر بعضاً، وبعضهم يؤيد ويقوي بعضاً، فكل منهم ولي للآخر، فالولي معناه: الناصر الذي ينصره ويتولاه ويؤيده ويقويه، هذا معنى كون المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فإذا قيل: المؤمنون أولياء الله، فالمعنى أن الله تعالى يؤيدهم وينصرهم ويقويهم، وهم أيضاً ينصرون دين الله ويجاهدون في سبيله، ويبلغون شريعته، ويذبون عن الشريعة وعن الإسلام، يذبون عنها اعتداء المعتدين وشبهات المشبهين فكانوا بذلك أولياء لله تعالى، والله تعالى وليهم.
فإذاً: ولي الله هو كل تقي مؤمن، قال الله تعال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، فهذا وصف أولياء الله، فكل مؤمن تقي فهو من أولياء الله، فما بين الإنسان وبين أن يكون ولياً إلا أن يحقق الإيمان ويحقق التقوى، فيصبح من أولياء الله.
стр. 664
غلو الصوفية في الأولياء
أما الصوفية ونحوهم فادعوا أن هناك أولياء، وأن أولئك الأولياء قد ارتقوا رتبة ارتفعوا بها عن رتبة الأنبياء ورتبة الرسل، وأصبحوا مقربين عند الله، وأصبحوا يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ينزل على الأنبياء، ويقول قائلهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فجعلوا الولي هو الأعلى، وجعلوا دونه النبي، وجعلوا الرسول أنزل الرتب، فهذا غلو منهم، حيث جعلوا الولي أرفع من النبي وأرفع من الرسول، ولا شك أن الولي هو الذي يتولى الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] ، فمن كان الله تعالى وليه، ومن تولى الله تعالى ونصر دين الله فهو من حزب الله وهو من الغالبين، ومن كان مؤمناً فهو من أولياء الله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة مطبوعة منتشرة اسمها: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فرق فيها بين من يدعي الولاية وليس من أهلها، وبين من يكون من أولياء الشيطان ويدعي أنه من أولياء الرحمن؛ وذلك لأن كثيراً من أولئك الذين يزعم الصوفية أنهم أولياء، هم في الحقيقة شياطين، أو أولياء للشياطين؛ وذلك لأنهم يتظاهرون للعوام بأمور الله بريء منها، فيفعلون المنكرات، ويفعلون الفواحش ويأكلون الحرام، ويدعون أنهم قد أبيح لهم ذلك، ويدعون أنهم قد سقطت عنهم التكاليف، وقد رفعت عنهم الأوامر والنواهي، وقد أبيح لهم أن يفعلوا ما يشاءون، فلا ينكر عليهم في زعم الذين يقدسونهم ويعظمونهم!
стр. 665
انحراف بعض الصوفية باستحلال الحرام
يحكي لنا بعض الإخوان عن الموجودين في بعض البلاد العربية أنهم يأتيهم الإنسان الذي أصيبت امرأته مثلاً بخبال أو بجنون أو نحو ذلك، فيتركها تبيت عند هذا الولي، ويقول: إنه ولي ليس بمخوف عليها منه، ولكن ينقلون عن كثير من النساء أن هذا الولي يخلو بها وأنه يفعل معها الفاحشة الكبرى، وهو مع ذلك ولي كما يقولون، فلماذا؟ لأنهم في نظر العوام قد رفعت عنهم التكاليف، وقد أبيح لهم أن يفعلوا ما يريدون، فلا ينكر عليهم إذا زنى أحدهم، أو أخذ المال بغير حقه، أو انتهب أو قتل أو ترك الصلاة، أو فعل الفواحش والمنكرات، أو ما أشبه ذلك.
ويدعون أنهم قد وصلوا إلى حضرة القدس، وأنهم قد بلغوا الرتبة العالية، وقد سقطت عنهم التكاليف والأوامر؛ هذه صفات الولي عندهم.
ذكر لي بعض المشايخ أن هذا السيد البدوي الذي يعبد ويعظم في مصر وقبره من أشهر القبور، عرف عنه أنه دخل المسجد مرة والناس في صلاة الجمعة، فبال فيه قائماً والناس ينظرون، وخرج ولم يصل، فتبعوه وقالوا: هذا مجذوب، هذا قلبه عند ربه، وبعد ذلك صار يظهر لهم مثل هذه الأمور، وصار يعظم عندهم إلى أن مات فغلوا فيه، واعتقدوا فيه الشيء العظيم الذي لو قرأ أحدنا سيرته التي كتبت عنه، لرأى فضائح وفجائع تحزن كل ذي قلب سليم، وكم وكم من أمثال هؤلاء الذين إذا وصل أحدهم إلى تلك الرتبة، زعموا أنه مباح له أن يفعل ما يشاء حتى ولو مشى عرياناً، ولو سلب، ولو قتل ونحو ذلك.
стр. 666
تلاعب الشيطان بالصوفية وانحلالهم من التكاليف
في القصيدة البائية للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني التي يقول فيها: كقوم عراة في ذرى مصر ما ترى على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب يذكر أن في زمنه قوماً في مصر يمشون عراة ويمشون بدون ثياب، وأهل ذلك الزمان يقدسونهم ويتمسحون بهم، ويتبركون بهم، ويدعون أن دعوتهم مجابة؛ لأنهم قد وصلوا إلى الله، فهم في زعمهم يأخذون من اللوح المحفوظ، وليسوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى القرآن ولا إلى السنة.
عجباً لهؤلاء كيف اعتقدوا هذه العقيدة! هل هناك رتبة أفضل من رتبة الرسل؟ رسل الله وأنبياؤه الذين بلغوا شرائعه، والذين نزل عليهم الوحي هم صفوة الله تعالى من خلقه، فهل سقطت عنهم التكاليف؟ نبينا ﷺ وهو خاتم الرسل وأفضلهم، كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فلماذا لم تسقط عنه التكاليف التي سقطت عن هؤلاء الأولياء؟ ألم يتورع عن أكل تمرة وجدها في الطريق مخافة أن تكون من الصدقة، لماذا هؤلاء يأكلون أموال الناس؟ بل يستحلون دماءهم، ويزعمون أنهم قد رفع عنهم الحرج وأبيح لهم ما لم يبح لغيرهم؟ لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، ثم بأتباعهم.
وبكل حال نقول: إن الولاية التي يلهج بها هؤلاء ليست خاصة بهذا دون هذا، بل كل أحد يستطيع أن يكون من أولياء الله إذا حقق الإيمان وحقق التقوى.
стр. 667
ولاية الله تنال بالإيمان والتقوى
يقول بعض الإخوان: إنكم معشر الوهابيين لا تقيمون للأولياء وزناً، الأولياء عندكم لا تقدسونهم ولا تعرفون قدرهم.
قال له ذلك الأخ: ومن هم الأولياء؟.
قال: الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] .
فقال: اقرأ ما بعدها؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ألا تكون منهم؟ ألا تحقق الإيمان وتحقق التقوى ثم تكون ولياً، ما بينك وبين أن تكون ولياً إلا أن تؤمن الإيمان الصحيح وتتقي الله تعالى، وبذلك تكون منهم، فلماذا تحرم نفسك وتتعلق بهم وتقدسهم وتعظمهم، وتعتقد فيهم، وتغلو في قبورهم وتفعل فيها ما لا يفعل إلا في بيوت الله تعالى وما لا يصلح إلا لله ؟ ولماذا تعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يطلعون على الكون، وأنهم يبلغون الأمور، وأنهم يديرون الأفلاك وأنهم أقطاب الأرض، وأنهم عمدها وأسسها، وأن الأرض ثبتت بثباتهم، وأنه لولا هؤلاء الأولياء لماجت الأرض واضطربت وخسفت بنا؟ فنقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم، وإلا فولاية الله تصلح لكل مؤمن: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ، فعلى المؤمن أن يحرص على تحقيق الإيمان وتحقيق التقوى ليكون من أولياء الله تعالى، وعليه أيضاً أن يتولى الله ويتولى رسوله، ويتولى إخوته المؤمنين، بمعنى أن يحبهم وينصرهم، ولذلك ذكر الله تعالى أن المؤمنين يتولى بعضهم بعضاً: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] .
عقد الله الولاية بين المؤمنين كما عقد بين المهاجرين والأنصار في الآية التي سمعنا؛ وهي قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] .
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا) هؤلاء المهاجرون، (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) هؤلاء هم الأنصار.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] ، فالكفار بعضهم يتولى بعضاً، بمعنى: ينصر بعضهم بعضاً ويؤيده (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) يعني: أنهم يتناصرون فيما بينهم، وكذلك هم جميعاً أولياء الله، فكل من كان مؤمناً فهو من أولياء الله تعالى.
стр. 668
اعتقاد الصوفية حاجة الله إلى الولي
ثم قد يفهم من إطلاقات الصوفية ونحوهم أن الولي ولي الله، وأن الله تعالى بحاجة إلى هؤلاء الأولياء، وهذا اعتقاد خاطئ، فالله تعالى غني عن الأولياء جميعاً، وغني عن الخلق كلهم، وليس بحاجة إلى عبادتهم، ولا إلى ولايتهم، وإنما كان المؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم لما أحبوا الله، ولما أطاعوه وعبدوه؛ تولاهم الله، بمعنى: نصرهم وأيدهم وقواهم، فأصبحوا هم أولياء الله، ووصف الله نفسه بأنه وليهم، فهكذا يكون المؤمن ولياً من أولياء الله، والله تعالى ولي الذين آمنوا.
стр. 669
تفاوت المؤمنين في الولاية
قال المؤلف: [والولاية أيضاً نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ أن أهلها في أصلها سواء، وتكون كاملة وناقصة؛ فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ [يونس:٦٢-٦٤] .
فـ (الذين آمنوا وكانوا يتقون) منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار: أمدح، أو مرفوع بإضمار (هم) ، أو خبر ثان لـ (إن) ، وأجيز فيه الجر بدلاً من ضمير (عليهم) .
وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تملق ولا رياضة.
وقيل: الذين آمنوا: مبتدأ، والخبر: لهم البشرى، وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية.
ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان.
ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] الآية، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين.
وقال ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر) وفي رواية (وإذا اؤتمن خان) بدل: (وإذا وعد أخلف) أخرجاه في الصحيحين، وحديث: شعب الإيمان تقدم.
وقوله: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ، فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.
فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.
وأما ما يروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه) ، فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفاراً، وقد يكونون فساقاً يموتون على الفسق] .
стр. 670
أكمل الناس ولاية أكملهم إيماناً
يتكلم هنا على الولاية وأنها الإيمان، وقد تقدم أن أهل الإيمان يتفاوتون في إيمانهم، وأيضاً يتفاوتون في صفة الولاية، فأولياء الله تعالى يتفاوتون في هذه الأوصاف، كما أن المؤمنين من عباد الله يتفاوتون في آثار الإيمان.
إذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الحسنات والطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي والمخالفات من شعب الكفر؛ أي: أن للإيمان شعباً وللكفر شعباً، وأن الإنسان قد يجتمع فيه خصال كثيرة من خصال الإيمان ويفقد بعضها فيكون مؤمناً ناقص الإيمان، وقد يكون فيه خصلة من خصال الكفر ولا يحكم بكفره؛ فيكون بذلك جامعاً بين كونه ولياً لله من جهة، وعدواً له من جهة، يحبه الله تعالى على ما فيه من الإيمان ومن الأعمال الصالحة، ويبغضه على ما فيه من المعاصي ونحوها، والحكم للصفة التي تغلب، ويكون أيضاً مثاباً ومعاقباً، ولأجل ذلك فإن الله تعالى يدخل كثيراً من العصاة النار ثم يخرجهم من النار بعد أن يمحصوا ويزال عنهم آثار تلك المعاصي، فأولئك محبوبون من جهة؛ وهي كونهم من المصدقين الذين أتوا بالشهادتين، ومبغضون من جهة؛ وهي كونهم قد أصروا على كثير من المعاصي واقترفوا كثيراً من الذنوب، وعملوا أنواعاً من السيئات، فأصبحوا بذلك قد جمعوا بين الأمرين؛ بين اقتراف السيئات وبين عمل الحسنات.
لكن الحكم لما هو الأصل، فيقال: إذا كان الأصل أنه ممن شهد الشهادتين وآمن بالله ، وآمن برسله، ولكن كان إيمانه الذي في قلبه ضعيفاً لم يحمله على كل العبادات والإتيان بها، ولم يزجره عن كل المعاصي والمخالفات، فإنه يقال: هو مؤمن، ولكن يعاقبه الله بهذه المعاصي التي اقترفها، أو يعفو الله عنه.
كذلك الكافر، قد يعمل حسنات، وقد يفعل قربات، ولكن العبرة بما عليه قلبه، فإذا كان كافراً يعتقد أن لله شركاء في العبادة، ويجعل أنواعاً من العبادات لغير الله، ولكنه مع ذلك قد يصلي، وقد يتصدق، ويقرأ، وقد يحب الخير، وقد يجاهد المشركين، ولكنه مع ذلك يدعو غير الله، فنقول: هذا مشرك، ولا ينفعه عمله هذا الذي عمله؛ لأنه حبطت أعماله وقرباته وحسناته وبطل أجرها وثوابها، فلا يستحق عليها شيئاً.
وبكل حال نقول: إن على المؤمن أن يحرص على تكميل إيمانه حتى يكون من أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما جمع الله تعالى في وصفهم بين هذين: (الذين آمنوا وكانوا يتقون) ، فآمنوا إيماناً تظهر عليهم آثاره وهي الصالحات، وتصديقاً قوياً وتقوى يتركون بها الآثام والجرائم وأنواع المحرمات، وكبائر الإثم وصغائره.
فإذا كمل الإيمان ولو حصل معه شيء من السيئات ونحوها، واتقى الله ، أصبح من أولياء الله، وثوابه الذي يحصل له ثواب عاجل وثواب آجل، فالثواب الذي في الدنيا هو أن الله تعالى يحب أولياءه ويتولاهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ، وإذا أحبهم الله وفقهم للطاعات وحماهم عن المعاصي والآثام.
أما الثواب في الآخرة فهو الثواب الأعظم، وقد ذكر الله بعض الثواب أو نوعاً منه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فجعلهم من أهل الأمن، والأمن هو أن يكونوا آمنين في الآخرة، لا يخافون ولا يحزنون، ولذلك قال في هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] أي: هم آمنون، (وهم مهتدون) أي: على طريق سوي، فنعتقد بذلك أن لله أولياء، وأنهم ليسوا -كما يزعم المتصوفة والغلاة ونحوهم- خواص من الناس قد قطعوا المسافات، وأنهم سقطت عنهم التكاليف، وأنهم وأنهم، بل كل من آمن إيماناً صحيحاً واتقى الله تعالى حصل على ولاية الله، وأما من قصر في ذلك فإن معه نوعاً من الولاية ولكنها ولاية ناقصة.
следующие страницы →